Полный текст (522 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فضل سهيلة بنت مسعود وموقفها من قصة الطعام
وذهب جابر إلى امرأته يقول: ويحك! جاء رسول الله ﷺ بالمهاجرين والأنصار.
المرأة لعلها أولاً قالت: بك وبك، ثم استدركت فقالت: هل سألك عن الطعام؟ قال: نعم، وفي رواية قال جابر: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله ، أي: من هذا العدد الكبير من الناس وليس عندي ما أطعمهم، وقلت: جاء الخلق على صاع من شعير وعناق، فدخلت على امرأتي أقول: افتضحت! جاءك رسول الله ﷺ بالخندق أجمعين فقالت: هل كان سألك عن طعامك؟ فقلت: نعم.
فقالت: الله ورسوله أعلم.
فكشف عني غماً شديداً كلامُ المرأة.
ظنت أنه لم يعلمه فخاصمته، وقالت: بك وبك، فلما أعلمها سكن ما عندها، ثم تحولت القضية إلى إيمان فقالت: الله ورسوله أعلم، وهذا يدل على وفور عقلها، وكمال فهمها ﵂، هذه سهيلة بنت مسعود الأنصاري نسأل الله أن يحشرنا معها.
هذه المرأة وقع لها قصة أخرى مع جابر، أي قصة التمر، وهي أن جابراً أوصاها لما زاره رسول الله ﷺ أن لا تكلمه (كان على جابر دين عظيم تركه أبوه، وزاره النبي ﵊ لحل مشكلة هذا الدين، وقد أوصى جابر زوجته أن إذا جاءنا النبي ﵊ فلا تكلميه ولا تتحدثي معه، فلما أراد رسول الله ﷺ الانصراف نادته المرأة: يا رسول الله! صل علي وعلى زوجي -أي: ادع لي ولزوجي- قال: صلى الله عليك وعلى زوجك، فعاتبها جابر لأنه قال لها لا تتكلمي فتكلمت، فقالت له: أكنت تظن أن الله يورد رسوله بيتي ثم يخرج ولا أسأله الدعاء) أخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن.
المهم أن جابراً رجع إليه فبين له، فأتاه فقال: يا رسول الله! إنما هي عناق وصاع شعير قال: (فارجع فلا تحركن شيئاً من التنور ولا من القدر حتى آتيها، واستعر صحافاً) كما في رواية.
ولما جاء النبي ﷺ والصحابة معه أمرهم بالدخول وقال: (ولا تضاغطوا) يعني لا تزدحموا وادخلوا برفق، ثم أخرج العجين، وتفل فيه ﷺ ، ودعا بالبركة، ثم إلى البرمة كذلك ودعا بالبركة وجعل يخمر البرمة أي: يغطيها، ثم ينزع اللحم من البرمة، وأمر الخابزة أن تأتي لتخبز، وأمر بالغرف، وأقعدهم عشرةً عشرةً، فأكلوا عشرة عشرة.
قال جابر: وبقيت بقية فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وفي رواية: فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعون، ويعود التنور والقدر أملأ مما كانا أي: أكثر امتلاءٍ مما كانت قبل أن يأكل منها ألف رجل، وقال ﵊ في ختام القصة للمرأة: كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة، قالت: فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع.
стр. 107
من فوائد قصة تكثير الطعام في الخندق
стр. 108
خصائص النبي ومعجزاته
وهذه القصة العظيمة تعتبر من معجزاته ﷺ ، ومعجزاته ﷺ كثيرة، كما أن خصائصه ﷺ كثيرة، وكان ﵊ قد كثر الله له الطعام، وكذلك الشراب من اللبن وغيره، وكذلك نبع الماء من بين أصابعه ﷺ , وكان الصحابة يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل بين يديه ﷺ ، وكان حجر يسلم عليه بـ مكة، وانشق القمر له ﷺ .
وكذلك فإنه ﷺ قد حصل له من المعجزات في هذه القصة في مسألة فلق الصخرة، وأنه رأى اليمن والشام والعراق قد فتحت عليه.
هذه القصة فيها أيضاً علمان من أعلام النبوة؛ تكثير الطعام القليل، وعلمه ﷺ أن الطعام الذي يكفي في العادة خمسة أنفس أو نحوهم سيكثر ويكفي ألفاً، فدعا ألف رجل قبل أن يصل؛ مع إنه يعلم أنه صاع من شعير وبهيمة، وكذلك آمن الصحابة بين يديه وهم يرون هذه المعجزات.
وقد جمع المعجزات عدد من العلماء منهم: القفال الشاشي في الدلائل، وصاحبه أبو عبد الله القديمي وكذلك أبو بكر البيهقي، قال النووي ﵀: وأحسنها كتاب البيهقي وهو دلائل النبوة مطبوع في مجلدات، وهذه القصة فيها نصر الصحابة للدين، وقيامهم بحفر هذا الخندق.
وكذلك في هذه القصة أن الأمل لا يفقد بالمؤمن؛ حتى مع الحصار وقوة الأعداء، فإنه ﵊ كان يوقن بنصر الله عزوجل، وأن الله سيتم هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه.
стр. 109
جواز المسارة في جماعة
كذلك في هذا الحديث جواز المسارة بالحاجة بحضرة الجماعة؛ لأن جابراً جاء فأسر إلى النبي ﷺ ، والنهي إنما جاء عن تناجي اثنين دون الثالث؛ لأن ذلك يحزنه؛ فإنهما إذا تناجيا دونه شعر بالغربة والوحشة، أو أنهما يريدان به شراً، أو أنه أقل مستوى من أن يسمع الكلام ونحو ذلك، لكن لو كانوا جماعة فجاء رجل فسر إلى رجل في وسط الجماعة فهذا لا بأس به.
ويعتبر من التناجي أن يتكلما بلغة لا يفهمها الثالث إذا كان معهما في المجلس وحده، فإنه يعتبر أيضاً تناجياً محرماً.
стр. 110
من آداب الضيافة اختيار الزوجة الصالحة
وكذلك في هذا الحديث أنه يجوز للإنسان أن يدعو إلى بيت من دعاه أناساً إذا كان يعلم أن صاحب البيت يرضى، وهذا يفهم من عنوان الحديث من صحيح مسلم: (من دعا معه أشخاصاً وهو يعلم أن صاحب البيت راضٍ) لكن إذا كان لا يعلم أهو راضٍ أم لا، فلا بد أن يستأذن من صاحب البيت، فإذا جاء إلى البيت فطرق الباب فليقل: معي فلان أيدخل أو يرجع؟ وأما إذا كان يعلم أنه لا يأذن فإنه لا يأتي به أصلاً.
فإذاً إما أن يعلم إذن صاحب البيت فيأتي بالأشخاص، أو يعلم أن صاحب البيت لا يرضى فلا يأتي بهم، أو لا يعلم هل هو راضٍ أو لا، فإذا أتى بأحد معه استأذن له قبل أن يدخل.
وكذلك في هذا الحديث: أن المرأة تعين زوجها على أمر الله ورسوله، وأن هذه المرأة الصالحة سهيلة بنت مسعود ﵂ سألت زوجها: هل سألك عن الطعام؟ ثم قالت مستسلمة: الله ورسوله أعلم، وهذا من إيمانها، وهذا الذي قال جابر بسببه أنه قد كشف عنه الغم الذي كان به، فالمرأة الصالحة يكون كلامها سبباً في كشف الغم عن زوجها إذا اغتم.
وكذلك في هذا الحديث بركة ريقه ﵊.
وفي هذا الحديث الدعاء بالبركة وأنه يكون سبباً في كفاية الطعام القليل للعدد الكثير.
وكذلك في هذا الحديث أنه ينبغي الرفق عند صاحب الوليمة وعدم التضاغط، وكذلك فيه التحلق عشرة عشرة إذا كان المكان ضيقاً، يأكل مجموعة ويمشون، ثم تأتي مجموعة يأكلون وينصرفون، وتأتي مجموعة ثالثة يأكلون وينصرفون، فيجعلون على نوبات كما حصل في حديث جابر هذا، فإنهم جاءوا عشرة عشرة فأكلوا وانصرفوا.
стр. 111
فوائد أخرى
وكذلك في هذا الحديث أن الالتزام بأمر النبي ﷺ مجلبة للخير فإنه قال: (لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى يأتي ﵊ ومن يقينه ﵊ بربه أنه قال: (ادعي خابزة) ثم قال: (استعر صحافاً) فطلب منه أن يستعير آنية ليسكب فيها، ونادى الألف رجل.
وكذلك في هذا الحديث أن المهاجرين رضوان الله عليهم أفضل الصحابة، ولذلكم خصهم بالذكر فقال: فقام المهاجرون.
وفي هذا الحديث أيضاً أن اليقين بنصر الله يكون مع المؤمن باستمرار، ولذلك فإنه ﷺ أخبرهم بغنائم كسرى وقيصر وفتح صنعاء، والمنافقون يقولون: محمد بـ يثرب والكفار من فوقنا، واليهود من أسفل منا، وأحدنا لا يستطيع أن يذهب لقضاء حاجته، وهو يقول: إننا سنفتح مدائن كسرى وقصور قيصر! فأما المنافقون فازدادوا ريبةً إلى ريبتهم وهم في ريبهم مترددون، وأما المؤمنون فزادهم إيماناً، ولذلك فرح المسلمون واستبشروا.
وكذلك في الحديث خدمة المرأة لضيوف زوجها، وأنها تعجن وتخبز وتغرف لهم الطعام.
وفي الحديث بيان ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من الشدة، وأنها فتحت لهم الأمصار مع ما كانوا فيه من الجوع والفقر، ومع ما كانوا فيه من الظروف الصعبة الشديدة، ولكن علم الله إخلاصهم ففتح عليهم.
وفيه الافتخار بالرب والدين في قوله ﷺ : (فحبذا رباً وحب دينا) رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ نبياً.
ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأُ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
أنت الرب وأنا العبد.
فكون الله هو ربنا فخر، والنبي محمد ﷺ نبينا فخر، وأن الإسلام ديننا فخر، والقرآن كتابنا كذلك: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤] أي: شرف لك ولقومك.
وفي هذا الحديث أن على المسلم إكرام أضيافه، وأن الله عزوجل يبارك إذا اتسع الصدر واتسع القلب.
هذا ما تيسر من شرح هذا الحديث، ونسأل الله أن يجعلنا ممن ينصر بهم الدين، وممن يبارك في أوقاتهم وأبدانهم إنه رب العالمين.
стр. 112
الأسئلة
стр. 113
استبعاد نصر الله
السؤال
يقول: في هذا الزمان الذي تكالب فيه الأعداء والمنافقون على المسلمين يستبعد بعض المسلمين النصر نظراً لإعراضهم عن دينهم، فما قولكم في هذا؟
الجواب
﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥] ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] فالذي يظن أن الله لا ينصر المسلمين فهو مسيء الظن بربه، مرتكب لكبيرة هي سوء الظن بالله، وهذا مصادم للتوحيد ومنافٍ له.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ كلاماً متيناً في الذي يسيء الظن بربه، ونقل كذلك الشيخ سليمان ﵀ في كتاب تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد في الفصل الذي عقده المصنف الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد لوجوب حسن الظن بالله وخطورة سوء الظن بالله، وأنه منافٍ للتوحيد، فالذي يظن أن الله لا ينصر المسلمين، وأنهم سيبقون هكذا مهزومين إلى قيام الساعة، فهو إنسان سيئ الظن بربه، ثم إنه إما مكذب بالبشارات، أو إنه ضعيف إيمان، ألم يخبر النبي ﷺ أننا سنفتح روما؟ ألم يخبرنا أننا سنتغلب على النصارى الذين سيسيرون إلينا في ثمانين راية، تحت كل رايةٍ ثمانون ألفاً، تسعمائة وستين ألف نصراني من بني الأصفر -من الروم- سيسيرون إلينا، وأننا سنلتقي معهم في مرج دابق قريباً من حلب في بلاد الشام في سوريا، وأن المسلمين سينتصرون عليهم نصراً مؤزراً، وأنه سيموت ثلث أفضل الشهداء عند الله، والثلث الذين ينهزمون لا يتوب الله عليهم، والثلث الأحياء الباقون الذين ثبتوا سيكتب الله على أيديهم النصر، وأخبرنا أن مدينة قسطنطينية ستفتح بالتكبير جزء في البر وجزء في البحر، وأن المسلمين سيكبرون جميعاً فيسقط جزئها الذي في البر، ثم يكبرون جميعاً ويسقط جزؤها الذي في البحر، وتدخل في أيدي المسلمين.
ألم يخبرنا النبي ﷺ بأن المسلمين سيقاتلون اليهود حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله؟ ألم يخبرنا النبي ﷺ بأن عيسى ﵇ سينزل من السماء، وأنه سيكون مع المهدي في قيادة المسلمين لقتال الدجال وقتله، ومعه سبعون ألفاً من يهود أصفهان، عليهم الطيالسة قد لبسوها، وأن عيسى سيقتله بحربة بيده؟ ألم يخبرنا النبي ﷺ بأن عيسى سيحكم الأرض بشريعة محمد ﵊، وأنه لن يقبل إلا الإسلام أو القتل، وأن هذا الدين سيدخل كل بيت، سواء بيت صحراوي في الصحراء، أو في المدن، لا يبقى بيت مدر ولا وبر ولا حجر، ولا بيت صوف أو شعر إلا أدخله الله هذا الدين؛ بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر.
فكل هذه المبشرات لا يجوز بعدها أن يقال: إن المسلمين سيبقون مهزومين إلى قيام الساعة، ومن قال ذلك فإما أنه ضعيف إيمان، أو جاهل، أو مكذب بأحاديث النبي ﵊، فإن الله سينصر المسلمين على اليهود والنصارى قطعاً [١٠٠%] لاشك في ذلك، وإن لم ينتصر هذا الجيل فالجيل الذي بعده، أو الذي بعده وقال ﷺ : (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم، حتى يكون آخرهم مع المسيح بن مريم).
والجهاد لا ينقطع إلى قيام الساعة، ولعل تجميع الله تعالى لليهود من أقاصي الدنيا في هذا المكان تمهيداً لاستئصالهم، وأن تكون هزيمتهم عامة وشاملة، وكذلك لعل اتحاد أوروبا الآن وتقاربها هي التي ستمهد للحرب التي ستكون بيننا وبين النصارى، وهم الروم (بني الأصفر) الذين جاء ذكرهم في الحديث.
والذي يوقن بوعود الله، ويؤمن بقضاء الله تعالى وقدره يوقن بـ: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] فقد حصلت في الماضي أحداث كثيرة ولم يكن يتوقع حصولها، فقد كان النبي ﷺ وحده هارباً من مكة مع صاحبه، والكفار قد وضعوا مائة بعير لمن يأتي برأسه، ومع ذلك يقول لـ سراقة بن مالك الجعشمي بأنه سيلبس سواري كسرى، ومن ذلك الموقف الذي حصل في الخندق ومر معنا، فإن المنافقين ما صدَّقوا أنه ستفتح كنوز كسرى وقيصر وصنعاء للمسلمين.
فهذه أمور كثيرة في التاريخ كانت لا تصدق إلا من قبل مؤمن بمن أخبر بها ثم حصلت، فما الذي يجعل من البعيد أن يحصل ما أخبرنا به، والمتأمل للواقع يجد أن الأحداث تتجه إلى تحصيل ما أخبرنا به من المعارك الفاصلة والملاحم التي ستقع في آخر الزمان.
стр. 114
تمحيص المؤمن
السؤال
كيف يكون التمحيص للمؤمن في الدنيا والآخرة؟
الجواب
التمحيص للمؤمن في الدنيا يكون بأشياء، منها المصائب التي يقدرها الله عليه فيمحصه بها، فينظر أيصبر، فإذا صبر فالأجر العظيم لتكفير السيئات، يمحصه أيضاً بابتلائه بالعبادات؛ هل يقوم بها أو لا يقوم، يمحصه أيضاً بتسليط من يؤذيه من الأعداء، فيكون في ذلك فتنة: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:١٤١] ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩] (ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة).
ولذلك لا يدخلها إلا من حصل له التمحيص، ومن التمحيص أيضاً هذه المبشرات التي أخبرنا بها؛ هل نصدق أم نشك، ثم التمحيص في القبر بفتنة تكفر الذنوب، فإن كفى وإلا فزحام المحشر مع الحر والشمس التي تصهر الذنوب وتكفرها، والمرور على الصراط، حتى يدخل الجنة في النهاية طاهراً نظيفاً.
стр. 115
أجر من فطَّر صائماً وقدر ما يفطره به
السؤال
هل تفطير الصائم قدر الإشباع هو الذي يجزئ الأجر؟
الجواب
ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن إذا أطعمه وأشبعه فإنه يحصل له الأجر، ولو أطعمه بأقل من الشبع يحصل له الأجر، لكن الأجور تتفاوت، وكلما كان الطعام أكثر في الإشباع كان الأجر أكثر.
стр. 116
اختراع ذكر في وقت محدد
السؤال
ما حكم قول بعضهم عند قيام التراويح (الوتر) رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين؟
الجواب
إذا لم يثبت هذا الحديث فهي بدعة، فبعض الناس مثلاً إذا قام إلى الصلاة قال: أقامها الله وأدامها وهذا ورد في حديث لكنه ضعيف فلا نقوله، أو إذا قام للتراويح أو الوتر قال هذا الدعاء، الدعاء صحيح، لكن التوقيت غير صحيح قال زكريا ﵇: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] وبعض الناس بعد السلام من الصلاة يقول: تقبل الله وحافظ عليها، وبعضهم يقول: حرماً -أي: يصلي في الحرم- فيقولوا: جمعاً -يعني أجمعين- وبعضهم بعد الوضوء يقول: زمزم، ونحو ذلك فيجعلون عبارات معينة لم ترد في الشرع، فمن واظب عليها تحولت إلى بدعة، لأنه اختراع ذكر لم يرد في الشريعة، بقصد التعبد إلى الله، فهذا هو البدعة، وتعريفها: اختراع في الدين يقصد منه التقرب إلى الله.
جاء أبو موسى إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: يا أبا عبد الرحمن إني خرجت من مسجد الكوفة فرأيت فيه عجباً.
قال: وما رأيت؟ قال: رأيت قوماً حلقاً حلقاً، على رأسهم واحد يقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة.
كبروا مائة، فيكبرون مائة وهكذا.
قال: وما قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار أمرك، قال: هلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وأنا ضامنٌ لهم أن لا ينقص من حسناتهم شيء، ثم تلثم وخرج، فدخل المسجد فوجدهم على هيأتهم حلقاً، وقائل يقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، كبروا مائة فيكبرون مائة، فكشف اللثام عن وجهه، وقال: أنا أبو عبد الرحمن صاحب رسول الله ﷺ ، ما أسرع هلكتكم يا أمة محمد! هذه ثياب نبيكم لم تبل، وآنيته لم تكسر، ثم زجرهم ووبخهم، وأمرهم أن يكفوا عن هذا الصنيع المبتدع.
قال: فلقد رأيت عامة هؤلاء يطاعنون يوم النهروان، يعني من الخوارج.
فلا يجوز إحداث شيء في الدين، أو ذكر من الأذكار لم يرد في الشريعة، ومن فعل ذلك يأثم، لأنه يزيد على الدين وكأنه يقول: إن الإسلام ناقص فجئت وأكملته، أو إن رسول الله قد خفي عليه ما علمته.
وهكذا المبتدع من جميع الجهات خاسر متضرر، ويزول الدين بهذه الطريقة، كل واحد يزيد فيه قليلاً حتى يصبح متغيراً، والقاعدة: أنه كلما أحييت بدعة أميتت سنة، وكلما أحييت سنة أميتت بدعة، ولذلك ترى البلاد التي فيها بدع كثيرة؛ السنة فيها ميتة، وليس عندهم من علم السنة إلا القليل، والبلاد التي فيها السنة ظاهره تجد البدعة فيها قليلة، وهذا قانون المدافعة الإلهي، إذا انتصرت السنة وهيمنت زالت البدع أو خفت، والعكس بالعكس.
стр. 117
من قام بعد سلام الإمام من الوتر ليزيد ركعة
السؤال
هل يجوز لأحد المأمومين أن لا يسلم مع الإمام في صلاة الوتر ويأتي بركعة أخرى؟
الجواب
نعم.
ولكن الأفضل أن يسلم مع الإمام وينصرف معه حسب الحديث، حتى ينصرف وقد كتب له قيام ليله، ثم يصلي مثنى مثنى إذا أراد الزيادة في بيته.
стр. 118
حكم لبس الجورب قبل إكمال الطهارة
السؤال
ما حكم من توضأ وحين وصل عند غسل القدم اليمنى نزع جوربه الأيمن، ثم لبسه، ثم نزع الجورب الأيسر وغسل رجله، ثم لبسه عندما أتى وقت الصلاة؟
الجواب
هذا يقصد والله أعلم أنه غسل القدم اليمنى ثم لبس الجورب الأيمن ثم غسل القدم اليسرى ولبس عليها الجورب الأيسر؛ فيكون قد لبس الأيمن قبل أن يكمل طهارته، فلا يجوز له المسح عليهما إلا على طهارة كاملة: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) أي: بطهور كامل، فعليه أن ينزع اليمنى ويعيد لبسها على طهارة كاملة.
وأبى شيخ الإسلام ذلك ﵀ وهذا رأيه، وقال: بأن ذلك عبث لا تنظر إليه الشريعة ولكن الأحوط للإنسان أن لا يمسح إلا على جوربين قد لبسهما على طهارة تامة.
стр. 119
قصة الخصومة بين العمرين
الخصومة والخلاف طبيعة عند البشر، فقد وقع الخلاف في خير القرون، غير أن خلافهم لم يفسد للود قضية، وهنا بيان لذلك، يشتمل على بعض أخلاقهم وفضائلهم وغير ذلك.
стр. 120
قصة الخصومة بين أبي بكر وعمر بن الخطاب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فقصتنا في هذا الدرس عن شيء حدث على عهد النبي ﷺ بين العمرين أبي بكر وعمر ﵄.
стр. 121
أحداث قصة الخصومة بين العمرين
وهذه القصة يرويها أبو الدرداء -رضي الله تعالى عنه- يقول: (كانت بين أبي بكر وعمر ﵄ محاورةٌ، فأغضب أبو بكر عمر؛ فانصرف عنه عمر مغضباً، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ ، فقال أبو الدرداء: ونحن عنده) وفي رواية: (أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي ﷺ : أما صاحبكم فقد غامر، فسلم وقال: إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي، فأبى عليَّ فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثة، ثم إن عمر ندم على ما كان منه فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا.
فأتى إلى النبي ﷺ فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظلم مرتين، فقال النبي ﷺ : إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي، فما أوذي بعدها).
стр. 122
شرح ألفاظ حديث الخصومة بين العمرين
هذا الحديث فيه وقُوع شيء من الخلاف -كما يقع بين البشر- بين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فأخطأ أبو بكر في حق عمر، ثم ندم أبو بكر فأراد أن يستسمح من عمر فأبي عليه، فذهب أبو بكر إلى النبي ﷺ حاسراً ثوبه عن ركبتيه، فلما رآه النبي ﷺ على هذه الحالة قال: (أما صاحبكم فقد غامر) أي: دخل في غمرة الخصومة، وقيل: سبق بالخير، (فسلم أبو بكر على النبي ﷺ وجلس إليه وقص عليه القصة وقال: كان بيني وبين ابن الخطاب شيءٌ -أي: محاورة، أو مراجعة، أو مقاولة، أو معاتبة-فأسرعت إليه -أي: فأغضبته- فأغضب أبو بكر عمر فانصرف عنه مغضباً فاتبعه أبو بكر، قال أبو بكر: ثم ندمت على ما كان، فسألته أن يغفر لي -أي: أن يستغفر لي- فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهي فأبى عليّ)، وفي رواية: (فتبعته إلى البقيع حتى خرج من داره وتحرز مني بداره، فاعتذر أبو بكر إلى عمر فلم يقبل منه فقال: النبي ﷺ : يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثة -أي: أعاد هذه الكلمة ثلاث مرات- ثم إن عمر ندم فذهب إلى بيت أبي بكر الصديق لكي يصافيه ويعتذر منه فسأل عنه، فقالوا: خرج من المنزل، فذهب إلى النبي ﷺ ليجده عنده، فلما سلم عمر وجلس جعل وجه النبي ﷺ يتمعر -أي: تذهب نضارته من الغضب- وكان النبي ﷺ أبيض جميلاً كأن القمر يجري في وجهه ﷺ ، فجعل وجهه يحمر من الغضب وغضب رسول الله ﷺ .
وفي رواية: (فجلس عمر فأعرض عنه النبي ﷺ ، ثم تحول فجلس إلى الجانب الآخر فأعرض عنه النبي ﷺ ، ثم قام فجلس بين يديه فأعرض عنه النبي ﷺ ، فقال عمر: يا رسول الله! ما أرى إعراضك إلا لشيء بلغك عني، فما خير حياتي وأنت معرض عني؟ -أي: أيُ خيرٌ لي في هذه الدنيا وفي هذه الحياة إذا كنت معرضاً عني- فقال: أنت الذي اعتذر إليك أبو بكر فلم تقبل منه -أي: طلب أخوك أن تستغفر له فلا تفعل! - فقال: والذي بعثك بالحق ما من مرةٍ يسألني إلا وأنا أستغفر له، وما خلق الله من أحدٍ أحب إليّ منه بعدك، فقال أبو بكر: وأنا والذي بعثك بالحق كذلك).
ولما تمعر النبي ﷺ أشفق أبو بكر أن يكون من رسول الله ﷺ على عمر ما يكره، فجثا أبو بكر -أي: برك- على ركبتيه، ويقول للنبي ﷺ : (والله أنا كنت أظلم) وقال ذلك؛ لأنه كان هو البادئ، فجعل أبو بكر يعتذر حتى لا يجد النبي ﷺ في نفسه على عمر، ثم إن النبي ﷺ بيّن فضل الصديق، وقال: (إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله).
وواساني من المواساة، وسميت مواساة لأن صاحب المال يجعل يده ويد صاحبه في ماله سواء، ثم يقول النبي ﷺ : (فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟) في رواية: (تاركو) وجزم بعضهم بأنها خطأ، ووجه بعضهم بوجه من وجوه اللغة لما قال النبي ﷺ : (فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ فما أوذي بعدها).
стр. 123
فوائد حادثة الخصومة بين العمرين
هذه الحادثة يؤخذ منها فوائد متعددة، فمن هذه الفوائد:
стр. 124
فضل الصديق ومكانته في الإسلام
أولاً: فضل الصديق ﵁ وهو السابق إلى الإسلام وهو أكثر الصحابة نفعاً للدعوة على الإطلاق، واسى النبي ﷺ بأهله وماله ونفسه، ولما جعل الكافر يخنق النبي ﷺ ، وأبو بكر يذب عنه، ويقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨].
وهو الذي دفع ماله كله في سبيل الله، وحمى النبي ﷺ في الهجرة، وكان يبذل ماله للمسلمين، وكان يدعو إلى الله، وأسلم على يديه عدد من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهو الوزير الأول للنبي ﷺ ، وصاحب الرأي الأعظم بعد النبي ﷺ ، وأفضل الأمة بعد النبي ﵊، وهو خليفته من بعده، وهو الذي تصدى للمرتدين لما غُمّي الأمر على عددٍ من الناس بعد النبي ﷺ فقام بالأمر، وهو الذي وقف ذلك الموقف المشهود، وكان أفقه الصحابة لما مات ﵊ واضطرب الأمر، ثم تلا عليهم قول الله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) [الزمر:٣٠] فكأن الناس سمعوها لأول مرة، ويظنونها نزلت الآن، فلما تلا عليهم الآية علم الناس أن النبي ﵊ قد مات، وهو الذي قال في ذلك الموقف العظيم: [والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه للنبي ﷺ لقاتلتهم عليه].
فلما رأى عمر إصرار أبي بكر علم أنه هو الحق، وأن الله قد شرح صدر أبي بكر للحق، وهو الذي أنقذ المسلمين في سقيفة بني ساعدة من التفرق ﵁، وهو الذي استتب بسببه الأمن في الجزيرة لما كفر العرب أجمعون، إلا أهل المدينة ومكة، وطائفة قليلة من العرب.
وبدأ في عهده التجهيز لغزو بلاد فارس والروم.
هذا الصديق هو أحب الرجال إلى النبي ﵊، وبنته أحب النساء إلى النبي ﷺ ، حدث بينه وبين عمر هذه الخصومة.
стр. 125
ترك إغضاب الفاضل لمن هو أفضل منه
الفائدة الثانية: أن الفاضل لا ينبغي له أن يغاضب من هو أفضل منه، وينبغي أن يحفظ له حقه، وأن الشخص الفاضل ينبغي أن يكون له مكانة في المجتمع، ولا يرد عليه، ولا يمنع طلبه، وإنما يعطى حقه ويلبى طلبه لفضله ومكانته.
стр. 126
جواز مدح المرء عند أمان الفتنة
ثالثاً: جواز مدح المرء في وجهه إذا أُمنت الفتنة، فإن الأصل عدم جواز مدح المرء في وجهه، ولكن إذا أمنت الفتنة جاز ذلك كما مدح النبي ﷺ أبا بكر في محضرٍ من الصحابة، لما علم الله أن أبا بكر من الأتقياء، الذين لا يغترون بالمدح، والنبي ﷺ -وهو الذي يوحى إليه والمؤيد من ربه- مدح الصديق في حضرة الصحابة، فإذا أمن الافتتان والاغترار بالشخص جاز مدحه للمصلحة، كتبيان فضله حتى لا يعتدى عليه.
стр. 127
مفاسد الغضب
ورابعاً: أن الغضب يحمل الإنسان على ارتكاب خلاف الأولى وترك الأفضل، أو ترك ما ينبغي أن يكون في ذلك الموقف، لكن الغضب يصرف الإنسان عن الرؤية الصحيحة فلا يتخذ الموقف الصحيح.
стр. 128
الرجوع عن الخطأ من صفات الفضلاء
والخامس: أن الفاضل في الدين يُسرع بالرجوع، فإن الناس يخطئون والصحابة بشر يخطئون، ولكن ما هو الفرق بيننا وبين الصحابة؟ أنهم أقل أخطاءً منا بكثير، ولكن إذا أخطئوا سرعان ما يرجعون إلى الصواب وإلى الحق ﵃.
فالمشكلة حصلت بين أبي بكر وعمر ولكن أبا بكر وعمر ﵄ رجعا بسرعة، فندم أبو بكر ليس بعد هذه الخصومة بساعات طويلة أو أيام أو شهور وإنما ندم مباشرةً، فرجع إلى بيت عمر، ولما أخطأ عمر ولم يقبل اعتذار أبي بكر، ندم عمر بسرعة وذهب إلى بيت الصديق، وهذه السرعة العجيبة في الرجوع إلى الحق هي التي ميزت أولئك القوم؛ حتى صاروا أفضل هذه الأمة، واختارهم الله لصحبة نبيه ونصرة دينه، والجهاد مع محمدٍ ﷺ ومعايشة التنزيل ونزول الوحي، فهم أنصاره ووزراؤه رضي الله تعالى عنهم، وهم أفقه الأمة وأعلمها بالحلال والحرام وأبرها قلوباً، ولا يبغضهم إلاَّ منافق ولا يسبهم إلا ملعون.
وينطبق في أبي بكر وعمر ﵄ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] أي: هؤلاء المتقون إذا مسهم طائف من الشيطان كغضب في خصومة، أو سوء تفاهم فإنهم سرعان ما يرجعون، ولذلك قال الله: ﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] وسرعة رجوعهم إلى الحق هذه من مناقبهم وفضائلهم رضي الله تعالى عنهم.
إن الصحابة بشر يخطئون، وهل هناك أعظم من أبي بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما- بعد النبي ﷺ ؟!! ومع ذلك حصل منهم ما يحصل من البشر من سوء التفاهم والخصومة، فهم بشر! وليسوا ملائكة، وهم يخطئون ويقع منهم الخطأ، لكنهم رجاعون إلى الحق، وهذه هي الميزة العظيمة التي عندهم.
стр. 129
التحلل من المظالم
والسادسة: الاستغفار والتحلل من المظلوم؛ فإن الإنسان إذا ظلم أخاه وتعدى عليه وأساء إليه وأخطأ في حقه؛ فإن المندوب له أن يأتيه ويطلب منه أن يستغفر له، وأن يتحلل من هذا المظلوم ويقول له: سامحني وحللني واستغفر لي وتجاوز عني ونحو ذلك ولذلك يقول النبي ﷺ : (من كانت له عند أخيه مظلمة -من ظلم أخاه- فليتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم ولكن بالحسنات والسيئات).
стр. 130
ترك ذكر الاسم مباشرة عند الغضب
وسابعاً: أن الإنسان إذا غضب على صاحبه ربما لم يذكر اسمه مباشرة، وإنما ينسبه إلى أبيه أو جده، كما قال أبو بكر ﵁: (كان بيني وبين ابن الخطاب شيء).
стр. 131
الركبة ليست عورة
والفائدة الثامنة: أن الركبة ليست بعورة، لأن أبا بكر جاء وقد حسر عن ركبتيه والنبي ﷺ لم ينكر عليه.
стр. 132
قبول اعتذار المخطئ
والفائدة التاسعة: أن الإنسان لا ينبغي له أن يرد اعتذار من اعتذر إليه، ويغلق الباب في وجهه، أو يرفض قبول الاعتذار، وهذا يفعله عدد من الناس من فجورهم في الخصومة، فتراهم لا يقبلون الاعتذار ولا يرجعون ويبقون سنوات على ذلك، وكلما حاول فيهم الشخص أن يعتذر إليهم لم يقبلوا منه، بل ربما ظلوا على ذلك حتى الممات لا يقبلون المعذرة ولا يسامحونه، وليست هذه من شيم المؤمنين ولا من أخلاق المتقين؛ بل هذه من صفات المعاندين الذين ركب الشيطان في رءوسهم فنفخهم فجعلوا يرفضون الاعتذارات، ويرفضون العودة والقبول، وإن من شيم المؤمن أن يكون هيناً ليناً يقبل اعتذار أخيه.
стр. 133
معرفة النبي ﷺ لحال أصحابه بالتوسم
الفائدة العاشرة: أن النبي ﷺ كان يعرف بالتوسم حال أصحابه، فبمجرد ما رأى أبا بكر قال: (أما صاحبكم هذا فقد غامر) فعرف ما به وحاله من هيئته وشكله ومنظره، وطريقة تشميره عن ثيابه، وعرف أن أبا بكر قد دخل في خصومة قبل أن يتكلم أبو بكر ﵁.
стр. 134
الإتيان إلى البيت للاعتذار
الفائدة الحادية عشرة: أن الإنسان إذا أراد أن يستسمح من آخر فليأته إلى بيته، فـ أبو بكر لما أخطأ في حق عمر جاء إلى بيت عمر ولحقه إلى بيته، ولما ندم عمر جاء إلى أبي بكر في بيته؛ لأن الإتيان إلى البيت فيه مزيد من تطييب الخاطر، وكذلك فيه إظهار الكرامة للمخطي عليه؛ لأنه يأتيه في بيته، وكذلك فيه مزيد من الاعتناء بالاعتذار؛ لأنه ليس في الشارع أو الهاتف، أو يرسل له رسالة، أو يوكل أحداً من الناس يقول له: اعتذر لي من فلان، وإنما يأتيه في بيته، فإتيانه فيه مزيد من الاعتناء بالاعتذار، وهذا ما ينبغي أن يفعل عند حدوث الأخطاء.
стр. 135
اللجوء إلى أهل العلم في حل المشاكل
الفائدة الثانية عشرة: أن الإنسان إذا حدثت بينه وبين أخيه مشكلةٌ لم يستطع أن يحلها؛ فإن عليه أن يلجأ لأهل العلم، وأن يقص القصة دون زيادةٍ ولا نقصان، فإن أبا بكر لما أيس من مسامحة عمر له جاء إلى النبي ﷺ وقص عليه الخبر؛ حتى يقوم النبي ﵊ بالتدخل والمصالحة -مثلاً- أو بيان الحق في المسألة أو الحكم ونحو ذلك.
стр. 136
تواضع الصديق ﵁
والفائدة الثالثة عشرة: تواضع أبي بكر الصديق ﵁ لما جعل يقول: (والله يا رسول الله! لأنا كنت أظلم)، ولم يشأ أبو بكر ولم يسره أن يسكت حتى يشتد النبي ﵊ على عمر أكثر، وإنما كان أبو بكر يريد سرعة إنهاء الموضوع، وبدون أن يعنف النبي ﵊ على عمر بمزيدٍ من التعنيف؛ ولذلك تدخل أبو بكر ولم يدع النبي ﵊ يكمل الاشتداد على عمر، وجعل يعترف ويقول: (أنا كنت أظلم أنا كنت أظلم) رأفة ورحمة وإنقاذاً لأخيه عمر من هذا الموقف الحرج؛ لأن النبي ﵊ يتكلم وليس كلامه ككلام غيره وبحضرة الصحابة الآخرين، فهو موقف صعب على عمر، فلم يقل أبو بكر: دعه يلقنه درساً لا ينساه، ولأدع عمر يقف هذا الموقف المحرج حتى يتعلم مرة ثانية ألا يسيء إليّ ونحو ذلك مما يقع من بعضنا في مثل هذا الموقف، لكن لأن الصديق أرفع درجةً من ذلك فقد تدخل لإنقاذ أخيه وصاحبه عمر من الموقف المحرج.
стр. 137
حفظ حق الفاضل وترك أذيته
الفائدة الرابعة عشرة: أن الفاضل ينبغي ألا يُؤذى ويحفظ حقه، وأن يندب إلى ذلك، كما أن النبي ﷺ قال: (هل أنتم تاركون لي صاحبي؟) فينبغي أن يشهر ويعلن بين الناس أن يتركوا فلاناً من الأذى إذا كان له سابقة وفضل، وأن ينوه بسابقته وفضله؛ حتى يترك الناس إيذاءه، ويعرفوا مقداره، ويكفوا شرهم عنه، ويوقروه ويعرفوا حقه وقيمته وقدره، فقال ﵊: (إني رسول الله إليكم جميعاً فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟) فنوه بفضله وقيمته ومنزلته حتى لا يعتدى عليه.
стр. 138
خشية المخطئ على نفسه من العقوبة
الفائدة الخامسة عشرة: أن الإنسان المخطئ عليه أن يخشى على نفسه من العقوبة؛ ولذلك لما جاء عمر ﵁ جلس عن يمين النبي ﵊ ثم عن شماله ثم بين يديه، ثم قال: (يا رسول الله! فما خير حياتي وأنت معرض عني) فهذه كلمة بالغة في الرقة حيث يقول: إذا أنت غضبت عليَّ فما خير العيش لي بعد ذلك مع غضبك؟! فلا يمكن أن يطيب لي عيشٌ وأنت عليّ غضبان، فهذا فيه استرضاء.
стр. 139
استرضاء العالم والقدوة حال غضبه
الفائدة السادسة عشرة: استرضاء العالم والقدوة والكبير إذا غضب، والمسارعة إلى التخفيف من غلواء غضبه، والمبادرة إلى الاعتذار والرجوع.
стр. 140
الإعلان بالرجوع عن الخطأ
الفائدة السابعة عشرة: الإعلان بالرجوع عن الخطأ؛ لأن بعض الناس ربما لا يقوى على الإعلان بالرجوع عن الخطأ، وإنما يريد أن يعتذر سراً، وليس أمام الناس، ولكن أبا بكر يقول: (أنا كنت أظلم) أمام الجميع، وعمر جاء يعتذر للنبي ﷺ أمام الجميع، فلم يكن ليمنعهم عن إظهار الاعتذار أن يكون بعض الناس حاضرين، ويقولون: نحفظ ماء وجهنا بأن نأخذ النبي ﵊ على جنب ونكلمه ونعتذر له، ولكنهم لا مانع عندهم أن يعتذر الإنسان، ويعترف بخطئه أمام الآخرين، ولم ينقص قدرهم ﵃.
стр. 141
أخطاء العمرين لا تنقص من قدرهما
الفائدة الثامنة عشرة: أن أفضل رجلين في الإسلام بعد النبي ﵊ ما غض من قدرهما، ولا نقص من قيمتهما، أنهما أخطئا ورجعا، فهما أخطئا وجاءا إلى النبي ﷺ ونقلت القصة، والقصة في صحيح البخاري ومسند أبي يعلى وغيره من المصنفين، ومع ذلك فلا نجد في أنفسنا حرجاً ولا غضباً ولا شيئاً على الصديق وصاحبه أبداً؛ بل نجد كامل المحبة لهما؛ لأن خطأهما فائدة لنا، أي: إن من بركتهم أن أخطاءهم فائدة لنا، يتعلم المرء منها أشياء كثيرة، مما ينبغي أن يكون عليه الموقف.
стр. 142
أهمية تقديم المال للدعوة إلى الله
الفائدة التاسعة عشرة: أهمية تقديم المال والدعم للدعوة إلى الله ، وأن الإنسان إذا قدم المال والنفس في الدعوة إلى الله فإن ذلك مما يرفع قدره ومنزلته، ويستوجب صيانة حرمته والكف عن إيذائه؛ لأن التقديم في سبيل الدعوة الحقيقية عبادة عظيمة؛ لأن النفع متعدٍ، ونشر الخير والهداية إلى الآخرين، سبب في إنقاذ الناس من النار والكفر؛ ولذلك من أسباب علو منزلة الصديق كما قال النبي ﷺ : (صدق وواساني بنفسه وماله).
فإذاً: تصديق أبي بكر للداعية الأول ﵊، ومواساته بالنفس؛ حيث عرض نفسه للخطر في عدد من المواضع من أجل النبي ﷺ ، وواساه -كذلك- بماله، فالتقديم للدعوة كتقديم النفس والمال، والجهد، والتضحية لا شك أن لها فضلاً عظيماً؛ لأن الدعوة مجالٌ لهداية الناس، ونشر النور إلى الآخرين.
стр. 143
فضل السابقين في الدعوة
الفائدة العشرون: أن الإنسان كلما كانت سابقته أقدم في الدعوة، وتقديمه أبكر من غيره كلما كان أفضل؛ ولذلك قال الله : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] أي: الذي أنفق في وقت غربة الدين وضعف المسلمين، وفي المرحلة المكية، وأنفق في وقت الاضطهاد، وفي وقت الحاجة الماسة، لما كان الناس لا يجدون شيئاً، وكان المسلمون في غاية الشدة والعسر، فهذا لا شك أن بذله أكثر أجراً ممن بذل في وقت الرخاء والسعة.
ولذلك فإنه كلما أمكن الإنسان أن يبكر بالتقديم والعطاء والدعوة في سبيل الله يكون أجره أكبر -ولا شك في ذلك- وكلما كان العطاء في وقت الشدة، وفي وقت مبكر يكون أفضل قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠] وكلهم له أجر ﴿وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
стр. 144
حادثة الخصومة بين الصديق وربيعة الأسلمي
هذه قصة مشابهة حصلت مع أبي بكر ﵁ وفيها شيءٌ مما يجب أن يكون في الخصومة بين الإخوة.
стр. 145
أحداث قصة الخصومة بين ربيعة والصديق
وهذه القصة سندها جيد يرويها الإمام أحمد ﵀ في مسنده عن ربيعة الأسلمي قال: (كنت أخدم رسول الله ﷺ فقال: يا ربيعة ألا تزوج؟ قلت: والله يا رسول الله ما أريد أن أتزوج -عرض عليه الزواج لما في الزواج من صيانة العرض والدين- قال: يا رسول الله: ما أريد أن أتزوج؟ ما عندي ما يقيم المرأة -أي: ليس عندي نفقة- وما أحب أن يشغلني عنك شيءٌ -أي: أخشى أن تشغلني الزوجة عنك وعن خدمتك يا رسول الله، فهو يريد أن يخدم النبي ﵊ بنفسه ويوقف عليه- فأعرض عني -أي: ترك دعوته للزواج- فخدمته ما خدمته، ثم قال لي الثانية: يا ربيعة ألا تزوج؟ فقلت: ما أريد أن أتزوج، ما عندي ما يقيم المرأة وما أحب أن يشغلني عنك شيءٌ، فأعرض عني، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: والله لرسول الله ﷺ بما يصلحني في الدنيا والآخرة أعلم مني -أي: أنا راغب عن الزواج من أجل الأجر في خدمته ﵊، لكن هو الذي أشار عليَّ بالزواج فمعنى هذا أن الزواج فيه أجر لي أكثر من أن أترك الزواج لخدمته- فقال: والله لئن قال تزوج لأقولن: نعم يا رسول الله مرني بما شئت، قال: فقال: يا ربيعة -المرة الثالثة- ألا تزوج؟ فقلت: بلى مرني بما شئت، قال: انطلق إلى آل فلان حي من الأنصار، وكان فيهم تراخٍ عن النبي ﷺ -أي: لم يكونوا يواظبون على حضور مجالسه ﵊؛ لأجل مشاغلهم الضرورية من كسب العيش وغيره، وهذا معنى تراخيهم عن النبي ﷺ فانطلق ربيعة إليهم قال: فقل لهم: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوني فلانةً -لامرأةٍ منهم- فقالوا: مرحباً برسول الله وبرسول رسول الله ﷺ ، والله لا يرجع رسول رسول الله ﷺ إلا بحاجته -أي: إلاَّ وحاجته مقضية- فزوجوني وألطفوني وما سألوني البينة -أي: لم يسألوا عني ولا استوضحوا عن خبري ولا عن أخلاقي وديني- فرجعت إلى رسول الله ﷺ حزيناً، فقال لي: ما لك يا ربيعة؟ فقلت: يا رسول الله أتيت قوماً كراماً فزوجوني وأكرموني وألطفوني وما سألوني بينةً؛ لأنهم وثقوا -أي: ما دام أنه من عند النبي ﵊ فلم يسألوا عن أي شيء- قال: وما سألوني بينةً وليس عندي صداقٌ، فقال رسول الله ﷺ : يا بريدة الأسلمي اجمعوا له وزن نواةٍ من ذهب قال: فجمعوا لي وزن نواة من ذهب، فأخذت ما جمعوا فأتيت به النبي ﷺ فقال: اذهب بهذا إليهم فقل: هذا صداقها، فأتيتهم فقلت: هذا صداقها -أي: هذا المهر- فرضوه وقبلوه وقالوا: كثيرٌ طيب) -ليسمع هذا أصحاب المغالاة في المهور فقد يصل المهر في هذا العصر إلى الخمسين والمائة ألف والمائتين ألف- (فرضوه وقبلوه وقالوا: كثيرٌ طيب قال: ثم رجعت إلى النبي ﷺ حزيناً فقال: يا ربيعة ما لك حزينٌ؟ فقلت: يا رسول الله! ما رأيت قوماً أكرم منهم رضوا بما آتيتهم وأحسنوا، وقالوا: كثيرٌ طيب وليس عندي ما أولم -أي: قد انحلت مشكلة العقد فعقدنا، والبنت قد وجدناها، والمهر اديناه، وبقيت الوليمة- قال: يا بريدة اجمعوا له شاةً) فلننظر كيف تنحل المشاكل بسرعة في العهد النبوي، فليس هناك مشكلة تجلس السنة والسنتين، فيقول لهم: اجمعوا فيجمعوا له بسرعة؛ لأن الحلول جاهزة للمشكلات، والأمور ميسرة وبسيطة، وتمشي الأمور على السعة.
لأن الغاية أن يحصل العفاف والزواج قال: (فجمعوا لي كبشاً عظيماً -أي: ما يكفي لشراء كبش كبيرٍ سمين- فجمعوا لي كبشاً عظيماً سميناً، فقال لي رسول الله ﷺ : اذهب إلى عائشة فقل لها: فلتبعث بالمكتل الذي فيه الطعام -والمكتل: زنبيل ووعاء يسع خمسة عشر صاعاً- قال: فأتيتها فقلت لها ما أمرني به رسول الله ﷺ ، فقالت: هذا المكتل فيه تسع آصع شعير -والآصع: جمع صاع، ويجمع على: أصوع وصيعان- وقالت: لا والله إن أصبح لنا طعامٌ غيره -أي: لا والله ما عندنا طعام غير هذا الذي طلبه النبي ﵊، فكل الموجود عندنا تسع أصواع من الشعير، وهذا هو كل الذي في مطبخ عائشة إذا كان عندها مطبخ، وإنما هي حجرة لـ عائشة - فقالت: خذه -لأن زوجها أمر بذلك، فهي لم تبخل به- قال: فأخذته فأتيت به النبي ﷺ فأخبرته ما قالت عائشة، فقال: اذهب بهذا إليهم فقل: ليصبح هذا عندكم خبزاً، فذهبت إلى أهل العروس وذهبت بالكبش ومعي أناس من أسلم فقال: ليصبح هذا عندكم خبزاً وهذا طبيخاً) -أي: أنا أتيت لكم بالمواد الخام، وأنتم عليكم الصناعة لأهل العروس، فهذا الشعير اخبزوه، وهذا الكبش اذبحوه واطبخوه- (فقالوا: أما الخبز فسنكفيكموه، وأما الكبش فاكفونا أنتم) -فهو أخذ أناساً من جماعته من بني أسلم فقالوا: الخبز مقدور عليه عندنا لأن لدينا من يخبز، وأما الكبش فعليكم، فلننظر إلى سلاسة وسهولة المسألة، فليس هناك اعتراضات، يقول لي أحد الإخوة: لما جئنا نتناقش في موضوع زواج البنت وجلسنا مع الرجل وأب الزوج كان نقاشاً عجيباً حتى ذكروا الشروط والنقاش وأشياء أخرى، حتى أن أباه قال: على من الببسي؟ قلنا: الببسي علينا، قال: إيه لا بد أن يكون كل شيء واضحاً- (قالوا: أما الخبز فسنكفيكموه، وأما الكبش فاكفونا أنتم، فأخذنا الكبش أنا وأناس من أسلم فذبحناه وسلخناه وطبخناه، فأصبح عندنا في الصباح خبزٌ ولحم، فأولمت ودعوت رسول الله ﷺ ، ثم قال: -أي ربيعة الأسلمي - إن رسول الله ﷺ أعطاني أرضاً -أي: بعد الزواج جاء الخير- وأعطاني أبو بكر أرضاً، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة) -يبدو أن بعض النساخ أو بعض الشراح قال: إن كلمة أعطاني خطأ من خطأ النساخ وأن الصحيح (أعطاني أرضاً وأعطى أبا بكر أرضاً، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة -فقلت أنا: -أي: ربيعة الأسلمي - هي في حدي وقال أبو بكر: هي في حدي) -أي: أن الدنيا جاءت، وكل واحد يقول عن النخلة أنها في حده، والحد هو: الحاجر بين الشيئين، فكل واحد منهما يظن أن النخلة في أرضه المملوكة -قال: (فكان بيني وبين أبي بكر كلامٌ، فقال أبو بكر كلمة كرهها وندم -أي: أثناء المحاورة- فقال لي: يا ربيعة رد علي مثلها حتى تكون قصاصاً) -فـ أبو بكر ﵁ قال كلمة غليظة في الحوار وندم مباشرة، ومع أنه تلك الشخصية المباركة، إلاَّ أنه ندم فوراً على الكلمة، وقال: يا ربيعة رد علي مثلها حتى تكون قصاصاً فلابد أن تقول لي نفس الكلمة وترد بها علي فلو قلت لك: يا غبي لا بد أن تقول لي: يا غبي حتى تصير قصاصاً، ولو قلت لك: يا طماع لا بد أن تقول لي: يا طماع حتى تصير واحدةً بواحدة، فـ أبو بكر يصر على القصاص؛ لأن القصاص في الدنيا أهون من القصاص في الآخرة- قال: (قلت: لا أفعل، فقال أبو بكر: لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله ﷺ -أي: أشتكيك- فقلت: ما أنا بفاعل قال: ورفض الأرض -أي: أن أبا بكر ترك النخلة- وقال: خذ النخلة، وترك الأرض التي فيها العذق المتنازع عليه، فتركها لـ ربيعة تكرماً -أي: تكرماً من الصديق ترك الأرض لـ ربيعة وبقيت الكلمة؛ لأن الأرض عند الصديق ليست مشكلة، إنما المشكلة في الكلمة- وانطلق أبو بكر ﵁ إلى النبي ﷺ وانطلقت أتلوه -أي: أتبعه- فجاء ناسٌ من أسلم -من قبيلة ربيعة - فقالوا لي: لما علموا القصة رحم الله أبا بكر في أي شيء يستعدي عليك رسول الله ﷺ وهو قال لك ما قال؟ -أي: لماذا يشتكيك وهو المخطئ؟! - فقلت: أتدرون ما هذا؟ هذا أبو بكر الصديق وثاني اثنين وذو شيبة المسلمين، إياكم! لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله ﷺ فيغضب لغضبه فيغضب الله لغضبهما فيهلك ربيعة، قالوا: ما تأمرنا؟ قال: ارجعوا، فانطلق أبو بكر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فتبعته وحدي -بدون جماعة- حتى أتى النبي ﷺ -أي: الصديق - فحدثه الحديث كما كان، فرفع إلي رأسه ﷺ ، فقال لي: يا ربيعة ما لك وللصديق؟ قلت: يا رسول الله! كان كذا، كان كذا، قال لي: كلمةً كرهها، فقال لي: قل كما قلت حتى يكون قصاصاً فأبيت، فقال رسول الله ﷺ : أجل.
لا ترد عليه ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر، فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر، فولى أبو بكر ﵁ وهو يبكي).
فالآن التشابه بين القصتين في أنه حصل شيءٌ من سوء التفاهم بين أبي بكر ﵁ وبين ربيعة الأسلمي، ولكن لننظر السرعة العجيبة في رجوع أبي بكر الصديق والاعتذار والتنازل عن الأرض أصلاً، ثم إن ربيعة ﵁ يعرف قدر الصديق، ولذلك قال: (أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، ثاني اثنين وذو شيبة المسلمين) أي: هذا شيبتنا، وكبيرنا بعد النبي ﵊، فلو غضب يمكن أن يغضب الله علينا لغضب النبي ﷺ .
كذلك فإن ربيعة لم يرد أن يتكلم ع
следующие страницы →