← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَسُلَيمَانَ الأَعْمَشِ ــ وأُجيب بأنه ليس المراد به هنا التنبيه على مراتبهم، فلا حَجْرَ في ترتيبهم، ويحتمل أن يكون مسلمٌ قَدَّمَ منصورًا لرُجْحَانِه في ديانتِه وعبادتِه وإِنْ كان كُلٌّ من الثلاثة راجحًا على غيره لكنْ منصورٌ أرجحُهم. قال عبد الرحمن بن مهدي: منصورٌ أثبتُ أهلِ الكوفة. وقال سفيان: كنتُ لا أُحَدِّثُ الأعمشَ عن أحدٍ من أهل الكوفة إِلَّا رَدَّه، فإذا ذكرتُ منصورًا سَكَت. وقال أحمدُ بن حنبل: منصورٌ أثبتُ من إِسماعيل بن أبي خالد. وقال أبو حاتم: منصورٌ أثبتُ من الأعمش، وقالهُ يحيى بن مَعِينِ، ورُوي أنه صام ستين سنةً وقامها، وأمَّا عبادتُه وزُهْدُه وامتناعُه من القضاء حين أُكْرِهَ عليه فأكثرُ من أنْ يُحْصَى، وأشهرُ من أنْ يُذْكَرَ) اهـ (١). (و) بـ (سُلَيمَانَ) بنِ مِهْرَانَ المُلَقَّبِ بـ (الأعمشِ) (٢)؛ لضعف بصره مع سَيلان دَمْعها، الكاهليّ مولاهم، أبي محمد الكوفي، أحَدِ العلماءِ الحُفَّاظ والقُرَّاء، رأى أنسًا يَبُولُ. روى عن عبد الله بن أبي أوفى وعكرمة -قال أبو حاتم: لم يسمع منهما- وزيد بن وهب وأبي وائل وإِبراهيم التَّيمي والشَّعْبي وخَلْق. ويروي عنه (ع) وأبو إِسحاق والحكم وزُبَيد -وهو من شيوخه- وسُلَيمان التَّيمي -وهو من طبقته- وشعبة وسفيان وزائدة ووكيع وخَلْقٌ. وقال ابنُ المَدِيني: له نحو ألف حديث وثلاثمائة، وقال ابن عُيَينَة: كان أقرأهم وأحفظَهم وأعلمَهم، وقال العِجلِيُّ: ثقةٌ ثَبْتٌ، وقال النَّسائِيُّ: ثقةٌ ثَبْتٌ، وعَدَّه في المُدَلِّسين.

стр. 107

وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي إِتْقَانِ الْحَدِيثِ وَالاسْتِقَامَةِ فِيهِ .. وَجَدْتَهُمْ مُبَايِنِينَ لَهُمْ لَا يُدَانُونَهُمْ، لَا شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ؛ لِلَّذِي اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةِ ــ وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ عارفٌ بالقراءات وَرِعٌ لكنه يُدَلِّسُ، من الخامسة، مات في ربيع الأول سنة سبع أو ثمانٍ وأربعين ومائة، وكان مولده أول سنة إِحدى وستين. اهـ (و) بـ (إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ) البَجَليِّ الأحمسيِّ التابعيِّ المشهورِ، أبي عبد الله الكوفيِّ أَحَدِ الأئمَّةِ الأعلامِ. روى عن عبد الله بن أبي أَوْفَى وأبي جُحَيفَة وعَمْرو بن حُريث والشَّعْبي -وكان أعلمَ الناسِ به- وخَلْق، ويروي عنه (ع) وشعبةُ والسُّفْيانان وابنُ إِدريس، وقال ابنُ المَدِيني: له نحو ثلاثِمائة حديث. وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ، من الرابعة، مات سنة ستٍّ وأربعين ومائة. وقولُه: (في إتقانِ الحديثِ) مُتَعَلِّقٌ بـ (وَازَنْتَ) أيضًا؛ أي: قَابَلْتَ الثلاثةَ الأُوَلَ بالثلاثةِ الأخيرةِ في إِتقانِ الحديث وحِفْظِه (و) في (الاستقامةِ) والتثبُّتِ (فيه) أي: في الحديث. وقولُه: (وَجَدْتَهُمْ) جوابُ (إِذا) أي: وَجَدْتَ الثلاثةَ الأُوَلَ (مُبَايِنِينَ) أي: مُخَالِفِينَ (لهم) أي: للثلاثة الأخيرةِ في قُوَّةِ الإِتقانِ والاستقامةِ، بل (لا يُدَانُونَهم) ولا يُقَارِبُونَهم فَضْلًا عن المقابلة؛ أي: لا تُدَانِي الثلاثةُ الأُوَلُ الثلاثةَ الأخيرةَ في قوتهما، بل بينَهم بَوْنٌ بائنٌ وفَرْقٌ فَارقٌ، و (لا شَكَّ) أي: لا رَيبَ ولا تَرَدُّدَ موجودٌ (عندَ أهلِ العِلْمِ) والمعرفةِ (بالحديثِ) والأخبار (في ذلك) أي: في كون الثلاثةِ الأُوَل مباينين للثلاثة الأخيرة في عدم مداناتهم إِياهم في الإِتقان والاستقامة. وقولهُ: (لِلَّذي اسْتَفَاضَ) وشاع عندهم تعليلٌ لنَفْي الشكِّ؛ أي: وإِنما لم يشكّوا ولم يتردّدوا في ذلك للأمر الذي استفاض وشاع واشتهر (عندَهم) أي: عندَ أهلِ العلم بالحديث. وقولُه: (مِنْ صِحَّةِ) بيانٌ للذي استفاض عندهم؛ أي: حالة كون ما استفاض

стр. 108

حِفْظِ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِتْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءٍ وَيزِيدَ وَلَيثٍ. وَفِي مِثْلِ مَجْرَى هَؤُلاءِ إِذَا وَازَنْتَ بَينَ الأَقْرَانِ كَابْنِ عَوْنٍ ــ عندهم من صِحَّةِ وقُوَّةِ (حِفْظِ منصورٍ والأعمشِ وإسماعيلَ و) من صِحَّةِ (إتْقَانِهم) أي: إِتقانِ هؤلاء الثلاثة (لـ) نَقْلِ (حديثِهم) الذي رَوَوْه. والواوُ في قوله: (وأَنَّهُمْ) حاليةٌ؛ أي: والحالُ أَنَّ أهلَ العلمِ بالحديث (لم يَعْرِفُوا) ولم يَعْلَمُوا (مِثْلَ ذلك) أي: مِثْلَ ما استفاض عندَهم في منصورٍ وصَاحِبَيه من صِحَّةِ حفظِهم وإِتقانِهم. والجارُّ والمجرورُ في قوله: (من عَطَاءٍ ويزيدَ ولَيثٍ) متعلِّقٌ بمحذوف حالٍ من مفعول عرف، أو مفعولٌ ثانٍ له إِن كان بمعنى علم؛ أي: لم يعرفوا مِثْلَ ذلك حال كونه واقعًا من عطاء وصاحبيه وثابتًا لهم فضلًا عن الاستفاضة، والمعنى: لم يعرفوا وقوعَ مِثْلِ ذلك الحفظ والإِتقان من عطاءٍ وصاحبَيهِ فَضْلًا عن استفاضتهِ فيهم. وقولُه: (وفي مِثْلِ مَجْرَى هؤلاءِ) كلامٌ مستأنفٌ مفيدٌ لعموم الموازنة بين الأقران متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديرهُ: (و) تجري الموازنةُ والمقابلَةُ بين الأقران (في) غير هؤلاء المذكورين آنفًا (مِثْلَ مَجْرَى هؤلاءِ) أي: مِثْلَ جَرَيانِها في هؤلاء الستة المذكورين آنفًا في التبايُنِ والتباعُدِ بينهم (إذا وَازَنْتَ) وقَابَلْتَ (بينَ الأقرانِ) والأشباه غير هؤلاء الستة المذكورين. والمَجْرَى: مصدرٌ ميميٌّ بمعنى الجري، يُقال: جَرَى الماءُ وغيرُه من باب رَمَى، وجريانًا أيضًا، وما أَشَدَّ جِرْية هذا الماء بالكسر والسكون، وقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ هما مصدران من أجريت السفينة وأرسيت، ومَجْراها ومرساها بالفتح من جرت السفينة ورست، والمَجْرَى: المَمَرُّ والطريق. وتلك الأقران (كابنِ عَوْنٍ) وهو عبد الله بن عَوْن بن أَرْطَبَان -بفتح فسكون ففتح- المزني مولاهم، أبو عون البصري أحدُ الأئمَّة الأعلام. روى عن عطاءٍ ومجاهدٍ وسالم والحَسَن والشَّعبي وخَلْق، ويروي عنه (ع) وشعبةُ والثَّوْرِيُّ وابنُ عُلَيَّةَ ويحيى القطان وخلائقُ.

стр. 109

وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ مَعَ عَوْفِ بْنِ أبي جَمِيلَةَ ــ قال ابنُ مهدي: ما أحد أعلم بالسُّنَّة بالعراق من ابن عَوْن، وقال رَوْحُ بن عُبادة: ما رأيتُ أَعْبَدَ منه. وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ فاضلٌ من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ، من السادسة، مات سنة خمسين ومائة. (وأيوبَ) بنِ أبي تَمِيمةَ كَيسان (السِخْتِيانيِّ) بفتح المهملة أو كسرها (١)، بعدها معجمةٌ ساكنة، ثم مثناةٌ فوقانيةٌ مكسورةٌ، ثم تحتانية، وبعد الألف نون، نسبة إِلى سِخْتِيان وهي الجلودُ؛ لأنه كان يبيعها (٢)، أبي بكر البصري الفقيه، أحدِ الأئمَّة الأعلام. روى عن عَمْرو بن سَلِمة والحَسَن وعطاء وابن سيرين وخَلْق، ويروي عنه (ع) وابنُ سيرين من شيوخه وشعبة والسُّفْيانان والحَمَّادان وخَلْق. قال ابنُ عُلَيَّة: كُنَّا نقول عنده ألفا حديث، وقال شعبة: ما رأيتُ مِثْلَه، وقال حماد بن زيد: أيوبُ أفضلُ مَنْ جَالسْتُه وأَشَدُّه اتباعًا للسُّنَّة، وقال ابنُ عُيَينَة: ما لقيتُ مِثْلَه في التابعين، وقال ابنُ سعد: كان ثقةً ثَبْتًا حُجَّةَ جامعًا كثيرَ العِلْم، وُلِدَ سنة ستٍّ وستين. وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ حُجَّةٌ، من كبار الفقهاءِ العُبَّاد، من الخامسة، مات سنة إِحدى وثلاثين ومائة. إِذا وازنتهما (مَعَ عَوْفِ بنِ أبي جَمِيلَةَ) -بفتح الجيم- العَبْدي أبي سَهْل الهَجَرِيِّ البصري، المعروف بالأعرابيّ - ولم يكن أعرابيًّا. روى عن أبي العالية وأبي رجاء وأبي عثمان النَّهْدِي، ويروي عنه (ع) وشُعْبة

стр. 110

وَأَشْعَثَ الْحُمْرَانِيِّ -وَهُمَا صَاحِبَا الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا- إِلَّا أَنَّ الْبَوْنَ بَينَهُمَا وَبَينَ هَذَينِ بَعِيدٌ فِي كَمَالِ الْفَضْلِ وَصِحَّةِ النَّقْلِ وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ وَأَشْعَثُ غَيرَ مَدْفُوعَينِ عَنْ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَكِنَّ الْحَال مَا وَصَفْنَا مِنَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ ــ وغُنْدَر والنَّضْر بن شُمَيل وخَلْق، وَثَّقَه النَّسائيُّ وجماعةٌ. قال في "التقريب": ثقةٌ رُمِيَ بالقَدَرِ وبالتشيُّع، من السادسة، مات سنة ستّ أو سبع وأربعين ومائة. (و) مع (أَشْعَثَ) بنِ عبد الملك (الحُمْرَانِيِّ) بضم الحاء المهملة منسوب إِلى حُمْران مولى عثمان بن عفان ﵁، أبي هانئ البصري، ثِقَة. قال في "التقريب": ثقةٌ فقيهٌ روى عنه (خت ٤)، من السادسة، مات سنة اثنتين وأربعين ومائة. (وهُمَا) أي: عَوْفٌ وأَشْعَثُ (صاحبا الحَسَنِ) البصريِّ (و) محمدِ (ابن سيرينَ كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ وأيوبَ صاحباهُما) أي: صاحبا الحَسَنِ وابنِ سيرين (إلَّا أَنَّ البَوْنَ) أي: الفَرْقَ (بينَهما) أي: بين عَوْفٍ وأَشعَثَ (وبينَ هَذَينِ) أي: بين ابنِ عَوْنٍ وأيوبَ (بعيدٌ) أي: متباعدٌ. وقولهُ: (في كَمَالِ الفَضْلِ) والدِّيانةِ متعلِّقٌ بـ (البَوْن)، (و) في (صِحَّةِ النَّقْلِ) والرواية معطوفٌ على (كمالِ الفَضْلِ). و(إِنْ) في قوله: (وإنْ كان) غائيةٌ لا جوابَ لها؛ أي: وَإِنْ كان (عَوْفٌ وأَشْعَثُ غيرَ مَدْفُوعَينِ) أي: غيرَ محرومَينِ ومردودَينِ ومسلوبَينِ (عَنْ صِدْقٍ) في مقالٍ (وأمانةٍ) في حالٍ (عندَ أهلِ) هذا (العِلْمِ) والفنِّ، أو جوابُها معلومٌ ممَّا قبلها تقديره: وإِنْ كان عَوْفٌ وأَشْعَثُ غيرَ مدفوعَينِ .. فالبَوْنُ حاصلٌ بينهما وبينَ هذين. وقولُه (ولكنَّ الحال) استدراكٌ على قوله: (غيرَ مَدْفُوعَينِ) أي: ولكنَّ الحال والشأن في هؤلاء الأربعة هو (ما وَصَفْنا) وذَكَرْنا فيهم (من) البَوْنِ والفَرْقِ بينَهم في (المنزلةِ) والدرجةِ الثابتةِ لهم (عندَ أهلِ) هذا (العِلْمِ) والفنِّ.

стр. 111

وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا هَؤُلاءِ فِي التَّسْمِيَةِ؛ لِيَكُونَ تَمْثِيلُهُمْ سِمَةً يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِيَ عَلَيهِ طَرِيقُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَرْتِيبِ أَهْلِهِ فِيهِ، فَلَا يُقَصَّرُ بِالرَّجُلِ الْعَالِي الْقَدْرِ ــ (وإنَّما مَثَّلْنا هؤلاءِ) أي: وإِنما جَعَلْنا أسماءَ هؤلاءِ العَشَرَةِ المذكورين هنا مثالًا (في التسميةِ) أي: تسميةِ وتعيينِ أسماءِ الطبقة الأولى والثانية (ليكونَ تمثيلُهم) أي: لتكون أسماؤهم المذكورةُ في تمثيلنا هنا إِذا وقعت خارجًا في أسانيد أهل العلم (سِمَةً) أي: علامةً على قُوَّةِ الإِسنادِ إِنْ كانتْ من أسماء الطبقة الأولى، أو على ضَعْفِه إِنْ كانتْ من أسماء الطبقة الثانية، بحيث (يَصْدُرُ) ويرجعُ (عَنْ فَهْمِها) أي: عندَ فَهْمِ تلك العلامة والاطلاع عليها في أسانيد أهل العلم، فـ (عَنْ) بمعنى عند (١). و(مَنْ) في قوله: (مَنْ غَبِيَ) فاعلُ يَصْدُرُ. قال السنوسي: ("غَبِيَ" بفتح الغين المعجمة وكسر الباء الموحدة؛ أي: خَفِيَ، ويُروى بالعين المهملة وياءين مُثنّاتَين، ويُروى: "عَمِيَ" بالعين والميم) اهـ (٢) أي: بحيث يرجعُ مَنْ خَفِيَ (عليه طريقُ أهلِ) هذا (العِلْمِ) ورجالهم قاضيًا وَطَرَه وحاجتَه (في) معرفة (ترتيبِ) مراتبِ (أهلِه) أي: أهلِ هذا العلم (فيه) أي: في هذا العلم إِذا اطلع على تلك السِّمَةِ التي هي أسماؤهم في الأسانيد الواقعة خارجًا، فيعرف بالاطّلاع على أسماء الطبقة الأولى قوة في الأسانيد، وبالاطّلاع على أسماء الثانية ضعفها. وإِذا كانت أسماؤهم سِمَةً وعلامةً على ذلك ( .. فلا يُقَصَّرُ) أي: لا يُحطّ ولا يُنقص (بالرجلِ العالي القَدْرِ) أي: بالإسناد الذي ذُكِرَ فيه الشخصُ الرفيعُ القَدْرِ والمرتبةِ في هذا العلم بقوة الإِتقان والاستقامة.

стр. 112

عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلَا يُرْفَعُ مُتَّضِعُ الْقَدْرِ فِي الْعِلْمِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ، وَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ فِيهِ حَقَّهُ، وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهَا أَنَّهَا قَالتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُنَزِّلَ الناسَ مَنَازِلَهُمْ، ــ وقولُه: (عَنْ دَرَجَتِهِ) ومنزلتِه متعلِّقٌ بـ (يُقَصَّرُ) أي: لا يُحَطُّ ذلك الإِسنادُ عن عالي درجتِه وقُوَّتِه؛ لوجودِ سِمَةِ القُوَّةِ فيه (ولا يُرْفَعُ) أي: ولا يُعْلَى ويُقَوَّى إِسنادٌ ذُكِرَ فيه شخصٌ (مُتَّضِعُ القَدْرِ) والمنزلةِ والدرجةِ؛ أي: وَضِيعُ القَدْرِ وناقصُه (في) هذا (العِلْمِ) والفَنِّ بقلَّةِ الإِتقان والضبط والاستقامة. وقولُه: (فوقَ منزلتِه) متعلِّقٌ بـ (يُرْفَعُ)؛ أي: لا يُرْفَعُ ولا يُعْلَى ذلك الإِسنادُ فوقَ منزلتهِ ودرجتهِ، بل هو على ضعفه لوجودِ سِمَة الضعف فيه (ويُعْطَى كُلُّ ذي حَقٍّ) ومرتبةٍ (فيه) أي: في هذا العلم من عالي القَدْر ومُتَّضِعِه (حَقَّهُ) أي: ما يَسْتَحِقُّه من قُوَّةِ إِسنادٍ أو ضَعْفِه، (ويُنَزَّلُ) أي: يُبَوَّأُ كُلُّ ذي حَقٍّ منهما ويُعْطَى (منزلتَه) ودرجتَه من الإِتقان والاستقامة وضِدِّهما. (و) إِنما نُزِّلَ كُلُّ ذي حَقٍّ منزلتَه لِمَا (قد ذُكِرَ) ورُويَ (عن عائشةَ) الصِّدِّيقةِ أُمِّ المؤمنين أُمِّ عبد الله (رَضِيَ اللهُ) سبحانه و (تعالى عنها) أي: قَبِلَ اللهُ حسناتِها عنها وجازاها عليها (أنها قالتْ: أَمَرَنَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه) وعلى آلِهِ (وَسَلَّمَ أَنْ نُنَزِّلَ الناسَ) أي: آحادَهم في الحقوقِ وبعضِ الأحكامِ؛ أي: إلا فيما قام الدليلُ على وجوب التسوية بينهم فيه كالحدودِ والقِصَاص وشِبْهِ ذلك (مَنَازِلَهُمْ) ومراتبَهم فيُعْطَى كُلُّ ذي حَقٍّ حَقَّه؛ أي: كُل ذي رفعةٍ رِفْعَتَه، وكُلُّ ذي ضَعَةٍ ضعتَه، لا فوقَه ولا دُونَه؛ لأن هذا هو العَدْلُ الواجبُ علينا بقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. قال القرطبي: (واستدلالُ مسلمٍ بهذا الحديث يَدُلُّ ظاهرًا على أنه لا بأس به، وأنه ممَّا يُحْتَجُّ به عنده، وإِنما لم يُسْنِدْه في كتابه لأنه ليس على شَرْطِ كتابه، وقد أسنده أبو بكرٍ البَزَّارُ في "مسنده" عن ميمون بن أبي شَبيب، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، وقال: لا يُعْلَمُ عن النبيِّ ﷺ إِلا من هذا الوجه، وقد رُويَ عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفًا.

стр. 113

مَعَ مَا نَطَقَ بِهَ الْقُرْآنُ ــ وقد ذكره أبو داود في "مصنَّفه" (١) فقال: حدثنا يحيى بن إِسماعيل وابن أبي خلف (٢)، أَنَّ يحيى بن يَمَانٍ أخبرهم، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب: أَنَّ عائشة مَرَّ بها سائلٌ فأَعْطَتْه كِسْرَةً، ومَرَّ بها رجلٌ عليه ثيابٌ وهيئةٌ فأقعدتْه فأَكَلَ، فقيل لها في ذلك فقالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أنْزِلُوا النَّاسَ مَنازِلَهم". قال ابنُ الأعرابي: قال أبو داود: ميمون لم يُدْرِكْ عائشة. وعلى هذا: فالحديثُ منقطعٌ، فقد ظَهَرَ لأبي داود من هذا الحديث ما لم يَظْهَرْ لمسلمٍ، ولو ظَهَرَ له ذلك .. لما جاز له أن يستدلَّ به إِلا أن يكون يعمل بالمراسيل، والله أعلم، على أَنَّ مسلمًا إِنما قال: وذُكِرَ عن عائشة وهو مُشْعِرٌ بضَعْفِه، وأنه لم يكن عنده ممَّا يعتمدُه (٣). ومعنى هذا الحديثِ. الحضُّ على مراعاة مقاديرِ الناس ومراتبِهم ومناصبهم، فيُعَامَلُ كُلُّ أحدٍ منهم بما يَلِيقُ بحالِه، وبما يُلائِمُ منصبَه في الدِّين والعلم والشَّرَف والمرتبة؛ فإِنَّ الله تعالى قد رتب عبيدَه وخَلْقَه، وأَعْطَى كُلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، وقال ﷺ : "خِيَارُهم في الجاهلية خِيَارُهم في الإِسلام إِذا فقهوا" (٤) اهـ (٥). والظرفُ في قوله: (مَعَ ما نَطَقَ به القرآنُ) متعلِّقٌ بقوله: (ذُكِرَ عن عائشة) أي: لما ذكر عنها مع دلالة ما نَطَقَ به القرآنُ ونَزَلَ به وحواه على التنزيل المذكور المروي عن

стр. 114

مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. فَعَلَى نَحْو مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ نُؤَلِّفُ مَا سَأَلْتَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمٍ هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُتَّهَمُونَ أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْهُمْ .. فَلَسْنَا نتَشَاغَلُ ــ عائشة ﵂ حالة كون ما نَطَقَ به ونَزَل (مِنْ قَوْلِ اللهِ) سبحانه و (تَعَالى ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ حادثٍ ولو نبيًّا مُرْسَلًا ومَلَكًا مُقَرَّبًا ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: كثيرُ العلم منه، فدلَّت للفوقيةُ المذكورةُ في الآية على أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ ذي عِلْمٍ يُنَزَّلُ منزلتَه ومرتبتَه لا يُجَاوَزُ إِلى ما فوقها. والفاءُ في قوله: (فَعَلَى نَحْو ما ذَكَرْنا من الوُجُوهِ نُؤَلِّفُ) فاءُ الفصيحة داخلةٌ على (نُؤَلِّفُ)، و (على) متعلِّقٌ بـ (نُؤَلِّفُ)، و (نَحْو) بمعنى مِثْل، و (الوُجُوه) جمعُ وَجْهٍ بمعنى قِسْم، والمعنى: إِذا عَرَفْتَ ما ذكرتُه لك من تقسيم الأخبار والطبقات على ثلاثة أقسام وأردتَ بيانَ ما نُدْخِلُه في كتابنا من تلك الأقسام فأقول لك: نُؤَلِّفُ ونَجْمَعُ (ما سَأَلْتَـ) ـني جَمْعَه وتلخيصَه (من الأخبارِ) المأثورةِ (عن رسولِ اللهِ ﷺ في كتابٍ مُشْتَمِلٍ على مِثْلِ ما ذَكَرْناه سابقًا من جملة الوجوه والأقسام الثلاثة، والذي ذُكِرَ منها هو القسم الأول والثاني من الأخبار والطبقات. والفاءُ في قوله: (فأمَّا ما كان منها) فاءُ الفصيحة أيضًا؛ لأنها أفصحتْ عن جوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ تقديرُه: إِذا عَرَفْتَ القسمَينِ الأَولَينِ من الأقسام الثلاثة وعَرَفْتَ إِدخالهما في كتابنا وأردتَ بيانَ القسمِ الثالثِ وبيانَ حالِه وشأنِه .. فأقول لك: أمَّا ما كان من الأخبار منقولًا (عن قَوْمٍ) متروكين؛ لشِدَّةِ ضَعْفِهم (هُمْ) أي: أولئك القومُ (عندَ) جميع (أهلِ الحديثِ مُتَّهَمُون) بالكذب؛ لشُهْرَتِهم بوَضْع الأحاديث وتوليدها من عند أَنفسهم، والظرف في قوله: (عندَ أهلِ الحديثِ) متعلِّقٌ بـ (مُتَّهَمُون). (أو) مُتَّهَمُون (عندَ الأكثرِ منهم) أي: مِنْ أهلِ الحديثِ لا عند جميعهم. والفاءُ في قوله: ( .. فلَسْنا) رابطةٌ لجواب (أمَّا) في قوله: (فأمَّا ما كان ... ) إِلخ أي: فلسنا نحن (نَتَشَاغَلُ) ونتَعَاطَى ونَقْصِدُ؛ أي: لسنا

стр. 115

بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِمْ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ مِسْوَرٍ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَائِنِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ الْقُدُّوسِ الشَّامِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوب، وَغِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيمَانَ بْنِ عَمْرٍو أبي دَاوُدَ النَّخَعِيِّ، ــ متشاغلين (بتخريجِ حديثِهم) ونَقْلِه عنهم؛ لشِدَّةِ ضَعْفِهم وشُهْرَةِ وَضْعِهم، وأولئك القومُ (كعبدِ اللهِ بنِ مِسْوَرٍ) بكسر الميم وسكون السين المهملة المُكَنَّى بـ (أبي جعفرٍ المدائنيِّ) أي: المنسوب إِلى المدائن، وهي بلدةٌ قرب بغداد، وكان فيها إِيوان كسرى، سُمِّيَتْ بلفظ الجَمْع لِعِظَمِها. فائدة: والفَرْقُ بين قولهم في النِّسْبة: المدني والمديني والمدائني، أَنَّ الأولَ منسوبٌ إِلى مدينة رسول الله ﷺ ، والثانيَ نِسْبةٌ إِلى عدة مدن منها مدينة المنصور بلدةٍ بخُراسان، والثالثَ نِسْبَةٌ إِلى بلدةٍ بقرب بغداد. (و) كـ (ـعَمْرِو بنِ خالدٍ) أبي حفص الأعشى الكوفي، روى عن الأعمش وهشام بن عُرْوة، وعنه عَمْرُو بن عبد الله الأَوْدِي، قال ابن عدي: مُنْكَر الحديث، وقال ابنُ حِبَّان: يروي عن الثقات الموضوعاتِ، لا تَحِلُّ الروايةُ عنه. (وعبدِ القُدُّوسِ) بن حبيبٍ الكَلاعي (الشاميِّ) بالشين المعجمة نسبة إِلى الشام، روى عن عكرمةَ وعطاءٍ وغيرِهما. (ومحمدِ بنِ سعيدٍ) الدِّمشقي أبي عبد الرحمن ويُقال: أبو عبد الله، ويُقال: أبو قيس (المصلوبِ) أي: الذي قُتِلَ وصُلِبَ في الزندقة، قتَلَه أبو جعفر. (وغِيَاثِ بنِ إبراهيمَ) الكوفيِّ الوَضَّاع. (وسُلَيمَانَ بنِ عَمْرٍو) -بفتح العين- قال السنوسي: (فالواو التي تُوجَدُ بعد الراء في عَمْرٍو هذا هي الواوُ التي تُزَادُ فيه للفَرْق بينه وبين عُمَرَ المضمومِ العين لا عاطفةٌ؛ لأنَّ ما بعدها عطفُ بيانٍ لسليمانَ بنِ عَمْرٍو لا رجلٌ آخر) (١) - المُكنَّى بـ (أبي داود النَّخَعِيِّ) أي: المنسوب إِلى نَخَع بفتح الخاء ابن عَمْرو بن عُلَة -بضم العين وفتح اللام

стр. 116

وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنِ اتُّهِمَ بِوَضْعِ الأَحَادِيثِ وَتَوْلِيدِ الأَخْبَارِ. وَكَذَلِكَ مَنِ الْغَالِبُ عَلَى حَدِيثِهِ الْمُنْكَرُ أَو ــ المخففة- ابن جلد بن مالك بن أُدد أبي قبيلةٍ باليمن. (وأَشْبَاهِهِمْ) أي: نظائرِهم وأمثالِهم في الوَضْعِ والضَّعْفِ، كأبي داود الأَعْمى، وموسى بن دِهْقان، وحَكِيم بن جُبَير، وحمَّاد بن عَمْرٍو، وغيرِهم (ممَّن اتُّهِمَ) عند أهل الحديث (بوَضْع الأحاديث) واختلاقِها من عند نفسه. قال السنوسي: (والحديثُ الموضوعُ: هو المُخْتَلَقُ المصنوعُ، وربما أَخَذَ الواضعُ كلامًا لغيره مما فيه حكمةٌ وتَكَلَّمَتْ به الحُكَمَاءُ ونحو ذلك فيجعله حديثًا، وربما وَضَعَ كلامًا من عند نفسه. وكثيرٌ من الموضوعات أو أكثرُها يَشْهَدُ بوَضْعِها ركاكةُ لفظِها. وحُكْمُ وَضْعِ الحديثِ: التحريمُ بإِجماع المسلمين الذين يُعْتَدُّ بقولهم، وشَدَّ منْ لا يُعْتَدُّ به من المبتدعة كالكَرَّامية فقالوا: يجوزُ وَضْعُ الحديث في الترغيبِ والترهيبِ والزُّهْدِ، وقد سَلَكَ مسلكَهم بعضُ المتوسّمين بسِمَةِ الزهادة ترغيبًا في الخير بزَعْمِهم الباطل. قال النوويُّ: وهذه غباوةٌ ظاهرةٌ وجهالةٌ متناهيةٌ، ويكفي في الردِّ عليهم قولُه ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعمِّدًا .. فليتبوأْ مقعدَه من النار") اهـ (١) وقولُه: (وتوليدِ الأخبارِ) وإِنشائِها وزيادتِها من عند نفسه: من عطف الرَّدِيف على ما قبله. (وكذلك) أي: وكهؤلاء المذكورين في عدم التشاغُل بحديثهم (مَنِ الغالبُ) والكثيرُ (على حديثِه) أي: في حديثهِ الذي يرويه، فعَلَى بمعنى في (المُنكَرُ) أي: الحديثُ المُنْكَرُ المردودُ، وهو الحديثُ الفردُ المُخَالِفُ لما رواه الثِّقاتُ، أو الفَرْدُ الذي ليس في راويه من الاستقامة والإِتقان ما يحتملُ معه تَفَرُّدُه (أَو) الغالبُ في حديثه

стр. 117

الْغَلَطُ .. أَمْسَكْنَا أَيضًا عَنْ حَدِيثِهِمْ. وَعَلامَةُ الْمُنْكَرِ فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ: إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالرِّضَا .. خَالفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ، أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا، ــ (الغَلَطُ) والخطأُ، وهو ضِدُّ الصواب .. فإنّا نحن (أَمْسَكْنا) كلامنا وسكتنا (أيضًا) أي: كما لا نَتَشَاغَلُ بحديثِ أولئك أَمْسَكْنا (عن) رواية (حديثِهم) أي: عن رواية حديثِ مَنِ الغالبُ في حديثه المُنْكَرُ أو الغَلَطُ، وقولُه: (أَمْسَكْنا ... ) إِلخ تصريحٌ بما عُلِمَ من التشبيه السابق في قوله: (وكذلك). (وعلامةُ) الحديثِ (المُنْكَرِ) أي: أَمَارَتُهُ التي تَدُلُّ على نكارتِه إِذا وَقَعَ (في) جنسِ (حديثِ المُحَدِّثِ) وهو -أعني: المُحَدِّثَ- من اشتغل به رِوايةً ودِرايةً وجَمْعَ رُواةٍ، واطَّلَعَ على كثيرٍ من الرُّواةِ والرِّواياتِ في عصره. قال السنوسي: (وهذه العلامةُ التي ذَكَرَ علامةُ المنكرِ المردودِ، وقد يُطْلَقُ المُنْكَرُ في الاصطلاح على انفرادِ الثقةِ بحديثٍ، وليس هذا بمنكرٍ مردودٍ إِذا كان الثِّقَةُ ضابطًا مُتْقِنًا) اهـ (١) أي: علامةُ المنكرِ إِذا وَقَعَ في حديثِ المُحَدِّثِ أنه (إذا ما عُرِضَتْ) وقُوبِلَتْ (روايتهُ) أي: روايةُ المُحَدِّث (لـ) ـذلك (الحديثِ على روايةِ غيرهِ) أي: على روايةِ غيرِ المُحَدِّثِ له من الثقات حالةَ كَوْنِ ذلك الغير (مِنْ أَهلِ الحِفْظِ) والإِتقانِ (والرِّضا) والدِّيانة، وجوابُ إِذا قولُه: (خَالفَتْ روايتُه) أي: روايةُ ذلك المُحَدِّث (روايتَهم) أي: روايةَ أولئك الغير الذين كانوا من أهل الحفظ والرِّضا في جميع مُتُونِها وأسانيدِها (أَوْ لَمْ تَكَدْ) أي: لم تُقَارِبْ روايتُه (تُوَافِقُها) أي: تُوَافِقُ روايتَهم في جميع مُتُونها وأسانيدِها؛ أي: لا تُوَافِقُها إلا في قليل. قال السنوسيُّ: (استعمل كادَ هنا على طريق مَنْ قال: نَفْيُها نَفْيٌ وإِثباتُها إِثباتٌ؛ أي: لم تَقْرُبْ موافقتُها في الأكثر، وفي النادر قريب من الموافقة، ولو استعملَها على طريقِ مَنْ قال: ثبوتُها نَفْيٌ ونَفْيُها ثبوتٌ .. لفَسَدَ المعنى، والله أعلم) اهـ (٢).

стр. 118

فَإِذَا كَانَ الأَغْلَبُ مِنْ حَدِيثِهِ كَذَلِكَ .. كَانَ مَهْجُورَ الْحَدِيثِ، غَيرَ مَقْبُولهِ وَلَا مُسْتَعْمَلِهِ. فَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَرَّرٍ، ــ والفاءُ في قوله: (فإذا كان الأغلبُ) والأكثرُ: فاءُ الفصيحة؛ لأنها أَفْصَحَتْ عن جوابِ شرطٍ مُقَدَّرٍ تقديرُه: إِذا عَرَفْتَ علامةَ المنكرِ وأردتَ بيانَ حُكْمِه .. فأقول لك: إِذا كان الأغلبُ والأكثرُ (من حديثِه) أي: من حديثِ المُحَدِّثِ كائنًا (كذلك) أي: المنكر أو الغلط ( .. كان) ذلك المُحَدِّثُ (مهجورَ الحديثِ) أي: متروكَه، وكان (غيرَ مقبولِه) أي: غيرَ مقبولِ الحديث (ولا مُسْتَعْمَلِهِ) بصيغة اسم المفعول؛ أي: وكان غيرَ مُسْتَعْمَلِ الحديث، والمعنى: أَن حديثَه مهجورٌ لفظًا غيرُ مقبولٍ معنًى، وغيرُ مستعمل حُكْمًا. والفاءُ في قوله: (فمِنْ هذا الضَّرْبِ) فاءُ الفصيحة؛ لأنها أفصحتْ عن جوابِ شرطٍ مُقَدَّرٍ تقديرهُ: إِذا عَرَفْتَ أَنَّ مَنْ كان الأغلبُ في حديثه المُنْكَرَ أو الغلطَ كان مهجورَ الحديثِ غيرَ مقبولهِ ولا مُسْتَعْمَلِه، وأردتَ بيانَ أمثلةِ هذا الضَّرْبِ .. فأقول لك: من هذا الضَّرْبِ والنوع الذي كان الغالبُ من حديثه المُنْكَرَ أو الغَلَطَ حالةَ كَوْنِ ذلك الضَّرْبِ (من .. المُحَدِّثين) أي: من المشتغلين بالحديث رِوايةً ودِرايةً، والجارُّ والمجرورُ في قوله: (فمِنْ هذا الضَّرْبِ) خبرٌ مُقَدَّمٌ لقوله: (عبدُ اللهِ بن مُحَرَّرٍ) وما عُطِفَ عليه، وهو بضمِّ الميم وبفتح الحاء المهملة وبراءين مهملتين الأُولى منهما مفتوحةٌ مشددةٌ. قال النوويُّ: (هكذا في روايتنا وفي أُصول أهل بلادنا، وهذا هو الصواب، وكذا ذكره البُخَاريُّ في "تاريخه" وأبو نصر بن ماكولا وأبو علي الغَسَّانيُّ الجَيَّانِيُّ

стр. 119

وَيَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيسَةَ، وَالْجَرَّاحُ بْنُ الْمِنْهَالِ أَبُو الْعَطُوفِ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، وَحُسَينُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ضُمَيرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ صُهْبَانَ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ ــ وآخرُون من الحُفَّاظ، وذَكَرَ القاضي عِيَاضٌ: أَنَّ جماعةً من شيوخه رَوَوْه "مُحْرِزًا" بإِسكانِ الحاء وكسرِ الراء وآخرُه زايٌ، وهو غلطٌ، والصوابُ الأول. وعبدُ اللهِ بن مُحَرَّرٍ عامريٌّ هو من أتباع التابعين، روى عن الحَسَنِ وقتادةَ والزُّهْريّ ونافعٍ مولى ابن عُمر وآخرين من التابعين، واتَّفقَ الحُفَّاظُ على تَرْكِهِ) اهـ (١) (ويحيى بن أبي أُنَيسَةَ) بضمِّ الهمزة، ونونٍ مفتوحةٍ، وسينٍ مهملةٍ مُصغرًا، أبو زيد الجزري، ضعيف، من السادسة، مات سنة ستٍّ وأربعين ومائة، روى عنه (ت)، واسمُ أبي أُنَيسَةَ: زيدٌ. (والجَرَّاحُ) بفتح الجيم وتشديد الراء (بن المِنْهَالِ) بكسر الميم وسكون النون (أبو العَطُوفِ) بفتح العين وضمّ الطاء المهملتَين. (وعَبَّادُ بن كَثِيرٍ) الثقفيُّ البصريُّ، متروك، قال أحمد: روى أحاديث كَذِب، وقال في "التقريب": من السابعة، مات بعد الأربعين ومائة، وروى عنه (د ق). (وحُسَينُ بن عبد اللهِ بن ضُمَيرَةَ) بضمِّ الضاد المعجمة، وفتح الميم مصغرًا، ابن أبي ضميرة سعيد الحِمْيري المدني، روى عن أبيه، وعنه زيدُ بن الحُبَاب وغيرُه، كَذَّبَه مالكٌ، وقال أبو حاتم: متروكُ الحديثِ كَذَّابٌ، وقال أحمد: لا يُسَاوي شيئًا، وقال البخاريُّ: منكرٌ ضعيفُ الحديث. (وعُمَرُ بن صُهْبَانَ) بضمِّ الصاد المهملة وسكون الهاء، ويُقال: اسمُ أبيه محمدٌ، الأسلميُّ أبو جعفر المدنيُّ خالُ إِبراهيم بن يحيى، ضعيفٌ، من الثامنة، مات سنة سبع وخمسين ومائة، روى عنه (ق). (وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ) أي: قَصَدَ قَصْدَهم كحُبَيِّب -بضمِّ الحاء المهملة، وتشديد التحتية، بين موحدتين أُولاهما مفتوحة- ابن حَبِيب بوزن كَرِيم أخي حمزة الزيَّات،

стр. 120

فِي رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الْحَدِيثِ .. فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ، وَلَا نَتَشَاغَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالَّذِي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي قَبُولِ ــ روى عن أبي إِسحاق وغيرِه، وَهَّاهُ أبو زُرْعَة، وتَرَكَه ابنُ المبارك (١). وحبيبِ بن جَحْدَر أخي خصيب، كَذَّبَه أحمدُ ويحيى بن مَعِين وكأنهما رأياه (٢). وحبيبِ بن أبي الأشرس، هو حبيب بن حسّان، له عن سعيدِ بنِ جُبَيرِ وغيرِه، رَوى عنه مروانُ بن معاوية وإِسماعيلُ بن جعفر، وقال ابنُ حِبَّان: منكر الحديث جِدًّا، وكان قد عشق نصرانيةَ فقيل: إِنه تَنَصَّرَ وتَزَوَّجَ بها. اهـ "ميزان الاعتدال" (١/ ٤٥٠ - ٤٥١). (في روايةِ المُنْكَرِ من الحديثِ) ونَقْلِه. والفاءُ في قوله: (فَلَسْنا) فاء الفصيحةِ؛ لأنها أفصحت عن جوابِ شرطِ مُقَدَّرٍ تقديرُه: إِذا عَرَفْتَ أَنَّ هؤلاء المذكورين من الضَّرْب الذي كان الغالبُ من حديثهِ المُنْكَرَ أو الغَلَطَ، وأردتَ بيانَ حالِنا وشأنِنا في حديثهم .. فأقول لك: لَسْنا نحن (نُعَرِّجُ) ونلتفتُ ونعتمدُ (على حديثِهم) أي: على حديثِ هؤلاء المذكورين في حُكْمٍ من الأحكام، ولا نستدلُّ به عليه، يُقال: فلانٌ لا يُعَرَّجُ على كلامه؛ أي: لا يُعْتَمَدُ عليه (ولا نَتَشَاغَلُ بهِ) أي: لا نحاولُ ولا نشتَغِلُ بروايتِه ونَقْلِه. واللامُ في قوله: (لأن حُكْمَ أهلِ العِلْمِ) للتعليل، متعلِّقَةٌ بقوله: (فلَسْنَا نُعَرِّجُ)، (وَحُكْمَ) اسمُ أَنَّ. وقولُه: (والذي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهم) معطوفٌ عليه، والمعنى: وإِنما لم نُعَرِّجْ على حديثِهم؛ لأنَّ الحُكْمَ الذي حَكَمَهُ أهلُ هذا العلم والفنّ، والشَّرْطَ الذي نعرفُه ونعتقدُه من مذهبهم. وقولُه: (في قَبُولِ) تَنَازَعَ فيه كُلٌّ من قوله: (حُكْمَ) و (نَعْرِفُ) أي: لأنَّ

стр. 121

مَا يَتَفَرَّدُ بِهِ الْمُحَدِّثُ مِنَ الْحَدِيثِ: أَنْ يَكُونَ قَدْ شَارَكَ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ فِي بَعْضِ مَا رَوَوْا، وَأَمْعَنَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ، فَإِذَا وُجِدَ كَذَلِكَ ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيئًا لَيسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ .. قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ ــ الحُكْمَ الذي حَكَمُوه في قَبُولِ (ما يَتَفَرَّدُ بهِ المُحَدِّثُ مِن) زيادةِ (الحديثِ) على غيرِه، والشَّرْطَ الذي نعرفهُ من مذهبهم في قَبُولِهِ. وقولهُ: (أَنْ يكونَ) خبرُ أَنَّ؛ أي: أن يكون ذلك المُحَدِّثُ المُتَفَرِّدُ (قد شارَكَ الثِّقاتِ) وصَاحَبَهم، والثِّقاتُ: جَمْعُ ثِقَةٍ، وهو من يُعْتَمَدُ عليهِ ويُؤتَمَنُ به، ويُستعملُ بلفظٍ واحدٍ للمذكر والمؤنث. وقولُه: (مِنْ أهلِ العِلْمِ والحِفْظِ) بيانٌ للثقات؛ أي: حالة كون أولئك الثقات من أهل هذا العلم والفنّ، ومن أهل الحفظ والضبط فيما نَقَلُوه. وقولُه: (في بعضِ ما رَوَوْا) مُتَعَلِّقٌ بـ (شَارَكَ)؛ أي: أن يكون ذلك المُحَدِّثُ المتفرِّدُ قد شَارَكَ الثِّقاتِ من أهل هذا العلم، وصَاحَبَهم في رواية بعض ما رَوَوْهُ ونَقَلُوه. وقولُه: (وأَمْعَنَ) واطمأَنَّ: معطوفٌ على (شَارَكَ). وقولُه: (في ذلك) متعلِّقٌ بالموافقة المذكورة بعده. وقولُه: (على المُوَافَقَةِ لهم) متعلِّقٌ بـ (أَمْعَنَ)، أي: وأن يكون ذلك المُحَدِّثُ المتفرِّدُ قد أَمْعَنَ وكَلَّف نفسَه على الموافقة للثقات في بعض ما رَوَوْه، وبَالغَ واسْتَقْصَى فيها؛ أي: في الموافقة لهم في ذلك. والفاءُ في قوله: (فإذا وُجِدَ) فاءُ الفصيحة؛ لأنها أفصحتْ عن جوابِ شرطٍ مقدرٍ تقديره: إِذا عرفتَ الشرطَ المذكورَ، وأردتَ بيانَ حُكْمِ ما تَفَرَّدَ به، إِذا وُجِدَ الشرطُ المذكورُ .. فأقول لك: إِذا وُجدَ المُحَدِّثُ (كذلك) أي: مشاركًا للثقات في بعض ما رَوَوْه ومُمْعِنًا -أي: مُكَلِّفًا- نفسَه على الموافقة لهم في ذلك (ثم زادَ بعدَ ذلك) أي: بعدَ مشاركتِهم في ذلك (شيئًا) من الحديث (ليس) ذلك الشيءُ موجودًا (عندَ أصحابه) من الثِّقاتِ ( .. قُبِلَتْ زيادتُه) أي: زيادةُ ذلك المُحَدِّث، التي تَفَرَّد بها من الثقَات؛ لوجود الشرطِ المذكورِ من المشاركة لهم في بعض ما رَوَوْه.

стр. 122

فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ فِي جَلالتِهِ وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيرِهِ، ــ والفاءُ في قوله: (فأمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ) فاءُ الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جوابِ شرطٍ مقدرٍ تقديره: إِذا عرفتَ قبولَ ما تَفَرَّدَ به المُحَدِّثُ بالشرط المذكور، وأردتَ بيانَ حُكْمِ ما تفَرَّدَ به مع عدم الشرط المذكور .. فأقول لك: أمَّا مَنْ تَرَاهُ ... إِلخ، فـ (مَنْ) مبتدأُ سيأتي خبرُه بقوله: (فغيرُ جائزٍ قبولُ حديثِ هذا الضَّرْبِ)، و (ترى) علميةٌ لا بصريةٌ، ويُقال: عَمَدَ الشيءَ وإِلى الشيء، من باب ضرَبَ، إِذا قَصَدَ فِعْلَه، ومِثْلُ الشخصِ: نظيرُه في العلم والفَضْل. والزُّهْرِيُّ: هو محمد بن مسلم بن عُبَيد الله بن عَبْد الله بن شِهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرة بن كِلاب القُرَشِي الزُّهْري، أبو بكر المدني، أحدُ الأئمة الأعلام، وعالمُ الحجاز والشام، تابعيٌّ صغيرٌ، منسوبٌ إِلى زُهْرة بن كلاب. روى عن ابن عُمر وسهل بن سعد وأنس بن مالك ومحمود بن الربيع وابن المُسَيِّب وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وأبانُ بن صالح وأيوبُ وابنُ عُيَينة وابنُ جُرَيج واللَّيثُ ومالكٌ وخلائقُ. قال ابنُ المَدِيني: له نحو ألفي حديث. وقال ابن شهاب: ما استودعتُ قلبي شيئًا قطّ فنسيتُه. وقال أيوب: ما رأيتُ أعلمَ من ابن شهاب. وقال في "التقريب": حافظٌ مُتْقِنٌ متَّفَقٌ على جلالتِه وإِتقانِه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومائة. ومِن أمثالِهِ: الحَسَنُ البصريُّ، ومحمدُ بن سيرين. والمعنى: أمَّا المُحَدِّثُ الذي تراه وتعلمه يَعْمِدُ ويقصدُ أن يرويَ عمَّنْ هو مِثْلُ الزُّهْري (في جلالتهِ) وفَضْلِه وعلمِه (و) في (كَثْرَةِ أصحابه) الذين يَرْوُون عنه. وقولُه: (الحُفَّاظِ) صفة أُولى للأصحاب؛ أي: أصَحابِه الموصوفين بالحفظِ والضَّبْطِ للأخبار، وقولُه: (المُتْقِنِينَ) صفةٌ ثانيةٌ لهم؛ أي: الموصوفين بالإِتقان والتحقيق (لحديثهِ) أي: للحديثِ الذي رَوَوْه عن الزُّهْري (و) لـ (حديثِ غيرهِ)

стр. 123

أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ -وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ، قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الاتِّفَاقِ ــ أي: وللحديثِ الذي رَوَوْه عن غير الزُّهْري كالحَسَنِ البصريِّ. والضميرُ في قوله: (جلالتِه) وما بعدَه عائدٌ على الزُّهْري. وقولُه: (أو لِمِثْلِ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ) معطوفٌ على قوله: (لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ) أي: أو مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ ويقصدُ أن يروي عمَّنْ هوَ مِثْلُ هشامِ بنِ عُرْوَةَ في جلالتهِ وكثرةِ أصحابهِ الحُفَّاظِ كمجاهد وعطاء. وهو هشام بن عروة بن الزُّبَير بن العَوَّام الأسدي، أبو المنذر، أحد الأئمة الأعلام. روى عن أبيه وزوجته فاطمة بنت المنذر، وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعَمِّه عبد الله بن الزبير وأخويه عبد الله وعثمان وابن عمّه عباد بن عبد الله بن الزُّبَير وخلائقَ، ويروي عنه (ع) وأيوب وابن جُرَيج وشعبة ومَعْمَر ويونس والليث ومالك بن أنس وجماعةٌ. قال ابنُ المَدِيني: له نحو أربعمائة حديث، وقال ابنُ سعد: ثقةٌ حُجَّةٌ. وقال في "التقريب": ثقةٌ فقيهٌ ربما دَلَّسَ، من الخامسة، مات سنة خمس وأربعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة، وتكَلَّمَ فيه مالكٌ وغيرُه. وقولُه: (وحديثُهما) مبتدأٌ، خبرهُ قولُه الآتي: (مبسوطٌ مُشْتَرَكٌ)، والجملةُ معترضةٌ أو حاليةٌ، والضميرُ فيه عائدٌ إِلى الزُّهْري وإِلى هشام بن عروة. والظرفُ في قوله: (عندَ أهلِ) هذا (العِلْمِ) والفنِّ متعلِّقٌ بقوله: (مبسوطٌ) أي: مُنْتَشِرٌ كثيرٌ عندهم (مُشْتَرَكٌ) بينهم؛ لأنه (قد نَقَلَ) ورَوَى (أصحابُهما) أي: أصحابُ الزُّهْرِيِّ وهشامِ (عنهما) أي: عن الزُّهري وهشام (حديثَهما) أي: الحديثَ الذي رَوَى الزهريُّ وهشامٌ عمَّنْ سَبَقَهما. وقولُه: (على الاتِّفاقِ) -قال النووي: (هو هكذا في معظم الأصول: "الاتفاق"- بالفاء أولًا والقاف آخرًا، وفي بعضها: "الإتقان" بالقاف أولًا والنون

стр. 124

مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ- فَيَرْوي عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا الْعَدَدَ مِنَ الْحَدِيثِ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَلَيسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِي الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ .. فَغَيرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ، وَاللهُ أَعْلَمُ ــ آخرًا، والأول أجودُ، بل هو الصواب) اهـ (١) - متعلِّقٌ بـ (نَقَلَ)، أي: لأنه قد نَقَلَ أصحابُهما مع الاتّفاق والاشتراك (منهم في أكثرِه) أي: في أكثرِ حديثهما. والفاءُ في قوله: (فيَرْوي) عاطفةٌ على قوله: (يعْمِدُ) أي: أمَّا مَنْ تَرَاه يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ أو لِمِثْلِ هشامٍ فيروي (عنهما) أي: عن الزُّهْرِيِّ وهشامٍ جميعا، (أو) يروي (عن أَحَدِهما) فقط. وقولُه: (العَدَدَ) بالنصب مفعولُ يروي؛ أي: يروي عنهما أو عن أحدهما الأفرادَ الكثيرةَ الكائنةَ (من الحديثِ) حالة كون تلك الأفراد (مِمَّا لا يَعْرِفُه) ولا يرويه (أَحَدٌ من أصحابِهما) أي: أحدٌ من أصحاب الزهري وهشام. وجملةُ قولهِ: (وليس) حالٌ من فاعل يروي؛ أي: يروي عنهما أو عن أحدهما، والحالُ أنه ليس (مِمَّنْ قد شَارَكَهُمْ) أي: ممَّنْ قد شارك أصحابهما (في) رواية الحديث (الصحيحِ) ونَقْلِه عنهما الكائن ذلك الصحيح (مِمَّا عندَهم) أي: من الأحاديث التي حَصَلَتْ عندهم؛ أي: عند أصحابهما، ويحتمل أن يكون في كلامه قلب؛ أي: تقديمٌ وتأخيرٌ تقديره: وليس ممن شاركهم فيما عندهم من الصحيح؛ أي: في رواية ما استقرَّ عندهم من الصحيح عنهما. وقولُه: ( .. فغيرُ جائزٍ) خبرٌ لقوله: (أمَّا مَنْ تراه يَعْمِدُ) كما مَرَّ هناك؛ أي: فغيرُ جائزٍ (قَبُولُ حديث هذا الضَّرْبِ) والقسمِ (من) أقسامِ (النَّاسِ) الثلاثة، يعني: مَنْ تراه يَعْمِدُ لمِثْل الزهري أو لمِثْلِ هشامٍ. وفي قولهم: (واللهُ) أَجَلُّ وأَعَزُّ و (أعلمُ) مراعاةٌ لحُسْن كمال الأدب؛ لما فيه من تفويض العلم إِلى الذي عِلْمُه فوقَ كُلِّ ذي علم.

стр. 125

قَدْ شَرَحْنَا مِنْ مَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ بَعْضَ مَا يَتَوَجَّهُ بِهِ مَنْ أَرَادَ سَبيلَ الْقَوْمِ وَوُفِّقَ لَهَا، وَسَنَزِيدُ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى- شَرْحًا وَإِيضَاحًا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرِ الأَخْبَارِ الْمُعَلَّلَةِ إِذَا أَتَينَا عَلَيهَا ــ وقولُه: (قد شَرَحْنا) وبَيَّنَّا وأَوْضَحْنا .. كلامٌ مستأنف، وفي بعض النسخ: (وقد شرحنا) بواو الاستئناف (مِنْ مَذْهَبِ الحديثِ) وأقسامهِ وأنواعهِ (و) من مذهبِـ (أهلِهِ) ورُوَاتِه؛ أي: من أقسامهم وطبقاتهم، يعني الأقسامَ الثلاثةَ من أقسامِ الحديث، وأقسامِ الرواة. والجارُّ والمجرورُ بيان مقدَّم لمفعول (شَرَحْنا)، وهو قولُه: (بعضَ ما يَتَوَجَّهُ به) (١)، أي: قد شَرَحْنَا بعضَ تقسيماتٍ يَتَوَجَّه ويَقْصِدُ ويُقْبِلُ بسبب معرفتها إِلى سبيلِ القوم ومذهبهم، و (مَنْ) في قوله: (مَنْ أرادَ سبيلَ القومِ) فاعلُ (يَتَوَجَّه)، و (سبيلَ القوَم) بالنصب، تَنَازَعَ فيه الفعلان قبله، والمعنى: وقد شَرَحْنا وبَيَّنَّا فيما تَقَدَّمَ لكَ بعضَ تقسيماتٍ يَتَوَجَّه ويُقْبِلُ بسبب معرفتها إِلى سبيل القوم المصطلحين وقاعدتهم مَنْ أراد وقَصَدَ معرفةَ سبيلِهم وإِتقانَ قاعدتِهم. وقولُه: (ووُفِّقَ لها) معطوفٌ على (أرادَ) أي: ورُزِقَ من الله التوفيقَ لسبيِلهم وطريقتِهم، وهو خَلْقُ قُدْرَةِ الطاعة في العبد وتسهيلُ سبيل الخير له؛ أي: أرادَ سبيلَ القوم مع التوفيق من الله تعالى، ومرادُه بالبعض الذي بَيَّنَه ما ذَكَرَه سابقًا، فنقسمها ثلاثةَ أقسامٍ، وثلاثَ طبقاتٍ من الناس إِلى هنا. (وسنزيدُ) نحن على ما تَقَدَّمَ (إِنْ شاءَ اللهُ) سبحانه و (تَعَالى) زيادَتَنا إِيَّاهُ (شَرْحًا) أي: بيانًا لسبيل القوم (وإيضاحًا) لقاعدتِهم. وقولُه: (في مواضعَ) متعلِّقٌ بـ (سَنَزِيدُ)، (من الكتاب عندَ ذِكْرِ الأخبارِ المُعَلَّلَةِ) أي: نزيدُ شرحًا وبيانًا عند ذِكْرِ الأحاديث التي وُجِدَتْ فيها عِلَّةٌ (إذا أَتَينا) وأَقْبَلْنا ومَرَرْنا (عليها) أي: على ذِكْرِ الأخبارِ المُعَلَّلةِ لغرضِ الإتْباعِ والاستشهاد.

стр. 126

فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي يَلِيقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالإِيضَاحُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى. وَبَعْدُ -يَرْحَمُكَ اللهُ-: فَلَوْلا ــ والمرادُ: أنه يُبَيِّنُ عِلَلَها في مواضعِ ذِكْرِها من اختلافهم في الأسانيد كالإِرسال والرفع والانقطاع والاتصال والزيادة والنقص والسماع والعنعنة، وقد تقدم الخلاف هل وَفَّى بهذا أم لا؟ والظاهرُ: أنه التزم ذلك في المقدِّمة، ولكنه لم يَفِ بما التزمه، وكأنه اخترمتْه المَنِيَّةُ قبل وفائه (١). و(إِذا) في قوله: (إِذا أَتَينا عليها) متعلِّقةٌ بالجواب المعلوم ممَّا قبلها، تقديره: إِذا أَتَينا عليها ومَرَرْنا بها نزيدُ شرحًا وإِيضاحًا، ويحتملُ أَنَّ (إِذا) ظرفٌ مجرَّدٌ عن معنى الشرط متعلِّقٌ بنَزِيدُ، وهو أَوْلَى؛ لعدم التقدير فيه. وقولُه: (في الأماكنِ) والمواضعِ متعلِّقٌ بـ (نَزِيدُ) أيضًا. وقولُه: (التي يَلِيقُ بها) ويناسبُ لها (الشَّرْحُ) والبيانُ (والإِيضاحُ) والإِظهارُ؛ لوجود غموضٍ وخَفَاءٍ فيها .. صفةٌ للأماكن. والمشيئةُ في قوله: (إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى) إِتياننا عليها .. مُتَعَلِّقَةٌ بـ (أَتَينَا) أو بـ (نَزِيدُ). والواوُ في قوله: (وبعدُ) نائبةٌ عن (أمَّا) النائبةِ عن (مَهْما يَكُن من شيءٍ)، والظرفُ من معمول الشرط، وكَرَّر لفظةَ: (وبعدُ)؛ لبُعدِ العهْدِ بها، قبل فراغه من المقدمة. وقولهُ: (يَرْحَمُكَ اللهُ) جملةٌ دعائيةٌ، خبريةُ اللفظ، إِنشائيةُ المعنى، معترضةٌ بين الشرطِ وجوابِه. والفاءُ في قوله: (فلولا) رابطةُ الجواب بالشرط، و (لولا): حرفٌ موضوعٌ للدلالة على امتناع الشيء لوجود غيره، وتلزم المبتدأ المحذوف خبره وجوبًا، ولا بُدَّ لها من جوابِ كجواب (لو) الشرطيةِ، والمعنى: مهما يَكُنْ من شيءٍ بعدَ ما ذكر من أقسام الحديث والطبقات فأقول لك أيها السائل يَرْحَمُك اللهُ :

стр. 127

الَّذِي رَأَينَا مِنْ سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثًا فِيمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمُ الاقْتِصَارَ عَلَى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ مِمَّا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ الْمَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ ــ لولا الأمر (الذي رَأَينَا) هـ وأَبْصرْناه موجودٌ حالةَ كونِ ذلك الأمرِ (من سُوءِ صَنيعِ كثيرٍ) أي: من قُبْحِ صَنِيعِ كثيرٍ من الناس وفُحْشِ عَمَلِه. وقولُه: (مِمَّنْ نَصَبَ) صفةٌ لـ (كثيرِ) أي: كائنين ممَّنْ نَصَبَ وجَعَلَ (نَفْسَهُ مُحَدِّثًا) للأحاديث النبوية. وقولُه: (فِيمَا يَلْزَمُهُمْ) متعلِّقٌ بسُوءِ؛ أي: مِنْ سُوءِ صَنِيعِهم فيما يَلْزَمُهم ويَتَعَيَّنُ عليهم، حالةَ كون ما يلزمهم (مِنْ طَرْحِ الأحاديثِ الضعيفةِ) ونَبْذِ الأخبارِ المُعَلَّلَةِ، من حيث المتونُ (و) من طَرْحِ (الرواياتِ المُنْكَرَةِ)، ونَبْذِ الأسانيد الواهية من حيث الإِسنادُ، وليس هذا من باب التكرار للتأكيد، بل له معنىً مستقلٌّ؛ لأنه قد يَصِحُّ متنُ الحديث مع ضَعْفِ إِسناده لكون بعض رجاله مُتَّهمًا، فلا يُعَرَّجُ على ذلك الإِسناد، ولا يُلْتَفَتُ إِليه، ويحتمل كونه من باب التكرار للتأكيد إِنْ فُسِّرَتِ الروايةُ بالمتن. وقولُه: (وتَرْكهِمُ) بالجرِّ معطوفٌ على (سُوءِ) أي: وحالةَ كونِهِ مِنْ تَرْكِ كثيرٍ من الناس (الاقتصارَ على) روايةِ (الأحاديثِ الصحيحةِ) مَتْنًا، (المشهور) سَنَدًا، وتَرْكِهم الاكتفاءَ بها حالةَ كَوْنِ تلك الأحاديثِ (مِمَّا نَقَلَه) أي: من الحديث الذي رواه (الثِّقاتُ) الْمُتقِنُون والحُفَّاظُ (المعروفون) أي: المشهورون (بالصِّدْقِ) والعدالةِ (و) العِفَّةِ و (الأمانةِ). وقوله: (بعدَ معرفتِهم) متعلق بـ (تركهم) أي: ومن ترك كثير من الناس بعد معرفتهم وإِدراكهم بَجَنانِهم (وإِقْرَارِهم) أي: اعترافِهم (بألسنتِهم). وقولُه: (أَنَّ كثيرًا) بفتح الهمزة تنازع فيه المصدران قبله، أعني بهما: المعرفةَ والإِقرارَ؛ أي: بعدَ إِيقانِهم بقلبهم وتَلَفُّظِهم بلسانهم أَنَّ كثيرًا (مِمَّا يَقْذِفُون بهِ) (١)

стр. 128

إِلَى الأَغْبِيَاءِ مِنَ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيرِ مَرْضِيِّينَ، مِمَّنْ ذَمَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِثْلُ مَالِكِ بْنِ أَنسٍ، ــ ويُلْقُونَه (إِلى الأَغْبِياء) (١) أي: إِلى الغَفَلَة والجُهَّال (من الناسِ) من العوامّ. (والأغبياء) بالغين المعجمة والباء الموحدة: هم الغَفَلة والجُهَّال الذين لا فِطْنَةَ لهم (٢). (هو) أي: ذلك الكثيرُ (مُسْتَنْكَرٌ) أي: مُنْكَرٌ عند قومٍ مَرْضِيّين، فالسين والتاء فيه زائدتان. (ومنقولٌ) أي: مَرْويٌّ (عن قومٍ) مُتَّهَمِين (غيرِ مَرْضِيِّين) أي: غيرِ مقبولين، عند الثقات الْمُتقنِين، كائنين (مِمَّنْ) أي: من الكذّابين الذين (ذَمَّ) وشَنَّعَ وقَبَّح (الروايةَ) والنَّقْلَ (عن هم) أي: عن أولئك الكذّابين. وقولُه: (أَئمَّة أهلِ الحديثِ) فاعلُ ذَمَّ، أي ذَمَّ الروايةَ عنهم أئمَّةُ أهلِ الحديثِ وحُفَّاظُهم، الذين هُمْ (مِثْلُ مالكِ بنِ أنسٍ) الإِمامِ الأعظمِ في الفروع. وهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عَمْرو الأَصْبَحي -بفتح الهمزة والباء الموحدة بينهما صادٌ مهملةٌ ساكنةٌ- نسبة إِلى ذي أَصْبَح، وهو الحارث بن عوف بن مالك، من يعرب بن قحطان، وأصْبَح صَارَتْ قبيلة كما في "اللباب" (١/ ٦٩)، أبو عبد الله المدني، الفقيه إمامُ دار الهجرة، وأحدُ أعلام الإسلام، ورأسُ المُتْقِنين، وكبير المُتَثَبِّتين، حتى قال البخاري: أَصَحُّ الأسانيدِ كُلِّها مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عُمر. وقال الشافعي: مالكٌ حُحَّةُ اللهِ تعالى على خلقه، وقال ابنُ مهدي: ما رأيتُ أحدًا أَتَمَّ عقلًا ولا أَشَدَّ تقوى من مالك، وقال ابنُ المَدِيني: له نحو ألف حديث.

стр. 129

وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَينَةَ، ــ روى عن نافع والْمَقْبُري ونُعيم بن عبد الله وابن المنكدر وإِسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وأيوب وزَيد بن أَسْلَم وخَلْق، ويروي عنه (ع). ومن شيوخه: الزُّهْري ويحيى الأنصاري، ومن أقرانه: ابن جُرَيج وشُعْبة والثَّوْري وابن عُيَينة والقطان وخلائق. وُلِدَ سنة ثلاث وتسعين، وحَمَلَتْهُ أُمُّه ثلاثَ سنين، وتُوفِّيَ سنة تسع وسبعين ومائة، ودُفن بالبقيع، وقال في "التقريب": من السابعة بلغ تسعين سنة. (وشُعْبَةَ بنِ الحَجَّاجِ) بن الوَرْد العَتكي مولاهم، أبي بِسْطام بكسر الموحدة وسكون المهملة، الواسطي ثم البصري، أحد أئمة الإِسلام. روى عن معاوية بن قُرَّة، وأنس بن سيرين وثابت البُناني، والحكم وزُبَيد وزياد بن عِلاقة والأعمش وخلائق، ويروي عنه (ع) وأيوبُ وابنُ إِسحاق من شيوخه والثوريُّ وابنُ المبارك وأبو عامرٍ العَقَدِيُّ وعفّانُ بن مسلمٍ وخلائقُ. قال ابنُ المَدِيني: له نحو ألفي حديث، وقال أحمد: شعبةُ أُمَّةٌ وحدَه، وقال الحاكم: شعبة إِمام الأئمّة، وهو أولُ مَنْ تَكَلَّمَ في رجال الحديث. وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ مُتْقِنٌ، من السابعة، مات سنة ستين ومائة. (وسفيانَ بنِ عُيَينَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلالي مولاهم، أبي محمد الأعور الكوفي ثم المكي، أحدِ أئمَّة الإِسلام. روى عن عَمْرو بن دينار والزُّهْري وزَيد بن أَسْلَمَ وصفوان بن سليم وخَلْقٍ كثيرٍ، ويروي عنه (ع) وشعبةُ ومِسْعَرٌ -من شيوخه- وابنُ المباركِ -من أقرانه- وأحمدُ وإِسحاقُ وابنُ مَعِين وابنُ المَدِيني وأُمَمٌ. وقال العِجْلِيُّ: هو أَثْبَتُهم في الزُّهْري، كان حديثُه نَحْوَ سبعةِ آلاف، وقال ابن وهب: ما رأيتُ أعلمَ بكتاب الله من ابن عُيَينَة، وقال الشافعيُّ: لولا مالكٌ وابنُ عُيَينَة .. لذهَبَ علمُ الحجاز. وقال في "التقريب": ثقة حافظ فقيه إِمام حُجَّة، إِلا أنه تَغَيَّرَ حفظُه في أَخَرَةٍ،

стр. 130

وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، ــ وكان ربما دَلَّسَ لكنْ على الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، وكان أَثْبَتَ الناسِ في عَمْرو بن دينار، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، وله إِحدى وتسعون سنة. (وسُفيان بن عُيينة: المشهورُ فيه ضمُّ السين والعين، وذَكَرَ ابنُ السكّيت جوازَ الحركات الثلاث فيهما، وذكر أبو حاتمٍ جوازَ الضمّ والكسر في العين) اهـ سنوسي. (ويحيى بنِ سعيدِ) المُلَقَّبِ بـ (القَطَّانِ) نِسْبَةً إِلى القُطْن لبَيعِه إِياه، وهو يحيى بنُ سعيد بن فَرُّوخَ -بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة- التميميُّ أبو سعيد القطان البصري الأحول، الحافظ الحجة، أَحَدُ أئمَّة الجَرْح والتعديل. روى عن سُلَيمان التَّيمي وحُمَيد الطويل وإِسماعيل بن أبي خالد ويحيى بن سعيد الأنصاري وهشام بن عُرْوة وعكرمة بن عَمَّار وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وشعبة وابنُ مهدي وأحمدُ وإِسحاقُ وابنُ المَدِيني وابنُ بَشَّارٍ وصَدَقةُ بن الفضل وبُنْدار وخلائق. وقال في "التقريب": ثقةٌ مُتْقِنٌ حافظٌ إِمامٌ قُدْوَةٌ، من كبار التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، وله ثمان وسبعون سنة. (وعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيِّ) بن حَسَّان الأَزْدي مولاهم، أبي سعيد البصري اللُّؤْلؤي الحافظ الإِمام العَلَم. روى عن عُمَر بن ذَرّ وعكرمة بن عَمَّار وشُعْبة والثَّوْري ومالك وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وابنُ المبارك وهو من شيوخه وابنُ وهب وهو أكبر منه وأحمدُ وابنُ مَعِين وعَمْرو بن علي الفلّاس. قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ حافظٌ عارفٌ بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة بالبصرة، عن ثلاث وستين سنة، وكان يَحُجُّ كُلَّ سنة.

стр. 131

وَغَيرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ .. لَمَا سَهُلَ عَلَينَا الانْتِصَابُ لِمَا سَأَلْتَ مِنَ التَّمْيِيزِ وَالتَّحْصِيلِ، وَلكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ نَشْرِ الْقَوْمِ الأَخْبَارَ الْمُنْكَرَةَ بِالأَسَانِيدِ الضِّعَافِ الْمَجْهُولَةِ وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلَى الْعَوَامِّ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا .. خَفَّ عَلَى قُلُوبِنَا إِجَابَتُكَ إِلَى مَا سَأَلْتَ ــ (وغيرِهم) أي: وغيرِ هؤلاء المذكورين (من الأئمَّةِ) الحُفَّاظ كسُفْيانَ الثَّوْري وعبدِ الرحمن الأوزاعي، وابنِ المبارك. وقولُه: ( .. لَمَا سَهُلَ علينا) جوابُ لولا، واللامُ فيه رابطةٌ له جوازًا لِكَوْنِهِ مَنْفِيًّا بما، والمعنى: فلولا الأمرُ الذي رأيناه موجودٌ .. لم يَسْهُلْ علينا ولم يَتَيَسَّرْ لنا (الانتصابُ) أي: الظهورُ والاجتهادُ والتهيُّؤُ (لِما سَأَلْتَـ) ـنِيه وطَلَبْتَه منّي أيُّها السائلُ. وقولُه: (من التمييزِ) بيانٌ (لِمَا) الموصولةِ؛ أي: حالة كون ما سأَلتَنِيهِ من التمييز والتفصيل بين صحيحِ الأحاديث وسقيمِها، (و) من (التحصيلِ) أي: التلخيصِ لصحيحها عن سقيمها وجَمْعِه في كتابِ مُؤَلَّفٍ. و(لكنْ) في قوله: (ولكنْ مِنْ أَجْلِ ما أَعْلَمْناكَ) استدراكيةٌ استدرك بها على جواب لولا، أعْنِي قولَه: (لَمَا سَهُلَ علينا). والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بقوله الآتي: (خَفَّ على قلوبنا إِجَابَتُكَ)، يُقال: أعلمه الأمر وعلمه إِذا أطلعه عليه؛ أي: ولكنْ لأجل ما أطلعناك عليه بقولنا سابقًا: (أَنَّ كثيرًا ممَّا يَقْذِفُون به إِلى الأغبياء من الناس هو مُسْتَنْكَرٌ ومنقولٌ عن قومٍ غيرِ مَرْضِيِّين)، حالةَ كون ما أعلمناكَه (مِنْ نَشْر القوم) الكذَّابين وإِفشائِهم (الأخبارَ المُنْكَرَةَ) والأحاديثَ المُعَلَّلَةَ وهو منصوبٌ بالنَّشْر؛ لأنه مصدرٌ مضافٌ إِلى فاعلِه، وبه يتعلَّقُ قولُه: (بالأسانيدِ الضِّعافِ) بالوهم والكذب (المجهولةِ) العدالةِ ظاهرًا وباطنًا. وقولُه: (وقَذْفِهِمْ) معطوفٌ على النَّشْر؛ أي: ومِنْ قَذفِ أولئك القوم الكذَّابين وإِلقائِهم (بها) أي: بالأخبارِ المُنْكَرَةِ (إلى العَوَامِّ) والأغبياءِ (الذين لا يَعْرِفُونَ عُيُوبَها) أي: عُيُوبَ الأخبارِ وعِلَلَها ولا يُمَيِّزُون صحيحَها عن سقيمِها ( .. خَفَّ) وسَهُلَ ولم يَثْقُلْ (على قُلُوبِنا) وعقولِنا (إجابتُك) وطاعتُك (إلى ما سَأَلْتَـ) ـنِيه من التمييز والتحصيل، والله أعلم.

стр. 132

(١) بَابُ وُجُوبِ الرِّوَايَةِ عَنِ الثِّقَاتِ المُتْقِنِينَ، وَتَرْكِ الضُّعَفَاءِ الْمَتْرُوكِينَ ــ (١) باب وجوب الرواية عن الثقات المُتْقِنين وتَرْك الضعفاء المتروكين واعْلَمْ: أَنَّ المؤلِّفَ رحمه الله تعالى لم يذكر التراجِمَ من الكُتُبِ والأبوابِ في "جامعه"؛ وفاءَ بما التزمه للسائل من جَمْعِ الأحاديث المرفوعة وتلخيصِها في كتابٍ مُؤَلَّفٍ من غير مَزْج غيرِها فيها، أو فرارًا من إِطالة المؤلَّف بمَزْجِ التراجم فيه لتقاصُر الهِمَم عن أَخْذِ المُطَوَّلات، وإِنما وَضَعَهَا بعضُ رواتِه، وزاد فيها بعضُ الشُّرَّاح له، ومع ذلك كثيرٌ من الأحاديث لا يطابق التراجمَ السابقةَ ولا اللاحقةَ، فلابدَّ من وَضْع التراجِم لها بحسب ما يُستنبط منها من الأحكام، ولو كان وَضْعُ التراجِم من المؤلِّف .. لم تختلف باختلاف النُّسَخ واختلاف الشُّرَّاح، كما لا تختلف تراجمُ البخاري وتراجمُ أصحاب السُّنَن بذلك. وقد يوجد تصحيفٌ من النُّسَّاخ في بعض المواضع من المتابعات، بجَمْعِ ضمير المتابع بصيغة اسم المفعول، أو تثنيتِه أو إِفرادِه على خلاف ما هو الصواب، كما يوجد ذكرها على الصواب في النسخ المخطوطة أو القديمة التي جُلّدت في مجلّدٍ واحد، ومع ذلك لم يُنبِّه عليها الشُّرَّاح في الشُّروح التي في أيدينا وسَنُبَيِّنُها إِنْ شاء الله في مواضعها، على ما هو الصواب، مع بيان الغوامض التي لم يُنَبِّه عليها أكثرُ الشُّرَّاح. و(البابُ) لغةً: فرجةٌ يُتَوَصَّلُ بها من خارجٍ إِلى داخل، ومن داخلٍ إِلى خارجٍ كباب الدار. واصطلاحًا: ألفاظٌ مخصوصةٌ دالَّةٌ على معانٍ مخصوصةٍ لها بدايةٌ ونهاية. وأولُ مَنْ وَضَعَ البابَ: أبو الأسودِ الدُّؤَلِيُّ رحمه الله تعالى، حين أملى عليه عليُّ بن أبي طالب ﵁ أحكامَ النَّحو، ثم قال له: انح نَحْوَ هذا، وتتَبَّعْ وزِدْ عليه ما بَدَا لك، ثم سَمِعَ أبو الأسود رجلًا يقرأُ قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ بجرّ (رسوله) فوضع باب العطف والنعت.

стр. 133

وَاعْلَمْ -وَفَّقَكَ اللهُ تَعَالى-: ــ والترجمةُ هنا خاصَّةٌ بجزءٍ واحدٍ؛ لأنَّ وجوب تَرْكِ الرواية عن الكذّابين يستلزمه وجوبُ الرواية عن الثقات المُتْقِنين، فالترجمةُ حينئذٍ على جزءٍ واحدٍ. و(الوجوبُ) لغةً: الثُّبوت واللُّزوم، وشرعًا: ما يُتَابُ فاعلُه ويُعَاقَبُ تاركُه، والوجوبُ هنا شرعيٌّ لا صناعيٌّ. و(الرِّوايةُ): نَقْلُ الخَبَرِ وأَخْذُه عن الغير. و(الثِّقَاتُ): جمع ثِقَة، والثِّقَةُ: مَنْ يُؤْتَمَنُ في مَقَالِه وفَعَالِه، يُقال: وَثِقَ يَثِقُ بكسر الثاء فيهما ثِقَةً ووُثُوقا إِذا ائتمنه، والثِّقَةُ مصدرٌ بمعنى اسمِ المفعول؛ أي: موثوقٌ به. و(الكَذَّابون) جمع كَذَّاب وهو مبالغة كاذب، والكاذبُ: من اتَّصَفَ بالكَذِب، والكَذِبُ لغةً: الإِخبارُ عن الشيء على خلاف ما هو عليه، عَمْدًا كان أو سَهْوًا أو جَهْلًا، وشرعًا: الإِخبارُ عن الشيء على خلافِ ما هو عليهِ عَمْدًا. ومعنى الترجمة: هذا بابٌ معقودٌ للاستدلال على وجوبِ الاقتصارِ على رواية الأحاديث عن الثقات الحُفَّاظ المشهورين أو المستورين، وهما القسمان اللّذان أدخلهما المؤلِّفُ في "جامعه"، ووجوبِ تَرْكِ رواية الأحاديث عن الكَذَّابين الوضَّاعين المتروكين، وهو القسم الذي لم يُدخله في "جامعه". وبسَنَدِنا السابقِ المُتَّصِل إِلى المؤلِّف أقول: قال الإِمامُ مسلمٌ رحمه الله تعالى: (واعْلَمْ) بواو الاسئتناف كما في نسخة "شرح السنوسي" (١)، وفي بعض النسخ إِسقاطُها كما في نسخة شرح النووي (٢)، وهي: كلمةٌ يُؤتَى بها إِذا كان ما بعدها أمرًا مُهِمًّا، والأمرُ فيه للسائل المتقدّم، أو لكُلّ طالب؛ أي: واعْلَمْ أيُّها السائلُ الذي سألني تأليفَ هذا الجامع، أو أيُّها الطالبُ لعلم الحديث رِوايةً ودِرايةً. وقولُه: (وَفَّقَكَ اللهُ تَعالى) وأَقْدَرَكَ على فِعْل الخيرات .. جملةٌ دعائيةٌ معترضةٌ بين العلم ومفعوله، تأكيدًا للأمر بعِلْمِ ما سيأتي واهتمامًا به؛ أي: واعْلَمْ:

стр. 134

أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عَرَفَ التَّمْيِيزَ بَينَ صحِيحِ الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ لَهَا مِنَ الْمُتَّهَمِينَ: أَنْ لَا يَرْويَ مِنْهَا إِلَّا مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ وَالسِّتَارَةَ فِي نَاقِلِيهِ، ــ (أَنَّ الواجبَ) المتعيِّنَ الذي لا يجوزُ العُدُولُ عنه (على كُلِّ أَحَدٍ) من الرُّواةِ (عَرَفَ التمييزَ) وقَدَرَ على التفصيل (بينَ صحيحِ الرِّواياتِ) وسليمِها من العُيُوبِ بقُوَّةِ الإِتقان والضَّبْطِ في رُوَاتِها (و) بينَ (سَقِيمِها) أي: سقيمِ الرواياتِ وضعيفِها بعدم الإِتقان والضَّبْطِ في رُواتها وهذا بالنظرِ إِلى المُتُونِ. وقولُه: (وثِقَاتِ الناقلين) إِمّا معطوفٌ على (التمييزَ) منصوبٌ بالكسرة؛ أي: وعَرَفَ الثِّقاتِ الناقلين، وهو من إِضافة الموصوف إِلى الصفة كمسجدِ الجامع (لها) أي: لتلك الروايات (من المُتَّهَمِينَ) بالكذب والوضع، أو معطوفٌ على مدخولِ (بينَ) أي: عَرَفَ التمييزَ بين الثقات الناقلين لها والمُتَّهَمِين فيها، وهذا بالنظر إِلى الأسانيد. وقولُه: (أنْ لا يَرْويَ) خبرُ أَنَّ؛ أي: أَنَّ الواجبَ عليه أنْ لا يَرْويَ ولا يَنْقُلَ (منها) أي: من تلك الروايات (إلَّا ما عَرَفَ) أي: إلا حديثًا عَرَفَ (صِحَّةَ مَخَارِجِهِ) أي: صِحَّةَ رواياتهِ؛ لعدم الاضطراب والاختلاط فيها، وهذا بالنظر إِلى المتون. و(المخارج): جمع مَخْرَج، يُقال: خَرَجَ -من باب دَخلَ- خُرُوجًا ضدُّ دَخَلَ، ومَخْرَجًا أيضًا، وقد يكون المَخْرَج موضع الخُرُوج، يُقال: خَرَجَ مَخْرجًا حَسَنًا وهذا مَخْرَجُه، والمُخْرَج بضم الميم وفتح الراء يكون مصدرَ أَخْرَجَ الرباعي، واسمَ مفعولٍ، واسمَ مكانٍ، واسمَ زمانٍ. اهـ "مختار"، والمرادُ هنا المصدر. (و) عَرَفَ (السِّتَارَةَ) أي: الصِّيَانَةَ والعِفَّة عن الرذائل والعيوب (في نَاقِلِيهِ) ورُوَاتِه وهذا بالنظر إِلى الأسانيد. قال النووي: (السِّتارة بكسر السين: وهي ما يُسْتَرُ به، وكذلك السُّتْرة، وهي هنا إِشارةٌ إِلى الصِّيانة) (١) كما أَشَرْنا إِليه في الحلّ.

стр. 135

وَأَنْ يَتَّقِيَ مِنْهَا مَا كَانَ عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ وَالْمُعَانِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ ــ وقولُه: (وأنْ يَتَّقِيَ) معطوفٌ على خبرِ أَنَّ؛ أي: وأَنَّ الواجب عليه أنْ يَتَّقِيَ وَيتَحَرَّزَ وَيَتَجَنَّبَ (منها) أي: مِنْ تلك الروايات (ما كان) منقولًا (عن أهلِ التُّهَمِ) بالكذب والوَضْع، وعن أهل الشكّ في صِدْقِهم. وفي بعض النُّسَخ زيادةُ (مِنْها) بعد (كان)، وإِسقاطُها أَوْلى؛ لِما في إِثباتِها من التكرار بلا فائدة. قال النوويُّ: (قولُه: "وأنْ يَتَّقِيَ منها" ضبطناه بالتاء المثناة فوقُ بعد المثناة تحتُ وبالقاف من الاتقاء، وهو الاجتناب، وفي بعض الأصول: "وأنْ يَنْفِيَ" بالنون والفاء وهو صحيحٌ أيضًا، وهو بمعنى الأول) اهـ (١) ويُقال: (اتَّهَمَه في قوله) إِذا شَكَّ في صِدْقِه، والتهم: جمع تهمة، وهي اسمُ مصدرٍ من الاتِّهام، وما يتهم عليه. قال النووي: (وقولُه: "بين صحيح الرواياتِ وسَقِيمِها وثِقَاتِ الناقلين لها من المُتَّهَمِين" ليس هو من باب التكرار للتَّأكيد، بل له معنًى غير ذلك؛ فقد تَصِحُّ الروايات لمتن، ويكون الناقلون لبعض أسانيده مُتَّهَمِين، فلا يُشْتَغَلُ بذلك الإسناد) اهـ (٢). وقولُه: (والمُعَانِدِينَ) معطوفٌ على (أهلِ التُّهَمِ) أي: وما كان منها منقولًا عن المُعَانِدِين للحقّ والمُعَارِضِين له والمُفَارِقِين للسُّنَّة والجماعةِ الكائنين (مِنْ أهلِ البِدَعِ) والاختراعاتِ الْمُحْدَثة، والخُرافات المُزَيَّفة. والبدَع -بكسر أوله وفتح ثانيه-: جمعُ بِدْعَة بكسرِ أوله وسكونِ ثانيه، وهي: كُلُّ ما اخْتُرِعَ وأُحْدِثَ على غيرِ مثالٍ سابق. فالاتّقاءُ عن رواية أهل البِدَع واجبٌ عند المؤلِّف مطلقًا؛ أي: سواء كانوا داعين إِلى بِدْعَتِهم أم لا، وهو ضعيَفٌ، والراجحُ: قبولُ الروايةِ من المبتدعة إِذا لم يكونوا

стр. 136

وَالدَّلِيلُ ــ داعين إِلى بِدْعَتِهم؛ لأنه لم يَزَل السَّلَفُ والخَلَفُ على قبولِ الرواية منهم والاحتجاجِ بها والسماعِ منهم وإِسماعِهم من غير إِنكارٍ منهم، والله أعلم. وعبارةُ النوويِّ هنا: (قولُه: "واعْلَمْ: أَنَّ الواجبَ على كُلِّ أَحَدٍ ... وأنْ يَتَّقِيَ منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع" هذا بيانٌ من المؤلِّف لمذهبه، قال العلماء من المُحَدِّثين والفقهاء والأُصوليين: المبتدع الذي يكفر ببدعته لا تُقبل روايتُه بالاتفاق، وأمَّا الذي لا يكفر بها .. فاختلفوا في روايته، فمنهم مَنْ رَدَّها مطلقًا لفِسْقِه ولا ينفعه التأويل، ومنهم مَنْ قَبِلَها مطلقًا إِذا لم يكن ممن يستحلُّ الكذب في نُصْرة مذهبه أو لأهل مذهبه، سواءٌ كانَ داعيةَ إِلى بدعته أو غيرَ داعية، وهذا القولُ مَحْكِيٌّ عن الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى، حيث قال: أَقْبَلُ شهادةَ أهل الأهواء إلا الخطَّابية من الرافضة؛ لكونهم يَرَوْن الشهادة بالزُّور لمُوافِقِيهم. ومن العلماء مَنْ قال: تُقبل إِذا لم يكن داعيةً إِلى بِدْعَتِه (١)، ولا تُقبل إِذا كان داعيةً، وهذا مذهب كثيرين، أو الأكثرِ من العلماء، وهو الأعدل الصحيح. وقال بعضُ أصحاب الشافعي: اختلف أصحابُ الشافعي في غير الداعية، واتَّفَقُوا على عدم قبول الداعية، وقال أبو حاتم بن حِبَّان -بكسر الحاء وبالموحدة-: لا يجوزُ الاحتجاجُ بالداعية عند أئمَّتنا قاطبةً، لا خلافَ بينهم في ذلك. وأمَّا المذهبُ الأولُ: فضعيفٌ جِدًّا؛ ففي "الصحيحين" وغيرِهما من كُتُبِ أئمَّةِ الحديث الاحتجاجُ بكثيرين من المبتَدعة غيرِ الدُّعاة، ولم يَزَل السَّلَفُ والخَلَفُ على قبول الروايةِ منهم، والاحتجاجِ بها، والسماعِ منهم، وإِسماعِهم من غير إِنكارٍ منهم، والله أعلم" اهـ بتصرف (٢). ثم استدلَّ المؤلِّفُ على مذهبه فقال: (والدليلُ) وهو مبتدأٌ، والدليلُ لغةً: ما يدلُّ على الشيء، كدليل الطريق المسمَّى بالخَفِير، فهو فَعِيل بمعنى فاعل، واصطلاحًا: جزئيٌّ يُذْكَرُ لإِثبات القاعدة،

стр. 137

عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْنَا مِنْ هَذَا هُوَ اللَّازِمُ دُونَ مَا خَالفَهُ: قَوْلُ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، ــ وأمَّا المثال: فهو جزئيٌّ يُذكَرُ لإِيضاح القاعدة؛ أي: والدليلُ الذي يدلُّ لنا (على أَنَّ) الحُكْمَ (الذي قُلْنا) هـ حالةَ كَوْنِه (مِنْ) وجوبِـ (هذا) الاتّقاء المذكورِ (هُوَ) الحُكْمُ (اللازمُ) المُتَعَيِّنُ الذي لا يجوزُ العُدُولُ عنه (دُونَ ما خَالفَه) أي: دونَ الحُكْمِ الذي خَالفَ ما قُلْناه، وهو عدمُ وجوبِ الاتِّقاء المذكور. وذَكَرَ خبرَ المبتدإ بقوله: (قولُ اللهِ) سبحانه عَزَّ قَدْرُه و (جَلَّ ذِكْرُهُ) أي: تَنَزَّه ثناؤه عمَّا ليس أهلًا له: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ ورسولِه ﴿إِنْ جَاءَكُمْ﴾) وأخبركم (﴿فَاسِقٌ﴾) أي: شخصٌ خارجٌ عن سِمَة العدالة (﴿بِنَبَإ﴾) أي: بِخَبَرٍ مُحْتَمِلٍ للصِّدْق والكَذِب (﴿فَتَبَيَّنُوا﴾) فتبحثوا وتفحصوا عن صِدْقِه وكَذِبِه، ولا تستعجلوا إِلى إِمضاء ما يقتضيه خَبَرُه. نَزَلَتْ هذه الآيةُ في الوليد بن عقبة أخي عثمان بن عفان ﵁ لأُمِّه، بَعَثَه النبيُّ ﷺ إِلى بني المُصْطَلق ليجيءَ بصدقاتِهم، وكان بينه وبينهم عداوةٌ في الجاهلية، فلمَّا سَمِعُوا به .. تَلَقَّوْه؛ تعظيمًا لأمر رسول الله ﷺ وقال: إِنهم منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب الرسولُ ﷺ فأرادَ أنْ يغزوهم فنهاه اللهُ سبحانه عن ذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ بخبرٍ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ فتفحصوا، وقُرِئَ: ﴿فتثبتوا﴾ أي قِفُوا حتى يَتَبَيَّنَ لكم حقيقةُ ما جاءَ به من صِدْقِه أو كَذِبِه حذرَ (﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾) بالقَتْلِ والسَّبْي ملتبسين (﴿بِجَهَالةٍ﴾) أي: بجهالةِ حالهم (﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾) أي: فتصيروا بعد ظُهورِ براءتهم عمَّا نُسِبَ إِليهم نادمين على ما فَعلْتُم في حَقِّهم من إِصابتهم بالقتلِ وغيرِه. فدَلَّ بمنطوق هذه الآية على أَنَّ خَبَرَ الفاسقِ ساقطٌ غيرُ مُعْتَبَر. وعبارةُ القرطبي هنا: (قولُه تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الفاسقُ في أصل اللغة: هو الخارجُ مطلقًا، والفِسق والفُسوق: الخروج، ومنه قولُهم: فَسَقَت الرُّطَبةُ .. إِذا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِها الأعلى، ومنه سُمِّيت الفأرةُ فويسقةً؛ لأنها تخرج من

стр. 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جحْرِها للفساد، وهو في الشرع: خروجٌ مذمومٌ بحسب المخروج منه، فإِنْ كان إِيمانًا .. فذلك الفسق كُفْر، وإِن كان غيرَ إِيمانٍ .. فذلك الفسق معصية، وقُرئ في السبع ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ من البيان و ﴿تَثَبَّتُوا) من التثبُّت، وكلاهما بمعنىً متقارب. ولم يختلف نَقَلَةُ الأخبار -فيما عَلِمْتُ- أَنَّ هذه الآيةَ نزلتْ بسبب الوليد بن عقبة، بَعَثَه رسولُ اللهِ ﷺ إِلى بني المُصْطَلِق مُصَدِّقًا، فلمَّا أبصروه .. أقبلوا نحوه فهابهم؛ لإِحْنَةٍ وعداوةٍ كانتْ بينهم في الجاهلية. وقيل: إِنهم لم يخرجوا إِليه، وأُخْبِرَ أنهم ارْتَدُّوا -ذكره أبو عُمر بن عبد البَرّ- فَرَجَعَ إِلى النبي ﷺ فأخبره أنهم ارتدُّوا ومنعوا الزكاة، فَبَعَثَ النبيُّ ﷺ خالدَ بنَ الوليد وأَمَرَه بالتثبُّتِ في أَمْرِهم، فأتاهم ليلًا فسمع الأذان، ووَجَدَهم يُصَلُّون، وقالوا له: قد اسْتَبْطَأْنا المُصَدِّقَ وخِفْنا غَضَبَ رسولِ الله ﷺ ، فرجع خالدٌ إِلى النبي ﷺ فأخبره بذلك، فنزلت الآية. ومقتضى الآيةِ: أَنَّ الفاسق لا يُقبل خبرُه روايةً كان أو شهادةً، وهو مُجْمَعٌ عليه في غير المتأوِّل، ما خلا ما حُكي عن أبي حنيفة من حُكْمِه بصحة عقد النكاح الواقع بشهادة فاسقين، وحكمة ذلك أن الخبر أمانة، والفسق خيانة، ولا يُوثق بخَؤُوْنٍ. وقال الفقهاء: لا يقبل قولُه؛ لأنَّ جُرْأَته على الفسق تخرِم الثقةَ بقوله، فقد يجترئ على الكذب كما اجترأ على الفسق، فأمَّا الفاسق المتأوِّل الذي لا يَعْرِفُ فِسْقَ نفسِه، ولا يُكَفَّر ببدعته .. فقد اختُلف في قبول قوله، فقَبِلَ الشافعيُّ شهادتَه، ورَدَّهَا أبو بكر بنُ العربي المعافري صاحب "العواصم"، وفَرَّقَ مالكٌ بين أن يدعوَ إِلى بدعته فلا تقبل، أو لا يدعو فتُقبل، ورُوي عنه: أنه لا تُقبل شهادتُهم مطلقًا، وكُلُّهم اتفقوا على أَنَّ من كانتْ بِدْعَتُه تُجَرِّئُه على الكذب كالخطابية من الرافضة .. لم تُقبل روايتُه ولا شهادتُه) (١) كما مَرَّ عن النووي.

стр. 139

وَقَال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، وَقَال : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ــ (و) قد دَلَّ سبحانه أيضًا على وجوب الاتقاء المذكور بمفهوم آيةٍ أُخرى حيث (قال جَلَّ ثناؤُه) وذِكْرُهُ في سورة البقرة: (﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾) لديانتِه وعدالتِه (﴿مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾). قال القرطبيُّ: (والظاهرُ من هذا الخطاب: أنه لمن افتتح الكلام معهم في أول الآية في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، وهم المخاطَبون بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، وبقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وعلى هذا الظاهرِ: فكُلُّ مَنْ رَضِيَه المتداينان والمتبايعان فأَشْهدَاهُ .. حَصَلَ به مقتضَى الخطاب، غيرَ أنهما قد يرضيان بمَنْ لا يَرْضَى به الحاكمُ ولا يَسْمَعُ شهادتَه، فلا ينتفعان بالإِشهاد، ولا يحصل به مقصودُ الشرع من الاستيثاق بالشهادة؛ إِذْ لم يَثْبُتْ بما فعلاه عقدٌ، ولا يُحفظ به مال. ولمَّا كان مقتضَى ظاهر الخطاب ذلك .. قال العلماء: إِنَّ المُخَاطَبَ بذلك الحُكَّام، إِذْ هم الذين يعرفون المَرْضِيَّ شرعًا من غيره، فتَثْبُتُ بمَنْ يَرْضَوْنه العقودُ، وتُحفظُ الأموالُ والدماءُ والأبضاعُ، ويحصل الفصلُ بين الخصوم فيما يتنازعون فيه من الحقوق، وذلك هو مقصودُ الشرعِ من قاعدة الشهادة قطعًا، ولا يحصل ذلك برِضَى غيرِهم، فتَعَيَّنَ الحُكَّامُ لهذا الخطاب الذي هو قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. وإِذا تَقَرَّرَ هذا .. فالذي يرضاه الحاكمُ هو العَدْلُ الذي انتفتْ عنه التُّهَمُ القادحةُ في الشهادة، كالقرابةِ وجَرِّ المنفعةِ لنفسِه أو لولدِه أو لزوجتِه، وكالعداوةِ البيِّنَةِ والصداقةِ المفرطة، على تفصيلِ وخلافٍ يُعْرَفُ في الفقه) اهـ (١) (و) حيث (قال عَزَّ) أي: اتَّصَفَ بكُلِّ ما يَلِيقُ به من جميع الكمالات (وجَلَّ) أي: تَنَزَّه عن كُلٍّ ما لَا يَلِيقُ به من جميع النقائص، في سورة الطلاق: (﴿وَأَشْهِدُوا﴾) أيُّها الأزواجُ على إِمساكِكم إِياهنّ أو فراقِكم لهنّ (﴿ذَوَي عَدْلٍ﴾) أي: صاحبَي عدالةٍ كائنَينِ (﴿مِنْكُمْ﴾) أيها المؤمنون.

стр. 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الإِمام أبو العباس القرطبي: (وهذا دليلٌ على اشتراط العدالة في الشهادة، ومعناها في اللُّغة: الاستقامةُ، والاعتدالُ ضِدُّ الاعوجاج، ويُقال: عَدْل من العدالة والعدولة، ويُقال: عدل للواحد وللاثنين ولجماعة المذكر والمؤنث بلفظٍ واحدٍ إِذا قُصِدَ به قصدَ المصدر، وإِذا قصد به الصفةَ .. ثُنِّيَ وجُمع وذُكِّر وأُنّث، وهي عند أئمَّتنا: اجتنابُ الكبائرِ، واتّقاءُ الصغائرِ وما يُنَاقِضُ المروءةَ ويزْرِي بالمناصب الدينية. والعبارةُ الوجيزةُ عنها هي: حُسْنُ السِّيرة واستقامةُ السَّرِيرة شرعًا في ظنّ المُعَدِّل، وتفصيلُها في الفروع. وهل يُكتفى في ظنّ حصول تلك الأحوال في العَدْل بظاهر الإِسلام مع عدم الاطّلاع على فسقٍ ظاهرٍ أو لا بُدَّ من اختبار حاله حتى يُظَنّ حصول تلك الأمور في المُعَدّل؟ قولان لأهل العلم: الأول: مذهبُ أبي حنيفة. والثاني: مذهبُ مالكِ والشافعيِّ والجمهورِ، وهو مَرْويٌّ عن عمر بن الخطاب ﵁. وعلى مذهب أبي حنيفة: فشهادةُ المسلمِ المجهولِ الحال مقبولةٌ، وهي على مذهب الجمهور مردودة. وقد أفادت الآيتان معنيَينِ: أحدُهما: اعتبارُ اجتماع أوصاف العدالة التي إِذا اجْتَمَعَتْ .. صَدَقَ على الموصوف بها أنه عَدْلٌ. والثاني: اعتبارُ نفي القوادح التي إِذا انتفتْ .. صَدَقَ على من انتفتْ عنه أنه مَرْضِيٌّ. فلابُدَّ من اجتماع الأمرين في قبول الشهادة، ولذلك لا يُكتفى عندنا في التزكية بأن يقول المزكّي: هو عَدْلٌ فقط، بل حتى يقول: هو عدلٌ مَرْضِيٌّ، فيَجْمَعَ بينهما. وأمَّا في الأخبار: فلا بُدَّ من اعتبار المعنى الأول، ولا يُشترط الثاني فيها؛ إِذْ

стр. 141

فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الآيِ أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيرُ مَقْبُولٍ، وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيرِ الْعَدْلِ مَرْدُودَةٌ، وَالْخَبَرُ وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ .. فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا؛ ــ يجوزُ قبولُ أخبار رسول الله ﷺ من الراوي لها العدل وَإِنْ جَرَّ لنفسهِ بذلك نفعًا أو لولدِه، أو ساق بذلك مَضَرَّةَ لِعَدُوِّه، كأخبار عليٍّ ﵁ عن الخوارج. وسِرُّ الفرقِ: أنه لا يُتَّهَمُ أحدٌ من أهل العدالة والدِّين بأنْ يَكْذِبَ على رسول الله ﷺ بشيءٍ من ذلك، فكيف يقتحم أحدٌ من أهل العدالة والدِّين لشيءٍ من ذلك مع قول رسول الله ﷺ : "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ ليس كَكَذِبٍ على أَحَدٍ، فمَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مقعدَه من النار"؟ والخبرُ والشهادةُ وَإِنِ اتَّفَقا في أصل اشتراط العدالة .. فقد يفترقان في أمورٍ عديدةٍ) اهـ (١). وسيأتي الإِشارةُ إِليه في كلام المؤلِّف. (فَدَلَّ) (بما ذَكَرْنا) وبَيَّنَّا (مِنْ هذهِ الآي) الثلاثةِ على (أَنَّ خَبَرَ الفاسقِ) ونَبَأَه (ساقطٌ) مهجورٌ مردودٌ (غيرُ مقبولٍ) في حُكْمٍ من الأحكام، وهذا ما دَلَّ عليه بمنطوق الآية الأولى. (و) دَلَّ أيضًا على (أَنَّ شهادةَ) الفاسقِ (غيرِ العَدْلِ مردودةٌ) غيرُ مقبولة، وهذا ما دَلَّ عليه بمفهوم الآيَتَينِ الأخيرَتَينِ (والخَبَرُ) أي: الروايةُ (وإنْ فَارَقَ معناهُ) أي: معنى الخبرِ وحُكْمُه (مَعْنَى الشَّهَادَةِ) أي: حُكْمها وهي الإِخْبَارُ عن حقٍّ للغير على الغير (في بعضِ الوُجُوهِ) والشُّروطِ كالذُّكورة والحُرِّيَّة والعدد، فإِنَّ هذه الثلاثةَ معتبرةٌ في الشهادة دون الخبر والرواية (فقد يَجْتمِعانِ) أي: الخبرُ والشهادةُ؛ أي: يَتَّفِقانِ (في أعظمِ مَعَانِيهِما) أي: في أكثرِ أحكامِهما وشروطِهما كالإِسلام والعدالة والبلوغ والعقل. قال النوويُّ: (وقولُ مسلمٍ: "والخَبَرُ وَإنْ فَارَقَ معناه مَعْنَى الشهادةِ ... " إِلخ من الدلائل الصريحة على عِظَمِ قَدْرِ مسلمٍ، وكثرةِ فِقْهِهِ.

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واعْلَمْ: أَنَّ الخَبَرَ والشهادةَ يَشْتَرِكان في أوصافٍ، ويَفْتَرِقان في أوصافٍ، فيَشْتَرِكان في اشتراطِ الإِسلامِ والعقلِ والبُلوغِ والعدالةِ والمُروءةِ وضَبْطِ الخبرِ أو المشهودِ به عند التحمُّل والأداء، ويَفْتَرِقانِ في الحُرِّيَّةِ والذُّكوريةِ والعددِ والتهمةِ وقبولِ الفرع مع وجود الأصل. فيُقبل خبرُ العبدِ والمرأةِ والواحدِ وروايةُ الفَرْع مع حضور الأصل الذي هو شيخه، ولا تُقبل شهادتُهم إِلَّا في المرأة في بعض المواضع مع غيرها. وتُرَدُّ الشهادة بالتُّهمة كشهادته على عَدُوِّه، وبما يَدْفَعُ به عن نفسه ضررًا أو يَجُرُّ به إِليها نَفْعًا ولولدِه ولوالدِه. واختلفوا في شهادة الأعمى: فمَنَعَها الشافعيُّ وطائفةٌ، وأجازها مالكٌ وطائفةٌ، واتَّفَقُوا على قبول خبره. وإِنما فَرَّقَ الشرعُ بين الشهادة والخبرِ في هذه الأوصاف؛ لأنَّ الشهادةَ تَخُصُّ فيظهر فيها التهمة، والخبرَ يعمّه وغيرَه من الناس أجمعين، فتنتفي التُّهمة، وهذا الذي قلناه كلام العلماء الذين يُعْتَدُّ بكلامهم، وقد شَذَّ عنهم جماعةٌ في أفراد بعض هذه الشروط، فمِنْ ذلك: شرطُ بعض أصحاب الأصول أن يكون تَحَمُّلُه الروايةَ في حال البلوغ، والإِجماع يَرُدُّ عليه، وإِنما يُعتبر البلوغ حال الرواية لا حال السماع، وجَوَّزَ بعضُ أصحاب الشافعي روايةَ الصبي وقبولَها منه في حال الصِّبا، والمعروفُ من مذاهب العلماء مطلقًا ما قَدَّمْناه. وشَرَطَ الجُبَّائيُّ المعتزليُّ وبعضُ القَدَرِيَّةِ: العددَ في الرواية، فقال الجُبَّائي: لا بُدَّ من اثنين عن اثنين كالشهادة، وقال القائلُ من القَدَرية: لا بُدَّ من أربعةٍ عن أربعةٍ في كُلِّ خَبَر. وكُلُّ هذه الأقوالِ ضعيفةٌ ومنكرةٌ مُطرحة، وقد تظاهرتْ دلائلُ النصوص الشرعية والحُجَجُ العقليةُ على وجوب العمل بخبر الواحد، وقد قَرَّرَ العلماءُ في كتب الفقه والأُصول ذلك بدلائله، وأوضحوه أبلغَ إِيضاح، وقد صَنَّفُوا مُصَنَّفاتٍ كثيرةً في قبولِ

стр. 143

إِذْ كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ غَيرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ. وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى نَفْيِ رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الأَخْبَارِ؛ كَنَحْو دَلالةِ الْقُرْآنِ عَلَى نَفْيِ خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَهُوَ الأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ ــ خبر الواحد ووجوبِ العمل به، والله أعلم) اهـ (١). وقولُه: (إِذْ كان خَبَرُ الفاسقِ) عِلَّةٌ لقوله: (فقد يَجْتَمِعَانِ) أي: لأنه قد كان خبرُ الفاسقِ وروايتُه (كيرَ مقبولٍ عندَ أهلِ) هذا (العِلْمِ) يعني الحديثَ (كَمَا أَنَّ شهادتَه مردودةٌ) غيرُ مقبولةٍ (عندَ جميعِهم) أي: عندَ جميعِ أهل العلم. (ودَلَّتِ السُّنَّةُ) أي: سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ وحديثُه (على نَفْيِ) ورَدِّ (روايةِ المُنْكَرِ) والموضوعِ (من الأخبارِ) والأحاديث. ولفظُ (نَحْو) في قوله: (كنَحْو دَلالةِ القرآنِ) مُقْحَمٌ؛ أي: دَلَّتِ السُّنَّةُ على ذلك دَلالةً مِثْلَ دَلالةِ القرآن (على نَفْي خَبَرِ الفاسقِ) ورَدِّه (وهو) أي: ما ذُكِرَ من السُّنَّةِ، وذَكَّرَ الضميرَ؛ لأنَّ الخبرَ مُذَكَّرٌ، أو أعاده على السُّنَّة بمعنى المذكور (الأثَرُ المشهورُ) والحديثُ المأثورُ (عن رسولِ اللهِ ﷺ . قال النوويُّ: (وكلامُه جارٍ على المذهب المختار الذي قاله المُحَدِّثون وغيرُهم، واصْطَلَحَ عليه السَّلَفُ والخَلَفُ، وهو أَنَّ الأثَرَ يُطْلَقُ على المَرْويِّ مطلقًا، سواءٌ كان عن رسول الله ﷺ أر عن صحابي، وقال الفُقهاءُ الخُرَاسانيّونَ: الآثَرُ هو ما يُضَافُ إِلى الصحابي موقوفًا عليه، والله أعلم) (٢). وقولُه: ("مَنْ حَدَّثَ ... ) إِلخ في مَحَلِّ الرفع، بدلٌ محكيٌّ من (الأَثَرُ) أي: مَنْ رَوَى (عنّي) ونَسَبَ إِليَّ (بحديثٍ) لم أَقُلْه ولم أفعله ولم أُقَرِّرْه، والحالُ أنه (يُرَى) بضم الياء؛ أي: يُظَنُّ، أمَّا بفتحها: فهو بمعنى يَعْلَمُ، وكِلا الضَّبْطَينِ ثابتٌ كما سيأتي (أَنَّهُ) أي: أَنَّ ذلك الحديثَ المنسوبَ إِليَّ (كَذِبٌ) موضوعٌ مُخْتَلَقٌ.

стр. 144

فَهوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ" ــ والفاءُ في قوله: ( .. فهو) رابطةٌ لجواب (مَنْ) الشرطية وجوبًا؛ أي: ذلك المحدث (أَحَدُ الكَاذِبينَ") أي: النَّاسِبِينَ إِليَّ ما لم أَقُلْه، وما لم أَفْعَلْه، وما لم أُقرِّره .. فله ما لهم من الوعيد. و(الكاذبين) قال النوويُّ: (بكسر الباء الموحدة وفتح النون على صيغة الجمع، وهذا هو المشهور، قال القاضي عياض: الروايةُ فيه عندنا "الكاذِبينَ" على صيغة الجمع، ورواه أبو نُعَيم الأصبهانيُّ في كتابه "المستخرج على صحيح مسلم" في حديث سَمُرة "الكاذبَينِ" بفتح الباء وكسر النون على التثنية، واحْتَجَّ به على أَنَّ الراويَ له يُشَارِكُ البادئَ بهذا الكذب، ثم رواه أبو نُعَيمٍ من رواية المغيرة: "الكاذبَينِ أو الكاذِبِينَ" على الشكّ في التثنية والجمع) (١). وقال القرطبي: (والمعنى على الجَمْع: فهو أَحَدُ الكَذَّابِينَ على رسول الله ﷺ ، الذين قال اللهُ تعالى في حَقِّهم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾؛ لأنَّ الكَذِبَ على رسول الله ﷺ كَذِبٌ على الله تعالى. والمعنى على التثنية: أَنَّ المُحَدِّثَ والمُحَدَّثَ بما يَظُنَّان أو يَعْلَمانِ أنه كَذِبٌ: كاذبان، هذا بما حَدَّثَ والآخَرُ بما تَحَمَّلَ من الكذب مع عِلْمِه أو ظَنِّه لذلك) اهـ (٢). قال النوويُّ: (وذَكَرَ بعضُ الأئمَّةِ جوازَ فتح الياء من "يرى"، وهو ظاهرٌ حَسَنٌ، فأمَّا مَنْ ضَمَّ الياءَ .. فمعناه: يُظَنُّ، وأما من فتحها .. فظاهرٌ، ومعناه: وهو يَعْلَمُ، ويجوزُ أن يكون بمعنى يُظَنُّ أيضًا، فقد حُكِيَ: رأى بمعنى ظَنَّ، وقيد

стр. 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بذلك؛ لأنه لا يأثم إِلَّا بروايته ما يَعْلَمُه أو يَظُنُّه كَذِبًا، أمَّا ما لا يعلمه ولا يَظُنُّه .. فلا إِثْمَ عليهِ في روايته وَإنْ ظَنَّه غيرُه كَذِبًا أو عَلِمَه) اهـ (١) وعبارةُ القرطبي هنا: ("يُرى" قيّدناه عن مشايخنا مَبْنِيًّا للفاعل وللمفعول، فَيَرَى بِفَتْحِ الياءِ بمعنى: يَعْلَمُ المتعدِّية لمفعولين، وأَنَّ سَدَّتْ مَسَدَّهما، وماضي يَرَى: رأى مهموزًا، وإِنما تَرَكَت العربُ هَمْزَةَ المضارعِ؛ لكثرة الاستعمال، وقد نَطَقُوا به على الأصل مهموزًا في قولهم: أَلَمْ تَرَ مَا لاقَيتُ والدَّهْرُ أَعْصَرُ ... وَمَنْ يَتَمَنَّى العَيْشَ يَرْأَى وَيَسْمَعُ ورُبَّما تركوا هَمزةَ الماضي في قولهم: صَاحِ هَلْ رَيْتَ أو سَمِعْتَ بِرَاعٍ ... رَدَّ في الضَّرْعِ ما قَرَا في الحِلابِ؟ ويحتملُ ما في الحديث أن يكون بمعنى الرأي فيكون ظنًّا من قولهم: رأيتُ كذا؛ أي: ظَهَرَ لي، وعليهما: يكون المقصودُ بالذَّمِّ الذي في الحديث المُتَعَمِّدَ للكذب عِلْمًا أو ظَنًّا، وأمَّا "يُرى" بالضمّ: فهو مَبْنِيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُه، ومعناها: الظَّنُّ وَإنْ كان أصلُها مُعَدًّى بالهمزة مِنْ رأى، إِلَّا أَنَّ استعماله في الظنّ أكثرُ وأشهرُ. ويفيد الحديثُ التحذيرَ عن أنْ يُحَدِّثَ أَحَدٌ عن رسول الله ﷺ إِلَّا بما تَحَقَّقَ صِدْقَه عِلْمًا أو ظَنًّا، إِلَّا أنْ يُحَدِّثَ ذلك على جهة إِظهارِ الكذب؛ فإِنه لا يتناوله الحديث) اهـ (٢). وقال النوويُّ: (وأمَّا فِقْهُ الحديثِ .. فظاهرٌ، ففيه تغليظُ الكَذِب والتعرُّضِ له، وأَنَّ مَنْ غَلَبَ على ظَنِّه كَذِبُ ما يرويه فرواه .. كان كاذبًا، وكيف لا يَكون كاذبًا وهو مُخْبِرٌ بما لم يَكُنْ؟ ! ) اهـ (٣) ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى سَنَدينِ لهذا الأثَرِ المشهورِ إِلى الصحابِيَّينِ، ثم
следующие страницы →