← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18269

سلسلة القصص - المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (522 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تغير حال الإنسان لمؤثر ما أولاً: أن الإنسان قد ينقلب من كافر إلى مسلم في لحظة: وأبو محذورة ﵁ كان كافراً فلما أسلم ولقَّنَه النبي ﷺ الأذان، ومَسَح وجهه، ومسح على كبده، ودعا له بالبركة، انقلب الكُرْه إلى محبة، وانقلب الكفر إلى إيمان، وانقلب بُغْض الأذان إلى محبة الأذان، بل وطلب أن يصبح مؤذناً، وانقلب الاستهزاء بالأذان إلى الجِدِّيَّة في إقامة هذه الشعيرة: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الأعراف:١٧٨] ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] ويجعل الله تعالى النور في قلبه، والهداية ربانية من الله ، كم حاول النبي ﷺ هداية أبي طالب، ولم يُسلِم أبو طالب، وأما أبو محذورة فقد مَسَحَ عليه ودعا له فهداه الله ، مع أن أبا طالب أقرب إلى النبي ﵊ من أبي محذورة، ذاك عمُّه؛ ولكن الله هو الذي بيده الهداية. فإذاً يؤخذ من الحديث: أن الهداية بيد الله، وأن الإنسان مهما كان حريصاً على هداية شخص، فلا يمكن أن يهديه إذا كتب الله عليه الضلالة، وكذلك إذا كان الشخص مهتدياً، وقدر الله له أن يستمر على الهداية، فلا يمكن أن يضل مهما اجتمع عليه من شياطين الإنس والجن.

стр. 212

فوائد حول الأذان والمؤذنين وانتقائهم وأجرة الأذان وكذلك يؤخذ من الحديث: أن الإنسان قد يُوْلَع بالشيء حتى يصبح له عادة يطلبه ويحرص عليه: فهذا أبو محذورة ﵁ صار مؤذناًَ. وفي هذا الحديث: انتقاء صاحب الصوت الندي لأجل الأذان: لأن صاحب الصوت الندي يُسمع له، وينجذب الناس لأذانه، وبالتالي للصلاة في المسجد أكثر من صاحب الصوت غير الندي، ولأن المؤذن وظيفته خطيرة؛ لأنه يدعو الناس إلى الصلاة، بل ربما بعض الناس لا يأتي إلى المسجد إلا من أذان المؤذن، فإذا كان المؤذن نَدِيَّاً تجد أن النفوس تنشرح وتُقْبِل على المسجد، والمؤذن داعٍ يدعو يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، فيقول لهم: أقبلوا تعالوا إلى الصلاة، يدعوهم إلى الصلاة. وبما أنه لا يمكن أن يقوم العبد إلى شيء من الطاعات إلا بقَدَر الله وتوفيقه وإعانته، فإنا نقول إذا سمعنا حيَّ على الصلاة؛ لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: لولا أن أعطانا الله قوة وأعطانا حولاً نَقْدِرُ به على الإتيان إلى الصلاة؛ لما أمكن أن نأتي ولا أن نستطيع، ولذلك لما يقول: الله أكبر، الله أكبر، نقول: الله أكبر، الله أكبر، ينطق بالشهادتين، فننطق بالشهادتين، عندما يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، تريد أن تقول عبارة معناها: استعنا بالله، وهذه العبارة التي معناها استعنا بالله هي: لا حول ولا قوة إلا بالله، ومعنى (لا حول ولا قوة إلا بالله) لا طاقة لنا ولا قدرة، ولا إمكان لنا أن نأتي إلى المسجد أو نقوم إلى الصلاة إلا إذا وفقنا الله لذلك، وأعاننا عليه ويسره لنا، وأعطانا الحول والقوة؛ لأنه هو صاحب الحول والقوة، ومنه نستمد الحول والقوة . وأقول: إن وظيفة المؤذن في المجتمع وظيفة خطيرة، ولذلك لابد أن ينتقى من الناس المخلصون أصحاب الأمانة، والنبي ﷺ أخبر بأن المؤذنين (أمناء الناس، على أذانهم يفطرون، وعلى أذانهم يمسكون) فهم مؤتَمَنُون، فينبغي أن يكونوا من أصحاب الأمانة، ولذلك أوصى ابن عمر ﵁ رجلاً أن يتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً؛ لأن المؤذن المحتسب يكون إخلاصه أشد ولا شك، ولذلك يستجيب له الناس أكثر من المؤذن الذي يأخذ المال أو يؤذن لأجل المال. ولعل من أسباب عدم التوفيق لدى بعض الناس في الصلاة: أن بعض المؤذنين لا يؤذنون إلا من أجل المال، وتجد بعض الناس إذا أراد أن يبحث عن وظيفة ويتزوج أسرع شيء يخطر في باله الأذان، مع أن المؤذن ينبغي أن يكون ذا صفات متفوقة؛ حتى يحصل له القبول عند الناس، وحتى يكون لصوته القبول عند الناس، ولذلك إذا احتسب المؤذن الأجر في الأذان وما أخذ عليه أجرة؛ فإنه من أطول الناس أعناقاً يوم القيامة وفي الحديث: (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة). كما أن الجزاء من جنس العمل، فبأذانهم صاروا أطول الناس أعناقاً يوم القيامة، وكذلك إذا أذن ردَّد معه وشهد له يوم القيامة ما عن يمينه وشماله من شجر وحجر، وجن وإنسٍ. وكذلك فإن النبي ﷺ ذكر في مناقب بلال أنه سمع دف نعليه في الجنة، أمامه ﵊. وحكم أخذ الأجرة على الأذان: أن من أذن لأجل المال، وجعل الأذان وسيلة للمال، فهو آثم وأذانه غير مقبول؛ لأنه اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، ودفع العمل الأخروي الديني لأجل أن ينال الأجرة الدنيوية. وبناء على ذلك من جعل الأذان وسيلة للتكسب فليس له عند الله من خلاق. لكن إذا لم يوجد مؤذن محتسب، ولا يوجد من الناس من يتفرغ للأذان، فعند ذلك يعطى المؤذنون من بيت المال ما يفرغهم للأذان؛ لأن الناس لا بد لهم من مؤذنين، فإذا لم يوجد مؤذنون محتسبون، فلا بد من تفريغ بعض الناس للأذان، ولكن على هذا الشخص الذي يأخذ من بيت المال ألا يكون هدفه المال، وإنما هدفه الأجر وليس الأجرة، فيأخذ الأجرة للتفرغ للأذان، فهو يأخذ ليؤذن، لا أنه يؤذن ليأخذ، يأخذ ليتفرغ للقيام بهذه الشعيرة العظيمة، وليس أنه يقوم بهذه الشعيرة لكي يأخذ المال. وفرق بين من يؤذن ليأخذ ومن يأخذ ليؤذن، كما أن هناك فرقاً عظيماً بين من يحج ليأخذ والذي يأخذ ليحج. فإذا قال: أنا أريد رؤية المشاعر، والذهاب إلى بيت الله الحرام، وأن أدعو هناك، وأذكر الله هناك، لكن لا أجد مالاً، وأنا أتمنى وأشتهي، فقال له إنسان: أنا أريدك تحج عن ميتي فخذ هذا المال لتحج به، فهذا هدفه ونيته؛ الحج والذهاب إلى هناك، ورؤية المشاعر، وذكر الله هناك، والدعاء هناك، فهذا يؤجر؛ فهو يأخذ المال ليتمكن من الذهاب، فالمال وسيلة، والحج هي الغاية. أما الذي يقول: يا أخي، ابحثوا لنا عن أناس عندهم حجج لأموات لنستفيد، أو يفاوض إمام مسجد لينظر له من يعطيه أجرة حجة عن ميت على أن يكون للإمام من ذلك نصيب، فهذا ليس له عند الله خلاق. كما بين شيخ الإسلام ﵀ الفرق بين من يحج ليأخذ، وبين من يأخذ ليحج، فالذي يحج ليأخذ مأثوم. وأما من يأخذ ليحج والحج هو الهدف، والأخذ إنما هو وسيلة، ومن علاماته: أنه إذا بقي مال بعد الحج أعاده إلى أصحابه. وأما من يحج ليأخذ فتجده يفاوض ويريد أكثر، وإذا زاد شيء لا يرجعه، ولا يمكن أن يعيده. فإذا أذن المرء محتسباً وجُعِل له من بيت المال مبلغ لتفريغه للأذان فإنه يؤجر، أما الذي يبحث عن أذان، ليستفيد من البيت الذي للمسجد، ويستفيد من الأجرة، فهذا ليس غرضه الأذان، ولا الأجر على الأذان، بل غرضه البيت (بيت المؤذن) لأنه مجاني، وغرضه راتب المؤذن. ثم من أسوأ الأشياء التي تُفعل: أن يوكل شخصاً آخر، فيأتي بواحد من الخارج؛ من بنغلاديش مثلاً أو من الهند أو من باكستان، يقول له: تعال يا أخ أنت أذِّن، ولك خمسمائة ريال شهرياً، ثم يضع في جيبه سبعمائة فبأي حق يدخر السبعمائة لنفسه؟! وأيضاً يؤجر الشقة التي للمؤذن ويقول: هذا مصدر دخل، سبحان الله! أنت لا تقوم بالعمل، ثم تأخذ البيت، وتأخذ أكثر من نصف الراتب الذي رُتِّب للمؤذن ثم تقول: هذا مصدر دخل؟! هذا سُحْت، وكسب حرام. وهذا من أسباب عزوف الناس عن الصلاة. ولو وجد المؤذنون المحتسبون وشاعوا لَوَفَّقهم الله بـ (حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح) بناس كثيرين يأتون، لكن إذا صار هدفه المال هل هو يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح من قلبه، ويرجو بها أن كل واحد يأتي إلى المسجد؟ إن أجر المؤذن عظيم! وكل واحد يأتي إلى المسجد يؤجر المؤذن مثل أجره، لأنه هو الذي دعاه (الدال على الخير كفاعله) (الداعي إلى الخير له مثل أجور من تبعه) فحين يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، يناديهم، ويأتون له أجر عظيم. فانظر كم يضيع على هؤلاء المساكين الذين ينوون الدنيا من الأجر، وكم يكون لهم من الأجر إذا نووا وجه الله تعالى! ونفس الكلام على الأئمة والخطباء، والقضاة والمفتين؛ هؤلاء يُرَتَّب لهم من بيت المال ما يفرغهم للقيام بالإمامة، والأذان، والإفتاء، والقضاء، لأن هذه وظائف دينية لا يجوز أخذ المقابل عليها؛ لكن يعطى ما يفرغه، ولا يقال: هذه أجرة الفتوى، هذه أجرة الإمامة، هذه أجرة الصلاة بالناس، هذه أجرة الأذان، هذا ليس عملاً دنيوياً حتى يجوز أخذ الأجرة عليه، فإنه لا يجوز أخذ الأجرة على الأعمال الدينية، ولا يجوز أن يبتغي الإنسان بهذه الأعمال الدينية المال أو الدنيا، لكن يبتغي وجه الله، وما يأخذه من بيت المال إنما هو للحاجة، ولأجل تفرغه وتركه السعي والمشاغل الأخرى، وإلا اضطُرَّ أن يشتغل ويترك الإمامة والأذان.

стр. 213

تأليف القلوب بالمال والتكفير بالحسنات مكان السيئات كذلك في هذا الحديث: استعمال المال لتأليف قلوب الكفار: النبي ﷺ لما جاءه أبو محذورة أعطاه صرة فيها شيء من فضة، وكان ﵊ يستخدم المال في تأليف قلوب الكفار، ودخل في الدين أناس كثيرون بسبب التأليف بالمادة، ثم بعد ذلك خَلُصت نياتهم وأصبحوا صالحين، وأصبحوا يدفعون المال في سبيل الله. فأحياناً الواحد يكون مدخله إلى الدين المادة، ثم يهديه الله فيصير من المنفقين في سبيل هذا الدين ونشره. فلا مانع أن يكون المدخل مادياً، مثل سهم المؤلفة قلوبهم، ثم بعد ذلك تتحول النيات وتتغير، ويصبح الشخص هو الذي يعطي من جيبه. مثل الداعية إلى الله ربما ينفق على شخص من جيبه، ويدعوه إلى طعام، ويخدمه، وينفق عليه من المال، فإذا اهتدى هذا الشخص صار هو الذي ينفق على الآخرين، وهو الذي يعطي في سبيل الله، ويفعل مثل ما فُعِل معه. ولذلك فإن استخدام المال للدعوة ونشر الدين أمر في غاية الحكمة، وقد فعله النبي ﷺ كما وجدنا في هذه القصة. ثم كذلك: أهمية الدعاء بالبركة: قال: (بارك الله فيك). ثم إن من فوائد هذه القصة أيضاً: أن الإنسان إذا كان عدواً للدين، مستهزئاً بشعيرة من شعائره، فإن من كفارة ذلك أن يقوم بعمل ديني يخدم به الدين؛ فهذا أبو محذورة لما هداه الله قال: (قلتُ: يا رسول الله! مُرْني بالتأذين بـ مكة) أي: الآن أنا مستعد أن أؤذن، وأنا أطلب منك أن تجعلني مؤذناً بـ مكة (فقال: قد أمرتك به، وذهب أبو محذورة إلى عتاب بن أسيد) وعتاب هو أمير مكة من جهة النبي ﷺ ، لما فتح مكة ولَّى عليها عتاب بن أسيد، وكان رجلاً شاباً مُبَكراً في السن، لكن عنده قدرات كبيرة، ولاه على قريش في مكة، فصار عتاب الأمير والإمام، وأبو محذورة هو المؤذن، وسبحان الله! كيف ينشأ جيل جديد في الدعوة، فهذه مكة التي كانت تنجب الفجرة الكفرة أعداء الدين، خرج من أصلابهم مَنْ عبد الله، وأذَّن، ونشر التوحيد، بعدما كانوا ينشرون الكفر.

стр. 214

فوائد في التعلم والتعليم والتأثر والتأثير وكذلك في هذا الحديث: الحرص على أخذ العلم من صاحبه الأصلي: ولذلك ذهب إلى أبي محذورة وقال له: (علمني الآذان قبل أن أُسْأَل عن تأذينك) إني خارج إلى الشام وأخشى أن أُسْأَل عن تأذينك، إذا علموا أني صاحبك، وأني كنت عندك سيسألونني عن أذانك، فأخبرني عن الأذان وعلمني إياه، حتى إذا سألوني أخبرتهم. ففيه الاستعداد بالجواب قبل السؤال، وكذلك الحرص على القصة من صاحب القصة، والحرص على العلم من صاحب العلم، وأعلم واحد بالأذان هو من ألقي عليه الأذان. وكذلك فيه: أن رفقه السوء تساعد على الوقوع في الباطل: ولذلك يقول: (فسمعنا صوت المؤذن ونحن مُتَنَكِّبون، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به) هم الذين شجعوه على الاستهزاء بالمؤذن، رفقة السوء هؤلاء الذين كانوا مع أبي محذورة كانوا كفرة، وهم الذين شجعوه على الاستهزاء بالمؤذن، وهذا يبين خطورة رفقة السوء، وأن الإنسان ربما لو ترك لوحده لما استهزأ بالدين، لكن إذا كان معه من الفاسدين من يحوطه، فإنهم يجرئ بعضهم بعضاً على المنكر، وهذه من خطورة رفقة السوء، فبسببهم حصل ما حصل. ثم أيضاً من فوائد القصة: أن الشيء السيئ قد ينقلب بأمر الله في مصلحة صاحبه: فـ أبو محذورة رفع صوته مستهزئاً، فسمع النبي ﷺ الصوت واستدعاهم، فشاء الله أن يكون رفع الصوت بالاستهزاء سبباً في هداية الرجل، فسبحان من جعل هذا السوء ينقلب على صاحبه خيراً. وفي هذا الحديث طريقة من طرق النبي ﷺ في التعليم: أن يقول: قل كذا قل كذا، وذاك يقول، يلقيه عليه إلقاءً، ولذلك فالإنسان لا ينسى أن يلقن تلقيناً مباشرة، فإنه من طرق التعليم التي كان النبي ﷺ يفعلها، ويُملي عليه الكلام إملاءً. وفيه كذلك: أن مشاعر الإنسان يمكن أن تتغير في لحظة: الكره ينقلب إلى محبة، والمحبة تنقلب إلى كره، العداوة تنقلب إلى صداقة، والصداقة تنقلب إلى عداوة، الحزن ينقلب إلى سرور، والسرور ربما ينقلب إلى حزن، وذلك في لحظة. وفاطمة: (أسَرَّ إليها النبي كلمات، فَبَكَت، ثم أسر إليها كلمات، فضحكت وربَعت) أولاً: أخبرها بدنو أجله، فبَكَت، فقال لها: إنها سيدة نساء العالمين، فضَحِكَت. فالإنسان بحسب ما يناله ويحيط به من الظروف تتقلب مشاعره، والقلب يتقلب، وما سُمِّي القلب قلباً إلا أنه يتقلب. فهذه البغضاء يقول أبو محذورة: (وذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهية، وعاد ذلك محبة لرسول الله ﷺ . وفيه: أن حسن معاملة المدعو الكافر مِن قِبَل الداعية المسلم هو الذي يغير صورة الداعية وسمعته، والشبهات التي كانت حول الداعية، أو الشكوك، أو العداوات في نفس الشخص الآخر، تتغير بفعل المعاملة الحسنة من الداعية، أعطاه المال، ولان له في الكلام. ثم إننا نلاحظ أن من وسائل الدعوة: أن تجعل الشخص يتلبس بالطاعة:- فلو أتيتَ بمُغنٍ كان معك فحضر وقت الصلاة، فقلت له: يا أخي! لماذا لا تؤذن لنا؟! هل من الممكن أن تؤذن لنا؟ فيمكن أن يكون طلبك من المغني أن يؤذن سبباًَ لهدايته إلى طريق الحق؛ لأن استخدام الطاقة في الشر إذا عُكِس، وطُلِب منه أن يؤديها في الخير يحس بلذة الخير، فتتغير قناعاته، ويتغير مسلكه وطريقه. ولذلك ربما شعر أبو محذورة -لما أذن- بطعم الأذان، وذاق شيئاً من طعم الإيمان، وأحس بجمال الأذان. فالشخص حين يقوم بالعمل، ويقوم بالطاعة، وعندما توعز إليه أن يقوم بها يكون إيعازك له طريقةً لقلب حاله وهدايته، وهذه حكمة بالغة من النبي ﵊، جاءه شخص مستهزئ بالدين فقال له: (قم فأذن للصلاة). ثم لاحظ: أن النبي ﵊ جرد الشخص من أعوانه الفجرة الكفرة؛ قال: (فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ : أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إليَّ، وصَدَقُوا، فأرسل كلهم وحبسني) فجرد الشخص عن المحيط السيئ الذي هو فيه، وهنا يمكن التأثير عليه، بخلاف ما لو كان مع هذه الرفقة السيئة، فاستفراد الداعية بالمدعو يجعل التأثير ممكناً أكثر.

стр. 215

هيبة النبي ومسارعة الصحابة في تنفيذ أوامره ثم نلاحظ: هيبة النبي ﷺ : فإنه لما أتى بهؤلاء الكفرة وقال لهم: (أيكم الذي سمعت صوته؟) -ما استطاعوا أن يكذبوا عليه، بل كلهم أشار إلى أبي محذورة. ثم نلاحظ: سرعة الصحابة في القبض على هؤلاء:- قال: (فصرخنا نحكيه ونستهزئ به، فسمع رسول الله ﷺ الصوت، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه) جيء بهم بسرعة إلى النبي ﷺ . وفيه: أن بعض الكفار قد يخرج وراء الدنيا مع المسلمين، فـ أبو محذورة ومن كان معه خرجوا من مكة طلباً لغنائم حنين، فلما لم يستفيدوا عادوا وحصل ما حصل مما كان سبباً في إسلام أبي محذورة.

стр. 216

الاستهزاء بالدين بيانه وأحكامه نريد أن نتحدث الآن في ختام هذه القصة عن مسألة مهمة جداً ألا وهي: قضية الاستهزاء بالدين؛ لأن أبا محذورة ﵁ أول ما حصل له هو ومن معه الاستهزاء بالدين. والاستهزاء بالدين من الأعمال الشنيعة، والداء الفتاك الذي انتشر بين كثير المسلمين مع الأسف، حتى صارت السخرية ببعض آيات الله، وبعض ما يتعلق بالإيمان، والعقيدة، والعبادات الشرعية موجودةً عند عدد من الناس، يتندرون بها في المجالس، وينشرونها ويتكلمون بها. والاستهزاء والسخرية قريبان، الهزء هو السخرية، استهزأ به يعني: سخر منه وضحك، والله توعد المنافقين قائلاً لهم: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:٦٤].

стр. 217

الاستهزاء بالدين من صفات المنافقين فالاستهزاء بالدين من صفات المنافقين. وفي غزوة تبوك استهزأ بعض الناس بأصحاب النبي ﷺ ، والرواية قد رواها ابن جرير ﵀ وغيره، وهو حديث حسن. عن عبد الله بن عمر قال: (قال رجل في غزوة تبوك في المجلس قال: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت؛ ولكنك منافق، ولأخبرن رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر: وأنا رأيته متعلقاً بِحِقْب ناقة رسول الله ﷺ تَنْكُبُه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥] ورسول الله ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]) وفي رواية: (فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله! ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥] ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق، والنبي ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]). وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الكفر الذي كفروا به كفر حقيقي، وليس مجرد كفر باللسان، بل هو كفر قلبي، ولذلك ما أظهروه إلا لبعض خواصهم، قال: (ما رأينا مثل قرائنا) ونُقل الحديث إلى النبي ﵊، وهذا دال على الكفر ولا شك. فبيَّنت هذه الرواية أن الاستهزاء بآيات الله كفر، وأن المستهزئ كافر، فلو أن شخصاً استهزأ بشيء من الدين، أو بآية من القرآن مثلاً، ثم قال لك: يا أخي! والله أنا قصدي المزاح فقط، نقول: لا، الاستهزاء بالقرآن كفر، قلتَ مازحاً أو ما قلتَ مازحاً أنت كافر، هذه هي المسألة واضحة.

стр. 218

أقوال العلماء في الاستهزاء بالدين وذكر بعض صوره وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ﵀: وفيه بيان أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها، أو عمل يعمل به، وأشدها خطراً إرادات القلوب. وكذلك قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: فيه مسائل: الأولى وهي العظيمة: أن من هزل بهذا فهو كافر. وقال شيخ الإسلام ﵀ في هذه الآية التي هي: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] قال: وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وآياته وبرسوله كفر. وقال أيضاً: وقد دلت هذه الآية على أن كل من تَنَقَّصَ رسولَ الله ﷺ جاداً أو هازلاً فقد كفر. وقال ﵀: فهؤلاء لما تَنَقَّصُوا النبي ﷺ ، حيث عابوه والعلماء من أصحابه قالوا: ما رأينا مثل قرائنا، والقراء هم النبي ﷺ وأصحابه، واستهانوا بخبره، أخبر الله أنهم كفروا بذلك وإن قالوه استهزاءً، فكيف بما هو أغلظ من ذلك، وإنما لم يُقِمِ الحد عليهم لكون جهاد المنافقين لم يكن قد أُمِر به إذ ذاك، بل كان مأموراً بأن يدع أذاهم؛ ولأنه كان له أن يعفو عمن تَنَقَّصَه وآذاه. وعلى ما سبق فإن أي استخفاف أو ازدراء بالدين، أو استهزاء بأي شعيرة من الدين؛ بالله، أو آياته، أو رسوله، أو أركان الإيمان؛ أو الجنة، أو النار، أو الملائكة، أو الأنبياء، مَن استهزأ بشيء من ذلك فقد كفر، والكفر الذي يكفر به كفر أكبر مخرج عن الملة. قال العلامة السعدي ﵀: إن الاستهزاء بالله ورسوله كفر يخرج عن الدين؛ لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله، وتعظيم دينه ورسوله، والاستهزاء بشيء من ذلك منافٍ لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة. وقال النووي ﵀: ولو قال وهو يتعاطى قدح الخمر، أو يقدم على الزنا: باسم الله، استخفافاً باسم الله تعالى كفر. أي: لو أن واحداً أخذ كأس خمر وقال: باسم الله تعالى، ويقصد بذلك الاستهزاء فإنه يكفر بذلك. وقال ابن قدامة ﵀: من سب الله تعالى كفر؛ سواء كان مازحاً أو جاداً، وكذلك من استهزأ بالله تعالى، أو بآياته، أو برسله، أو كتبه، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ الآية﴾ [التوبة:٦٥]. وينبغي أن لا يُكْتَفى من الهازئ بذلك بمجرد الإسلام، يعني: نقول له: كفرتَ يقول: بسيط! أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، نقول: لا. حتى يؤدب أدباً يزجره عن ذلك، فلا نكتفي بعودته بالدخول في الدين من جديد، ولا بد أن يؤدب؛ يسجن أو يضرب، لا بد أن يؤدب تأديباً يردعه عن العودة إلى ذلك. فالاستهزاء بالدين لا يدخله المزح واللعب، ولا يصح العذر بأنه غير قاصد، وأنه ما أراد حقيقة الكلام، نقول: بمجرد النطق بها والإنسان في وعيه وعقله فإنه يكفر مباشرة، سواء قال: أنا قصدي الهزل، أو المزح، أو قال: أنا مؤمن، أنا قلبي فيه إيمان، نقول: حتى لو، فإن الله يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] لا تقولوا: هي كلمات باللسان، هو حديث بيننا، هي مزحة، لم نقصد الحقيقة، نقول: لا. الله يقول: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦]. وكذلك فإن هذا الوعيد الشديد الذي جاء ينال كل من قام بشيء من ذلك، والاستهزاء قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل، وبعض الناس يقصد أن يُضْحِك القوم في مجلس من المجالس فيهزأ بالملائكة، أو بالجنة، ويسمون ذلك نُكَتاً، وهي طبعاً ليست نكتاً ولا شيء، إنما هي سخرية واستهزاء بالدين. قال بعض العلماء: ومن البدع القولية مزح الإنسان بشيء من كتاب الله تعالى، فهو مما يَكْفُر فاعلُه أو يُذَم، أما الذي يَكْفُر فاعله كمن يصعد في مكان مرتفع والناس تحته، فيتشبه بالواعظ والخطيب، يتلو كلام الحبيب ﷺ ، ثم يأخذ في مد صوته وهز رأسه ويقول: (أيها الناس) وهم تحته يتضاحكون؛ كفروا كلهم أجمعون. وقال رجل لبعض الفقهاء: (إن الملائكة لتضع أجنحتها رِضاً لطالب العلم) فقال واحد في المجلس مازحاً: لأجل ذلك سَمَّرْتُ (قُبْقَابي) لكسر أجنحتهم، فما كان إلا قليلاً حتى وقع في تهمة، فقُطِعَت فيها رجله، أي: قدر الله عليه بشيء تسبب في قطع رجله، لأنه قال: أنا جئت إلى حلقة العلم، ومعي مسامير في القبقاب لكسر أجنحتهم، لاحظ الكلمة! وكذلك لو أن إنساناً استهزأ بأي شيء يتعلق بجهنم أو أهل النار، أو طعام أهل النار، وضربوا أمثلة فيما يُكْفَر به من كلام، وهذه الأمثلة منها ما هي سب صريح، أو فيه استهزاء صريح، ومنها ما يحتمل المزاح؛ ولكن مع ذلك عده العلماء من المكفرات. وأيضاً فإن اللاعب والجاد في إظهار كلمة الكفر سواء، كما دلت عليه هذه الآية. ونلاحظ أن بعض الناس يستخدمون أجزاء من آيات في مجال استهزاء أو سخرية، يأتي بشيء من القرآن في مكان لا يناسب أبداً، فهذا يُخشى عليه من أن يدخل في هذه الآية. كما قال أحد المدعوين: ما لي لا أرى الخبز أم كان من الغائبين، فقال صاحب الدعوة: سآتيك به قبل أن تقوم من مقامك، ونحو ذلك من الكلام نعوذ بالله. وكقول بعضهم: ولكم في العدس أسوة حسنة، فيضحكون ويقهقهون، هؤلاء يُخشى عليهم من الكفر الوارد في هذه الآية صراحةً. وكقول بعضهم لما جيء له بالطعام فقال: أفطر عندكم الصائمون، أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة إلا جبريل، قالوا: ولِمَ؟ قال: لأنه لا يأتي إلا مع الشاي. هذا فيه استهزاء بجبريل، أنه لا يأتي إلا مع الشاي، فهذه الكلمة يمكن أن تودي به في مهاوي الكفر والعياذ بالله. ويقع من بعض الناس على سبيل المزاح، أن يأتي بمقطع من آية، أو مقطع من حديث مثلاً، يأتي لك به على سبيل الاستهزاء والسخرية، ويتضاحك الناس في المجلس، يأخذونها على أنها طرفة، مع أن القضية في غاية الخطورة. وينبغي على الإنسان إذا سمع كلام الله أن يعظِّمه، وأن يخشع له، وأن يطرق مفكراً فيه متدبراً، لا أن يستعمله في مجالات الاستهزاء والسخرية والمزاح، فما أُنْزِل القرآن لكي نقطعه مقاطع، ونأتي بها في مناسبات على سبيل السخرية والتنكيت والمزاح وإضحاك الناس، ما أُنْزِل القرآن لهذا مطلقاً! وكذلك النبي ﷺ ، بعض الناس ربما يقول عن سنته أشياء، فهذه الأشياء التي تقال في سنته استهزاءً به، ربما تؤدي أيضاً بصاحبها إلى النار. وكيف يجعل المسلم أعظم المقدسات عنده في الدين مجالاً للاستهزاء والسخرية! وكذلك ما يقع فيه البعض من الاستهزاء بالمتدينين في قضايا دينية، ليست قضايا شخصية، مثلاً يستهزئ بشكله بأنفه، لو استهزأ بذلك يكون مرتكباً لذنب عظيم، مخالفاً لقول الله: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ﴾ [الحجرات:١١] لكن أحياناً لا يستهزئ بشخصه، وإنما يستهزئ بشعيرة دينية يقوم بها هذا المتدين، كأن يرى أحداً مثلاً يلبس ثوباً وقد جعله حسب السنة فيقول: هذا لابسٌ (شانِيْل) مشبهاً له بفستان المرأة، فإطلاق (الشانِيْل) على الثوب الذي جاء بحسب السنة لا شك أنه يوقع في مهاوي الكفر والعياذ بالله؛ لأن معنى ذلك أنك تستهزئ بالسنة مباشرة؛ بحديث: (إزرة المسلم إلى نصف ساقيه) معناه أنك جعلت حديث رسول الله ﷺ مجالاً للاستهزاء والسخرية، فهذا إنسان يدخل في الآية، ويُخشى عليه من الكفر الصريح والعياذ بالله تعالى. ونحو هذا أمثلة كثيرة توجد عند بعض الناس؛ يعملون نكتاً وأشياء على الجنة والنار، يدخلون جحا في الجنة والنار، يعملون بها طرائف، ويتناقلونها في المجالس، ولا شك أن تقليد المؤذن بصوت يحاكي صوت المؤذن استهزاءً به، أو يقول بعض الناس إذا سمع المؤذن: نهق الحمار، ولاحظ هذه الكلمة! فإنها استهزاءٌ صريح بشعيرة من شعائر الدين وهي الأذان، ولذلك كم يكفر من الناس يومياً! وبعض الممثلين قد يضع لحية مستعارة وعمامة، يقلد بها شيخاً صاحبَ دين، أو يعمل كأنه يقلد عالماً أو إماماً ونحو ذلك، يكون أيضاً داخلاً فيمن استهزأ بأهل الدين لدينهم، لأن أهل الدين لهم سمات ولهم علامات، فلو استهزأ بثيابهم وأشكالهم وهيآتهم، ومَثَّل دوراً فيه شخص متدين أو عالم، وجلس يقلد صوت هذا العالم على سبيل الاستهزاء والسخرية، فهذا أيضاً يُخشى عليه من الكفر والعياذ بالله تعالى. وكما حدَّث بعضهم قال: ما هو مصير أهل فلسطين؟ قال: تركنا لهم مخيمات بين الجنة والنار، لاحظ! هذه داخلة في عملية الاستهزاء؛ لأنك الآن دخلت في اليوم الآخر وفي الجنة والنار، وفي القضايا العقدية، وجعلتها مجالاً أو محلاً للاستهزاء والسخرية، وكأنْ يسمع الإنسان شيئاً من نعيم الجنة فيقول: أنا لا أحب هذا، أو الرمان أنا لا أشتهيه ولا كذا، فربما يُخشى عليه أن يُحرم منه. وعملية الاستهزاء والتشويه لشخصيات التاريخ الإسلامي، وشخصيات العلماء التي تكون في بعض المسلسلات؛ مثل إخراج دور صحابي يقع في حب فتاة، أو يخاطب امرأة متبرجة، أو يقول كلاماً فيه شيء من الغزل ونحو ذلك، لا شك أنه استهزاء بالصحابة، كذلك يظهرون مثلاً صورة عمر بن عبد العزيز أو شيخ الإسلام ابن تيمية، أو صلاح الدين الأيوبي، أو فلان أو فلان من شخصيات المسلمين، يجعلونها مثاراً للحب والغرام وكذا، فيعرضون علماء المسلمين بقالب فيه هذا الشيء، فهؤلاء يكونون قاصدين لتشويه أهل العلم، مثل ما قال المنافق في غزوة تبوك، قال: (ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطوناً الخ) هذا كذلك يريد أن يجعل علماء المسلمين مثاراً للسخرية، وأنهم أصحاب غزل، وأصحاب حب وغرام ونحو ذلك. فكم من كلمة أودت بصاحبها في

стр. 219

الأسئلة

стр. 220

قراءة السجدة والإنسان في فجر يوم الجمعة السؤال ما حكم قراءة سورتي السجدة والإنسان في فجر الجمعة بعض الأيام؟ الجواب لا بأس، وهذه هي السنة، أما إذا كان يشق على المصلين بحيث أنهم ينفرون أو يتركون الصلاة، فيمكن أن يتألف قلوب هؤلاء بأن يقرأ سوراً أقصر منها؛ مع تعليمه للسنة، ويفعلها أحياناً لتعويدهم، ولا يكثر منها حتى لا يهربوا أو ينفروا، ثم إن الإنسان يجب أن يكون حكيماً في نشر السنة بين الجهلة بها.

стр. 221

أخذ الأجر على تعليم القرآن السؤال ما حكم أخذ الأجرة على تدريس القرآن؟ الجواب إذا نواها لله فلا يجوز أن يأخذ أجرة عليها، كما دل عليه حديث عبادة بن الصامت ﵁: (لما علم رجلاً من أهل الصفة شيئاً من القرآن، فأحس ذلك الرجل بأن لـ عبادة عليه فضلاً، فأهداه قوساً حسن الصنعة، فسأل عنه النبي ﷺ فأخبره بأنه قوس من نار) وهذا يُحمل على ما إذا قَصَدَ وجه الله وثوابه، فلا يجوز بعد ذلك أن يأخذ شيئاً لئلا يعتاض عن ثواب الله بشيء من الدنيا. أما لو أن الإنسان احتاج إلى أخذ شيء على تعليم القرآن، وإذا لم يعلم فقد لا يوجد من يعلِّم غيرَه من المتبرعين، فاحتاج أن يأخذ أجرة لكي يتفرغ للتعليم فلا بأس بذلك، مثل ما يأخذ القارئ الذي يرقِي أجرة مقابل القراءة، كما جاء في قصة أبي سعيد مع اللديغ، حيث اشترطوا عليهم جُعلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فأخذوه مقابل تلك الرقية، وهو لا يأخذ مقابل العبادة، وإنما يأخذ مقابل العمل.

стр. 222

تقديم الأذان قبل وقت الإفطار بدقائق السؤال إذا تقدم المؤذن بالأذان قبل دخول الوقت بدقائق، فما الحكم؟ الجواب لا نفطر حتى يأتي الوقت الصحيح، ثم إن الاعتماد على التقويم، المؤذن يعتمد على التقويم، وأنت عندك التقويم، فإذا قدم المؤذن فلا يكون هذا عذراً في الإفطار، وإذا علم أن المؤذن ثقة فيجوز للإنسان أن يفطر على أذانه.

стр. 223

الترجيع في الأذان السؤال هل الترجيع في الأذان عند كل أذان؟ الجواب نعم، عند كل أذان السنة أن يرجع في الأذان.

стр. 224

من أذن ثنتي عشرة سنة فله الجنة السؤال ( من أذن ثنتَي عشرة سنة محتسباً الأجر عند الله وجبت له الجنة) هل يصح هذا؟ الجواب نعم. هذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ .

стр. 225

استغلال العمال السؤال هل يجوز لشخص أن يأتي بعمال ويقول لهم: اذهبوا فاعملوا، ثم يأخذ منهم ثلاثمائة ريال شهرياً؟ الجواب هذا أكل مال بالباطل، ولا يجوز، ولا يقال إن ذلك مقابل الكفالة، فإن الكفالة من عقود الإرفاق والإحسان، ولا يجوز أخذ المال عليها.

стр. 226

من أفطر بأكل قبل الجماع ليسقط الكفارة السؤال رجل أراد أن يجامع زوجته في نهار رمضان، فشرب ماءً حتى يفلت من الكفارة، ثم جامع، هل تسقط الكفارة؟ الجواب لا. يقول شيخ الإسلام ﵀: كيف نقول للشخص يستعين على الجماع بالطعام والشراب قبل الجماع ثم نقول: ليس عليك إلا قضاء هذا اليوم، وإذا جامع قبل أن يأكل ويشرب نقول: عليك شهران، وعليك الكفارة المغلظة؟! قال: هذا عبث، لا يمكن أن تأتي بمثله الشريعة، ولذلك إذا أكل أو شرب بقصد الهرب من الكفارة المغلظة، فإنه يعاقَب بنقيض قصده، وتُجعل عليه الكفارة المغلظة.

стр. 227

حكم صلاة التراويح جماعة في مسجد العمل السؤال أنا إمام في مسجد العمل ولا يوجد من يصلي التراويح إلا شخصين أو ثلاثة علماً أن عددهم عشرة فما الحكم في عدم صلاتي بهم لرغبة الحضور مع الجماعة؟ الجواب لا بأس، أن تذهب إلى المسجد وتصلي، إذا كان ذلك لا يخالف وقت العمل، وهم كل واحد مسئول عن نفسه بعد ذلك؛ ولكن إذا صليتَ في المسجد -وهو الواجب عليك- صلاة الفريضة، ثم عدت وصليت بهم التراويح رجاء أن يجتمعوا، فتعتبر هذه دعوة للآخرين، وهذا شيء طيب إن شاء الله.

стр. 228

تزاحم المؤذن المحتسب والمستأجر السؤال إذا كان هناك مؤذن يؤذن بمقابل، وجاء أحدهم وقال: إنه يريد أن يؤذن مكانه محتسباً، فهل له ذلك؟ الجواب يُقَدَّم الذي يؤذن محتسباً، لكن يُقَدَّم بشرط أن يمسك الأذان، لا أن يأتي في كل أذان شخص ليقول: أنا محتسب ويؤذن، ويأتي بعد أسبوع يقول: أنا محتسب، وهكذا.

стр. 229

كيفية تقصير شعر المرأة في النسك السؤال كيف تقصر المرأة من شعرها بعد العمرة؟ الجواب تجمع شعرها ثم تأخذ منه قيد أنملة، وإذا كان شعرها في الأمام والخلف، تجمع الذي من الأمام والذي من الخلف، وتأخذ.

стр. 230

الإحرام في الطائرة السؤال إذا لبست ملابس الإحرام في المنزل، فهل أستطيع عقد نية العمرة في الطائرة فوق الميقات أو قبله؟ الجواب نعم.

стр. 231

لباس الناس إذا أوهم الشهرة السؤال إذا تشبهنا بالنبي ﷺ فصارت الأنظار تلتفت إلينا فهل يعتبر هذا من لباس الشهرة؟ الجواب لا. هذا دعوة إلى السنة، ثياب الشهرة تفصيل غريب، موديل عجيب، تلبسه امرأة أو رجل ليُلفت أنظار الناس، وليس من لباس البلد، بل فيه غرابة عما حوله من الناس، بعض الموديلات فيها غرابة، تصميم الزي نفسه فيه غرابة، فيلفت أنظار الناس، يلتفتون إليه بمجرد مروره بينهم، يرفعون إليه أبصارهم، يشيرون إليه بأصابعهم، فهذا الذي فعله يريد أن يتميز عن الآخرين بهذا الشيء الدنيوي وليس سنة، فهذا الشيء الدنيوي ثوب شهرة.

стр. 232

الوسوسة المؤثرة في الخشوع السؤال أثناء الصلاة تراودني أفكار سيئة ورديئة تؤثر في الخشوع؟ الجواب اذكر الموت في صلاتك، وفكر في معاني الآيات والأذكار، واستعذ بالله من الشيطان، وانفث عن يسارك ثلاثاً، فإنه يذهب إن شاء الله.

стр. 233

ترك بعض الراتب للبقاء مع الأم السؤال هل أترك العمل وأذهب إلى عمل بجانب أمي، وأحصل على وظيفة نصف الراتب؟ الجواب إذا طلبت أمك ذلك فمن البر أن تفعل إذا كان لا يضرك، بمعنى أنه لا يؤثر على نفقاتك الواجبة، كنفقة الزوجة والأولاد، فإنك تحتسب الأجر في برها، وإذا لم تطلب منك ذلك ولم يكن لديها مانع أن تبقى بعيداً عنها، فإنك تبقى في عملك وتبرها بما ترسل إليها من المال أو الهدايا.

стр. 234

قراءة الإخلاص في نهاية التراويح السؤال هل لا بد من قراءة سورة الإخلاص في نهاية التراويح؟ الجواب لا. لكن السنة أن يقرأ الإمام: (سَبِّحِ) و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] في الشفع، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] في الوتر.

стр. 235

قول المردد عند الأذان (الصلاة خير من النوم) السؤال ماذا يقال عند قول المؤذن: الصلاة خير من النوم؟ الجواب يقال: الصلاة خير النوم؛ لعموم قوله ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) وما ورد الاستثناء إلا في حيَّ على الصلاة، وحيَّ على الفلاح فقط، ولذلك إذا قال: الصلاة خير من النوم يقول: الصلاة خير من النوم.

стр. 236

إذا دخل الوقت ولا مؤذن السؤال عند دخول وقت الأذان ولم يؤذن أحد هل يجوز لشخص أن يؤذن بعد دخول الوقت؟ الجواب نعم. لأنه دعوة للصلاة وطرد للشيطان، فالأذان فيه فوائد، فليس مجرد إعلان بدخول الوقت، بل فيه فوائد أخرى: دعوة الناس للصلاة، إظهار الشعيرة في البلد، طرد الشيطان.

стр. 237

اعتزال الزوجة عن زوجها السؤال ما حكم اعتزال الزوجة زوجها عدة أيام في غرفة لوحدها، وعدم الكلام معه، ولا السلام عليه لسبب ما؟ الجواب هذا إذا حدث منها فهو نشوز، خاصةً إذا كان ليس لسبب ديني، فإذا هَجَرَت فراش زوجها لعنتها الملائكة، فالواجب عليها أن تتوب إلى الله، وأن تعود إلى زوجها، أما إذا هجرته لسبب ديني؛ كأن تهجره في وقت سكره ونحو ذلك، أو أنه تارك للصلاة فاعتزلته ولا تستطيع أن تذهب لأهلها، فاعتزلته في البيت، فهذا واجب عليها.

стр. 238

ترك العمل المحرم والبحث عن مباح السؤال هذا سؤال عن ترك عمل محرم للبحث عن عمل مباح؟ الجواب فنقول: اتركه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] فالمسألة تعتمد على أمرين: - تقوى الله . - والأخذ بالأسباب. تقوى الله: أن يترك العمل. مع الأخذ بالأسباب: البحث الجاد.

стр. 239

تطييب ملابس الإحرام قبل لبسها السؤال تطييب ملابس الإحرام قبل لبسها، والدخول في نية الإحرام؟ الجواب هذا من المحاذير التي يترتب عليها أنه لو خلع الرداء المطيب لسبب ما كمن أراد أن يغتسل، أو أن يتوضأ، فإنه لا يجوز له أن يلبسه؛ لأنه لا يجوز للمحرم أن يلبس شيئاً مطيباً، فبمجرد خلعه لا يجوز له أن يلبسه، ولذلك لا يطيبه حتى لا يقع فيه هذا الإشكال.

стр. 240

لا يشترط تتابع الطواف والسعي في العمرة السؤال ذهبت لأداء العمرة، وعند وصولنا طفت الأشواط السبعة، ولكن من شدة التعب لم أستطع السعي مباشرة، فذهبت إلى الفندق ونمت واحتلمت ثم اغتسلت، وغسلتُ ملابس الإحرام، ثم ذهبت للسعي، فما حكم عمرتي هذه؟ الجواب عمرتك صحيحة، ولا يُشترط أن يكون السعي واقعاً بعد الطواف مباشرة، لو فَصَل بينهما براحة فلا بأس بذلك.

стр. 241

زينة المسجد السؤال ما حكم الزينة في المساجد؟ الجواب الزينة في المساجد لا شك أنها منهي عنها، لا تحمَّر، ولا تصفَّر، ولا تنقش، ولا يجوز أن يكون هذا في مساجد المسلمين؛ لأن المساجد لم تُبْنَ للزخرفة: (إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم) كما جاء في الحديث الحسن، وعلى الإنسان أن يصرف بصره، وينشغل بذكر الله تعالى.

стр. 242

من توفي أبوه وهو عليه ساخط السؤال إذا توفي أحد الوالدين وهو على ولده غضبان، ماذا يفعل الولد لينال رِضا الله تعالى، علماً بأن رِضا الله للولد في رِضا الوالدَين؟ الجواب عليه أولاً: أن يتوب إلى الله، لأن هنا حق لله تعالى أيضاً، وهو أنه عصى الله؛ لأن الله قال له: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة:٨٣] وهو لم يبر بهما. ثانياً: أن يستغفر لأبيه، ويدعو له، ويتصدق عنه، يبر أباه في قبره، يصل أهل وُدِّ أبيه بعد أن يولي كما جاء في الحديث: (إن من أبر البر أن يَصِل الرجل أهل ودِّ أبيه بعد أن يولي الأب) يزور أصدقاء أبيه مثلاً، يرسل هدايا إلى صديقات أمه مثلاً، يُشْركه في الأضحية، يحج عنه، يعتمر عنه، يتعهد دَيْنَه والكفارات التي عليه، وهكذا.

стр. 243

من لحق الإمام في غير قيام الفاتحة لا يقرأ الاستفتاح السؤال إذا جاء الإنسان ليصلي وكان الإمام يرفع من الركوع فهل يقول دعاء الاستفتاح؟ الجواب لا. طبعاً، هو ينضم مع الإمام مباشرة.

стр. 244

قصة المقداد والأعنز لقد كان الصحابة ﵃ في ضيق من العيش، وفي جهد ومشقة، ومع ذلك صبروا وتحملوا في سبيل الله، وفي سبيل الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، وفي سبيل طلب العلم والاستزادة منه يجسد هذا المفهوم هذه القصة التي تكلم عنها الشيخ حفظه الله، فقد ذكر الحديث نصاً، ثم ذكر ما يستفاد منه على شكل نقاط

стр. 245

حديث قصة المقداد والأعنز الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فالقصة التي سنتحدث عنها هذه الليلة -أيها الإخوة- قصة تشبه إلى حدٍ ما قصة أبي هريرة التي مرت معنا مع إناء اللبن وأهل الصفة، ولكنها مع صحابي آخر من أصحاب رسول الله ﷺ العظام، الذين عرفنا سيرتهم بالخير، وذكرهم بالطيب، وثناء العلماء الحسن عليهم، وهم أصحاب محمد ﷺ ، أبرُّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها فهماً وعلماً، وهم الذين عاينوا الوحي والتنزيل، وكانوا مع النبي ﷺ ، فهم أعلم الأمة بالقرآن والسنة ﵃. هذه القصة يرويها الإمام مسلم والترمذي باختصارٍ، وأحمد رحمهم الله تعالى. يقول المقداد ﵁ وأرضاه: (أقبلت أنا وصاحبان لي وفي رواية: قدمت أنا وصاحبان لي على رسول الله ﷺ ، فأصابنا جوعٌ شديدٌ، فتعرضنا للناس، فلم يضفنا أحد وفي رواية لـ مسلم: أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، ومن الجوع والمشقة -ولا شك أن الجوع يؤثر على سمع الإنسان وبصره- فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ ، فليس أحدٌ منهم يقبلنا) كل الذين عرضوا أنفسهم عليهم كانوا من الفقراء، وهذا يبين الشدة التي كان عليها أصحاب محمد ﷺ ، والفقر الذي عاينوه ولاقوه، ومع ذلك صبروا على الدعوة، وعلى العلم مع النبي ﷺ ، ما وُجِدَ أحد يستطيع أن يطعمهم؛ لأن كل الذين عرضوا عليهم كانوا مقلين ليس عندهم شيءٌ يواسون به، ما هناك أحد عنده طعام زائد يعطي هؤلاء، جاء هؤلاء الثلاثة: المقداد وصاحباه إلى النبي ﷺ ، ولما لم يجدوا أحداً يقبلهم، قال: (فأتينا النبي ﷺ ، فانطلق بنا إلى أهله) وهكذا كان ﵊ يفعل، يأتيه الرجل الجائع ولا يوجد من يطعمه، فيذهب به إلى أهله، قال: (فإذا ثلاثة أعنز -والعنز هي: الشاة أنثى الماعز التي بلغت سنة يطلق عليها عنزٌ- وفي رواية: أربعة أعنز- فلعل واحدةً أضيفت بعد ذلك- فقال النبي ﷺ : احتلبوا هذا اللبن بيننا، قال: فكنا نحتلب، فيشرب كل إنسان منا نصيبه وفي رواية: فقال لي: يا مقداد! جزأ ألبانها بيننا أرباعاً، فكنت أجزؤه بيننا أرباعاً) ثلاثة أعنز تحلب والحليب الذي ينتج منها يقسم إلى أربعة أقسام: للنبي ﷺ قسم، وللمقداد قسم، ولصاحبيه قسمان يقول المقداد ﵁ وأرضاه: (فاحتبس رسول الله ﷺ ليلة -أي: تأخر عن موعد عودته المعتاد- فحدثت نفسي أن رسول الله ﷺ قد أتى بعض الأنصار، فأكل حتى شبع، وشرب حتى روي، فلو شربت نصيبه). شرب المقداد شرب نصيبه الخاص به، وأبقى نصيب النبي ﵊، ولما تأخر النبي ﵊ ذات ليلة، قال: جاءني وارد في نفسي أنه ﵊ قد دعي إلى عشاء هذه الليلة، وأنه قد أكل حتى شبع، وشرب حتى روي، فلو أنني شربت نصيبه، وفي رواية مسلم: (فكنا نحتلب، فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي ﷺ نصيبه، فيجيء من الليل -هذه العادة النبوية- فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً ويسمع اليقظان -لا يكون بصوت مرتفع، ولا بهمس، وإنما يسلم تسليماً لا يوقظ نائماً ويسمع اليقظان- ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب، فأتاني الشيطان ذات ليلة، وقد شربت نصيبي، فقال: محمدٌ يأتي الأنصار فيتحفونه -والشيطان لا يقول: ﷺ ، أي: محمد ﷺ ليس عليه خوف، الناس كلهم يضيفونه- ويصيب عندهم -أي: يطعم عندهم- ما به حاجة إلى هذه الجُرعة) أو الجَرعة، والفعل منه: جرعت، وهي: الحثوة من المشروب. وسوس الشيطان للمقداد وقال: ما بمحمد حاجة إلى هذه الجرعة، أكيد أنه الآن قد شبع، قال: (فأتيتها فشربتها وفي رواية: فلم أزل كذلك حتى قمت إلى نصيبه فشربته، ثم غطيت القدح) يقول: في النهاية استسلمت لهذا الرأي، ولهذا الوارد، وأتيت إلى نصيب النبي ﷺ فشربته وغطيت القدح، قال: (فلما أن وغلت في بطني -أي: دخلت بطني وتمكنت من بطني- وعلمت أنه ليس إليها سبيل، ندمني الشيطان وفي رواية: فلم أزل كذلك حتى قمت إلى نصيبه فشربته ثم غطيت القدح، فلما فرغت، أخذني ما حدث، فقلت: يجيء رسول الله ﷺ جائعاً ولا يجد شيئاً! وفي رواية أخرى لـ أحمد يقول: فلما وغلت في بطني -أي: الشربة- وعرف -أي: الشيطان- أنه ليس إليها سبيلٌ، ندمني، فقال: ويحك! ما صنعت؟ شربت شراب محمد، فيجيء ولا يراه، فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك وفي رواية مسلم قال: ندمني الشيطان، فقال: ويحك! ما صنعت؟ أشربت شراب محمد فيجيء، فلا يجده، فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك، قال: وعليَّ شملة -أي: كساء يتغطى ويلتف به- إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرجت قدماي -أي: أن الذي عنده كساءٌ قصيرٌ لا يكفي، وهذا من فقره ﵁ وفي رواية أحمد: وعليَّ شملةٌ من صوف، كلما رفعتها على رأسي خرجت قدماي، وإذا أرسلتها على قدميَّ خرج رأسي، وجعل لا يجيء لي نومٌ وفي رواية مسلم: وجعل لا يجيء لي النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت -أنا الذي أجرمت وأذنبت، وأخذت شربة النبي ﷺ فجاء النبي ﷺ ، فسلَّم كما كان يسلِّم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه، فكشف عنه فلم يجد فيه شيئاً، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو عليَّ فأهلك، حضرت ساعة الموت، فقال النبي ﷺ : اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني، فلما سمع هذه الدعوة، قال: اغتنمت الدعوة -وذلك لأن دعوة النبي ﷺ مستجابة- فعمدت إلى الشملة، فشددتها عليَّ -تأهب- وأخذت الشفرة -أي: السكين- فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها للرسول ﷺ -مع أنها ليست ملكه- فجعلت أجتسها أيها أسمن) وهو يجتسها فوجئ بمفاجئة غريبة جداً، كان قد حلب الأعنز قبل قليل، وقسم اللبن وشرب نصيبه ونصيب الرسول ﷺ ، والعنز إذا حلبت تحتاج حتى يمتلئ ضرعها مرة أخرى إلى يوم، أو بعض يوم، فيقول: (فلا تمر يدي على ضرع واحدةٍ إلا وجدتها حافلاً -أي: ممتلئة باللبن، والحيوان كثير اللبن يقال له: حافل، والجمع: حفل- وإذا هنُّ حفلٌ كلهن -أي: كل الأعنز ممتلئة الضرع باللبن- فعمدت إلى إناء لآل محمد ﷺ ، ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه -إناء كبير- فحلبت فيه حتى علته رغوة -وهو زبد اللبن الذي يعلو اللبن بعد حلبه، يقال: رغوة، أو رِغوة، أو رُغوة، أو رُغاية، أو رِغاوة، كلها صحيحة- فجئت إلى رسول الله ﷺ بإناء اللبن، فقال: أشربتم شرابكم الليلة؟ قال: قلت: يا رسول الله! اشرب -ما أجاب، هرب من الجواب- فشرب ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله! اشرب، فشرب ثم ناولني، فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روي وفي رواية: فقلت: اشرب يا رسول الله! فشرب ﵊ حتى تضلع ﷺ ، فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روي وأصبت دعوته: اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني، ضحكت حتى استلقيت على الأرض من الضحك، فقال النبي ﷺ : إحدى سوءاتك يا مقداد! -أكيد أنك فعلت سوءةً من الفعلات، هذه الضحكة ما وراءها إلا فعلة فعلتها وسوءة أقدمت عليها، فما هي؟ - قال: فقلت: يا رسول الله! كان من أمري كذا وكذا وفي رواية: فقال: ما الخبر؟ فأخبرته، فقال ﷺ : هذه بركة وفي رواية: ما هذه إلا رحمةٌ من الله، أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتَها وأصبتُها معك من أصابها من الناس) بعدما أصابتني البركة الآن وأصابتني دعوتك لا أبالي بعد ذلك شرب من شرب.

стр. 246

الفوائد المنتقاة من حديث المقداد ١ - هذا الحديث -ولا شك- فيه بركة دعوة النبي ﷺ . ٢ - وفيه: معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ، وهي: أن هذه الأعنز كانت فارغة قد حلبت، والآن بعد فترة يسيرة جداً رجع اللبن إليها أكثر مما كان، فإحداث اللبن في غير وقته على خلاف العادة؛ هذه معجزة من معجزات النبي ﷺ ، وهي التي قصدها بقوله: (ما هذه إلا رحمةٌ من الله) وفي رواية قال: (هذه بركة) وهذا من تواضعه ﵊، لأنه رد الأمر إلى الله، لم يقل: هذا بسببي، وهذا بدعائي، وإنما قال: (ما هذه إلا رحمةٌ من الله) ولذلك إذا حصل للإنسان كرامة، أو حصل له شيء وفضل، فلا يقل: هذا بعرقي بذكائي بجهدي، وإنما يقول: هذا من الله وهذه فائدة عظيمة؛ أن أي فضل يحدث لك ونعمة تحدث لك، انسبها إلى المنعم، وقل: هذه من الله، وهذا من شكر النعمة؛ لأن شكر النعمة له صور كثيرة: أ- فمن شكر النعمة ألا تجحدها. ب- ومن شكر النعمة أن تنسبها إلى الله. جـ- ومن شكر النعمة أن تستخدم في طاعة الله. د- ومن شكر النعمة أن تحدث بها ولا تكتمها ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]. فشكر النعمة لها عدة طرق، وهذا منها: نسبة النعمة إلى الله . ٣ - فيه: ما كان عليه الصحابة -رضوان الله عليهم- من الجهد والمشقة والجوع، ومع ذلك تحملوا ما تحملوا في سبيل الله، لم يذهبوا يشتغلوا بالتجارة ويتركوا الدين والدعوة والعلم، وإنما كانوا مع النبي ﷺ . ٤ - وفيه: حِلم النبي ﷺ ، وحسن خلقه، وكرم نفسه، وصبره. ٥_ وفيه: إغضاؤه عن حقوقه، لم يقل: أين نصيبي من اللبن؟ بل قال: أشربتم شرابكم الليلة؟ ولو كان واحداً منا لقال: أين نصيبي؟ من الذي أخذ نصيبي؟ وربما سب ودعا على الذي أخذ نصيبه، كما يفعل بعض الناس إذا ذهب نصيبه؛ يدعو ألا يبارك لمن أخذه ولمن شربه، فمما نستفيد: أن النبي ﵊ كان عنده كرم نفس وصبر، وكان يتغاضى عن حقوقه. ٦ - وفيه: الدعاء للمحسن والخادم، ولمن سيفعل خيراً فإن النبي ﵊ لما رأى الإناء فارغاً، قال: (اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني) وهذه الدعوة لمن سيطعمه ولمن سيسقيه، ولأنه ما رأى اللبن، فقال: (اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني) لعله يأتي أحد يطعمه ويسقيه، فدعا له، وهذا دعاء لمن سيفعل له معروفاً. إذاً: الدعاء يكون لمن صنع لك المعروف في الماضي، أو لمن يصنع لك الآن، لكن هذا دعاء عجيب، هذا دعاء لمن سيصنع له معروفاً في المستقبل (اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني) في المستقبل. لذلك لو قال أحد الناس: ما هو المبرر؟ لماذا أراد المقداد أن يذبح الأعنز؟ لأنه لما سمع الدعوة: (اللهم أطعم من أطعمني) ذهب يذبح ليطعم النبي ﵊، وفسر لي شيخنا عبد العزيز هذه اللفظة: بأن المقداد لعله فعلها ليطعم النبي ﵊؛ متأولاً راجياً بركة الدعاء لما قال: (اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني). ٧ - وفيه: أن الإنسان إذا جاء إلى مجموعة ظاهرهم النوم، ولكن يحتمل أن بعضهم ما ناموا بعد، فإن طريقة السلام حينئذٍ أن يسلم بصوت متوسط لا يوقظ النائم ويسمع اليقظان حتى يرد السلام، وهكذا فعل النبي ﷺ . ٨ - وفيه: إشفاق الصحابي على نفسه، وخوف الصحابي على نفسه من أن يدعو عليه النبي ﵊؛ لأنه تسبب له في شيء من الأذى في حرمانه من نصيبه وإبقائه على الجوع، ولذلك لما علم المقداد أن النبي ﵊ قد روي وأجيبت دعوته من شدة الفرح بزوال الغم الذي كان في صدره؛ ضحك حتى سقط إلى الأرض من كثرة ضحكه، لما ذهب من حزنه، وانقلاب هذا الحزن فرحاً وسروراً بشرب النبي ﵊، وشبع النبي ﵊، ودعاء النبي ﵊، وإجابة دعاء النبي ﵊، وأن ذلك جرى على يد المقداد؛ لأنه هو الذي جاء إلى الأعنز فوجدها حفلاً، وهو الذي كان سبباً عندما شرب اللبن. ٩ - وفيه: أن الشيطان يسول للإنسان فعل المعصية ثم يندمه عليها الشيطان لا يكتفي بأن يوقع الإنسان في المعصية، بل بعدما يحدث كل شيء يأتي الشيطان ويزيد الطين بلةً، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢] فالشيطان لا يترك الإنسان حتى يقع في المعصية، وإذا وقع في المعصية كرَّ عليه مرة أخرى بالتعرض له بسيئات وسلبيات المعصية؛ حتى يركب الإنسان الهم والغم والحزن نتيجة ما حصل، فلا يكون عليه فقط سوء المعصية، وإنما عليه الهم والغم الذي حصل بعد ذلك. ١٠ - وفيه: أن المقداد عزا ما حصل إلى الشيطان وإلى تسويل نفسه، وأن الشيطان يضع الخطة، فإنه قال له: النبي ﷺ عنده أصحاب، وعنده أكل، فما تأخر إلا وقد شرب وشبع وأكل، ولا زال بـ المقداد حتى جعله يشرب نصيب النبي ﵊. ١١ - وفيه: تلطف النبي ﷺ مع أصحابه وفطنته وفراسته؛ فإنه عندما نظر إلى المقداد وهو يضحك عرف أن في أمره شيئاً، وقال: (إحدى سوءاتك يا مقداد). ١٢ - وفيه: أن الإنسان إذا حضره خير لا ينسى أصحابه، ولا ينسى جيرانه؛ فإن النبي ﵊ قال للمقداد: (أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها)، وقال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وهكذا النبي ﷺ تمنى أن يستيقظ الآخران ليشربا أيضاً. ١٣ - وفيه: تقاسم ما حضر مع الفقراء، فالنبي ﵊ لما وجد الأعنز تقاسم حلبها مع هؤلاء الثلاثة الفقراء، والاقتسام هذا يجعل فيها بركةً وأجراً، وأن الشيء إذا كان محدوداً فلا بأس أن يعطى كل واحد قسطاً، يجعل له نصيب حتى لا يتعدى على نصيب الآخر (جزأ ألبانها بيننا أرباعاً) يجعل لكل واحد ربع خاص به، فيعرف ما هو له فيشربه ولا يتعدى على نصيب غيره. ١٤ - وفيه: أن النبي ﷺ كان إذا أتى المسجد صلى وهكذا لما دخل صلى ثم جاء إلى الشراب. ١٥ - وفيه: إكرام الصحابة والأنصار للنبي ﷺ بما كانوا يتحفونه به ويطعمونه ويسقونه ﵃، وهذا من إكرامهم للنبي ﵊، وهذا من الأسباب التي حصل لهم بها رضوان الله تعالى عليهم. ١٦ - وفيه: أن الإنسان إذا جاع وبلغ الجوع به غايته، فلا بأس أن يعرض نفسه على من يطعمه، وأن ذلك لا يجعله يأثم، فإن النبي ﷺ حرَّم المسألة إلا لصاحب الحاجة، وأخبر أن الذي يسأل الناس من غير حاجة إنما يسأله خدوشاً في وجهه يوم القيامة، تأتي المسألة يوم القيامة في وجه صاحبها خدوشاً، وهذا إذا سأل وله ما يغنيه، أما هؤلاء الصحابة فإن الجوع بلغ بهم أن ذهبت أسماعهم وأبصارهم، اختلت الرؤية والسمع من شدة الجوع. ١٧ - وفيه: حمد الله على النعمة، وأن الإنسان إذا كان به جوع فلا بأس أن يزداد من الطعام، كما يحمل عليه الشبع الذي حصل في حديث أبي هريرة الذي سبق ذكره. ١٨ - وفيه: أن دعوة النبي ﵊ مستجابة. هذه بعض ما تضمنته هذه القصة اللطيفة من الفوائد. نسأل الله أن يجعلنا من أهل الآخرة، وأن يجعلنا ممن يستعين بالدنيا على مرضاة الله .

стр. 247

الأسئلة

стр. 248

حكم الاستمناء في نهار رمضان السؤال أنا شابٌ أعزبٌ ولم أتزوج لأني فقير، وفي يوم من أيام رمضان الحالي غلبت عليَّ نفسي، فأفسدت صومي بالاستمناء في نهار رمضان، فما هو الحكم في هذه الحالة؟ الجواب لا شك أن إفساد الصيام جريمةٌ من الجرائم، وكبيرةٌ من الكبائر؛ لأن هذا الصوم لما فرضه الله لا بد من الوقوف عند حدوده فيما فرض، وعدم انتهاك حدود الله تعالى، والنبي ﷺ يقول كما في الحديث القدسي: (ويدع شهوته من أجلي) وبهذا استدل العلماء على تحريم الاستمناء متعمداً في نهار رمضان؛ لأنه قال: (ويدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) والشهوة تشمل الزوجة، وتشمل الأمة، وتشمل الاستمناء؛ كل هذا داخلٌ في الحديث: (ويدع شهوته من أجلي) ولذلك فهو حرامٌ مفسد للصيام، والشيطان بعدما يوقع الإنسان في المعصية يندمه ويقول له: انظر إلى المصيبة التي فعلت! حتى ربما يصاب باليأس من رحمة الله والقنوط، فمن فعل هذا فعليه: أولاً: أن يمسك بقية يومه؛ لأن حرمة الشهر وحرمة اليوم باقية في رمضان، وبعض الناس يقول: قد فسد الصيام، فيستمر في المعاصي، وهذا خطأ، فعليه أن يمسك بقية اليوم. ثانياً: أن يقضي يوماً آخر بدلاً منه، وبما أنه ليس فيه وطءٌ، فليس فيه كفارة مغلطة: العتق، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكيناً، وإنما عليه قضاء يوم بدلاً منه. ثالثاً: التوبة إلى الله ، وعمل ما يلزم من المكفرات، من الحسنات الأخرى، كصيام النوافل؛ لأن الإنسان إذا خرق صيام الفرض، فإن الذي يرقعه الإكثار من النوافل، وإذا خرق صلاة الفرض لا يرقعها إلا الإكثار من صلاة النوافل، وكذلك إذا خرق حجه بالرفث والفسوق والجدال، فيحج حجة نافلة ترقع ما انخرق من حج الفريضة، هذا بالنسبة لمن فعل ذلك.

стр. 249

رؤية النبي ﷺ في المنام السؤال رأيت الرسول ﷺ وأنا نائمة، فهل هي رؤيا صحيحة؟ الجواب لا نحكم لأحد أبداً أنه رأى النبي ﷺ فعلاً إلا إذا رآه بصفته، فإذا قال أحد: رأيته، فنقول له: صفه لنا، فلو قال: رأيته وعيناه عسليتان، نقول: لا، عيناه ﷺ في شدة سواد مع شدة بياض، ولو قال: رأيتها صغيرة، نقول: ليست كذلك، ولو قال: رأيته أسود، أو حنطي اللون، نقول: لا، هو أبيض مشرب بالحمرة، ولو قال: رأيت شعره أجعد، نقول: لا، شعره لا سبط ولا أجعد، وإنما وسط، ولو قال: رأيته قصيراً، نقول: لا، هو بين الطويل والقصير ﷺ ، لا طويل مفرط في الطول ولا قصير، معتدل القامة، عريض ما بين المنكبين، عظيم المشاش التي هي فقرات الأصابع، ولو قال مثلاً: رأيته سميناً، نقول: لا، هو ﷺ معتدل، لا بالسمين ولا بالنحيف، ولو قال مثلاً: رأيت لحيته قصيرة جداً، أو ليس له لحية، نقول: ليس هو؛ لأن لحيته ﷺ كانت تملأ ما بين منكبيه، ولو قال: رأيت اللحية كلها بيضاء، نقول: لا، شعرات الشيب معدودة في مفرق النبي ﷺ وفي لحيته، الصحابة ما تركوا شيئاً، حتى عدد الشعرات البيضاء في شعر النبي ﵊ ولحيته كلها نقلوها. إذاً: إذا رآه بصفته فهو هو بالتأكيد، لأنه ﵊ قال: (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي) لا يستطيع الشيطان أن يتمثل في صورة النبي ﵊ الحقيقية، لكن يمكن أن يتمثل بصورة أخرى ويقول في المنام لصاحب الرؤيا: افعل كذا، أو لا تفعل كذا، ونحو ذلك، لكن لا يستطيع الشيطان أن يتمثل بشكل النبي ﵊ الحقيقي، ولو أمره بشرٍ -أيضاً- فليس هو ﷺ ؛ لأنه لا يأمر بالشر.

стр. 250

الجمع بين الصلاتين في السفر السؤال سوف أسافر في الطائرة في وقت الظهر، فماذا أفعل في صلاة الظهر؟ الجواب إذا كنت ستصل إلى هناك في وقت العصر فاجمع جمع تأخير، وإذا أردت أن تصلي في الطائرة، كأن تطلع -مثلاً- بعد العصر، أو قبل العصر من هنا، كأن يكون الإقلاع الساعة الثالثة، فما استطعت أن تصلي العصر هنا، والطائرة ستصل هناك ربما بعد أذان المغرب، فعليك أن تصلي في الطائرة، لأن العصر لا تجمع إلى المغرب حتى نقول: تصليها إذا نزلت في مطار جدة مثلاً، فلا بد من المحافظة على الصلاة في وقتها، فالوقت أهم شروط الصلاة.
следующие страницы →