Полный текст (11 982 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.
стр. 9241
قَالتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَكِفًا. فَأَتَيتُهُ أَزُورُهُ لَيلًا فَحَدَّثْتُهُ. ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ. فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي, وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ, فَمَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأَنْصَارِ,
ــ
رضي الله تعالى عنها، وهذا السند من سداسياته (قالت) صفية كان النبي ﷺ معتكفًا) في المسجد، قد تقدم الكلام على الاعتكاف لغة وشرعًا في كتابه (فأتيته) ﷺ (أزوره) أي حالة كوني أريد زيارته، وقوله (ليلًا) متعلق بأتيته (فحدثته) أي فتحدثت معه ﷺ ، قال القرطبي: فيه دليل على جواز زيارة المعتكف والتحدث معه غير أنه يكره الإكثار من ذلك لئلا يشتغل عما دخل إليه من التفرغ لعبادة الله تعالى، وأما على أنه لا تكره له الخلوة مع أهله في معتكفه ولا الحديث معها وإنما الممنوع المباشرة لكن هذا للأقوياء ومن يخاف على نفسه غلبة شهوة فلا يجوز له لئلا يفسد اعتكافه وقد كان كثير من الفضلاء يجتنبون دخول منازلهم في نهار رمضان مخافة الوقوع فيما يفسد الصوم أو ينقص ثوابه اهـ من المفهم. قالت صفية (ثم قمت) من عنده ﷺ (لأنقلب) وأرجع إلى بيتي (فقام) النبي ﷺ (معي ليقلبني) بفتح الباء وكسر اللام من باب ضرب أي ليصرفني ويردني ويشيعني ويرجعني إلى بيتي، ووقع في رواية علي بن حسين عند البخاري في الاعتكاف (كان النبي ﷺ في المسجد وعنده أزواجه فرحن فقال لصفية بنت حيي "لا تعجلي حتى أنصرف معك" وكان بيتها في دار أسامة بن زيد) والذي يظهر أن اختصاص صفية بذلك لكون مجيئها تأخر عن رفقتها فأمرها بتأخير التوجه ليحصل لها التساوي في مدة جلوسهن عنده أو أن بيوت رفقتها كانت أقرب من منزلها فخشي النبي ﷺ عليها أوكان مشغولًا فأمرها بالتأخر ليفرغ من شغله ويشيعها قاله الحافظ في الفتح [٤/ ٢٧٨]. قوله (وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد) قال الحافظ أيضًا: أي في الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيد لأن أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة بحيث تسكن فيها صفية وكانت بيوت أزواج النبي ﷺ حوالي أبواب المسجد (فمر) علينا (رجلان من الأنصار) وقد مر في حديث أنس (فمر به رجل) بصيغة الإفراد ولا تعارض بينهما فإن العدد الأقل لا ينفي الأكثر ويمكن أن يكون أحدهما تابعًا للآخر فاستقل المتبوع بالذكر ودخل التابع فيه ضمنًا وبما أن هذا
стр. 9242
فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ﷺ أَسْرَعَا. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُمَا. إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ" فَقَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ,
ــ
الاختلاف لا يتعلق بأصل القصة فلا يبعد أن يكون قد وقع فيه وهمٌ من أحد الرواة، ثم ذكر الحافظ أنه لم يقف على تسمية هذين الرجلين وذكر أنه زعم ابن العطار في شرح العمدة أنهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر ولم يذكر لذلك مستندًا والله أعلم.
وفي تنبيه المعلم: قال ابن حجر في الفتح [٤/ ٢٧٩] رقم [٢٠٣٥] على الرواية التي فيها مر رجلان لم أقف على تسميتهما في شيء من كتب الحديث إلا أن ابن العطار قال في شرح العمدة: أنهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر ولم يذكر لذلك مستندًا، ثم قال على رواية (فمر به رجل) ووفق بينها وبين الرواية التي بعدها بقوله إن أحدهما كان تبعًا للآخر فحيث أفرد ذكر الأصل وحيث ثنى ذكر الصورة وضعف احتمال تعدد القصة اهـ منه.
(فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا) في مشيهما، وفي رواية للبخاري [٢٠٣٥] فسلما على رسول الله ﷺ ، ووقع في رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عند ابن حبان (فلما رأياه استحييا فرجعا) فأفاد سبب رجوعهما وكأنهما لو استمرا ذاهبين إلى مقصدهما ما ردهما بل لما رأى أنهما تركا مقصدهما ورجعا ردهما (فقال النبي ﷺ لهما (على رسلكما) بكسر الراء وسكون السين أي على هينتكما في المشي فليس هنا شيء تكرهانه، وهو متعلق بمحذوف تقديره امشيا على هينتكما، قال القرطبي: والرسل بكسر الراء الرفق واللين وليس فتح الراء فيه معروفًا (والرسل) بالكسر أيضًا اللبن وقد جاء أرسل القوم صار لهم اللبن في مواشيهم والرسل بفتح الراء والسين القطيع من الخيل والإبل والغنم وجمعه أرسال يقال جاءت الخيل أرسالًا أي قطيعًا قطيعًا (إنها) أي إن المرأة (صفية بنت حيى) وفي رواية إنما هي صفية (وإنما) هنا لتحقيق المتصل بها وتمحيق المنفصل عنها كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي أن الإلهية متحققة له منفية عن غيره فكأنه قال هذه صفية لا غيرها حسمًا لذريعة التهم وردًا لتسويل الشيطان ووسوسته كما قد نص عليه وإذا كان النبي ﷺ يتقي مواقع التهم عند قيام الأدلة القاطعة على عصمته كان غيره أولى بذلك (فقالا) أي فقال الرجلان (سبحان الله) أي تنزيهًا لله وبراءة
стр. 9243
يَا رَسُولَ اللهِ. قَال: "إِنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ. وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا" أَوْ قَال: "شَيئًا"
ــ
له من كل سوء (يا رسول الله قال) النبي ﷺ (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف) أي خفت أن يلقي ويرمي (في قلوبكما شرًّا) أي سوء ظن بي (أو قال) النبي ﷺ أو الراوي أن يقذف في قلوبكما (شيئًا) بدل شرًّا أي شيئًا مما يضر في إيمانكما من سوء الظن بالنبي ﷺ .
قال القرطبي: قول الرجلين (سبحان الله) معنى هذه الكلمة في أصلها البراءة لله من السوء لكنها قد كثر إطلاقها عند التعجب والتفخيم أو الإنكار كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ وكقوله ﷺ " إن المؤمن لا ينجس" ومثله كثير وهذا الموضع منها فكأنهما قالا البراءة لله تعالى من أن يخلق في نفوسنا ظن سوء بنبيه ﷺ ولذلك قال في الرواية الأخرى (ومن كنت أظن به فلم أكن أظن بك) اهـ من المفهم.
وقوله (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) حمله بعضهم على ظاهره فقال إن الله تعالى جعل للشيطان قوة وتمكنًا من أن يرى في باطن الإنسان ومجاري دمه والأكثر على أن معنى هذا الحديث الإخبار عن ملازمة الشيطان للإنسان واستيلائه عليه بوسوسته وإغواثه وحرصه على إضلاله وإفساد أحواله فيجب الحذر منه والتحرز من حيله وسد طرق وسوسته وإغوائه وإن بعدت وقد بين ذلك في آخر الحديث بقوله: "إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا فتهلكا" وخصوصًا في مثل هذا الذي يفضي بالإنسان إلى الكفر فإن ظن السوء والشر بالأنبياء كفر، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: في هذا الحديث من الفقه أن من قال في النبي ﷺ شيئًا من هذا أو جوزه عليه فهو كافر مستباح الدم.
قوله: (أن يقذف في قلوبكما شرًّا) أي يرمي ومنه القذف أي الرمي والقذافة الآلة التي ترمى بها الحجارة، والشر هنا هو الكفر الذي ذكرناه وهو في غير مسلم فتهلكا أي بالكفر الذي يلزم عن ظن السوء بالنبي ﷺ وذكر في الرواية الأخرى أنه كان رجلًا واحدًا، فيحتمل أن يكون هذا في مرتين، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ أقبل على أحدهما بالقول بحضرة الآخر فتصبح نسبة القصة إليهما جمعًا
стр. 9244
٥٥٣٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَينٍ؛ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَزُورُهُ, فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ, فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ. فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً. ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ. وَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْلِبُهَا , ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَعْمَرٍ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الشَّيطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ" وَلَمْ يَقُلْ: "يَجْرِي"
ــ
وإفرادًا والله تعالى أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٢٣٧]، والبخاري [٣٢٨١]، وأبو داود [٢٤٧٠ و ٢٤٧١]، وابن ماجه [١٧٧٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٥٥٣٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن مهران (الدارمي) السمرقندي، ثقة متقن، من (١١) (أخبرنا أبو اليمان) الحكم بن نافع القضاعي الحمصي، ثقة، من (١٠) (أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة دينار الأموي مولاهم أبو بشر الحمصي، ثقة، من (٧) (عن الزهري أخبرنا علي بن حسين أن صفية زوج النبي ﷺ رضي الله تعالى عنها (أخبرته) أي حدثت لعلي بن حسين. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة شعيب لمعمر (أنها جاءت إلى النبي ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد) النبوي (في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعة ثم قامت) من عنده حالة كونها (تنقلب) وترجع إلى بيتها (وقام النبي ﷺ يقلبها) إلى بيتها (ثم ذكر) شعيب (بمعنى حديث معمر) لا لفظه (غير أنه) أي أن شعيبًا (قال) في روايته (فقال النبي ﷺ إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم ولم يقل) شعيب لفظة (يجري) كمعمر.
وهذا الحديث دل على فوائد كثيرة فمنها جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع زائره والقيام معه والحديث مع غيره وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة وزيارة المرأة للمعتكف وبيان شفقته ﷺ على أمته وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم
стр. 9245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإثم، وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار، قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدى به فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظن بهم وإن كان لهم فيه مخلص لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثم قال بعض العلماء: ينبغي للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافيًا نفيًا للتهمة، ومن هنا يظهر خطأ من يتظاهر بمظاهر السوء ويعتذر بأنه يجرب بذلك على نفسه وقد عظم البلاء على المسلمين بهذا المصنف كذا في فتح الباري والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ستة أحاديث: الأول حديث عائشة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه أربع متابعات، والثاني حديث جابر ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والثالث حديث عقبة بن عامر ذكره للاستشهاد به لحديث جابر وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ذكره للاستشهاد به ثانيًا لحديث جابر، والخاص حديث أنس ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة والسادس حديث صفية بنت حيي رضي الله تعالى عنها ذكره للاستشهاد به لحديث أنس ﵁ وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
***
стр. 9246
٦٧٤ - (١٨) باب من رأى فرجة في الحلقة جلس فيها وإلا جلس خلفهم وتحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه وإذا قام من مجلسه ثم عاد إليه فهو أحق به ومنع المخنث عن الدخول على النساء الأجانب
٥٥٤٠ - (٢١٣٨) (١٩٢) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيهِ, عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ؛ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ, أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيثِيِّ؛ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَينَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ. إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ ثَلاثَةٌ. فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَذَهَبَ وَاحِدٌ. قَال: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
ــ
٦٧٤ - (١٨) باب من رأى فرجة في الحلقة جلس فيها وإلا جلس خلفهم وتحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه وإذا قام من مجلسه ثم عاد إليه فهو أحق به ومنع المخنث عن الدخول على النساء الأجانب
٥٥٤٠ - (٢١٣٨) (١٩٢) (حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس فيما قرئ عليه عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن أبا مرة) يزيد الهاشمي مولاهم (مولى عقيل بن أبي طالب) ويقال مولى أم هانئ بنت أبي طالب الحجازي المدني مشهور بكنيته، ثقة، من (٣) روى عنه في (٣) أبواب تقريبًا (أخبره) أي أخبر أبو مرة لإسحاق بن عبد الله (عن أبي واقد الليثي) اسمه الحارث بن مالك المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد) النبوي (والناس) جالسون (معه) ﷺ متحلقين حوله (إذ أقبل) وجاء (نفر ثلاثة) لم أر من ذكر أسماء هؤلاء الثلاثة، وفيه دلالة على أن أقل ما يطلق عليه نفر ثلاثة، إذ لا يقال نفر اثنان ولا نفر واحد اهـ من المفهم. والمعنى أي أقبلوا أولًا من الطريق فدخلوا المسجد مارين به (فأقبل) أي جاء (اثنان) منهم (إلى) مجلس (رسول الله ﷺ وذهب واحد) ولم يلتفت إلى مجلس رسول الله ﷺ (قال) أبو واقد الليثي ﵁ (فوقفا) أي فوقف الاثنان (على) مجلس (رسول الله
стр. 9247
صلى الله عليه وسلم. فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا. وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَال "أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ
ــ
ﷺ فأما أحدهما) أي أحد الاثنين (فرأى) أي فوجد (فرجة) أي خللًا ومحلًا فاضيًا (في الحلقة) أي في صف الدور (فجلس فيها) أي في تلك الفرجة، والفرجة بضم الفاء وفتحها مع سكون الراء الخلل بين الشيئين ويقال لها أيضًا فرج ومنه قوله: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ جمع فرج بسكون الراء مع فتح الراء، وأما الفرجة بمعنى الراحة من الغم فذكر الأزهري فيها فتح الفاء وضمها وكسرها وقد فرج له في الحلقة والصف ونحوهما بتخفيف الراء يفرج بضمها اهـ نووي. قوله (في الحلقة) قال القسطلاني: هي بإسكان اللام لا بفتحها على المشهور وحكي فتحها وهو نادر، قال العسكري: هي كل مستدير خالي الوسط والجمع حلق بفتح الحاء واللام اهـ. وفيه استحباب التحليق في مجالس الذكر والعلم، وفيه أن من سبق إلى موضع كان أحق به (وأما الآخر) من الاثنين (فجلس خلفهم) أي خلف أهل الحلقة ووراءهم (وأما الثالث) من النفر الثلاثة (فأدبر) أي ولى عن مجلس رسول الله ﷺ حالة كونه (ذاهبًا) أي خارجًا عن المسجد (فلما فرغ رسول الله ﷺ مما كان مشغولًا به، قال الحاضرون: أخبرنا عن شأن هؤلاء النفر يا رسول الله فـ (قال) رسول الله ﷺ (ألا) أي انتبهوا واستمعوا مني خبر هؤلاء الثلاثة (أخبركم عن) شأن (النفر الثلاثة أما أحدهم) أي أحد الثلاثة (فأوى إلى الله) أي لجأ وانضم إلى مجلس رسول الله ﷺ (فآواه الله) أي جازاه بنظير فعله بأن ضمه إلى رحمته ورضوانه وإيواء الله لعبده صفة ثابتة له تعالى نثبتها ونعتقدها ولا نكيفها ولا نمثلها أثرها الرضا عنه والإحسان إليه، قال القرطبي: الرواية الصحيحة بقصر الأول وهو ثلاثي غير متعد ومد الثاني وهو رباعي متعد وهو قول الأصمعي وهي لغة القرآن قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي انضموا إلى الكهف ونزلوا فيه، وقال في الثاني: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ أي فضمك إليه، وقال أبو زيد: آويته أنا إيواء وأويته إذا أنزلته بك فعلت وأفعلت بمعنى اهـ من المفهم.
وفيه استحباب الأدب في مجالس الذكر والعلم وفضل سد خلل الحلقة كما ورد الترغيب في سد خلل الصفوف في الصلاة وجواز التخطي لسد الخلل ما لم يؤذ فإن
стр. 9248
وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا, فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ. وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ, فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ"
ــ
خشي الإيذاء استحب الجلوس حيث ينتهي المجلس كما فعل الثاني من الثلاثة، وفيه الثناء على من زاحم في طلب الخير كذا في فتح الباري، قال القرطبي: ومعنى ذلك أن هذا الرجل الأول لما انضم إلى الحلقة ونزل فيها جازاه الله تعالى على ذلك بأن ضمه إلى رحمته وأنزله في جنته وكرامته، والحق ما قلناه أولًا من معنى الإيواء ففيه الحض على مجالسة العلماء ومداخلتهم والكون معهم فإنهم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم، وفيه التحلق لسماع العلم في المسجد حول العالم والحض على سد خلل الحلقة لأن القرب من العالم أرلى لما يحصل من ذلك من حسن الاستماع والحفظ والحال في حلق الذكر كالحال في صفوف الصلاة يتم الصف الأول فالأول (وأما الآخر) من الاثنين (فاستحيا) أي استحيا من مزاحمة الناس قاله القاضي عياض (فاستحيا الله منه) أي جازاه على استحيائه بأن رحمه ولم يعاقبه، وفي استعمال لفظ الاستحياء مشاكلة والحق أن استحياء الله لعبده صفة ثابتة له نعتقدها ونثبتها ولا نكيفها ولا نمثلها أثرها الصفح والعفو عما وقع منه والإحسان إليه مع ما وقع منه، قال القرطبي: كأن هذا الثاني كان متمكنًا من المزاحمة إذ لو شرع فيها لفسح له لأن التفسح في المجلس مأمور به مندوب إليه لكن منعه من ذلك الحياء فجلس خلف الصف الأول ففاتته فضيلة التقدم لكنه جازاه الله على إصغائه للعلم واستحيائه بأن لا يعذبه وبأن يكرمه (وأما الآخر) يعني الثالث المدبر ذاهبًا (فأعرض) عن مجلس رسول الله ﷺ من غير عذر أو استكبارًا من أن يجلس وراء الناس (فأعرض الله عنه) أي سخط عليه، وفي التعبير بالإعراض مشاكلة أيضًا، والحق أن إعراض الله عن عبده صفة ثابتة له نثبتها ونعتقدها ولا نكيفها ولا نمثلها أثرها السخط والتعذيب، قال الحافظ: ويمكن أن يكون هذا الثالث من المنافقين، وفيه جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها وأن ذلك لا يعد من الغيبة كذا في فتح الباري [١/ ١٥٧].
وقال القرطبي: إن كان هذا المعرض منافقًا فإعراض الله عنه تعذيبه في نار جهنم وتخليده فيها في الدرك الأسفل وإن كان مسلمًا وإنما انصرف من الحلقة لعارض عرض له فآثره فإعراض الله تعالى عنه منع ثوابه عنه وحرمانه مجالسة النبي ﷺ والاستفادة منه والخير الذي حصل لصاحبيه والله أعلم بمعنى كلام رسول الله ﷺ .
стр. 9249
٥٥٤١ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا حَرْبٌ (وَهُوَ ابْنُ شَدَّادٍ). ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ. قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ، أَبِي كَثِيرٍ؛ أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ حَدَّثَهُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ, بِمِثْلِهِ فِي الْمَعْنَى.
٥٥٤٢ - (٢١٣٩) (١٩٣) وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ. ح وَحَدَّثَنِي
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ٢١٩]، والبخاري في العلم [٦٦] والجلوس في المسجد [٤٧٤]، والترمذي [٢٧٢٤].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي واقد الليثي ﵁ فقال:
٥٥٤١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أحمد بن المنذر) بن الجارود البصري أبو بكر القزاز، صدوق، من (١١) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد العنبري البصري، صدوق، من (٩) روى عنه في (١٦) بابا (حدثنا حرب وهو ابن شداد) اليشكري البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٣) أبواب (ح وحدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي النيسابوري، ثقة، من (١١) روى عنه في (١٧) بابا (أخبرنا حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة ابن هلال الباهلي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا أبان) بن يزيد العطار البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٧) أبواب كلاهما (قالا جميعًا) أي قال كل من حرب وأبان (حدثنا يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٦) بابا (أن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة حدثه) أي حدث ليحيى (في هذا الإسناد) يعني عن أبي مرة عن أبي واقد (بمثله) أي بمثل ما روى مالك عن إسحاق أي بمماثله (في المعنى) دون اللفظ، غرضه بيان متابعة يحيى بن أبي كثير لمالك بن أنس والله أعلم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث ابنه عمر ﵄ فقال:
٥٥٤٢ - (٢١٣٩) (١٩٣) (وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث) بن سعد (ح وحدثني
стр. 9250
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ. أَخْبَرَنَا اللَّيثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ, ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ"
ــ
محمد بن رمح بن المهاجر) التجيبي (أخبرنا الليث عن نافع عن ابن عمر) ﵄. وهذان السندان من رباعياته (عن النبي ﷺ قال لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه) المباح (ثم يجلس) ذلك الأحد (فيه) أي في مجلس ذلك الرجل الذي أقامه، هذا النهي للتحريم فمن سيق إلى موضع مباح في المسجد أو غيره يوم الجمعة أو غيره لصلاة أو غيرها فهو أحق به ويحرم على غيره إقامته لهذا الحديث إلا أن أصحابنا استثنوا منه ما إذا ألف من المسجد موضعًا يفتي فيه أو يقرأ قرآنًا أو غيره من العلوم الشرعية فهو أحق به وإذا حضر لم يكن لغيره أن يقعد فيه اهـ نووي، وفي الأبي: وقيل النهي فيه للكراهة لأنه غير مملوك له قبل الجلوس فكذلك بعده اهـ.
وقال القرطبي: نهيه ﷺ عن أن يقام الرجل من مجلسه إنما كان ذلك لأجل أن السابق لمجلس قد اختص به إلى أن يقوم باختياره عند فراغ غرضه فكأنه قد ملك منفعة ما اختص به من ذلك فلا يجوز أن يحال بينه وبين ما يملكه وعلى هذا فيكون النهي على ظاهره من التحريم وقيل هو على الكراهة والأول أولى ويستوي في هذا المعنى أن يجلس فيه بعد إقامته أو لا يجلس غير أن هذا الحديث خرج على أغلب ما يفعل من ذلك فإن الإنسان في الغالب إنما يقيم الآخر من مجلسه ليجلس فيه وكذلك يستوي فيه يوم الجمعة وغيره من الأيام التي يجتمع فيها الناس لكن جرى ذكر يوم الجمعة في هذا الحديث لأنه اليوم الذي يجتمع فيه الناس ويتنافسون فيه في المواضع القريبة من الإمام وعلى هذا فيلحق بذلك ما في معناه، ولذلك قال ابن جريج في يوم الجمعة وفي غيره اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٨٩]، والبخاري في الاستئذان برقم [٦٢٦٩] وفي الجمعة برقم [٩١١]، وأبو داود [٤٨٢٨]، والترمذي [٢٧٤٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
стр. 9251
٥٥٤٣ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى، (وَهْوَ الْقَطَّانُ). ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، (يَعْنِي الثَّقَفِيَّ) , كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ (وَاللَّفْظُ لَهُ) , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ. وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا"
ــ
٥٥٤٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا عبد الله بن نمير ح وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير حدثنا أبي ح وحدثنا زهير بن حرب حدثنا يحيى) بن سعيد (وهو القطان ح وحدثنا ابن المثنى حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد (يعني الثقفي كلهم) أي كل من عبد الله بن نمير ويحيى القطان وعبد الوهاب الثقفي رووا (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العمري (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة واللفظ له حدثنا محمد بن بشر) العبدي الكوفي (وأبو أسامة) حماد بن أسامة (و) عبد الله (بن نمير قالوا) أي قال كل من هؤلاء الثلاثة محمد بن بشر وأبي أسامة وابن نمير (حدثنا عبيد الله) ابن عمر (عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة عبيد الله لليث بن سعد في الرواية عن نافع (قال) النبي ﷺ (لا يقيم الرجل الرجل من مقعده) المباح (ثم يجلس) الرجل الأول (فيه) أي في مقعد الرجل الثاني بالرفع في الفعلين فتكون الجملتان خبرًا بمعنى النهي (ولكن تفسحوا وتوسعوا) أي ولكن فليقل أيها الجالسون بعضكم لبعض تفسحوا للقائم فوقكم وتوسعوا له بالفعل فيكون التفسح بالقول والتوسع بالفعل أو هما بمعنى، ذكر الثاني تأكيدًا للأول بمرادفه.
قال القرطبي: قوله (تفسحوا وتوسعوا) هذا أمر للجالسين بما يفعلون مع الداخل وذلك أنه لما نهى عن أن يقيم أحدًا من موضعه تعين على الجالسين أن يوسعوا له ولا يتركوه قائمًا فإن ذلك يؤذيه وربما يخجله وعلى هذا فمن وجد من الجالسين سعة تعين عليه أن يوسع له، وظاهر ذلك أنه على الوجوب تمسكًا بظاهر الأمر وكان القائم يتأذى بذلك وهو مسلم وأذى المسلم حرام، ويحتمل أن يقال إن هذه آداب حسنة ومن مكارم
стр. 9252
٥٥٤٤ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ. قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ح وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيكٍ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، (يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ) , كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيثِ. وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي الْحَدِيثِ" وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا". وَزَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ جُرَيجٍ. قُلْتُ:
ــ
الأخلاق فيحمل على الندب. وقد اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فقيل هو مجلس النبي ﷺ كانوا يزدحمون فيه تنافسًا في القرب من النبي ﷺ ، وقيل هو مجلس الصف في القتال، وقيل هو عام في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر وهذا هو الأولى إذ الألف واللام في المجلس للجنس على ما حررناه في الأصول اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٥٥٤٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو الربيع) الزهراني سليمان بن داود البصري (وأبو كامل) الجحدري فضيل بن حسين البصري (قالا حدثنا حماد) بن زيد بن درهم الأزدي البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا أيوب) السختياني (ح وحدثني يحيى بن حبيب) بن عربي الحارثي البصري (حدثنا روح) بن عبادة بن العلاء القيسي البصري، ثقة، من (٩) (ح وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني كلاهما) أي كل من روح وعبد الرزاق رويا (عن ابن جريج ح وحدثني ابن رافع حدثنا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك مصغرًا يسار الديلي المدني، صدوق، من (٨) (أخبرنا الضحاك يعني ابن عثمان) بن عبد الله بن حزام الحزامي المدني، صدوق، من (٧) (كلهم) أي كل من أيوب وابن جريج والضحاك بن عثمان رووا (عن نافع عن ابن عمر بمثل حديث الليث عن نافع) غرضه بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لليث بن سعد (ولم يذكروا) أي لم يذكر هؤلاء الثلاثة (في الحديث) لفظة (ولكن تفسحوا وتوسعوا) كما لم يذكره ليث (وزاد) ابن رافع (في حديث ابن جريج قلت) لابن
стр. 9253
فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَال: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغَيرِهَا.
٥٥٤٥ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ثُمَّ يَجْلِسُ فِي مَجْلِسِهِ". وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ, إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ مَجْلِسِهِ, لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ
ــ
جريج ذلك (في يوم الجمعة قال) ابن جريج ذلك (في يوم الجمعة و) كذا في (غيرها) من مجامع المسلمين.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٥٥٤٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي أبو محمد البصري، ثقة، من (٨) (عن معمر عن الزهري عن سالم) ابن عبد الله بن عمر (عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة سالم لنافع (أن النبي ﷺ قال: لا يقيمن أحدكم أخاه) المسلم (ثم) هو (يجلس في مجلسه. وكان ابن عمر) في عادته (إذا قام) إكرامًا (له) أي لابن عمر (رجل) من المسلمين (عن مجلسه) أي عن موضع جلوس ذلك الرجل ليجلس فيه ابن عمر (لم يجلس) ابن عمر (فيه) أي في ذلك المجلس الذي قام عنه الرجل لإكرامه، قال النووي: هذا منه ﵁ ورع منه وليس قعوده فيه حرامًا إذا قام له برضاه لكنه تورع عنه لوجهين؛ أحدهما: أنه ربما استحيى منه إنسان فقام له من مجلسه من غير طيب قلبه فسد ابن عمر الباب ليسلم من هذا. والثاني: أن الإيثار بالقرب مكروه أو خلاف الأولى فكان ابن عمر يمتنع من ذلك لئلا يرتكب أحد بسببه مكروهًا أو خلاف الأولى بأن يتأخر عن موضعه من الصف الأول ويؤثره به وشبه ذلك، قال أصحابنا: وإنما يحمد الإيثار بحظوظ النفس وأمور الدنيا دون القرب والله تعالى أعلم اهـ نووي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
стр. 9254
٥٥٤٦ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ, مِثْلَهُ.
٥٥٤٧ - (٢١٤٠) (١٩٤) وَحَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، (وَهُوَ ابْنُ عُبَيدِ اللَّهِ) , عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. ثُمَّ لْيُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدَ فِيهِ. وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا"
ــ
٥٥٤٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه عبد بن حميد) الكسي (أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر بهذا الإسناد) يعني عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، وساق عبد الرزاق (مثله) أي مثل ما روى عبد الأعلى عن معمر، غرضه بيان متابعة عبد الرزاق لعبد الأعلى.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث جابر ﵃ فقال:
٥٥٤٧ - (٢١٤٠) (١٩٤) (وحدثنا سلمة بن شبيب) المسمعي النيسابوري، ثقة، من (١١) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا الحسن) بن محمد (بن أعين) مولى بني مروان أبو علي الحراني نسبة إلى جده لشهرته به، صدوق، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا معقل وهو ابن عبيد الله) العبسي أبو عبد الله الحراني، صدوق، من (٨) روى عنه في (٨) أبواب (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي (عن جابر) بن عبد الله ﵄. وهذا السند من خماسياته (عن النبي ﷺ قال لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة) وكذا في غيره من مجامع المسلمين كيوم العيد وإنما خص يوم الجمعة بالذكر لكثرة وقوع مثل ذلك فيه، وإلا فالحكم عام كما صرح به نافع في الرواية السابقة (ثم ليخالف) أي ثم بعد إقامته يعاقب عنه ويبادر (إلى) الجلوس في (مقعده فيقعد فيه ولكن يقول) القادم للجالسين (افسحوا) لي فسح الله لكم في رحمته.
وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى ولكن شاركه فيه أحمد [٣/ ٢٩٥].
ثم إن النهي عن الجلوس في مجلس الغير إنما هو للقادم أما الجالس قبله فيستحب له أن يؤثر بمجلسه من كان أكبر منه سنًّا أو أكثر منه علمًا أو أفضل منه من ناحية أخرى والله سبحانه أعلم.
стр. 9255
٥٥٤٨ - (٢١٤١) (١٩٥) وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ. وَقَال قُتَيبَةُ أَيضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ) , كِلاهُمَا عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ". وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ: "مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيهِ, فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ"
ــ
وقال السرخسي في شرح السير الكبير: وكذا كل ما يكون المسلمون فيه سواء كالنزول في الرباطات والجلوس في المساجد للصلاة والنزول بمنى أو بعرفات أو بمزدلفة للجمع حتى لو ضرب فسطاطه في مكان كان ينزل فيه غيره فهو أحق به وليس للآخر أن يحوّله فإن أخذ موضعًا فوق ما يحتاجه فللغير أن يأخذ الزائد منه فلو طلب ذلك منه رجلان فأراد إعطاء أحدهما دون الآخر فله ذلك، ولو نزل فيه أحدهما فأراد الذي أخذه أولًا وهو غني عنه أن ينزل فيه آخر فلا لأنه اعترض على يده يدًا أخرى محقة لاحتياجها إلا إذا قال إنما كنت أخذته لهذا الآخر بأمره لا لنفسي فإذا حلف على ذلك له إخراجه حكاه ابن عابدين في رد المحتار [١/ ٦٦٢] قبيل باب الوتر والنوافل، ثم نقل عن الخبير الرملي: ومثل المسجد مقاعد الأسواق التي يتخذها المحترفون من سبق لها فهو الأحق بها وليس لمتخذها أن يزعجه إذ لا حق له فيها ما دام فيها فإذا قام عنها استوى هو وغيره فيها ومذهب الشافعية بخلافه اهـ من التكملة.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٥٤٨ - (٢١٤١) (١٩٥) (وحدثنا قتيبة بن سعيد أخبرنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي (وقال قتيبة أيضًا) أي كما حدث عن أبي عوانة (حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد) الدراوردي المدني (كلاهما) أي كل من أبي عوانة والدراوردي رويا (عن سهيل) بن أبي صالح السمان (عن أبيه) أبي صالح السمان ذكوان الزيات (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ قال: إذا قام أحدكم- وفي حديث أبي عوانة-) وروايته (من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) أي بمجلسه، قال النووي: قال أصحابنا هذا الحديث فيمن جلس في موضع من المسجد أو غيره لصلاة مثلًا ثم فارقه ليعود بأن فارقه ليتوضأ أو يقضي شغلًا
стр. 9256
٥٥٤٩ - (٢١٤٢) (١٩٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ
ــ
يسيرًا ثم يعود لم يبطل اختصاصه بل إذا رجع فهو أحق به في تلك الصلاة فإن كان قد قعد فيه غيره فله أن يقيمه وعلى القاعد أن يفارقه لهذا الحديث هذا هو الصحيح عند أصحابنا وأنه يجب على من قعد فيه مفارقته إذا رجع الأول، قال أصحابنا: ولا فرق بين أن يقوم منه ويترك فيه سجادة ونحوها أم لا فهو أحق به في الحالين، قال أصحابنا وإنما يكون أحق في تلك الصلاة وحدها دون غيرها.
قال ابن عابدين في رد المحتار [١/ ٦٦٢] وينبغي تقييده أي كون كل موضع من المسجد مباحًا لكل أحد بما إذا لم يقم منه على نية العود بلا مهلة كما لو قام للوضوء مثلًا ولا سيما إذا وضع فيه ثوبه لتحقق سبق يده.
وهذا كله إذا لم يطل غيابه عن ذلك الموضع فلا يدخل فيه ما يفعله بعض الناس من ترك سجادتهم بعد صلاة المغرب ليحجزوا مكانهم لصلاة العشاء فإن الحديث إنما يتعلق بمن قام من مجلسه ليعود بعد قليل في تلك الصلاة والله أعلم.
وقد اختلف العلماء فيمن ترتب من العلماء والقراء بموضع من المسجد للفتيا أو للتدريس فحكي عن مالك أنه أحق به إذا عرف به، والذي عليه الجمهور أن هذا استحسان وليس بواجب ولعله مراد مالك وكذلك قالوا فيمن قعد من الباعة جمع بائع في موضع من أفنية الطرق وأفضية البلاد غير المتملكة فهو أحق به ما دام جالسًا فيه فإن قام منه ونيته الرجوع إليه من غده فقيل هو أحق به حتى يتم غرضه حكاه الماوردي عن مالك قطعًا للتنازع، وقيل هو وغيره سواء والسابق إليه بعد ذلك أحق به اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٨٣] وأبو داود [٤٨٥٣] وابن ماجه [٣٧١٧].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الرابع من الترجمة بحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها فقال:
٥٥٤٩ - (٢١٤٢) (١٩٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب) محمد بن العلاء (قالا حدثنا وكيع ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير) بن عبد الحميد
стр. 9257
ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ. كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ أَيضًا. (وَاللَّفْظُ هَذَا) , حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَينَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ أَنَّ مُخَنَّثًا كَانَ عِنْدَهَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْبَيتِ
ــ
الضبي الكوفي (ح وحدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (كلهم) أي كل من وكيع وجرير وأبي معاوية رووا (عن هشام) بن عروة (ح وحدثنا أبو كريب أيضًا) أي كما حدث عن وكيع وأبي معاوية (واللفظ) أي ولفظ حديثه هو (هذا) الآتي وغيره إنما روى معناه (حدثنا) عبد الله (بن نمير حدثنا هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة ابن الزبير (عن زينب بنت أم سلمة) ربيبة رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنها (عن أم سلمة) هند بنت أبي أمية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وهذه الأسانيد كلها من سداسياته، ومن لطائفها أن فيها رواية صحابية عن صحابية ورواية بنت عن والدتها (أن مخنثًا) من المخنثين (كان عندها) أي عند أم سلمة (ورسول الله ﷺ في البيت) أي في بيت أم سلمة.
والمخنث بكسر النون المشددة وفتحها من يشبه خلقه خلق النساء في حركاته وكلامه وغير ذلك فإن كان في أصل الخلقة لم يكن عليه لوم وعليه أن يتكلف إزالة ذلك وإن كان بقصد منه وتكلف له فهو المذموم ويطلق عليه اسم المخنث سواء فعل الفاحشة أو لم يفعل، قال ابن حبيب: المخنث هو المؤنث من الرجال وإن لم تعرف منه الفاحشة مأخوذ من التخنث وهو التكسر في المشي وغيره كذا في فتح الباري [٩/ ٣٣٤ و ٣٣٥] وقال القرطبي: المخنث هو الذي يلين في قوله ويتكسر في مشيته ويتثنى فيها كالنساء من التخنث وهو اللين والتكسر وقد يكون خلقة وقد يكون تصنعًا من الفسقة ومن كان ذلك فيه خلقة فالغالب من حاله أنه لا أرب له في النساء ولذلك كان أزواج النبي ﷺ يعددن هذا المخنث من غير أولي الإربة فكانوا لا يحجبونه إلى أن ظهر منه ما ظهر فحجبوه، واختلف في اسم هذا المخنث الذي كان عند أم سلمة، والأشهر أن اسمه هيت بياء ساكنة بعد الهاء مثناة من تحتها آخره مثناة فوقية، وقيل صوابه هنب بنون وباء موحدة أخيرًا والهنب الرجل الأحمق قاله ابن درستويه (اسمه عبد الله بن جعفر بن محمد بن درستويه من علماء اللغة) والأول هو الأصح وجمع بينهما أبو موسى المديني بأن
стр. 9258
فَقَال لأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ, إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمُ الطَّائِفَ غَدًا, فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى بِنْتِ غَيلانَ. فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. قَال: فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَال:
ــ
أحدهما اسم له والآخر لقب، وقيل اسم هذا المخنث هو مائع بمثناة فوقية مولى أبي فاختة المخزومية، قيل وكان هو وهيت يدخلان في بيوت النبي ﷺ فلما وقعت هذه القصة الآتية غربهما النبي ﷺ من المدينة فورد في بعضها أنه ﷺ أجلاه إلى الحمى موضع رعي إبل الصدقة، وفي بعضها إلى حمراء الأسد، وفي بعضها إلى خاخ والله أعلم اهـ من المفهم.
وقال أهل اللغة: المخنث بكسر النون وفتحها هو الذي يشبه النساء في أخلاقه وكلامه وحركاته وسكناته وتارة يكون هذا خلقة من الأصل وتارة بتكلف الثاني هو الذي يتكلف أخلاق النساء وحركاتهن وهيئاتهن وكلامهن وهو المذموم الذي جاء في الأحاديث الصحيحة لعنه وهو بمعنى الحديث الآخر "لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين بالنساء من الرجال" بخلاف الأول وهو معذور لا إثم ولا عتب عليه لأنه لا صنع له في ذلك ولهذا أقر النبي ﷺ أولًا دخوله على النساء ولما ظهر أنه يعرف النساء أنكر دخوله عليهن كذا في النووي (فقال) ذلك المخنث (لأخي أم سلمة) أي لأخيها من أبيها وأمه عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم، وكان قبل إسلامه شديدًا على المسلمين مخالفًا مبغضًا لهم وهو الذي قال: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآية، وكان شديد العداوة لرسول الله ﷺ ثم إنه خرج مهاجرًا إلى النبي ﷺ فلقيه بالطريق بين السقيا والعرج وهو يريد مكة عام الفتح فتلقاه فأعرض عنه رسول الله ﷺ مرة بعد مرة فدخل على أخته أم سلمة وسألها أن تشفع فشفعت له فشفعها رسول الله ﷺ فيه وأسلم وحسن إسلامه وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة مسلمًا وشهد حنينًا والطائف ورمي يوم الطائف بسهم فقتله، ومات يومئذ ﵁ كذا في عمدة القاري [٩/ ٥١٨] (يا عبد الله بن أبي أمية إن فتح الله عليكم الطائف غدًا) وسبيتم نساءه (فإني أدلك علي بنت غيلان فإنها) إذا أقبلت إليك بوجهها (تقبل) إليك (بأربع) من طيات البطن (و) إذا أدبرت بظهرها إليك (تدبر بثمان) طيات (قال) الراوي يعني أم سلمة (فسمعه) أي فسمع قول هذا المخنث (رسول الله ﷺ فقال) لمن عنده
стр. 9259
"لَا يَدْخُلْ هَؤُلاءِ عَلَيكُمْ"
ــ
من المؤمنين (لا يدخل هولاء) المخنثون (عليكم) أي على نسائكم فإنهم من أولي الإربة.
قوله (فقال لأخي أم سلمة) ثم إن هذا الحديث صريح في أن المخنث إنما قال هذه الكلمة لعبد الله بن أبي أمية، وأخرج المستغفري عن محمد بن المنكدر مرسلًا أنه قال ذلك لعبد الرحمن بن أبي بكر أخي عائشة وجمع بينهما الحافظ في الفتح بأنه قال ذلك لكل واحد منهما.
قوله (فإني أدلك علي بنت غيلان) اسمها بادية بنت غيلان بالياء وقيل بادنة بالنون والأول أصح، وأبوها غيلان بن سلمة وهو الذي أسلم وتحته عشر نسوة فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا، وكان من رؤساء ثقيف وعاش إلى أواخر خلافة عمر، وبادية بنته هي التي تزوجها عبد الرحمن بن عوف فقد ورد أنها استحيضت وسألت النبي ﷺ في المستحاضة.
قوله (فإنها تقبل بأربع) عكن في بطنها (وتدبر بثمان) أطراف من العكن في جانبي البطن على كل جانب أربعة فتصير ثمانية في خاصرتيها أربعة على الخاصرة اليمنى وأربعة على الخاصرة اليسرى، وحاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن بحيث يظهر لبطنها أربع عكن ولخاصرتيها ثمان وذلك لا يكون إلا للسمينة من النساء، وكانت العرب ترغب في من تكون بتلك الصفة، والعكن جمع عكنة وهي الطي الذي يكون في جانبي البطن من السمن، وفي تعليق محمد ذهني: والعكنة ما انطوت وتثنى من لحم البطن سمنًا والمراد أن أطراف العكن الأربع التي في بطنها تظهر ثمانية في جنبيها، قال الزركشي وغيره: وقال بثمان ولم يقل بثمانية والأطراف مذكرة لأنه لم يذكرها كما يقال هذا الثوب سبع في ثمان أي سبعة أذرع في ثمانية أشبار فلما لم يذكر الأشبار أنث لتأنيث الأذرع التي قبلها اهـ.
وقوله (لا يدخل هؤلاء عليكم) وسيأتي وجه هذا النهي في الرواية الآتية في كلام النبي ﷺ حيث قال "ألا أرى هذا يعرف ما هاهنا" وحاصله أن النبي ﷺ إنما أذن له في الدخول على النساء لما كان يظن به من أنه من غير أولي الإربة فلما عرف بكلامه هذا أنه يعرف محاسن النساء ويصفها للأجانب حرم دخوله عليهن.
стр. 9260
٥٥٥٠ - (٢١٤٣) (١٩٧) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ. فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيرِ أُولِي الإِرْبَةِ. قَال: فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ. وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً. قَال: إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ. وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "أَلا أَرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَا هُنَا. لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيكُنَّ" قَالتْ: فَحَجَبُوهُ
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٢٩٠]، والبخاري في مواضع كثيرة منها في اللباس برقم [٥٨٨٢]، وأبو داود [٤٩٢٩]، وابن ماجه في النكاح باب المخنثين [١٩٠٩] وفي الحدود [٢٦٤٣].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أم سلمة بحديث عائشة ﵄ فقال:
٥٥٥٠ - (٢١٤٣) (١٩٧) (وحدثنا عبد بن حميد) الكسي، ثقة، من (١١) (أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته (قالت) عائشة كان يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث) اسمه هيت (فكانوا) أي فكان المؤمنون (يعدونه) أي يحسبونه أنه (من غير أولي الأربة) والحاجة إلى النساء (قال) الراوي وهي عائشة (فدخل النبي ﷺ يومًا وهو) أي والحال أن ذلك المخنث (عند بعض نسائه) ﷺ (وهو) أي والحال أن ذلك المخنث (ينعت) أي يصف (امرأة) يعني بنت غيلان لرجل من الحاضرين ويحثه على أخذها إن ظفروا على الطائف (قال) ذلك المخنث للرجل في وصفها له (إذا أقبلت) تلك المرأة وتوجهت إليك بوجهها (أقبلت) أي توجهت إليك (بأربع) عكن (وإذا أدبرت) أي استدبرت عنك بوجهها وجعلت دبرها إليك (أدبرت) أي ولت بدبرها إليك (بثمان) عكن (فقال النبي ﷺ ألا) أي انتبهوا واسمعوا ما أقول لكم وذلك أني (أرى) وأظن أن (هذا) المخنث (يعرف ما هاهنا) أي ما استقر وثبت في جوانب النساء وعوراتهن من المحاسن فلذلك وصف المرأة للرجل ثم قال يا معشر النساء (لا يدخلن) هذا المخنث (عليكن) بعد اليوم (قالت) عائشة (فحجبوه) أي
стр. 9261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فحجب المسلمون ومنعوا ذلك المخنث عن الدخول على النساء بأمر النبي ﷺ بعد ذلك اليوم. وزاد يونس في روايته عن الزهري عند أبي داود برقم [٤١٠١] وأخرجه فكان بالبيداء يدخل كل جمعة يستطعم.
وقوله (ألا أرى هذا يعرف ما هاهنا) يدل على أنهم كانوا يظنون أنه لا يعرف شيئًا من أحوال النساء ولا يخطرن له بالبال، وسببه أن التخنيث كان فيه خلقة وطبعًا ولم يكن يعرف منه إلا ذلك ولذلك كانوا يعدونه من غير أولي الإربة أي ممن لا حاجة له في النساء، وقد قدمنا أن الإرب والإربة الحاجة فلما سمع النبي ﷺ وصفه لتلك المرأة علم أنه عنده تشوف للنساء فحجب لذلك ثم بولغ في تنكيله وعقوبته ونفيه لما اطلع عليه من محاسن تلك المرأة وكشف من سترها ولم تكن عقوبته لنفس التخنيث فإن ذلك كان فيه خلقة ولم يكن مكتسبًا له ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وأما من تخانث وتشبه بالنساء فقد أتى كبيرة من أفحش الكبائر لعنه الله عليها ورسوله ولا يقر عليها بل يؤدب بالضرب الوجيع والسجن الطويل والنفي حتى ينزع عن ذلك، ويكفي دليلًا على ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" رواه البخاري برقم [٥٨٨٥] وقال: (أخرجوهم من بيوتكم) رواه البخاري أيضًا برقم [٥٨٨٦] وأخرج فلانًا وأخرج فلانًا غير أنه لا يقتل لما رواه أبو هريرة " أن النبي ﷺ أتي برجل قد خضب يديه ورجليه فقال": ما بال هذا؟ " فقيل يتشبه بالنساء فأمر به فنفي إلى النقيع بالنون فقيل: يا رسول الله ألا نقتله؟ فقال: "إني نهيت عن قتل المصلين" رواه أبو داود برقم [٤٩٢٨] اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ١٥٢]، وأبو داود [٤١٠٧ و ٤١٠٨]، والنسائي في عشرة النساء [٣٦٥].
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث ستة: الأول حديث أبي واقد الليثي ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه خمس متابعات، والثالث حديث جابر ذكره للاستشهاد به لحديث ابن عمر، والرابع حديث
стр. 9262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة، والخامس حديث أم سلمة ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة، والسادس حديث عائشة ذكره للاستشهاد به لحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
***
стр. 9263
٦٧٥ - (١٩) باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها وفرسه لا يغض من قدرها والنهي عن مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه
٥٥٥١ - (٢١٤٤) (١٩٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ, أَبُو كُرَيبٍ الْهَمْدَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ. أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ. قَالتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيرُ وَمَا لَهُ فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَيْءٍ, غَيرَ فَرَسِهِ. قَالتْ: فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ. وَأَكْفِيهِ مَؤنَتَهُ, وَأَسُوسُهُ, وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ, وَأَعْلِفُهُ, وَأَسْتَقِي الْمَاءَ, وَأَخْرِزُ
ــ
٦٧٥ - (١٩) باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها وفرسه لا يغض من قدرها والنهي عن مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه
٥٥٥١ - (٢١٤٤) (١٩٨) (حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب الهمداني) الكوفي (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي (عن هشام) بن عروة (أخبرني أبي) عروة بن الزبير (عن) والدته (أسماء بنت أبي بكر) الصديق ﵄. وهذا السند من خماسياته (قالت) أسماء (تزوجني الزبير) بن العوام الأسدي المدني ﵁ قبل الهجرة بمكة (وماله في الأرض) أي في أرض المدينة (من مال) أي من نقود ومواش وأراض تزرع (ولا مملوك) أي من رقيق من العبيد والإماء. وقوله (ولا) من (شيء) غير ما ذكر من عطف العام على الخاص؛ والمراد ليس له شيء يذكر فلا ينافي ما لا بد منه من مطعم ومسكن (غير فرسه) الذي يجاهد عليه (ولا غير ناضحه) أي بعيره الذي يستقي عليه الماء كما يعلم مما سيأتي آنفًا (قالت) أسماء (فكنت) أنا (أعلف فرسه) أي أقوم بمؤنة فرسه من علف وسقي (وأكفيه) أي أكفي الزبير (مؤنته) أي مؤنة الفرس أي أغنيه عن الاهتمام بمؤنة فرسه بما ذكر (وأسوسه) من باب قال أي أقوم بسياسة فرسه وتدبير مصالحه وشؤونه من ربطه وعقله وحله ورعيه ومسح جسده وغسله ورحله عند السفر وحطه عند الرجوع وقيادته عند السفر معه وكان هذا كله بعد هجرتهما إلى المدينة (وأدق النوى) أي نوى التمر على المدق جمع نواة (لـ) علف (ناضحه) وهو الجمل الذي يستقى به الماء (وأعلفه) أي وأقوم بمؤنة علف ناضحه من خبط وأغصان شجر بجلبه من الجبال (وأستقي الماء) أي ماء الشرب والغسل وحاجات البيت من الآبار أي أحمله على رأسي أو على ناضحه إلى البيت (وأخرز) بتقديم الراء على الزاي من باب نصر أي أخيط ما
стр. 9264
غَرْبَهُ, وَأَعْجِنُ. وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ. وَكَانَ يَخْبِزُ لِي جَارَاتٌ مِنَ الأَنْصَارِ. وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ. قَالتْ: وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى,
ــ
انخرق من (غربه) أي من دلوه، والغرب بفتح الغين وسكون الراء الدلو الكبير من الجلد وخرزه خياطة ما اخترق منه (وأعجن) بفتح الهمزة وكسر الجيم من باب ضرب أي أخلط العجين وأخمره (ولم أكن) أنا (أحسن) من الإحسان أي أعرف أن (أخبز) من باب ضرب أي أن أجعل العجين خبزًا وتسويته إياه (وكان) الشأن (يخبز لي) أي يجعل ذلك العجين خبزًا لي (جارات) جمع جارة أي نسوة ذوات جوار لي في المنزل كائنات (من الأنصار) أي من أهل المدينة (وكن) تلك الجارات (نسوة صدق) وإخلاص في الصداقة والمودة والمساعدة لي في شغلي.
وهذا أي امتهان أسماء نفسها وابتذالها في خدمة زوجها وفرسه وناضحه يدل على ما كانوا عليه من شدة الحال في أول الأمر وضيقها وعلى أن المعتبر عندهم في الكفاءة إنما هو الدين والفضل لا المال والغنى كما قال ﷺ : "فعليك بذات الدين تربت يداك" متفق عليه، وإنما كان كذلك لأن القوم كانت مقاصدهم في النكاح التعاون على الدين وتكثير أمة محمد ﷺ خاتم النبيين ولأنهم علموا أن المال ظل زائل وسحاب حائل وأن الفضل باق إلى يوم التلاق فأما اليوم فقد انعكست الحال وعدل الناس عن الواجب إلى المحال وجمع الأموال، وفيه أيضًا ما يدل على ما كانوا عليه من تبذل المرأة في خدمة زوجها وبيته وفرسه وإن كانت شريفة لكن هذا كله فعلته متبرعة بذلك مختارة له راغبة لما علمت فيه من الأجر والثواب وعونًا لزوجها على البر والتقوى ولا خلاف في حسن ذلك ولا في أن كل ذلك ليس بواجب عليها إذ لا يجب أن تخرز الغرب ولا أن تخدم الفرس ولا أن تنقل النوى، وإنما اختلف في خدمة بيتها من عجين وطبخ وكنس وفرش فالشريفة ذات القدر التي رفع في صداقها لا يجب عليها أن تفعل شيئًا من ذلك ولا يحكم عليها به ولا يجب عليها عند مالك أن تأمر الخدم بذلك ولا تنهاهم وليس عليها إلا أن تمكن من نفسها، وقال بعض شيوخنا: عليها أن تأمرهم وتنهاهم بما يصلح حال زوجها إذ لا كلفة عليها في ذلك ولجريان العادة بمثله في الأشراف اهـ من المفهم.
(قالت) أسماء (وكنت) أنا (أنقل) وأحمل (النوى) الساقطة من النخيل أو مما أكله
стр. 9265
مِنْ أَرْضِ الزُّبَيرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ , عَلَى رَأْسِي. وَهْي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ. قَالتْ: فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي. فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ
ــ
الناس ورموه ففيه جواز التقاط المطروحات رغبة عنها (من أرض الزبير التي أقطعه) أي أقطع الزبير وأعطاه إياه والموصول صفة للأرض، ففيه جواز إقطاع الإمام ما شاء لمن شاء من أرض الموات (رسول الله ﷺ أي أحملها (على رأسي) من تلك الأرض (وهي) أي تلك الأرض من مسكنها بالمدينة (على ثلثي فرسخ) أي ثلثين من أثلاث الفرسخ وهما ميلان لأن الفرسخ ثلاثة أميال والميلان ثمانية آلاف خطوة بخطوة البعير والخطوة ذراع ونصف والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضة معتدلة والإصبع ست شعيرات معترضات معتدلات والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون وتفصيلها في كتب الفروع فراجعها.
قال القرطبي: قيل إن هذه الأرض المقطعة له من موات البقيع (أو النقيع) بالنون أقطعه من ذلك حضر فرسه (أي إسراعه في عدوه) فأجراه ثم رمى بسوطه رغبة في الزيادة فأعطاه ذلك كله، وفي البخاري عن عروة أنه ﷺ أقطع الزبير أرضًا من أموال بني النضير وليست هذه الأرض التي كانت أسماء تنقل منها النوى على رأسها لقولها، وهي على ثلثي فرسخ كما تقدم في القول الأول ففيه من الفقه ما يدل على جواز إقطاع الأرض لمن يراه من أهل الفضل والحاجة والمنفعة العامة كالعلماء والمجاهدين وغيرهم لكن تكون تلك الأرض المقطعة من موات الأرض أو من الأرض الموقوفة لمصالح المسلمين كما قدمناه في الجهاد، وفيه ما يدل على جواز الاستزادة من الحلال وإظهار الرغبة فيه كما فعل الزبير ﵁ حيث أجرى فرسه فلما وقف رمى بسوطه رغبة في الزيادة والنبي ﷺ يبصر ذلك كله ولم ينكره عليه وليس إقطاع الإمام تمليكًا للرقبة وإنما هو اختصاص بالمنفعة لكن لو أحيا الموات المقطع لكان للمحيي لقول النبي ﷺ "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" رواه أحمد [٣/ ٣١٣] من حديث جابر بن عبد الله ﵄ اهـ من المفهم.
(قالت) أسماء (فجئت) أنا (يومًا) من الأيام من تلك الأرض ذاهبة إلى المدينة (والنوى) محمولة (على رأسي فلقيت رسول الله ﷺ ومعه) صلى الله
стр. 9266
نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. فَدَعَانِي ثُمَّ قَال: "إِخْ إِخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ
ــ
عليه وسلم (نفر) أي جماعة (من أصحابه) ﵃ لم أر من ذكر أسماءهم ولكن في تنبيه المعلم هم جبير بن إياس الزرقي والحارث بن قيس وعمار وقيس بن محصن انظر فتح الباري [١٠/ ٢٣٠] وذكر البخاري في فرض الخمس تعليقًا عن أبي ضمرة ﵁ "أن النبي ﷺ أقطع الزبير أرضًا من أموال بني النضير" وكان ذلك في أوائل قدومه المدينة فيحتمل أن تكون هذه القصة قبل نزول الحجاب وهو الذي رجحه الحافظ [٩/ ٣٢٤] ويحتمل أن تكون أسماء رضي الله تعالى عنها خرجت إلى تلك الأرض مراعية لأحكام الحجاب والله أعلم.
(فدعاني) أي ناداني رسول الله ﷺ وقال لي تعالي يا أسماء (ثم) بعدما جئته (قال) لبعيره ليبرك (إخ إخ) أي اضطجع اضطجع وهي بكسر الهمزة وسكون الخاء كلمة تقال للبعير لمن أراد أن ينيخه، وقال القرطبي: قوله (إخ إخ) تعني به أنه نوخ ناقة ليركبها عليها وهو صوت تنوخ به الإبل وظاهر هذا المساق يدل على أنه ﷺ عرض عليها الركوب وحدها فلم تركب لأنها استحيت كما قالت فيما سيأتي وعلى هذا فلا يحتاج إلى اعتذار عن النبي ﷺ في ركوبها معه فإنه يحتمل أنها لو اختارت الركوب وحدها تركها راكبة وحدها ولا يكون فيه من حيث هذا اللفظ دليل على جواز ركوب اثنين على بعير واحد فتأمله اهـ من المفهم. (ليحملني خلفه) قال في الفتح تحت قوله (ليحملني خلفه) فهمت ذلك من قرينة الحال وإلا فيحتمل أن يكون ﷺ أراد أن يركبها وما معها أحد ويركب هو شيئًا آخر غير ذلك البعير اهـ.
وبقوله (ليحملني خلفه) استدل من ترجم عن هذا الحديث كالنووي بجواز ارتداف المرأة الأجنبية إذا أعيت في الطريق ولعله أراد ارتدافها على البعير فقط لأن الراكب والرديف في البعير لا يلتقي جسماهما أما إذا كان الارتداف بالتقاء جسميهما فلا يجيزه أحد، وقال القاضي عياض: وهذا خاص للنبي ﷺ بخلاف غيره فقد أمرنا بالمباعدة بين نفوس الرجال والنساء وكانت عادته ﷺ مباعدتهن ليقتدي به أمته قال: وإنما كانت هذه خصوصية له ﷺ لكونها بنت أبي بكر وأخت عائشة وامرأة للزبير فكانت كإحدى أهله ونسائه مع ما خص به ﷺ أنه أملك لإربه، وأما إرداف المحارم فجائز بلا خلاف على كل حال اهـ.
стр. 9267
قَالتْ: فَاسْتَحْيَيتُ وَعَرَفْتُ غَيرَتَكَ. فَقَال: وَاللَّهِ! لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ. قَالتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ, بَعْدَ ذَلِكَ, بِخَادِمٍ, فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ. فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَتْنِي
ــ
(قالت) أسماء للزبير (فاستحييت) من الركوب معه ﷺ (و) الحال أني قد (عرفت) وتذكرت (غيرتك) على حريمك أي شدتها، وفي الكلام حذف تقديره وإني ذكرت هذه القصة للزبير وقلت له: فاستحييت وعرفت غيرتك تعني ما جبل عليه من الغيرة وإلا فالنبي ﷺ لا يغار لأجله كما قال عمر ﵁ للنبي ﷺ : وعليك أغار يا رسول الله. حين أخبره أنه ﷺ رأى قصرًا من قصور الجنة فيه امرأة من نساء الجنة قال: "لمن أنت؟ " فقالت: لعمر بن الخطاب، قال النبي ﷺ : "فذكرت غيرتك " فتوقع النبي ﷺ تحريك الغيرة بحكم الجبلة وإن لم يغر لأجله (فقال) الزبير لها (والله لحملك النوى على رأسك أشد) أي أثقل (من ركوبك معه) ﷺ ، قال الحافظ: ووجه المفاضلة التي أشار إليها الزبير أن ركوبها مع النبي ﷺ لا ينشأ منه كبير أمر من الغيرة لأنها أخت امرأته فهي في تلك الحالة لا يحل له تزوجها ولو كانت خلية من الزوج، قال القرطبي: وقول الزبير لها لحملك النوى أشد علي .. الخ يدل على أن الزبير لم يكلفها على شيء من ذلك وإنما فعلت هي ذلك لحاجتها إلى ذلك وتخفيفًا عن زوجها على عادة أهل الدين والفضل الذي لا التفات عندهم إلى شيء من زينة الدنيا وإلى شيء من أحوال أهلها فإنهم كانوا لا يعيبون على أنفسهم إلا ما عابه الشرع فكانوا أبعد الناس منه وأخرج هذا القول من الزبير فرط الاستحياء المجبول عليه أهل الفضل ويعني بذلك أن الحياء الذي لحقه من تبذلها بحمل النوى على رأسها أشد عليه من الغيرة التي كانت تلحقه عليها لو ركبت مع النبي ﷺ فإنه ﷺ ليس ممن يغار على الحريم لأجله والله تعالى أعلم اهـ من المفهم (قالت) أسماء فكنت أقوم بخدمة الزبير ومؤنة فرسه (حتى أرسل إلي) والدي (أبو بكر) الصديق ﵁ (بعد ذلك) أي بعد ما كنت حاملًا لتلك المؤنة الثقيلة (بخادم) أي بجارية تخدمني، ويقال للذكر والأنثى خادم بلا هاء (فكفتني) تلك الجارية أي حملت عني مشقة (سياسة الفرس) وتدبير شؤونه (فكأنما أعتقتني) تلك الجارية وحررتني من رقية العمل
стр. 9268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وورطة الشغل، وروي أعتقتني بتاء بعد القاف ويكون فيه ضمير يعود على الخادمة وأعتقني بغير تاء وضميره يعود إلى أبي بكر ﵁.
وذلك لأنها لما استراحت من خدمة الفرس والقيام عليه بسبب الجارية التي بعث إليها أبو بكر صح أن ينسب الإعتاق لكل واحد منهما وهذا الكلام دليل على مكارم أخلاق القوم فإن أبا بكر ﵁ علم ما كانت عليه ابنته من الضرر والمشقة ولم يطالب صهره بشيء من ذلك وكان مترقبًا لإزالة ذلك فلما تمكن منه أزاله من عنده اهـ من المفهم. وفي الرواية الآتية (جاء النبي ﷺ سبي فأعطاها خادمًا قالت: فكفتني سياسة الفرس) فبين الروايتين معارضة فيجمع بينهما بأن النبي ﷺ أعطى الجارية أبا بكر ليرسلها إلى ابنته أسماء فصدق أن النبي ﷺ أعطاها وصدق أيضًا أن أبا بكر أرسلها إليها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٣٤٧]، والبخاري في النكاح في باب الغيرة [٥٢٢٤] وفي الجهاد في باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه [٢١٥١].
فصل: هل تجب على المرأة خدمة البيت أم لا؟
نظرًا إلى ظاهر هذا الحديث قال النووي: هذا الذي فعلته أسماء كله من المعروف والمروءات التي أطبق الناس عليها وهو أن المرأة تخدم زوجها بهذه الأمور المذكورة ونحوها من الطحن والعجن والخبز والطبخ وغسل الثياب وغير ذلك من مهنة البيت وكله تبرع من المرأة وإحسان منها إلى زوجها وحسن معاشرة وفعل معروف معه ولا يجب عليها شيء من ذلك بل لو امتنعت من جميع هذا لم تأثم ولم تكن ناشزة ويلزمه هو تحصيل هذه الأمور لها ولا يحل له إلزامها بشيء من ذلك وإنما تفعله المرأة تبرعًا وهذه عادة جميلة استمر عليها النساء من العصر الأول إلى الآن وإنما الواجب عليها تمكينها زوجها من نفسها وملازمة بيته اهـ.
وهذا الذي ذكره النووي هو مذهب الشافعية فإنهم لا يرون هذه الأعمال واجبة على المرأة ديانة ولا قضاء، وأما المالكية والحنفية فيختلف الحكم عندهم باختلاف الأعمال واختلاف النساء فأما أعمال خارج البيت مثل سياسة الفرس وسقي المزارع
стр. 9269
٥٥٥٢ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ الْغُبَرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ؛ أَنَّ أَسْمَاءَ قَالتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيرَ خِدْمَةَ الْبَيتِ. وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ. وَكُنْتُ أَسُوسُهُ
ــ
وحمل النوى فلا تجب على المرأة مطلقًا، وأما أعمال داخل البيت كالخبز والطحن والطبخ فإن المرأة إن كانت من أناس لا يخدم نساؤهم أنفسهن وبيوتهن كبنات الملوك والأمراء لا تجب عليها هذه الأعمال لا ديانة ولا قضاء، وأما إن كانت المرأة من أسرة تتعارف نساؤها خدمة البيت فإن مثل هذه الأعمال تجب عليها ديانة ولكن صرح الحنفية بأنها لا تجبر عليها في القضاء.
وذكر في الدر المختار أنه لو امتنعت المرأة من الطحن والخبز فإن كانت ممن لا تخدم نفسها أو كان بها علة فعليه أن يأتيها بطعام مهيأ وإلا بأن كانت ممن تخدم نفسها وتقدر على ذلك لا يجب عليها ذلك ولا يجوز لها أن تأخذ الأجرة على ذلك لوجوبه عليها ديانة ولو شريفة لأنه ﷺ قسم الأعمال بين علي وفاطمة فجعل أعمال الخارج على علي ﵁ والداخل على فاطمة رضي الله تعالى عنها مع أنها سيدة نساء العالمين اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أسماء رضي الله تعالى عنها فقال:
٥٥٥٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن عبيد) بن حساب بكسر الحاء وتخفيف السين المهملة آخره باء موحدة (الغبري) بضم المعجمة وتخفيف الموحدة المفتوحة نسبة إلى غبر بن غنم البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا حماد بن زيد) ابن درهم الأزدي البصري، ثقة، من (٨) (عن أيوب) السختياني، ثقة، من (٥) (عن) عبد الله بن عبيد الله (بن أبي مليكة) بالتصغير زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي أبي بكر المكي، ثقة فقيه، من (٣) (أن أسماء) بنت أبي بكر الصديق ﵃. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة ابن أبي مليكة لعروة بن الزبير (قالت) أسماء (كنت أخدم) من باب نصر زوجي (الزبير) بن العوام الأسدي المدني (خدمة البيت) أي خدمة في أعمال البيت وأشغاله كالطحن والطبخ والغسل مثلًا (وكان له) أي للزبير (فرس) واحد يجاهد عليه (وكنت أسوسه) من باب قال أي أسوس ذلك الفرس وأدبر
стр. 9270
فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ. كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ وَأَقُومُ عَلَيهِ وَأَسُوسُهُ. قَال: ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ خَادِمًا. جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ سَبْىٌ فَأَعْطَاهَا خَادِمًا. قَالتْ: كَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ. فَأَلْقَتْ عَنِّي مَئُونَتَهُ.
فَجَاءَنِي رَجُلٌ فَقَال: يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ, أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ
ــ
شؤونه وأقوم بمصالحه من علف وسقي ومسح (فلم يكن من الخدمة) أي من خدمة الزبير (شيء أشد) وأثقل (علي) وأتعب لي (من سياسة الفرس) ورعاية مصالحه والقيام بمؤنته (وكنت أحتش له) أي لذلك الفرس أي أطلب له الحشيش والعشب من الجبل وأحمله منه (وأقوم عليه) أي على ذلك الفرس بمصالحه الناجزة من العلف والسقي والمسح (وأسوسه) أي أدبر أموره المستقبلة برعاية مصالحه (قال) ابن أبي مليكة (ثم) بعد قيامها بخدمة الزبير وخدمة فرسه (إنها) أي إن أسماء (أصابت) أي نالت وفازت (خادمًا) أي جارية تخدمها وسبب ذلك أي وسبب إصابتها خادمًا أنه (جاء النبي ﷺ سبي) أي نساء مسبيات من الكفار وذراري (فأعطاها) أي فأعطى النبي ﷺ لأسماء من تلك السبايا (خادمًا) أي جارية تخدمها، قال القرطبي: هذه الرواية معارضة لقولها في الرواية السابقة (إن أبا بكر ﵁ أرسلها إليها). [قلت] هذا لا بعد فيه لأنه يمكن الجمع بين الروايتين بأن النبي ﷺ دفعها لأبي بكر ليدفعها لها فأرسل بها أبو بكر إليها اهـ من المفهم.
وقد مر لنا هذا الجمع في الرواية الأولى (قالت) أسماء فـ (كفتني) تلك الجارية وحملت عني (سياسة الفرس) أي تدبير أموره ورعاية مصالحه من العلف والسقي مثلًا أي كانت كافية لي عنها (فألقت) أي رمت (عني) وحملت (مؤنته) أي مؤنة الفرس ومصالحه وقامت بها فكنت مرتاحة في بيتي (فجاءني رجل) من فقراء المسلمين لم أر من ذكر اسمه (فقال) لي ذلك الرجل (يا أم عبد الله) كنية أسماء (إني رجل فقير) لا منزل لي ولا مقعد أقعد فيه لبيع بضاعتي فـ (أردت) أي قصدت (أن أبيع) بضاعتي (في ظل دارك) فأذني لي في أن أقعد فيه لبيع حوائجي.
قال القرطبي: واستئذان الفقير لأم عبد الله وهي أسماء بنت أبي بكر في أن يبيع
стр. 9271
قَالتْ: إِنِّي إِنْ رَخَّصْتُ لَكَ أَبَى ذَاكَ الزُّبَيرُ. فَتَعَال فَاطْلُبْ إِلَيَّ, وَالزُّبَيرُ شَاهِدٌ فَجَاءَ فَقَال: يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ, أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ. فَقَالتْ:
ــ
في ظل دارها يدل على أن المقرر المعلوم من الشرع أن فناء الدار ليس لغير ربها القعود فيه للبيع إلا بإذنه فإذا أذن جاز ما لم يضر بغيره بتضييق طريق أو إطلاع على عورة منزل غيره ولرب الدار أن يمنعه لأن الأفنية حق لأرباب المنازل، لأن عمر ﵁ قضى في الأفنية لأرباب الدور، قال ابن حبيب -هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان العباسي القرطبي المالكي فقيه مؤرخ نسابة أديب لغوي شاعر-: وتفسير هذا يعني لهم حق الانتفاع للمجالس والمرابط والمصاطب وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة وليس بأن ينحاز بالبنيان والتحظير. [قلت] وعلى هذا فليس لرب الدار التصرف في فنائها ببناء دكان أو غيره مما يثبت ويدوم لأنه من المنافع المشتركة بينه وبين الناس إذ للناس فيه حق العبور والوقوف والاستراحة والاستظلال وما أشبه هذه الأمور لكنه أحق به فيجوز له من ذلك ما لا يجوز لغيره من مرافقه الخاصة به كبناء مصطبة لجلوسه ومربط فرسه وحط أحماله وكنس مرحاضه وتراب بيته وغير ذلك مما يكون من ضروراته وعلى هذا فلا يفعل فيها ما لا يكون من ضرورات حاجاته كبناء دكان للباعة أو تحظيره عن الناس أو إجارته لمن يبيع فيه لأن ذلك كله منع الناس من منافعهم التي لهم فيه وليس كذلك الإذن في البيع الخفيف بغير أجرة لأن ذلك من باب الرفق بالمحتاج والفقير وأصل الطرق والأفنية للمرافق ولو جاز أن يحاز الفناء ببناء ونحوه للزم أن يكون لذلك البناء فناء ويتسلسل إلى أن تذهب الطرق وترتفع المرافق اهـ من المفهم.
(قالت) أسماء فقلت للرجل (إني إن رخصت) وأذنت (لك) في الجلوس بلا استئذان الزبير (أبي) وامتنع (ذاك) الإذن (الزبير) ومنعك من الجلوس ولكني أنصح لك ببيان طريق الوصول إلى مرادك من الجلوس (فـ) أقول لك (تعال) أي أقبل إلينا واحضر (فاطلب) الإذن في جلوسك (إلي) أي مني (والزبير) أي والحال أن الزبير (شاهد) أي حاضر عندي في البيت، وهذا تعليم منها له الحيلة في استرضاء الزبير وهذا فيه حسن الملاطفة في تحصيل المصالح ومداراة أخلاق الناس والله أعلم كذا في النووي. قالت أسماء (فجاء) الرجل إلي (فقال) لي (يا أم عبد الله إني رجل فقير أردت) أي قصدت (أن أبيع) بضاعتي جالسًا (في ظل دارك فقالت) أسماء فقلت للرجل في جواب طلبه الإذن
стр. 9272
مَا لَكَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا دَارِي؟ فَقَال لَهَا الزُّبَيرُ: مَا لَكِ أَنْ تَمْنَعِي رَجُلًا فَقِيرًا يَبِيعُ؟ فَكَانَ يَبِيعُ إِلَى أَنْ كَسَبَ. فَبِعْتُهُ الْجَارِيَةَ. فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيرُ وَثَمَنُهَا فِي حَجْرِي. فَقَال: هَبِيهَا لِي. قَالتْ: إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا
ــ
مني (ما لك) أيها الرجل أي أي شيء ثبت لك في طلب الإذن مني في الجلوس في ظل داري وما (بالمدينة) دور لها ظل (إلا داري) فامش مني فلا آذن لك قالت أسماء (فقال لها) فيه التفات ومقتضى المقام أن يقال فقال لي (الزبير: مالك) أي، أي شيء ثبت لك وأي عذر لك يا أم عبد الله في (أن تمنعي رجلًا ففيرًا) يريد أن (يبيع) بضاعته تحت ظل دارك، قالت أسماء فأذنت له (فكان) ذلك الرجل (يبيع) بضاعته تحت ظل داري (إلى أن كسب) مكسبًا كثيرًا وربح أرباحًا كثيرة، قالت أسماء (فبعته) أي فبعت ذلك الرجل (الجارية) التي أرسلها إلى رسول الله ﷺ (فدخل علي الزبير وثمنها) أي ونقود ثمنها (في حجري) أي في مقدم بدني (فقال) الزبير لي (هبيها) أي هبي هذه النقود (لي قالت) أسماء فقلت له (إني قد تصدقت بها) أي بهذه النقود أي نويت تصدقها على الفقراء المساكين فقد خرج عن ملكي فلا أقدر الهبة لك.
وقول أسماء (مالك بالمدينة إلا داري) تكلمت أسماء بما يدل على كراهتها لأن يجلس الرجل في ظل دارها لئلا تقع في قلب الزبير آية شبهة فيجيز الرجل هو بنفسه ووقع كما قدرت وكان ذلك حيلة لاسترضاء الزبير ولمصلحة الرجل، قال القرطبي: وتوقف أسماء رضي الله تعالى عنها في الإذن للفقير إلى أن يأذن الزبير إنما كان مخافة غيرة الزبير أو يكون في ذلك شيء يتأذى به الزبير وحسن أدب وكرم خلق حتى لا تتصرف في شيء من مالها إلا بإذن زوجها وأمرها للفقير بأن يسألها ذلك بحضرة الزبير لتتخرج بذلك ما عند الزبير من كرم الخلق والرغبة في فعل الخير وليشاركها في الأجر وذلك كله منها حسن سياسة وجميل ملاطفة تدل على انشراح الصدور وصدق الرغبة في الخير اهـ من المفهم.
قال الأبي: (قوله فبعته الجارية) يعني الجارية التي أعطاها رسول الله ﷺ وأرسلها أبو بكر ﵁ إليها ولعلها باعتها وتصدقت بثمنها لأنها استغنت عنها بغيرها، فيه دلالة على أن تصرف المرأة في البيع والابتياع بغير إذن زوجها نافذ وليس له أن يتحكم في مال الزوجة اهـ. وليس له منعها من ذلك إذا لم يضره ذلك
стр. 9273
٥٥٥٣ - (٢١٤٥) (١٩٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا كَانَ ثَلاثَةٌ, فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ"
ــ
في خروجها ومشافهتها للرجال بالبيع والابتياع فله منعها مما يؤدي إلى ذلك.
قوله (فقال هبيها لي) وسؤاله لها أن تهبه ثمن الجارية دليل على أن الزوج ليس له أن يتحكم عليها في مالها بأخذ ولا غيره إذ لا ملك له في ذلك وإنما له فيه حق التجمل وكفاية بعض المؤن ولذلك منعناها من إخراج كل مالها أو جله كما تقدم في النكاح. وصدقتها بثمن الجارية من غير إذنه دليل على جواز هبة المرأة بعض مالها بغير إذن الزوج لكن إن أجازه الزوج جاز وإن منعه فإن كان الثلث فما دون لم يكن له المنع وإن كان أكثر له منع الزائد على الثلث على ما تقدم هذا إذا وهبته لأجنبي فإن وهبته لزوجها فلا يفرق بين ثلث ولا غيره لأنها إذا طابت نفسها بذلك جاز ولأن الفرق بين الثلث وغيره إنما كان لحق الزوج لئلا يفوت عليه ما له فيه من حق التجمل ولئلا يمنعها أيضًا من إعطاء ما طابت به نفسها فينفذ عطاؤها في الثلث ويرد فيما زاد عليه، وقيل يرد الجميع وهو المشهور اهـ من المفهم.
وهذه الرواية الأخيرة انفرد بها الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث ابن عمر ﵄ فقال:
٥٥٥٣ - (٢١٤٥) (١٩٩) (حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر) ﵄. وهذا السند من رباعياته (أن رسول الله ﷺ قال كان ثلاثة) بالرفع على أنه فاعل كان وهي تامة بمعنى اجتمع ووجد، ووقع في رواية البخاري (إذا كانوا ثلاثة) بالنصب على أنه خبر كان الناقصة (فلا يتناجى) أي فلا يتحدث (اثنان) منهم سرًّا (دون) سماع (واحد) منهم لتلك النجوى من التناجي وهو التحادث سرًّا وهو خبر بمعنى النهي ووجه النهي مصرح فيما سيأتي من حديث ابن مسعود ﵁ من قوله (فإن ذلك يحزنه) أي مناجاتهما سرًّا يحزن الرجل الثالث لكونه منفردًا عن المتناجيين ولأنه قد يتوهم أن نجواهما إنما هي لسوء رأيهما فيه أو لدسيسة غائلة له، وهذا من حسن الأدب لئلا يتباغضوا ويتقاطعوا ويدخل في هذا الحكم
стр. 9274
٥٥٥٤ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْيرٍ
ــ
ما إذا تناجت جماعة كثيرة وتركت رجلًا واحدًا منفردًا، نعم يستثنى من هذا ما إذا أذن الرجل الواحد لأنه صاحب الحق. وفي الحديث بيان أدب المجالسة وإكرام الجليس، والرواية المشهورة (يتناجى) بالألف المقصورة ثابتة في الخط غير أنها تسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين فإذًا هو خبر عن نفي المشروعية ويتضمن النهي عن ذلك، ووقع في بعض النسخ (فلا يتناج) بغير ألف على النهي وهي واضحة، وقد زاد في الرواية الأخرى زيادة حسنة فقال (حتَّى تختلطوا الناس) فبين غاية المنع وهو أن يجد الثالث من يتحدث معه وقد نبه في هذه الزيادة على التعليل بقوله (فإن ذلك يحزنه) أي يوقع في نفسه ما يحزن لأجله وذلك بأن يقدر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره أو أنهم لم يروه أهلًا ليشركوه في حديثهم إلى غير ذلك من ألقيات الشيطان وأحاديث النفس وحصل ذلك كله من بقاءه وحده فإذا كان معه غيره أمن ذلك وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد فلا يتناجى أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلًا لوجود ذلك المعنى في حقه بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع فيكون بالمنع أولى وإنما خص الثلاثة بالذكر لأنه أول عدد يتأتى فيه ذلك المعنى.
وظاهر هذا الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال وإليه ذهب ابن عمر ومالك والجمهور، وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك كان في أول الإسلام لأن ذلك كان حال المنافقين دون المؤمنين فلما فشا الإسلام سقط ذلك، وقال بعضهم ذلك خاص بالسفر وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه فأما في حضر وبين العمارة فلا. [قلت] وكل ذلك تحكم وتخصيص لا دليل عليه والصحيح ما صار إليه الجمهور والله تعالى أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٣٧٥]، والبخاري في الاستئذان باب لا يتناجى اثنان دون ثالث [٦٢٨٨]، وأبو داود في الأدب باب في التناجي [٤٨٥٢]، وابن ماجة في الأدب باب لا يتناجى اثنان دون الثالث [٣٨٢٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
٥٥٥٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا محمد بن بشر) العبدي
стр. 9275
وَابْنُ نُمَيرٍ. ح وَحدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْمُثَنَّى وَعُبَيدُ اللهُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالا: حَدَّثَنَا يَحيى، (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ)، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيدِ اللهِ. ح وَحدَّثَنَا قُتَيبَةُ وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيثِ بنِ سَعْدٍ. ح وَحدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ. قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ عَنْ أَيُّوبُ. ح وَحدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَال: سَمِعْتُ أَيُّوبُ بنَ مُوسَى. كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ.
٥٥٥٥ - (٢١٤٦) (٢٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بن أَبِي شَيبَةَ وَهَنَّادُ بْنُ السِّرِيِّ
ــ
الكوفي (و) عبد الله (بن نمير ح وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير حَدَّثَنَا أبي) عبد الله بن نمير (ح وحدثنا محمد بن المثنى وعبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري النيسابوري (قالا حَدَّثَنَا يحيى وهو ابن سعيد) القطان التميمي البصري (كلهم) أي كل من محمد بن بشر وعبد الله بن نمير ويحيى القطان رووا (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص العمري المدني (ح وحدثنا قتيبة وابن رمح عن الليث بن سعد) المصري (ح وحدثنا أبو الربيع) الزهراني سليمان بن داود البصري (وأبو كامل) الجحدري فضيل بن حسين البصري (قالا حَدَّثَنَا حماد) بن زيد (عن أيوب) السختياني (ح وحدثنا) محمد (بن المثنى حَدَّثَنَا محمد بن جعفر) الهذلي البصري (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج البصري (قال) شعبة (سمعت أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٠) أبواب (كل هولاء) الأربعة المذكورين من عبيد الله بن عمر وليث بن سعد وأيوب السختياني وأيوب بن موسى رووا (عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ بمعنى حديث مالك) لا بلفظه. وهذه الأسانيد الأول منها أعني أسانيد عبيد الله بن عمر بن حفص من خماسياته، والثاني منها أعني سند الليث بن سعد من رباعياته، والثالث أعني سند أيوب السختياني من خماسياته، والرابع أعني سند أيوب بن موسى من سداسياته، وغرضه بسوقها بيان متابعة هؤلاء الأربعة لمالك بن أنس في الرواية عن نافع.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث ابن مسعود ﵃ أجمعين فقال:
٥٥٥٥ - (٢١٤٦) (٢٠٥) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبو شيبة وهناد بن السري) -بفتح
стр. 9276
قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحدَّثَنَا زُهَيرُ بن حَرْبٍ وَعُثمَانُ بن أَبِي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفظُ لِزُهَيرٍ - (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) جَرِير عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةَ فَلَا يَتَنَاجَى اثنَانِ دُونَ الآخَرِ. حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ. مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ"
ــ
السين وكسر الراء المخففة بعدها ياء مشددة - ابن مصعب التميمي الدارمي أبو السري الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (قالا حَدَّثَنَا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٢) بابا (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكوفي، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٩) بابا (ح وحدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (وعثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (واللفظ (الآتي (لزهير قال إسحاق أخبرنا وقال الآخران) يعني زهيرًا وعثمان (حَدَّثَنَا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن منصور) بن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة، من (٢) (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي. وهذه الأسانيد من خماسياته (قال) ابن مسعود (قال رسول الله ﷺ إذا كنتم) أيها المؤمنون أي إذا صرتم (ثلاثة) أنفار (فلا يتناجى) من باب تلاقى أي لا يتحدث (اثنان) منهم سرًّا (دون الآخر) أي دون الثالث منهم (حتَّى تختلطوا) وتجتمعوا (بالناس) أي مع الناس الآخرين ولو رابعًا فإنه يتحدث مع الثالث وعلل النفي بمعنى النهي بقوله (من أجل) مخافة (أن يحزنه) تناجيكما أي من أجل مخافة أن يوقع الحزن في قلب الآخر تناجيكما دونه فبين غاية المنع وهو أن يجد الثالث من يتحدث معه كما فعل ابن عمر وذلك أنَّه كان يتحدث مع رجل فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم يناجه حتَّى دعا رابعًا فقال له وللأول تأخرا وناجى الرجل الطالب منه للمناجاة معه كما مر البحث عن هذه الغاية قريبًا بما لا مزيد له في حديث ابن عمر. والتناجي وكذا المناجاة المسارة وانتجى القوم وتناجوا أي سار بعضهم بعضًا. قوله (من أجل أن يحزنه) قال أهل اللغة: يقال حزنه وأحزنه وقرئ بهما في السبع وفي هذه الأحاديث النهي عن تناجي اثنين بحضرة ثالث، وكذا ثلاثة وأكثر بحضرة واحد وهو نهي تحريم كذا في النووي.
стр. 9277
٥٥٥٦ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا يَحْيَى بن يَحْيَى وَأبُو بَكرِ بن أَبِي شَيبَةَ وَابْنُ نُمَيرٍ وَأَبُو كُرَيبٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا)، أَبُو مُعَاويةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةَ فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا. فَإِن ذلِكَ يُخزِنُهُ".
٥٥٥٧ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بن يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الاستئذان باب إذا أكلوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة [٦٢٩٠]، وأبو داود في الأدب باب في التناجي [٤٨٥١]، والترمذي في الأدب [٢٨٢٧]، وابن ماجة في الأدب [٣٨٢٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن مسعود ﵁ فقال:
٥٥٥٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة و) محمد بن عبد الله (بن نمير وأبو كريب) محمد بن العلاء (واللفظ ليحيى قال يحيى أخبرنا وقال الآخرون حَدَّثَنَا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (عن الأعمش عن شقيق) بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة الأعمش لمنصور (قال) عبد الله (قال رسول الله ﷺ إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك) أي تناجيهما دونه (يحزنه) أي يوقع في قلبه الحزن والهم وذلك إيذاء له هايذاء المسلم حرام فالنهي للتحريم، وحاصل الحكم أن التناجي إنما يمتنع إذا بقي في المجلس رجل منفردًا عن المتناجين أما إذا كان معه رجل آخر فلا بأس بتناجي الباقين لأنه يمكن له أن يستأنس بصاحبه وظاهر إطلاق الحديث أنَّه لا فرق في ذلك بين الحضر والسفر وهو قول الجمهور، وقد تقدم بيان اختلاف العلماء في ذلك في بحث حديث ابن عمر ﵄ نقلًا عن القرطبي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن مسعود ﵁ فقال:
٥٥٥٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي (ح وحدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي
стр. 9278
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ
ــ
(حَدَّثَنَا سفيان) بن عيينة (كلاهما) أي كل من عيسى وسفيان رويا (عن الأعمش بهذا الإسناد) يعني عن شقيق عن عبد الله، غرضه بيان متابعتهما لأبي معاوية.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث ثلاثة: الأول حديث أسماء رضي الله تعالى عنها ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث ابن مسعود ذكره للاستشهاد به لحديث ابن عمر ﵄ وذكر فيه متابعتين.
* * *
стр. 9279
٦٧٦ - (٢٠) باب الطب ورقية جبريل ﵇ النبي ﷺ والعين حق والسحر حق والسم حق واستحباب رقية المريض
ــ
٦٧٦ - (٢٠) باب الطب ورقية جبريل ﵇ النبي ﷺ والعين حق والسحر حق والسم حق واستحباب رقية المريض
والطب بكسر المهملة وحكى ابن السيد تثليثها يطلق لغة بالاشتراك على المداوي وعلى التداوي وعلى الداء أيضًا فهو من الأضداد ويقال أيضًا للرفق والسحر ويقال للشهوة ولطرائق ترى في شعاع الشمس وللحذق بالشيء، والطبيب هو الحاذق بالطب ويقال له أيضًا طب بالفتح والكسر ومستطب وامرأة طب بالفتح ويقال استطب إذا تعاطى الطب واستطب إذا استوصفه والطبيب في الأصل الحاذق في كل شيء وخص به المعالج عرفًا وجمعه في القلة أطبة وفي الكثرة أطباء، وبسبب أن العرب ربما يعتقدون أن الأمراض سببها السحر وكثيرًا ما يداوونه بالسحر استعيرت كلمة الطب لمعنى السحر أيضًا ولأجل هذا ذكر في الحديث رجل مطبوب أي مسحور.
وأما تعريف علم الطب اصطلاحًا فهو علم يتعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصح ويزول عن الصحة ليحفظ الصحة حاصلة ويستردها زائلة ذكره ابن سينا في القانون [١/ ٣].
ولم يزل علم الطب منذ الأزمان السالفة يعد شرفًا ولم يزل للطبيب مكانة كبيرة في أعين الناس حتَّى في عهد الجاهلية وكان أهل الجاهلية يرجعون إلى الكهان والسحرة لمعالجة أمراضهم وكان فيهم عدد قليل ممن تعلم الطب بطرق علمية وإن رسول الله ﷺ منع المسلمين من إتيان الكاهن ولكنه أمر سعد بن أبي وقاص ﵁ حين مرض أن يأتي الحارث بن كلدة طبيب العرب أخرجه أبو داود من طريق ابن أبي نجيح وذكره الحافظ في الإصابة [١/ ٢٨٨] من طريق ابن منده أيضًا، والحارث بن كلدة هذا كان من أهل الطائف، وذكر ابن أبي حاتم أنَّه لا يصح إسلامه فدل الحديث على جواز الاستعانة بأهل الذمة في الطب.
واعلم أن ما ذكره رسول الله ﷺ من المعالجات ومن الحقائق
стр. 9280
٥٥٥٨ - (٢١٤٧) (٢٠١) حدَّثنا مُحَمَّدُ بن أَبِي عُمَرَ المَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ - (وَهُوَ: ابْنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيُّ ﷺ : أَنَّهَا قَالت: كَانَ إِذَا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَقَاهُ جِبْرِيلُ
ــ
الطبية ليس جزءًا من الشريعة التي أمرنا بالإيمان والعمل بها، ولكن تصديق النبي ﷺ واجب علينا فيما يخبره قال ابن خلدون في مقدمته [١/ ٤٩٣]، وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص متوارثًا عن مشايخ الحي وعجائز وربما يصح منه البعض إلَّا أنَّه ليس على قانون طبيعي ولا على موافقة المزاج وكان عند العرب من هذا الطب كثير وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره اهـ.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأول من الترجمة وهو رقية جبريل ﵇ النبي ﷺ بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٥٥٥٨ - (٢١٤٧) (٢٠١) (حَدَّثَنَا محمد بن أبي عمر) العدني (المكي حَدَّثَنَا عبد العزيز) بن محمد بن عبيد (الدراوردي) الجهني المدني (عن يزيد وهو ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد) الليثي المدني (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث التيمي المدني، ثقة، من (٤) (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (عن عائشة زوج النبي ﷺ رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته (أنها قالت كان) الشأن (إذا اشتكى) ومرض (رسول الله ﷺ رقاه) أي عالجه بالقراءة عليه (جبربل) الأمين ﵇.
وقوله (إذا اشتكى) معناه إذا مرض لا أنَّه أخبر بما يجد من الآلام، والاستقراء يدل على أن تداويه ﷺ أو أكثره إنما هو بالرقى لا بالأدوية لأنها إنما تستعمل في الأمراض التي من قبل فساد المزاج ومزاجه ﷺ خير الأمزجة كذا في الأبي والله أعلم.
قوله (رقاه ﷺ جبريل الأمين) ﵇ فيه جواز الرقية بضم
следующие страницы →