← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18269

سلسلة القصص - المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (522 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أخطاء العمرين لا تنقص من قدرهما الفائدة الثامنة عشرة: أن أفضل رجلين في الإسلام بعد النبي ﵊ ما غض من قدرهما، ولا نقص من قيمتهما، أنهما أخطئا ورجعا، فهما أخطئا وجاءا إلى النبي ﷺ ونقلت القصة، والقصة في صحيح البخاري ومسند أبي يعلى وغيره من المصنفين، ومع ذلك فلا نجد في أنفسنا حرجاً ولا غضباً ولا شيئاً على الصديق وصاحبه أبداً؛ بل نجد كامل المحبة لهما؛ لأن خطأهما فائدة لنا، أي: إن من بركتهم أن أخطاءهم فائدة لنا، يتعلم المرء منها أشياء كثيرة، مما ينبغي أن يكون عليه الموقف.

стр. 142

أهمية تقديم المال للدعوة إلى الله الفائدة التاسعة عشرة: أهمية تقديم المال والدعم للدعوة إلى الله ، وأن الإنسان إذا قدم المال والنفس في الدعوة إلى الله فإن ذلك مما يرفع قدره ومنزلته، ويستوجب صيانة حرمته والكف عن إيذائه؛ لأن التقديم في سبيل الدعوة الحقيقية عبادة عظيمة؛ لأن النفع متعدٍ، ونشر الخير والهداية إلى الآخرين، سبب في إنقاذ الناس من النار والكفر؛ ولذلك من أسباب علو منزلة الصديق كما قال النبي ﷺ : (صدق وواساني بنفسه وماله). فإذاً: تصديق أبي بكر للداعية الأول ﵊، ومواساته بالنفس؛ حيث عرض نفسه للخطر في عدد من المواضع من أجل النبي ﷺ ، وواساه -كذلك- بماله، فالتقديم للدعوة كتقديم النفس والمال، والجهد، والتضحية لا شك أن لها فضلاً عظيماً؛ لأن الدعوة مجالٌ لهداية الناس، ونشر النور إلى الآخرين.

стр. 143

فضل السابقين في الدعوة الفائدة العشرون: أن الإنسان كلما كانت سابقته أقدم في الدعوة، وتقديمه أبكر من غيره كلما كان أفضل؛ ولذلك قال الله : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] أي: الذي أنفق في وقت غربة الدين وضعف المسلمين، وفي المرحلة المكية، وأنفق في وقت الاضطهاد، وفي وقت الحاجة الماسة، لما كان الناس لا يجدون شيئاً، وكان المسلمون في غاية الشدة والعسر، فهذا لا شك أن بذله أكثر أجراً ممن بذل في وقت الرخاء والسعة. ولذلك فإنه كلما أمكن الإنسان أن يبكر بالتقديم والعطاء والدعوة في سبيل الله يكون أجره أكبر -ولا شك في ذلك- وكلما كان العطاء في وقت الشدة، وفي وقت مبكر يكون أفضل قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠] وكلهم له أجر ﴿وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].

стр. 144

حادثة الخصومة بين الصديق وربيعة الأسلمي هذه قصة مشابهة حصلت مع أبي بكر ﵁ وفيها شيءٌ مما يجب أن يكون في الخصومة بين الإخوة.

стр. 145

أحداث قصة الخصومة بين ربيعة والصديق وهذه القصة سندها جيد يرويها الإمام أحمد ﵀ في مسنده عن ربيعة الأسلمي قال: (كنت أخدم رسول الله ﷺ فقال: يا ربيعة ألا تزوج؟ قلت: والله يا رسول الله ما أريد أن أتزوج -عرض عليه الزواج لما في الزواج من صيانة العرض والدين- قال: يا رسول الله: ما أريد أن أتزوج؟ ما عندي ما يقيم المرأة -أي: ليس عندي نفقة- وما أحب أن يشغلني عنك شيءٌ -أي: أخشى أن تشغلني الزوجة عنك وعن خدمتك يا رسول الله، فهو يريد أن يخدم النبي ﵊ بنفسه ويوقف عليه- فأعرض عني -أي: ترك دعوته للزواج- فخدمته ما خدمته، ثم قال لي الثانية: يا ربيعة ألا تزوج؟ فقلت: ما أريد أن أتزوج، ما عندي ما يقيم المرأة وما أحب أن يشغلني عنك شيءٌ، فأعرض عني، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: والله لرسول الله ﷺ بما يصلحني في الدنيا والآخرة أعلم مني -أي: أنا راغب عن الزواج من أجل الأجر في خدمته ﵊، لكن هو الذي أشار عليَّ بالزواج فمعنى هذا أن الزواج فيه أجر لي أكثر من أن أترك الزواج لخدمته- فقال: والله لئن قال تزوج لأقولن: نعم يا رسول الله مرني بما شئت، قال: فقال: يا ربيعة -المرة الثالثة- ألا تزوج؟ فقلت: بلى مرني بما شئت، قال: انطلق إلى آل فلان حي من الأنصار، وكان فيهم تراخٍ عن النبي ﷺ -أي: لم يكونوا يواظبون على حضور مجالسه ﵊؛ لأجل مشاغلهم الضرورية من كسب العيش وغيره، وهذا معنى تراخيهم عن النبي ﷺ فانطلق ربيعة إليهم قال: فقل لهم: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوني فلانةً -لامرأةٍ منهم- فقالوا: مرحباً برسول الله وبرسول رسول الله ﷺ ، والله لا يرجع رسول رسول الله ﷺ إلا بحاجته -أي: إلاَّ وحاجته مقضية- فزوجوني وألطفوني وما سألوني البينة -أي: لم يسألوا عني ولا استوضحوا عن خبري ولا عن أخلاقي وديني- فرجعت إلى رسول الله ﷺ حزيناً، فقال لي: ما لك يا ربيعة؟ فقلت: يا رسول الله أتيت قوماً كراماً فزوجوني وأكرموني وألطفوني وما سألوني بينةً؛ لأنهم وثقوا -أي: ما دام أنه من عند النبي ﵊ فلم يسألوا عن أي شيء- قال: وما سألوني بينةً وليس عندي صداقٌ، فقال رسول الله ﷺ : يا بريدة الأسلمي اجمعوا له وزن نواةٍ من ذهب قال: فجمعوا لي وزن نواة من ذهب، فأخذت ما جمعوا فأتيت به النبي ﷺ فقال: اذهب بهذا إليهم فقل: هذا صداقها، فأتيتهم فقلت: هذا صداقها -أي: هذا المهر- فرضوه وقبلوه وقالوا: كثيرٌ طيب) -ليسمع هذا أصحاب المغالاة في المهور فقد يصل المهر في هذا العصر إلى الخمسين والمائة ألف والمائتين ألف- (فرضوه وقبلوه وقالوا: كثيرٌ طيب قال: ثم رجعت إلى النبي ﷺ حزيناً فقال: يا ربيعة ما لك حزينٌ؟ فقلت: يا رسول الله! ما رأيت قوماً أكرم منهم رضوا بما آتيتهم وأحسنوا، وقالوا: كثيرٌ طيب وليس عندي ما أولم -أي: قد انحلت مشكلة العقد فعقدنا، والبنت قد وجدناها، والمهر اديناه، وبقيت الوليمة- قال: يا بريدة اجمعوا له شاةً) فلننظر كيف تنحل المشاكل بسرعة في العهد النبوي، فليس هناك مشكلة تجلس السنة والسنتين، فيقول لهم: اجمعوا فيجمعوا له بسرعة؛ لأن الحلول جاهزة للمشكلات، والأمور ميسرة وبسيطة، وتمشي الأمور على السعة. لأن الغاية أن يحصل العفاف والزواج قال: (فجمعوا لي كبشاً عظيماً -أي: ما يكفي لشراء كبش كبيرٍ سمين- فجمعوا لي كبشاً عظيماً سميناً، فقال لي رسول الله ﷺ : اذهب إلى عائشة فقل لها: فلتبعث بالمكتل الذي فيه الطعام -والمكتل: زنبيل ووعاء يسع خمسة عشر صاعاً- قال: فأتيتها فقلت لها ما أمرني به رسول الله ﷺ ، فقالت: هذا المكتل فيه تسع آصع شعير -والآصع: جمع صاع، ويجمع على: أصوع وصيعان- وقالت: لا والله إن أصبح لنا طعامٌ غيره -أي: لا والله ما عندنا طعام غير هذا الذي طلبه النبي ﵊، فكل الموجود عندنا تسع أصواع من الشعير، وهذا هو كل الذي في مطبخ عائشة إذا كان عندها مطبخ، وإنما هي حجرة لـ عائشة - فقالت: خذه -لأن زوجها أمر بذلك، فهي لم تبخل به- قال: فأخذته فأتيت به النبي ﷺ فأخبرته ما قالت عائشة، فقال: اذهب بهذا إليهم فقل: ليصبح هذا عندكم خبزاً، فذهبت إلى أهل العروس وذهبت بالكبش ومعي أناس من أسلم فقال: ليصبح هذا عندكم خبزاً وهذا طبيخاً) -أي: أنا أتيت لكم بالمواد الخام، وأنتم عليكم الصناعة لأهل العروس، فهذا الشعير اخبزوه، وهذا الكبش اذبحوه واطبخوه- (فقالوا: أما الخبز فسنكفيكموه، وأما الكبش فاكفونا أنتم) -فهو أخذ أناساً من جماعته من بني أسلم فقالوا: الخبز مقدور عليه عندنا لأن لدينا من يخبز، وأما الكبش فعليكم، فلننظر إلى سلاسة وسهولة المسألة، فليس هناك اعتراضات، يقول لي أحد الإخوة: لما جئنا نتناقش في موضوع زواج البنت وجلسنا مع الرجل وأب الزوج كان نقاشاً عجيباً حتى ذكروا الشروط والنقاش وأشياء أخرى، حتى أن أباه قال: على من الببسي؟ قلنا: الببسي علينا، قال: إيه لا بد أن يكون كل شيء واضحاً- (قالوا: أما الخبز فسنكفيكموه، وأما الكبش فاكفونا أنتم، فأخذنا الكبش أنا وأناس من أسلم فذبحناه وسلخناه وطبخناه، فأصبح عندنا في الصباح خبزٌ ولحم، فأولمت ودعوت رسول الله ﷺ ، ثم قال: -أي ربيعة الأسلمي - إن رسول الله ﷺ أعطاني أرضاً -أي: بعد الزواج جاء الخير- وأعطاني أبو بكر أرضاً، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة) -يبدو أن بعض النساخ أو بعض الشراح قال: إن كلمة أعطاني خطأ من خطأ النساخ وأن الصحيح (أعطاني أرضاً وأعطى أبا بكر أرضاً، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة -فقلت أنا: -أي: ربيعة الأسلمي - هي في حدي وقال أبو بكر: هي في حدي) -أي: أن الدنيا جاءت، وكل واحد يقول عن النخلة أنها في حده، والحد هو: الحاجر بين الشيئين، فكل واحد منهما يظن أن النخلة في أرضه المملوكة -قال: (فكان بيني وبين أبي بكر كلامٌ، فقال أبو بكر كلمة كرهها وندم -أي: أثناء المحاورة- فقال لي: يا ربيعة رد علي مثلها حتى تكون قصاصاً) -فـ أبو بكر ﵁ قال كلمة غليظة في الحوار وندم مباشرة، ومع أنه تلك الشخصية المباركة، إلاَّ أنه ندم فوراً على الكلمة، وقال: يا ربيعة رد علي مثلها حتى تكون قصاصاً فلابد أن تقول لي نفس الكلمة وترد بها علي فلو قلت لك: يا غبي لا بد أن تقول لي: يا غبي حتى تصير قصاصاً، ولو قلت لك: يا طماع لا بد أن تقول لي: يا طماع حتى تصير واحدةً بواحدة، فـ أبو بكر يصر على القصاص؛ لأن القصاص في الدنيا أهون من القصاص في الآخرة- قال: (قلت: لا أفعل، فقال أبو بكر: لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله ﷺ -أي: أشتكيك- فقلت: ما أنا بفاعل قال: ورفض الأرض -أي: أن أبا بكر ترك النخلة- وقال: خذ النخلة، وترك الأرض التي فيها العذق المتنازع عليه، فتركها لـ ربيعة تكرماً -أي: تكرماً من الصديق ترك الأرض لـ ربيعة وبقيت الكلمة؛ لأن الأرض عند الصديق ليست مشكلة، إنما المشكلة في الكلمة- وانطلق أبو بكر ﵁ إلى النبي ﷺ وانطلقت أتلوه -أي: أتبعه- فجاء ناسٌ من أسلم -من قبيلة ربيعة - فقالوا لي: لما علموا القصة رحم الله أبا بكر في أي شيء يستعدي عليك رسول الله ﷺ وهو قال لك ما قال؟ -أي: لماذا يشتكيك وهو المخطئ؟! - فقلت: أتدرون ما هذا؟ هذا أبو بكر الصديق وثاني اثنين وذو شيبة المسلمين، إياكم! لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله ﷺ فيغضب لغضبه فيغضب الله لغضبهما فيهلك ربيعة، قالوا: ما تأمرنا؟ قال: ارجعوا، فانطلق أبو بكر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فتبعته وحدي -بدون جماعة- حتى أتى النبي ﷺ -أي: الصديق - فحدثه الحديث كما كان، فرفع إلي رأسه ﷺ ، فقال لي: يا ربيعة ما لك وللصديق؟ قلت: يا رسول الله! كان كذا، كان كذا، قال لي: كلمةً كرهها، فقال لي: قل كما قلت حتى يكون قصاصاً فأبيت، فقال رسول الله ﷺ : أجل. لا ترد عليه ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر، فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر، فولى أبو بكر ﵁ وهو يبكي). فالآن التشابه بين القصتين في أنه حصل شيءٌ من سوء التفاهم بين أبي بكر ﵁ وبين ربيعة الأسلمي، ولكن لننظر السرعة العجيبة في رجوع أبي بكر الصديق والاعتذار والتنازل عن الأرض أصلاً، ثم إن ربيعة ﵁ يعرف قدر الصديق، ولذلك قال: (أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، ثاني اثنين وذو شيبة المسلمين) أي: هذا شيبتنا، وكبيرنا بعد النبي ﵊، فلو غضب يمكن أن يغضب الله علينا لغضب النبي ﷺ . كذلك فإن ربيعة لم يرد أن يتكلم ع

стр. 146

فوائد من قصة الخصومة بين ربيعة والصديق القصة هذه لوحدها فيها فوائد كثيرة في مسألة تيسير الزواج والمهور، وكيفية استقبال الناس لصاحب الدين إذا جاءهم ليتزوج، وكيفية جمع المهر وتيسير الأمور، وحل المشكلات بين أهل الزوجة والزوج وأهل الزوج والشخص المتقدم، وكيف أن الدنيا يمكن أن تكون سبباً للمشكلات بين الإخوة، وهذه من أهم الفوائد. قال ربيعة كلمة عظيمة: (وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة فقلت أنا: هي في حدي، وقال أبو بكر: هي في حده) فهذه الدنيا هي سبب الخلاف، وهي التي تجر الخصومة، ثم تجر الكلام الذي لا يليق بين الإخوة. وكيف أن الصديق أراد أن يتحلل في الدنيا قبل الآخرة، وأن الإنسان لا يستعين بقومه على الباطل، والنبي ﵊ أخبر أن الذي يعين قومه على غير الحق مثل البعير المتردي بذنبه، فإذا تردى بذنبه فلا يمكن لأحدٍ أن يخرجه؟ وإذا تردى في بئر لا يمكن لأحدٍ أن يسحبه؛ ولذلك يدفعونه إلى الهلاك دفعاً، ورجوعه صعب إذا قام قومه معه بالباطل. فهذه قصة الصديق ﵁ في الحالتين تبين أشياء كثيرة من حقوق الأخوة، وتبين الحالة التي يجب أن تكون بين الإخوة، وتبيّن كذلك أن الخلاف بنيهم لا يمكن منعه بالكلية، وتبين كذلك الموقف الصحيح لمعالجة هذه الأمور الخلافية.

стр. 147

الأسئلة

стр. 148

الحج وغفران الذنوب السؤال هل الحج يغفر الغيبة والنميمة والحلف في اليمين؟ الجواب أما الكبائر فتحتاج إلى توبة خاصة، وأما حقوق البشر فلا بد من إرجاعها والتحلل منهم، وأما بقية الأشياء فيمكن أن تغفر بالحج كلها.

стр. 149

حكم علاج المريض من أموال الزكاة السؤال مرض قريبٌ لي فأدخل المستشفى ولم يكن لديه ما يسد به نفقات العلاج، فهل يجوز أن يكون ذلك من الزكاة؟ الجواب نعم، إذا كان لا يقدر على العلاج وهو محتاج فيُعطى من الزكاة.

стр. 150

حكم إعطاء الزكاة للخدم السؤال ما حكم إعطاء الزكاة للخادمة؟ الجواب لا يجوز للإنسان أن يستفيد من الزكاة بشيء، ولا أن يرغب الخادمة بالبقاء، أو أن يجعل الزكاة وسيلة لتحسين خدمتها -مثلاً- ولذلك لا يعطيها من الزكاة، وهذا هو رأي الشيخ عبد العزيز -حفظه الله-.

стр. 151

ميقات الإحرام للعمرة السؤال جئت إلى الظهران للدراسة لمدة سنة، وأعود يوم الأربعاء إلى الجمعة من كل أسبوع إلى مدينة جدة، فإذا أردت العمرة هل يكون الإحرام من جدة أو من الظهران؟ الجواب إذا كان لك بيتٌ في جدة، فيجوز لك أن تحرم من جدة من بيتك؛ لأنك من أهل جدة، فيكون لك بيت هنا، وبيت في جدة وإذا لم يكن لك بيتٌ في جدة فإنك تحرم من المكان الذي يحرم منه أهل المنطقة هنا.

стр. 152

إعطاء الحقوق العامة عند الهجران السؤال إذا كان صديقك يبتعد عنك، ولا يقوم بواجب الصداقة، وهو قام بالخصومة فهل أفارقه؟ الجواب ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)، فأنت عليك أن تلقاه وتسلم عليه، وتعطيه الحقوق العامة على الأقل: (إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) فهذه الحقوق العامة تعطيه إياها، ثم بعد ذلك إذا هو صدك فأنت ليس عليك إثم، وإذا سلمت عليه ولم يرد عليك رد عليك من هو خيرٌ منه وأطيب وهم الملائكة كما جاء في الحديث الصحيح.

стр. 153

جواز الاعتذار بالهاتف والرسالة عند الخطأ السؤال هل يجوز الاعتذار بالهاتف أو الرسالة؟ الجواب نعم، ولا شك في ذلك، لكن الأولى أن يأتيه في بيته ويعتذر إليه، ولكن قد يكون ذاك في بلد بعيد أو أن في الإنسان بعض الحساسيات والاحراجات، ويريد أن يتلافى المواجهة بالرسالة فلا بأس.

стр. 154

حكم ميداليات المفاتيح المطلية بالذهب السؤال ما حكم ميدالية المفاتيح المطلية بالذهب؟ الجواب لا يستعمل الرجال المطلي بالذهب.

стр. 155

حكم الهدايا المقدمة من المرابين السؤال ما حكم الهدايا التي تقدم من المرابين؟ الجواب إذا كانت أموالاً ربوية فلا تقبل، ويمكن أن توضع في مكان عام، أو تعطى لفقراء أو أناس يستفيدون منها، كالمال الضائع الذي ليس له صاحب.

стр. 156

حكم من نوى الإفطار في السفر ولم يفطر السؤال كنت على سفر فنويت الإفطار، ولكني لم أفطر؟ الجواب هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فذهب بعضهم: إلى أنه يفطر بمجرد نية الإفطار، وقال بعضهم: لا يفطر إلا إذا تعاطى مفطراً كالأكل أو الشرب أو الجماع وهذا هو الراجح إن شاء الله، ولكن الأحوط أن يقضي خروجاً من خلاف أهل العلم.

стр. 157

حكم شرب الماء عند أذان الفجر السؤال شربت ماءً بعدما بدأ أذان الفجر؟ الجواب ينبغي على الإنسان إذا أذن أن يمتنع عن الطعام والشراب، ولكن مثل هذا الذي أكل أو شرب أثناء الأذان لا يؤمر بالقضاء، إلا إذا كان الأذان على طلوع الفجر الصادق حقيقة يراه أمامه، فعند ذلك يكون قد أكل في نهار رمضان وشرب فيؤمر بالقضاء والتوبة.

стр. 158

جواز كشف المرأة لشعرها عند إقامة حلقة قرآنية في المنزل السؤال هل يجب على المرأة أن تغطي شعرها أثناء إقامة حلقة القرآن في البيت؟ الجواب يجوز أن تقرأ وهي كاشفة الشعر.

стр. 159

حكم إجابة دعوة من يعمل في الربا السؤال ماذا نفعل في رجل ممن يعمل في الربا، ولكنه يدعونا إلى بيته، وإذا امتنعنا يحصل قطيعة رحم؟ الجواب يمكن أن تذهبوا إليه ولا تطعموا عنده، أو تدعوه إلى بيتكم أو تذهبوا بطعامكم إليه، أو إذا كان له كسبٌ مختلط يجوز الأكل من طعامه حينئذٍ، أو إذا كانت زوجته موظفة والمال مشترك بينهما يؤكل من طعامهم؛ لأن الحرام لم يتميز.

стр. 160

حكم الصدقة بخلاف نية المتبرع السؤال أعطى أحدهم المؤذن مائة ريال، وقال: اشتر سجادة للإمام، والمسجد مفروش والحمد لله والذي أعطى المال لا نعرفه حتى نرجع المال إليه فماذا نفعل؟ الجواب إذا كان لا يُشرع فرش السجاد على السجادة، ولا وضع السجادة للإمام والمسجد مفروش فإننا نشتري به مفرشاً لمسجدٍ غير مفروش، أو نضعه في فرش مسجدٍ آخر، فإذا لم يمكن تنفيذ نية المتبرع فنجعلها في أقرب شيء إلى نية المتبرع.

стр. 161

(معنى قول: (اغسل حوبتنا السؤال ما معنى اغسل حوبتنا؟ الجواب الحوبة: الذنب العظيم والذنب الكبير وورد في القرآن: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ [النساء:٢].

стр. 162

قصة إبراهيم وسارة والجبار هذه قصة من السنة الصحيحة، تعرض فيها أبونا إبراهيم ﵇ لمحنة عظيمة، وكربة شديدة، حيث دخل وزوجته بلاداً يحكمها أحد الجبابرة، فحاول هذا الجبار اغتصاب هذه الزوجة، فكفه الله عنها بدعائها وإخلاصها. وفي هذه المحاضرة بيان ثلاث عشرة فائدة من هذه القصة، وإسهاب في بيان إحدى هذه الفوائد، وذلك فيما يتعلق بالمعاريض والتورية وأمثلة عليها من حياة الرسول والصحابة والسلف.

стр. 163

نص حديث قصة إبراهيم وسارة والجبار الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فسنتحدث إن شاء الله في هذه الليلة عن قصة رواها لنا رسول الله ﷺ عن أخيه وأفضل الأنبياء بعدَه: إبراهيم ﵇. هذه القصة رواها البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لم يكذب إبراهيم النبي ﵇ قط إلا ثلاث كذبات: ثنتين منها في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣]، وواحدةً في شأن سارة، فإنه قد قَدِم أرض جبارٍ ومعه سارة، وكانت أحسن النساء، فقال لها -إبراهيم يقول لزوجته سارة -: إن هذا الجبار -هذا الملك الكافر الطاغية في هذا البلد- إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلماً غيري وغيرك، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، أتاه -هذا القريب للجبار أتى الجبار- فقال له: لقد قدم أرضَك امرأةٌ لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها، فأُتي بها، فقام إبراهيم ﵇ إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبِضت يده قبضةً شديدة، فقال: ادْعِي الله أن يُطْلِق يدي ولا أضرك، ففعلت، فعاد، فقبِضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقُبِضت أشد من القبضتين الأولَيَين، فقال: ادعِي الله أن يطلق يدي، فلكِ الله ألا أضرك، ففعلت وأُطْلِقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخْرِجْها من أرضي وأعطها هاجر، قال: فأقبلت تمشي، فلما رآها إبراهيم ﵇ انصرف، فقال: مَهْيَمْ؟ قالت: خيراً، كف الله يد الفاجر، وأخدم خادماًَ قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء). يقول النبي ﷺ في هذا الحديث: (لم يكذب إبراهيم ﵊ إلا ثلاث كذبات). قال في الحديث عن الكذبة الأولى حين دُعِي إلى آلهتهم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] وذلك أنه لم تكن به علة ولا مرض؛ ولكنه كان سقيم النفس، كاسف البال، حزيناً على شرك قومه؛ لأنهم لم يلبوا نداءه، ولم يطيعوه في دعوته. فإذاً عندما قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] لم يكن في الحقيقة كذاباً، وإنما استخدم التورية، ويقصد بالمرض (المرض النفسي) أنه مريض النفس، اعتلت نفسه من إصرارهم على الشرك والكفر، قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] لما دعوه للخروج معهم إلى عيدهم، وكانوا يخرجون إلى عيد خارج البلد، قال لهم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، وقبل أن يقول لهم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] نظر نظرة في النجوم ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] وكان هؤلاء القوم كفاراً عبادَ الكواكب والنجوم، ويعتقدون أن النجوم لها تأثير في الحوادث الأرضية، وفي مرض الناس، والإنجاب، والرزق ونحو ذلك، فأراد إبراهيم الخليل أن يقيم عليهم الحجة، ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨ - ٨٩] عاملهم من حيث كانوا؛ لئلا يُنْكِروا عليه ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات:٩٠] تركوه وذهبوا إلى عيدهم خارج البلد. لما خلت البلد وصار معبد الأصنام فارغاً دخل إبراهيم على الأصنام، فكسَّرها، ثم وضع القدوم (الفأس) في يد كبيرهم لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار غِيْرةً لنفسه، وأنف أن تُعبد معه الأصنام الصغار، فقام عليها وكسرها. فلما رجعوا من عيدهم وجدوا أصنامهم مكسَّرة، ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٢] لأنه لم يتخلف عن حضور العيد غيره، ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣] وأشار بإصبعه ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣] أي: غضب من أن يعبد معه الصغار وهو أكبر منها فكسرها. ماذا أراد إبراهيم من هذا الكلام؟ أن يقيم عليهم الحجة، ولذلك قال لهم: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] حتى يخبروا من فعل ذلك بهم، اسألوا الأصنام المكسرة، حتى يخبروكم من كسرها، ﴿إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣]. فلما قال لهم ذلك رجعوا إلى أنفسهم، وعرفوا أنها لا تنطق، ﴿نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء:٦٥] رُدُّوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم. لما قال لهم: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] رجعوا إلى أنفسهم، قالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء:٦٤] كيف تعبدون أشياء لا تسمع ولا تبصر. لكن لما كان القوم على فسادٍ في الطريقة أجيالاً استمرءوا الكفر، وأصروا على الباطل، وعاندوا وتعصبوا لمبدئهم، ورفضوا الحق ورجعوا مرة أخرى، ﴿ثُمَّ نُكِسُوا﴾ [الأنبياء:٦٥] هذا معنى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا﴾ [الأنبياء:٦٥] رجعوا إلى الكفر مرةً أخرى بعد أن لاح لهم الحق، وأقنعهم إبراهيم، وتبينت لهم القضية بالحجة؛ لكنهم رجعوا، نكسوا على أنفسهم، مثل المريض إذا صارت له صحوة ثم انتكس مرة أخرى ورجع إلى المرض، ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٥] كيف نسألهم وهم لا ينطقون؟ فانتهز إبراهيم الخليل الفرصة، وقال لهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ﴾ [الأنبياء:٦٦ - ٦٧] تباً لكم وهلاكاً لكم، ﴿وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:٦٧].

стр. 164

قصة حرق إبراهيم فلما غلبوا على أمرهم وخافوا الفضيحة ولم تبق لهم حجة اجتمعوا هم وملكهم النمرود على إحراق إبراهيم الخليل ﵇، وجعلوا له بنياناً ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٩٧] بنوا له بنياناً كالحظيرة، وجعلوه في هذا البنيان، وجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب، حتى قيل: إن الرجل منهم كان إذا مرض يقول: لئن عوفيت لأجمعن حطباً لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر إن أصابت ما تريد وحصل لها ما تبتغي لتحتطبن في نار إبراهيم، وقيل: إن المرأة منهم كانت تغزل وتشتري الحطب بغزلها، فتلقيه في البنيان إعداداً لحرق إبراهيم، تحتسب الدفاع عن الأصنام والانتصار لها. وجمعوا الحطب -فيما قيل- شهراً، ولما جمعوا ما أرادوا أشعلوا في كل ناحية من الحطب النار، واشتدت النار، وعلت في السماء حتى أن الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها، فأوقدوا عليها سبعة أيام، حتى إذا اشتدت لم يعلموا كيف يلقوا إبراهيم فيها، فأتاهم إبليس بفكرة المنجنيق على ما ذكر بعض أهل التفسير، فوضعوه مقيداً مغلولاً، وأطلقوه بالمنجنيق مِن بُعد على هذه النار؛ لأنهم لا يستطيعون الاقتراب منها من شدتها، ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] والله تعالى له الأمر من قبل ومن بعد، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] وهو الذي خلق النار فسلب منها خاصية الإحراق، ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً﴾ [الأنبياء:٦٩] لو لم يقل: ﴿سَلاماً﴾ [الأنبياء:٦٩] لربما مات إبراهيم من شدة البرد وتجمد، ﴿كُونِي بَرْداً وَسَلاماً﴾ [الأنبياء:٦٩] حتى لا تؤذيه بالبرد. وقال إبراهيم كلمة واحدة فقط وهو في الهواء، يلقى بالمنجنيق إلى النار، في اتجاه النار، ذاهبٌ في الهواء، قال: حسبي الله ونعم الوكيل؟ قال ابن عباس كما في صحيح البخاري: [حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار]. وقال محمدٌ ﷺ وأصحابه لما قيل لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] بعد غزوة أحد، قيل لهم: لقد عاد المشركون مرةً أخرى لاستئصالكم، ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]. كل الدواب كانت تنفخ -بأمر الله- النار عن إبراهيم إلا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم، ولذلك أمرنا بقتل الأوزاغ إحياءً لذكرى أبينا إبراهيم، وإظهاراً للكراهية لهذا الحيوان الدابة الذي كان تنفخ النار على إبراهيم، كما جاء في الحديث الصحيح: (وقالت سائبة مولاة الفاكه بن المغيرة: دخلتُ على عائشة، فرأيتُ في بيتها رمحاً موضوعاً، قلت: يا أم المؤمنين! ماذا تصنعون بهذا الرمح؟ قالت: هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن بالرمح، فإن رسول الله ﷺ : حدثنا أن إبراهيم ﵊ حين ألقي في النار لم تكن في الأرض دابةٌ إلا تطفئ النار عنه غير الوزغ، كان ينفخ عليه، فأمرنا رسول الله ﷺ بقتله). وأخبرنا في الحديث الصحيح: (أن من قتل وزغاً من أول ضربة فله مائة حسنة، ومن قتلها من الضربة الثانية فله خمسون حسنة نصفها). وورد في بعض الآثار: [أنه لم يبق يومئذٍ نار في الأرض إلا طفئت، فلم ينتفع في ذلك اليوم بنارٍ في العالَم].

стр. 165

كذب إبراهيم في ذات الله وهذه قصة الكذبتين الأوليتين: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، و ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣]. وقيل: إنه استخدم التورية أيضاً، قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٣] وأشار إلى إصبعه. وعلى أية حالٍ كانت من إبراهيم الخليل ﵇ طريقة لإقناع قومه ومحاجتهم. نعود إلى قصتنا: - ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣]. - ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]. - وكذلك عندما قال عن زوجته: إنها أخته. قال النبي ﵊ عن هذه الثلاث الكذبات: (ثنتين منهن في ذات الله) ما معنى في ذات الله؟ مع أن قول إبراهيم عن زوجته: هذه أختي، أيضاً فيها معنى من جهة الدفاع عن عرض زوجته وتخليص زوجته في سبيل الله أيضاً؛ لكن خص هاتين بقوله: (في ذات الله) مع أن الثالثة في ذات الله أيضاً؛ لكن الثنتين الأوليتين ما تضمنتا حظاً لنفسه، بخلاف الثالثة، فإن فيها حظاً له وهي: نجاته ونجاة زوجته. الثالثة التي هي في ذات الله؛ لكن فيها فائدة له أو حظاً له، وسعيه لتخليص زوجته، وهو مقصد شرعي مباح لا غبار عليه على الإطلاق؛ لكن امتدح الثنتين الأوليتين؛ لأنها لله محضة ما فيها حظ لنفس إبراهيم وشخصه أبداً.

стр. 166

دخول أرض الجبار وطمع الجبار بزوجة إبراهيم قال: (بينما هو ذات يومٍ وسارة قدم أرض جبارٍ ومعه سارة) قيل: إنه ملك مصر في ذلك الوقت هذا الجبار الكافر الطاغية، وأن إبراهيم لما خرج من أرض العراق بعدما أحرق الله النمرود وقومه اتجه إلى بلاد الشام وبلاد مصر، فلما دخل بلاد مصر وكان عليها هذا الرجل الجبار قيل له: إن هنا رجلٌ -لما دخل أرض مصر وكان فيها هذا الجبار- قيل للجبار: إن هنا رجل -وهو إبراهيم- ومعه امرأة، هناك رجل معه امرأة دخلوا مملكتك، المرأة جميلة جداً في غاية الجمال، لا تصلح إلا لك. وإبراهيم تزوجها لَمَّا هاجر من بلاد قومه إلى حران، قيل: إنه تزوجها في ذلك الوقت، ولما دخل بها مصر وكان على مصر ذلك الملك الطاغية بعض أقرباء الملك، كما ورد في الحديث رأى إبراهيم ورأى معه سارة، وكانت قد أوتيت من الحسن شيئاً عظيماً، وقال له: إني رأيتها تطحن، وإنها في غاية الجمال، فالملك كان لا يدع شيئاً مثل هذا يفوته من ظلمه وعسفه وبغيه، فأرسل إلى إبراهيم وإلى سارة وجيء بها، وجيء معه، فسأله عنها، فقال: من هذه المرأة التي معك؟ قال: أختي، ظاهر الحديث أنه أتي بإبراهيم أولاً وسأله من هذه؟ قال: هذه أختي، رجع إبراهيم إلى زوجته، قال: يا سارة! ليس على وجه الأرض مسلم غيري وغيركِ، ثم طلب منها، إذا سألها الملك عن قرابتها منه مَن تكون بالنسبة له أن تقول له: إنها أخته؛ حتى لا يتناقض كلامه مع كلامها؛ ولئلا يظهر بمظهر الكاذب، فقال: فصدقيه إذا سألك عني، فقولي: هذا أخي؛ لأنني قلت له: إنك أختي، يقصد إبراهيم أختي في الإسلام. فلعل إبراهيم أحس مسبقاً أن الملك سيطلبها، فأوصاها بما أوصاها به، ولما وقع ما كان يظنه أعاد عليها الوصية لما استدعاه الملك، وقال: من هذه المرأة التي معك؟ قال: أختي، رجع إليها، وقال: إذا سألك فاصدقيني إذا سألك فقولي له: أنك أختي، ولا تكذبيني. ما هو السبب؟ لماذا لم يقل: إنها زوجتي؟ ولماذا لم يخبر بالحقيقة؟ قيل: إن الملك إذا عرف أنها زوجته لا يمكن أن يصل إليها إلا بالتخلص من زوجها، فيَقْتُل إبراهيم للوصول إلى المرأة؛ لكن لو عرف أنها أخته ربما وصل إليها بطريقة أخرى كالزواج أو غيره، وإن كان رجلاً رَكَّاباً للحرام، كما يتبين من القصة؛ لكنه كان ظالماً يريد اغتصابها، فلعله كان إذا عرف أن المرأة متزوجة قتل الزوج أولاً، فأراد إبراهيم أن يدفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما، بين أن يكذب أو يخبر بالحقيقة، ويُقْتل، فارتكب أدنى المفسدتين، وأخبر بتلك الكلمة، وقال لها: (ليس على وجه الأرض مؤمنٌ غيري وغيرك). لو قال قائل: ولوط ﵇؟! فيمكن أن يقال: إن إبراهيم يقصد الأرض التي هو فيها الآن، دخلنا بلد مصر، لا يوجد مؤمن غيري وغيرك، أما الأرض الأخرى ففيها لوط، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦] وقال إبراهيم: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ [العنكبوت:٢٦] وهاجر إبراهيم، ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:٢٦]. لما أُخِذَت سارة من إبراهيم قام إبراهيم يصلي، ولما أدخلت سارة على الملك لم يتمالك أن بسط يده إليها من شدة جمالها، لأنه لم يستطع أن يقاوم نفسه فقبِضَت يده قبضة شديدة، وفي رواية: (فقام إليها فقامت تتوضأ وتصلي -أي: تدعو- فغُطَّ) وفي رواية: (رُكِض برجله) يعني: اختنق، كأنه مصروع، والغط: صوت النائم، من شدة النفخ، غطيط. فمجموع الروايات يؤخذ منها: أنه عوقب أولاً بقبض يده؛ أي: شُلَّت يده ولم يستطيع أن يحركها، وثانياً: أنه صُرِع. جاء في رواية الأعرج: أن سارة توضأت ودعت الله قائلةً: (اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط علي الكافر) هي تعلم أنها آمنت به لكن تواضعاً قالت هذا الدعاء. ولما شلت يد هذا الملك وصرع قال: (ادعي الله لي ولا أضرك) وفي رواية مسلم: (ادعي الله أن يطلق ففعلتْ) قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: قالت: (اللهم إن يمت يقال: هي التي قتلته) إن يمت الآن من هذه الصرعة يقول قومه: هي التي قتلته، فربما قتلوها، فدعت الله له فأرسلها، لما تحرر الرجل ورجع إلى حاله الأولى هل توقف؟ أبداً. تناولها الثانية، ثم قام إليها فقامت تتوضأ وتصلي ودعت الله فأخذ مثلها أو أشد، أشد من القبضة الأولى. وفي المرة الثالثة دعا الرجل الذي جاء له بـ سارة وقال له: إنك لم تأتني بإنسان، إنما أتيتني بشيطان، ما أرسلتم إلي إلا شيطانة أرجعوها، ولعله لما صُرع ظن أن الشيطان هو الذي تدخل، وكانوا قبل الإسلام في الجاهلية يعظمون أمر الجن جداً، ويرون كل ما وقع من الخوارق من فعل الجن؛ لما رأى الملك نفسه مصروعاً مشلولاً قال: هذا من فعل الجن، هذا شيطان، هذا ليس بإنسان. أطلق سراح سارة وقال: أعيدوها إلى إبراهيم، وزيادة على ذلك: أعطاها خادمة وهي هاجر وهبها لها لتخدمها، لأنه سمع أنها كانت تعجن العجين أو تخدم نفسها، قال: هذه لا يليق أن تخدم نفسها، فأعطاها خادمة وهي: هاجر. فلما أطلق سراحها ومعها هاجر أتت سارة إلى إبراهيم وكان يصلي، فقال إبراهيم بعدما انصرف من صلاته: (مَهْيَمْ-أي: ما الخبر؟ - فقالت سارة ملخصةً ما حصل: رد الله كيد الكافر وأخدم هاجر) رد الله كيد الكافر في نحره، أَشَعَرْتَ أن الله كبت الكافر وأخدم وليدةً؟ وهي الجارية. أبو هريرة ماذا قال عن هاجر في آخر القصة؟ قال: [تلك أمكم يا بني ماء السماء] يخاطب أبو هريرة العرب يقول لهم: [تلك أمكم] هذه هاجر التي كانت خادمة وأُعْطِيَت خادمةًَ وجاريةً لـ سارة، ثم وهبتها لزوجها إبراهيم، قال: [فتلك أمكم يا بني ماء السماء] لماذا يطلق على العرب (بني ماء السماء)؟ لكثرة ملازمتهم للفلوات والصحاري؛ لأن فيها مواقع القطر وهو الماء النازل من السماء، يغشون البراري لأجل رعي أغنامهم، ولذلك سُمُّوا ببني ماء السماء؛ لأن عيشهم على ماء السماء. وقوله: [تلك أمكم يا بني ماء السماء] قيل: إن العرب كانوا من ولد إسماعيل، وهناك عرب قبلهم؛ لكن هؤلاء العرب المتأخرون كانوا من ولد إسماعيل.

стр. 167

فوائد من قصة إبراهيم وسارة والجبار هذا الحديث فيه فوائد كثيرة ومتعددة:- فمن الفوائد:

стр. 168

مشروعية أخوة الإسلام أولاً: مشروعية أخوة الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [حجرات:١٠] وأن رابطة الدين رابطة عظيمة، وأن أخوة الإسلام أقوى من أخوة النسب، والدليل على ذلك: أن الأخوين إذا كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً جاز للمسلم أن يقتل أخاه في سبيل الله، إذا التقيا في صفين يمكن أن يعمد إليه فيقتله، فهذا دليل على أن أخوة الدين أقوى من أخوة النسب.

стр. 169

الرخصة في الانقياد للظالم وقبول هديته ثانياً: الرخصة في الانقياد للظالم والغاصب، فيمكن أن يقال: لماذا لم تقاوم؟ قد تقاوم وتقتل وتذل وتهان، وهنا رخصة في أن المرأة إذا أجبرت بالقوة على الانقياد إلى ظالم، فإنها إذا لم تجد طريقة للهرب ولا للتخلص، وقِيْدت بالقوة، فإنها تكون معذورة بهذا. ثالثاً: يؤخذ من الحديث: قبول هدية المشرك؛ فإنه لما أعطاها هاجر قَبِلَت الهدية وأقرها إبراهيم، وهو نبي يأتيه الوحي، فأُخِذَت هدية المشرك.

стр. 170

إجابة دعاء المخلص ومن أعظم الفوائد: إجابة الدعاء بإخلاص النية؛ فإنها دعت الله تعالى، ففرج الله عنها، والله تعالى مع المكروب، ومع الملهوف، ومع المظلوم، يجيب دعوة المظلوم، والمضطر، ولا شك أن سارة في ذلك الموقف كانت في اضطرار عظيم، فلما دعت الله وقالت: (اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك) فكانت صادقة مؤمنة فاستجاب الله دعاءها. وهكذا المرأة المسلمة والرجل المسلم إذا وقع في ضرورة في ورطة في أزمة فتوجه إلى الله بالدعاء فإن الله يخلصه إذا كانت نيته حسنة.

стр. 171

مشروعية التوسل بالأعمال الصالحة خامساً: مشروعية التوسل بالأعمال الصالحة، وهذا سبق لنا في قصة أصحاب الغار الثلاثة. وهذا دليل آخر، فإنها قالت: (اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر) فتوسلت إلى الله تعالى بالإيمان وبالعفة، (وأحصنت فرجي إلا على زوجي) وهذه من الأعمال الصالحة، امرأة عفيفة تقول: ما مسني أحد من الأجانب أبداً (أحصنت فرجي إلا على زوجي) التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، وأن الله يقبل الدعاء بالأعمال الصالحة، وأنه يستجيب.

стр. 172

الحكمة من ابتلاء الصالحين سادساً: يؤخذ من هذه القصة أيضاً: ابتلاء الصالحين لرفع درجاتهم؛ فإن الله ابتلى إبراهيم بأخذ زوجته منه ابتلى إبراهيم بهذا الملك الظالم ابتلاه باستدعائه له ابتلاه بالموقف الصعب الذي مر به ابتلاه بالشدة، وهذا ليرفع درجته ويزيد أجره وحسناته.

стр. 173

أهمية الفزع إلى الصلاة ومشروعية الوضوء لمن قبلنا سابعاً: أن الإنسان إذا نابه كرب أو وقع في شدة فإن عليه أن يفزع إلى الصلاة؛ فإن إبراهيم الخليل لما أُخِذت منه زوجته ماذا فعل؟ اشتكى إلى مَن؟ إلى ملك الملوك. ويلجأ إلى من؟ الذي خصمه الآن أكبر سلطان في البلد وهو الملك، أخذ زوجته، يشتكيه إلى مَن؟ لا يوجد حل إلا من الله ، فتوجه إلى الله تعالى وقام يصلي. وهكذا كان النبي ﵊ إذا فزعه أمر صلى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣]. ولما أخبر ابن عباس أن أخاه قد توفي وهو في طريق السفر، نزل عن دابته إلى جانب الطريق فصلى ركعتين وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣]. فكان النبي ﷺ إذا حزبه أو كربه أمر صلى، وهكذا إبراهيم الخليل لما حصل له ما حصل فزع إلى الصلاة، قام إبراهيم يصلي، طيلة فترة غياب الزوجة عنه وهو في صلاته، هذه من أسوأ الفترات التي يمكن أن تمر بالإنسان، الزوج إذا أُخِذَت زوجته إلى مكان مجهول، ولا يدري ماذا يُفعل بها، وليس عنده قوةً ليس عنده جيشٌ يحارب به، ولا قوة يستطيع أن يقتحم قصر الظالم ويستخرج زوجته، أو أنه يهرب بها، لا يستطيع، دخل في سلطان هذا الفاجر. فإذاً كان يأوي إلى ركنٍ شديد وهو الله . ثامناً: من فوائد هذه القصة أيضاً: أن الوضوء كان مشروعاً للأمم من قبلنا، وليس خاصاً بهذه الأمة ولا بالأنبياء؛ لأن ذلك ثبت عن سارة أنها قامت تتوضأ، وجمهور العلماء على أن سارة ليست بنبية وإنما هي من أولياء الله.

стр. 174

إثبات كرامات الأولياء تاسعاً: من فوائد القصة: إثبات كرامات أولياء الله تعالى؛ لأن سارة أكرمها الله بأن فكها من يد الظالم وكرامة لها، ثم إن هذا الظالم لما شلت يده وصرع قال: ادعي الله لي ولا أضرك، دعت الله وفُك ورجع إلى ما كان عليه، فمن كرامات أولياء الله أن يستجيب الله دعاءهم، والاعتقاد بكرامات أولياء الله من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله قد يخرق العادة لبعض أوليائه. وقد اختلف في هذا الشيء أصناف من الناس: - فذهب الأشاعرة إلى أن كلما كان معجزةً لنبي جاز أن يكون كرامةً لولي، فسوَّوا بين الكرامة والمعجزة. - وذهبت المعتزلة إلى النقيض من ذلك، فأنكروا كرامات الأولياء، وقالوا: ليست هناك كرامات، لأنهم عقلانيون، فالقضايا الغيبية لا يؤمنون بها. - وتوسط أهل السنة والجماعة فقالوا بإثبات كرامات الأولياء؛ ولكن كرامة الولي لا يمكن أن ترقى إلى درجة معجزة النبي، فمعجزة النبي أعظم لا شك في ذلك؛ لأنه مؤيد من الله بمعجزات لبيان صدقه وإقامة الحجة على قومه، أما الولي فقد تقع له الكرامة وهو في الصحراء فمفرده، فيعطش مثلاً وليس عنده زاد، فالله ينزل عليه شيئاً أو طعاماً أو شراباً، أما معجزة النبي فيراها الناس؛ لأنه مؤيد من الله والمعجزة تكون لأجل أن يؤمن الناس ليقيم الله الحجة عليهم. فإذاً عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات كرامات الأولياء إذا ثبتت، وإلا فإن الصوفية وغيرهم ادَّعوا كرامات كثيرة، وكذب كثيرٌ من الناس في الكرامات، كل أحد يدعي كرامة من جهة، لكن إذا ثبتت الكرامة فإن عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات كرامات الأولياء، ولكنها مقام دون مقام معجزات الأنبياء ولا شك. فـ أهل السنة والجماعة وسطٌ بين الأشاعرة والمعتزلة في هذا المقام. تاسعاً: من الفوائد: أن الكذب في ذات الله تعالى لإعلاء شأن الدين جائزٌ ولا حرج فيه. عاشراً: أن على الإنسان أن يكون حكيماً يحسب للأمر حسابه، فهذا إبراهيم ﵇ يقول لزوجته: (إذا سألك فأخبريه أنك أختي) حتى لا أكون كذاباً عنده، ولا تتناقض الأقوال.

стр. 175

تحذير النساء من الفجرة حادي عشر: أن بعض الفجرة لا يتورعون عند رؤية المرأة أن يمدوا أيديهم إليها مباشرةً؛ ولذلك فإن على المرأة المسلمة أن تحتشم ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩]. فالمرأة إذا تبرجت صارت نهباً وعُرضة لكل فاسق وفاجر؛ لأنها تصبح مجالاً للإغراء والفتنة، ويطمع فيها الطامعون، وأما إذا احتشمت وتحجبت ولم يظهر منها شيء فلا يطمع فيها أحد؛ لأنها ليست مغرية -عند الحجاب ليست مغرية- لكن المتبرجة تغري بنفسها، هذه المتبرجة سفيهة؛ لأنه لسان حالها يقول للناس في الشوارع: تعالوا ورائي، الذي يريد أن يلمسني، يلمسني؛ والذي يريد أن يعطيني رقماً، يعطيني؛ والذي يريد أن يجيء ورائي، يجيء، هذه الفاجرة، المرأة التي تتبرج ما معناها الآن؟ إذا تبرجت امرأة في الشارع؛ مكياج، وزينة، وحسرت عن وجهها وشعرها، وخرجت تمشي في السوق بين الرجال الأجانب، ما معناها؟ معناها دعوة للفحشاء، تلم الناس تقول: تعالوا ورائي، الذي يريد أن يجيء، هذا معناه أن تلفت إليها الأنظار، فهي المجرمة الأولى، والفاجر الذي وراءها المجرم الثاني. ولذلك النساء اللاتي يتبرجن في الأسواق لا يعلم الإثم الذي عليهن إلا الله ، لأنها لا تفتن واحداً ولا اثنين ولا عشرة، طيلة مشيها في الشارع تفتن الناس، والناس أكثرهم فيهم ظلمٌ وفجور، ينظرون ولا يتورعون، يطلقون البصر ويلحقونها؛ ولذلك تجد أحياناً امرأة في الشارع يسير وراءها ثلة من الفجرة؛ لأنها كلما تبرجت تبرجاً ملفتاً للنظر مثيراً، كلما زاد عدد الأتباع الذين يتبعونها، وبعض النساء تريد هذا أن يتبعها أكبر عدد من الشباب. ولذلك يا إخوان، الله حكيم عندما قال: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، و ﴿يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١]. ولما قال: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور:٣١]. ولما قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩]. ولما قال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]. ولما قال: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]. ولما قال: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]. كل هذه إجراءات للعفاف وتطهير المجتمع المسلم، ولما خالفت النساء هذا، انتشرت الفاحشة في المجتمع، ورأيتَ الآن رمي الأرقام وهذا شيء مشاهَد، لا يحتاج إلى زيادة تدقيق وأصبح شيئاً عادياً، وتجد المسألة عادية، والعياذ بالله، وهذا يعني أن الله لا يسامح فيه، الله يغضب لحرماته، وإذا أصبح المجتمع فاجراً فإن الله ينزل بأسه وسطوته وعذابه انتقاماً من هذا المجتمع. ولذلك لا بد من الحذر الشديد في هذه القضية، وأن يقوم كل إنسان على زوجته، وبنته، وأمه، وأخته، بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجار ينصح جاره في زوجته، والقريب ينصح أقرباءه في زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم، لا نترك أحداً؛ لأن المسألة عامة، والعذاب عام؛ إذا نزل عمَّ الجميع، ثم يبعثون على نياتهم، لا ينجو من العذاب إلا الذي كان ينهى عن السوء ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:١٦٥]. ثاني عشر: من فوائد هذه القصة: تواضع سارة لما قالت: (كف الله يد الفاجر) ما قالت: بصلاحي بدعائي! لا، قالت: (كف الله يد الفاجر) الفرج من عند الله (وأخدم خادماً).

стр. 176

مشروعية المعاريض والتورية ثالث عشر: قضية مشروعية المعاريض، استخدام التورية:- وعند هذا سنقف وقفةً أخيرة في هذه القصة بين الكذب والتورية.

стр. 177

عقوبة الكذاب ومراتب الكذب أما الكذب: فإنه من الكبائر، قال الله تعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٦٠]. وقال النبي ﷺ : (إياكم والكذب، فإن الكذاب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار -فالكذب طريق مباشر إلى جهنم- ولا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً). وكذلك من صفات المنافق أنه (إذا حدث كذب) فالكذاب فيه صفة من صفات المنافقين. وكذلك قال ﵊: (رأيت كأن رجلاً جاءني فقال لي: قم، فقمتُ معه، فإذا أنا برجلين: أحدهما قائم والآخر جالس، بيد القائم كلُّوب من حديد يلقمه في شدق الجالس فيجذبه حتى يبلغ كاهله) يشرشره من الجنب إلى القفا، ويرجع يأخذ الجنب الثاني إلى القفا، يعود إلى الجنب الأول سليماً، يشرشره إلى القفا، كلاليب من حديد، (فقلت للذي أقامني: ما هذا؟ قال: هذا رجلٌ كذاب، يعذب في قبره إلى يوم القيامة)، وفي رواية: (هذا رجل يكذب فتبلغ كذبته الآفاق) يكذب كذبة وتنتشر، كأن تنتشر الآن عبر القنوات الفضائية، كذبة تنتشر في الآفاق في المشرق والمغرب، فهؤلاء هذا عذابهم في القبر، غير عذاب النار، وسيأتي عذاب جهنم بعد عذاب القبر. إذاً: الكذب لا شك أنه كبيرة من الكبائر، ومُتَوعد عليها باللعن، أما الكذب على الله وعلى رسوله فهذا أسوأ أنواع الكذب، لأن الكذب درجات، والكذب على النبي ﷺ مَن فعله فإنه يتبوأ مقعده من النار مباشرةً، ومن استحل الكذب على النبي ﵊ فإنه يكفر ولا شك. والكذب على الله مثل أن تخبر عن الشيء الحرام أنه حلال، كما يفعل بعض المفتين، ينتقد البنوك الربوية؛ لأنها تفتح فروعاً إسلامية، يقول: لماذا تفتحوا فروعاً إسلامية، أنتم إذا فتحتم فروعاً إسلامية معناها كأنكم تقولون للناس: إن شغلكم الآخر حرام، فأنتم لا يجب أن تفتحوا فروعاً إسلامية؛ لأنه أصلاً كله حلال جائز؛ لماذا تفتح فرعاً إسلامياً، ألا لعنة الله على الكاذبين، ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٣] ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل:٢٥] والعامة الذين يتبعونهم كلهم أوزارهم فوق ظهر هذا الكذاب. فلذلك النبي ﷺ أخوف ما خاف على أمته: (الأئمة المضلين الذين يضلون بأهوائهم)، ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦]. فيأتي يقول على الربا: إنها حلال، لعنة الله على مَن قال ذلك، وهذا غيض من فيض. المهم: الكذب على الله وعلى رسوله أسوأ أنواع الكذب، والكذب العام الذي يبلغ الآفاق هذا، أو الشائعة التي تنشر، أو الخبر الكذب الذي ينشر هذا عقوبته في القبر مرت معنا وعرفناها. والكذب على أفراد الناس لا شك أنه محرمٌ أيضاً، الكذب مراتب ودرجات.

стр. 178

هل يباح الكذب أو يجب ؟ هل هناك كذب مباح؟ نعم، قال ﵊: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول: خيراً وينمِي خيراً) ولم أسمعه يُرَخَّص في شيء مما يقول الناس (رخص النبي ﷺ رخص في الكذب في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها). فإذاً: الكذب في الحرب جائز؛ لأجل مخادعة العدو، والحرب خدعة، مثل أن يقول: إن جيش المسلمين كثير، عشرة آلاف، وربما هم لا يتجاوزون الألفين أو الثلاثة، فيكذب على العدو بإعطائهم أخباراً عن جيش المسلمين أنه كثير لأجل إخافة العدو، هذا ماذا؟ كذب مشروع، ولا حرج فيه، ويُتَقَرَّب به إلى الله. كذلك الكذب للإصلاح بين متخاصمَين، كأن يقول: يا فلان! لم لا تكلم فلاناً، فيقول: هذا عدوي يتكلم علي، هذا بلغني أنه تكلم علي في المجلس الفلاني، فيقول: أنا كنت حاضراً ولم أسمعه يتكلم، وهذه إشاعة، ولا تصدق هذا الكلام؛ لأجل الإصلاح بينهما. أو يقول: إنني سمعته يثني عليك وهو لم يسمعه يثني عليه، ولكن لأجل الإصلاح بين المتخاصمَين، فهذا لا حرج فيه. أما حديث الرجل لزوجته: لو قال إنسان لزوجته: أنتِ أجمل امرأة رأيتها في حياتي، ومن المؤكد أنها ليست أجمل امرأة؛ لكن من باب التحبب إليها. أو يقول: هذه الطبخة أحسن طبخة أكلتها في حياتي، ما أكلت ألذ منها، من باب التلطف مع الزوجة وحسن المداعبة والمعاشرة، مع أنه ربما أكل في مطعم أحسن منها، لكنه يقصد التقرب إلى الزوجة، والحديث معها ليس حديثاً يأكل به حقها ولا مهرها ولا يعتدي عليها أو يهضم شيئاً من حقوقها، لا يقول مثلاً: أنا ما أخذت ذهبك وهو الذي أخذه، كذاب. وكذلك المرأة لا تقول: إنني ما أخذت مالك، وهي التي أخذت ماله، وإنما الكذب الذي يكون من نوع المِلْح الذي تُحَسَّن به المعيشة. وكذلك من الكذب الواجب: ما لو قصد إنسان ظالم قتل رجلٍ مختفٍ عندك وجب عليك أن تكذب؛ لئلا يعلم أين هو، فلو قال: هو عندك؟ تقول: لم أره جاز ذلك. مثلاً لو أن ظالماً يريد أن يأخذ مال واحد قال: هل مال فلان عندك؟ قال: لا. لم يضع عندي ولا قرشاً، بالعكس أنا لي عنده فلوس، فالكذب لإنقاذ روح إنسان معصوم الدم، أو لتخليص مال مسلم من الهلاك، هذا مشروع. ونَظَم أحد الشعراء المسلمين أقسام الكذب فقال: لِخَمْسَةٍ ينقسم الكذب فما لا نفع شرعاً فيه قطعاً حُرِما وما لوالدٍ لجبر خاطرهْ أو خاطر الزوجة دعه فكُرِهْ وهو لإرهاب العدو يندبُ للمسلمين إن هم تأهبوا وإن تخلص مسلماً أو مالَهُ به فعلت واجباً تجزى لََهُ ولصلاحٍ بين ناسٍ قد أبيحْ وقيل: إن الكذب كله قبيحْ فإذا كان الكذب لتخليص مسلم أو ماله من الهلاك فإنه يكون واجباً. وإذا كان لإرهاب أعداء الدين كأن يخبرهم بكثرة عدد المسلمين، وأنهم آتون، وأنهم قريبو المجيء، فهذا أيضاً مشروع ومستحب. قيل: إن الإصلاح بين الناس من قسم المباح، ولا يبعد أن يكون من قسم المشروع. وقيل: ما كان جبراً لخاطر، فإنه مكروه، وما لا نفع فيه شرعاً فإنه محرم. ولا شك أنه إذا كان مضراً فهو محرم، مثلك أن يكذب ويقول: سآتيك بالمال، وهو كذاب لن يأتيه به، مالك عندي وجاهز متى تريد أعطيك حقك، وهو كذاب ما عنده المال ونحو ذلك، فهذا الكذب أكثره محرم، وقسم قليل هو الذي يكون جائزاً.

стр. 179

التورية مخرج من الكذب وهناك مخرجٌ مهم يمكن أن يلجأ إليه الإنسان ألا وهو التورية: إذا احتاج إلى الكذب استخدم التورية، فما هي التورية؟ بعد أن عرفنا أن الكذب حرام ومرت معنا قصة إبراهيم الخليل، وأن الأنبياء لا يحوز الكذب في حقهم مطلقاً في قضية تبليغ الشريعة والوحي، وأنهم معصومون من الكذب في تبليغ الشريعة قطعاً، والكذب في غير ذلك من الصغائر، المسألة فيها قولان مشهوران للسلف والخلف: - أما منصب النبوة فلا يمكن أن يكذبوا فيه مطلقاً، والله يبعث الصادق، حتى في الجاهلية كان النبي ﷺ معروفاً بالصدق. ينبغي على الإنسان إذا احتاج للوقوع ليخبر عن شيء بخلاف الحقيقة أن لا يكذب وإنما يستخدم التورية فما هي التورية؟ التورية: أن تأتي بكلامٍ له معنيان؛ معنى قريب، ومعنى بعيد، فالسامع يتوهم أنك تقصد المعنى القريب، وفي الحقيقة أنك تقصد المعنى البعيد، هذه قضية المعاريض. والأصل في مشروعيتها قوله ﷺ : (إن في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب). وهذه المعاريض لا تجوز مطلقاً في ظلم الناس أو إسقاط حقوق الخلق أبداً. لنأخذ شيئاً من معاريض النبوة حتى يتبين لنا ما هي المعاريض: النبي ﷺ لما سأله، بعض العرب في غزوة ما، ولم يتعرفوا من هو، وأرادوا أن يعرفوا شخصيته، فقالوا: (من أنتم؟ فقال ﵊: نحن من ماء) ويقصد بذلك الماء الذي خلق منه الإنسان؟ وقال أيضاً: (لا يدخل الجنة عجوز!) ما المعنى القريب الذي فهمته المرأة وبكت؟ أن العجائز لا يدخلن الجنة. لكن المعنى الآخر: أن الله لا يُدخل العجوز على هيئة عجوز، وإنما يغير هيئتها وتعود شابة ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ [الواقعة:٣٥ - ٣٦] وليس المعنى أن العجوز التي في الدنيا عجوز لا تدخل الجنة، وإنما المقصود أنها عند دخولها الجنة لا تكون عجوزاً؛ بل تنقلب إلى بكرٍ شابة في سن الثالثة والثلاثين. لما قال للمرأة: (زوجك الذي في عينه بياض) والبياض يفهمون أنه العمى، لكن كل واحد منا في عينه بياض وسواد. فالمعرِّض يقصد معنىً بعيداً، اللفظ يحتمله، ولو أن اللفظ لا يحتمله يكون كذباً، والسامع يفهم المعنى القريب لهذا اللفظ. ولا يجوز استعمال التورية مطلقاً في إسقاط حق. مثال: يقول القاضي لرجل: أنت أخذت مال فلان؟ فيقول: لم آخذ ماله، وهو يقصد مال رجل آخر، فهذا لا يمكن؛ لأن معنى ذلك: أن يسقط حقاً، وهذا حرام ولا يجوز.

стр. 180

أمثلة في التورية من الأمثلة مثلاً: لما وطئ عبد الله بن رواحة جاريته، وعنده زوجة شديدة الغيرة، فلما وطئ جاريته رأته امرأته فأخذت السكين وجاءته، فوجدته قد قضى حاجته، فقالت: لو رأيتك حيث كنت لَوَجأتُ بها في عنقك، فقال: ما فعلت! فقالت: إن كنت صادقاً فاقرأ القرآن تعرف أن الجنب لا يقرأ القرآن- فقال: شهدتُ بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طافٍ وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا فقالت: آمنت بكتاب الله وكذَّبتُ بصري، وهذه طبعاً القصة في إسنادها شيء، ولها طرق لكنها لا تخلوا من ضعف، وهذه المرأة يمكن أن يكون فيها غفلة، لأنها لم تعرف أن تميز بين الشعر والقرآن. لكن نأخذ أمثلة أخرى: دُعِي أبو هريرة إلى طعام فقال: (إني صائم -ما أراد أن يأكل من هذا الطعام- فرأوه يأكل بعد ذلك، فقالوا: ألم تقل إنك صائم؟ قال: ألم يقل رسول الله ﷺ : صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، فأنا أصوم ثلاثة أيام من كل شهر). وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه غريم ولا شيء معه، مثلاً: أعطاه رجل مالاً وجاء يريد المال، وهو مسكين ليس عنده شيء، وهو لا يريد أن يُذهب أموال الناس، يقول: [أعطيك في أحد اليومين إن شاء الله] فالسامع يفهم؟ أنه يطيه المال غداً أو بعده، وهو يقصد يومي الدنيا والآخرة، أحد اليومين، إما في الدنيا أعطيك، أو في الآخرة تأخذه. وكذلك أبو بكر الصديق لما هاجر مع النبي ﵊ وسئل: (من هذا الذي معك؟ -كانت خطورة أن يخبر عن النبي ﵊ أنه معه- فقال: هذا رجلٌ يهديني الطريق) ماذا يقصد؟ ماذا يفهم العربي والبدوي في الصحراء؟ أي: هذا دليل، أنا مسافر وهذا دليل في السفر، بينما هو قصد (هذا رجلٌ يهديني الطريق) يعني: طريق الإسلام طريق الخير؛ حِفاظاً على حياة النبي ﵊، هذه تورية واضحة ومشروعة، ما أراد أن يكذب لم يقل: هذا فلان الفلاني، جاء بأي اسم كذب، قال: (هذا رجلٌ يهديني الطريق). وقال حماد عن إبراهيم أنه سئل عن رجل أخذه رجل فقال: إن لي عندك حقاً، فقال: لا. فقال: احلف بالمشي إلى بيت الله فقال له إبراهيم: احلف بالمشي إلى بيت الله واعنِ مسجد حيك؛ لأن المساجد كلها بيوت الله، وذاك سيفهم بيت الله أي: بيت الله الحرام. وذكر هشام بن حسان، عن ابن سيرين، أن رجلاً كان يُصِيْب بالعين فرأى بغلة شريح فأراد أن يعينها، كان شريح ذكي ﵀ وكان عنده بغله حسنه، فرأها أحد العيانين الحساد الذي كان إذا أصاب شيئاً بالعين لا يخطئ كأشعة الليزر، وهذه نوعية موجودة في البشر، فلما رأى بغلة شريح أراد أن يعينها، ففطن له شريح قبل أن يعينها فقال: إنها إذا ربضت لم تقم حتى تُقَام -قال: هذه إذا جلست لا تقوم حتى تقام- قال الرجل: أفٍ أفٍ. فزهد العائن فيها فما حسدها، وإنما أراد أن الله هو الذي يقيمها، أي: لا تقوم حتى يقيمها الله ، كما يأمر كل شيء فيكون. وكذلك قال أبو عوانة، عن أبي مسكين: كنت عند إبراهيم وامرأته تعاتبه في جارية له - إبراهيم النخعي كان عنده جارية والمرأة تغار من الجارية جداً- وكان بيد إبراهيم مروحة يروح بها في الصيف فلما جاءت المرأة، وأكثرت عليه الكلام عند الناس والضيوف، قال: أشهدكم أنها لها -لتسكيت المرأة- فلما خرجنا قال: علام شهدتم؟ قلنا: شهدنا أنك جعلت الجارية لها، قال: لا، أما رأيتموني أشير إلى المروحة، إنما قلت: اشهدوا أنها لها، وأنا أعني المروحة. وكان حماد ﵀ إذا جاءه من لا يريد الاجتماع به من بعض مضيعي الأوقات كان يضع يده على ضرسه، ويقول: ضرسي ضرسي ويمشي، ضرسي ضرسي وهو لا يكذب؛ لأن كل واحد عنده ضرس. وأُحْضِر الثوري إلى مجلس المهدي، فأراد أن يقوم، وكان المهدي متمسكاً به يريد أن يجلس عنده، والثوري ﵀ يريد الذهاب، فمُنع من القيام فحلف بالله أنه يعود، وعلى هذا الأساس تركه الخليفة يمشي، فترك نعله ومشى ثم رجع فلبس نعله وأخذها ولم يعد، فقال المهدي: ألم يحلف أنه يعود؟ فقالوا: إنه عاد فأخذ نعله. وكان المروزي من أذكى أصحاب الإمام أحمد وأنجبهم، فجاء واحد يسأل عن المروزي يريد أن يأخذه من مجلس أحمد فأراد الإمام أحمد ألا تفوت المروزي الفائدة من الدرس، فقال الرجل: المروزي موجود عندك؟ فوضع أحمد إصبعه في كفه وقال للسائل ينظر إليه: ليس المروزي هاهنا، وما يفعل المروزي هاهنا؟ يقصد أحمد ﵀ في كفه ليس المروزي هاهنا، ما يفعل المروزي هاهنا؟ وهذا كله من أجل التوقي من الكذب وعدم الوقوع فيه. فهذه أمثلة على التورية نلاحظ منها أن الذين فعلوها كانوا يقصدون إما جبر خاطر، أو تحقيق مصلحة مثلاً، أو تخلصاً من موقف محرج، وحفاظاً على وقتهم. ولذلك فإن هذه التورية مباحة وتغني عن الكذب، إذا احتاج الإنسان أن يتكلم بكلام لا يكذب يمكن أن يستخدم التورية ويحصل على مقصودة. أما استخدام التورية لبيان المهارة وخداع الناس، لكي يثبت الإنسان أنه أذكى من الآخرين، فهذا مزلق شيطاني، وتجد بعض الناس يفعلون التورية بحاجة وبغير حاجة، ولذلك يقعون في الكذب. وكذلك فإن كثرة استخدام التورية تؤدي إلى الوقوع في الكذب في النهاية، ولذلك فإننا عندما نتكلم عن التورية لا نقصد التوسع بها وأن يجرب الإنسان مهاراته على الآخرين، إنما نقصد أنك إذا احتجت أن تتكلم بكلام تتخلص به من موقف فهناك مجالات أخرى غير الكذب وهي التورية. هذا ما تيسر ذكره من فوائد هذه القصة. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →