Полный текст (11 982 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.
стр. 9871
فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَال: أَرْسَلتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الموتَ. قَال: فَرَد اللهُ إِلَيهِ عَينَه وَقَال: ارْجِعْ إِلَيهِ. فَقُل لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَي مَتْنِ ثَورٍ، فَلَهُ بِمَا غَطت يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَة. قَال: أَي رَب، ثُم مَه؟ قَال: ثُم الموتُ. قَال: فَالآنَ. فَسَألَ اللهَ أَنُ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدسَةِ رَمْيَةَ بِحَجَرٍ
ــ
وكان موسى شديد القوة والبطش، وقد يشكل بأنه كيف يمكن فقأ عين الملك مع أن الملائكة مجردون عن المادة، فيجاب عنه بأن الملائكة أو الجن حينما يتمثلون بصورة مخصوصة فإن خواص تلك الصورة تثبت لهم في تلك الحالة فإذا جاء الملك أو الجني بصورة رجل فإنه تثبت له خوص الرجل أو بعضها على الأقل فلا يبعد أن تكون عين الملك في تلك الحالة المخصوصة مثل عين رجل في القوة وكان موسى ﵇ شديد القوة والبطش ففقأ تلك العين بلطمه (فرجع) ملك الموت (إلى ربه فقال: أرسلتني) يا رب (إلى عبد لا يريد الموت) واللقاء (قال) أبو هريرة: (فرد الله إليه) أي إلى ملك الموت (عينه، وقال) له: (ارجع إليه) أي إلى موسى مرة ثانية (فقل له) أي لموسى (يضع) موسى (يده) أي كفه (على متن ثور) أي على ظهر فحل بقر، وهذا خبر بمعنى الأمر، وفيه التفات أي قل له ضع يدك على متن ثور، وفي الرواية الآتية فقل له: الحياة تريد فإن كنت تريد الحياة فضع يدك (فله بما غطت يده) أي فلك بمقابلة ما غطت وسترت يدك من ظهر الثور، والجار والمجرور في قوله: (بكل شعرة سنة) بدل من الجار والمجرور في قوله: بما غطت أي فلك بمقابلة كل شعرة مما غطت يدك من متن الثور سنة، والمعنى فله بكل شعرة مما غطت يده سنة (قال) موسى: (أي رب) أي يا رب (ثم) بعد تلك السنين التي كانت بمقابلة كل شعرة (منه) ما استفهامية، والهاء للسكت؛ أي ثم ماذا يكون أحياة أم موت (قال) الرب ﷻ : (ثم) يكون (الموت) عليك، فقوله: (بكل شعرة سنة) أي يمد له في عمره بعدد الشعرات المغطاة من السنين. وهذا على سبيل التقدير المعلق وتبين مما وقع أن القضاء المبرم كان أن يموت في ذلك الوقت. قوله: (ثم منه) أي ثم ماذا؟ وإنما سأل موسى ﵇ ذلك مع كون الجواب واضحًا لتنبيه الناس على أن الموت لا مفر منه حتى للأنبياء ﵈ (قال) موسى: (فالآن) أي إذا كان الأمر كذلك فالآن أي في الزمن الحاضر أريد الموت (فسأل الله) (أن يدنيه) ويقربه (من الأرض المقدسة رمية بحجر) أي يقرب من أرض بيت
стр. 9872
فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَلَوْ كُنْتُ ثَم، لأَرَيتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَي جَانِبِ الطرِيقِ، تحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ"
ــ
المقدس، قال العيني في عمدة القاري [٤/ ١٦٦] "فإن قلت": ما الحكمة في طلبه الدنو من الأرض المقدسة [قلت]: الحكمة في ذلك أن الله لما منع بني إسرائيل من دخول بيت المقدس وتركهم في التيه أربعين سنة إلى أن أفناهم الموت ولم يدخل الأرض المقدسة إلا أولادهم مع يوشع ﵇ ومات هارون ثم موسى ﵈ قبل فتحها، ثم إن موسى لما لم يتهيأ له دخولها لغلبة الجبارين عليها ولا يمكن نبشه بعد ذلك لينقل إليها طلب القرب منها لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه، ويستنبط منه فضيلة الدفن في المواضع الفاضلة وفي مقابر الصلحاء اهـ وسُميت أرض بيت المقدس الأرض المقدسة لأنها لم يُعبد فيها صنم لأنها أرض الأنبياء ومهاجرهم بخلاف مكة لأنها عُبد فيها الأصنام حول البيت فلا تسمى مقدسة بل تسمى الأرض الأمينة والأرض المشرفة والبلدة المكرمة فانتبه لهذه الدقيقة كما ذكرناها في تفسيرنا حدائق الروح والريحان. قوله: (رمية بحجر) يحتمل أن يكون مراده أن يقرب من بيت المقدس بحيث إذا رُمي منه بحجر وقع في موضع دفنه، ويحتمل أن يكون المراد أن يقدم من مكانه الذي يتكلم هو فيه الآن بقدر رمية حجر إلى جهة بيت المقدس ذكر الاحتمالين العيني، والأول أولى بالنظر إلى رواية همام الآتية، وفيها (أمتني من الأرض المقدسة رمية بحجر) وقوله: (رمية بحجر) منصوب على الظرفية المكانية يعني على النيابة عنها أي مقدار رمية بحجر قاله القرطبي.
قال أبو هريرة: (فقال رسول الله ﷺ : فلو كنت) أنا وأنتم (ثم) بفتح المثلثة اسم إشارة للمكان البعيد أي لو كنت أنا وأنتم ثم أي في المكان الذي دفن فيه موسى (لأريتكم) أي لأبصرتكم (قبره) أي قبر موسى (إلى جانب الطريق) أي عند جانب الطريق الذي كان ثم، فإلى بمعنى عند ويعني بالطريق طريق بيت المقدس، وقوله: (تحت الكثيب الأحمر) بدل من الجار والمجرور قبله لأن إلى ظرف بمعنى عند كما قررناه في الحل أي أسفل من الكثيب الأحمر الذي كان هناك، والكثيب الرمل المجتمع المستطيل، وقيل التل، وقد تقدم في كتاب الأيمان (أن النبي ﷺ مر في طريقه إلى بيت المقدس ليلة أسري به بقبر موسى وهو قائم يصلي فيه) وهذا يدل على أن قبر موسى أخفاه الله تعالى عن الخلق ولم يجعله مشهورًا عندهم ولعل ذلك
стр. 9873
٥٩٩٦ - (٠٠) (٠٠) حدثنا مُحَمدُ بن رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمامِ بْنِ مُنَبهٍ. قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵇. فَقَال لَهُ: أَجِبْ رَبكَ. قَال: فَلَطَمَ مُوسَى ﵇ عَينَ مَلَكِ الموْتِ فَفَقَأهَا
ــ
لئلا يُعبد والله أعلم، وقد وقع في الرواية الأخرى إلى جانب الطور بدل الطريق، والطور الجبل بالسريانية.
وقد أبهم النبي ﷺ قبره ورُوي عن ابن عباس أنه لو عرف اليهود قبري موسى وهارون ﵉ لاتخذوهما إلهين، وقد اختلف أصحاب السير في موضع قبر موسى ﵇ إلى أقوال كثيرة منه؛ أريحا، ومآب، ودمشق، ومدين، والأصح أنه ﵇ دُفن بالتيه وهو صحراء سيناء والله أعلم. وأخرج الإمام مسلم هذا الحديث من طريق طاوس موقوفًا، ثم أخرجه من طريق همام بن منبه مرفوعًا وكذا أخرجه البخاري في الأنبياء موقوفًا، وأشار إلى حديث همام المرفوع، والرفع مشهور عن عبد الرزاق وأخرج الإسماعيلي عنه رواية طاوس مرفوعًا أيضًا فكان أبا هريرة رواه مرة مرفوعًا وأخرى موقوفًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣١٥]، والبخاري في الأنبياء باب وفاة موسى ﵇[٣٤٠٧] وفي الجنائز أيضًا [١٣٣٩]، والنسائي في الجنائز [٣٠٨٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٥٩٩٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة همام لطاوس (فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ : جاء ملك الموت إلى موسى ﵇) ليقبض روحه (فقال) ملك الموت: (له) أي لموسى: (أجب ربك) إلى الموت ومعناه جثت لقبض روحك أو أجب دعوة ربك، وهذه كلمة يتكلم بها رسل الملك لمن دعاه الملك (قال) رسول الله ﷺ : (فلطم موسى ﵇ عين ملك الموت ففقأها) أي شدخها
стр. 9874
قَال: فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللهِ تَعَالى فَقَال: إِنكَ أَرسَلتَنِي إِلَى عَبدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ. وَقَد فَقَأ عَينِي. قَال: فَرَدَّ اللهُ إِلَيهِ عَينَهُ وَقَال: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلِ الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِن كنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَي مَتنِ ثَورٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ. فَإِنكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً. قَال: ثُم مَه؟ قَال: ثُم تَمُوتُ. قَال: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ. رَب أَمِتْنِي مِنَ الأَرْضِ المقدسَةِ. رَميَةً بِحَجَرً. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَاللهِ، لَوْ أَني عِنْدَهُ لأَرَيتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ"
ــ
وأعورها (قال) رسول الله ﷺ : (فرجع الملك) أي ملك الموت (إلى الله) (فقال) ملك الموت لله : (إنك) يا إلهي (أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت) واللقاء (وقد فقأ) وأعور (عيني قال) رسول الله ﷺ : (فرد الله إليه) أي إلى ملك الموت (عينه فقال) الله لملك الموت: (ارجع إلى عبدي) ثانيًا (فقل) له: هل (الحياة) في الدنيا (تريد فإن كنت تريد الحياة فضع يدك) أي حط كفك (على متن) أي على ظهر (ثور) بقر وفحلها (فما توارت) أي سترت (يدك من شعرة) على ظهر الثور (فإنك تعيش) وتحيى (بها) أي بمقابلة شعرة من شعوره (سنة) كاملة (قال) موسى ﵇: (ثم) بعد تلك السنين التي في مقابلة كل شعرة (منه) أي ماذا يكون في (قال) الله لموسى: (ثم) بعد تلك السنين (تموت قال) موسى ﵇: (فـ) إذا كان الأمر لا بد من الموت (الآن) أي في هذا الزمن الحاضر، وقوله: (من قريب رب أمتني من الأرض المقدسة) فيه تقديم وتأخير، والتقدير فإن كان الأمر والشأن لا بد من الموت وإن طالت الحياة رب أمتي الآن في مكان قريب إلى الأرض المقدسة فمن الأولى بمعنى في والثانية بمعنى إلى، قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ (أمتني) وفي بعضها: (أدنني) أي قربني من الأرض المقدسة (رمية بحجر) أي مقدار رمية بحجر (قال رسول الله ﷺ : والله لو أني) كنت (عنده) أي عند قبره وكنتم معي وعند بيت المقدس (لأريتكم) أي لأبصرتكم (قبره) أي قبر موسى (إلى جانب) أي عند جانب (الطريق عند الكثيب الأحمر) أي عند التل المستطيل المجتمع من الرمل. قوله: (أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر) قال القاضي عياض: قيل: طلب ذلك ليقرب مشيه إلى المحشر، وقيل: لينال بركة البقعة وفضل مجاورة من دُفن بها، قال ابن أبي صفرة: وسأل الدنو منها ولم يسأل الحلول بها
стр. 9875
قَال أَبُو إِسحَاقَ: حَدَّثَنَا مُحَمدُ بْنُ يَحْيى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاقِ. أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ.
٥٩٩٧ - (٢٣٥٢) (١٠٧) حدثني زُهَيرُ بن حَربٍ. حَدَّثَنَا حُجَينُ بن المُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَن عَبدِ الهِ بنِ الفَضلِ الهاشِمِي، عَنْ عَبْدِ الرحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَال: بَينَمَا يَهُودِي
ــ
لئلا يشتهر قبره بها فيعبده الجهال (قال أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري الفقيه تلميذ الإمام مسلم ورواة صحيحه وأستاذ أبي أحمد محمد بن عيسى الجلودي النيسابوري (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي النيسابوري، روى عن عبد الرزاق وعبد الصمد بن عبد الوارث وخلق، ويروي عنه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان راوي الصحيح عن مسلم وأبو عوانة وخلق، ويروي عنه الجماعة غير مسلم ولم يوجد له ذكر في صحيح مسلم إلا في هذا الموضع بسبب أبي إسحاق اهـ من التهذيب [٩/ ٥١١ - ٥١٢] هو ثقة، من (١١) (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من (٩) (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من (٧) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة محمد بن يحيى لمحمد بن رافع، وساق محمد بن يحيى (بمئل هذا الحديث) الذي رواه محمد بن رافع. وهذا السند من ملحقات أبي إسحاق وليس من أسانيد الإمام مسلم والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له ﵁ فقال:
٥٩٩٧ - (٢٣٥٢) (١٠٧) (حدثني زهير بن حرب حدثنا حجين بن المثنى) اليمامي أبو عمرو الخراساني نزيل بغداد، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون التيمي مولاهم المدني، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٠) (عن عبد الله بن الفضل) بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (الهاشمي) المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٣) أبواب (عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته (قال) أبو هريرة: (بينما يهودي) زعم ابن بشكوال أن اسمه فنحاص وعزاه لابن إسحاق لكن ذكر الحافظ
стр. 9876
يَعرِضُ سِلْعَةً لَهُ أعْطِيَ بِهَا شَيئًا، كَرِهَهُ أَوْ لَمْ يَرْضَهُ -شَك عَبدُ العزِيزِ- قَال: لَا، وَالذِي اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ. قَال: فَسَمِعَهُ رَجُل مِنَ الأَنْصَارِ فَلَطَمَ وَجْهَهُ. قَال: تَقُولُ: وَالذِي اصْطَفَي مُوسَى ﵇ عَلَى البَشَرِ! وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَينَ أَظْهُرِنَا؟
ــ
في الفتح [٦/ ٤٤٣] أن الذي ذكره ابن إسحاق لفنحاص قصة أخرى مع أبي بكر الصديق ﵁ في لطمه إياه (يعرض) من باب ضرب أي يظهر (سلعة) أي بضاعة (له) أي لليهودي في السوق للبيع (أعطي) ذلك اليهودي (بها) أي بتلك السلعة (شيئًا كرهه) من الثمن (أو) قال عبد الله بن الفضل: (لم يرضه) أي شيئًا لم يرضه ذلك اليهودي لكونه دون ثمن المثل، قال المؤلف: (شك عبد العزيز) بن عبد الله في أي اللفظين، قال عبد الله بن الفضل يعني ساومه رجل في تلك السلعة بثمن زعمه اليهودي قليلًا (قال) اليهودي جواب بينما (لا) أبيعها بهذا الثمن (والذي) أي أقسمت بالإله الذي (اصطفى) واختار (موسى ﵇ على) جميع (الشر قال) أبو هريرة: (فسمعه) أي فسمع الهودي أي سمع ما قاله في يمينه (رجل) مسلم (من الأنصار) كذا وقع في غير واحد من الروايات أن الرجل المسلم في هذه القصة كان رجلًا من الأنصار، ولكن وقع في جامع سفيان بن عيينة وكتاب البعث لابن أبي الدنيا عن عمرو بن دينار أنه قال هو أبو بكر الصديق ﵁ كما ذكره الحافظ في الفتح فإما أن يكون عمرو بن دينار التبس عليه قصة أبي بكر مع فنحاص بهذه القصة فإما أن يكون الراوي في حديث الباب أطلق لفظ رجل من الأنصار على الصديق ﵁ بالمعنى الأعم فإن أبا بكر الصديق ﵁ من أنصار رسول الله ﷺ قطعًا (فلطم) الرجل المسلم أي فضرب بكفه (وجهه) أي وجه اليهودي (قال) الرجل المسلم أ (تقول) في يمينك (والذي اصطفى موسى ﵇ على الشر ورسول الله) أي والحال أن رسول الله محمدًا ﷺ حي حاضر (بين أظهرنا) أي بين وسطنا أو بيننا، ولفظ أظهر مقحم، قال القسطلاني: قوله: (بين أظهرنا) حمع ظهر ومعناه أنه بينهم على سبيل الاستظهار كان ظهرًا منهم قدامه وظهرًا وراءه فهو مكنوف من جانبيه إذا قيل بين ظهرانيهم بلفظ التثنية ومن جوانبه إذا قيل بين أظهرهم بلفظ الجمع أو لفظ أظهر مقحم كما قاله الكرماني اهـ منه، وإنما لطمه الأنصاري لما فهمه من عموم لفظ البشر فدخل فيه
стр. 9877
قَال: فَذَهَبَ الْيَهُودِي إِلَي رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَال: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِن لِي ذِمةً وَعَهْدا. وَقَال: فُلانٌ لَطَمَ وَجْهِي. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ " قَال: قَال - (يَا رَسُولَ اللهِ): وَالذِي اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ! وَأَنْتَ بَينَ أَظْهُرِنَا. قَال: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ. ثُم قَال: "لَا تُفَضلُوا بَينَ أَنْبِيَاءِ اللهِ
ــ
محمد ﷺ وقد تقرر عند المسلم أن محمدًا ﷺ أفضل البشر، وقد جاء ذلك مبينًا في حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري في الخصومات أن الضارب قال لليهودي: أي خبيث على محمد (قال) أبو هريرة: (فذهب) أي انطلق (اليهودي إلى رسول الله ﷺ لشكوى الأنصاري (فقال) اليهودي: (يا أبا القاسم إن لي ذمة) أي عقد ذمة وأمان (وعهدًا) أي عقد عهد ومسألة فما بال فلان لطم وجهي فلم أخفر ذمتي (وقال) اليهودي معطوف على القول قبله (فلان) من المسلمين يعني الأنصاري (لطم وجهي) أي ضرب وجهي بكفه (فقال رسول الله ﷺ للأنصاري: (لم لطمت) أي لأي سبب وجريمة ضربت (وجهه) أي وجه اليهودي بكفك (قال) الأنصاري: (قال) اليهودي: (يا رسول الله، والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر) جملة القسم مقول لقال، وجملة النداء معترضة بين القول ومقوله (وأنت) أي والحال أنك (بين أظهرنا، قال) أبو هريرة: (فغضب رسول الله ﷺ من قول الأنصاري ولطمه اليهودي (حتى عُرف الغضب) أي أثره من تغير اللون من البياض إلى الحمرة (في وجهه) ﷺ (ثم قال) رسول الله ﷺ : (لا تفضلوا بين أنبياء الله) عليهم الصلاة والسلام أي من تلقاء أنفسكم أو تفضيلًا يؤدي إلى تنقيص الآخر يعني لا تفضلوا بينهم بدون حاجة داعية إلى ذلك أو ما يستلزم تنقيص أحد منهم وإلا فقد قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وقد تقدم أن رسول الله ﷺ قال: "أنا سيد ولد آدم" قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون ذلك قبل أن يوحى إليه أنه أفضل، وقيل: المعنى لا تفضلوا التفضيل الذي يؤدي إلى تنقيص بعضهم، والحديث خرج على سبب هو لطم اليهودي فخاف ﷺ أن يُفهم من هذه الفعلة انتقاص موسى ﵇ فنهى عن التفضيل المؤدي إلى نقص المفضول، وقيل: قاله ﷺ على وجه التواضع والبر
стр. 9878
فَإِنهُ يُنْفَخُ فِي الصورِ فَيَصعَقُ مَن فِي السمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ. قَال: ثُم يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى. فَكُونُ أَولَ مَنْ بُعِثَ. أَوْ فِي أَولِ مَن بُعِثَ، فَإذَا مُوسَى ﵇ آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ
ــ
لغيره من الأنبياء ﵈، وقيل: إنما نهى عن التفضيل بينهم في النبوة والرسالة لأنهم فيهما سواء وإنما التفضيل في الأحوال والكرامات والرتب فلذلك كان منهم رسل، ومنهم أولو عزم، ومنهم من رُفع مكانًا عليًا، ومنهم من أوتي الحكم صبيًّا، ومنهم من أوتي الزبور، ومنهم من أوتي الكتاب، ومنهم من كلم الله قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ اهـ من الأبي.
قوله سابقًا: (فغضب رسول الله ﷺ "قلت": الرجل إنما قام بتغيير منكر في اعتقاده لا سيما إن فهم من اليهودي أنه عرض بغير موسى وحينئذٍ فغضبه ﷺ يحتمل لأن المسألة علمية وقد تتوقف على أمور لا يعلمها إلا العلماء وما كان كذلك فالتغيير فيه مصروف إلى الإمام فلما افتات عليه غضب، ويحتمل لأنه فضل النبي ﷺ تفضيلًا يؤدي إلى اهتضام موسى ﵇، ويحتمل لأنه عدل عن وجه التغيير لأن التغير أولًا إنما يكون بالقول.
(فإن قلت): لا يتعين في اليهودي أن يكون فعل منكرًا لاحتمال أن يكون مستنده في التفضيل أن عندهم في التوراة ما هو بمعنى ما هو في القرآن من قوله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية. (والجواب) أنه وإن سلم ذلك فهو عام والعمل بالعام قبل البحث عن المخصص منكر اهـ من الأبي. (فإنه) أي فإن الشأن والحال (يُنفخ في الصور) النفخة الأولى (فيصعق) أي ويهلك ويموت (من في السماوات ومن في الأرض) جميعًا (إلا من شاء الله) بقاءه (قال) رسول الله ﷺ : (ثم ينفخ فيه) أي في الصور نفخة (أخرى) أي نفخة ثانية وهي نفخة البعث من القبور (فأكون أول من بعث) من قبره (أو) قال النبي ﷺ أو قال الراوي فأكون (في أول من بعث) من قبره، فالشك من الراوي أو ممن دونه (فإذا موسى ﵇) وإذا فجائية والفاء عاطفة (آخد) أي ماسك بيده (بالعرش) أي بقائمة من قوائم العرش كما في الحديث الآخر أي فأكون أول من بُعث فيفاجؤوني أخذ موسى بالعرش (فلا أدري) ولا أعلم (أحوسب) موسى واكتفي فيه عن هذه الصعقة
стр. 9879
بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ. أَوْ بُعِثَ قَبلِي. وَلَا أَقُولُ: إِن أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتى ﵇"
ــ
الثانية (بصعقة) وغشية (يوم الطور) يوم تجلى ربه للجبل (أو) أخذته هذه الصعقة و (بُعث قبلي) وفي رواية البخاري أم بُعث قبلي يعني أنه ﵇ استثني من الصعقة بنفخ الصور لصعقة أصابها يوم تجلى ربه للطور، والصعق بفتح العين والصعقة بسكونها قد يراد منهما الهلاك والموت وقد يراد بهما الغشي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ فإنه خر مغشيًا لا ميتًا (ولا أقول أن أحدًا) من الناس (أفضل من يونس بن متى ﵇ قال المازري: هذا الكلام يدل على المنع من التفضيل وأنه امتنع منه فيحمل على أنه كان قبل أن يوحى إليه أنه الأفضل ولا يدل على أن يونس ﵇ أفضل من المرسلين حتى يعارض حديث"أنا سيد ولد آدم" اهـ من الأبي، وقد استشكل هذا الحديث بأن نفخة الصعق إنما يموت بها من كان حيًّا في هذه الدار فأما من مات قبله فيستحيل أن يموت ثانيًا وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث وإن موسى ﵇ قد مات فلا يصح أن يموت مرة أخرى ولا يصح أن يكون مستثنى من نفخة الصعق، وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بأجوبة مختلفة: الأول منها ما ذكره العيني في عمدة القاري [٦١/ ٦٨] وحاصله أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن كان قد طرأ عليهم الموت بالنسبة لنا ولكنهم أحياء في قبورهم ولا تأكل أجسادهم التراب فموتهم في الحقيقة انتقال من دار إلى دار، وإذا تقرر أنهم أحياء فهم فيما بين السماوات والأرض فإذا نُفخ في الصور نفخة الصعق صعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشي فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حيي ومن غُشي عليه أفاق، وإن النبي ﷺ أول من يفيق غير أنه يرى موسى ﵇ فيتردد هل كان قد استثني من الصعقة أوكان قد أفاق قبله. والثاني ما ذكره الحافظ في الفتح [٦/ ٤٤٤] من أن النفخة الأولى يعقبها الصعق من جميع الخلق أحيائهم وأمواتهم كما وقع في سورة النمل: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ثم يعقب ذلك الفزع للموتى زيادة فيما هم فيه وللأحياء موتًا ثم يُنفخ الثانية للبعث فيفيقون كلهم أجمعون وعلى هذا كان الأصل أن يصعق موسى ﵇ مع سائر الموتى فلما رآه النبي ﷺ آخذًا بالعرش تردد هل استثني من الصعقة أو أفاق قبله. والثالث ما ذهب إليه القاضي عياض وذكره النووي وغيره
стр. 9880
٥٩٩٨ - (٠٠) (٠٠) وحدثنيه مُحَمدُ بْنُ حَاتِمٍ
ــ
وحاصله أنه ليس المراد من الصعقة في حديث الباب صعقة تعقب النفخة الأولى للصور حتى يرد الإشكال، وإنما المراد صعقة أخرى تحدث بعد البعث حين تنشق السماء والأرض والمراد من هذه الصعقة الغشي لا الموت بدليل أنه ﷺ عبر عن الخلوص منها بالإفاقة، والإفاقة لا تكون إلا من الغشي ولو كان المراد الموت لاستعمل كلمة البعث فلما كانت هذه الصعقة بعد البعث كان الأصل أن يُصاب بها كل من بُعث من قبره ومنهم موسى ﵇ ولذا تردد رسول الله ﷺ حين رآه قائمًا بالعرش، والأقرب منها إلى الصواب ما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح وهو الثاني منها من أن المراد بالصعقة ما يعقب النفخة الأولى، وعليه يدل ظاهر الحديث من أنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات والأرض، وإن هذه الصعقة تصيب الأحياء والأموات جميعا أما الأحياء فصعقهم الموت وأما الأموات فإن الصعقة أي الغشي تصيب أرواحهم وهذا على ما حقق من أن الأموات تخرج أرواحهم من أبدانهم وتكون لهم حياة برزخية إلى يوم القيامة فلما قامت القيامة ونُفخ في الصور انتهت حياتهم البرزخية أيضًا فلا إشكال في صعق الأموات حينئذٍ وعلى هذا فإن موسى ﵇ وإن كان ميتًا عند النفخة الأولى غير أنه كان الأصل أن تصيب روحه الصعقة كما تصيب غيره من الأموات ولكن النبي ﷺ حين رآه بالعرش تردد هل قد استثني من الصعقة أو أفاق قبله وبما أن أحوال البعث والنشور خارجة عن تصورنا لا نستطيع إدراك كنهها بجميع تفاصيلها والله أعلم، وعلى كل الأجوبة المذكورة ففي حديث الباب دلالة على خصوصية فاضلة لسيدنا موسى ﵇.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري ذكره في مواضع كثيرة منها في الخصومات باب الخصومة بين المسلم واليهودي [٢٤١١] وفي الرقاق باب نفخ الصور [٦٥١٧]، وأبو داود في السنة باب في التخيير بين الأنبياء [٤٦٧١]، والترمذي في التفسير باب ومن سورة الزمر [٣٢٤٥]، وابن ماجه في الزهد باب ذكر البعث [٤٣٢٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة هذا ﵁ فقال:
٥٩٩٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي،
стр. 9881
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أبِي سَلَمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، سَوَاء.
٥٩٩٩ - (٠٠) (٠٠) حدثني زُهَيرُ بن حَرْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النضرِ قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحْمَنِ وَعَبْدِ الرحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ. قَال: اسْتَب رَجُلانِ رَجُل مِنَ الْيَهُودِ وَرَجُل مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَال الْمُسْلِمُ: وَالذِي اصْطَفى مُحَمدا ﷺ عَلَى الْعَالمِينَ. وَقَال الْيَهُودِي: وَالذِي اصطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْعَالمِينَ
ــ
صدوق، من (١٠) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٩) بابا (حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة) الماجشون (بهذا الإسناد) يعني عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة بمثله (سواء) أي وساق يزيد بن هارون بمثل ما حدث حجين بن المثنى حالة كون حديثيهما سواء أي متساويين لفظًا ومعنى، غرضه بيان متابعة يزيد بن هارون لحجين بن المثنى.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه ثانيًا فقال:
٥٩٩٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثني زهير بن حرب وأبو بكر) محمد (بن النضر) بن أبي النضر هاشم بن القاسم البغدادي، ثقة، من (١١) روى عنه في (٧) أبواب (قالا: حدثنا بعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من (٩) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد الزهري المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا (عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (وعبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٧) أبواب، كلاهما (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة ابن شهاب لعبد الله بن الفضل الهاشمي (قال) أبو هريرة: (استب رجلان) أي تساب رجلان وتشاتما (رجل من اليهود ورجل من المسلمين) لم أر أحدًا من الشراح ذكر اسمهما، وقال العيني: قيل: المسلم أبو بكر الصديق واليهودي هو فنحاص، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية اهـ دهني (فقال المسلم والذي اصطفى محمدًا ﷺ على العالمين وقال اليهودي والذي اصطفى موسى ﵇ على العالمين
стр. 9882
قَال: فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ اليَهُودِي، فَذَهَبَ اليَهُودِي إِلَي رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَي، فَإِن الناسَ يَصْعَقُونَ فَأكُونُ أَولَ مَنْ يُفِيقُ. فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أكانَ فِيمَن صَعِقَ فَأفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمنِ اسْتَثْنَى اللهُ".
٦٠٠٠ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرحْمَنِ الدارِمِي وَأَبُو بَكْرِ بن إِسْحَاقَ
ــ
قال) أبو هريرة: (فرفع المسلم يده عند ذلك) أي عندما قال اليهودي والذي اصطفى موسى (فلطم) أي ضرب المسلم بكفه مبسوطة (وجه اليهودي فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فأخبره) أي فأخبر اليهودي النبي ﷺ (بما كان) ووقع وحصل، فكان تامة (من أمره وأمر المسلم) من التخاصم والتحالف ولطم المسلم له (فقال رسول الله ﷺ لأصحابه (لا تُخيّروني) أي لا تفضلوني (على موسى) ﵇ (فإن الناس يصعقون) أي يموتون عند النفخة الأولى (فأكون أول من يفيق) من تلك الصعقة (فإذا موسى باطش) أي آخذ (بجانب العرش) أي بقائمة من قوائم العرش، فقوله: (فإذا موسى باطش) أي متعلق به بقوة، والبطش الأخذ القوي الشديد والله أعلم اهـ دهني (فلا أدري) ولا أعلم (أكان) موسى (فيمن صعق) وغشي عليه (فأفاق) من غشيانه (قبلي أم كان ممن اسنثنى الله) تعالى بقوله: ﴿إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فلم يصعق، قال الأبي: وكون موسى ممن أفاق قبل أحد من الناس أو كونه ممن استثنى الله تعالى فضيلة اختص بها موسى ﵇ وقد يختص المفضول بفضيلة ليست في الأفضل ولا يكون بسببها مساويًا له ولا أفضل.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة هذا ﵁ فقال:
٦٠٠٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن بهرام (الدارمي) السمرقندي، ثقة متقن، من (١١) روى عنه في (١٤) بابا (وأبو بكر) محمد (بن إسحاق) الصاغاني الخراساني الأصل البغدادي، ثقة، من (١١) روى عنه في (٨)
стр. 9883
قَالا: أخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزهرِي. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرحْمَنِ وَسَعِيدُ بن الْمُسَيَّبِ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: اسْتَب رَجُل مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، بِمِثلِ حَدِيثِ إِبراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَن ابْنِ شِهَابٍ.
٦٠٠١ - (٢٣٥٣) (١٠٨) وحدثني عَمْرو الناقِدُ. حَدَّثَنَا أَبُو أَحمدَ الزبَيرِي. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحيَى، عَن أَبِيهِ، عَن أَبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ قَال: جَاءَ يَهُودِي إِلَى النبِي ﷺ قَد لُطِمَ وَجْهُهُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزهْرِي. غَيرَ أنهُ قَال: "فَلَا
ــ
أبواب (قالا: أخبرنا أبو اليمان) الحكم بن نافع القضاعي الحمصي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة دينار الأموي مولاهم أبو بشر الحمصي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٥) أبواب (عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب) كلاهما (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة شعيب بن أبي حمزة لإبراهيم بن سعد (قال) أبو هريرة: (استب) أي شتم (رجل من المسلمين ورجل من اليهود) أي تسابا، وساق شعيب (بمثل حديث إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث أبي سعيد الخدري ﵄ فقال:
٦٠٠١ - (٢٣٥٣) (١٠٨) (وحدثني عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (حدثنا أبو أحمد الزبيري) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة المازني المدني، ثقة، من (٦) روى عنه في (٩) أبواب (عن أبيه) يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك الأنصاري المدني الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عمرو بن يحيى لابن شهاب ولكنها متابعة ناقصة (قال: جاء يهودي إلى النبي ﷺ قد لطم وجهه) قيل: اسمه فنحاص (وساق) عمرو بن يحيى (الحديث) السابق (بمعنى حديث الزهري) لا بلفظه (غير أنه) أي لكن أن عمرو بن يحيى (قال) في روايته لفظة (فلا
стр. 9884
أَدْرِي أكانَ مِمنْ صَعِقَ فَأفَاقَ قَبْلِي، أَو اكْتَفَي بِصَعْقَةِ الطورِ".
٦٠٠٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بن أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَير. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تُخَيِّرُوا بَينَ الأَنْبِيَاءِ"، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيرٍ: عَمْرِو بْنِ يَحْيى، حدّثني أَبِي.
٦٠٠٣ - (٢٣٥٤) (١٠٩) حدَّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ وَشَيبَانُ بْنُ فَروخَ
ــ
أدري أكان) موسى (ممن صعق فأفاق قبلي أو اكتفى) أي استغنى عن هذه الصعقة (بصعقة الطور).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الخصومات [٢٤١٢] وفي الأنبياء [٢٣٩٨] وفي التفسير [٣٦٣٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
٦٠٠٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان) الثوري (ح وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني (حدثنا أبي) عبد الله (حدثنا سفيان) الثوري (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة (عن أبيه) يحيى بن عمارة (عن أبي سعيد الخدري) ﵁. وهذان السندان من سداسياته، غرضه بيان متابعة وكيع وعبد الله بن نمير لأبي أحمد الزبيري (قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : لا تخيّروا) أي لا تفضلوا (بين) أفراد (الأنبياء) أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام (و) لكن (في حديث) عبد الله (بن نمير) وروايته عن (عمرو بن يحيى حدثني أبي) يحيى بن عمارة بتصريح صيغة السماع بقوله: حدثني أبي بدل قوله عن أبيه فالعنعنة رواية وكيع، والتحديث رواية ابن نمير.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة الأول رابعًا بحديث أنس ﵄ فقال:
٦٠٠٣ - (٢٣٥٤) (١٠٩) (حدثنا هداب بن خالد) بن الأسود بن هدبة القيسي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (وشيبان بن فروخ) الحبطي الأبلي،
стр. 9885
قَالا: حَدَّثَنَا حَمادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن ثَابِتٍ الْبُنَانِي وَسُلَيمَانَ التيمِي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَن رَسُولَ الله ﷺ قَال: "أَتَيتُ -وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ: مَرَرْتُ- عَلَى مُوسَى لَيلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ. وَهُوَ قَائِم يُصَلي في قَبْرِه".
٦٠٠٤ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا عَلِي بْنُ خَشرَمٍ
ــ
صدوق من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (قالا: حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن ثابت) بن أسلم (البناني) البصري (وسليمان) بن طرخان (التيمي) البصري (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته (أن رسول الله ﷺ قال: أتيت) أي مررت (وفي رواية هداب مررت على موسى) ﵇ (ليلة أُسري) وعُرج (بي) إلى السماء أي مررت عليه في قبره (عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره) قال القرطبي: الكثيب هو الكوم من الرمل ويُجمع على كثب بضمتين، وهذا الكثيب هو بطريق بيت المقدس. وهذا الحديث يدل بظاهره على أنه ﷺ رأى موسى رؤية حقيقية في اليقظة وأن موسى ﵇ كان في قبره حيًّا يُصلي فيه الصلاة التي كان يصلي بها في الحياة وهذا كله ممكن لا إحالة في شيء منه، وقد صح أن الشهداء أحياء يُرزقون عند ربهم وإذا كان هذا في الشهداء كان في الأنبياء أحرى وأولى، فإن قيل: كيف يُصلون بعد الموت وليست تلك الحال حال تكليف. فالجواب أن ذلك ليس بحكم التكليف وإنما ذلك بحكم الإكرام والتشريف لهم وذلك أنهم كانوا في الدنيا حُببت لهم عبادة الله والصلاة بحيث كانوا يلازمون ذلك ثم توفوا وهم على ذلك فشرفهم الله تعالى بعد موتهم بأن أبقى عليهم ما كانوا يحبون وما عرفوا به فتكون عبادتهم إلهامية كعبادة الملائكة لا تكليفية وقد جاء في الصحيح أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس رواه مسلم (٢٨٣٥) اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٢٠] والنسائي في قيام الليل باب ذكر صلاة نبي الله موسى ﵇ رقم [١٦٣١ و ١٦٣٧].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٦٠٠٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا علي بن خشرم) بن عبد الرحمن بن عطاء المروزي،
стр. 9886
أَخْبَرَنَا عِيسَى، (يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ). ح وحَدثَنَا عُثْمَانُ بن أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. كِلاهُمَا عَنْ سُلَيمَانَ التيمِيِّ، عَنْ أَنس. ح وحدثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيمَانَ التيمِي. سَمِعْتُ أنسًا يَقُولُ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى وَهُوَ يُصَلي فِي قَبرِهِ"، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عِيسَى "مَرَرْتُ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِي".
٦٠٠٥ - (٢٣٥٥) (١١٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَمُحَمدُ بْنُ المثنى وَمُحَمدُ بْنُ
ــ
ثقة، من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب (أخبرنا عيسى يعني ابن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٧) (ح وحدثنا عثمان) بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٢) بابا (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (كلاهما) أي كل من عيسى وجرير رويا (عن سليمان التيمي عن أنس) بن مالك ﵁. وهذان السندان من رباعياته، غرضه بيان متابعة عيسى وجرير لحماد بن سلمة (ح وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة) عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٦) بابا (حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٢٤) بابا (عن سليمان التيمي سمعت أنسًا) ﵁ (يقول): وهذا السند من خماسياته غرضه بيان متابعة سفيان لحماد بن سلمة (قال رسول الله ﷺ : مررت على موسى) ﵇ (وهو يصلي في قبره وزاد) علي بن خشرم (في حديث عيسى) بن يونس وروايته عن سليمان التيمي أي زاد على رواية جرير وسفيان عن سليمان لفظة (مررت ليلة أُسري بي) كرواية حماد بن سلمة في السند الأول.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٦٠٠٥ - (٢٣٥٥) (١١٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى ومحمد بن
стр. 9887
بَشَّارٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. قَال: سَمِعْتُ حُمَيدَ بنَ عَبْدِ الرحْمنِ يُحَدثُ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النبِي ﷺ ؛ أنهُ: "قَال -يَعْنِي اللهَ ﵎ لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ لِي. (وَقَال ابْنُ الْمُثَنى: لِعَبْدِي)
ــ
بشار قالوا: حدثنا محمد بن جعفر) غندر (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٣) بابا (قال) سعد: (سمعت) عمي (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة، من (٢) روى عنه في (١٢) بابا (يُحدث عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ وهذا السند من سداسياته (أنه) أي أن الله (قال) في الحديث القدسي: (لا ينبغي لعبد لي) .. إلخ، قال أبو هريرة: (يعني) النبي ﷺ بضمير أنه قال: (والله ﵎ لا ينبغي لعبد لي) بنصب لفظ الجلالة على أنه مفعول يعني وفاعله ضمير يعود على النبي ﷺ أي لا يصلح ولا يليق ولا يجوز لعبد لي بالتنوين والتنكير أي لعبد من عبادي أيًا كان نبيًّا كان أو مرسلًا أو ملكًا أو غيرهم (وقال ابن المثنى) في روايته العبدي) بإضافته إلى ياء المتكلم وهو الله تعالى في هذه الرواية، ويحتمل أن تكون الإضافة غير محضة بجعل العبد صفة مشبهة أي لشخص متصف بعبوديتي أي بكونه عبدًا مخلوقًا لي، ويصح أن تكون الإضافة محضة معزفة أي لعبدي المكرم المشرف عندي كالأنبياء والمرسلين فغيرهم من باب أولى في المنع من هذا القول نظير قوله تعالى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] أي عبادي المكرمين عندي والمشرفين لدي وقد شهد لهذا المعنى ما قد روي في كتاب أبي داود في هذا الحديث دالا ينبغي لنبي أن يقول أنا خير من يونس أخرجه برقم [٤٦٧٠] كما قد روى أيضًا ما يشهد لتنكير عبد في كتاب مسلم "لا أقول إن أحدًا أفضل من يونس" رواه برقم [٢٣٧٣] وعلى هذا يقيد مطلق الرواية الأولى بمقيد هذه الرواية فيكون معناه لا ينبغي لعبد نبي أن يقول أنا خير من يونس وهذا المعنى هو الأولى لأن من ليس بنبي لا يمكنه بوجه أن يقول أنا أفضل من النبي لأنه من المعلوم الضروري عند المشرعين أن درجة النبي لا يبلغها ولي ولا غيره وإنما يمكن ذلك في الأنبياء لأنهم صلوات الله وسلامه عليهم قد تساووا في النبوة وتفاضلوا فيما بينهم بما خص به بعضهم دون بعض فإن منهم من اتخذه الله خليلًا، ومنهم من اتخذه حبيبًا، ومنهم أولو العزم،
стр. 9888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنهم من كلم الله على ما هو المعروف من أحوالهم وقد قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فإن قيل إذا كانوا متفاضلين في أنفسهم فكيف ينهى عن التفضيل وكيف لا يقول من هو في درجة عليا أنا خير من فلان لمن هو دونه على جهة الإخبار عن المعنى الصحيح، فالجواب أن مقتضى هذا الحديث المنع من إطلاق ذلك اللفظ لا المعنى من اعتقاد معناه أدبًا مع يونس ﵇ وتحذيرًا من أن يفهم في يونس نقص من إطلاق ذلك اللفظ.
وإنما خُص يونس بالذكر في هذا الحديث لأنه لما دعا قومه للدخول في دينه فأبطؤوا عليه ضجر واستعجل بالدعاء عليهم ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث ليال، وفر منهم فرأى قومه دخانًا ومقدمات العذاب الذي وعدهم فآمنوا به وصدقوه وتابوا إلى الله تعالى فردوا المظالم حتى ردوا حجارة مغصوبة كانوا بنوها ثم إنهم فرقوا بين الأمهات وأولادهم ودعوا الله تعالى وضجوا بالبكاء والعويل وخرجوا طالبين يونس فلم يجدوه لم يزالوا كذلك حتى كشف الله عنهم العذاب ومتعهم إلى حين وهم أهل نينوى من بلاد الموصل على شاطئ دجلة ثم إن يونس ركب في سفينة فسكنت ولم تجر فقال أهلها: فيكم آبق؟ فقال: أنا فأبوا أن يكون هو الآبق فقارعهم فخرجت القرعة عليه فرُمي في البحر فالتقمه حوت كبير فأقام في بطنه ما شاء الله تعالى، وقد اختلف في عدد ذلك من يوم إلى أربعين وهو في تلك المدة يدعو الله تعالى ويسبحه إلى أن عفا الله عنه فلفظه الحوت في ساحل لا نبات فيه وهو كالفرخ فأنبت الله تعالى عليه من حينه شجرة اليقطين فسترته بورقها، وحكى أهل التفسير أن الله تعالى قيض له أروية -الأنثى من الوعول- ترضعه إلى أن قوي فيبست الشجرة فاغتم لها وتألم فقيل له: أتغتم وتحزن لهلاك شجرة ولم تغتم على هلاك مائة ألف أو يزيدون؟ وقد دل على صحة ما ذُكر قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ الآيات إلى آخرها [الصافات / ٣٩ ١ - ١٤٨] وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن للنبوة أثقالًا وإن يونس تفسخ -ضعُف- تحتها تفسخ الربع -ولد الناقة-" أو كما قال، رواه الحاكم [٢/ ٥٨٤]، والقاضي عياض في الشفا [١/ ٤٤٢ - ٤٤٣].
"قلت": ولما جرى هذا ليونس ﵇ وأطلق الله تعالى عليه أنه ﴿مُلِيمٌ﴾ أي أتى لما يلام عليه قال على لسان نبيه "ولا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس" لأن
стр. 9889
أَنْ يَقُولَ: أَنا خَير مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتى، ﵇".
قَال ابْنُ أَبِي شَيبَةَ: مُحَمدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ.
٦٠٠٦ - (٢٣٥٦) (١١١) حدَّثنا مُحَمدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشار، (وَاللفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ. قَال: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولُ: حَدثَنِي ابْنُ عَم نَبِيكُمْ ﷺ ، (يَعْنِي ابْنَ عَباسٍ)، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: "مَا يَنْبَغِي لِعْبَدٍ أَنْ
ــ
ذلك يوهم نقصًا في نبوته وقدحًا في درجته وقد بينا- لعبد هنا بمعنى النبي، وقد قيل إنه محمول على غير الأنبياء ويكون معنى قوله لا ينبغي لعبد (أن يقول أنا خير من يونس بن متى ﵇) لا يظن أحد ممن ليس بنبي وإن بلغ من العلم والفضل والمنازل الرفيعة والمقامات الشريفة الغاية القصوى أنه يبلغ مرتبة يونس ﵇ لأن أقل مراتب النبوة لا يلحقها من ليس من الأنبياء وهذا المعنى صحيح والذي صدرنا به الكلام أحسن منه والله سبحانه أعلم اهـ من المفهم (قال) أبو بكر (بن أبي شيبة) في روايته: حدثنا (محمد بن جعفر عن شعبة) بالعنعنة بدل قول المحمدين حدثنا شعبة بصيغة السماع.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٤٠٥]، والبخاري في مواضع كثيرة منها في الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ [٣٤١٥ و ٣٤١٦]، وأبو داود [٤٦٦٩].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة لحديث أبي هريرة بحديث ابن عباس ﵃ فقال:
٦٠٠٦ - (٢٣٥٦) (١١١) (حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار واللفظ لابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة قال) قتادة: (سمعت أبا العالية) رفيع بالتصغير بن مهران الرياحي بكسر الراء نسبة إلى بطن من تيم يسمى رياح وإلى محلة لهم في مدينة البصرة البصري، ثقة مخضرم إمام، من (٢) روى عنه في (٤) أبواب (يقول: حدثني ابن عم نبيكم ﷺ قال قتادة: (يعني) أبو العالية بابن عم نبيكم عبد الله (بن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته (عن النبي ﷺ قال: ما ينبغي) أي لا يصلح ولا يليق (لعبد) من عباد الله أيًا كان (أن
стр. 9890
يَقُولَ: أَنا خَيرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى"، وَنَسَبَهُ إِلَي أَبِيهِ.
٦٠٠٧ - (٢٣٥٧) (١١٢) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيدُ الله بْنُ سَعِيدٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيدِ الله. أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَكْرَمُ الناسِ؟ قَال:
ــ
يقول: أنا خير من يونس بن متى) بتشديد التاء كلمة أنا إما راجعة إلى النبي ﷺ فحينئذٍ قال ذلك القول تواضعًا منه، أو قبل علمه أنه سيد ولد آدم، قال الراوي أو من دونه (ونسبه) أي نسب النبي ﷺ يونس (إلى أبيه) متى، قال الحافظ في الفتح: فيه إشارة إلى الرد على من زعم أن متى اسم أمه وهو محكي عن وهب بن منبه في المبتدأ وذكره الطبري وتبعه ابن الأثير في الكاف والذي في الصحيح أصح.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢٤٢]، والبخاري في مواضع منها في الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ [٣٤١٣]، وأبو داود في السنة باب في التخيير بين الأنبياء ﵈ [٤٦٦٩].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٦٠٠٧ - (٢٣٥٧) (١١٢) (حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن المثنى وعبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري مولاهم النيسابوري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب (قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي القطان البصري (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٢) بابا (أخبرني سعيد بن أبي سعيد) المقبري كيسان أبو سعد المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٠) أبواب (عن أبيه) أبي سعيد المقبري كيسان بن سعيد المدني الليثي مولاهم مولى أم شريك الليثية، ثقة، من (٢) روى عنه في (٩) سُمي بالمقبري لأنه كان نازلًا قرب المقبرة (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته (قال) أبو هريرة: (قيل يا رسول الله) لم أر أحدًا من الشراح ذكر اسم هذا القائل (من كرم الناس) أي أفضلهم وأشرفهم وأخيرهم عند الله تعالى وعند الناس (قال) رسول الله ﷺ : في
стр. 9891
"أَتْقَاهُم" قَالُوا: لَيسَ عَنْ هَذَا نَسْألُكَ. قَال: "فَيُوسُفُ نَبِي الله ابْنُ نَبِي الله ابْنِ
ــ
جواب السائل أكرم الناس (أتقاهم) لله تعالى أي أكثرهم بتقوى الله تعالى بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، وفي رواية البخاري: (أكرمهم أتقاهم) وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي أكثرهم خشية لله تعالى (قالوا) أي قال السائلون: (ليس عن هذا) الأتقى (نسألك) يا رسول الله أي ليس نسألك عن هذا الأتقى الذي أجبتنا به وإنما أجابهم النبي ﷺ بهذا الأتقى لظنه أنهم يسألونه عن الصفات التي يكرم بها الإنسان على سبيل العموم فلما قالوا ليس عن هذا نسألك ظن أنهم يسألونه عن خصوص من أُوتي هذه الصفات مع شرف النسب وفُضل بها على سائر الناس (قال: فـ) أكرم الناس (يوسف) نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله وقد جمع يوسف ﵇ مكارم الأخلاق مع شرف النبوة وشرف النسب، وكونه نبيا ابن ثلاثة أنبياء متناسلين أحدهم خليل الله ﵇ وانضم إليه شرف علم الرؤيا وتمكنه فيه ورياسة الدنيا وملكها بالسيرة الجميلة وحياطته للرعية وعموم نفعه إياهم وشفقته عليهم وإنقاذه إياهم من تلك السنين.
وإنما أطلق عليه أكرم الناس من جهة أنه ﵇ جمع بين مكارم الأخلاق مع كونه نبيًا ابنًا لثلاثة أنبياء متناسلين وهذه الخصوصية لا يشاركه فيها أحد، قال الأبي: ولا يلزم من اختصاص يوسف ﵇ بتلك الفضيلة أن يكون أفضل من النبي ﷺ فإن المفضول قد يختص بفضيلة ولا يلزم أن يكون بسببها أفضل اهـ.
"قلت": أما كونه مفضولًا بالنسبة إلى النبي ﷺ فلا يعارضه حديث الباب لأن المتكلم خارج عن التفضيل لا سيما في جواب الصحابة الذين كانوا يعتقدون أن رسول الله ﷺ أفضل البرية فظاهر أن سؤالهم كان عن أكرم الناس بعد النبي ﷺ ولكن يشكل عليه فضيلة إبراهيم وموسى ﵉ ويُجاب عنه بما أجاب به الأبي من أنه أكرم الناس بهذه الجهة المخصوصة.
وعبارة القرطبي: (قول السائل من أكرم الناس) معناه من هو أولى بهذا الاسم ولذلك أجابه النبي ﷺ بجواب كلي فقال: "أتقاهم" وهذا منتزع من قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فلما قالوا ليس عن هذا نسألك نزل إلى ما يقابله وهو الخصوص بشخص معين، فقال يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم: لأنه نبي بن نبي بن نبي بن نبي ﵈ فإن هذا لم يجتمع لغيره من ولد آدم فهو أحق الناس المعنيين
стр. 9892
نَبِي الله ابْنِ خَلِيلِ الله" قَالُوا: لَيسَ عَن هَذَا نَسألُكَ. قَال: "فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْألُوني؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِليةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلامِ، إِذَا فَقُهُوا"
ــ
بهذا الاسم، فلما (قالوا: ليس عن هذا نسألك) تبين له أنهم سألوه عمن هو أحق بهذا الاسم من العرب و (قال فعن معادن العرب) أي عن أكرم أصولها وقبائلها (تسألوني) فأجابهم بقوله: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) في الدين، معناه أن أصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية إذا أسلموا وفقهوا فهم خيار الناس.
قوله: (فعن معادن العرب تسألوني) والمعادن جمع معدن مأخوذ من عدن إذا أقام والعدن الإقامة ولما كانت أصول قبائل العرب ثابتة سُميت معادن أي فعن أصولهن التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها تسألوني بتشديد النون بإدغام نون الرفع في نون الوقاية نظير قوله تعالى: ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ ويجوز تخفيفها بحذف إحداهما لتوالي الأمثال، وإنما سُميت القبائل معادن لما فيها من الاستعداد المتفاوت أو شبهها بالمعادن لكونها أوعية الشرف كما أن المعادن أوعية للجواهر اهـ فتح الباري [٦/ ٤١٥].
ثم قال: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) بضم القاف أي صاروا فقهاء عالمين بالشرع، قال القرطبي: فمعنى هذا أن من اجتمع له خصال شرف في زمن الجاهلية من شرف الآباء ومكارم الأخلاق وصنائع المعروف مع شرف دين الإسلام والتفقه فيه فهو الأحق بهذا الاسم، وقد تقدم أن الكرم كثرة الخير والنفع ولما كانت تقوى الله تعالى هو الذي حصل به خير الدنيا والآخرة مطلقًا كان المتصف بها أحق بهذا الاسم فإنه أكرم الناس لكن هذه قضية عامة فلما نظر النبي ﷺ فيمن تعين في الوجود بهذه الصفة ظهر له أن الأنبياء بهذا المعنى إذ لا يبلغ أحد درجتهم وإن أحقهم بذلك من كان معرفًا في النبوة وليس ذلك إلا ليوسف كما ذكره النبي ﷺ ويؤخذ منه الرد على من قال: إن إخوة يوسف كانوا أنبياء إذ لو كانوا كذلك لشاركوا يوسف في ذلك المعنى ثم إنه لما نظر النبي ﷺ بين الأعم والأخص ظهر أن الأحق بذلك المعنى نوع من الأنواع المتوسطة بين الجنس الأعم والنوع الأخص، وظهر له أنهم أشراف العرب ورؤساؤهم إذا تفقهوا في الدين وعلموا وعملوا فحازوا كل الرتب الفاخرة إذا اجتمع لهم شرف الدنيا والآخرة، وفيه ما يدل على شرف الفقه في الدين وأن العالم يجوز له أن يجيب بحسب ما يظهر له ولا يلزمه أن يستفصل السائل عن تعيين الاحتمالات إلا إن خاف على السائل غلطًا أو سوء فهم فيستفصله كما هو مقرر في الأصول اهـ من المفهم.
стр. 9893
٦٠٠٨ - (٢٣٥٨) (١١٣) حدَّثنا هَدابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "كَانَ زَكَرِياءُ نَجارًا"
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٥٧]، والبخاري في مواضع منها في الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [٣٣٥٣].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
٦٠٠٨ - (٢٣٥٨) (١١٣) (حدثنا هداب بن خالد) بن الأسود القيسي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن ثابت) بن أسلم البناني البصري (عن أبي رافع) المدني نفيع بن رافع الصانع العدوي مولاهم مولى ابنة عمر بن الخطاب، ثقة، من (٢) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ قال: كان زكرياء) ﵇ (نجارًا) والنجار من ينحت الأخشاب ويجعلها أبوابًا وكراسي مثلًا، قال ابن إسحاق: كان زكريا وابنه يحيى آخر من بُعث من بني إسرائيل قبل عيسى، وقال أيضًا: أراد بنو إسرائيل قتل زكريا ففر منهم فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها فالتأمت عليه فأخذ الشيطان بهدبة ثوبه فرأوها فوضعوا المنشار على الشجرة فنشروها حتى قطعوه من وسطه في جوفها كذا في فتح الباري والله أعلم، قال النووي: في الحديث جواز الصنائع وإن النجارة لا تسقط المروءة وأنها صنعة فاضلة، وفيه فضيلة لزكريا ﵇ فإنه كان صانعًا يأكل من كسبه وقد ثبت قوله ﷺ : "أفضل ما أكل الرجل من كسبه" اهـ وزكريا يقرأ بفتح الزاي والكاف وكسر الراء ثم فيه أربع لغات؛ المد كما وقع هنا، والقصر كما هو في القرآن الكريم وحُذف الألف مع تخفيف الياء زكَرِيَ وتشديدها زكَرِي وليس هو زكريا الذي له صحيفة مستقلة في أسفار العهد القديم لأهل الكتاب لأنه كان قبل المسيح ﵇ بخمسة قرون، وزكريا الذي ذكره القرآن كان قبيل المسيح ﵇ وابنه يحيى وزوجته اليشع أخت لحنة امرأة عمران وأم مريم فكانت زوجة زكريا ﵇ خالة لمريم، وكان زكريا من سلالة داود ﵉، وزوجته من ذرية هارون ﵇ اهـ تفسير ابن كثير [٢/ ٤٧]، وفتح الباري [٦/ ٤٦٨].
стр. 9894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن زكريا هذا ﵇ مذكور في إنجيل لوقا [١/ ٥] وذكر فيه أنه كان كاهنًا وكانت الكهانة منصبًا في بني إسرائيل يتولى أداء العبادات وليس هو الكاهن بالمعنى المعروف عند العرب، وقد صرح في إنجيل برنابا بأنه كان نبيًا اهـ تكملة، قال القرطبي: (قوله: كان زكريا نجارًا) يدل على شرف النجارة وعلى أن التحرف بالصناعات لا يغض من مناصب أهل الفضائل بل نقول: إن الحرف والصناعات غير الركيكة زيادة في فضيلة أهل الفضل يحصل لهم بذلك التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم وكسب الحلال الخلي عن الامتنان الذي هو خير المكاسب كما قد نص عليه النبي ﷺ حيث قال: "إن خير ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" رواه البخاري [٢٠٧٢] وقد نقل عن كثير من الأنبياء أنهم كانوا يحاولون الإعمال فأولهم آدم ﵇ علمه الله تعالى صناعة الحراثة، ونوح ﵇ علمه الله تعالى صناعة النجارة، وداود ﵇ علمه الله تعالى صناعة الحدادة، وقيل: إن موسى ﵇ كان كاتبًا يكتب التوراة وكلهم قد رعى الغنم كما قال ﷺ وعليهم أجمعين اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٩٦]، وابن ماجه [٢١٥٠] والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث تسعة: الأول منها حديث أبي هريرة الأول: ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث: حديث أبي هريرة الثالث ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات، والرابع: حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والخامس: حديث أنس بن مالك ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والسادس: حديث أبي هريرة الرابع ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والسابع: حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد، والثامن: حديث أبي هريرة الخامس ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة، والتاسع: حديث أبي هريرة السادس ذكره للاستدلال على الجزء الأخير من الترجمة والله سبحانه أعلم.
***
стр. 9895
٦٩٨ - (١٢) باب فضائل الخضر ﵇ -
٦١١٣ - (١٧٠) حدَّثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الناقِدُ وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنظَلِي وَعُبَيدُ الله بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّي. كُلهم عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ (وَاللفظُ لابْنِ أَبِي عُمَرَ)، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَار، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ. قَال: قُلْتُ لابنِ عَباسٍ: إِن نَوْفًا الْبِكَالي يَزْعُمُ أن مُوسَى، ﵇، صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ، ﵇
ــ
٦٩٨ - (١٢) باب فضائل الخضر ﵇
٦٠٠٩ - (٢٣٥٩) (١١٤) (حدثنا عمرو بن محمد) بن بكير بن شابور (الناقد) البغدادي (وإسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (الحنظلي) المروزي (وعبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري مولاهم أبو قدامة السرخسي النيسابوري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب (ومحمد) بن يحيى (بن أبي عمر المكي) العدني (كلهم) أي كل هؤلاء الأربعة رووا (عن) سفيان (بن عيينة) الأعور الكوفي المكي (واللفظ لابن أبي عمر) قال: (حدثنا سفيان بن عيينة) بصيغة السماع وبتصريح اسمه (حدثنا عمرو بن دينار) الجمحي المكي (عن سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه من (٣) روى عنه في (٧) أبواب (قال) سعيد (قلت لابن عباس) ﵁. وهذا السند من سداسياته لأنه من مسند أبي بن كعب كما سيأتي، وفيه رواية صحابي (إن نوفًا) بفتح النون وسكون الواو (البكالي) بكسر الباء الموحدة وتخفيف الكاف المفتوحة، وهي الرواية المشهورة الصحيحة، وقد ضبطه الخشني وأبو بكر بفتح الباء والكاف وتشديدها، والأول هو الصواب نسبة إلى بكال بن دعمي بن سعد بطن من حمير، وقيل من همدان، وإليهم يُنسب نوف هذا وهو نوف بن فضالة على ما قاله ابن دريد وغيره، يكنى بأبي زيد، وكان عالمًا فاضلًا قاصًا من قُصاص أهل الكوفة وإمامًا لأهل دمشق، ويقال إنه ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل ابن أخيه، وهو تابعي صدوق قاله الحافظ في الفتح [٨/ ٤١٣] (يزعم) أن يقول قولًا فاسدًا بلا دليل، والزعم هنا القول الفاسد (أن موسى ﵇ صاحب بني إسرائيل) ورسولهم (ليس هو موسى صاحب الخضر ﵇) أي الذي لازمه للتعلم منه وإنما هو غيره، ووقع في رواية ابن إسحاق عن سعيد بن جبير عند النسائي قال: كنت عند ابن عباس وعنده قوم من أهل الكتاب فقال بعضهم: يا أبا عباس إن نوفا يزعم عن كعب الأحبار أن موسى الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا أي
стр. 9896
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن أفراثيم بن يوسف ﵇ لا موسى بن عمران، فقال ابن عباس: أسمعت ذلك منه يا سعيد؟ قلت: نعم، قال: كذب نوف.
وقوله: (صاحب الخضر ﵇) بفتح الخاء وكسر الضاد وهذا لقبه وقد ثبت في وجه تسميته بذلك حديث مرفوع أخرجه البخاري في الأنبياء [٣٤٠٢] عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء وفروة الحشيش الأبيض" وما أشبهه كما فسره بذلك عبد الرزاق، وقال ابن الأعرابي: الفروة أرض بيضاء ليس فيها نبات، وقال الحربي: الفروة من الأرض قطعة يابسة من حشيش، وقد اختلف العلماء في اسمه ونسبه اختلافًا كثيرًا فروى الدارقطني بسند ضعيف إلى مقاتل بن سليمان أنه ابن آدم، وذكر أبو حاتم عن بعض مشايخه أنه ابن لقابيل بن آدم، وذكر وهب بن منبه أنه بليا بن ملكان بن فالغ بن عامر بن أَرْفَخْشَذِ بن سام بن نوح، وحكى ابن قتيبة أنه ابن عمائيل بن النون بن العَيصِ بن إسحاق، وروى الكلبي أنه من سبط هارون أخي موسى، وقال ابن إسحاق: إنه أرميا بن خلفيا، ورُوي عن ابن لهيعة أنه ابن بنت فرعون، وحكى النقاش عن بعضهم أنه ابن فرعون لصلبه، وحُكي عن مقاتل أيضًا أنه اليسع ﵇، وروى الطبري عن ابن شوذب أنه من ولد فارس، وقيل: كان أبوه فارسيًا وأمه رومية، وقيل: بالعكس اهـ من الإصابة [١/ ٤٢٨] وليس لشيء من هذه الأقوال مستند يعتمد عليه.
واختلف العلماء أيضًا في كونه نبيًا والجمهور على أنه نبي لأن الله تعالى في خبره مع موسى ﵇ حكاية عنه ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ظاهره أنه فعله بأمر الله تعالى، والأصل عدم الواسطة، ويحتمل أن يكون بواسطة نبي آخر لم يُذكر وهو بعيد ولا سبيل إلى القول بأنه إلهام لأن ذلك لا يكون حجة حتى يُعلل به ما عمل من قتل النفس وتعريض الأنفس للغرق وأيضًا فكيف يكون غير النبي أعلم من النبي، وكيف يكون النبي تابعًا لغير النبي، وقال بعض أكابر العلماء إن إنكار نبوته أول درجة من الزندقة لأن الزنادقة يستدرجون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من النبي.
واختلفوا أيضًا هل هو نبي مرسل أو غير مرسل؟ والجمهور على الثاني، قال أبو حيان في تفسيره: والجمهور على أنه نبي وكان علمه معرفة بواطن أوحيت إليه وعلم موسى الحكم بالظاهر، وحاصله أن نبوته نبوة تكوين لا نبوة تشريع والله أعلم.
стр. 9897
فَقَال: كَذَبَ عَدُو الله. سَمِعْتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "قَامَ مُوسَى ﵇ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَسُئِلَ: أَي الناسِ أَعلَمُ؟ فَقَال: أَنا أَعْلَمُ
ــ
واختلفوا أيضًا هل هو حي أو مات؟ فذهبت جماعة من العلماء إلى أنه أُعطي عمرًا طويلًا وهو حي إلى اليوم ولكنه محجوب عن الأبصار ويبقى حيًّا إلى خروج الدجال، قال النووي: جمهور العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا، وأنكر ذلك بعض المحدثين وقالوا: إنه مات.
وبالجملة فلم يثبت في القرآن ولا في السنة دليل يعتمد عليه في حياته أو موته وليست المسألة من العقائد التي يجب الاهتمام بها والبحث عن أدلتها والاشغال بها ضياع زمن فيما لا ينبغي ولا يعتنى به والمطلوب التوقف والسكوت عنها لأنها ليست مما يجب علينا البحث عنها. (فقال) ابن عباس ﵁: (كذب عدو الله) يعني نوفا البكالي وهذا قول أصدره غضب على من يتكلم بما لم يصح فهو إغلاط وردع، وقد صار غير نوف إلى ما قاله نوف لكن الصحيح ما قاله ابن عباس في الحديث لا أنه يعتقد أنه عدو الله حقيقة إنما قاله مبالغة في إنكار قوله لمخالفته قول رسول الله ﷺ وكان ذلك في حال غضب ابن عباس لشدة إنكاره وفي حال الغضب تطلق الألفاظ ولا تراد حقائقها، والظاهر أنه لم يقل هذا الكلام في نوف البكالي وإنما قال ذلك في كعب الأحبار كما تدل عليه رواية النسائي التي ذكرناها آنفًا ولفظها (يا أبا عباس إن نوفًا يزعم عن كعب الأحبار .. إلخ) وقد تدل بعض الروايات عن أن جماعة من الصحابة كانوا في شك في أمره فإني (سمعت أبي بن كعب يقول سمعت رسول الله ﷺ : يقول قام موسى ﵇ خطيبًا في بني إسرائيل) وتفصيل هذا السماع ما أخرجه البخاري في العلم عن ابن عباس بلفظ (أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، قال ابن عباس: هو خضر فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيه هل سمعت النبي ﷺ يذكر شأنه؟ قال: نعم، فذكر الحديث) (فسئل) موسى (أي) أفراد (الناس أعلم) أي أكثر علمًا من غيره (فقال) موسى: (أنا أعلم) أهل زماني ممن أُرسلت إليه ولم يكن موسى أرسل إلى الخضر، قاله الحافظ في الفتح [١ /
стр. 9898
قَال: فَعَتَبَ الله عَلَيهِ إِذْ لَم يَرُد العِلْمَ إِلَيهِ. فَأوْحَى الله إِلَيهِ: أَن عَبدًا مِن عِبَادِي بِمَجمَعِ الْبَحرَينِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ
ــ
٢١٩] قال المازري (فإن قلت): النبي لا يقع منه الكذب وقد أوحى الله سبحانه إليه أن له عبدا هو أعلم منه. (فالجواب): أن قوله أنا أعلم معناه في اعتقادي بما ظهر لي من مقتضى الحال فإن النبوة بالمكان الرفيع والعلم من أرفع المراتب فقد ظهر من هذه الجهة أنه أعلم الناس فهو خبر صدق لأنه عن مقتضى علمه، وقد وقع في طريق آخر قيل له: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا، فهذا لا يكون عليه به عتب إذ أخبر عما يعلم فالأولى كذلك لأنه في معناه، قال القاضي عياض: وقيل: يعني بقوله أنا أعلم أي بما تقتضيه النبوة وأمور الشريعة وسياسة الأمة، ويدل عليه قول الخضر فيما يأتي "أنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه وأنا على علم علمنيه الله لا تعلمه" وإذا كان كذلك فخبره عن ذلك صدق اهـ من الأبي (قال) رسول الله ﷺ : (فعتب الله) سبحانه موسى ﵇ ولامه (عليه) أي على قوله: أنا أعلم، والعتاب في حقنا لوم الحبيب حبيبه على ما لا يليق به، وأما العتاب في حق الله سبحانه صفة ثابتة له نثبتها ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها ولا نعطلها ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، واذ في قوله: (إذ لم يرد العلم إليه) تعالى معللة للعتاب أي وإنما عتبه لعدم رده العلم بالأعلم إليه تعالى لأن رد العلم إليه تعالى هو الأدب، وقال المازري: معنى عتبه لم يرض قوله شرعًا، وقال القاضي عياض: ومعنى عتبه أخذه وعنفه وأصل العتب المؤاخذة، وقال ابن العربي: قول موسى ﵇ صدق لأنه شهد بما علم ولكنه لما كان فيه نوع من الافتخار لشرف منزلته عتبه اهـ من الأبي، قال الأبي: وصورة رد العلم إليه تعالى أن يقول في الجواب الله أعلم أو يقول أنا والله أعلم اهـ (فأوحى الله) سبحانه (إليه) أي إلى موسى ﵇ (أن عبدًا) بفتح الهمزة أي بأن، وفي رواية للبخاري إن بكسر الهمزة على تقدير فقال: إن عبدًا والمراد به الخضر أي أوحي إليه بأن عبدًا (من عبادي بمجمع البحرين) أي بملتقى بحري فارس والروم من جهة المشرق وهذا أقرب ما قيل لأن موسى كان بالشام وقيل: هما بحري الأردن والقلزم (وهو أعلم منك) أي بأحكام مفصلة وحكم نوازل معينة لا مطلقًا بدليل قول الخضر لموسى "إنك على علم علمكه الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت" وعلى هذا فيصدق على كل واحد منهما أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما ولا يعلمه الآخر فلما سمع موسى هذا تشوقت وعشقت نفسه الفاضلة وهمته العالية لتحصيل علم ما لم يعلم واللقاء من قيل فيه
стр. 9899
قَال مُوسَى: أَي رَبِّ، كَيفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احملْ حُوتا فِي مِكتَلٍ، فَحَيثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ. وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ
ــ
أنه أعلم فسأل سؤال الذليل كيف السبيل إليه إذ (قال موسى) ﵇ (أي رب) أي يا ربي ويا مالك أمري (كيف) يحصل (لي) الاتصال (به) واللقاء له دلني يا رب على طريق الوصول إليه (فقيل له) أي لموسى من جهة الله سبحانه أي أوحى إليه بأن (احمل) معك (حوتًا) أي سمكة مالحة كما صُرح به في الرواية الثانية (في مكتل) أي في زنبيل، والمكتل بكسر الميم وسكون الكاف وفتح التاء القفه وهو الزنبيل، وفي رواية يعلى عند البخاري (خذ نونًا ميتًا حيث يُنفخ فيه الروح) (فحيث تفقد) من باب ضرب أي ففي أي محل فقدت (الحوت) فيه بذهابه منك (فهو) أي فذلك العبد الأعلم منك (ثم) أي موجود هناك، وفي الحديث اتخاذ الزاد في السفر والرحلة في طلب العلم والتزويد منه ومعرفة من له زيادة علم، وقيل: إنما لجأ للخضر للتأديب لا للتعليم (فانطلق) أي ذهب موسى لطلب الخضر (وانطلق) أي ذهب (معه) أي مع موسى (فتاه) أي صاحبه وخادمه (وهو) أي ذلك الفتى (يوشع بن نون) ظاهره أن هذا التفسير جزء من الحديث، ولكن وقع بعده في رواية ابن جريج عند البخاري (ليست عن سعيد) وأوله الحافظ بأن الذي نفاه صورة السياق لا التسمية فإنها وقعت في رواية عمرو بن دينار والله أعلم.
وفي الحديث من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم وكان ذلك دأب السلف الصالح وبذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح وحصلوا على السعي الناجح فرسخت في العلوم لهم أقدام وصح لهم من الذكر والأجر أفضل الأقسام ثم إن موسى أزعجه القلق فانطلق مغمورًا بما عنده من الشوق والحرق يمشي مع فتاه على الشط ولا يبالي بمن حط لا يجد نصبًا ولا يخطئ سببًا إلى أن أويا إلى الصخرة فناما في ظلها، قال بعض المفسرين: وكانت على مجمع البحرين وعندها ماء الحياة حكى معناها الترمذي عن سفيان بن عيينة فانتضح منه على الحوت فحيي واضطرب فخرج من المكتل حتى سقط في الماء فأمسك الله جرية الماء عن موضع دخوله حتى كان مثل الطاق وهو النقب الذي يدخل منه اهـ من المفهم.
ويوشع بن نون ﵇ هو الذي قام في بني إسرائيل بعد موت موسى، ونقل
стр. 9900
فَحَمَلَ مُوسَى، ﵇، حُوتًا فِي مِكتَلٍ. وَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ حَتى أَتَيَا الصخْرَةَ. فَرَقَدَ مُوسَى، ﵇، وَفَتَاهُ. فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ، حَتَّى خَرَجَ مِنَ المكْتَلِ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ. قَال: وَأَمْسَكَ الله عَنْهُ جِزيَةَ الْمَاءِ حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطاقِ،
ــ
ابن العربي أنه كان ابن أخت موسى، وزعم ابن العربي أن ظاهر القرآن يقتضي أن الفتى ليس هو يوشع وكأنه أخذه من لفظ الفتى أو أنه خاص بالرقيق وليس بجيد لأن الفتى مأخوذ من الفتى بفتح الفاء وسكون التاء وهو الشباب وأطلق ذلك على من يخدم سواء كان شابًّا أو شيخًا اهـ فتح الباري.
(فحمل موسى ﵇ حوتًا في مكتل) وفي رواية الربيع بن أنس عند ابن أبي حاتم أنهما اصطاداه (وانطلق هو) أي موسى (وفتاه) يوشع بن نون حالة كونهما (يمشيان) بالرجل على ساحل البحر لطلب الخضر (حتى أتيا) ووصلا (الصخرة فرقد) أي نام (موسى ﵇ وفتاه) يوشع بن نون؛ أي رقدا في ظل الصخرة أخذًا للراحة من تعب السير، وفي رواية يعلى عند البخاري (فبينا هو في ظل صخرة في مكان ثريان أي مبلول إذ تضرب الحوت أي سار وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره وتضرب الحوت حتى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر) (فاضطرب الحوت) أي تحرك وارتعش (في المكتل حتى خرج من المكتل فسقط في البحر) وفي رواية سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عند البخاري في التفسير [٤٧٢٧] قال سفيان وفي حديث غير عمرو قال وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصب من مائها شيء إلا حيي فأصب الحوت من ماء تلك العين قال: فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر واستظهر الحافظ في الفتح [٨/ ٤١٥] أن سفيان بن عيينة سمعه من قتادة فإن ابن أبي حاتم أورد قصة العين من طريقه وقد أنكر الداودي هذه الزيادة وقال: فإن كان محفوظًا فهو من خلق الله وقدرته والله أعلم (قال) رسول الله ﷺ : (وأمسك الله) سبحانه (عنه) أي عن السمك أي عن مسلكه (جرية الماء) أي رجوعه وانصبابه في مسلكه وطريقه فبقي مسلكه مفتوحًا (حتى كان) مسلكه (مثل الطاق) والكوة في الجدار، والطاق في الأصل عقد البناء وجمعه طيقان وأطواق وهو الأزج وما عقد أعلاه من البناء وبقي ما تحته خاليًا اهـ نووي، قال قتادة: جمد الماء فصار كالسرب
стр. 9901
فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا. وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا. فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَومِهِمَا وَلَيلَتَهُمَا، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَن يُخبِرَهُ، فَلَما أَصبَحَ مُوسَى، ﵇، ﴿قَال لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]. قَال:
ــ
وفي رواية أبي إسحاق الآتية صار مثل الكوة وهو بنفس المعنى، وفي رواية ابن جريج عند البخاري حتى كان أثره في جحر، قال لي عمرو: هكذا كان أثره في جحر وحلق بين إبهاميه واللتين تليانهما، وحاصل الجميع أنه صار في الماء يشبه الطاق أو النفق (فكان) ذلك المسلك (للحوت سربًا) أي نفقًا، والسرب: المسلك والحفير تحت الأرض والقناة يدخل منها الماء (وكان) ذلك المسلك الذي أمسك الله عنه الماء (لموسى وفتاه) يوشع (عجبًا) أي متعجبًا يتعجبان منه أي لما تذكرا فرجعا تعجبًا من قدرة الله تعالى على إحياء الحوت ومن إمساك جري الماء حتى صار بحيث يسلك فيه (فانطلقا) أي انطلق موسى ويوشع (بقية يومهما) أي بقية اليوم الذي رقدا فيه (وليلتهما) المستقبلة لذلك اليوم، ويجوز في الليلة النصب على أنه معطوف على بقية، والجر على أنه معطوف على يومهما كذا قالوا، والأول أولى لأن الليلة ليس لها بقية يعني بعد أن قاما من نومهما ونسيا حوتهما أي غفلا عنه ولم يطلباه لاستعجالهما، وقيل: نسي يوشع الحوت وموسى أن يأمره فيه بشيء، وقيل: نسي يوشع فنسب النسيان إليهما للصحبة لقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] وعلى هذا القول يدل قوله في الحديث: (ونسي صاحب موسى أن يخبره) ويظهر منه أن يوشع أبصر ما كان من الحوت ونسي أن يخبر موسى في ذلك الوقت (فلما أصبح موسى ﵇) أي دخل في صباح الليلة التي مشيا فيها بعد بقية اليوم (قال لفتاه) أي لرفيقه يوشع بن نون: (آتنا غداءنا) أي هات لنا غدائنا لنأكله، والغداء ما يؤكل أول النهار وهذا يدل على أنهما كانا تزودا، وقيل: كان زادهما الحوت وكان مملحًا (قلت): والظاهر من الحديث أنه إنما حمل الحوت معه ليكون فقده دليلًا على موضع الخضر كما تقدم من قوله تعالى لموسى: احمل معك حوتًا في مكتل فحيث تفقد الحوت فهو ثَم، وعلى هذا فيكونان تزودا شيئًا آخر غير الحوت، والله (لقد لقينا) أي قاسينا (من سفرنا هذا نصبًا) أي تعبًا، وقيل جوعًا، وفيه دليل على جواز إخبار الإنسان بما يجده من الأمراض والألم وأن ذلك لا يقدح في الرضا ولا في التسليم بالقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا تسخط (قال) رسول الله صلى الله
стр. 9902
وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ المكَانَ الذِي أُمِرَ بِهِ. ﴿قَال أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ [الكهف:
ــ
عليه وسلم: (ولم ينصب) موسى أي لم يجد موسى ألم النصب والتعب (حتى جاوز المكان الذي أُمر به) أي أمر بطلب العبد الأعلم فيه وهو مجمع البحرين أي إلا بعد أن جاوز موضع فقد الحوت وكان الله تعالى جعل وجدان النصب بسبب طلب الغداء سبب تذكر ما كان من الحوت، ومن هنا قيل: إن النصب هو الجوع فـ (قال) فتاه يوشع بن نون في جواب قول موسى: آتنا غدائنا (أرأيت) يا موسى أي أخبرني والمراد أخبرك يا موسى، والظرف في قوله: (إذ أوينا) وانضممنا (إلى الصخرة) ونزلنا عندها متعلق بقوله: (فإني نسيت الحوت) والمعنى أخبرك يا موسى أني نسيت الحوت وقت إيوائنا ونزولنا عند الصخرة، وهذا قول يوشع جوابًا لموسى وإخبارًا له عما جرى ومعنى أوينا انضممنا ونزلنا وهي هنا بقصر الهمزة لأنه لازم ونسبة الفتى النسيان إلى نفسه نسبة عادية لا حقيقة (وما أنسانيه) أي وما أنساني الحوت بكسر الهاء في رواية غير حفص على القياس، وبضمها على روايته على الأصل كما بسطنا الكلام عليه في تفسيرنا حدائق الروح والريحان فراجعه (إلا الشيطان أن أذكره) أي أن اذكر الحوت وأخبر فقدانه لك، وأن المصدرية مع الفعل في تأويل مصدر منصوب على أنه بدل اشتمال من الضمير في أنسانيه وهو من إبدال الظاهر من المضمر أي وما أنساني ذكر فقدان الحوت عندما سقط في البحر إلا الشيطان، وكان موسى ﵇ ألزمه أول سفرهما بأن يخبره حين يفقد الحوت كما وقع صريحًا في رواية البخاري فلذلك اعتذر يوشع بهذا القول، ولفظ البخاري أن موسى قال لفتاه: (لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت) فاعتذر بذلك القول ويعني الفتى بذلك أن الشيطان سبب للنسيان والغفلة عن الشيء بما يورده على القلب من الخوض في غير المعنى المطلوب، ومن المعلوم أن النسيان لا صنع فيه للإنسان وأنه مغلوب عليه ولذلك لم يؤاخذ الله تعالى به، وإنما محل المؤاخذة الإهمال والتفريط والانصراف عن الأمور المهمة إلى ما ليس بمهم حتى ينسى المهم وهذا هو فعل الشيطان المذموم أن يُشغل ذكر الإنسان بما ليس بمهم ويزينه له حتى ينصرف عن المهم فيذم على ذلك ويُعاقب فيحصل مقصود الشيطان من الإنسان (واتخذ) الحوت (سبيله في البحر عجبًا) أي اتخذ الحوت طريقه في البحر سربًا يابسًا، تعجب منه يوشع
стр. 9903
٦٣]. قَال مُوسَى: ﴿قَال ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]. قَال: يَقُصَّانِ آثارَهُمَا، حَتَّى أتَيَا الصخْرَةَ فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيهِ بِثَوْبٍ، فَسَلمَ عَلَيهِ مُوسَى، فَقَال لَهُ الْخَضِرُ: أَنَّى بِأرْضِكَ السلامُ؟
ــ
ويتعجب به غيره ممن شاهده أو سمع قصته، قال النووي: قيل: إن لفظة عجبًا يجوز أن تكون من تمام كلام يوشع، وقيل: من كلام موسى أي قال موسى: عجبت من هذا عجبًا، وقيل: من كلام الله تعالى ومعناه واتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبًا اهـ (قال موسى) لفتاه: (ذلك) الموضع الذي نفقد فيه الحوت هو (مما كنا نبغي) أي هو الموضع الذي جئنا نطلبه لأن مطلوبنا فيه، وقوله: نبغي بإثبات الياء وقفًا ووصلًا في رواية ابن كثير ويعقوب (فارتدا) أي فرجع موسى وفتاه وراءهما، وقوله: (على آثارهما) جمع أثر وهو موضع القدم متعلق بقوله: (قصصًا) وعلى بمعنى اللام أي رجعا وراءهما، حالة كونهما يقضان قصصًا أي قاصين متتبعين لآثار أقدامهما وباحثين عن موطئهما (قال) النبي ﷺ في تفسيره: (يقصان آثارهما) أي يتتبعان آثار أقدامهما (حتى أتيا الصخرة) التي رقدا في ظلها وانسل الحوت عندها من المكتل (فرأى) موسى (رجلًا مسجى عليه) أي ملتفًا عليه (بثوب) مغطى به كتغطية الميت، وقد جاء مفسرًا في رواية البخاري قال: (جعل طرف ثوبه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه) وفي رواية (مستلقيًا على قفاه) أي مباشرًا بظهره وقفاه الأرض مستقبلًا بوجهه السماء كهيئة الميت الملفوف بالكفن وليس بنائم، ولذلك لما سلم عليه موسى كشف الثوب عن وجهه وقال: عليك السلام من أنت؟ (فسلم عليه) أي على الخضر (موسى) ﵇، قال القاضي عياض: فيه تسليم الماشي والمجتاز على القاعد والمضطجع اهـ (فقال له) أي لموسى: (الخضر أنى) اسم استفهام خبر مقدم، وقوله: (بأرضك) متعلق بقوله: (السلام) وهو مبتدأ مؤخر أي وكيف سلامك عليّ بأرضك التي أنت فيها الآن أي من أين حصل لك السلام في هذه الأرض التي لا يُعرف فيها السلام وهو استفهام استبعاد، وقال القرطبي: وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن ذلك الموضع كان قفرًا لم به أحد يصحبه ولا أنيس يكلمه، ويحتمل أن يكون أهل ذلك الموضع لا يعرفون السلام الذي سلم به موسى إما لأنهم ليسوا على دين موسى وإما لأنه ليس من كلامهم، وأنى تأتي بمعنى حيث وكيف وأين ومتى حكاه القاضي عياض، وفيه من الفقه تسليم القائم على المضطجع وهذا
стр. 9904
قَال: أنا مُوسَى. قَال: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَال: نَعَم. قَال:
ــ
القول من الخضر كان بعد أن رد ﵇ لا قبله، قال القاضي: وهذا الكلام من الخضر يدل على أن السلام لم يكن عندهم معروفًا إلا في الأنبياء والأولياء إذا كان موضع لقاءهم بأرض كفر اهـ أبي.
قال العيني: قوله: (أنى بأرضك السلام) فيه وجهان: أحدهما: أن يكون بمعنى كيف للتعجب والمعنى السلام بهذه الأرض عجيب وكأنها كانت دار كفر أو كانت تحيتهم بغير السلام، والثاني: أن يكون بمعنى من أين كقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ فهي ظرف مكان، والسلام مبتدأ مؤخر، وأنى خبره مقدمًا، وموضع بأرضك نصب على الحال من السلام، والتقدير من أين استقر السلام حال كونه بأرضك اهـ باختصار.
ومساق هذه الرواية يدل على أن اجتماع موسى بالخضر ﵉ كان في البر عند الصخرة وهو ظاهر قوله: (حتى إذا أتى الصخرة رأى رجلًا مسجى بثوب) وفي بعض طرق البخاري (حتى أتى الصخرة فإذا رجل مسجي) فعطفه بالفاء المعقبة وإذا المفاجئة غير أنه قد ذكر البخاري ما يقتضي أنه رآه في كبد البحر وذلك أنه قال فيها: (فوجدا خضرًا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجي بثوبه وجعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه) أخرجها البخاري في رقم [٤٧٢٦] وكبد البحر وسطه وهذا يدل على أنه اجتمع به في البحر، ويحتمل أن موسى مشى على الماء وتلاقيا عليه وهذا لا يستبعد على موسى والخضر فإن الذي خرق لهما من العادة أكثر من هذا وأعظم وعلى هذا فهذه الزيادة تضم إلى الرواية المتقدمة ويجمع بينهما بأن يقال إن وصول موسى للصخرة واجتماعه مع الخضر كان في زمان متقارب أو وقت واحد لطي الأرض وتسخير البحر والقدرة صالحة، وهذه الحالة خارقة للعادة ولما كان كذلك عبر عنها بصيغة التعقيب في الاتصال اهـ من المفهم.
(قال) موسى للخضر حين استبعد سلامه عليه في تلك الأرض التي أهلها كفار (أنا موسى، قال) الخضر له أنت (موسى بني إسرائيل؟ قال) موسى: (نعم) أنا موسى بني إسرائيل، وكلمة نعم هي حرف جواب في الإيجاب فكأنه قال: أنا موسى بني إسرائيل فهذا نص في الرد على نوف وعلى من قال بقوله: وهم أكثر اليهود، وفي هذه الرواية حذف تقديره (قال مجيء ما جاء بك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدًا) فـ (قال)
стр. 9905
إِنَّكَ عَلَى عِلمٍ مِن عِلْمِ الله عَلمَكَهُ الله لَا أَعلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْم مِن عِلمِ الله عَلمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ. قَال لَهُ مُوسَى، ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا
ــ
الخضر لموسى: (إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه) أنا؛ وهو علم الظواهر والشرائع (وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه) أنت يا موسى وهو علم المغيبات، قال الأبي: قوله تعالى لموسى إن لي عبدًا هو أعلم منك فإذا كان علمهما مختلفًا فكيف يبنى أفعل التفضيل مما لا شركة فيه؟ قلت بأن الخضر كان مكلفًا فكان يعلم بعض الشرائع فشارك موسى بها واختص بكثير من أمور التكوين فصار أعلم منه والله أعلم.
ثم قص الله سبحانه ما جرى بين موسى والخضر بعد اجتماعهما فقال: (قال له) أي لذلك العبد الأعلم (موسى هل أتبعك) هذا كلام مستأنف مبني على سؤال نشأ من السياق كأنه قيل فماذا جرى بينهما من الكلام بعد اجتماعهما؟ فقيل: قال له أي للخضر موسى ﵉: (هل أتبعك) أي هل أصحبك، والاستفهام فيه للاستئذان (على) شرط (أن تعلمني) والجار والمجرور في موضع الحال من الكاف أي حال كونك ملتبسًا بتعليمي وهو استئذان منه في اتباعه له على شرط التعليم ويكفيك دليلًا في شرف الاتساع (مما علمت رشدًا) أي على شرط أن تعلمني علمًا ذا رشد وإصابة أرشد به في ديني كائنًا مما علمك الله ، وفي هذا السؤال ملاطفة ومبالغة في حسن الأدب لأنه استأذنه أن يكون تابعًا له على أن يعلمه مما علمه الله تعالى من العلم، قال الإمام: والآية تدل على أن موسى راعى أنواع الأدب حيث جعل نفسه تبعًا له بقوله: (هل أتبعك) واستأذنه في إتيانه هذه التبعية وأقر على نفسه بالجهل ولأستاذه بالعلم في قوله: (على أن تعلمني) ومن في قوله: (مما علمت) للتبعيض أي لا أطلب مساواتك في العلوم وإنما أريد بعضًا من علومك كالفقير يطلب من الغني جزءًا من ماله، وفي قوله: (مما علمت) اعتراف بأنه أخذ العلم من الله، والرشد الوقوف على الخير وإصابة الصواب، وفي الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى فقد يأخذ الفاضل من المفضول وقد يأخذ الفاضل من الفاضل إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر فقد كان علم موسى علم الأحكام
стр. 9906
قَال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ [الكهف: ٦٦ - ٦٩]
ــ
الشرعية والقضاء بظاهرها وكان علم الخضر علم بعض الغيب ومعرفة البواطن اهـ من الحدائق، فأجاب الخضر لموسى إلى ما سأله بما يقتضي أن ذلك ممكن لولا المانع الذي من جهتك وهو عدم صبرك ف (قال) جازمًا في قضيته لما علمه من حاله (إنك) يا موسى (لن تستطيع معي صبرًا) أي لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي لأن الظواهر التي هي علمك لا توافق ذلك فإني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمكه لا أعلمه أنا، ثم أكد ذلك مشيرًا إلى علة عدم الاستطاعة فقال: (وكيف تصبر) يا موسى وتسكت (على ما لم تحط به خبرًا) أي علمًا، وخبرًا تمييز محول عن الفاعل أي لم يحط به خبرك أي علمك أو منصوب على أنه مصدر معنوي لتحط لأن قوله لم تحط معناه لم تخبر فكأنه قال لم تخبره خبرًا وإليه أشار مجاهد، والخبر بضم الخاء وسكون الباء العلم بالشيء والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها وبما يحتاج إلى الاختبار منها، والاستفهام فيه إنكاري بمعنى النفي أي لا تصبر على ذلك أي وكيف تصبر وأنت نبي على ما أقول من أمور ظواهرها منكرة وبواطنها مجهولة، والرجل الصالح العالم لا يتمالك أن يصبر إذا رأى ذلك بل يبادر بالإنكار اهـ من الحدائق (قال) موسى للخضر: (ستجدني إن شاء الله) تعالى صبري معك (صابرًا) معك ملتزمًا طاعتك (و) ستجدني (لا أعصي لك أمرًا) أي لا أخالف أمرًا لك تأمرني به غير مخالف لظاهر أمر الله وشرعه. فجملة قوله: (لا أعصي) معطوفة على (صابرًا) فيكون التقييد بقوله: (إن شاء الله) شاملًا للصبر ونفي المعصية كما أشرنا إليه في الحل أي ستجدني صابرًا وغير عاص أي لا أخالفك في شيء ولا أترك أمرك فيما أمرتني به اهـ من الحداثة، وقوله: (إن شاء الله) تفويض أمره إلى الله تعالى في الصبر وجزم بنفي المعصية وإنما كان منه ذلك لأن الصبر أمر مستقبل ولا يدري كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزوم عليه حاصل في الحال فالاستثناء فيه ينافي العزم عليه والله تعالى أعلم اهـ من المفهم، ويمكن أن يفرق بينهما بأن الصبر ليس مكتسبًا لنا بخلاف فعل المعصية وتركها فإن ذلك كله مكتسب لنا اهـ من المفهم، وفي الحدائق وتعليق الوعد بالمشيئة إما طلبًا لتوفيقه في الصبر ومعونته أو تيمنًا أو علمًا منه بشدة الأمر وصعوبته فإن الصبر من مثله عند مشاهدة الفساد شديد جدًا لا يكون إلا بتأييد الله تعالى، وقبل: إنما استثنى لأنه لم يكن على ثقة فيما التزم من الصبر وهذه عادة الصالحين اهـ منه.
стр. 9907
قَال لَهُ الخضِرُ: ﴿قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]. قَال: نَعَم. فَانطَلَقَ الخضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البحرِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَة، فَكَلَّمَاهُم أَن يَحْمِلُوهُمَا، فَعَرَفُوا الخضِرَ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيرِ نَولٍ
ــ
(قال له الخضر) لموسى: (فإن اتبعتني) أي فإن صحبتني لأخذ العلم وهو إذن له في الاتباع، والفاء لتفريع الشرطية على ما مر من التزامه للصبر والطاعة (فلا تسألني عن شيء) تشاهده من أفعالي وتنكره مني في نفسك أي لا تفاتحني بالسؤال عن حكمته فضلًا عن المناقشة والاعتراض (حتى أحدث) وأخبر (لك منه) أي من حكمة ذلك الشيء الذي فعلته (ذكرًا) أي إخبارًا أي حتى ابتدئ لك ببيانه، وفيه إيذان بأن كل ما صدر منه فله حكمة وغاية حميدة ألبتة، وهذا من آداب المتعلم مع العالم والتابع مع المتبوع، وهذه الجمل المعنوية (قال): و (قال) مستأنفة استئنافًا بيانيًا لأنها جوابات عن سؤالات مقدرة كل واحدة ينشأ السؤال عنها مما قبلها اهـ من الحدائق، قال القرطبي: هذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضي دوام الصحبة ووعد بأنه يعرفه بأسرار مايراه من العجائب فلو صبر ودأب لرأى العجب لكنه أكثر من الاعتراض فتعين الفراق والإعراض اهـ من المفهم، والمعنى: قال له الخضر: إن سرت معي فلا تفاتحني في شيء أنكرته علي حتى ابتدئ بذكره فأبين له وجه صوابه فإني لا أقدم على شيء إلا وهو صواب جائز في نفس الأمر وإن كان ظاهره غير ذلك فقبل موسى شرطه رعاية لأدب المتعلم مع العالم اهـ من الحدائق (قال) موسى للخضر: (نعم) لا أسألك عن شيء فعلته حتى تخبرني عنه ذكرًا فتوافقا على ذلك الشرط فانطلقا، والفاء في قوله: (فانطلق) للإفصاح لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا عرفت ما شرط الخضر على موسى وقبول موسى ذلك الشرط وأردت بيان ما فعلا بعد ذلك فأقول لك: انطلق (الخضر وموسى) أي ذهبا بعد اتفاقهما حالة كونهما (يمشيان) بأرجلهما (على ساحل البحر) وجانبه طلبًا للسفينة ليركباها، وأما يوشع فقد صرفه موسى إلى بني إسرائيل أوكان معهما، وإنما لم يذكر في الآية لأنه تابع لموسى فاكتفى بذلك المتبوع من ذكر التابع اهـ منه (فمرت بهما سفينة فكلماهم) أي كلم الخضر وموسى أهل السفينة وسألاهم (أن يحملوهما) ويركبوهما على السفينة (فعرفوا الخضر فحملوهما) أي أركبوهما (بغير نول) أي بغير أجرة، والنول
стр. 9908
فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِن أَنوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ. فَقَال لَهُ مُوسَى: قَوم حَمَلُونَا بِغَيرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِم فَخَرَفتَهَا لِتُغرِقَ أَهْلَهَا. ﴿جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ
ــ
والنوال: العطاء اهـ نووي (فـ) لما ركبا (عمد الخضر) أي قصد (إلى) نزع (لوح) أي إلى قلع لوح (من ألواح السفينة فنزعه) أي قلع ذلك اللوح من السفينة أي ثقبها الخضر وشقها لما بلغوا اللج أي معظم الماء حيث أخذ فأسًا فقلع بغتة أي على غفلة من القوم من ألواحها لوحين مما يلي الماء فجعل موسى يسد الخرق بثيابه وأخذ الخضر قدحًا من زجاج ورقع به خرق السفينة أي سده بخرقة، رُوي أنه لما خرق السفينة لم يدخلها الماء (فقال له) أي للخضر (موسى) ﵉ هم (قوم حملونا بغير نول) أي بغير أجر، قال القرطبي: وفيه قبول الرجل الصالح ما يكرمه به من يعتقد فيه صلاحًا ما لم يتسبب هو بإظهار صلاحه لذلك فيكون قد أكل دينه وذلك محرم وربا اهـ مفهم (عمدت) أي قصدت (إلى سفينتهم فخرقتها لتنرق أهلها) أي لتهلك ركابها بالماء فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها وهم قد أحسنوابنا حيث حملونا بغير أجرة وليس هذا جزاءهم، فاللام لام العاقبة، وقيل: لام العلة اهـ من الحدائق، والله ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا﴾ أي والله لقد أتيت وفعلت يا خضر شيئًا عجيبًا عظيمًا شديدًا على القوم، قال في القاموس: أمر إمر منكر عجيب، يقال: أمر الأمر إذا كبر، والأمر الاسم منه، وقال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة ﴿قَال﴾ الخضر لموسى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ﴾ الاستفهام فيه للتقرير أي قد قلت لك ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أي لا تقدر صبرًا معي فيما ترى مما أفعل وهو تذكير لما قاله أولًا متضمن للإنكار على عدم الوفاء بوعده، وفي رواية الربيع بن أنس عند ابن أبي حاتم إن موسى لما رأى ذلك امتلأ غضبًا وشد ثيابه وقال: أردت إهلاكهم ستعلم أنك أول هالك، فقال له يوشع: ألا تذكر العهد، فأقبل عليه الخضر فقال: ألم أقل لك، فأدرك موسى الحلم فـ (قال) موسى للخضر: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ وإن الخضر لما خلصوا قال لصاحب السفينة: إنما أردت الخير فحمدوا رأيه وأصلحها الله على يديه ذكره الحافظ في الفتح، والمعنى أي لا تؤاخذني بنسياني وصيتك بعدم السؤال من حكمة الأفعال قبل البيان فإنه لا مؤاخذة على الناس فما مصدرية، ويحتمل كونها موصولة أي لا تؤاخذني بالذي نسيته وهو قول الخضر: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ
стр. 9909
وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ [الكهف: ٧١ - ٧٣]، ثُم خَرَجَا مِنَ السفِينَةِ، فَبَينَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى الساحِلِ إِذَا غُلام يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ. فَأخَذَ الْخَضِرُ بِرَأسِهِ، فَاقتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ. فَقَال مُوسَى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً
ــ
شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ أي لا تكلفني يا خضر ولا تحملني ﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ أي ما لا أقدر عليه من التحفظ عن النسيان حيث وقع، والمعنى قال موسى للخضر: لا تؤاخذني بما غفلت عن التسليم لك وترك الإنكار عليك ولا تكلفني مشفة ولا تضيق على أمري ولا تعسر علي متابعتك بل يسرها بالإغضاء وترك المناقشة فإني أريد صحبتك ولا سبيل لي إليها إلا بذلك (ثم خرجا) أي خرج الخضر وموسى (من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل) أي على ساحل البحر وجانبه، فكلمة بينما هي بين زيدت فيها ما فلزمت الإضافة إلى الجملة كما مر بسط الكلام فيها في أوائل كتاب الإيمان، جملة (إذا غلام يلعب مع الغلمان) جوابها، وإذا فجائية رابطة لجوابها؛ والمعنى فبينما أوقات مشيهما على الساحل فاجأهما غلام يلعب مع الغلمان، قال القرطبي: الغلام من الرجال من لم يبلغ وتقابله الجارية في النساء، قال الكلبي: اسم هذا الغلام شمعون، وقال الضحاك: حيسون، وقال وهب: اسم أبيه سلاس واسم أمه رُحمى، وقال ابن عباس: كان شابًّا يقطع الطريق فلعل هذا القول لم يصح عن ابن عباس، بل الصحيح عنه أنه كان لم يبلغ (فأخذ) هـ (الخضر) من بينهم وهم عشر صبيان يلعبون بين قريتين وكان وضيء الوجه (برأسه فاقتلعه) الخضر (بيده) أي قلع رأسه من جسده بيده (فقتله) الخضر أي فقتله بذبحه مضطجعًا بالسكين أو بفتل عنقه، وقال الحافظ ابن حجر: يجمع بين الروايتين بأنه ذبحه ثم اقتلع رأسه، وقيل معنى قتله أشار باصابعه الثلاث الإبهام والسبابة والوسطى وقلع رأسه كما قال رسول الله ﷺ : "ثم خرجا من السفينة فبينما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب من الغلمان فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله" كذا في الصحيحين برواية أبي بن كعب ﵁ ولكن لم يبين القرآن كيف قتله؛ أحز رأسه أم ضرب رأسه بالجدار أم بطريق آخر؟ وعلينا أن لا نهتم بذلك إذ لو علم الله فيه خيرًا لنا لذكره ولكن بينته السنة كما ذكرنا آنفًا (فقال موسى) للخضر: (أقتلت) يا خضر؟ والاستفهام فيه للتوبيخ المضمن للإنكار أي هل قتلت يا خضر (نفسًا زاكية) أي طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ
стр. 9910
بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا (٧٤) قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٤ - ٧٥]؟ قَال: وَهذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى. ﴿قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي
ــ
الحنث أي الإثم والذنب وهو قول الأكثرين ﴿بِغَيرِ﴾ مقابلة ﴿نَفْسٍ﴾ أخرى قتلتها هذه النفس المقتولة لك أي بغير قتلها نفسًا محرمة يعني لم تقتل نفسًا فيقتص منها، وخص هذا من بين مبيحات القتل كالكفر بعد الإيمان والزنا بعد الإحصان لأنه أقرب إلى الوقوع بالنظر إلى حال الغلام اهـ من الحدائق، وفي قراءة (زكية) بإسقاط الألف وتشديد الياء وهي بمعناها لكنها أبلغ من زاكية لأن فعيلًا المحول عن فاعل يدل على المبالغة، وعن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا" متفق عليه وهذا لفظ مسلم.
والله ﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾ وفعلت يا خضر ﴿شَيئًا نُكْرًا﴾ أي شيئًا منكرًا أنكر من الأول لأن ذلك كان خرقًا يُمكن تداركه بالسد وهذا لا سبيل إلى تداركه؛ والمعنى أي والله لقد فعلت شيئًا تنكره العقول وتنفر منه النفوس وإنما قال هنا: ﴿نُكْرًا﴾ وقال هناك: (إمرًا) لأن قتل الغلام أقبح من خرق السفينة لأن ذلك لم يكن إهلاكًا لنفس إذ ربما لا يحصل الغرق وفي هذا إتلاف النفس قطعًا فكان أنكر اهـ من الحدائق (قال) الخضر لموسى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ يا موسى، والهمزة فيه للاستفهام التقريري المضمن للتوبيخ لموسى على ترك الوصية، زاد هنا لفظة ﴿لَكَ﴾ على سابقه لتشديد العتاب على رفض الوصية لأنه قد نقض العهد مرتين. قال القرطبي: ذكر ﴿لَكَ﴾ في هذه المرة ولم يذكرها في المرة الأولى مقابلة له على قلة احترامه في هذه المرة فإن مقابلته بـ ﴿لَكَ﴾ مع كاف خطاب المفرد يُشعر بقلة احترامه والله أعلم اهـ من المفهم. ﴿إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَال﴾ النبي ﷺ : (وهذه) المقالة الثانية يعني قوله: ألم أقل لك (أشد) أي أوكد (من) المقالة (الأولى) يعني ألم أقل بلا زيادة لك، في العتاب بزيادة لفظة ﴿لَكَ﴾ في هذه دون الأولى حين تكرر منه الاشمئزاز والاستكبار مع عدم الارعواء بالتذكير أول مرة، قال البغوي: رُوي أن يوشع كان يقول لموسى: اذكر العهد الذي أنت عليه، وفي البخاري قال: لا يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما" ﴿قَال﴾ موسى للخضر: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا﴾ أي بعد هذه المرة أو بعد هذه النفس المقتولة ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾
следующие страницы →