Полный текст (522 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
قصة هرقل والإسلام
في هذا الدرس شرح لحديث ورد في البخاري، جاء فيه بيان لكيفية دعوة النبي ﷺ هرقل للإسلام، وصلت رسالة المصطفى ﷺ إلى هرقل، فبحث عن رجلٍ من قريش، فوجد أبا سفيان ثم طلبه وسأله عدة أسئلة استنتج من خلالها حقيقة نبوة المصطفى ﷺ .
كما تحدث الشيخ عن الروايات الأخرى للحديث وبعض الفوائد التي يستفيدها المرء من هذا الحديث.
стр. 2
قصة هرقل مع أبي سفيان
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فنحمد الله أن بلغنا هذه العشر الأواخر من شهر رمضان، ونسأله سبحانه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته فيها.
ونتحدث -يا أيها الإخوة- في هذه الليلة -إن شاء الله- عن قصة عظيمة من القصص التي حدثت على عهد النبي ﵊.
وهذه القصة هي قصة رسالة النبي ﵊ لـ هرقل ودعوته إلى الإسلام.
стр. 3
هرقل يسأل وأبو سفيان يجيب
روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن عبد الله بن عباس: (أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش؛ وكانوا تِجَاراً بـ الشام في المدة التي كان رسول الله ﵊ مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش) هرقل جاءته رسالة النبي ﵊ فأراد أناساً من قوم النبي ﵊؛ ليسأل عن حاله، فعُثِر على أبي سفيان وكان مشركاً مع بعضٍ من كفار قريش؛ وقد كانوا تُجَّاراً بـ الشام، فأُتِي بهم إلى هرقل.
قال: (فأتوه وهم بـ إيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسباً.
فقال: أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابَه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائلٌ هذا عن هذا الرجل، فإن كَذَبني فكذِّبوه) سأسأل صاحبكم الذي يجلس أمامكم وهو أبو سفيان عن صاحبكم، الذي هو النبي ﵊، فإن كَذَب في الإجابة فبيِّنوا لي أنه قد كَذَب.
(يقول أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يأثِروا عليَّ كذباً لكذبت عنه.
ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب.
قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قط قبلَه؟ قلت: لا.
قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا.
قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم.
قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون.
قال: فهل يرتد أحدٌ منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا.
قال: فهل يغدِر؟ قلت: لا.
ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعلٌ فيها -نحن الآن في مرحلة صلح الحديبية في هدنة معه لا ندري ماذا يفعل فيها؟ - قال أبو سفيان: ولم تُمْكِني كلمةٌ أُدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة) أي: ما استطعت أن أدخل دسيسة في الجواب إلا في هذا الموضع.
(قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم.
قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال -يعني: تناوب في الانتصار، مرة لنا ومرة له- ينال منا وننال منه.
قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصدق، والعفاف والصلة).
стр. 4
هرقل يبين حقيقة نبوة المصطفى من إجابات أبي سفيان
(فقال للترجمان - هرقل يقول للترجمان الذي يترجم من لغة إلى أخرى-: قل له - لـ أبي سفيان -: سألتك عن نسبه؟ فذكرتَ أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.
وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ -يعني: من قبل- فذكرتَ أن لا، فقلت: لو كان أحدٌ قال هذا القول قبله لقلتُ رجلٌ يتأسى بقول قيل قبله) أي: مقلد، لكن ما أحد قال هذا الكلام قبله.
(وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرتَ أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجلٌ يطلب ملك أبيه) سبب هذه الدعوة أنه يطالب بملك أبيه، لكن ليس من آبائه من ملك.
(وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرتَ أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله) يعني: هرقل متأكد من أن النبي ﷺ صادق.
(وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرتَ أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل) هرقل يعرف أن أتباع الرسل هم الضعفاء.
(وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم -يعني: يبدأ غريباً ثم ينتشر-.
وسألتك: أيرتد أحدٌ سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك: هل يغدِر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدِر.
وسألتك: بِمَ يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقاً فسيَمْلِك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارجٌ، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخْلُص إليه لتجشَّمتُ لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه).
стр. 5
نص رسالة النبي ﷺ لهرقل
دعا هرقل بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم.
سلام على من اتبع الهدى.
أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام -يعني: دعوة الإسلام؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله- أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين -وهم الفلاحون الذين كانوا من رعايا هرقل - و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤].
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب -أي: الأصوات المختلطة المرتفعة- وارتفعت الأصوات، وأُخْرِجنا.
فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِرَ أمْرُ ابن أبي كبشة -لقد عَظُم أمر محمد ﷺ إنه يخافه ملك بني الأصفر - أبو سفيان يقول: هرقل؛ هذا ملك الروم يخاف محمداً! ﷺ (فما زلت موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام).
(وكان ابن الناظور أو ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل سُقُفَّاً على نصارى الشام) ابن الناطور وهرقل كانا من علماء النصارى بالدين، وكانا زميلين في الدين النصراني.
(وكان ابن الناطور -صاحب إيلياء وهرقل - سُقُفَّاً على نصارى الشام يحدِّث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوماً خبيث النفس، فقال بعض بطارقته -يعني: الرجال الكبار عنده-: قد استنكرنا هيئتك.
قال ابن الناطور: وكان هرقل حزَّاءً ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرتُ في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟) أي: لما سألوه: ما بالك مهموماً؟ قال: رأيت ملك الختان قد ظهر، انظروا من يختتن في العالم في الناس؟! من يختتن؟! (قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمك شأنهم، واكتب إلى المدن في ملكك فيقتلوا مَن فيها مِن اليهود.
فبينما هم على أمرهم أُتِي هرقل برجلٍ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله ﷺ ، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ -الرسول هذا الذي جاء برسالة من محمد ﷺ انظروا هل هو مختتن أم لا؟ - فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن.
وسأله عن العرب.
فقال: هم يختتنون.
فقال هرقل: هذا مُلْك هذه الأمة قد ظهر.
ثم كتب هرقل إلى صاحب له بـ رومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص فلم يرِم حمصاً حتى أتاه كتاب من صاحبه -الذي في رومية - يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بـ حمص -بناء كالقصر أمر بأن يُدخلوا إليه- ثم أمر بأبوابها فغلِّقت، ثم اطَّلع - هرقل اطَّلع على كل الكبراء الذين أدخلوا- فقال: يا معشر الروم! هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصةَ حُمُر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غُلِّقت -اضطربوا وتدافعوا إلى الأبواب- فلما رأى هرقل نفرتهم وأَيِس من الإيمان قال: ردوهم عليَّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل).
هذه القصة التي رواها البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، وكذلك رواها مسلم ﵀، والحديث عند الترمذي وأبي داود وأحمد في سياقات مختلفة.
стр. 6
هرقل يرسل رسولاً إلى المصطفى ﷺ
وهناك رواية ساقها الإمام أحمد ﵀ فيها مزيد من التوضيح لبعض الظروف التي حصلت في الخطاب النبوي إلى هرقل، يقول فيه سعيد بن أبي راشد مولى لآل معاوية: (قدمت إلى الشام فقيل لي: في هذه الكنيسة رسول قيصر إلى رسول الله ﷺ ، قال: فدخلنا الكنيسة فإذا أنا بشيخ كبير، فقلت له: أنت رسول قيصر إلى رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
قلت: حدثني عن ذلك، قال: إنه لما غزا تبوك كتب إلى قيصر كتاباً وبعث به مع رجل يقال له: دحية بن خليفة الكلبي، فلما قرأ كتابه -لما قرأ هرقل كتاب النبي ﵊ ورسالته- وضعه معه على سريره، وبعث إلى بطارقته) إلى رجال الكنيسة، ومفردها: بطريق (ورءوس أصحابه) عظماء القوم، قادة الجيوش، الأمراء، وقادة الألوية (فقال: إن هذا الرجل قد بعث إليكم رسولاً، وكتب إليكم كتاباً يخيركم إحدى ثلاث: - إما أن تتبعوه على دينه.
- أو تقروا له بخَراجٍ يجري له عليكم ويقركم على هيئتكم في بلادكم.
- أو أن تلقوا إليه بالحرب.
قال: فنخروا نخرةً) النخير: هو صوت الأنف، والمراد الغضب والفوران المعبر عن النفور (فنخروا نخرةً حتى خرج بعضهم من برانسهم) والبرنس: هو الثوب الذي يلتصق به غطاء الرأس، مثل: لباس المغاربة اليوم (حتى خرج بعضهم من برانسهم، وقالوا: لا نتبعه على دينه ونَدَع ديننا ودين آبائنا، ولا نقر له بخراج يجري له علينا، ولكن نُلقي إليه الحرب.
فقال: قد كان ذاك، ولكني كرهتُ أن أفتات دونكم بأمرٍ.
قال عباد: فقلت لـ ابن خثيم: أو ليس كان قارب وهمَّ بالإسلام فيما بَلَغَنا) يعني: هرقل، ما كاد يسلم؟ (قال: بلى.
لولا أنه رأى منهم، فقال: أُبغوني رجلاً من العرب أكتب معه إليه جواب كتابه) أي: التمسوا لي رسولاً أكتب معه جواب كتابه.
(قال: فأتيت وأنا شاب فانطُلق بي إليه فكتب جوابه وقال لي: مهما نسيت من شيء فاحفظ عني ثلاث خلال) يقول هرقل لرسوله: إذا ذهبت إلى محمد ﷺ أعطه كتابي ورسالتي، وإذا نسيتَ فلا تنسَ هذه الأشياء: (انظر إذا هو قرأ كتابي هل يذكر الليل والنهار؟ وهل يذكر كتابه إليَّ؟ وانظر! هل ترى في ظهره عَلَماً؟).
стр. 7
رسول هرقل يقابل رسول الله
(قال - رسول هرقل -: فأقبلت حتى أتيته وهو بـ تبوك في حلقة من أصحابه محتبين فسألت فأُخبرت به، فدفعت إليه الكتاب -رسالة هرقل - فدعا معاوية -وكان من كتاب الوحي، ممن يعرفون القراءة، وقد أسلم ﵁ فقرأ عليه الكتاب، فلما أتى على قوله: دعوتَني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟) هرقل يسأل النبي ﷺ سؤالاً: دعوتَني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ (قال رسول الله ﷺ : إذا جاء الليل فأين النهار؟) يعني: هذا رد على الشبهة، يقول: إذا جاء الليل فأين النهار؟ أين يذهب النهار؟ (قال: فقال: إني قد كتبت إلى النجاشي فخرَّقه فخرَّقه الله مخرّق المُلك.
قال عبَّاد: فقلت لـ ابن خثيم: أليس قد أسلم النجاشي ونعاه رسول الله ﵊ بـ المدينة إلى أصحابه فصلى عليه؟ قال: بلى.
ذاك فلان بن فلان، وهذا فلان بن فلان، قد ذكره ابن خثيم جميعاً ونسيتهما) يعني: أن كلمة النجاشي لقب ملك الحبشة، كل مَن ملَك الحبشة يقال له: نجاشي، كل مَن ملَك الروم يقال له قيصر، كل مَن ملَك الفرس يقال له: كسرى، كل مَن ملَك اليمن يقال له: تُبَّع، كل مَن ملَك مصر يقال له: فرعون، كل مَن ملَك الإسكندرية يقال له: المقوقس، كل مَن ملَك الترك يقال له: خاقان، فكلمة ملك بالحبشية: نجاشي، بالمصرية: فرعون، بالإسكندرانية: مقوقس، بالتركية: خاقان، بالفارسية: كسرى، بالرومية: قيصر، لكن القياصرة لهم أسماء مختلفة، الفراعنة لهم أسماء مختلفة، والنجاشي هكذا أيضاً.
فيقول له: النجاشي الذي أرسلت إليه الرسالة غير النجاشي الذي أسلم، ملكٌ آخر من ملوك الحبشة، هذا المقصود.
قيصر ملك الروم الذي أرسلت إليه الرسالة ما اسمه؟ اسمه هرقل، وهو الذي نحن بصدده.
كسرى أنوشروان، له اسم، كسرى هذا لقب، معناه: مَلِك، مَلِك الفرس.
(وكتبتُ إلى كسرى كتاباً فمزَّقه فمزق الله ملكه -أو كما قال ﵊ وكتبتُ إلى قيصر كتاباً فأجابني فيه، فلم تزل الناس يخشون منهم بأساً ما كان في العيش خيرٌ) يقول: الحبشة لن تقوم لهم قائمة، ولن يوجد فيهم مُلكٌ قائم، وسيمزقهم الله لأنهم مزقوا الرسالة، ويقول: دولة فارس لن تقوم فيها مملكة لفارس ولن يحكموها ولن يدوم لهم الحكم، والله سيمزق ملك فارس كما أنهم مزقوا الرسالة، لكن يقول: هرقل ما مزق الرسالة، فسيبقى في الروم قوة.
والناظر في الواقع يرى هذا جيداً، بعد كسرى تمزقت مملكة فارس، ما عاد هناك مِن مَلِك، كلها ثورات وحروب.
وكذلك الحبشة لم يعد لها شأن، وصاروا أناساً متخلفين.
والروم؟ اليوم أوروبا ما زال لهم قوة إلى الآن، والحروب الصليبية لا زالت موجودة إلى الآن.
قال: (وكتبت إلى قيصر كتاباً فأجابني فيه، فلم تزل الناس يخشون منهم بأساً ما كان في العيش خيرٌ، ثم قال لي: مَن أين أنت؟ قلت: من تنوخ -رسول هرقل تنوخي- قال: يا أخا تنوخ! هل لك في الإسلام؟ قلت: لا.
إني أقبلتُ من قِبَل قوم وأنا فيهم على ديني ولست مستبدِلاً بدينهم حتى أرجع إليهم، قال: فضحك رسول الله ﷺ أو تبسم، فلما قضيت حاجتي قمتُ، فلما وليت دعاني، فقال: يا أخا تنوخ! هلمَّ فامضِ للذي أُمِرْتَ به -صاحبك أمرك بثلاثة أشياء، وأنت وجدت اثنتين، والثالثة ما أخذت خَبَرها، ما هي الثالثة؟ علامة الظهر- قال: هلمَّ فامضِ للذي أُمِرْتَ به، قال: وكنت قد نسيتُها فاستدرت من وراء الحلقة، ويلقى بردة كانت على ظهره -أو يلقيها عن ظهره- فرأيت غضروف كتفه مثل المحجم الضخم) المحجم: المشرط الذي يشق به موضع الحجامة، وكان النبي ﷺ بين كتفه مجموعة عظام مثل هيئة بيضة الحمامة، خاتم النبوة، مستدير، بين كتفي النبي ﷺ ، كان جميلاً موقعه، جميلاً شكله، وليس بعاهة ولا تشويه.
هذه الرواية التي رواها الإمام أحمد في سندها رجل مقبول، فذكر نحو حديث عبَّاد بن عبَّاد؛ وحديث عبَّاد أتم وأحسن، وزاد فقال: (فضحك رسول الله ﷺ حين دعاه إلى الإسلام، فأبى أن يسلم وتلا هذه الآية: ((إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)) [القصص:٥٦] ثم قال رسول الله ﷺ : إنك رسول قوم، وإن لك حقاً -يعني: لا بد أن نكرمك ونضيفك-ولكن جئتنا ونحن مُرْمِلون -يعني: نفذ زادنا في تبوك - فقال عثمان بن عفان: أنا أكسوه حلة صَفُورية -ثوب من قطعتين- وقال رجل من الأنصار: عليَّ ضيافته، يعني: أنا أتكفل بضيافة هذا الرسول).
وقد أورده الحافظ ابن كثير في تاريخه وعزاه إلى الإمام أحمد، ثم قال: هذا حديث غريب وإسناده لا بأس به، تفرد به الإمام أحمد ﵀.
وأورده الهيثمي وقال: رواه عبد الله بن أحمد وأبو يعلى ورجال أبي يعلى ثقات، ورجال عبد الله بن أحمد كذلك.
وهناك قصة أخرى تبين أشياء أخرى من التفاصيل رواها الحاكم في المستدرك، وذكرها ابن كثير ﵀ في تفسيره تحت قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف:١٥٧] الآية.
стр. 8
رواية أخرى عند البيهقي في دعوة هرقل للإسلام
يقول: عن هشام بن العاص الأموي قال: [بُعِثْتُ أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فخرجنا حتى قدمنا الغوطه -يعني: غوطة دمشق - فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني] والغساسنة عرب، لكن ولاؤهم للروم، وكان الروم قد وضعوا الغساسنة على حدود الجزيرة بينهم وبين العرب، حتى لا يدخل العرب بغاراتهم في بلاد الروم، والغساسنة يكفُون الروم العرب على الحدود، والروم لا يطمعون في أرضهم؛ لأنها صحراء قاحلة.
стр. 9
هشام بن العاص يطلب مقابلة هرقل
يقول: [قدمنا الغوطة -يعني: غوطة دمشق - فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني فدخلنا عليه فإذا هو على سرير اللهو، فأرسل إلينا برسوله نكلمه، فقلنا: والله لا نكلم رسولاً وإنما بعثنا إلى الملك فإن أذن لنا كلمناه، وإلا لن نكلم الرسول، فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك.
قال: فأذن لنا -من هو الذي أذن؟ جبلة بن الأيهم ملك غسان- فقال: تكلموا.
فكلمه هشام بن العاص ودعاه إلى الإسلام فإذا عليه ثياب سود؛ فقال له هشام: وما هذه التي عليك؟ قال: لبستها وحلفت ألا أنزعها حتى أخرجكم من الشام.
قلنا: ومجلسك هذا -والله- لنأخذنه منك ولنأخذن مُلك الملِك الأعظم -يقول هذا المسلم للغساني: سنأخذ مُلكك وملك الملك الأعظم الذي هو قيصر، إن شاء الله أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ .
قال: لستم بهم، بل هم قوم يصومون بالنهار ويقومون بالليل، فكيف صومكم؟ فأخبرناه، فمُلئ وجهه سواداً.
فقال: قوموا، وبعث معنا رسولاً إلى الملك، فخرجنا حتى إذا كنا قريباً من المدينة، قال لنا الذي معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال.
قلنا: والله لا ندخل إلا عليها، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون ذلك، فأمرهم أن ندخل على رواحلنا فدخلنا عليها متقلدين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفة اللهو، فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا الله والله أكبر، فالله يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق تصفقه الرياح.
قال: فأرسل إلينا ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم، وأرسل إلينا أن ادخلوا، فدخلنا عليه وهو على فراش اللهو وعنده بطارقة من الروم وكل شيء في مجلسه أحمر وما حوله حمرة وعليهم ثياب من الحمرة.
فدنونا منه فضحك، فقال: ما عليكم لو جئتموني بتحيتكم فيما بينكم -لماذا لم تسلموا عليَّ؟ - وإذا عنده رجل فصيح بالعربية كثير الكلام.
فقلنا: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك، وتحيتك التي تحيَّا بها لا يحل لنا أن نحييك بها.
قال: كيف تحيتكم فيما بينكم؟ قلنا: السلام عليك.
قال: فكيف تحيون مَلِكَكم؟ قلنا: بها.
قال: كيف يرد عليكم؟ قلنا: بها -يعني: وعليكم السلام-.
قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله إلا الله والله أكبر، فلما تكلمنا بها والله يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها.
قال: فهذه الكلمة التي قلتموها حيث انتفضت الغرفة، أكُلَّما قلتموها في بيوتكم انتفضت عليكم غرفكم؟ قلنا: لا، ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك.
قال: لوددت أنكم كلما قلتم انتفض كل شيء عليكم، وأني قد خرجت من نصف ملكي.
قلنا: لِمَ؟ قال: لأنه كان أيسر لشأنها، وأجدر ألا تكون من أمر النبوة، وأن تكون من حِيَل الناس.
ثم سألَنَا عما أراد، فأخبرناه.
ثم قال: كيف صلاتكم وصومكم؟ فأخبرناه.
فقال: قوموا، فأمر لنا بمنزل حسن، ونُزُل كثير فأقمنا ثلاثاً].
стр. 10
هرقل يري هشام بن العاص وصاحبه صور الأنبياء
قال هشام بن العاص: [فأرسل إلينا هرقل ليلاً فدخلنا عليه فاستعاد قولنا فأعدناه، ثم دعا بشيء كهيئة الرضعة العظيمة مذهَّبَة، فيها بيوت صغار عليها أبواب، ففتح بيتاً فاستخرج حريرة سوداء فنشرناها، فإذا فيها صورة حمراء، وفيها رجلٌ ضخم العينين، عظيم الإليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذا له ظفيرتان أحسن ما خلق الله.
فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا.
قال: هذا آدم ﵇، وإذا هو أكثر الناس شعراً -أي: الروم رسموا الأنبياء بناءً على معلومات عندهم-.
ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، وإذا له شعر كشعر القَطط، أحمر العينين، ضخم الهامة، حسن الهيئة.
فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا.
قال: هذا نوح ﵇.
ثم فتح باباً آخر فاستخرج حريرة سوداء، وإذا فيها رجل شديد البياض، حسن العينين، صلت الجبين، طويل الخد، أبيض اللحية كأنه يبتسم، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا.
قال: هذا إبراهيم ﵇.
ثم فتح باباً آخر، فإذا فيه صورة بيضاء، وإذا -والله- رسول الله ﷺ -الرسمة- فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم.
هذا محمد رسول الله ﷺ .
قال: وبَكيْنا، قال: والله أعلم أنه قام قائماً ثم جلس، وقال: والله إنه لهو.
قلنا: نعم.
إنه لهو كأنك تنظر إليه.
فأمسك ساعةً ينظر إليها، ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت ولكني عجَّلته لكم؛ لأنظر ما عندكم -الصورة هذه كانت في آخر شيء، يعني: هو آخر نبي-.
ثم فتح باباً واستخرج صوراً، وأخبرهم عنها.
ثم قال -في نهاية القصة-: أما والله إن نفسي طابت للخروج من مُلكي، وأني كنت عبداً لأشركم حتى أموت، ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسَرَّحنا.
فلما أتينا أبا بكر الصديق ﵁ فحدَّثناه بما أرانا، وبما قال لنا، وما أجازنا، قال: فبكى أبو بكر وقال: مسكين، لو أراد الله به خيراً لفعل، ثم قال: أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم -يعني: النصارى- واليهود يجيدون نعت محمد ﷺ عندهم].
الحديث أخرجه البيهقي عن الحاكم ﵀ في كتاب: دلائل النبوة.
وقال ابن كثير: إسناده لا بأس به.
على أية حال: على فرض صحة هذه القصة فإنها تبيِّن لنا أيضاً شيئاً آخر، لكن الرواية الأساسية هي رواية الإمام البخاري ﵀ التي تبين أن هرقل فعلاً قارب أن يُسلم، بل هو أوشك على الإسلام، بل هو دعا قومه إلى الإسلام، لكن لما رآهم نفروا وخشي أن يزول ملكه تراجع، وقال بدهائه للروم: كنت أختبر ثباتكم على دينكم.
стр. 11
شرح رواية البخاري في دعوة هرقل للإسلام وفوائد من ذلك
رواية البخاري ﵀ هي عن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية لما أتى به هرقل ملك الروم في الركب، وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها وكانوا تُجَّاراً، والقصة حصلت في مدة صلح الحديبية وكانت في سنة (٦) للهجرة، ومدة الصلح عشر سنين؛ لكن قريشاً نقضوا العهد، فالنبي ﵊ غزاهم سنة (٨) للهجرة، يعني بعد الصلح بسنتين، وفَتَحَ مكة، وهذا بعد أن غدروا.
فلما وصلت رسالة النبي ﵊ لـ هرقل، طلب بعضَ قريش ليسألهم عن النبي ﷺ ، فوجدهم رسولُه ببعض الشام في غزة.
يقول أبو سفيان: كنا قوماً تُجَّاراً وكانت الحرب قد حصبتنا -هذا يدل على أن الحرب أثرت على قريش اقتصادياً- فلما كانت الهدنة - يعني: صلح الحديبية - خرجت تاجراً إلى الشام مع رهط من قريش، فوالله ما عَلِمْتُ بـ مكة امرأة ولا رجلاً إلا وقد حملني بضاعة، فقال هرقل لصاحب شرطته: قَلِّبِ الشام ظهراً لبطنٍ حتى تأتيني برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه، يقول أبو سفيان: فوالله إني لفي أصحابي بـ غزة إذ هجم علينا فساقنا جميعاً.
وإيلياء هي: بيت المقدس، وقيل: معناها: بيت الله، وإيلياء: هي التي سار إليها هرقل لما كشف الله عنه جنود فارس، وقد كان مكان ملك هرقل في حمص، فسار من حمص إلى إيلياء -إلى بيت المقدس - مشياً شكراً لله تعالى، وكان سبب ذلك القصة التي جاءت من طرق متعاضدة كما قال ابن حجر ﵀ وملخصها: أن كسرى أغزى جيشه بلاد هرقل فخربوا كثيراً من بلاده، وكان النصر في البداية للفرس على الروم، ثم استبطأ كسرى أميره فأراد قتله وتولية غيره، فاطَّلع أميرُه على ذلك فباطن هرقل واصطلح معه على كسرى وانهزم عنه بجنود فارس، فكان سبب عودة الكفة في الرجحان للروم انشقاقٌ حصل في الفرس.
فلما حصل ذلك مشى هرقل إلى بيت المقدس شكراً لله تعالى على ذلك.
المهم: أُدخل سفيان ومن معه على هرقل، قال: (فأدخلنا عليه فإذا هو جالس في مجلس ملكه وعليه التاج، وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان، ودعا بالترجمان.
فقال: أيكم أقرب نسباً لهذا الرجل الذي -خرج بأرض العرب- يزعم أنه نبي؟ يقول أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسباً) فـ أبو سفيان يجتمع مع النبي ﷺ في عبد مناف؛ وعبد مناف هو الأب الرابع للنبي ﷺ ، وكذلك لـ أبي سفيان، فيجتمعان في عبد مناف.
стр. 12
الإسلام دين عالمي
منها: دعوة كل العالم إلى الإسلام وأن الإسلام دعوة عالمية ليست خاصة بالعرب:- الإسلام دعوة عالمية ليست خاصة بـ الجزيرة، فالإسلام للعالمَين، ولذلك النبي ﷺ لما انتهى من الجزيرة أرسل الرسائل خارج الجزيرة، وبدأت أولى خطوات الجهاد للروم في عهد النبي ﵊ في غزوة تبوك، والتحضير لغزو الممالك الأخرى خارج الجزيرة بدأ من عهد النبي ﷺ ، وجيش أسامة بن زيد كان مجهزاً لهذا الغرض.
المهم: أن الإسلام دعوة لكل العالم وليس مختصاً بفئة دون أخرى، والنبي ﵊ أرسل رسائل دعوة للروم وللفرس ولغيرهم.
стр. 13
ذكاء هرقل في معرفة صدق أبي سفيان
فائدة ثانية: مِن فِعْل هرقل لما جاء بـ أبي سفيان ومعه أقاربه وضعهم وراءه، قال: (إن كذب فكذِّبوه): إن ما أخبر الصدق قولوا بالحقيقة، ولا شك أن القريب أحرى بالاطلاع على الأمور الظاهرة والباطنة من غيره، ثم إنه لا يقدح في نسب قريبه.
لماذا جعلهم وراءه؟ لماذا جعل قوم أبي سفيان وراء أبي سفيان، وليس أمامه؟ لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب، يعني: يكذبوه دون أن ينظروا في وجهه، يقول أبو سفيان: (فوالله لولا الحياء من أن يأثِروا -ينقلوا- عليَّ الكذب لكذبت عليه) وهذا دليل على أن الكذب في الجاهلية كان عيباً كبيراً، وربما كان أبو سفيان يضمن أنهم لو كانوا وراءه لن يكذبوه؛ لأنهم مشتركون في عداوة النبي ﷺ ، لكن ما الذي منع أبا سفيان من الكذب؟ حتى لا يُنقَل عن سيد قريش إذا رجعوا أنه كَذَب؛ وهذا عيب كبير.
قال أبو سفيان: (فوالله ما رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف) يعني: هرقل، والأقلف: غير المختون.
سأله عن النسب؛ وهذا يدل على أن هرقل يعلم بأن الأنبياء تُبعث في أنساب قومها، حتى لا يطعن أحد في نسب النبي، فيكون معروفاً لدى كل القوم نسب القبيلة التي يُبعث فيهم.
стр. 14
المؤمن لا يرتد عن دينه سخطاً عليه
وكذلك في الحديث: أن الإنسان إذا آمن لا يرتد عن دينه ساخطاً على الدين وإنما يرتد لأسباب أخرى، وهذا في الإسلام، أما في غير الإسلام فإنه يرتد عن الدين سخطاً على الدين، يعني: ربما الواحد يكون الشخص نصرانياً، فيخرج من النصرانية ساخطاً عليها، وآخر يهوديٌ يخرج من اليهودية ساخطاً على اليهودية؛ لأن ما فيها باطل؛ لكن لا يوجد شخص مسلم يدخل الإسلام ويعرفه ويفقهه تماماً، ثم يخرج من الإسلام؛ لأن هناك أخطاء في الإسلام، أو هناك نقاط ضعف في الإسلام، لا يمكن؛ لكن ربما يخرج من الإسلام لأمور دنيوية، ولذلك قال هرقل: هل هناك أحد من المسلمين ارتد عن دينه سخطةً لدينه؟ -يعني: ساخطاً على دينه- لا يوجد، لذلك قال أبو سفيان: لا.
ففي الإسلام قد يرتد الشخص إما لأنه حديث عهد بالإسلام ولم يفقه الإسلام؛ وإما لأنه لا يريد دفع الزكاة، وإما لأنه أُغْرِي بمال، فـ عبيد الله بن جحش الذي ارتد في الحبشة، وكان من مهاجري الحبشة وارتد في الحبشة، إنما ارتد لحظ في نفسه، وليس لأجل ضعف في الدين الإسلامي، وهذه نقطة مهمة، وهي أنه لا يوجد أحدٌ يدخل في الدين -والحمد لله- ويفقهه جيداً فيتركه ساخطاً عليه، وهذا ربما يقع في أديان أخرى، أما في الإسلام فإنه لا يقع، لكن ربما يعني لهوىً؛ كمال، أو أغروه بمنصب مثلاً؛ فهذا يُمْكِن.
стр. 15
تعامل هرقل مع الدسيسة في كلام أبي سفيان
كذلك نقطة مهمة: هرقل عندما قال أبو سفيان: لكن نحن الآن في مدة لا ندري ماذا يصنع فيها محمد ﷺ ، وأدخل هذه الدسيسة يقول أبو سفيان: (فوالله ما التفت إليها مني): هرقل عاقل وذكي، أخذ إجابات أبي سفيان بالنص، والدسيسة التي أدخلها أبو سفيان في الكلام قال: لكن الآن نحن في هدنة لا ندري ماذا يصنع فيها، هذه الدسيسة الوحيدة التي استطاع أن يُدخلها، ومع ذلك هرقل ما التفت إليها.
стр. 16
الغنى والجهل سببان في الصد عن سبيل الله
كذلك في هذا الحديث: أن أتباع الرسل أكثر ما يكونون من الفقراء، لماذا؟ لأن العظماء والأغنياء يصرفهم غناهم وعظمتهم عن الحق؛ لأن الإسلام سيزيل شيئاً من مزاياهم، أو من ميزاتهم، فالآن هرقل لو دخل في الدين سيصبح مسلماً عادياً، يعني: مُلْكُه سيزول، وسيتنازل عن ملكه.
أبو جهل مثلاً: إذا أسلم فإنه سيقلِّد النبي ﵊ زمام الأمور.
ما الذي منع عبد الله بن أبي من الإسلام، وصار منافقاً؟ كانوا يريدون أن يتوجوه ملكاً على المدينة، فلما جاء الإسلام شرق به وغص، ما هضم القضية، لماذا؟ لأن المنصب الذي كان سيعيَّن فيه حُرِم منه بسبب دخول الدين الجديد إلى المدينة.
إذاً: من أسباب صد كثير من العظماء والأغنياء عن الدين والحق الغنى والجهل، لذلك النبي ﷺ قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) يعني: المال والجاه يفسدان دين الإنسان أكثر من إفساد الذئب الجائع للغنم؛ وهذه مسألة مهمة.
стр. 17
الإيمان إذا وقر في القلب فإن صاحبه لا يرتد
كذلك في هذا الحديث: أن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب فإن صاحبه لا ينحرف: ولذلك كثير من المنتكسين ما خالطت بشاشة الإيمان قلوبَهم، أو أنها لم تلازمهم هذه البشاشة وتبقى معهم، ولذلك انتكس.
стр. 18
الخوف على النفس يمنع من اتباع الحق
كذلك في هذا الحديث: أن الخوف على النفس قد يمنع الشخص من اتباع الحق:- هرقل يقول: (والله إني لأعلم أنه نبي مرسل، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته) ولو أن هرقل تفطن إلى قول النبي ﷺ : (أسلم تسلم) لكان ما أصابه شيء؛ لكن مع ذكائه ما تفطن لقوله ﵊: (أسلم تسلم) مع أنه قال: (لو أني كنت عند النبي ﷺ لغسلتُ عن قدميه -يعني: مبالغة في العبودية والخدمة له- وقال: لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبِّل رأسه وأغسل قدميه) وكان وقعُ الرسالة على هرقل كبيراً يقول: (ولقد رأيت جبهته تتحادر عرقاً من كرب الصحيفة) أي: عندما قُرِئ عليه كتاب النبي ﷺ .
ومما يقوي أن هرقل آثَرَ مُلكه على الإيمان واستمر على الضلال: أنه حارب المسلمين في غزوة مؤتة سنة (٨) هـ بعد هذه القصة بأقل من سنتين، فإن المسلمين نزلوا في معان؛ معان: معروفة في أرض الشام، ونزل هرقل في مائة ألف من المشركين وحدثت غزوة مؤتة.
стр. 19
الاختصار في الدعوة إلى الله
وكذلك فإن في هذا الحديث: أن الإنسان عليه أن يختصر في الدعوة بأسلوب حسن واضح: فإن الرسالة كانت مختصرَة غاية الاختصار: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل.
أدعوك بدعاية الإسلام) يعني: دعوة الإسلام وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
(أسلم تسلم) وهذا في غاية البلاغة.
(يؤتك الله أجرك مرتين): لماذا؟ لأنك تكون آمنت بالنبي الأول، وآمنت بالنبي المبعوث، وكذلك يكون لك الأجر مرتين؛ لأن بإسلامك يمكن أن يسلم أعدادٌ من قومك فتنال مثل أجرهم أيضاً.
стр. 20
فائدة فيمن تجري عليه أحكام أهل الكتاب
وأخذ العلماء من الحديث: أن كل من دخل في دين النصرانية يُجْرَى عليه أحكام أهل الكتاب ولو كان أصلاً ليس من بني إسرائيل: يعني: البوذي الهندوسي إذا تنصَّر هل نأكل ذبيحته؟ نعم.
إذا دخل في الدين، يُجرى عليه حكم أهل الكتاب.
وقال بعض العلماء: الكتابي هو من كان أبواه كتابيين، فهذا الذي تؤكل ذبيحته.
فأهل الكتاب لهم أحكام خاصة مع كفرهم تمييزاً لهم عن بقية المشركين ممن لا أساس لدينهم أصلاً.
وكذلك فإن في قوله: (فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين) وهم الزُّرَّاع والفلاحون الذين كانوا في مملكته، وفيه أن الأصاغر والضعفاء أتباع الأكابر والأقوياء: ويقول لـ هرقل: إذا أصدرت على الكفر فإن كل هؤلاء الضعفاء المقلدين لك في مملكتك من الزُّرَّاع والفلاحين إثمهم عليك، تكسب مثل إثمهم، قال: (فإن عليك إثم الأريسيين).
ففيها: أن من كان سبباً في إضلال غيره فإنه يتحمل مثل إثمه: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٣].
﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥].
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦].
بعض العلماء قالوا: إن في هذا الحديث دليل على جواز قراءة الجنب للآية والآيتين، وبإرسال بعض القرآن إلى الكفار: فإذا لم يقصد الجنب التلاوة جاز؛ كأن يقول الجنب مثلاً: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] وقصد الدعاء فلا حرج، فالجنب لا يجوز له أن يقرأ القرآن عند جمهور العلماء؛ إلا إذا قاله ليس على سبيل التلاوة وإنما على سبيل الدعاء أو الذكر، كأن قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] لو ركب دابةً، أو دعا بدعاء هو جزء من آية أو آية.
стр. 21
حصول التأييد للنبي ﷺ بأشياء كثيرة
كذلك في هذا الحديث: أن التأييد للنبي ﷺ حصل بعدة أشياء:- حتى من جهة الجن، وحتى من جهة الكهان، وحتى من جهة المنجمين.
يعني: الآن الكهانة والتنجيم ليس فيها علم المستقبل، ولا علاقة للنجوم بالأحداث الأرضية.
ما معنى قول هرقل لما نظر في النجم قال: (هذا ملك هذه الأمة)، أو: (هذا مَلِك الختان) مَلِكُ الختان، أهل الختان، هذا ملكهم؟ أراد البخاري ﵀ أن يبين أن الإشارات للنبي ﷺ جاءت من كل طريق، وعلى لسان كل فريق؛ من الكاهن والمنجم، الإنسي والجني، تعاضدت كلها، مع أن علم النجوم والاستدلال بالنجوم على الأحداث الأرضية باطل، والكهنة لا يعلمون الغيب؛ لكن اجتمعت كل الأدلة في وقت المبعث على هذا، يعني: عرفوا النبي ﵊ بالطرق الصحيحة وبالطرق الباطلة، عرفوا أنه سيخرج، وإلا هرقل كان حزَّاءً ينظر في النجوم ويتكهن، والكهان يستندون إلى إلقاء الشياطين، يعني: ما يلقيه الشيطان في نفس هذا الكاهن، وبعضهم يسترقون الخبر من السماء ويأتونه بالخبر، فطرق الحق وطرق الباطل كلها اجتمعت على خروج وبعثة النبي ﷺ .
كان قوم هرقل يظنون أن الختان في اليهود فقط، ولذلك قالوا لـ هرقل: لا تقلق، إذا كنت تخشى من المختونين، المختونون هم اليهود، اكتب إلى كل المدن التي فيها يهود في مملكتك يذبحونهم وتنتهي القضية، لا يُهِمَّنَّك شأنهم، ما كانوا يعرفون أن الختان في المسلمين، ما كانت وصلت الأخبار، ثم وصلت الأخبار بعد ذلك وعُرف عن طريق هذا الرسول الذي جاءهم بالرسالة أن المسلمين يختتنون.
ثم إن ضغاطر -وهو من عظماء الروم- لما بلغه مبعث النبي ﷺ أظهر إسلامه وألقى ثيابه وخرج على الروم فدعاهم إلى الإسلام وشهد شهادة الحق فقاموا إليه فضربوه حتى قتلوه، ولذلك هرقل خاف أن يلقى نفس المصير، فلم يسلم ثم ركب رأسه بعد ذلك وحارب المسلمين في موقعة مؤتة، فحصل أن بعض عظماء الروم قد أسلموا فعلاً، ولأن قيصر قرأ الكتاب وطواه ثم رفعه، فستكون لدولته بقية، وأما كسرى فلأنه مزق الخطاب، النبي ﷺ دعا عليه أن يُمَزَّق ملكه، فلن تكون لهم بقية.
قال السهيلي: أنه بلغه أن هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيماً له، وأنهم لم يزالوا يتوارثونه حتى كان عند ملك الفرنج الذي تغلب على طليطلة، ثم كان عند سِبْطِه، قال: فحدثني بعض أصحابنا أن عبد الملك بن سعد - أحد قواد المسلمين- اجتمع بذلك الملك، فأخرج له الكتاب، فلما رآه استعبره، وسأله أن يمكنه من تقبيله فامتنع -امتنع النصراني أن يترك المسلم يقبل الكتاب- فيقال: إن الرسالة -رسالة النبي ﷺ إلى هرقل - بقيت عندهم.
стр. 22
بيان حقيقة قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)
والقصة تبين حلقة من حلقات الدعوة التي كانت موجودة عند النبي ﷺ ، وكيف أنه نفذ قول الله تعالى وأمره بالدعوة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
وفيها فوائد كثيرة، ذكر بعضها الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح.
فنكتفي بهذا القدر.
ونسأل الله أن يجعلنا من المنقادين إلى الحق الحريصين على اتباعه.
والله أعلم.
стр. 23
الأسئلة
стр. 24
حكم كشف الطبيبة على رحم الصائمة
السؤال
هل الكشف على الرحم يضر بالصيام؟
الجواب
لا.
كشف الطبيبة لا يضر بالصيام.
стр. 25
حكم خلع الجلباب عند النساء
السؤال
ما حكم خلع المرأة للجلباب عند النساء؟
الجواب
إذا كانت تأمن من نظر الرجال فلا بأس، وإذا كانت لا تأمن فلا يجوز، وفي خلعه وعيدٌ شديد يُحمَل على مَن خَلَعَتْه وهي لا تأمن من نظر الرجال.
стр. 26
حكم ترك المكان الذي وقعت فيه المعصية
السؤال
هذا يتحدث عن معصية ابتلي بها ولا يستطيع أن ينساها، وترك مكانه من بلده إلى هذا البلد هرباً منها.
الجواب
هذا جزء من التوبة، جزءٌ من التوبة تركُ البلد إلى بلدٍ آخر؛ لأن الرجل الذي قتل مائة نفس، ماذا قال له العالم؟ اذهب إلى بلدة كذا وكذا فإن فيها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم.
فالخروج من البلد الذي حصلت فيه المعصية أو المعاصي، أو فيه من يزين المعصية أو يعين عليها فإن هذا من تمام التوبة.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 27
قصة إسلام أبي ذر
الباحث عن الحقيقة، رجل ذو صرامة وشجاعة، يسمع الكلام بنفسه، ويتقصى الحقائق بنفسه، ليس إمعة أينما ذهب الناس ذهب معهم، بل يتحمل الأذى في سبيل دعوته، وهو ذو فطنة في أمره، والباحث عن الحق يصل.
стр. 28
أبو ذر قبل إسلامه
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فحديثنا في هذه الليلة -أيها الإخوة- عن إسلام صحابي جليل من أصحاب النبي ﷺ ، ألا وهو: أبو ذر الغِفاري رضي الله تعالى عنه.
يقول ابن عباس >كما روى البخاري في صحيحه: لما بلغ أبا ذرٍ مبعث النبي ﷺ ، قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني.
فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاماً ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني مما أردته.
فتزود وحمل شنةً له فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد فالتمس النبي ﷺ وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل فرآه عليٌ فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه ولم يسأل واحدٌ منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح ثم احتمل قربته، وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي ﷺ ، حتى أمسى فعاد إلى مضجعه، فمر به عليٌ فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله، فأقامه فذهب به معه، ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان اليوم الثالث فعاد علي على مثل ذلك فأقام معه ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدنني فعلت؟ ففعل، فأخبره قال: فإنه حقٌ وهو رسول الله ﷺ ، فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعل.
فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه، فقال له النبي ﷺ : (ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري) قال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم.
فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
ثم قام القوم فضربوه حتى أوجعوه، وأتى العباس فأكب عليه وقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجاركم إلى الشام، فأنقذه منهم.
ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا عليه فأكب العباس عليه.
هذا الصحابي الجليل: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار، وغفار من كنانة، فهو أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه.
هذا الصحابي روى قصة إسلامه ابن عباس، قال لأصحابه يوماً: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قلنا: بلى.
قال: قال أبو ذر: كنت رجلاً من غفار -أي: ابن عباس سمع قصة إسلام أبي ذر من أبي ذر.
وقد وردت قصة مشابهة تبين بتفصيلٍ أكثر، كيف بدأت رحلة البحث عن الحق عند أبي ذر الغفاري ﵁، وهذه القصة رواها مسلم ﵀ في صحيحه: خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلون الشهر الحرام فخرجت أنا وأخي أُنيس وأمّنا، فنزلنا على خالٍ لنا، فحسدنا قومه فقالوا له: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أُنيس.
أي: اتهموه في عرضه بزوجته مع هذا الرجل الذي هو ابن أخته، فذكر ذلك لنا.
أي: قال: أنت تذهب إلى زوجتي في غيابي وتدخل عليها، فقلنا له: أما ما مضى لنا من معروفك فقد كدرته -نحن ناس ضيوف نزلنا عليك جئت أنت الآن وسمعت كلاماً من الخارج أن صاحبنا وأخانا هذا يدخل على زوجتك في غيابك، ما عدنا نريد البقاء عندك- أما ما مضى لنا من معروفك فقد كدرته -أي: كدرته بهذا الاتهام- فتحملنا عليه وجلس يبكي -أي: كأنه ندم على الاتهام الباطل- فانطلقنا نحو مكة فنافر أخي أُنيس رجلاً إلى الكاهن، فخير أُنيساً فأتانا بصرمتها ومثلها معها -أي: حصل رهان بينهما عند الكاهن وطلع الحظ والنصيب لأخي أبي ذر، وجاء بطعام زيادة، قال أبو ذر: وقد صليت يابن أخي قبل أن ألقى رسول الله ﷺ ثلاث سنين.
قلت: لمن تصلي؟ -لمن كنت تصلي في الجاهلية قبل أن ترى النبي ﵊ قال: لله، قال: فأين توجهت؟ -أي: لا إسلام ولا معرفة بالقبلة ولا بالكعبة فأين تتوجه؟ - قال: حيث يوجهني ربي، قال: فقال لي أُنيس: إن لي حاجةً بـ مكة، فانطلق ثم جاء فقال: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلاً بـ مكة على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس -أي: جماعته وقبيلته الذين حوله ماذا يقولون عنه؟ - قال: يقولون: شاعرٌ، كاهن، ساحر -وكان أُنيس شاعراً- ولقد سمعت كلام الكهنة فما هو بقولهم -يقول لـ أبي ذر: والله سمعت كلام الكهان، وسمعت كلامه ليس بكاهن- ووضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم عليها، والله إنه لصادق.
فلعل أبا ذرٍ ﵁ كان أراد من أخيه أن يأتيه بتفاصيل من كلامه وأخباره، فأرسل أخاه إلى مكة لكن أخاه ما جاء له إلا بشيءٍ مجمل، ما جاء بالتفاصيل الذي تشبع أبا ذر، فلذلك انطلق الأخ الآخر، أرسل أخاً آخر إلى مكة، حتى يأتيه بأخبارٍ أخرى، ولكن الذي رجع به هو أيضاً قوله: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاماً ما هو بالشعر، أيضاً لم يشفِ غليل أبي ذر.
قرر أبو ذر ﵁ أن يذهب بنفسه، ذهب إلى مكة، لكنه يعرف أن قوم محمد ﵊ يعادونه فكيف يسألهم عنه ويقول: دلوني على محمد؟ يمكن أن يضربوه أو يضللوه، ولذلك من ذكاء أبي ذر ﵁ أنه دخل مكة دون أن يسأل عن النبي ﵊ مطلقاً، مع أنه جاء لهذه الحاجة الوحيدة.
أبو ذر كان رجلاً سليم الفطرة يبحث عن الحق، أرسل أخاه مرة أو مرتين وما جاء بأخبار كافية، ذهب هو بنفسه لاستقصاء الأخبار، وكان ﵁ فطناً، ففكر أنه لو سألهم عن النبي ﵊ إما أن يؤذوه، أو يؤذوا النبي ﵊ بسبب من يقصده من خارج مكة، أو أنهم لا يدلون أبا ذر على مكان النبي ﵊ ويضللونه، أو يمنعونه من الاجتماع به ويحولون بينه وبينه.
стр. 29
قدوم أبي ذر وإسلامه عند النبي ﷺ
جاء أبو ذر إلى مكة ودخل الحرم فرآه علي بن أبي طالب ﵁، اكتشف بفطنته -مع أنه كان صغير في السن ذلك الوقت- أن رجلاً غريباً جاء إلى الحرم.
والقصة هذه حدثت بعد البعثة بأكثر من سنتين، لأن عمر علي ﵁ في ذلك الوقت تقريباً اثنتا عشرة سنة، يعني علي ﵁ يمارس الدعوة ويكتشف الغرباء الذين جاءوا للسؤال عن النبي ﵊ وعمره اثنا عشرة سنة، يمارس الدعوة وعمره اثنتا عشرة سنة.
فلما رآه علي ﵁ وعرف أنه غريب؛ جاءه فقال: كأن الرجل غريب؟ قلت: نعم.
فلما رآه تبعه أي: انطلق علي إلى المنزل وانطلق أبو ذر معه، ولكن ما أحد فاتح الآخر بالمطلوب، حتى الآن مرحلة الحذر، أبو ذر ما سأل علياً أين محمد ﵊؟ ولا علي سأل الرجل قال: لماذا جئت؟ كل واحد مازال عنده شيءٌ من الحذر حتى علي ﵁ كان يخشى أيضاً على النبي ﷺ ، في النهاية قال علي لـ أبي ذر: أما نال للرجل وفي رواية: أما آن للرجل -ما حان الوقت- أن يعرف منزله؟ فلعل علياً ﵁ أراد أن يقول له: ما آن لك أن توضح مقصودك؟ أما جاء الوقت الذي تبين لي فيه ما هو القصد من مجيئك إلى مكة؟ يقول أبو ذر: قلت: لا.
في البداية، فلما كان اليوم الثالث عاد علي إلى الكلمة، ما آن للرجل أن يعلم منزله وأن يعلم مقصده، أما آن لك أن توضح لي لماذا جئت إلى مكة؟ فـ أبو ذر ﵁ أخذ عليه العهد والميثاق إن أخبره عن السبب الذي حمله على المجيئ إلى مكة أن يرشده إلى السبب أو إلى المقصد الذي جاء من أجله، فأعطاه علي ﵁ العهد والميثاق، فأخبره أنه يريد أن يرى ويقابل النبي ﷺ .
فـ علي ﵁ حتى لا يؤذي أبا ذر أو النبي ﵊؛ بسبب أنه أتى من الخارج، ومعنى ذلك أن الدعوة فيها اتساع حتى أنها خرجت خارج مكة، وهذه مصيبة بالنسبة لكفار قريش أن تخرج الدعوة خارج مكة، ويصبح لها أنصار في القبائل.
فيقول لـ أبي ذر: اتبعني أنت وإذا رأيت شيئاً يريبني سأقوم كأني أصلح نعلي، فتعرف أن الوضع فيه خطر فنتوقف عن إكمال المشوار، ودخل في النهاية ومشى وراءه ودخل معه على النبي ﷺ فدل علي ﵁ أبا ذر على النبي ﷺ .
تفاصيل اللقاء وردت في رواية عبد الله بن الصامت قال: قلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، يقول أبو ذر: فكنت أول من حياه بالسلام، قال: من أين أنت؟ قلت: من بني غفار، قال: فوضع يده على جبهته، فقلت: كره أن انتميت إلى غفار، لماذا وضع يده على جبهته؟ وسأله عن مكوثه في مكة كيف كان يطعم؟ وأخبره أبو ذر ﵁ أنه جلس في مكة ثلاثين يوماً قبل أن يراه حتى فطن إليه علي ﵁ وأتى به.
وأنه سأله على أي شيء كان يعيش؟ فأخبره أن كان يشرب من زمزم فقط، وأنه استغنى بها عن الطعام والشراب ثلاثين يوماً وليلة، وأنه تكسرت عكن بطنه؛ لأن الإنسان إذا سمنت بطنه يكون له عكن تظهر من الجانبين ومن الخلف يقسمها العمود الفقري.
وقد قال أحد الصحابة: يا رسول الله! إذا فتح الله عليكم الطائف فعليك ببنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان.
أي: أنها سمينة بنت نعمة، قوية على العمل، وكانت هذه الصفات مرغوبة في المرأة في ذلك الوقت، لا يحبون النحيلة فإنها تقبل بأربع يعني: من الأمام من سمنها وامتلاء جسمها لها أربع عكن من الأمام وتدبر بثمان يعني: من الخلف إذا ولت الأربع التي من الأمام تكون أربع على الجنب الأيمن وأربع على الجنب الأيسر وفي الوسط العمود الفقري، هذا معنى تدبر بثمان.
فالشاهد أن السمن يؤدي إلى وجود العكن في البطن وهي الإنثناءات، فـ أبو ذر ﵁ أنه جلس شهراً عند ماء زمزم واستغنى بها عن الطعام والشراب، حتى سمن وتكسرت عكن بطنه، صار له انثناءات، فقال له أبو بكر ﵁: ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة، وأن أطعمه من زبيب الطائف.
فحصل أن أبا ذر جاء معه بزادٍ أولاً من قومه؛ فلما فرغ الزاد أقام بـ مكة عند ماء زمزم، ثم حصل التعرف على النبي ﷺ ، فالنبي ﵊ أسمعه كلامه وأسمعه القرآن وأسلم أبو ذر ﵁.
ماذا قال له ﵊؟: (ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري).
قال: اكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك فادعهم إلى الإسلام، فإذا بلغك ظهورنا على أعدائنا فأقبل، وفي رواية أنه قال له: (إني قد وجهت لي أرضٌ ذات نخلٍ -يعني: سأهاجر إلى أرض ذات نخل- فهل أنت مبلغ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك؟) فذهب أبو ذر ﵁ وحصل أن أسلم معه أخوه أُنيس وأمهما وتوجهوا إلى غفار، فأسلم نصفهم بسبب دعوة أبي ذر الغفاري، عندما قال النبي ﷺ لـ أبي ذر: اخرج إلى قومك وقال: اكتم هذا الأمر رفض أبو ذر أن يكتمه وقال: لأصرخن بها -أي: كلمة التوحيد- بين ظهرانيهم.
أي: بين المشركين جهاراً، فكأنه فهم أن توجيه النبي ﵊ له بأن يكتم الأمر هذا ليس على الوجوب، وإنما كأن النبي ﵊ قال له هذا من إشفاقه عليه، فأراد أبو ذر أن يأخذ بالعزيمة وليس بالرخصة، وأن يعلن فأعلنها.
وكذلك فإنه لما قام وأعلن هذا، قامت قريش فقال بعضهم لبعض: قوموا إلى هذا الصابئ الذي غير دينه وانتقل إلى دين آخر، فضربوه حتى أوجعوه وقال: فضربت لأموت.
أي: حتى أوشكت على الموت، وفي رواية: أنه أغمي عليه فارتفع حتى صار كالنصب الأحمر.
أي: مثل التمثال الأحمر من كثرة الدماء التي سالت بسبب ضربه، فأنقذه؟ العباس ﵁، قال لهم: طريق تجارتكم يمر على بني غفار فإذا سمعوا أنكم ضربتم صاحبهم، نهبوا قوافلكم حتى تركوه، وفي اليوم الثاني فعل أيضاً كذلك، وفي هذا دلالة على قوته ﵁.
стр. 30
الفوائد المنتقاة من قصة إسلام أبي ذر
هذه القصة فيها عدد من الفوائد:- أولاً: أن الإنسان يجب عليه أن يبحث عن الحق، ولابد أن يكون هدف الإنسان دائماً البحث عن الحق، سواء في قضية كبيرة مثل الدين، أو في مسألة فقهية فرعية؛ لأن البحث عن الحق هو ديدن المؤمن، ولذلك ترى الكفار الذين يسلمون؛ عددٌ منهم يكونون من الباحثين عن الحق، يقارن بين الأديان ويسأل، ويكون أصلا ًهو يبحث عن الحق، فعندما يقع على دين الإسلام يلتزم به؛ لأنه يراه هو الحق؛ لأن هذا الدين موافق للفطرة.
ثانياً: أن الإنسان في سبيل بحثه عن الحق عليه أن يتحمل المشاق، أبو ذر ﵁ أرسل أخاه أولاً وثانياً ثم ذهب بنفسه وتزود وتعرض لمشاق، وجلس غريباً في مكة ثلاثين يوماً ليس عنده طعام؛ من أجل البحث عن الحق، فالبحث عن الحق يجشم الإنسان المشاق.
ثالثاً: أن كلام النبي ﷺ حق يدخل القلب؛ ولذلك فإن أخا أبي ذر لما سمعه عرف أنه الحق وقال: أنا أعرف الكهانة وأعرف الشعر لا هو كاهن ولا شاعر مستحيل! رابعاً: أن الداعية إلى الحق يحرص أعداء الإسلام على تشويه سمعته، لا حظ معي لما سأل أبو ذر أخاه: ماذا يقولون عنه؟ ماذا قال؟ قال: يقولون: شاعر وكاهن وساحر، وقاموس الشتائم عندهم فيه إضافات وقالوا: به جنة، أي: فيه جني، وقالوا: مُعَلَّم، أي: واحد علمه.
ولذلك رد الله عليهم في القرآن عندما قالوا: محمد يختلف إلى نجار رومي بـ مكة؛ فيعلمه هذا القرآن ويخرج علينا يقوله.
كان هناك نجار رومي نصراني بـ مكة قالوا: إذاً عرفنا مصدر هذا القرآن وهذه السور، فهو يتردد على هذا النجار النصراني الرومي ويأخذ عنه السور، ثم يعلنوها لنا.
فقال الله في القرآن -رد عجيب مفحم- قال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] قال: هذا النصراني الرومي الذي تتكلمون عنه في مكة أعجمي، رومي، وهذا القرآن لسان عربي مبين، كيف يكون اللسان العربي المبين من الرومي النصراني؟ ولذلك بهتوا؛ لأن السور كانت تنزل رداً على الكفار.
فإذاً: لا بد أن يتحمل الداعية إلى الله تشويه سمعته، والله قال: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً﴾ [آل عمران:١٨٦] هذه سنة الله في ابتلاء أهل الحق لا بد أن تشوه سمعتهم، لابد أن يقال عنهم: فيهم جنون تطرف إرهاب فيهم وفيهم، لا بد أن يقال عنهم ما يشوه سمعتهم، وأعداء الإسلام يركزون على هذا لماذا؟ لكي ينفروا الناس من الدعاة إلى الله وأهل الخير والحق، والعلم، يقولون عنهم: متزمت رجعي متخلف يعيش في العقلية الأولى مجنون وهكذا من الألفاظ الكثيرة الموجودة في القاموس، التي يخرجون بها يومياً في وصف أهل الحق وأهل الدين وأهل الإسلام.
فلا تجد متمسكاً بالدين، إلا ولا بد أن يهاجم، وتشوه سمعته على وجه العموم وعلى وجه الخصوص، ولذلك النبي ﷺ وهو أفضل الخلق تعرض لهذا، فما بالك بمن هو أقل منه؟! سبحان الله!! يقولون: عنه الصادق الأمين، وإذا اختلفوا في شيء رجعوا إليه، ومن عنده أمانة يخشى عليها وضعها عنده، يقولون: الصادق الأمين يُوحى إليه، يخرج على الصفا يا بني فلان يا بني فلان، ثم يجتمعون إليه، يقول: إني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد فيقولون له: كذاب، ساحر، مجنون، كاهن، بالأمس تقولون عنه: الصادق الأمين، اليوم فجأة انقلبت القضية وصار عندكم كذاباً ومجنوناً وساحراً وكاهناً ومُعَلَّماً وبه جنة وو إلخ.
إذاً: لا بد أن يُعلم أن الشخص الذي يسلك طريق الحق لا بد أن يؤذى؛ لأن هذه سنة الله تعالى في ابتلاء أهل الحق.
خامساً: أن الإنسان عليه أن يتقصى الحق بنفسه ولا يركن إلى الآخرين ليأتوه بالأخبار، لأن الأخبار قد تتعرض للتحريف أو للتغيير، أو أن الشخص الذي أرسلته لا يكون بتلك الحكمة فلذلك:
ما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك
وبالذات في قضية معرفة حقيقة الدين، بعض الناس يعتمدون على الآخرين في جلب الفتاوى، وقد يكون الواسطة غير ضابط فيأتيه بفتوى خطأ، هذه فتوى ودين فعليه بأن يضبط الكلام بنفسه، ويطلب علو السند ويذهب هو بنفسه للسماع من الشيخ أو السؤال.
أما أن تقول فلان عن فلان عن فلان، وهذا فلان عن فلان مثل ما قال أهل الحديث: إذا كان الرواة ممن يلحنون صار الحديث بالفارسية، أي: إذا صار الراوي لحاناً، لحان: أي: يخطئ بالكلام، صار الحديث بالفارسية؛ لأن كل واحد يحرف قليلاً، حتى يصل الكلام في آخر الأمر، كلاماً غريباً جداً، ولذلك تقصي الحقائق يكون من الشخص نفسه.
سادساً: فطنة أبي ذر ﵁ في أنه لم يسأل عن النبي ﵊ مباشرة، وإنما انتظر ليتعرف عليه من بعيد، وتقدم ما في هذا من فائدة.
سابعاً: حرص علي ﵁ على تسقط الأخبار والتقاط هؤلاء القادمين؛ لإيصالهم إلى النبي ﷺ ؛ لدعوتهم إلى الله.
ثامناً: فطنة علي ﵁ لما قال: إن شعرت بشيء أو أمر مريب قمت كأني أصلح نعلي أو أريق الماء حتى تعلم أنت أن هناك خطراً أو أن هناك شيئاً غير عادي؛ فنتوقف عما كنا بصدده.
وتاسعاً: أن الإنسان إذا أراد أن يستخرج الشيء المخبوء فإنه يُعرِض ولا يأتي بالصراحة، ربما تريب الشخص الآخر، ولذلك قال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ عرض تعريضاً لطيفاً حتى يستخرج به ما عند الآخر.
عاشراً: أن الإنسان إذا أراد أن يأخذ الشيء على وجه الحقيقة أخذ العهد والميثاق، فأنت إذا أردت أن تعرف الكلام على وجه الصحة لو قلت للآخر تعطيني العهد والميثاق وتعاهدني بالله أن تخبرني بالحقيقة، يكون هذا أقرب إلى معرفة الصدق؛ لأن الشخص الآخر قد يكون فيه شيءٌ من الانحراف، فيذكره عهد الله بالأمر ويغلُظ عليه الشيء ويثقل عليه عهد الله والميثاق؛ فيرجع، لكن لو قال له مباشرة: أعطني الحقيقة ربما لا يعطيه، لكن لو قال: أخذت عليك عهد الله وميثاقه أن تخبرني بالحقيقة يكون أقرب إلى معرفة الحقيقة.
الحادي عشر: أن النبي ﷺ كان رفيقاً بأصحابه، أي: لما عرف أن أبا ذر جلس شهراً أظهر التأسف لحاله وأظهر التلطف به.
الثاني عشر: كرم الصديق، لأنه عرض وقال: يا رسول الله! أعطني إياه ضيفاً وأطعمه من زبيب الطائف، وكان طعاماً نفيساً بـ مكة آن ذاك.
الثالث عشر: أن إكرام الداخلين الجدد في الإسلام مما يثبتهم على الدين، مثلاً: موظف في الشركة معك أو أحد العمال أسلم حديثاً فينبغي أن تتخطفه نفوس المؤمنين، فكل واحد يعزمه من جهة يقول: تعال عندي وأنت تعال عندي وأنت المرة التي بعدها عندي، عندما يحس الشخص المسلم الجديد أن هناك إخوان صدق له وكل واحد يريد إكرامه من جهة يعظم الدين في نفسه، وتزداد رغبته فيه وتمسكه به.
ولذلك ينبغي أن نكرم المسلمين الجدد، إذا سمعنا بمسلم جديد من هؤلاء سواء فلبيني أو سرلانكي أو أمريكي أو من أي جنسية أسلم، نحاول أن نكرمه كل واحد يدعوه يوماً بالذات الآن في رمضان، كل واحد يدعوه يوماً وهذا موسم، الآن يقبلون على الإسلام؛ لأنهم يتأثرون بالصيام ويرون من أهل البيوت ومن بعض المسلمين من مظاهر الالتزام بالإسلام في شهر الصيام فيُسلم عدد أكبر من الكفار في شهر رمضان، وبالتجربة عدد المقبلين على الإسلام أكثر من غيره، الكفار لما يرون المسلمين في هذه العبادة وهذا الجو الإيماني تزداد رغبتهم في الإسلام ويدخلون فيه فواجبنا أن نكرمهم.
الرابع عشر: أن النبي ﷺ كان حريصاً على توزيع الدعاة في الجزيرة، وألا يكون كل الدعاة متركزين في مكة؛ لأن من المصلحة أن ينتشر الدين في الجزيرة، وأن يكون هناك بُعد، وأن يكون هناك عمق إسلامي في القبائل، بنو غفار فيهم مسلمون.
الطفيل بن عمرو الدوسي يذهب إلى قومه بني دوس يدعوهم إلى الله، أتى بثمانين بيتاً من دوس أسلموا.
أبو ذر الغفاري ذهب يدعو غفاراً فأسلم نصف القوم.
ومن حكمة النبي ﵊ أن ليس كل من جاء وأسلم بـ مكة من القبائل الأخرى يقول له: اجلس بـ مكة مكان الاضطهاد والمحنة، لا.
بل كان يقول: اذهب إلى قومك، وأنت اذهب إلى قومك، وفي هذا توزيع الدعاة وهذه سياسة من النبي ﵊ في غاية الحكمة والحصافة ﷺ حتى ينتشر الدين في الجزيرة ويعم.
وكذلك الآن لو جاءنا أناس هنا وأسلموا وحسن إسلامهم من الحكمة أن نقول: ارجعوا إلى قومكم؛ لأن الدين إنما ينتشر بالدعاة، ما الذي نشر الإسلام في أصقاع العالم؟ فلم تصل إليها جيوش المسلمين، إندونيسيا أكبر بلد فيه تعداد مسلمين في العالم أسلموا بسبب إرسال الدعاة المسلمين، أو التجار المسلمين الذين نشروا الإسلام في تلك البلدان، وأحد التجار المسلمين كان قد ذهب في الدعوة إلى الله في بلد ففتح دكاناً فيها، في قرية من قرى الهند فصار يداين الناس ويعاملهم بالحسنى والذي عنده ضائقة ييسر ويضع عن هذا ويؤجل هذا وهذا فقير يعطف عليه، فكسب شعبية بين الناس فبعد ذلك لما أحس أنهم قد أحبوه بدأ يدعوهم إلى الإسلام فأسلم على يديه عدد من الناس، فلما أراد عظيم تلك القرية أن يخرجه منها قام أهل البلد عليه وخلعوه، وصار هذا مكانه، فيمكن للإنسان بحكمته بالدعوة إلى الله أن يكون له مجال عظيم في التأثير في الخلق.
وإرسال أبي ذر إلى قومه من باب نشر الدعوة، وحتى لو قضي على الدعوة في مكة يكون هناك في الأرض مسلمون آخرون يقومون بالواجب ونشر الدين، وهذا من حكمة النبي ﷺ .
الخامس عشر: جرأة
стр. 31
الأسئلة
стр. 32
كيفية سجود التلاوة
السؤال
هل يجب أن تكون الأعضاء السبعة على الأرض في سجود التلاوة؟ حيث إن بعض الناس يمسك القرآن بيده ويسجد؟
الجواب
من الأخطاء إذا جاء بعض الناس يسجد سجود التلاوة يمسك المصحف بيد ويسجد باليد الثانية، مع أن الذي ينبغي أن يضع الكفين جميعاً على الأرض، ولو أعطى المصحف لشخص بجانبه أو وضعه في الرف ويسجد، أو يضعه على السجاد فلا مانع مادام السجاد نظيفاً والأرض نظيفة وما قصد إهانة المصحف، ما المانع من وضعه على الأرض وهو ما قصد الإهانة والمكان نظيف.
стр. 33
الدعاء على الظالم
السؤال
هل يجوز الدعاء على الظالم أثناء الصلاة؟
الجواب
نعم.
يجوز الدعاء عليه، لكن إذا أراد الأكثر أجراً والأفضل ألا يدعو عليه، يأخذ حقه كاملاً منه يوم القيامة.
السؤال: وإذا قال: اللهم اكفني فلاناً بن فلان؟ الجواب: نعم، لا بأس بذلك، والغلام ماذا قال؟ قال: اللهم اكفنيهم بما شئت.
стр. 34
قراءة القرآن أثناء الحديث
السؤال
هل يجوز قراءة القرآن أثناء الحديث؟
الجواب
الأولى ألا يكون ذلك، حتى لا يحصل تشويش ويقرأ الإنسان في بيته.
стр. 35
قطرة العين للصائم
السؤال
ماذا عن قطرة العين في الصوم؟
الجواب
ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنها لا تفطر.
стр. 36
حكم حلق اللحية
السؤال
نعمل مندوبي مبيعات في شركةٍ يأمرنا المدير بعدم إطلاق اللحية؟
الجواب
لا، هذا لا يجوز، ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، لأن عندنا الأوامر في اللحية أوامر مشددة: (أعفو اللحى) (أرخوا اللحى) (وفروا اللحى خالفوا المشركين).
المسألة شديدة، ليست مسألة اختيارية ومخالفة المشركين ليست قضية مباحة بل قضية واجبة، ولم ينقل أن النبي ﵊ حلق لحيته مرة واحدة، ولا أحداً من الصحابة كلهم، ولا يوجد حديث أن واحداً من الصحابة حلق لحيته أبداً.
فهذا يؤكد أن اللحية شرعاً هي سنة واجبة في هذه الشريعة ولا يجوز إلزام الناس أو اضطهادهم لكي يحلقوا لحاهم كما يفعل بعض هؤلاء يقولوا: ما يتناسب مع العمل، ما شاء الله! كيف لا يتناسب مع العمل؟ هذا دين، الآن تجد اليهود ربما بعضهم يطلقون لحاهم إلى السرة وإذا جاء يركب كمامة غاز اخترعوا له طريقة لكي يركب الكمامة بدون أن يأخذ من اللحية ولا شيء، يعني الذي يريد أن يتمسك بدينه سيتمسك، والذي يريد أن يضيع الدين سيضيع.
стр. 37
دعاء القنوت
السؤال
ما هو دعاء القنوت وهل يجب على المسلم أن يدعو في الوتر في الأيام العادية؟
الجواب
ليس واجباً لكن يستحب أن يدعو في القنوت الدعاء الذي علمه النبي ﷺ الحسن بن علي وهو: (اللهم اهدني فيمن هديت إلى قوله: لا منجى منك إلا إليك) فقط، والإمام ينوع ولا يلتزم بدعاء معين، حتى لا يُوهم الناس أن هذه سنة أو دعاء، قاله النبي ﷺ في الوتر أو في القنوت.
стр. 38
الصلاة بالبسطار
السؤال
ألبس (البسطار) على طهارة وأصلي به الظهر والعصر والمغرب هل هذا صحيح؟
الجواب
نعم صحيح لكن لا تقذر المسجد بهذا (البسطار) السجاد المفروش له قيمة فلا يجوز إتلافه بالأحذية التي فيها وسخ، أما إذا كان حذاءً نظيفاً ليس فيه أي قذارة فيجوز لك أن تدخل به.
стр. 39
الحلف كاذباً
السؤال
هل يحلف الإنسان كاذباً؟
الجواب
لا، لا يجوز الحلف كاذباً، ولو اضطر فإنه يكفر عن يمينه، فلو جاء ظالم قال: فلان عندك؟ قال: ما هو عندي قال: احلف، وما استطاع أن يوري فيحلف ويكفر وابن القيم ذكر عدداً من الأشياء قال: لو قالوا له في النطق بكلمة الكفر: قل كفرت بالله، يقول: كفرت باللاهي ويقصد اللاهي: لها يلهو لاهي، اسم فاعل، ولا يقصد لفظ الجلالة، يقصد اسم فاعل من لها يلهو لاهي، كفرت باللاهي يعني: بالعابث باللاعب، فإن قالوا له سكن قل: كفرت بالله، فيتأول وجهاً من وجوه اللغة وهو جواز حذف الياء عند الوقوف على المعتل الآخر بالياء كنحو قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] هي أصلها: قاضي، فيتأول هذا الوجه من أوجه اللغة ويقف يقول: كفرت باللاة، ويتأول ما يأتي، وكذلك إنسان إذا أرادوا أن يحلف على الكذب فلا يحلف على الكذب، بل يوري وإذا ما استطاع أن يوري واضطر للحلف كاذباً عليه أن يكفر عن يمينه.
стр. 40
لبس النقاب في العمرة
السؤال
لبست نقاباً أثناء العمرة وكان عليها غطاء؟
الجواب
وقعت في محظورات الإحرام، وإذا كانت جاهلة فليس عليها شيء، وإذا كانت عامدة عالمة فإن عليها أحد ثلاثة أشياء: أولاً: ذبح شاة.
ثانياً: إطعام ستة مساكين.
ثالثاً: صيام ثلاثة أيام.
﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] مخيرة على التخيير، وإذا كانت جاهلة لا تدري ما عليها شيء.
следующие страницы →