Полный текст (11 982 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.
стр. 9836
قَال: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَال: "إِنمَا أنا بَشَرٌ، إذَا أَمَرتُكُم بِشَيءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وإذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيءٍ مِنْ رَأييِ. فَإنمَا أنا بَشَرٌ".
قَال عِكْرِمَةُ: أَوْ نَحْوَ هَذَا
ــ
بعض الرواة في أي اللفظين، قال رافع أو من دونه: ويحتمل أن تكون أو بمعنى الواو أي نفضت ثمرها ونقصت في حملها وقد دل على هذا قوله في الرواية الأخرى (فخرج شيصًا) وهو البلح الذي لا ينعقد نواه ولا يكون فيه حلاة إذا أبر ويسقط أكثره فيصير حشفًا اهـ من المفهم (قال) رافع بن خديج: (فذكروا) أي ذكر أصحاب النخل (ذلك) أي نفضها الثمار أو نقصها (له) ﷺ (فقال) ﷺ : (إنما أنا بشر) أي واحد منهم في البشرية ومساو لهم فيما ليس من الأمور الدينية، وهذه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] فقد ساوى البشر في البشرية وامتاز منهم بالخصوصية الإلهية التي هي تبليغ الأمور الدينية اهـ منه (إذا أمرتكم بشيء من دينكم) أي بأمر من أمور دينكم (فخذوا به) أي بذلك الأمر بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وجوبًا في الواجبات وندبًا في المندوبات (وإذا أمرتكم بشيء من رأي) بالتنوين، وفي بعض النسخ من رأي بالإضافة إلى ياء المتكلم، أي بأمر من أمور الدنيا ومعايشها الذي عليه سوق هذه القصة (من رأي) أي أمرًا صادرًا من رأي وظن لا بوحي من الله تعالى فلا يجب عليكم أخذه فإذا أخذتم رأيي وبان خلاف رأيي فلا تلوموني (فإنما أنا بشر) مثلكم يصدر مني الخطأ والنسيان فيما ليس بطريق الوحي من الشرع وليس تأبير النخل من الأمور الشرعية، قوله: (فنفضت أو فنقصت) هو بفتح الحروف كلها وتاء التأنيث ساكنة والأول بالفاء والضاد المعجمة والثاني بالقاف والصاد المهملة، وقوله: (وإذا أمرتكم بشيء من رأي) قال القاضي عياض: يعني برأيه في أمر الدنيا لا برأيه في أمر الشرع على القول بأن له أن يتحكم باجتهاد فإن رأيه في ذلك يجب العمل به لأنه من الشرع (قال عكرمة): قال لي أبوالنجاشي: (بشيء من رأي) (أو) قال لي أبو النجاشي: (نحو هذا) أي قريب لفظ الرأي في المعنى كقوله: (وإذا أمرتكم بشيء بظن) قال القاضي عياض: ولفظ الرأي إنما أتى به عكرمة على المعنى لا أنه لفظه ﷺ لقوله آخر الحديث أو نحو هذا فلم يأت بلفظه ﷺ محققًا فلا يحتج به من لا يرى أنه يحكم باجتهاده وقوله ذلك للأنصار ليس على وجه الخبر الذي يدخله
стр. 9837
قَال الْمَعْقِرِيُّ: فَنَفَضَتْ، وَلَم يَشُك.
٥٩٧٥ - (٢٣٤١) (٩٦) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمرو الناقِدُ، كِلاهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَامِر. قَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِر. حَدَّثَنَا حَمادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُروَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. وَعن ثَابِتٍ، عَنْ أنسٍ؛ أن النبِي ﷺ مَر بِقَوْم يُلَقحُونَ
ــ
الصدق والكذب فإنه ﷺ منزه عن الخلف في الخبر، وإنما أخبر عن ظنه لقوله فيما سبق ما أظن ذلك يغني شيئًا، ولا شك أنه خبر صادق لمطابقته الواقع وهو أن له ظنًا متعلقًا بما ذكر اهـ سنوسي، قال القاضي: والأنبياء ﵈ في أمور الدنيا كغيرهم في اعتقادهم بعض الأمور على خلاف ما هي عليه ولا وصم عليهم في ذلك إذ هممهم متعلقة بالآخرة والملأ الأعلى وأمور الشريعة، وأمور الدنيا تضاد ذلك بخلاف غيرهم من أهل الدنيا الذين يعلمون ظاهرًا منها وهم عن الآخرة هم غافلون اهـ سنوسي (قال المعقري: فنفضت) بالفاء والضاد المعجمة ومعناه أسقطت ثمرها، ويقال لذلك المتساقط النفض بالفاء والتحريك بمعنى المنفوض كالخبط بمعنى المخبوط، ويقال: أنفض القوم إذا فني زادهم (ولم يشك) المعقري في لفظ فنفضت بل جزمه ولم يذكر معه غيره.
وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم عن غيره من أصحاب الأمهات الخمس.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث طلحة بن عبيد الله بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٥٩٧٥ - (٢٣٤١) (٩٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي كلاهما) رويا (عن الأسود بن عامر قال أبو بكر) بن أبي شيبة: (حدثنا أسود بن عامر) الشامي أبو عبد الرحمن البغدادي، ويُلقب بشاذان، ثقة، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته، وقوله: (وعن ثابت) معطوف على هشام أي حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت بن أسلم (عن أنس) ﵁. وهذا السند من خماسياته كلاهما أي كل من عائشة وأنس رويا (أن النبي ﷺ مر بقوم يلقحون) أي
стр. 9838
فَقَال: "لَوْ لَم تَفعَلُوا لَصَلُحَ" قَال: فَخَرَجَ شِيصًا. فَمَر بِهِم فَقَال: "مَا لِنَخلِكُم؟ " قَالُوا: قُمْتَ كَذَا وَكَذَا. قَال: "أَنْتُم أَعْلَمُ بِأمْرِ دُنْياكُمْ".
٥٩٧٦ - (٢٣٤٢) (٩٧) حدَّثنا مُحَمدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبدُ الرزاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمامِ بْنِ مُنَبهٍ قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ . فَذَكَرَ أحَادِيثَ
ــ
يأبرون النخل (فقال) لهم النبي ﷺ : (لو لم تفعلوا) التأبير وتركتموه (لصلح) الثمر لأن المثمر والمؤثر فيه هو الله تعالى لا غيره لأنه خالق كل شيء (قال) الراوي: إما عائشة أو أنس بن مالك فتركوا التأبير تمسكًا بقوله ﷺ : (فخرج) الثمر من النخل أي طلع حالة كونه (شيصًا) بكسر الشين المعجمة أي بسرًا رديئًا، قال المازري: الشيص البسر الذي لا نوى له، وقال القاضي: الشيص هو رديء البسر، وإذا يبس كان حشفًا اهـ أبي (فمر) رسول الله ﷺ (بهم) أي على القوم الملقحين (فقال) لهم: (ما لنخلكم) أي أي شيء ثبت وحصل لنخلكم أي هل أثمر ثمرًا جيدًا أم رديئًا (قالوا): أي قال أولئك القوم لرسول الله ﷺ (قلت) لنا: يا رسول الله كذا وكذا) أي لو لم تفعلوا لصلح فتركنا التأبير فأثمر ثمرًا رديئًا شيصًا فـ (قال) رسول الله ﷺ : (أنتم أعلم) مني (بأمر دنياكم) ومعايشكم فامشوا على عادتكم فيما يستقبل من أمور دنياكم وكأنه قال: وأنا أعلم بأمر دينكم فاقتدوا بي في أمور الدين، والمعنى وأنتم أعلم بالأمور التي وكلها الشرع إلى التجربة ولم يأت فيها بأمر أو نهي جازم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٥٢]، وابن ماجه في الأحكام [٢٤٧١].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة بحديث أبي
هريرة ﵁ فقال:
٥٩٧٦ - (٢٣٤٢) (٩٧) (حدثنا محمد بن رافع) القشيري (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن همام بن منبه) بن كامل اليماني (قال) همام: (هذا) الحديث الذي أمليه عليكم (ما حدثنا) به (أبو هريرة عن رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته (فذكر) همام (أحاديث) كثيرة
стр. 9839
مِنْهَا: وَقَال رَسُولُ اللهِ صَلي الله عَلَيهِ وَسَلمَ: "وَالذِي نَفسُ مُحَمد بِيَدِهِ، لَيَأتِيَن عَلَى أَحَدِكُمْ يَومٌ وَلَا يَرَانِي. ثُم لأَن يَرَاني أَحَب إلَيهِ مِن أَهلِهِ وَمَالِهِ مَعهُم".
قَال أبُو إِسحَاقَ: الْمَغنَي فِيهِ عِندِي، لأَن يَرَانِي مَعَهُم أحَب إِلَيهِ مِنْ أَهلِهِ وَمَالِهِ. وَهُوَ عِندِي مُقَدمٌ وَمُؤَخر
ــ
(منها) أي من تلك الأحاديث، قال رسول الله ﷺ : كذا وكذا (وقال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمد بيده) المقدسة (ليأتين على أحدكم) أيتها الصحابة (يوم و) الحال أنه (لا) يمكن له أن (يراني) فيه بسبب موتي، وهنا تم الكلام ثم استؤنف بقوله: (ثم) بعد يأسه عن رؤيتي بسبب موتي (لأن يراني) لحظة أي لرؤيته إياي لحظة (أحب إليه) أي إلى أحدكم (من) جميع (أهله وماله) حالة كون المال (معهم) أي مع الأهل في الفقدان، والمعنى أن رؤيته إياي أفضل عنده وأحظى من أهله وماله جميعًا، ولفظ البخاري هنا (وليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله) قال الحافظ في الفتح [٦/ ٦٠٧] إن كل أحد من الصحابة بعد موته ﷺ كان يود لو كان رآه وفقد مثل أهله وماله، وإنما قلت ذلك لأن كل أحد ممن بعدهم إلى زماننا هذا يتمنى مثل ذلك فكيف بهم مع عظيم منزلته عندهم ومحبتهم، وقال النووي: ومقصود الحديث حثهم على ملازمة مجلسه الشريف ومشاهدته حضرًا وسفرًا للتأدب بآدابه وتعلم الشرائع وحفظها ليبلغوها وإعلامهم أنهم سيندمون على ما فرطوا فيه من الزيادة من مشاهدته وملازمته، ومنه قول عمر ﵁: ألهاني الصفق بالأسواق.
(قال أبو إسحاق) وهو الشيخ إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري الفقيه تلميذ الإمام مسلم ورواة صحيحه وأستاذ أبي أحمد محمد بن عيسى الجلودي النيسابوري (المعنى فيه) أي في هذا الحديث (عندي لأن يراني معهم أحب إليه من أهله وماله وهو عندي مقدم ومؤخر) يعني أن قوله ﷺ لأن يراني مقدم في المعنى على قوله: (ولا يراني) يعني أن الرواية المذكورة في ألفاظها تقديم وتأخير، وتقدير العبارة عند أبي إسحاق ما ذكره النووي بأن التقديم والتأخير هما فيما بين (لأن يراني) وبين (ثم لا يراني) وأما (معهم) فهي في موضعها والمعنى المقصود (ليأتين على أحدكم يوم لأن يراني فيه لحظة فقط ثم لا يراني بعدها أحب إليه من أهله وماله جميعًا) ولكن في ما ذكره النووي
стр. 9840
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بُعد بالنظر إلى لفظ الرواية وبالنظر إلى لفظ أبي إسحاق جميعًا. والذي يظهر من مراد أبي إسحاق أن كلمة (معهم) ليست في موضعها، وأما قوله: (ولا يراني) وقوله: (لأن يراني) فهما في موضعهما والمعنى (ليأتين على أحدكم يوم لا يراني فيه بسبب وفاتي) ثم تكون رؤيتي عنده معهم أحب إليه من أهله وماله والله أعلم قاله صاحب التكلمة.
قال القرطبي: الرواية دون تقديم ولا تأخير صحيحة المعنى والمقصود بالحديث إخبارهم بأنه ﷺ إذا فُقد تغير الحال على أصحابه فيقع من الاختلاف والفتن والمحن ما يود أحدهم أن لو يراه بكل ما معه من أهل ومال، وعلى الجملة فساعة موته ﷺ اختلفت الآراء ونجمت الأهواء وكاد النظام أن ينحل لولا أن الله تداركه بأبي بكر ﵁ وبأهل الحل والعقد حتى قال بعض الصحابة: ما سوينا التراب على رسول الله ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا فكلما حصل واحد منهم في كربة من تلك الكرب ود أنه رأى رسول الله ﷺ بكل ما معه من أهل ومال ونُشب وذلك لتذكره ما فات من بركات مشاهدته ولما حصل بعده من فساد الأمر وتغير حالته والله سبحانه أعلم اهـ من المفهم.
[قلت]: والحديث صحيح المعنى بلا تقديم ولا تأخير كما ذكره القرطبي وكما قررناه في حلنا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣١٣]، والبخاري في المناقب باب علامات النبوة برقم [٣٥٨٩] من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة في ضمن حديث آخر.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث ثمانية: الأول: حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتبن، والثاني: حديث سعد بن أبي وقاص ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والثالث: حديث أنس ذكره للاستشهاد وذكر فيه خمس متابعات، والرابع: حديث أبي موسى الأشعري ذكره للاستشهاد، والخامس: حديث طلحة بن عبيد الله ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والسادس: حديث رافع بن خديج ذكره للاستشهاد، والسابع: حديث عائشة وأنس ذكره للاستشهاد، والثامن: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة والله سبحانه أعلم.
***
стр. 9841
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٥ - كتاب فضائل بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفضائل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين
٦٩٦ - (١٠) باب في فضائل عيسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام
٥٩٧٧ - (٢٣٤٣) (٩٨) حدثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى. أَخْبَرَنَا ابنُ وَهْبٍ. أخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَن أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرحمنِ أَخْبَرَهُ؛ أن أَبَا هُرَيرَةَ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "أنا أَوْلَى الناسِ بِابنِ مَريَمَ. الأَنبِيَاءُ أَوْلادُ عَلاتِ،
ــ
٢٥ - كتاب فضائل بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفضائل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين
٦٩٦ - (١٠) باب في فضائل عيسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام
٥٩٧٧ - (٢٣٤٣) (٩٨) (حدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأموي الأيلي (عن ابن شهاب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (أخبره) أي أخبر لابن شهاب (أن أبا هريرة) ﵁ (قال): وهذا السند من سداسياته (سمعت رسول الله ﷺ يقول: أنا أولى الناس) وأقربهم زمنًا (بـ) عيسى (ابن مريم) والمراد بالناس الأنبياء أي أنا أقرب الأنبياء بعيسى بن مريم زمنًا وأخصهم به لأنه بشر الناس برسالتي (الأنبياء أولاد علات) بقح العين وتشديد اللام، والكلام على التشبيه البليغ أي كأولاد ضرائر أبوهم واحد وأمهم مختلفة يعني أن أصل دينهم من التوحيد والعقائد واحد وشرائعهم مختلفة بحسب اختلاف الأعصار يعني اختلفت شرائعهم في الأحكام الفرعية. (وأولاد العلات) الأخوة من الأب وأمهاتهم شتى أي متعددة، أما الأخوة من الأبوين فيقال لهم أولاد الأعيان، وأما الأخوة من الأم فيقال
стр. 9842
وَلَيسَ بَيني وَبَينَهُ نَبِي"
ــ
لهم أولاد الأم، مأخوذ من العلل وهو الشرب بعد الشرب لأن من تزوج امرأة ثم تزوج أخرى فكأنه عل وشرب من الثانية بعدما شرب من الأولى ومنها سُميت الضرائر علات وأولادهن من زوج واحد بنو العلات، وفي الصحاح بنو العلات هم أولاد الرجل من نسوة شتى سُميت بذلك لأن الذي يتزوجها على أول كانت قبلها عل من هذه بعدما عل من الأولى والعلل الشرب الثاني والنهل الشرب الأول يقال: هذا علل بعد نهل وعله يعله إذا سقاه السقية الثانية، وقال غيره: سموا بذلك لأنهم أولاد ضرائر، والعلات الضرائر وشتى مختلفة، ومنه قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤] اهـ قال القاضي عياض: معنى هذا الحديث أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم وبعضهم بعيد الزمن من بعض فهم أولاد علات إذ لم يجمعهم زمان واحد كما لا يجمع أولاد العلات بطن واحد، وعيسى ﵇ لما كان قريب الزمان إلى رسول الله ﷺ ولم يكن بينهما نبي كانا كأنهما في زمان واحد بخلاف غيرهما.
وهذا أشبه ما قيل في هذا الحديث ويستفاد منه إبطال قول من قال إنه كان بعد عيسى أنبياء ورسل، فقال بعض الناس: إن الحواريين كانوا أنبياء وأنهم أرسلوا إلى الناس بعد عيسى وهو قول أكثر النصارى ولا يعارض هذا الحديث يعني قوله: (أنا أولى الناس بابن مريم) بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ لأن النبي ﷺ أولى الناس بإبراهيم وبعيسى كليهما، أما كونه أولى بإبراهيم ﵇ فمن جهة قوة الاقتداء به، وأما كونه أولى بعيسى ﵇ فمن جهة قرب عهده به (فإن قلت): إن عيسى ليس له أب فكيف يطلق عليه أولاد العلات. [قلت]: التنظير من جهة الأم فقط. (فإن قلت): لم خص التنظير باختلاف الأمهات والأنبياء أيضًا لآباء مختلفة [قلت]: خص التنظير باختلاف الأمهات لإدخال عيسى في صورة التنظير لأنه ليس له أب.
قوله: (وليس بيني وبينه نبي) بيان لوجه أولويته به أما قصة الرسل الثلاثة المذكورة في سورة يس فكانوا من أتباع عيسى ﵇ ورسله ولا يلزم أن يكونوا أنبياء، وقد وردت بعض الروايات بكون جرجيس وخالد بن سنان نبيين بعد عيسى ﵇ -
стр. 9843
٥٩٧٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكرِ بن أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عُمَرُ بن سَعْدٍ، عَن سُفيَانَ، عَن أَبِي الزنَادِ، عَنِ الأَعرَجِ، عَن أَبِي سَلَمَةَ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "أَنا أَولَى الناسِ بِعِيسَى، الأَنبِيَاءُ أَبْنَاءُ عَلاتٍ، وَلَيسَ بَيني وَبَينَ عِيسَى نَبِي"
ــ
والروايات في نبوة خالد بن سنان كثيرة بسطها الحافظ في الإصابة [١/ ٤٥٨] وأنه قال فيه نبينا ﷺ : "نبي ضيعه قومه" وأن ابنته وفدت على النبي ﷺ فأكرمها وأسلمت، ولكن معظم هذه الروايات لا يُوثق بها بإزاء حديث الباب الذي لا شك في صحته ولئن ثبت كون أحدهم نبيًّا فيمكن أن يكون المراد من حديث الباب أنه لم يات بين عيسى ﵇ وبين نبينا ﷺ نبي مستقل بشريعته كذا أوله الحافظ في الفتح [٦/ ٤٨٩] ولكن لا يخلوا عن بُعد (فإن قلت): كم المدة بين عيسى ﵇ وبين نبينا ﷺ . [قلت]: أنها ستمائة سنة، وذكر البخاري عن سلمان أن الفترة بينهما كانت ستمائة سنة اهـ من الأبي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣١٩]، والبخاري في الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [٣٤٤٢ و ٣٤٤٣]، وأبو داود في السنة باب التخيير بين الأنبياء ﵈ [٤٦٧٥].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٩٧٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو داود عمر بن سعد) بن عبيد الكوفي الحفري بفتح المهملة والفاء نسبة إلى الحفر موضع بالكوفة، ثقة، من (٩) روى عنه في (٤) أبواب (عن سفيان) الثوري (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة الأعرج لابن شهاب في الرواية عن أبي سلمة، وفيه رواية تابعي عن تابعي (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : أنا أولى الناس بعيسى، الأنبياء أبناء علات، وليس بيني وبين عيسى نبي).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
стр. 9844
٥٩٧٩ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا مُحَمدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبدُ الرَّزاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَن هَمَّام بْنِ مُنَبهٍ. قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَذَكَرَ أحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "أنا أَوْلَى الناسِ بِعِيسَى ابْنِ مَريَمَ. فِي الأولَى والآخِرَةِ" قَالُوا: كَيفَ يَا رَسُولَ الله؟ قَال: "الأَنبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِن عَلاتٍ، وَأُمهَاتُهُمْ شَتى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فَلَيسَ بَينَنَا نَبِي"
ــ
٥٩٧٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن رافع) القشيري (حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال) همام: (هذا ما حدَّثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر) أبو هريرة (أحاديث) كثيرة (منها) أي من تلك الأحاديث الكثيرة خبر مقدم لقوله: (وقال رسول الله ﷺ .. إلخ لأنه محكي، والتقدير ومنها قول أبي هريرة وقال رسول الله ﷺ . وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة همام لأبي سلمة (أنا أولى الناس) أي أقرب الأنبياء (بعيسى ابن مريم) ﵇ زمنًا (في الأولى) أي في الدنيا لأنه لا نبي بيني وبينه (و) في (الآخرة) لأنه لا واسطة بيني وبينه في طلب أهل الموقف الشفاعة لأنهم بعدما مروا على عيسى جاؤوا إلي بدلالة عيسى إياهم إلي (قالوا) أي قال الحاضرون عند رسول الله ﷺ عندما قال هذا الحديث كيف) تكون أولى الناس بعيسى (يا رسول الله قال) رسول الله ﷺ : (الأنبياء إخوة من علات) أي أولاد من ضرائر كانوا لرجل واحد (وأمهاتهم شتى) أي مختلفة يعني شرائعهم الفروعية مختلفة (ودينهم) أي وأصل دينهم وهو التوحيد (واحد فليس بيننا) أي بيني وبين عيسى (نبي) في الدنيا والآخرة، وقد مر آنفًا كلام القاضي عياض في تفسير هذا الحديث من أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم وبعضهم بعيد الوقت من بعض .. إلخ، قال القرطبي: قوله: (ودينهم واحد) أي توحيدهم وأصول أديانهم وطاعتهم لله تعالى واتباعهم لشرائعه والقيام بالحق كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] ولم يرد فروع الشرائع فإنهم مختلفون فيها كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة هذا الحديث بحديث آخر له ﵁ فقال:
стр. 9845
٦٠٨٦ - (١٤٦) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بن أبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبدُ الأَعلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزهرِي، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أن رَسُولَ الله ﷺ قَال: "مَا مِنْ مَوْلُودِ يُولَدُ إِلا نَخَسَهُ الشيطَانُ. فَيَسْتَهِل صَارِخا مِن نَخْسَةِ الشيطَانِ. إِلا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمهُ"، ثُم قَال أَبُو هُرَيرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]
ــ
٥٩٨٠ - (٢٣٤٤) (٩٩) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي بالمهملة البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١١) بابا (عن معمر) بن راشد البصري (عن الزهري عن سعيد) بن المسيب المخزومي المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته (أن رسول الله ﷺ قال: ما من) من زائدة بعد ما فأبطلت عملها أي ليس (مولود يولد) من بني آدم (إلا نخسه الشيطان) أي طعنه في خاصرته عند خروجه من بطن أمه (فيستهل) أي يبكي ذلك المولود حالة كونه (صارخًا) أي رافعًا صوته بالبكاء (من نخسة الشيطان) وطعنته (إلا) عيسى (بن مريم وأمه) أي أم عيسى وهي مريم بنت عمران وهذه فضيلة ظاهرة لعيسى وأمه. وظاهر الحديث اختصاصها بعيسى وأمه، واختار القاضي عياض: أن جميع الأنبياء يتشاركون فيه اهـ نووي. وأصل النخس غمز الدابة بعود أو نحوه، وفي رواية الأعرج عند البخاري في بدء الخلق "كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب" أي في المشيمة التي فيها الولد، قال القرطبي: وكان النخس من الشيطان إشعار منه بالتمكن والتسليط وحفظ الله تعالى لمريم وابنها من نخسته تلك التي هي ابتداء التسليط ببركة إجابة دعوة أمها حين قالت: ﴿وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] فاستجاب الله تعالى لها لما حضرها في ذلك الوقت من صدق الالتجاء إلى الله تعالى وصحة التوكل، وأمها هي امرأة عمران واسمها حنة بنت فاقود وكانت لما حملت نذرت وأوجبت على نفسها أن تجعل ما تلده منزهًا منقطعًا للعبادة لا يشغل لشيء مما في الوجود على شريعتهم في الرهبانية وملازمتهم الكنائس وانقطاعهم فيها إلى الله تعالى بالكلية ولذلك لما ولدتها أنثى قالت: ﴿وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] اهـ من المفهم.
قال سعيد بن المسيب: (ثم) بعدما ذكره أولًا (قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم) شاهد ما حدثته لكم قوله تعالى: (﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾)
стр. 9846
٥٩٨١ - (٠٠) (٠٠) وحَدثَنِيهِ مُحَمدُ بن رَافِع. حَدَّثَنَا عَبدُ الرَّزاقِ. أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وحَدَّثَنِي عَبدُ الله بْنُ عَبْدِ الرحْمَن الدَّارِمي. حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ. أَخبَرَنَا شُعَيبٌ. جَمِيعًا عَنِ الزهرِي بِهَذا الإِسْنَادِ. وَقَالا: "يَمَسهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِل صَارِخًا مِن مَسَّةِ الشيطانِ إِياهُ"، وَفِي حَدِيثِ شُعَيب: "مِنْ مَس الشيطَانِ".
٥٩٨٢ - (٠٠) (٠٠) حدثني أَبُو الطاهِرِ، أَخبَرَنَا ابنُ وَهْب. حدّثني عَمْرُو بن الْحَارِثِ؛ أن
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٣٣]، والبخاري في مواضع منها في تفسير سورة آل عمران باب ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [٤٥٤٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ هذا فقال:
٥٩٨١ - (٠٠) (٠٠) وحدثنيه محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر (ح) وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن بهرام (الدارمي) السمرقندي، ثقة متقن، من (١١) روى عنه في (١٤) بابا (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع القضاعي الحمصي مشهور بكنيته، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة دينار الأموي الحمصي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٥) أبواب (جميعًا) أي كل من معمر وشعيب رويا (عن الزهري بهذا الإسناد) يعني عن سعيد عن أبي هريرة، غرضه بيان متابعة شعيب لمعمر (و) لكن (قالا): أي قال شعيب ومعمر في هذه الرواية ما من مولود إلا (يمسه) الشيطان (حين يولد فيستهل صارخًا) والمس هنا بمعنى النخس في الرواية الأولى أي إلا يطعنه فيرفع صوته باكيًا (من مسة الشيطان) وطعنه (إياه) أي ذلك المولود (وفي حديث شعيب) وروايته لفظة (من مس الشيطان) وطعنه بدل قول معمر من مسة الشيطان.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في هذا الحديث فقال:
٥٩٨٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو الأموي المصري (أخبرنا) عبد الله (بن وهب حدثني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري المصري) (أن
стр. 9847
أبَا يُونسَ سُلَيمًا، مَولَي أَبِي هُرَيرَةَ، حَدثَهُ عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن رَسُولِ الله ﷺ ؟ أَنهُ قَال: كُل بَنِي آدَمَ يَمَسهُ الشيطَانُ يَومَ وَلَدَتْهُ أُمه، إِلا مَريَمَ وَابْنَهَا".
٥٩٨٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا شَيبَانُ بن فَروخَ. أَخبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ،
ــ
أبا يونس سليمًا) بن جبير الدوسي مولاهم (مولى أبي هريرة) المصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (حدثه) أي حدث لعمرو بن الحارث (عن أبي هريرة) ﵁ (عن رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سليم بن جبير لسعيد بن المسيب (أنه قال كل بني آم يمسه الشيطان) أي يطعنه في جنبه (يوم ولدته أمه) أي حين وضعته أمه (إلا مريم وابنها) والعرب قد تطلق اليوم وتريد به الوقت والحين كما في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ [الأحقاف: ٣٥] أي حين يرون العذاب، وقوله هنا: (كل بني آدم) وفي الحديث السابق (كل مولود وما من مولود) ظاهر قوي في العموم والاحاطة لأن لفظة كل تفيد الإحاطة والشمول ولما استثنى منه مريم وابنها التحق بالنصوص فأفاد أن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وابنها وإن لم يكن كذا بطلت الخصوصية بهما ولا يُفهم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس وإغواؤه فإن ذلك ظن فاسد وكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء ومع ذلك يعصمهم الله مما يرومه الشيطان كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكل به قرينه من الشياطين كما قاله رسول الله ﷺ رواه أحمد [٢/ ٣١٩] وعلى هذا فمريم وابنها وإن عُصما من نخسه فلم يُعصما من ملازمته لهما ومقارنته، وقد خص الله تعالى نبينا محمدًا ﷺ بخاصية كمل بها عليه إنعامه بأن أعانه على شيطانه حتى صح إسلامه رواه أحمد [١/ ٣٨٥]، ومسلم [٤/ ٢٨] فلا يكون عنده شر ولا يأمره إلا بخير وهذه خاصية لم يؤتها أحد غيره لا عيسى ولا أمه اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة هذا ﵁ فقال:
٥٩٨٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي الأيلي (أخبرنا أبو عوانة)
стр. 9848
عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ، نَزْغة مِنَ الشيطَانِ".
٥٩٨٤ - (٢٣٤٥) (١٠٠) حدثني مُحَمدُ بن رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمامِ بْنِ مُنَبه. قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ . فَذَكَرَ أحَادِيثَ مِنهَا: وَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "رَأَى عِيسَى ابْنُ مَريَم رَجُلًا يَسْرِقُ. فَقَال لَهُ عِيسَى: سَرَقْتَ؟
ــ
الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي (عن سهيل) بن أبي صالح، صدوق، من (٦) (عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان المدني القيسي (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي صالح لسعيد بن المسيب (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : صياح المولود حين يقع) ويسقط على الأرض من بطن أمه (نزغة) أي طعنة ونخسة (من الشيطان) ومنه قولهم: نزغة بكلمة سوء أي رماه بها، قال القرطبي: الرواية المعروفة (نزغة) بالنون والزاي والغين المعجمة من النزغ وهو الوسوسة والإغواء بالفساد، وقيل في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيطَانُ بَينِي وَبَينَ إِخْوَتِي﴾ معناه أفسد، كأنه يريد هنا من فعلة فعلها الشيطان رام بها ضرر المولود، ووقع لبعض الرواة (فزعة) بالفاء والعين المهملة من الفزع اهـ من المفهم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له أيضًا ﵁ فقال:
٥٩٨٤ - (٢٣٤٥) (١٠٠) (حدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) بابا (حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال) همام: (هذا) الحديث الذي أمليه عليكم من صحيفتي (ما حدَّثنا) به (أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر) أبو هريرة (أحاديث) كثيرة (منها) أي من تلك الأحاديث قول أبي هريرة (وقال رسول الله ﷺ : وهذا السند من خماسياته (رأى عيسى بن مريم) ﵇ (رجلًا يسرق) لم أر من ذكر اسم هذا الرجل أي يأخذ مالًا خفية من حرز مثله (فقال له) أي للرجل (عيسى: سرقت) أي أسرقت مالًا للناس بتقدير همزة الاستفهام، وفي البخاري (أسرقت) قال القسطلاني: بهمزة الاستفهام ورد بأنه بعيد مع
стр. 9849
قَال: كَلا. وَالذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ. فَقَال عِيسَى: آمَنتُ بِاللهِ. وَكَذَبْتُ نَفْسِي".
٥٩٨٥ - (٢٣٤٦) (١٠١) حدْثنا أَبُو بَكرِ بن أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ
ــ
جزم النبي ﷺ بأن عيسى رأى رجلًا يسرق (قال) الرجل: (كلا) أي لا أي ما سرقت (والذي) أي أقسمت بالإله الذي (لا إله إلا هو) نفى السرقة عن نفسه ثم أكده باليمين، قال القرطبي: ظاهر قول عيسى لهذا الرجل سرقت أنه خبر عما فعل الرجل من السرقة وكأنه حقق السرقة لأنه رآه قد أخذ مالًا لغيره من حرزه في خفية، ويحتمل أن يكون مستفهمًا له عن تحقيق ذلك فحذف همزة الاستفهام وحذفها قليل اهـ (فقال عيسى: آمنت بالله) أي صدقت من حلف بالله (وكذبت نفسي) أي ما ظهر لي من كون الأخذ المذكور سرقة فإنه يحتمل أن يكون الرجل أخذ ماله فيه حق أو ما أذن له صاحبه في أخذه اهـ عيني، ويحتمل أن يكون أخذه ليقلبه فينظر إليه ولم يقصد الغصب والاستيلاء. ويستفاد من هذا الحديث درء الحد بالشبهة اهـ ط، أو ظن عيسى أنه أخذ حين رآه مد يده فلما حلف له أسقط ظنه، قال الأبي: السرقة أخذ المال خفية من حرز وعيسى ﵇ لم يقل ذلك حتى رآه فعل وحين رآه فعل غلب على ظنه الصادق أنه سارق فقال: سرقت، على وجه التفسير لا على إساءة الظن، وقوله: (آمنت بالله وكذبت نفسي) وفي رواية البخاري وكذبت عيني فالأليق أنه سرق حقيقة ولها غلب ﵇ مقام العلم بالله تعالى والتعظيم له قال: آمنت بالله وكذبت نفسي أي وتركت ظني ولا بُعد في أن يترك النبي ظنه، ويحتمل أن الرجل لم يسرق حقيقة وإنما أخذه لوجه من الوجوه التي ذكرت آنفًا ويكون في يمينه بارًا وترك عيسى ﵇ ظنه لتصديقه إياه اهـ من الأبي، وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان: والحق أن الله كان في قلبه أجل من أن يحلف به أحد كاذبًا فدار الأمر بين تهمة الحالف وتهمة بصره فرد التهمة إلى بصره.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣١٤]، والبخاري في الأنبياء باب (واذكر في الكتاب مريم) إلخ [٣٤٤٤]، والنسائي في القضاة باب كيف يستحلف الحاكم [٥٤٢٧]، وابن ماجه [٢١٠٢].
ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أنس بن مالك ﵁ فقال:
٥٩٨٥ - (٢٣٤٦) (١٠١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر)
стр. 9850
وَابْنُ فُضَيلٍ، عَنِ المختَارِ. ح وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السعدِي، (وَاللفظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. أَخبَرَنَا الْمُختارُ بْنُ فُلفُل، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَال: يَا خَيرَ البَرِيَّةِ. فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇"
ــ
القرشي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا (و) محمد (بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي، صدوق، من (٩) روى عنه في (٢٠) بابا، كلاهما رويا (عن المختار) بن فلفل الكوفي مولى عمرو بن حرث، صدوق، من (٥) روى عنه في (٤) أبواب (ح وحدثني علي بن حجر) بن إياس (السعدي) المروزي، ثقة، من صغار (٩) روى عنه في (١١) (واللفظ له حدثنا علي بن مسهر أخبرنا المختار بن فلفل عن أنس بن مالك) ﵁. وهذان السندان من رباعياته (قال) أنس: (جاء رجل) لم أر أحدًا من الشراح عين اسم الرجل (إلى رسول الله ﷺ فقال) الرجل لرسول الله ﷺ في ندائه: (يا خير البرية) وأفضل الخليقة (فقال رسول الله ﷺ للرجل: (ذاك) الذي وصفته بخير البرية هو (إبراهيم ﵇) قال العلماء: إنما قال النبي ﷺ هذا الكلام تواضعًا واحترامًا لإبراهيم ﵇ لخلته وأبوته، وإلا فنبينا ﵇ أفضل منه اهـ نووي، والبرية: الخلق وتهمز ولا تهمز وقد قرئ بهما، واختُلف في اشتقاقها فقيل: هي مأخوذ من البراء وهي التراب فعلى هذا لا يهمز وقيل: هي مأخوذة من برأ الله الخلق بالهمز أي خلقهم وعلى هذا فيهمز، وقد يكون من هذا وتسهل همزتها كما سهلوا همزة خابية وهي من خبات مهموزًا، والبرية على الوجهين فعيلة بمعنى مفعولة. وقد عارض هذا الحديث قوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم" أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وما علم من غير ما موضع من الكتاب والسنة وأقوال السلف والأمة أنه أفضل ولد آدم. وقد أجيب عن هذا الاعتراض بوجهين؛ أحدهما: أن ذلك من النبي ﷺ على جهة التواضع وترك التطاول على الأنبياء كما قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأنا أكرم ولد آدم على ربي يوم القيامة ولا فخر" رواه الترمذي [٣٦٢٠] وإسناده ضعيف، وخصوصًا على إبراهيم الذي هو أعظم آبائه وأشرفهم. وثانيهما: أنه ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم بمنزلته عند الله تعالى ثم إنه أعلم بأنه أكرم وأفضل فأخبر به كما أمر ألا ترى أنه
стр. 9851
٥٩٨٦ - (٠٠) (٠٠) وحدثناه أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا ابنُ إِدرِيس. قَال: سَمِعتُ مُخْتَارَ بْنَ فُلْفُلٍ، مَوْلَي عَمْرِو بْنِ حُرَيثٍ قَال: سَمِعتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَال رَجُل. يَا رَسُولَ الله! بِمِثلِهِ.
٥٩٨٧ - (٠٠) (٠٠) وحدثني مُحَمدُ بن المُثَنى. حَدَّثَنَا عَبدُ الرحمنِ، عَن سُفْيَانَ، عَنِ المختَارِ. قَال: سَمِعتُ أنسًا، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، بِمِثلِهِ
ــ
كان في أول أمره يسأل أن يبلغ درجة إبراهيم من الصلاة عليه والرحمة والبركة والخلة ثم بعد ذلك أخبرنا أن الله تعالى قد أوصله إلى ذلك لما قال: "إن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلا" رواه مسلم [٥٣٢] ثم بعد ذلك زاده الله من فضله فشرفه وكرمه وفضله على جميع خلقه اهـ من المفهم. وتأخير فضائله عن فضائل عيسى ﵇ يحتمل أنه من مسلم إشارة على ما ذكر زمنه إلى زمن ﷺ اهـ أبي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٧٨]، وأبو داود [٤٦٧٢] , والترمذي [٣٣٤٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٥٩٨٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثناه أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني (حدثنا) عبد الله (بن إدريس) بن يزيد الأودي الكوفي، ثقة ثقة، من (٨) (قال: سمعت مختار بن فلفل مولى عمرو بن حريث) الكوفي (قال) المختار: (سمعت أنسًا يقول قال رجل: يا رسول الله) أنت خير البرية. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة عبد الله بن إدريس لعلي بن مسهر، وساق عبد الله بن إدريس (بمثله) أي بمثل حديث علي بن مسهر. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٥٩٨٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان الأزدي البصري، ثقة، من (٩) (عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة حجة، من (٧) (عن المختار) بن فلفل الكوفي (قال) المختار: (سمعت أنسًا عن النبي ﷺ يقول: إبراهيم خير البرية. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سفيان الثوري لعلي بن مسهر، وساق سفيان (بمثله) أي بمثل حديث علي بن مسهر.
стр. 9852
٥٩٨٨ - (٢٣٤٧) (١٠٢) حدَّثنا قُتَيبَةُ بن سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا المغِيرَةُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرحْمَنِ الْحِزَامي)، عَنْ أَبِي الزنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ، النبِي ﵇، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَة، بِالْقَدُومِ"
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
٥٩٨٨ - (٢٣٤٧) (١٠٢) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا المغيرة يعني ابن عبد الرحمن) بن عبد الله بن خالد بن حزام القرشي الأسدي (الحزامي) نسبة إلى جده المذكور المدني، ثقة، من (٧) روى عنه في (٦) أبواب (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي المدني (عن) عبد الرحمن بن هرمز (الأعرج) الهاشمي المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : اختتن إبراهيم النبي) الخليل (﵇) أي قطع قلفة ذكره حين أمر بالختان (وهو) أي والحال أن إبراهيم (ابن ثمانين سنة بالقدوم) بالتخفيف أي بآلة تُسمى قدومًا وهي آلة ينجر بها النجارون الأخشاب أي ينحتونها بها عند جعلها بابا أو طاقة مثلًا كالفأس، والباء حينئذٍ للاستعانة، ويروي بتشديد الدال أي اختتن بموضع يُسمى قدومًا وهو معروف بالشام، والباء حينئذِ بمعنى في الظرفية، ومنهم من قال بالسراة وهو أول من اختتن، قال النووي: رواه مسلم متفقون على تخفيف القدوم، ووقع في روايات البخاري الخلاف في تخفيفه وتشديده قالوا: وآلة النجار يقال: قدوم بالتخفيف لا غير، وأما القدوم مكان بالشام ففيه التخفيف والتشديد ومن رواه بالتشديد أراد القرية، ورواية التخفيف تحتمل القرية والآلة والأكثرون على التخفيف وعلى إرادة الآلة اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٢٢]، والبخاري في الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [٣٣٥٦] وفي الاستئذان باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط [٦٢٩٨].
قوله: (اختتن إبراهيم) قال القاضي عياض: من ها هنا شرع الختان في العرب من ولد إسماعيل، وفي اليهود من ولد إسحاق بن إبراهيم. قوله: (وهو ابن ثمانين سنة) قال العياض: كذا في مسلم، وفي حديث رواه مالك والأوزاعي اختتن وهو ابن مائة
стр. 9853
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعشرين سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة إلا أن مالكًا ومن تبعه أوقفوه على أبي هريرة فثبت الحديث في الموطأ من رواية القعنبي وسقط من رواية غيره، وذكر بعضهم العكس أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة كما في مسلم وعاش بعد ذلك مائة وعشرين وعلى كلا التقديرين فعمره مائتا سنة اهـ وفي صحيح ابن حبان أنه ﵇ اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقد تكلف بعض العلماء في الجمع بين الروايتين وأطال في ذلك في الفتح [١١١/ ٨٨ و ٨٩] ولكن لا تخلو وجوه الجمع من التعسف، والأحسن ما ذهب إليه بعض العلماء من أن حديث الصحيحين المذكور هنا قاض على الرواية الأخرى فإنها لا تقاوم حديث الباب من جهة الإسناد، وقال ابن المهلب: ليس اختتان إبراهيم ﵇ بعد ثمانين مما يوجب علينا مثل فعله إذ عامة من يموت من الناس لا يبلغ الثمانين وإنما اختتن إبراهيم في الوقت الذي أوحى الله إليه بذلك وأمره به.
ومراد المهلب ﵀ أنه ليس من السنة تأخير الختان إلى هذا السن لأن إبراهيم ﵇ إنما فعل ذلك لأنه لم يؤمر به قبله، قال القرطبي: قد تقدم أن إبراهيم ﵇ أول من اختتن وأن ذلك لم تزل سنة عامة معمولًا بها في ذريته وأهل الأديان المنتمين إلى دينه وهو حكم التوراة علي بني إسرائيل كلهم ولم تزل أنبياء بني إسرائيل يختتنون حتى عيسى ﵇ غير أن طوائف من النصارى تأولوا ما جاء في التوراة من ذلك بان المقصود زوال غلفة القلب لا جلدة الذكر فتركوا المشروع من الختان بضرب من الهذيان وليس هذا بِأولِ جهالاتهم فكم لهم منها وكم ويكفيك في ذلك أنهم زادوا على أنبياءهم في الفَهْمِ وغلطوهم فيما عملوا عليه وقضوا به من الحُكْمِ اهـ من المفهم.
وأما الوقت المستحب للختان فهو السابع من يوم الولادة إلى ثنتي عشرة سنة وقد ختن رسول الله ﷺ الحسن والحسين ﵄ اليوم السابع من ولادتهما رواه الحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وقال مكحول: إن إبراهيم ﵇ ختن ابنه إسحاق لسبعة أيام وختن ابنه إسماعيل لثلاث عشر سنة ذكره العيني في عمدة القاري [١/ ٥١٤].
ودل حديث الباب على مشروعية الختان حتى لو أخر لمانع إلى أن كبر الرجل لم تسقط مشروعيته إلا أن يكون هناك عذر طبيعي أو شرعي فالشيخ الضعيف إذا أسلم ولا يطيق الختان إن قال أهل الخبرة لا يطيق يترك لأن ترك الواجب بالعذر جائز فترك السنة
стр. 9854
٥٩٨٩ - (٢٣٤٨) (١٠٣) وحدثني حَرمَلَةُ بن يَحيَى أَخبَرَنَا ابنُ وَهبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرحمن وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ الله ﷺ قَال: نَحنُ أَحَق بِالشك مِنْ إِبْرَاهِيمَ
ــ
أولى، وقيل في ختان الكبير إذا أمكن أن يختن نفسه فعل وإلا لم يفعل إلا أن يمكنه أن يتزوج أو يشتري ختانة فتختنه، وذكرالكرخي في الجامع الصغير ويختنه الحمامي اهـ وفي عصرنا هذا يختنه دكتور المستشفى كسائر العمليات.
قوله: (بالقدوم) وقد ذكرنا الخلاف في معناه آنفًا ورجح الحافظ في الفتح [٦/ ٣٩٠] أن المراد بالقدوم في الحديث هو الآلة لا الموضع واستدل عليه بما أخرجه أبو يعلى من طريق علي بن رباح قال: أمر إبراهيم بالختان فاختتن بقدوم فاشتد عليه فاوحى الله إليه إن عجلت قبل أن نأمرك بآلته فقال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك، ويؤيده أيضًا ما أخرجه أبو العباس السراج عن عبيد الله بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة رفعه "اختتن إبراهيم بالقدوم"، فقلت ليحيى: ما القدوم؟ قال: الفأس. ذكره الحافظ في الاستئذان [١١/ ٩٠].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أنس بحديث آخر لأبي هريرة ﵄ فقال:
٥٩٨٩ - (٢٣٤٨) (١٠٣) (وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب) كلاهما (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته (أن رسول الله ﷺ قال: نحن) معاشر الأنبياء (أحق) وأولى وأحرى (بالشك) أي بتطرق الشك في الإيمان لو فُرض وقُدر في إيمان الانبياء (من إبراهيم) الخليل ﷺ ولكن لا يتطرق الشك والتردد في إيمان سائر الانبياء ﵈ فضلًا عن إبراهيم الذي هو خليل الرحمن فليس سؤاله إراءة الآية للشك في قدرة الله تعالى على الإحياء بل طلبًا لطمأنينة القلب وزيادة الإيمان، والمعنى أن الشك مستحيل في حق إبراهيم فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقًا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق من إبراهيم وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أن إبراهيم ﵇ لم يشك وإنما
стр. 9855
إِذْ قَال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ويرْحَمُ الله لُوطًا، لَقَد كَانَ يَأوي إلى رُكنٍ شَدِيدٍ. وَلَو لَبِثتُ فِي السجنِ طُولَ لَبثِ يُوسُفَ لأجَبْتُ الداعِيَ
ــ
خص إبراهيم بالذكر من بين الأنبياء لكون الآية قد يسبق منها إلى بعض الأذهان الفاسدة احتمال شك إبراهيم ﵇ وإنما رجح إبراهيم على نفسه تواضعًا وأدبًا أو قبل أن يعلم ﷺ أنه خير ولد آدم اهـ من الكوكب الوهاج [٣/ ٣٦٢] والظرف في قوله: (إذ قال) إبراهيم متعلق بمحذوف حال من الشك تقديره نحن أحق بالشك من إبراهيم حال كون الشك مظنونًا منه وقت قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي حالة كون الشك مظنونًا منه وقت طلبه من ربه إراءة كيفية إحياء الموتى حين قال رب أرني .. إلخ سأله عن إراءة كيفية إحياء الموتى مع إيمانه الجازم بالقدرة الربانية فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان، فعاتبه الله على ذلك حيث (﴿قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾) أي أتسألني عن ذلك ولم توقن ولم تصدق بقدرتي على الإحياء، والهمزة فيه للاستفهام الاستثباتي كقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا
﴿قَال﴾ إبراهيم: ﴿بَلَى﴾ يا رب آمنت وصدقت أنك قادر على الإحياء وليس سؤالي لعدم إيماني بذلك ﴿وَلَكِنْ﴾ سألتك عن ذلك (﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾) أي ليوقن قلبي ويزداد طمأنينة وبصيرة بمضامة العيان إلى الاستدلال وقصة إبراهيم هذه هي موضع الترجمة وذكر ما بعدها لإتمام الحديث، وقوله: (ويرحم الله لوطًا) معطوف على قوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم أي وقال رسول الله ﷺ : يرحم الله لوطأ أي يكرم الله سبحانه لوطًا برحمته وإحسانه والله (لقد كان) لوط (يأوي) ويلتجئ من إذاية قومه (إلى ركن) وملجأ (شديد) أي قوي وحصن حصين مانع حافظ من إذاية العدو فالمراد بالركن الشديد هو الله تعالى حين خاف منهم على أضيافه، وقال رسول الله ﷺ في شك يوسف بن يعقوب (ولو لبثت) ومكثت (في السجن) والمحبس (طول لبث يوسف) ﵇ أي لبثًا طويلًا كاللبث الطويل الذي لبثه يوسف (لأجبت الداعي) إلى الخروج، وما تأنيت قال ذلك تواضعًا، وقد مر بسط الكلام على هذا الحديث في كتاب الإيمان فراجعه ثم.
стр. 9856
٥٩٩٠ - (٠٠) (٠٠) وحدثناه إِن شَاءَ الله، عَبدُ الله بن مُحَمدِ بنِ أَسماءَ. حَدَّثَنَا جُوَيرِيَةُ، عَن مَالِكٍ، عَنِ الزهْرِي؛ أَن سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيدٍ أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيث يُونُسَ عَنِ الزهرِي
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في كتاب التفسير وابن ماجه في الفتن.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٩٩٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه إن شاء الله) تعالى (عبد الله بن محمد بن أسماء) بن عبيد بن مخراق (الضبعي) بضم المعجمة وفتح الموحدة نسبة إلى بني ضبيعة أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب، وجملة قوله: (إن شاء الله) تعالى معترضة بين الفعل والفاعل، ولعل المؤلف طرأ عليه شيء من الشك في سماع هذا الحديث من عبد الله بن محمد، ولذلك قال: إن شاء الله والمراد أني أنسب هذا الحديث إلى عبد الله بن محمد بن أسماء بغالب ظني، وقيل: جاء بها للتبرك لا للشك وقد اعترض بها على مسلم من لا علم عنده ولا خبرة لديه فقال: يحتج مسلم بشيء يشك فيه وهذا الاعتراض خيال باطل من قائله فإن مسلمًا رحمه الله تعالى لم يحتج بهذا الإسناد وإنما ذكره متابعة للسند الأول، وقد قدمنا أنه يحتمل عندهم في المتابعات والشواهد ما لا يحتمل في الأصول والله أعلم اهـ نووي في كتاب الإيمان (حدثنا) عمي (جويرية) بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري، صدوق، من (٧) روى عنه في (٩) أبواب (عن مالك) بن أنس الأصبحي المدني (عن الزهري أن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من (٢) روى عنه في (١٧) بابا (وأبا عبيد) مصغرًا سعد بن عبيد مولى عبد الرحمن بن أزهر المدني، ثقة، من (٢) روى عنه في (٤) أبواب (أخبراه) أي أخبر الزهري (عن أبي هريرة) ﵁ (عن رسول الله ﷺ وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة مالك ليونس، وفائدتها تقوية السند الأول، وساق مالك (بمعنى حديث يونس عن الزهري).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
стр. 9857
٥٩٩١ - (٠٠) (٠٠) وحدثني زُهَيرُ بن حَرْب. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: "يَغْفِرُ الله لِلُوطٍ إِنهُ أَوَى إِلَي رُكنٍ شَدِيدٍ".
٥٩٩٢ - (٢٣٤٩) (١٠٤) وحدثني أَبُو الطاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيوبَ السخْتِيَانِي، عَنْ مُحَمدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ الله ﷺ
ــ
٥٩٩١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب حدثنا شبابة) بن سوار الفزاري أبو عمرو المدائني، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا ورقاء) بن عمر بن كليب اليشكري أبو بشر الكوفي، نزيل المدائن، صدوق، من (٧) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة الأعرج لأبي سلمة وسعيد بن المسيب (عن النبي ﷺ قال: يغفر الله للوط إنه أوى) والتجأ (إلى ركن شديد) يقال إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه لأنهم من سدوم وهي من الشام وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق فقال: لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة لكنت استنصر بهم وسمى العشيرة ركنا لأن الركن الشديد يستند إليه ويمتنع به فشبههم بالركن من الجبل لشدتهم ومنعتهم وكأنه ﷺ استغرب منه ذلك القول وعذه نادرًا منه إذ لا ركن أشد من الركن الذي يأوي إليه وهو الثقة بالله فلما كان ظاهر كلامه يدل على اعتماده بالأسباب الظاهرة استغفر له وقد مر هذا الحديث في كتاب الإيمان بأبسط شرح.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أنس بحديث آخر لأبي هريرة ﵁ فقال:
٥٩٩٢ - (٢٣٤٩) (١٠٤) (وحدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو المصري (أخبرنا عبد الله بن وهب) المصري (أخبرني جرير بن حازم) بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو النضر البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٩) بابا (عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان (السختياني) العنزي البصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٧) بابا (عن محمد بن سيرين) الأنصاري مولاهم أبي بكر البصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٦) بابا (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 9858
قَال: "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النبِيُّ، ﵇، قَطُّ، إِلا ثَلاثَ كَذَبَاتٍ. ثِنْتَينِ فِي ذَاتِ الله. قَوْلُهُ: ﴿فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾
ــ
قال: لم يكذب إبراهيم النبي) الخليل (﵇ قط) أي في زمن من الأزمنة الماضية في عمره أي لم يجر على لسانه ما هو الكذب عند المتكلم لأنه قصد التورية وإن كان على صورة الكذب عند المخاطب (إلا ثلاث كذبات) بفتح الذال وكسرها وجمع كذبة بسكونها وهي المرة من الكذب، قال أبو البقاء: الجيد أن يقال: بفتح الذال في الجمع، وقد أورد على هذا الحصر ما رواه مسلم من ذكر قول إبراهيم هذا ربي فأجيب عنه بأنه في حالة الطفولية وهي ليست زمان التكليف أو المقصود منه الاستفهام للتوبيخ والاحتجاج اهـ محمد الدهني (ثنتين منها في ذات الله) أي لأجل الله تعالى أو في أمر الله، قال الشارح: أي في أمر الله وما يختص به إذ لم يكن لإبراهيم نفسه فيه أرب لأنه قد قصد في الأول أن يتخلف عن القوم بهذا العذر فيفعل بالأصنام ما فعل وبالثانية إلزام الحجة عليهم بأنهم ضُلال سفهاء في عبادة ما لا ينفع ولا يضر اهـ مرقاة باختصار؛ فمعنى قوله: (ثنتين في ذات الله) يعني تكلم بهما على سبيل التورية لإثبات توحيد الله تعالى ووقع في حديث ابن عباس عند أحمد: والله إن جادل بهن إلا عن الله نقله العيني في العمدة [٧/ ٣٥٤] إحداهما: (قوله) أي قول إبراهيم لقومه حين طلبوا منه الخروج معهم إلى محافلة عيدهم معتذرًا إليهم (إني سقيم) أي مريض لا أستطيع الخروج معكم إلى العيد وكان ظاهر هذا الكلام أنه مبتلى بمرض لا يستطيع معه الخروج فعذروه ولكنه أراد بذلك شيئًا يسيرًا اعتراه من عدم اعتدال المزاج لا يمنع مثله من الخروج ولكن يصح عليه إطلاق اسم السقم، ويحتمل أن يكون قد أراد بالسقم حزن طبعه مجازًا وكان يحزن لما يرى من وقوعهم في الشرك وارتكابهم للمعاصي (و) ثانيهما (قوله بل فعله كبيرهم هذا) أي وقول إبراهيم بل فعل هذا القطع والكسر أي قطع الأصنام الصغار كبير الأصنام الذي أخذ الفأس الذي قطع به الصغار غيرة عليهم لطلبه الاستبداد بالعبادة، قال القرطبي: لما كسر الأصنام ترك الكبير لينسب إليه كسرها حين سألوه ليقطعهم بالحجة فإنهم لما رجعوا من عيدهم فوجدوا الأصنام مكسرة ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩)﴾ [الأنبياه / ٥٩] فقال بعضهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياه / ٦٠] وكان هذا الذكر هو قول إبراهيم لهم: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾
стр. 9859
[الأنبياء: ٦٣]. وَوَاحِدَةً فِي شَأنِ سَارَةَ. فَإِنهُ قَدِمَ أرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ
ــ
[الأنبياء / ٥٧] فلما أحضروا: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢)﴾ [الأنبياء / ٦٢] فأجابهم بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء / ٦٣] ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنبياه / ٦٤] أي رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجة المتفطن لحجة خصمه ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء / ٦٤] أي الذين فعلوا الظلم بعبادة من لا ينطق بلفظة ولا يملك لنفسه لحظة فكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس من لا يرد عن نفسه الفأس، والظلم وضع الشيء في غيره ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء / ٦٥] أي عادوا إلى جهلهم وعنادهم فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء / ٦٥] فقال قاطعًا لما يهذون ومفحمًا لهم فيما يتقولون: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [الأنبياء / ٦٦ - ٦٧] فقوله: (ثنتين في ذات الله) أي في دفع المشاركة عن ذات الله وإثبات الوحدانية والألوهية لله تعالى (وواحدة) بالنصب معطوفة على ثنتين أي وكذب كذبة واحدة من الثلاث (في شأن سارة) أي بتخفيف الراء في دفع الجبار عن سارة بنت هاران وهذه الواحدة هي من إبراهيم ﵇ مدافعة عن حكم الله تعالى الذي هو تحريم سارة على الجبار والثنتان المتقدمتان دفاع وحدانية الله تعالى فافترقتا فلذلك فرق في الإخبار بين النوعين اهـ من المفهم (فإنه) أي فإن إبراهيم (قدم أرض جبار) من الجبابرة أي أرض ملك جبار ظالم، وذكر السهلي أن اسمه عمرو بن امرؤ القيس بن سبأ وأنه كان على مصر وهو قول ابن هشام في التيجان، وقال ابن قتيبة: اسمه صادف بالفاء وكان على الأردن، وحكى الطبري أنه سنان بن علوان بن عبيد بن عريج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح ﵇ ويقال: إنه أخو الضحاك الذي ملك الأقاليم كذا في فتح الباري [٦/ ٣٩٢] وقال العيني في العمدة: [٧/ ٣٥٤] قال علماء السير: أقام إبراهيم بالشام مدة بعد هجرته من العراق فقحط الشام فسار إلى مصر ومعه سارة وكان بها فرعون وهو أول الفراعنة عاش دهرًا طويلًا فأتى إليه رجل وقال له إنه قدم رجل ومعه امرأة من أحسن الناس وجرى له معه ما ذكره في الحديث اهـ (ومعه) أي مع إبراهيم زوجته (سارة) بتخفيف الراء أم إسحاق بن إبراهيم، قال الحافظ: واختُلف في والد سارة مع القول بأن اسمه هاران، فقيل: هو ملك حران وإن إبراهيم تزوجها لما هاجر من بلاد قومه وهي العراق إلى حران، وقيل: هي ابنة أخيه وكان ذلك جائزا في تلك الشريعة حكاه ابن قتيبة والنقاش
стр. 9860
وَكَانَتْ أَحْسَنَ الناسِ. فَقَال لَهَا: إِن هَذا الجبارَ، إِن يَعلَم أَنكِ امرَأَتِي، يَغلِبْنِي عَلَيكِ. فَإِنْ سَأَلَكِ فَأخْبِرِيهِ أَنكِ أُخْتِي. فَإِنكِ أُخْتِي فِي الإِسْلام. فَإِني لَا أَعلَمُ فِي الأرضِ مُسْلِمًا غَيرِي وَغَيرَكِ. فَلَما دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الجبارِ. أَتَاهُ فَقَال لَهُ:
ــ
واستبعد، وقيل: هي بنت عمه وتوافق الاسمان، وقد قيل في اسم أبيها توابل (وكانت) سارة (أحسن الناس) وأجمل النساء (فقال) إبراهيم (لها) أي لسارة: (إن هذا) الملك (الجبار) الذي نزلنا أرضه (إن يعلم) ذلك الجبار (أنك امرأتي) وزوجتي (يغلبني عليك) أي على صحتك ويأخذك مني قيل إن ذلك الجبار كانت سيرته أنه لا يغلب الأخ على أخته ولا يظلمه فيها وكان يغلب الزوج على زوجته وعلى هذا يدل مساق الحديث وإلا فما الذي فرق بينهما في حق جبار ظالم اهـ من المفهم، وذكر المنذري في حاشية السنن عن بعض أهل الكتاب أنه كان من رأى الجبار المذكور أن من كانت متزوجة لا يقربها حتى يقتل زوجها فلذلك قال إبراهيم: "هي أختي" لأنه إن كان عادلًا خطبها ثم يرجو مدافعته عنها وإن كان ظالمًا خلص من القتل ذكره الحافظ في الفتح، وقال: هذا أخذ من كلام ابن الجوزي في مشكل الصحيحين فإنه نقله عن بعض علماء أهل الكتاب أنه سأله عن ذلك فأجابت به ويضاف إلى ذلك أن إبراهيم ﵇ إنما احتال لصيانة نفسه عن القتل لأنه كان يرجو إن بقي حيًّا وأراد الجبار بامرأته سوءًا فإنه يدعو الله تعالى ليصرف عنها ذلك السوء فتجتمع بذلك المصلحتان صيانة نفسه عن القتل وصيانة عرضة وعرض امرأته عن سوء نية الجبار فوقع الأمر حسب ما رجا به (فإن سألك) عما بيني وبينك من العلقة (فأخبريه أنك أختي) قال النووي: هذا ليس بكذب لوجهين الأول بأنه ورى بأنها أخته في الإسلام كما ذكر ومن سمى المسلمة أخته قاصدًا أخوة الإسلام فليس بكاذب. والثاني: أنه وإن كان كذبًا لا تورية فيه فهو جائز لأنهم اتفقوا لو جاء ظالم يطلب رجلًا مختفيًا ليقتله أو يطلب وديعة إنسان ليأخذها غصبًا لوجب إخفاؤه على من علم ذلك، والكذب فيه حينئذٍ واجب اهـ (فإنك أختي في الإسلام) والدين وإن لم تكن أختي في النسب (فإني لا أعلم في) هذه (الأرض) يعني أرض الجبار (مسلمًا غيري وغيرك فلما دخل) إبراهيم مع سارة (أرضه) أي أرض الجبار (رآها) أي رأى سارة مع إبراهيم (بعض أهل الجبار) وأصحابه فـ (أتاه) أي فأتى ذلك البعض الجبار (فقال) ذلك البعض: (له)
стр. 9861
لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لَا يَنْبَغِي لَهَا أَن تَكُونَ إِلا لَكَ. فَأرْسَلَ إليِها فَأُتِيَ بِهَا. فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَى الصلاةِ. فَلَما دَخَلَت عَلَيهِ لَمْ يَتَمَالكْ أنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيهَا. فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً. فَقَال لَهَا: ادْعِي اللهَ أن يُطلِقَ يَدِي وَلَا أَضُرُّكِ،
ــ
أي لذلك الجبار. وقوله: (فإنك أختي في الإسلام) هذا بيان وجه التورية في هذا الكلام وهو واضح جدًا وقد استدل به الفقهاء على أن قول الزوج لامرأته هذه أختي لا يقع به الظهار ولا الطلاق، وقوله: (لا أعلم في الأرض) .. إلخ يشكل عليه كون لوط ﵇ قد آمن معه ويمكن أن يجاب بأن مراده بالأرض الأرض التي وقع له فيها ما وقع ولم يكن معه لوط إذ ذاك كذا في الفتح، وقوله: (رآها بعض أهل الجبار) وفي كتاب التيجان أنه رجل كان إبراهيم يشتري منه القمح فنمّ عليه عند الملك وذكر أن من جملة ما قاله للملك إني رأيتها تطحن وهذا هو السبب في إعطاء الملك لها هاجر في آخر الأمر، وقال: إن هذه لا تصلح أن تخدم نفسها أي فقال ذلك البعض للجبار والله (لقد قدم أرضك) أي أرض ملكك ودخل فيها وذكر الفعل لحصول الفصل بينه وبين الفاعل (امرأة) جميلة (لا ينبغي لها) أي لا يليق بها (أن تكون) زوجة (إلا لك فأرسل) الجبار (إليها) أي إلى سارة من يأتي بها (فأتي) بالبناء للمجهول أي أتى الرسول (بها) أي بسارة إلى الجبار (فـ) لما أخذت سارة (قام إبراهيم ﵇ إلى الصلاة) يدعو الله فيها أن يخلصها من الجبار عملا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ ما كان ﷺ إذا حزبه أمر صلى، على ما رواه أحمد وأبو داود عن حذيفة اهـ مرقاة (فلما دخلت) سارة (عليه) أي على الجبار (لم يتمالك) الجبار (أن بسط) ومد (يده إليها) أي إلى سارة، وفي رواية الأعرج عند البخاري في البيوع (فأرسل بها إليه فقام إليها فقامت توضأ وتصلي فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط على الكافر فغط -أي اختنق- حتى ركض برجله -أي صار مصروع - (فقبضت يده) أي أخذت يد الجبار (قبضة شديدة) ويجمع بينه وبين رواية الأعرج بأنه وقع له الأمر أن قبضت يده وأصابه الصرع والاختناق (فقال لها): أي لسارة الجبار (ادعي الله) لي أيتها المرأة (أن يطلق ويرسل لي يدي) المقبوضة، وفي رواية الأعرج عند البخاري إن أبا هريرة قال: (قالت) سارة في دعائها له: "اللهم إن يمت يقال: قتلته فأرسل" (ولا أضرك) بشيء من الضرر، وقول الجبار لسارة حين قبضت يده عنها (ادعي الله لي) يدل
стр. 9862
فَفَعَلَتْ. فَعَادَ، فَقُبِضَت أَشَدَّ مِنَ القَبْضَةِ الأُولَي. فَقَال لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ فَعَاد، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبضَتَينِ الأُولَيَينِ. فَقَال: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، فَلَكِ اللهَ أَنْ لا أَضُرُّكِ، فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ. وَدَعَا الذي جَاءَ بِهَا فَقَال لَهُ: إِنكَ إِنمَا أتَيتَنِي بِشَيطَانٍ. وَلَمْ تَأتِنِي بِإِنْسَانٍ. فَأخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ
ــ
على أن هذا الجبار كان عنده معرفة بالله تعالى وبأن لله من عباده من إذا دعاه أجابه ومع ذلك فلم يكن مسلمًا لأن إبراهيم ﵇ قد قال لسارة ما أعلم على الأرض مسلما غيري وغيرك (ففعلت) سارة الدعاء له فأرسلت يده (فعاد) إليها ببسط يده إليها (فقبضت) يده قبضًا) (أشد من القبضة الأولى فقال لها) مرة ثانية، قوله: (مثل ذلك) أي مثل ما قال لها أولًا يعني قوله: (ادعي الله أن يطلق ولا أضرك) (ففعلت) الدعاء له (فعاد) إليها (فقبضت) يده قبضًا (أشد من القبضتين الأوليين فقال) لها في الثالثة: (ادعي الله أن يطلق يدي فلك) بـ (الله أن لا أضرك) بشيء، قال القرطبي: الرواية في لفظ الجلالة بالنصب لا يجوز غيره والكلام قسم ومقسم به ومقسم عليه، وفيه حذف يتبين بالتقدير وتقدير ذلك لك أقسم بالله على أن لا أضرك فحذف الخافض فتعدى الفعل فنصب ثم حذف فعل القسم وبقي المقسم به وهو لفظ الجلالة منصوبًا وكذلك المقسم عليه وهو أن لا أضرك يعني مفتوح همزة أن ويجوز في أضرك رفع الراء على أن تكون أن مخففة من الثقيلة ويجوز فيها النصب على أن تكون أن الناصبة للمضارع اهـ من المفهم (ففعلت) سارة الدعاء له وأُطلقت يده ودعا الرسول (الذي جاء بها) إليه (فقال له) أي للرسول: (إنك) اليوم (إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان) وهذا كلام يناقض قوله أولًا ادعي الله لي فيكون ذمه لها عنادًا بعد أن ظهر له كرامتها على الله أو إخفاء لحالها لئلا يتحدث بما ظهر عليها من الكرامة فتعظم في نفوس الناس وتتبع فلبس على السامع بقوله: إنما أتيتني بشيطان اهـ من المفهم، وقال الحافظ في الفتح: والمراد بالشيطان المتمرد من الجن وكانوا قبل الإسلام يعظمون أمر الجن جدًّا ويرون كل ما وقع من الخوارق من فعلهم وتصرفهم اهـ (فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر) بفتح الجيم أي وهب لها خادمًا اسمها هاجر، ووقع في بعض النسخ (آجر) بالهمزة الممدودة بدل الهاء وكذا وقع في رواية الأعرج عند البخاري في البيوع وهو اسم سرياني، ويقال: إن أباها كان من ملوك القبط وإنها من حفن بفتح الحاء وسكون الفاء قرية بمصر، قال اليعقوبي: كانت مدينة، وقال
стр. 9863
قَال: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَما رَآها إِبْرَاهِيمُ ﵇ انصَرَفَ. فَقَال لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالتْ: خَيرًا، كَف الله يَدَ الفَاجِرِ وَأخْدَمَ خَادِمًا.
قَال أَبُو هُرَيرَةَ: فَتِلكَ أَمكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السمَاءِ
ــ
الحافظ: وهي الآن كفر أي قرية من عمل أنصنا بالبر الشرقي من الصعيد في مقابلة الأشمونين وفيها آثار باقية (قال) رسول الله ﷺ : (فأقبلت) سارة إلى إبراهيم حالة كونها (تمشي) على عادتها (فلما رآها) أي رأى سارة (إبراهيم ﵇ انصرف) أي فرغ من الصلاة (فقال لها) إبراهيم ﵇: (مهيم) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء وسكون الميم الأخيرة أي ما شأنك وما خبرك مع الجبار، ويقال: إن إبراهيم الخليل أول من قال هذه الكلمة، ووقع في بعض روايات البخاري (مهيا) بالألف، وفي بعضها: (مهين) بالنون، والأول أفصح وأشهر ومعناها واحد، قال القرطبي: قال الخليل: هي كلمة لأهل اليمن خاصة معناها ما هذا، وفي الصحاح هي كلمة يستفهم بها معناها ما حالك وما شأنك ونحوه اهـ من المفهم. فـ (قالت) له سارة: فعل الله (خيرًا) قال الطبري: هو منصوب بفعل محذوف أي فعل الله خيرًا، ثم فسرت الخبر بقوله: كف الله) أي منع الله (يد الفاجر) وقبضها عني، وفي رواية للبخاري: (كبت الله يد الفاجر) أي قبضها الله وأمسكها عني (وأخدمـ) ـني الله (خادمًا) أي عصمها الله تعالى منه بما ظهر من كرامتها وأعطاها الله خادمًا وهي هاجر، وفيه جواز قبول هدية الكافر وقد تقدم القول فيها في كتاب الهبة (قال أبو هريرة) ﵁ بالسند السابق: (فتلك) الخادمة الموهوبة لسارة هي (أم) أبيـ (ـكم) إسماعيل ﵇ يا أيها العرب (يا بني ماء السماء) فتلك إشارة إلى هاجر، والخطاب للعرب فإن هاجر هي أم العرب وإنما سماهم بني ماء السماء لكثرة ملازمتهم للفلوات التي بها مواقع القطر لأجل رعي دوابهم، قاله الخطابي وقال غيره: سموا بذلك لخلوص نسبهم وصفائه وشبهه بماء السماء، وقيل: أراد بماء السماء زمزم لأن الله أنعمها لهاجر فعاش ولدها بها وصاروا كأنهم أولادها، قال ابن حبان في صحيحه: كل من كان من ولد إسماعيل يقال له: ماء السماء لأن إسماعيل ولد هاجر وقد ربى بماء زمزم وهي من ماء السماء، وقال القاضي عياض: والأظهر عندي أنه أراد بذلك الأنصار نسبهم إلى جدهم عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وكان يُعرف بماء السماء وهو مشهور والأنصار
стр. 9864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلهم بنحو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور وهذ على القول بأن العرب كلها من بني إسماعيل، وفيه بعض الخلاف بين علماء الأنساب اهـ من عمدة القاري [٧/ ٣٥٥] مع زيادة من المفهم للقرطبي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤]، والبخاري في مواضع كثيرة منها في البيوع باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه [٢٢١٧]، وأبو داود في الطلاق باب في الرجل يقول لامرأته: يا أختي [٢٢١٢] والترمذي في التفسير باب ومن سورة الأنبياء [٣١٦٦].
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث سبعة: الأول: حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات، والثالث: حديث أبي هريرة الثالث ذكره للاستشهاد، والرابع: حديث أنس بن مالك ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والخامس: حديث أبي هريرة الرابع ذكره للاستشهاد، والسادس: حديث أبي هريرة الخامس ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والسابع: حديث أبي هريرة السادس ذكره للاستشهاد والله أعلم.
***
стр. 9865
٦٩٧ - (١١) باب فضائل موسى، وفضائل يونس، وفضائل يوسف، وفضائل زكريا عليهم الصلاة والسلام
٦٠٩٨ - (١٥٥) حدثني مُحَمدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وكَانَ مُوسَى ﵇ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ. فَقَالُوا: وَاللهِ، مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغتَسِلَ مَعَنَا إِلا أَنهُ آدَرُ. قَال:
ــ
٦٩٧ - (١١) باب فضائل موسى، وفضائل يونس، وفضائل يوسف، وفضائل زكريا عليهم الصلاة والسلام
٩٩٣ - (٢٣٥٠) (١٠٥) (حدثني محمد بن رافع) القشيري (حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فدكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ قال الأبي معنى هذا الكلام أن المجلس اشتمل على ذكر أحاديث كل منها تام ومن جملتها هذا، وليس المعنى أنه ذكر حديثًا من ألفاظه وقال رسول الله ﷺ : اهـ. وهذا السند من خماسياته كانت بنو إسرائيل) قوم موسى ﵇ كانوا (يغتسلون) أبدانهم (عراة) جمع عار أي عارين من ستر العورة حتى السوأتين مجتمعين على الماء، حالة كونهم (ينظر بعضهم إلى سوأة بعض) أي إلى عورته، قال القاضي عياض: لم يكن ستر العورة واجبًا في شرعهم لأن موسى ﵇ لم ينكره عليهم وإنما كان يستتر هو حياءَ كما ذكروا أن الله تعالى أظهر ذلك منه لقوله حتى نظروا إليه اهـ، وقال النووي: إن كان التعري جائزًا في شرعهم فستر موسى ﵇ تنزه وكرم أخلاق وإن لم يكن من شرعهم فتعريهم تساهل كما يتساهل فيه عندنا كثير من الناس، قال الأبي: ويدل على أن التعري من شرعهم قولهم ما يمنعه أن يغتسل معنا اهـ من الأبي (وكان موسى ﵇ يغتسل وحده) تنزهًا عن الاختلاط ورعاية لمكارم الأخلاق (فقالوا) أي قال بنو إسرائيل بعضهم لبعض: (والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا) لأجل (أنه آدر) بهمزة ممدودة ثم دال مهملة مفتوحة ثم راء وهو عظيم الخصيتين منتفخ الأنثيين (قال) رسول الله صلى
стр. 9866
فَذَهَبَ مَرةَ يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَر الحجَرُ بِثَوبِهِ. قَالْ فَجَمَحَ مُوسَى بِأثَرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَت بَنُو إِسْرَائِيلَ
ــ
الله عليه وسلم: (فذهب) موسى ﵇ (مرة) أي يومًا أي قصد أن (يغتسل فوضع ثوبه على حجر) قرب الماء (ففر) أي شرد (الحجر بثوبه) إلى مجتمع بني إسرائيل (قال) رسول الله ﷺ : (فجمح موسى) أي ذهب (بأثره) أي بأثر الحجر أي خلفه ليأخذ منه ثوبه أي أسرع في مشيه خلف الحجر ليأخذ ثوبه منه إسراعًا بليغًا، قال القرطبي: والجموح من الخيل هو الذي يركب رأسه في إسراعه لا يرده لحام ولا يثنيه شيء وهو عيب فيها، وإنما أطلق على إسراع موسى خلف الحجر جماحًا لأنه اشتد خلفه اشتدادًا لا يثنيه شيء عن أخذ ثوبه وهو مع ذلك (يقول) وينادي بقوله: أعطني (ثوبي) يا (حجر) أعطني (ثوبي) يا (حجر) كرره استعظامًا لكشف عورته فسبقه الحجر إلى أن وصل إلى بني إسرائيل فنظروا إلى موسى وكذبهم الله في قولهم وقامت حجته عليهم اهـ من المفهم، قال القرطبي: ثوبي منصوب بفعل محذوف، وحجر منادى مفرد لأنه نكرة مقصودة كقوله: يا رجل إذا قصدت معينًا حُذف منه حرف النداء وتقدير الكلام أعطني ثوبي يا حجر أو اترك ثوبي يا حجر فحُذف الفعل لدلالة الحال عليه، وحُذف حرف النداء هنا استعجالًا للمنادى وقد جاء في كلام العرب حذف حرف النداء مع النكرة المقصودة كما قالوا: (اطرق كرا فإن النعامة في القرى) وقوله: (واقتد مخنوق) وهو قليل، وإنما نادى موسى ﵇ الحجر نداء من يعقل لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل.
وقد بسطنا الكلام على أمثال هذا في حاشيتنا رفع الحجاب على كشف النقاب مع إعرابها وفي وضع موسى ثوبه على الحجر ودخوله في الماء عريانًا دليل على جواز ذلك وهو مذهب الجمهور ومنعه ابن أبي ليلى واحتج بحديث لم يصح وهو قوله ﷺ : "لا تدخلوا الماء إلا بمئزر فإن للماء عامرًا" ذكره الزبيدي في الإتحاف [٢/ ٤٠١] وهو ضعيف ومخالف كما قال العراقي لما ذهب إليه الأئمة الأربعة وجمهور العلماء من السلف والخلف من جواز كشف العورة في الخلوة في حالة الاغتسال مع إمكان التستر.
حتى وصل الحجر إلى مجمع بني إسرائيل فوقف عندهم (حتى نظرت بنو إسرائيل
стр. 9867
إِلَي سَوْأَةِ مُوسَى. فَقَالُوا: وَاللهِ، مَا بِمُوسَى مِنْ بَأسٍ. فَقَامَ الْحَجَرُ بَعْدُ، حَتى نُظِرَ إِلَيهِ. قَال: فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَربًا.
قَال أبُو هُرَيرَةَ: وَاللهِ، إِنَّهُ بِالحجَرِ ندَبٌ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ. ضَربُ مُوسَى ﵇ بِالْحَجَرِ
ــ
إلى سوأة موسى) وعورته (فقالوا): أي قال بعضهم لبعض: (والله ما بموسى من بأس) أي من عيب (فقام الحجر) أي وقف (بعد) أي بعدما وصل إليهم (حتى نُظر) بالبناء للمجهول أي حتى نظروا (إليه) أي إلى موسى أي إلى سوأته (قال) رسول الله ﷺ : (فأخذ) موسى (ثوبه) من الحجر (فطفق) موسى بفتح الفاء وكسرها أي أخذ موسى يضرب (بالحجر ضربًا) وضرب موسى للحجر لعلمه أنه خُلقت فيه حياة، وفيه أن من فعل مثل هذا فهرب بشيء ثم رده أنه يؤدب إذا رده [قلت]: وإن كان ضرب أدب فشرطه مخالفته وهو كذلك هنا لأن فراره به من العداء (قال أبو هريرة) ﵁ بالسند السابق: (والله إنه) أي إن الشأن والحال، وضمير الشأن اسم إن، وقوله: (بالحجر) متعلق بقوله: (ندب) وهو خبر مقدم والندب بفتحتين أصله أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، وقوله: (ستة أو سبعة) صفة لندب (ضرب موسى ﵇) مبتدأ مؤخر (بالحجر) متعلق بضرب، والجملة من المبتدأ المؤخر والخبر المقدم في محل الرفع خبر إن، وجملة إن جواب القسم وجملة القسم مقول قال: وجملة القول مستأنفة استئنافًا نحويًّا ففي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير قال أبو هريرة: أقسم بالله إن الشأن والحال ضرب موسى بالحجر لندب ستة أو سبعة بالحجر اهـ من الفهم السقيم. قال الأبي: وفي هذه الجملة تقديم وتأخير، وفي نسخته (والله إن بالحجر ندبًا ستة أو سبعة ضرب موسى ﵇ بالحجر) وقال: والأصل ضرب موسى بالحجر ستة أو سبعة إنه بالحجر ندبًا فضرب موسى مبتدأ وبالحجر الخبر وإنه بالحجر إن واسمها وخبرها وندبًا حال وعلم أبي هريرة إن الأثر الذي بالحجر هو من ضرب موسى ﵇ يحتمل أنه سمعه ولا يقال فيه الحلف على الظن لأنه لم يتواتر أنه أثر العصا لأن ما سمعه الصحابي معلوم له وإنما هو ظني لمن بعده اهـ منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣١٥]، والبخاري [٢٧٨]، والترمذي [٣٢١٩].
стр. 9868
٦٠٩٩ - (١٥٦) وحدثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ. حَدَّثَنَا خَالِد الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ قَال: أَنْبَأنا أَبُو هُرَيرَةَ قَال: كَانَ مُوسَى ﵇ رَجُلا حَيِيًّا. قَال: فَكَانَ لَا يُرَى مُتَجَرِّدًا. قَال: فَقَال بَنُوُ إِسْرَائيلَ: إِنهُ آدَرُ. قَال: فَاغْتَسَلَ عِنْدَ مُوَتهِ. فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ. فَانْطَلَقَ الْحَجَرُ يَسْعَى
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٩٩٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن حبيب) ابن عربي (الحارثي) البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا يزيد بن زريع) التيمي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (حدثنا خالد) بن مهران (الحذاء) المجاشعي البصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٤) بابا (عن عبد الله بن شقيق) العقيلي مصغرًا البصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (٨) أبواب (قال) عبد الله: (أنبأنا أبو هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبد الله بن شقيق لهمام بن منبه (قال) أبو هريرة: (كان موسى) بن عمران (﵇ رجلًا حييًا) بفتح الحاء وكسر الياء الأول وتشديد الثانية أي كثير الحياء والحديث إنما يقوله أبو هريرة بالسماع من النبي ﷺ فهو مرفوع لأنه إنما ذكر هذا الطريق للمتابعة (قال) أبو هريرة: (فكان) موسى (لا يرى) لغيره (متجردًا) عن اللباس (قال) أبو هريرة: (فقال بنو إسرائيل) بعضهم لبعض (إنه) أي إن موسى (آدر) والأدرذ والأدرة بضم الهمزة وسكون الدال وهي عظم الخصيتين وانتفاخهما أي منتفخ الخصيتين (قال) أبو هريرة: (فاغتسل) موسى (عند مويه) أي عند ماء قليلة، قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا ومعظم غيرها (مويه) تصغير ماء لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها لأن أصل ماء مَوَه تحركت الواو وانفتح ما قبلها قُلبت ألفًا فصار ماءً ثم قُلبت الهمزة هاء لتطرفها فصار ماهًا ثم صُغر على مويه، قال القاضي عياض: وفي رواية العذري مويه تصغير ماء وهو تصحيف، والرواية الصحيحة (فاغتسل عند مشربة) والمشربة بفتح الميم والراء هنا الشربة وهي حفرة في أصل النخل يجتمع فيها الماء، والمشرب بكسر الميم الماء الذي يُشرب والمشربة أيضًا أرض لينة فيه بنت، وأما المشربة التي هي الغرفة فبفتح الراء وضمها (فوضع) موسى (ثوبه على حجر فانطلق الحجر) أي ذهب الحجر بثوبه حالة كون الحجر (يسعى) ويجري
стр. 9869
وَاتَّبَعَهُ بِعَصاهُ يَضْربُهُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتى وَقَفَ عَلَى مَلإٍ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]
ــ
(واتبعه) بتشديد التاء من الاتباع أي لحقه موسى (بعصاه) حالة كونه (يضربه) قائلًا (ثوبي حجر ثوبي حجر) وقوله: (حتى وقف) الحجر غاية لقوله يسعى (على ملأ) أي على جماعة (من بني إسرائيل ونزلت) في قصتهم آية (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩]) قال الأبي: الظاهر أن قضية الحجر هذه إنما كانت بعد النبوة لقوله: فضربه ولأن لقياه لبني إسرائيل إنما كان بعد النبوة اهـ.
[تتمة]: قوله: (كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة) .. إلخ، قال القرطبي: إنما كانت بنو إسرائيل تفعل ذلك معاندة للشرع ومخالفة لموسى ﵇ وهو من جملة عتوهم وقلة مبالاتهم باتباع شرع موسى ألا ترى أن موسى ﵇ كان يستتر عند الغسل فلو كانوا أهل توفيق وعقل اتبعوه ثم لم يكفهم مخالفتهم له حتى آذوه بما نسبوا إليه من آفة الأدرة فأظهر الله تعالى براءته مما قالوا بطريق خارق للعادة زيادة في أدلة صدق موسى ﵇ ومبالغة في قيام الحجة عليهم، وفي هذا الحديث ما يدل على أن الله تعالى كمل أنبياءه خلقًا ونزههم في أول خلقهم من المعايب والنقائص المنفرة عن الاقتداء بهم المبعدة عنهم ولذلك لم يسمع أنه كان في الأنبياء والرسل من خلقه الله تعالى أعمى ولا أعرج ولا أقطع ولا أبرص ولا أجذم ولا غير ذلك من العيوب والآفات التي تكون نقصًا ووصمًا يوجب لمن اتصف بها شينًا وذمًّا ومن تصفح أخبارهم وعلم أحوالهم علم ذلك على القطع، وقد ذكر القاضي رحمه الله تعالى في الشفاء من هذا جملة وافرة ولا يعترض عليها بعمى يعقوب وبابتلاء أيوب فإن ذلك كان طارئًا عليهم محبة لهم وليقتدي بهم من ابتلي ببلاء في حالهم وفي صبرهم وفي أن ذلك لم يقطعهم عن عبادة ربهم ثم إن الله تعالى أظهر كرامتهم ومعجزاتهم بأن أعاد يعقوب بصيرًا عند وصول قميص يوسف إليه وأزال عن أيوب جذامه وبلاءه عند اغتساله من العين التي أنبع الله تعالى له عند ركضه الأرض برجله فكان ذلك زيادة في معجزاتهم وتمكينًا في كمالهم ومنزلتهم اهـ من المفهم.
стр. 9870
٥٩٩٥ - (٢٣٥١) (١٠٦) وحدثني مُحَمدُ بن رَافِعٍ وَعَبدُ بْنُ حُمَيد. (قَال عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَال ابْنُ رَافِع: حَدَّثَنَا) عَبْدُ الرزاقِ. أَخبَرَنَا مَعمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن أبِي هُرَيرَةَ، قَال: أُرْسِلَ مَلَكُ الموْتِ إِلَىمُوسَى ﵇. فَلَما جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَقأ عَينَهُ،
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث آخر له ﵁ فقال:
٥٩٩٥ - (٢٣٥١) (١٠٦) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي، ثقة، من (١١) (قال عبد: أخبرنا وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن) عبد الله (بن طاوس) اليماني الحميري، ثقة، من (٦) روى عنه في (٣) أبواب (عن أبيه) طاوس بن كيسان الحميري مولاهم اليماني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أبو هريرة: (أرسل) بالبناء للمفعول (ملك الموت) الذي يسمونه عزرائيل (إلى موسى) بن عمران (﵇) لقبض روحه فقال له: أجب ربك (فلما جاءه) أي فلما جاء ملك الموت وأخبره سبب مجيئه (صكه) أي لطمه موسى، وقد وقع بهذا اللفظ في رواية همام الآتية (فلطم موسى عين ملك الموت) (ففقأ عينه) أي شدخ موسى عين ملك الموت أو رمى حدقتها عن محلها بلطمه، وذكر بعض العلماء أن موسى إنما لطمه لأنه جاء لقبض روحه من قبل أن يخبره لما ثبت أنه لم يقبض نبي حتى يُخبر فلهذا لما خيره في المرة الثانية أذعن، ولكن يشكل عليه أنه كيف أقدم ملك الموت على قبض نبي الله وأخل بالشرط مع أن الملائكة معصومين، والأحسن في تفسير هذه الواقعة ما ذكره ابن خزيمة رحمه الله تعالى قال: إن موسى لم يبعث الله إليه وهو يريد قبض روحه حينئذٍ وإنما بعثه اختبارًا وابتلاءً كما أمر الله تعالى خليله بذبح ولده ولم يرد إمضاء ذلك ولو أراد أن يقبض روح موسى ﵇ حين لطم الملك لكان ما أراد، وكانت اللطمة مباحة عند موسى إذ رأى آدميًا دخل عليه ولا يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح رسولنا ﷺ فقا عين الناظر في دار المسلم بغير إذنه، وحاصل هذا الجواب أن الملك جاءه في صورة رجل أجنبي اقتحم بيته بدون إذنه وقال: أجب ربك، فلم يعرفه موسى ﵇ وظن أنه عدو من أعدائه فاجأه ليقتله فلطمه دفاعًا عن نفسه ففقا عينه
стр. 9871
فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَال: أَرْسَلتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الموتَ. قَال: فَرَد اللهُ إِلَيهِ عَينَه وَقَال: ارْجِعْ إِلَيهِ. فَقُل لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَي مَتْنِ ثَورٍ، فَلَهُ بِمَا غَطت يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَة. قَال: أَي رَب، ثُم مَه؟ قَال: ثُم الموتُ. قَال: فَالآنَ. فَسَألَ اللهَ أَنُ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدسَةِ رَمْيَةَ بِحَجَرٍ
ــ
وكان موسى شديد القوة والبطش، وقد يشكل بأنه كيف يمكن فقأ عين الملك مع أن الملائكة مجردون عن المادة، فيجاب عنه بأن الملائكة أو الجن حينما يتمثلون بصورة مخصوصة فإن خواص تلك الصورة تثبت لهم في تلك الحالة فإذا جاء الملك أو الجني بصورة رجل فإنه تثبت له خوص الرجل أو بعضها على الأقل فلا يبعد أن تكون عين الملك في تلك الحالة المخصوصة مثل عين رجل في القوة وكان موسى ﵇ شديد القوة والبطش ففقأ تلك العين بلطمه (فرجع) ملك الموت (إلى ربه فقال: أرسلتني) يا رب (إلى عبد لا يريد الموت) واللقاء (قال) أبو هريرة: (فرد الله إليه) أي إلى ملك الموت (عينه، وقال) له: (ارجع إليه) أي إلى موسى مرة ثانية (فقل له) أي لموسى (يضع) موسى (يده) أي كفه (على متن ثور) أي على ظهر فحل بقر، وهذا خبر بمعنى الأمر، وفيه التفات أي قل له ضع يدك على متن ثور، وفي الرواية الآتية فقل له: الحياة تريد فإن كنت تريد الحياة فضع يدك (فله بما غطت يده) أي فلك بمقابلة ما غطت وسترت يدك من ظهر الثور، والجار والمجرور في قوله: (بكل شعرة سنة) بدل من الجار والمجرور في قوله: بما غطت أي فلك بمقابلة كل شعرة مما غطت يدك من متن الثور سنة، والمعنى فله بكل شعرة مما غطت يده سنة (قال) موسى: (أي رب) أي يا رب (ثم) بعد تلك السنين التي كانت بمقابلة كل شعرة (منه) ما استفهامية، والهاء للسكت؛ أي ثم ماذا يكون أحياة أم موت (قال) الرب ﷻ : (ثم) يكون (الموت) عليك، فقوله: (بكل شعرة سنة) أي يمد له في عمره بعدد الشعرات المغطاة من السنين. وهذا على سبيل التقدير المعلق وتبين مما وقع أن القضاء المبرم كان أن يموت في ذلك الوقت. قوله: (ثم منه) أي ثم ماذا؟ وإنما سأل موسى ﵇ ذلك مع كون الجواب واضحًا لتنبيه الناس على أن الموت لا مفر منه حتى للأنبياء ﵈ (قال) موسى: (فالآن) أي إذا كان الأمر كذلك فالآن أي في الزمن الحاضر أريد الموت (فسأل الله) (أن يدنيه) ويقربه (من الأرض المقدسة رمية بحجر) أي يقرب من أرض بيت
стр. 9872
فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَلَوْ كُنْتُ ثَم، لأَرَيتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَي جَانِبِ الطرِيقِ، تحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ"
ــ
المقدس، قال العيني في عمدة القاري [٤/ ١٦٦] "فإن قلت": ما الحكمة في طلبه الدنو من الأرض المقدسة [قلت]: الحكمة في ذلك أن الله لما منع بني إسرائيل من دخول بيت المقدس وتركهم في التيه أربعين سنة إلى أن أفناهم الموت ولم يدخل الأرض المقدسة إلا أولادهم مع يوشع ﵇ ومات هارون ثم موسى ﵈ قبل فتحها، ثم إن موسى لما لم يتهيأ له دخولها لغلبة الجبارين عليها ولا يمكن نبشه بعد ذلك لينقل إليها طلب القرب منها لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه، ويستنبط منه فضيلة الدفن في المواضع الفاضلة وفي مقابر الصلحاء اهـ وسُميت أرض بيت المقدس الأرض المقدسة لأنها لم يُعبد فيها صنم لأنها أرض الأنبياء ومهاجرهم بخلاف مكة لأنها عُبد فيها الأصنام حول البيت فلا تسمى مقدسة بل تسمى الأرض الأمينة والأرض المشرفة والبلدة المكرمة فانتبه لهذه الدقيقة كما ذكرناها في تفسيرنا حدائق الروح والريحان. قوله: (رمية بحجر) يحتمل أن يكون مراده أن يقرب من بيت المقدس بحيث إذا رُمي منه بحجر وقع في موضع دفنه، ويحتمل أن يكون المراد أن يقدم من مكانه الذي يتكلم هو فيه الآن بقدر رمية حجر إلى جهة بيت المقدس ذكر الاحتمالين العيني، والأول أولى بالنظر إلى رواية همام الآتية، وفيها (أمتني من الأرض المقدسة رمية بحجر) وقوله: (رمية بحجر) منصوب على الظرفية المكانية يعني على النيابة عنها أي مقدار رمية بحجر قاله القرطبي.
قال أبو هريرة: (فقال رسول الله ﷺ : فلو كنت) أنا وأنتم (ثم) بفتح المثلثة اسم إشارة للمكان البعيد أي لو كنت أنا وأنتم ثم أي في المكان الذي دفن فيه موسى (لأريتكم) أي لأبصرتكم (قبره) أي قبر موسى (إلى جانب الطريق) أي عند جانب الطريق الذي كان ثم، فإلى بمعنى عند ويعني بالطريق طريق بيت المقدس، وقوله: (تحت الكثيب الأحمر) بدل من الجار والمجرور قبله لأن إلى ظرف بمعنى عند كما قررناه في الحل أي أسفل من الكثيب الأحمر الذي كان هناك، والكثيب الرمل المجتمع المستطيل، وقيل التل، وقد تقدم في كتاب الأيمان (أن النبي ﷺ مر في طريقه إلى بيت المقدس ليلة أسري به بقبر موسى وهو قائم يصلي فيه) وهذا يدل على أن قبر موسى أخفاه الله تعالى عن الخلق ولم يجعله مشهورًا عندهم ولعل ذلك
стр. 9873
٥٩٩٦ - (٠٠) (٠٠) حدثنا مُحَمدُ بن رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمامِ بْنِ مُنَبهٍ. قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵇. فَقَال لَهُ: أَجِبْ رَبكَ. قَال: فَلَطَمَ مُوسَى ﵇ عَينَ مَلَكِ الموْتِ فَفَقَأهَا
ــ
لئلا يُعبد والله أعلم، وقد وقع في الرواية الأخرى إلى جانب الطور بدل الطريق، والطور الجبل بالسريانية.
وقد أبهم النبي ﷺ قبره ورُوي عن ابن عباس أنه لو عرف اليهود قبري موسى وهارون ﵉ لاتخذوهما إلهين، وقد اختلف أصحاب السير في موضع قبر موسى ﵇ إلى أقوال كثيرة منه؛ أريحا، ومآب، ودمشق، ومدين، والأصح أنه ﵇ دُفن بالتيه وهو صحراء سيناء والله أعلم. وأخرج الإمام مسلم هذا الحديث من طريق طاوس موقوفًا، ثم أخرجه من طريق همام بن منبه مرفوعًا وكذا أخرجه البخاري في الأنبياء موقوفًا، وأشار إلى حديث همام المرفوع، والرفع مشهور عن عبد الرزاق وأخرج الإسماعيلي عنه رواية طاوس مرفوعًا أيضًا فكان أبا هريرة رواه مرة مرفوعًا وأخرى موقوفًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣١٥]، والبخاري في الأنبياء باب وفاة موسى ﵇[٣٤٠٧] وفي الجنائز أيضًا [١٣٣٩]، والنسائي في الجنائز [٣٠٨٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٥٩٩٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة همام لطاوس (فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ : جاء ملك الموت إلى موسى ﵇) ليقبض روحه (فقال) ملك الموت: (له) أي لموسى: (أجب ربك) إلى الموت ومعناه جثت لقبض روحك أو أجب دعوة ربك، وهذه كلمة يتكلم بها رسل الملك لمن دعاه الملك (قال) رسول الله ﷺ : (فلطم موسى ﵇ عين ملك الموت ففقأها) أي شدخها
стр. 9874
قَال: فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللهِ تَعَالى فَقَال: إِنكَ أَرسَلتَنِي إِلَى عَبدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ. وَقَد فَقَأ عَينِي. قَال: فَرَدَّ اللهُ إِلَيهِ عَينَهُ وَقَال: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلِ الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِن كنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَي مَتنِ ثَورٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ. فَإِنكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً. قَال: ثُم مَه؟ قَال: ثُم تَمُوتُ. قَال: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ. رَب أَمِتْنِي مِنَ الأَرْضِ المقدسَةِ. رَميَةً بِحَجَرً. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَاللهِ، لَوْ أَني عِنْدَهُ لأَرَيتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ"
ــ
وأعورها (قال) رسول الله ﷺ : (فرجع الملك) أي ملك الموت (إلى الله) (فقال) ملك الموت لله : (إنك) يا إلهي (أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت) واللقاء (وقد فقأ) وأعور (عيني قال) رسول الله ﷺ : (فرد الله إليه) أي إلى ملك الموت (عينه فقال) الله لملك الموت: (ارجع إلى عبدي) ثانيًا (فقل) له: هل (الحياة) في الدنيا (تريد فإن كنت تريد الحياة فضع يدك) أي حط كفك (على متن) أي على ظهر (ثور) بقر وفحلها (فما توارت) أي سترت (يدك من شعرة) على ظهر الثور (فإنك تعيش) وتحيى (بها) أي بمقابلة شعرة من شعوره (سنة) كاملة (قال) موسى ﵇: (ثم) بعد تلك السنين التي في مقابلة كل شعرة (منه) أي ماذا يكون في (قال) الله لموسى: (ثم) بعد تلك السنين (تموت قال) موسى ﵇: (فـ) إذا كان الأمر لا بد من الموت (الآن) أي في هذا الزمن الحاضر، وقوله: (من قريب رب أمتني من الأرض المقدسة) فيه تقديم وتأخير، والتقدير فإن كان الأمر والشأن لا بد من الموت وإن طالت الحياة رب أمتي الآن في مكان قريب إلى الأرض المقدسة فمن الأولى بمعنى في والثانية بمعنى إلى، قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ (أمتني) وفي بعضها: (أدنني) أي قربني من الأرض المقدسة (رمية بحجر) أي مقدار رمية بحجر (قال رسول الله ﷺ : والله لو أني) كنت (عنده) أي عند قبره وكنتم معي وعند بيت المقدس (لأريتكم) أي لأبصرتكم (قبره) أي قبر موسى (إلى جانب) أي عند جانب (الطريق عند الكثيب الأحمر) أي عند التل المستطيل المجتمع من الرمل. قوله: (أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر) قال القاضي عياض: قيل: طلب ذلك ليقرب مشيه إلى المحشر، وقيل: لينال بركة البقعة وفضل مجاورة من دُفن بها، قال ابن أبي صفرة: وسأل الدنو منها ولم يسأل الحلول بها
стр. 9875
قَال أَبُو إِسحَاقَ: حَدَّثَنَا مُحَمدُ بْنُ يَحْيى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاقِ. أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ.
٥٩٩٧ - (٢٣٥٢) (١٠٧) حدثني زُهَيرُ بن حَربٍ. حَدَّثَنَا حُجَينُ بن المُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَن عَبدِ الهِ بنِ الفَضلِ الهاشِمِي، عَنْ عَبْدِ الرحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَال: بَينَمَا يَهُودِي
ــ
لئلا يشتهر قبره بها فيعبده الجهال (قال أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري الفقيه تلميذ الإمام مسلم ورواة صحيحه وأستاذ أبي أحمد محمد بن عيسى الجلودي النيسابوري (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي النيسابوري، روى عن عبد الرزاق وعبد الصمد بن عبد الوارث وخلق، ويروي عنه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان راوي الصحيح عن مسلم وأبو عوانة وخلق، ويروي عنه الجماعة غير مسلم ولم يوجد له ذكر في صحيح مسلم إلا في هذا الموضع بسبب أبي إسحاق اهـ من التهذيب [٩/ ٥١١ - ٥١٢] هو ثقة، من (١١) (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من (٩) (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من (٧) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة محمد بن يحيى لمحمد بن رافع، وساق محمد بن يحيى (بمئل هذا الحديث) الذي رواه محمد بن رافع. وهذا السند من ملحقات أبي إسحاق وليس من أسانيد الإمام مسلم والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له ﵁ فقال:
٥٩٩٧ - (٢٣٥٢) (١٠٧) (حدثني زهير بن حرب حدثنا حجين بن المثنى) اليمامي أبو عمرو الخراساني نزيل بغداد، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون التيمي مولاهم المدني، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٠) (عن عبد الله بن الفضل) بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (الهاشمي) المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٣) أبواب (عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته (قال) أبو هريرة: (بينما يهودي) زعم ابن بشكوال أن اسمه فنحاص وعزاه لابن إسحاق لكن ذكر الحافظ
следующие страницы →