Полный текст (522 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الفوائد المنتقاة من حديث المقداد
١ - هذا الحديث -ولا شك- فيه بركة دعوة النبي ﷺ .
٢ - وفيه: معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ، وهي: أن هذه الأعنز كانت فارغة قد حلبت، والآن بعد فترة يسيرة جداً رجع اللبن إليها أكثر مما كان، فإحداث اللبن في غير وقته على خلاف العادة؛ هذه معجزة من معجزات النبي ﷺ ، وهي التي قصدها بقوله: (ما هذه إلا رحمةٌ من الله) وفي رواية قال: (هذه بركة) وهذا من تواضعه ﵊، لأنه رد الأمر إلى الله، لم يقل: هذا بسببي، وهذا بدعائي، وإنما قال: (ما هذه إلا رحمةٌ من الله) ولذلك إذا حصل للإنسان كرامة، أو حصل له شيء وفضل، فلا يقل: هذا بعرقي بذكائي بجهدي، وإنما يقول: هذا من الله وهذه فائدة عظيمة؛ أن أي فضل يحدث لك ونعمة تحدث لك، انسبها إلى المنعم، وقل: هذه من الله، وهذا من شكر النعمة؛ لأن شكر النعمة له صور كثيرة: أ- فمن شكر النعمة ألا تجحدها.
ب- ومن شكر النعمة أن تنسبها إلى الله.
جـ- ومن شكر النعمة أن تستخدم في طاعة الله.
د- ومن شكر النعمة أن تحدث بها ولا تكتمها ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١].
فشكر النعمة لها عدة طرق، وهذا منها: نسبة النعمة إلى الله .
٣ - فيه: ما كان عليه الصحابة -رضوان الله عليهم- من الجهد والمشقة والجوع، ومع ذلك تحملوا ما تحملوا في سبيل الله، لم يذهبوا يشتغلوا بالتجارة ويتركوا الدين والدعوة والعلم، وإنما كانوا مع النبي ﷺ .
٤ - وفيه: حِلم النبي ﷺ ، وحسن خلقه، وكرم نفسه، وصبره.
٥_ وفيه: إغضاؤه عن حقوقه، لم يقل: أين نصيبي من اللبن؟ بل قال: أشربتم شرابكم الليلة؟ ولو كان واحداً منا لقال: أين نصيبي؟ من الذي أخذ نصيبي؟ وربما سب ودعا على الذي أخذ نصيبه، كما يفعل بعض الناس إذا ذهب نصيبه؛ يدعو ألا يبارك لمن أخذه ولمن شربه، فمما نستفيد: أن النبي ﵊ كان عنده كرم نفس وصبر، وكان يتغاضى عن حقوقه.
٦ - وفيه: الدعاء للمحسن والخادم، ولمن سيفعل خيراً فإن النبي ﵊ لما رأى الإناء فارغاً، قال: (اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني) وهذه الدعوة لمن سيطعمه ولمن سيسقيه، ولأنه ما رأى اللبن، فقال: (اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني) لعله يأتي أحد يطعمه ويسقيه، فدعا له، وهذا دعاء لمن سيفعل له معروفاً.
إذاً: الدعاء يكون لمن صنع لك المعروف في الماضي، أو لمن يصنع لك الآن، لكن هذا دعاء عجيب، هذا دعاء لمن سيصنع له معروفاً في المستقبل (اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني) في المستقبل.
لذلك لو قال أحد الناس: ما هو المبرر؟ لماذا أراد المقداد أن يذبح الأعنز؟ لأنه لما سمع الدعوة: (اللهم أطعم من أطعمني) ذهب يذبح ليطعم النبي ﵊، وفسر لي شيخنا عبد العزيز هذه اللفظة: بأن المقداد لعله فعلها ليطعم النبي ﵊؛ متأولاً راجياً بركة الدعاء لما قال: (اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني).
٧ - وفيه: أن الإنسان إذا جاء إلى مجموعة ظاهرهم النوم، ولكن يحتمل أن بعضهم ما ناموا بعد، فإن طريقة السلام حينئذٍ أن يسلم بصوت متوسط لا يوقظ النائم ويسمع اليقظان حتى يرد السلام، وهكذا فعل النبي ﷺ .
٨ - وفيه: إشفاق الصحابي على نفسه، وخوف الصحابي على نفسه من أن يدعو عليه النبي ﵊؛ لأنه تسبب له في شيء من الأذى في حرمانه من نصيبه وإبقائه على الجوع، ولذلك لما علم المقداد أن النبي ﵊ قد روي وأجيبت دعوته من شدة الفرح بزوال الغم الذي كان في صدره؛ ضحك حتى سقط إلى الأرض من كثرة ضحكه، لما ذهب من حزنه، وانقلاب هذا الحزن فرحاً وسروراً بشرب النبي ﵊، وشبع النبي ﵊، ودعاء النبي ﵊، وإجابة دعاء النبي ﵊، وأن ذلك جرى على يد المقداد؛ لأنه هو الذي جاء إلى الأعنز فوجدها حفلاً، وهو الذي كان سبباً عندما شرب اللبن.
٩ - وفيه: أن الشيطان يسول للإنسان فعل المعصية ثم يندمه عليها الشيطان لا يكتفي بأن يوقع الإنسان في المعصية، بل بعدما يحدث كل شيء يأتي الشيطان ويزيد الطين بلةً، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢] فالشيطان لا يترك الإنسان حتى يقع في المعصية، وإذا وقع في المعصية كرَّ عليه مرة أخرى بالتعرض له بسيئات وسلبيات المعصية؛ حتى يركب الإنسان الهم والغم والحزن نتيجة ما حصل، فلا يكون عليه فقط سوء المعصية، وإنما عليه الهم والغم الذي حصل بعد ذلك.
١٠ - وفيه: أن المقداد عزا ما حصل إلى الشيطان وإلى تسويل نفسه، وأن الشيطان يضع الخطة، فإنه قال له: النبي ﷺ عنده أصحاب، وعنده أكل، فما تأخر إلا وقد شرب وشبع وأكل، ولا زال بـ المقداد حتى جعله يشرب نصيب النبي ﵊.
١١ - وفيه: تلطف النبي ﷺ مع أصحابه وفطنته وفراسته؛ فإنه عندما نظر إلى المقداد وهو يضحك عرف أن في أمره شيئاً، وقال: (إحدى سوءاتك يا مقداد).
١٢ - وفيه: أن الإنسان إذا حضره خير لا ينسى أصحابه، ولا ينسى جيرانه؛ فإن النبي ﵊ قال للمقداد: (أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها)، وقال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وهكذا النبي ﷺ تمنى أن يستيقظ الآخران ليشربا أيضاً.
١٣ - وفيه: تقاسم ما حضر مع الفقراء، فالنبي ﵊ لما وجد الأعنز تقاسم حلبها مع هؤلاء الثلاثة الفقراء، والاقتسام هذا يجعل فيها بركةً وأجراً، وأن الشيء إذا كان محدوداً فلا بأس أن يعطى كل واحد قسطاً، يجعل له نصيب حتى لا يتعدى على نصيب الآخر (جزأ ألبانها بيننا أرباعاً) يجعل لكل واحد ربع خاص به، فيعرف ما هو له فيشربه ولا يتعدى على نصيب غيره.
١٤ - وفيه: أن النبي ﷺ كان إذا أتى المسجد صلى وهكذا لما دخل صلى ثم جاء إلى الشراب.
١٥ - وفيه: إكرام الصحابة والأنصار للنبي ﷺ بما كانوا يتحفونه به ويطعمونه ويسقونه ﵃، وهذا من إكرامهم للنبي ﵊، وهذا من الأسباب التي حصل لهم بها رضوان الله تعالى عليهم.
١٦ - وفيه: أن الإنسان إذا جاع وبلغ الجوع به غايته، فلا بأس أن يعرض نفسه على من يطعمه، وأن ذلك لا يجعله يأثم، فإن النبي ﷺ حرَّم المسألة إلا لصاحب الحاجة، وأخبر أن الذي يسأل الناس من غير حاجة إنما يسأله خدوشاً في وجهه يوم القيامة، تأتي المسألة يوم القيامة في وجه صاحبها خدوشاً، وهذا إذا سأل وله ما يغنيه، أما هؤلاء الصحابة فإن الجوع بلغ بهم أن ذهبت أسماعهم وأبصارهم، اختلت الرؤية والسمع من شدة الجوع.
١٧ - وفيه: حمد الله على النعمة، وأن الإنسان إذا كان به جوع فلا بأس أن يزداد من الطعام، كما يحمل عليه الشبع الذي حصل في حديث أبي هريرة الذي سبق ذكره.
١٨ - وفيه: أن دعوة النبي ﵊ مستجابة.
هذه بعض ما تضمنته هذه القصة اللطيفة من الفوائد.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل الآخرة، وأن يجعلنا ممن يستعين بالدنيا على مرضاة الله .
стр. 247
الأسئلة
стр. 248
حكم الاستمناء في نهار رمضان
السؤال
أنا شابٌ أعزبٌ ولم أتزوج لأني فقير، وفي يوم من أيام رمضان الحالي غلبت عليَّ نفسي، فأفسدت صومي بالاستمناء في نهار رمضان، فما هو الحكم في هذه الحالة؟
الجواب
لا شك أن إفساد الصيام جريمةٌ من الجرائم، وكبيرةٌ من الكبائر؛ لأن هذا الصوم لما فرضه الله لا بد من الوقوف عند حدوده فيما فرض، وعدم انتهاك حدود الله تعالى، والنبي ﷺ يقول كما في الحديث القدسي: (ويدع شهوته من أجلي) وبهذا استدل العلماء على تحريم الاستمناء متعمداً في نهار رمضان؛ لأنه قال: (ويدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) والشهوة تشمل الزوجة، وتشمل الأمة، وتشمل الاستمناء؛ كل هذا داخلٌ في الحديث: (ويدع شهوته من أجلي) ولذلك فهو حرامٌ مفسد للصيام، والشيطان بعدما يوقع الإنسان في المعصية يندمه ويقول له: انظر إلى المصيبة التي فعلت! حتى ربما يصاب باليأس من رحمة الله والقنوط، فمن فعل هذا فعليه: أولاً: أن يمسك بقية يومه؛ لأن حرمة الشهر وحرمة اليوم باقية في رمضان، وبعض الناس يقول: قد فسد الصيام، فيستمر في المعاصي، وهذا خطأ، فعليه أن يمسك بقية اليوم.
ثانياً: أن يقضي يوماً آخر بدلاً منه، وبما أنه ليس فيه وطءٌ، فليس فيه كفارة مغلطة: العتق، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكيناً، وإنما عليه قضاء يوم بدلاً منه.
ثالثاً: التوبة إلى الله ، وعمل ما يلزم من المكفرات، من الحسنات الأخرى، كصيام النوافل؛ لأن الإنسان إذا خرق صيام الفرض، فإن الذي يرقعه الإكثار من النوافل، وإذا خرق صلاة الفرض لا يرقعها إلا الإكثار من صلاة النوافل، وكذلك إذا خرق حجه بالرفث والفسوق والجدال، فيحج حجة نافلة ترقع ما انخرق من حج الفريضة، هذا بالنسبة لمن فعل ذلك.
стр. 249
رؤية النبي ﷺ في المنام
السؤال
رأيت الرسول ﷺ وأنا نائمة، فهل هي رؤيا صحيحة؟
الجواب
لا نحكم لأحد أبداً أنه رأى النبي ﷺ فعلاً إلا إذا رآه بصفته، فإذا قال أحد: رأيته، فنقول له: صفه لنا، فلو قال: رأيته وعيناه عسليتان، نقول: لا، عيناه ﷺ في شدة سواد مع شدة بياض، ولو قال: رأيتها صغيرة، نقول: ليست كذلك، ولو قال: رأيته أسود، أو حنطي اللون، نقول: لا، هو أبيض مشرب بالحمرة، ولو قال: رأيت شعره أجعد، نقول: لا، شعره لا سبط ولا أجعد، وإنما وسط، ولو قال: رأيته قصيراً، نقول: لا، هو بين الطويل والقصير ﷺ ، لا طويل مفرط في الطول ولا قصير، معتدل القامة، عريض ما بين المنكبين، عظيم المشاش التي هي فقرات الأصابع، ولو قال مثلاً: رأيته سميناً، نقول: لا، هو ﷺ معتدل، لا بالسمين ولا بالنحيف، ولو قال مثلاً: رأيت لحيته قصيرة جداً، أو ليس له لحية، نقول: ليس هو؛ لأن لحيته ﷺ كانت تملأ ما بين منكبيه، ولو قال: رأيت اللحية كلها بيضاء، نقول: لا، شعرات الشيب معدودة في مفرق النبي ﷺ وفي لحيته، الصحابة ما تركوا شيئاً، حتى عدد الشعرات البيضاء في شعر النبي ﵊ ولحيته كلها نقلوها.
إذاً: إذا رآه بصفته فهو هو بالتأكيد، لأنه ﵊ قال: (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي) لا يستطيع الشيطان أن يتمثل في صورة النبي ﵊ الحقيقية، لكن يمكن أن يتمثل بصورة أخرى ويقول في المنام لصاحب الرؤيا: افعل كذا، أو لا تفعل كذا، ونحو ذلك، لكن لا يستطيع الشيطان أن يتمثل بشكل النبي ﵊ الحقيقي، ولو أمره بشرٍ -أيضاً- فليس هو ﷺ ؛ لأنه لا يأمر بالشر.
стр. 250
الجمع بين الصلاتين في السفر
السؤال
سوف أسافر في الطائرة في وقت الظهر، فماذا أفعل في صلاة الظهر؟
الجواب
إذا كنت ستصل إلى هناك في وقت العصر فاجمع جمع تأخير، وإذا أردت أن تصلي في الطائرة، كأن تطلع -مثلاً- بعد العصر، أو قبل العصر من هنا، كأن يكون الإقلاع الساعة الثالثة، فما استطعت أن تصلي العصر هنا، والطائرة ستصل هناك ربما بعد أذان المغرب، فعليك أن تصلي في الطائرة، لأن العصر لا تجمع إلى المغرب حتى نقول: تصليها إذا نزلت في مطار جدة مثلاً، فلا بد من المحافظة على الصلاة في وقتها، فالوقت أهم شروط الصلاة.
стр. 251
معنى قوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث)
السؤال
هل معنى ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] أن أخبر الناس كم أملك من النقود؟
الجواب
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] كأن يقول الإنسان: كنت ضالاً فهداني الله، وكنت فقيراً فأغناني الله، وكنت طالباً ليس عندي شيء فأعطاني الله وأكرمني، وكنت مريضاً فشفاني الله ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] ولا يلزمه أن يقول: أنا عندي في البنك كذا وكذا، ويقول: هذا من الإخبار بالنعمة، وإلا فما معنى قول النبي ﷺ : (استعينوا على نجاح حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمةٍ محسود) معناه: أن الإنسان إذا خشي من حاسد فلا يتكلم في المجلس بما عنده من الأشياء والممتلكات حتى لا يصاب بعين هذا الحاسد، ويكون ذلك سبباً في تلف ماله، أو تلف ما عنده من النعم، هذا هو الوزن بين قضية ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] وبين: (فإن كل ذي نعمةٍ محسود) يحدث الإنسان بنعم الله عليه، ولا يحدث بطريقة تستجلب حسد الحساد، كأن يقول: عندي كذا وكذا، ثم إذا عرض ممتلكاته، ربما يكون فيها شيء من الخيلاء والفخر والغرور، فإن بعض الناس قد يقول: هذا فلان عنده ما يكفي حفيده السابع، فربما تذهب كل أمواله في طرفة عين، فإن قارون ذهبت أمواله بطرفة عين ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص:٨١] لا يزال يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، وقد قيل في حديث النبي ﷺ لما أخبر عن (رجلٍ مسبلٍ يجر إزاره كبراً وخيلاءً وغطرسة، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل بها إلى يوم القيامة) قالوا: هذا قارون، خرج على قومه في زينته ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص:٨١].
стр. 252
وسوسة النفس ووسوسة الشيطان
السؤال
ما هو الفرق بين وسوسة النفس ووسوسة الشيطان؟
الجواب
النفس أمارة بالسوء، والشيطان يأمركم بالفحشاء، فكلها تجتمع في الأمر بالسوء، وربما يكون الاثنين جميعاً، وربما تكون وسوسة النفس فقط، ولو قال أحد الناس: حسناً! إذا كانت الشياطين مصفدة في رمضان، فمن أين هذه المعاصي؟ نقول: أولاً: المصفدة هي المردة وليس كل الشياطين.
ثانياً: لو كانت كل الشياطين مصفدة، فمعك النفس الأمارة بالسوء ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] ولو كان كل الشياطين مصفدة المردة وغير المردة، فعندك شياطين الإنس يشتغلون ليلاً ونهاراً، هذه القنوات الفضائية هي من شياطين الإنس، والظاهر الآن أن الشيطان استراح، بعض الناس لا يحتاج إلى أن يشتغل معهم؛ لأن العمل مستمر تلقائياً، لا يحتاج إلى تدخل، وعندما جاء أحد الناس وقال لأحد علماء المسلمين: إن أحد الأحبار والرهبان يقول: إننا نحن اليهود لا نشعر بأي وسوسة في الصلاة، عندما ندخل الكنائس أو البيع!! فقال: وماذا يفعل الشيطان في البيت الخرب؟ هو كافر ومشرك، وكل الطقوس الذي يقوم بها في الكنيسة أو في المعبد شرك في شرك، فلا يحتاج الشيطان إلى أن يتعب نفسه، ماذا يفعل الشيطان في البيت الخرب؟ الشيطان يذهب إلى هؤلاء الموحدين ويؤذيهم في صلواتهم.
стр. 253
حكم استعمال الحقنة في الدبر في نهار رمضان
السؤال
هل الحقنة المائية في الدبر تفطر أم لا؟
الجواب
رجح شيخ الإسلام ﵀ أن الحقنة في الدبر لا تفطر، ومن العلماء من ذهب إلى أنها تفطر، ولكنهم قالوا: ليس هذا منفذ طبيعي لدخول الغذاء إلى الجسم، ولذلك فإنها لا تفطر.
стр. 254
الصلاة بوضوء مس المصحف
السؤال
إذا توضأت لقراءة القرآن فهل تصح الصلاة بهذا الوضوء؟
الجواب
إذا قصدت رفع الحدث والطهارة -وهذا الذي يقصده من أراد أن يقرأ القرآن ويمس المصحف- فإنه يجوز لك أن تصلي بهذا الوضوء.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 255
قصة جريج العابد
هو رجل صالح من بني إسرائيل، قيل: إنه ان يشتغل بالتجارة، وأنه كان ينقص مرة ويزيد أخرى، أي: يربح ويخسر، فقال: ليس في هذه التجارة خير؛ لألتمسن تجارة هي خير من هذه، فبنى صومعة وترهب فيها، فجاء ذكر قصته على لسان رسولنا ﷺ ، لما فيها من العظة والعبرة، وقد ذكر الشيخ الحديث بنصه ثم شرحه شرحاً موسعاً.
стр. 256
حديث جريج
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فهذه القصة التي بين أيدينا هي قصة مِن أنباء مَن قد سبق، قصها علينا النبي ﷺ وهو الذي لا ينطق عن الهوى، وهي قصة جريج الراهب، ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ النجم:٤]، التي حدثنا بها النبي ﷺ فيما جاء عنه في الحديث الصحيح.
وهذه القصة رواها البخاري ﵀، ورواها الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وكذلك رواها الإمام أحمد ﵀.
ورواية الإمام مسلم رحمه الله تعالى، يقول فيها النبي ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلاً عابداً، فاتخذ صومعة فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي -أيهما أقدم؟ - فأقبل على صلاته، فانصرفت -أي: أمه- فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج! فقال: أي ربِّ، أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت: يا جريج! فقال: أي ربِّ! أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات.
فتذاكر بنو إسرائيل جريجاً وعبادته، وكانت امرأة بغي يُتَمَثَّل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفْتِنَنَّه، فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعياً كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها، فوقع عليها -الراعي- فحملت.
فلما ولدت قالت: هو من جريج -الولد ولد الزنا من جريج - فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيتَ بهذه البغي، فولدت منك، قال: أين الصبي؟ فجاءوا به، فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى فلما انصرف أتى الصبيَّ فطعن في بطنه وقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: فلان الراعي، فأقبلوا على جريج يقبِّلونه ويتمسحون به وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا.
أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا).
وكذلك فإن النبي ﷺ ذكر لنا قصة المرأة التي كان معها الرضيع في هؤلاء الثلاثة؛ ولكن سنقتصر على قصة جريج؛ لأنها هي موضوعنا في هذه الليلة.
стр. 257
شرح حديث جريج
قوله ﵊: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة): لقد نُقِل أن عدداً من الناس قد تكلموا في المهد، مثل: صاحب الأخدود، وغيره؛ ولكن النبي ﷺ تكلم بحسب ما يعلم، وبحسب ما أوحي إليه في ذلك الوقت، هذا إذا صحت الروايات برابع أو خامس أو ما زاد عن هؤلاء الثلاثة المذكورين في الحديث: عيسى، والولد في قصة جريج، وكذلك ولد المرأة الذي كان يرتضع، ثم تكلم عندما تمنت أن يكون مثل فلان، ودعت ألا يكون مثل فلان.
فـ جريج ﵀ كان في بني إسرائيل، وقيل: إنه كان رجلاً تاجراً في بني إسرائيل، وكان ينقُص مرة ويزيد أخرى، يعني: تجارته ترتفع وتنخفض، تربح وتخسر، فقال: ليس في هذه التجارة خير، لألتمسن تجارة هي خير من هذه، فبنى صومعةً وترهَّب فيها، وهذا يدل على أن جريجاً كان بعد عيسى ﵇، وأنه كان من أتباعه؛ لأن أتباعه هم الذين ترهبنوا وحبسوا أنفسهم في الصوامع.
والصومعة: بناء مرتفع محدد الأعلى، رأسه دقيق، كان رهبان بني إسرائيل يعتكفون فيها -في الصوامع- يعبدون الله.
وبينما كان جريج يتعبد في صومعته جاءته أمه، وفي العادة كانت أمه تأتيه فتناديه فيشرف عليها فيكلمها فأتته يوماً وهو في صلاته، فنادته، ثم المرة التي بعدها صادف أن كان في الصلاة، فنادته، والمرة الثالثة نادته وكان في صلاة فقالت: أيْ جريج! أشرف علي أكلمك، أنا أمك، فكان يختار الإقبال على صلاته، احتار في البداية، أبى أن يجيبها، وقال في نفسه: (رب أمي وصلاتي) أي: اجتمع عليَّ واجبان، اجتمع علي إجابة أمي وإتمام صلاتي، فوفقني لأفضلهما، وفي رواية: (فصادفته يصلي فوضعت يدها على حاجبها فقالت: يا جريج! فقال: يا رب أمي وصلاتي، فاختار صلاته -اجتهد واجتهاده أن يقبل على صلاته- فرجعت ثم أتته فصادفته يصلي فقالت: يا جريج! أنا أمك فكلمني، فقال مثل ذلك) ثلاث مرات تناديه في كل مرة وهو يؤثر صلاته على أمه.
هو قال ذلك في نفسه؛ لأنه لا يتكلم في الصلاة، قال في نفسه: أمي أو صلاتي؟! ويحتمل أنه يكون نطق بذلك لأن الكلام عندهم كان مباحاً في العبادة، وكذلك كان في صدر الإسلام، ثم لما نزل قول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] امتنع الكلام في الصلاة، في ديننا كان الكلام في الصلاة مباحاً، فكان الرجل إذا جاء إلى الجماعة وجدهم يصلون مع النبي ﷺ ، وقرأ النبي ﵊ آية، فيقول لمن بجانبه: متى نزلت هذه؟ أو هذه من أي سورة؟ ونحو ذلك، فيجيبه، فلما نزل قول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] امتنعوا عن الكلام في الصلاة، وحرم الكلام في الصلاة.
ويقول: وجاء في بعض الروايات: (لو كان جريجٌ عالماً لعلم أن إجابة أمه أولى من صلاته) لما صادف ثلاث مرات أن جريجاً لا يطيع أمه لما نادته ولا يكلمها لاشتغاله بالصلاة وترجيحه الصلاة على إجابة أمه، تضايقت الأم ودعت الله، فقالت: (اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات) وفي رواية: (حتى ينظر في وجوه المياميس).
وفي رواية: (حتى تريه المومسة).
وفي رواية: (فغضبت فقالت: اللهم لا يموتن جريج حتى ينظر في وجوه المومسات) المومسات: جمع مومسة، والمومسة هي: الزانية، وتُجمع على مواميس أيضاً.
ووقع في رواية: (قالت: أبيتَ أن تطَّلِع، لا أماتك الله حتى تنظر في وجهك زواني المدينة).
بعد ذلك حدث أن بني إسرائيل الذين كانوا في بلده ومعه تناقشوا في عبادة جريج، وذكروا كيف كان يعبد ويطيل العبادة ويتفرغ للعبادة، وينقطع للعبادة، فقالت بغي منهم: (إن شئتم لأفتننه، قالوا: قد شئنا -وكانوا قومَ بُهْت، كانوا قوماً فَسَقَة فَجَرَة، ما عندهم مانع أن تتعرض الزانية للعابد- قالوا: قد شئنا، فأتته فتعرضت له فلم يلتفت إليها، فأمكنت نفسها من راعٍ -راعي غنم- كان يؤوي غنمه إلى أصل صومعة جريج) الراعي كان يؤوي الغنم إلى أصل صومعة جريج في الأسفل، فهذه المرأة لما لم يلتفت إليها جريج ولا تعرض لها، أمكنت نفسها من هذا الراعي، فزنى بها، ووقع عليها، وكانت تعمل الفساد، وظنت أنها تستطيع أن تفتن جريجاً، ولكن لم يتعرض لها ولم يلتفت إليها.
لما وقع عليها الراعي حملت فولدت غلاماً: (فأتت بني إسرائيل فقيل لها: ممن هذا؟ -ممن هذا الغلام؟ - قالت: من صاحب الصومعة -نزل إلي من صومعته-.
وفي رواية: فقيل لها: مَن صاحبك؟ -أي: الزاني؟ - قالت: جريج الراهب، نزل إلي فأصابني.
وفي رواية: فذهبوا إلى الملك فأخبروه، قال: أدركوه فأتوني به، فأتوه، فكسروا صومعته، وأنزلوه.
وفي رواية: فأقبلوا بفئوسهم ومساحيهم إلى الدير فنادوه فلم يكلمهم فأقبلوا يهدمون ديره فما شعر حتى سمع بالفئوس في أصل صومعته فجعل يسألهم: ويلكم! ما لكم؟ فلم يجيبوه، فلما رأى ذلك أخذ الحبل فتدلى، أخذوه وضربوه وسبوه، قال: ما شأنكم؟ قالوا: إنك زنيت بهذه.
وفي رواية: فقالوا: أي جريج انزل، فأبى، يقبل على صلاته -مشتغلٌ بالصلاة- فأخذوا في هدم صومعته، فلما رأى ذلك نزل فجعلوا في عنقه وعنقها حبلاً وجعلوا يطوفون بهما في الناس، فقال له الملك: ويحك يا جريج! كنا نراك خير الناس فأحبلت هذه، اذهبوا به فاصلبوه.
وفي رواية: فجعلوا يضربونه ويقولون: مُراءٍ، تخادع الناس بعملك، قال: دعوني حتى أصلي، فتوضأ -وهذا دليل على أن الوضوء كان في الأمم مِن قبلِنا، وصلى ودعا الله تعالى -صلى ركعتين، ودعا الله تعالى- ثم أتى الغلام فطعنه بأصبعه في بطنه - جريج طعن الغلام بأصبعه في بطنه لكي ينتبه الغلام مع أن الغلام رضيع لا يفقه شيئاً- فقال: بالله يا غلام من أبوك؟ قال الغلام: أنا ابن الراعي.
وفي رواية: ثم مسح رأس الصبي، فقال: من أبوك؟ فقال: راعي الضأن.
وفي رواية: فأُتي بالمرأة والصبي وفمه في ثديها، فقال له جريج: يا غلام! من أبوك؟ فنزع الغلام فاه من الثدي وقال: أبي راعي الضأن -فيُحمل هذا على أنه مسح برأس الصبي أولاً، ووضع إصبعه، طعن بإصبعه في بطنه، وسأله بعد ذلك- فنطق الغلام فأبرأ الله جريجاً، وأعظم الناس أمر جريج، فسبح الناس وعجبوا، قالوا: نبني صومعتك من ذهب؟ قال: لا.
إلا من طين، ابنوها طيناً كما كانت.
وفي رواية: قالوا: نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة، قال: لا.
ولكن أعيدوه كما كان.
وفي رواية: فقال له الملك: نبنيها من ذهب؟ قال: لا.
قالوا: من فضة؟ قال: لا.
إلا من طين.
وفي رواية: فردوها كما هي فرجع في صومعته، فقالوا له: بالله مِمَّ ضحكت؟ فقال: ما ضحكت إلا من دعوة دعتها أمي).
стр. 258
فوائد حديث جريج
في هذا الحديث:
стр. 259
إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع
إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع إذا نادته أمه: الواحد منا إذا نادته أمه أو ناداه أبوه، وهو يصلي صلاة نافلة، فإن كان يعلم أن أمه ستغضب إذا لم يجبها فإنه يقطع الصلاة ويجيبها، وإذا علم أنها تتحمل لو أتمها خفيفة، أتم النافلة خفيفة وأجاب أمه وأباه وإذا كانت صلاةَ فريضة خَفِّفْ الفريضة، قَصِّر القراءة والركوع والسجود ثم سلم وأجب أمك أو أباك.
إذاً: يؤخذ من هذا الحديث: - تقديم إجابة الأم على صلاة النافلة، وإذا أمكن التخفيف فليخفف ثم يُجب.
- الفرض يخففه ويجيب أمه.
стр. 260
تقدير شعور الأم
ثانياً: أن الأم تشتاق إلى ولدها فتزوره وتقتنع برؤيته وتكليمه وأن مناها في رؤية ولدها هو الكلام والحديث إليه: ولذلك فينبغي على الابن أن يقدر شعور الأم، ولا يقول: وماذا يفيدها النظر إلى وجهي؟! وماذا يفيدها الكلام معي؟! فنقول: هذا قلب أم والأم تشتاق إلى ولدها، وتحن إليه، وهي متعلقة به، ورؤياه عندها تساوي الدنيا وما فيها، وحديثها إلى ولدها جد مهم بالنسبة لها، ولذلك ينبغي على الإنسان أن يقدر شعور أمه.
وبعض الناس إذا كبروا وانشغلوا بالحياة والوظائف والسفر من بلد إلى بلد، أصبحوا لا يقدرون شعور الأم، وربما لا يقدر إلا إذا صار أباً أو صارت البنت أماً في المستقبل، فتتذكر وتقول: رحمة الله على أمي، أو رحم الله أمي، كانت تقنع بنظرة وتريد الرؤيا واللقيا والكلمة، فعند ذلك يحس الإنسان بشعور الأب أو الأم إذا صار هو أباًَ أو صارت هي أماً.
ولذلك ينبغي أن ينتبه قبل فوات الأوان، وأن الإنسان لو طلبَت منه أمه أن يأتي إليها، كأن تتصل به من بلدها وهو -مثلاً- من الجنوب ويسكن في الشرقية، أو كانت أمه في مصر وهو يعمل هنا، فطلبت منه أن يأتي لرؤيتها، فلا يقل: أنا أين وهي أين! أنا في شغل وأشغال مهمة وهي تريد رؤيتي! وماذا تستفيد من رؤيتي؟! فنقول: الأم هكذا قلبها، معلق بولدها، تريد رؤيته والحديث إليه، وتقر عينها عندما يكون ولدها عندها، ولذلك لا يقول الإنسان: أسافر الآن من أجل أمي؟! فنقول: إذا كان السفر ممكناً ولا يضرك فسافر من أجلها والقَها وانزل إليها ومُرَّ بها فإن في ذلك البركة.
ولذلك فإن الإنسان إذا كان عند والديه في البلد لا أقل من أن يمر بهما يومياً من الباب ويسلم عليهما، وأن يحييهما في المساء، أو في الصباح تحية، والرؤيا فيها فائدة عظيمة للأم، فلا يصح أن تُفَوَّت عليها بحال.
стр. 261
كراهية دعاء الأم على ولدها بشر
الفائدة الثالثة من فوائد الحديث: أن الأم لا ينبغي أن تدعو على ولدها بشر: لأن دعاء الأم مستجاب، ولو دعت عليه بشر ربما وقع ذلك فتتأسف وتقول: يا ليتني لم أدعُ عليه: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس:١١] من رحمة الله أنه لا يستجيب لنا كل دعاء دعونا به على أنفسنا أو على أولادنا، ولو أن الله يستجيب لنا كل دعاء ندعو به على أنفسنا أو أولادنا لهلكنا وهلك أولادنا منذ زمن بعيد، ولكن قد توافِق الدعوة وقت استجابةٍ وسماءٍ مفتوحةٍ فيقع المكروه بسبب الغضب والاستعجال.
ولذلك فإنه لا ينبغي للأب أو الأم الدعاء على الولد، إنما يدعو للولد بالهداية والصلاح.
ثم إن أم جريج كان دعاؤها أن يجري على ولدها ما يؤدبه، دعت دعاء خاصاً، ما دعت عليه بأن يقع في الفاحشة، وما دعت عليه بأن يقتل ويموت، دعت عليه بأن يريه الله وجوه المومسات، حتى ينتبه ويعي ويرجع ويعرف قدر الأم ودعوة الأم إلى أين تصل.
стр. 262
دعوة الوالدة على ولدها مستجابة
والفائدة الرابعة: أن دعوة الوالدة مستجابة: يقول النبي ﷺ : (دعوة الوالد لولده ودعوة الوالد على ولده كلاهما مستجاب).
стр. 263
صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن
والفائدة الخامسة: أن صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن: فنلاحظ أن جريجاً لما كان متفرغاً للعبادة مقبلاً على الله كان صاحب قلب قوي، وإيمان سوي، ولذلك ما ضرته المرأة لما تعرضت له، والإنسان لو كان إيمانه ضعيفاً، فدعته امرأة وهي ذات جمال ربما يقع، لكن عندما يكون الإنسان صاحب دين وصاحب عبادة، ليس فقط لا يقع، وإنما لا يلتفت أصلاً، ولذلك جاء في القصة أن جريجاً رحمه الله تعالى لم يلتفت إليها، قال في الحديث: (وكانت امرأة بغي يُتَمَثَّل بحسنها فقالت: إن شئتم لأفتننه، فتعرضت له فلم يلتفت إليها) فلم يلتفت، فالإنسان إذا كان صاحب دين قوي عصمه الله من الفتن.
стр. 264
سد الذرائع
سادساً: سد الذرائع: لا يكفي أن الإنسان ينظر بعينه ويقول: لا.
أنا أخاف الله رب العالمين، وإنما لا يلتفت أصلاً.
فيستفاد من القصة: غض البصر، وأن الدفع أسهل من الرفع، يعني: إذا دفعتَ عنك المنكر من أوله، فقد قطعت الطريق من أوله، وذلك أسهل من أن تتمادى فيه ثم تريد أن تخرج، نضرب مثالاً: لو أن إنساناً معه فرس، فأراد الفرس أن يدخل في دهليز ضيق، لو أنه منع الفرس من دخول هذا الدهليز الضيق لسهل عليه توجيه الفرس إلى أي جهة يريد؛ لأنه لم يدخل بعد، لكن إذا دخل الفرس في الدهليز الذي لا يكاد يتسع لدخول فرس واحد فما رأيكم بسهولة إخراجه؟! يصعب على الفرس أن يلتفت يميناً، وشمالاًَ؛ لأن رأسه صار إلى الداخل، وكذلك إذا توجه الشخص فالخروج صعب، وكلما أوغل في هذا الدهليز، يصعب إخراجه أكثر وأكثر.
ولذلك إذا منعه من الدخول كان توجيهه أسهل ما يكون، أما إذا دخل فإن توجيهه من أصعب ما يكون.
ولذلك ينبغي قطع الطريق عن الوقوع في المعصية من أولها بمسألة غض البصر.
فإن قال لك قائل: هذه الشهوات طرائق وسبل، على كل سبيل شيطان، يدعونا للدخول في هذه الشهوات.
ما هي الطريقة لكي ننقذ أنفسنا من الشهوات، فلا نستجيب للشهوات، ولا نتأثر بها، ولا نجري وراءها، ولا تستقر في نفوسنا وقلوبنا، ولا تتشرب قلوبنا هذه الشهوات؟ نقول: أسهل طريقة أن تغض بصرك، ولذلك الأعمى من منة الله عليه في كثير من الأحيان أنه لا يرى، يعني: لا يُفْتَن بالنظر؛ لأنه لا يرى، والمبصر مبتلى بالنظر، ولذلك كلما قوي الإيمان كان حجز النفس عن المعصية أقوى، ولذلك جريج لم يلتفت إليها أصلاً.
стр. 265
الفزع إلى الصلاة عند حدوث المكروه
الفائدة السابعة: الفزع إلى الصلاة عند حدوث المكروه: فإن جريجاً لما ضربوه وسبوه وشتموه واتهموه بأنه هو الذي زنى بالمرأة قال: (دعوني أصلي) فصلى حتى تقوى الصلة بالله، ويكون الدعاء أحرى بالإجابة، ثم دعا الله.
وهذا فيه تأكيد وإعادة لما سبق استخراجه من أحاديث متقدمة وقصص: أن الفزع إلى الصلاة عند الملمات من الأمور المهمة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣]، (كان إذا حزبه أمر صلى)
стр. 266
قوة اليقين والرجاء بالله تعالى
الفائدة الثامنة: قوة اليقين والرجاء بالله تعالى، وأن الإنسان إذا كان يقينه بالله قوياً خرق الله له العادة: وقد انخرقت العادة من قوة يقين جريج قال: (يا غلام! من أبوك؟) ما أنزل عليه وحي بأن الغلام سينطق: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة:٦٠]! ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء:٦٣]! لا.
هو أقبل عليه وقال: (يا غلام! من أبوك؟) بكامل اليقين بالله والتوكل على الله، فأنطق الله الولد، وانخرقت العادة بقوة إيمان جريج ويقينه بالله تعالى، ولولا صحة رجاء جريج بالله وتعلقه به ورجائه من الله أن ينقذه ما نطق الغلام، ولكن لصحة رجاء جريج نطق الغلام.
стр. 267
إثبات كرامات الأولياء
تاسعاً: إثبات كرامات الأولياء: وقد مر معنا هذا سابقاً، إثبات كرامات الأولياء، وجريج من أولياء الله، ومن كرامات جريج نُطْق الغلام ببراءته.
стр. 268
بعد كل شدة مخرج
عاشراً: أن الله يجعل لأوليائه عند الابتلاء مخارج:-
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرِجت وكنت أظنها لا تُفْرَجُ
ولرُبَّ نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرجُ
فإذا استحكمت حلقاتها وضاقت يأتي الفرج، متى يأتي الفرج؟ حين يظن الشخص أنه لا حيلة، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠] فيأتي الفرج عندما تضيق الأمور وتصل إلى القمة في الشدة، وعند ذلك يأتي الفرج، ضربوه وشتموه وسبوه وكسروا صومعته واتهموه وبعدها جاء الفرج.
стр. 269
إذا تعارض أمران بدئ بأهمهما
والحادي عشر: إذا تعارض أمران بُدِئ بأهمهما: إذا تعارض عندك أمران ولا تستطيع أن توفق بينهما، تبدأ بالأهم.
تؤخذ هذه القاعدة من قول جريج في الحديث: (أمي أو الصلاة).
قلنا: إن الإنسان إذا كان في فريضة خففها.
وإذا كان في نافلة: فإن كان تخفيفها لا يغضب أمه خففها وأتمها وأجاب.
وإن كانت تغضب أمه قطعها.
فإذا علم تأذي الوالد وجب عليه الترك وإجابة الوالد، وإلا فالأصل إتمام الصلاة، يقول الله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] فالإنسان لا يقطع الصلاة لأي سبب ويمشي، وإنما إذا وُجِد سبب قوي قطع الصلاة، وإذا لم يجد سبباً أقوى من الصلاة فيستمر في الصلاة، ولا يبطل عمله؛ لأن الصلاة تلزم بالشروع، يعني: إذا كبرت تكبيرة الإحرام وجب عليك إتمامها، مثل الحج والعمرة إذا أحرم الإنسان وجب عليه الإتمام لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] حتى لو كان نفلاً يجب عليه أن يتمه، فالصلاة إذا دخل الإنسان فيها ولو كانت نافلة فإنه يجب إتمامها؛ لأن قطعها فيه دلالة على اللامبالاة بالدين وبأمره، ولو كانت نافلة، ما دام أحرم بها يجب عليه أن يتمها، ولذلك قال العلماء: تلزم بالشروع.
هل هذا الحكم -كما قلنا- يختص بالأم؟ ذهب إلى ذلك بعضهم، ولكن الصحيح أن الأب والأم في هذا الحكم سواء.
فإذاً: نرجع إلى القاعدة وهي: إذا تعارض عندك أمران فإنك تبدأ بالأهم.
مثال آخر: إذا شرعت في نافلة اللحظة وأقيمت صلاة الفرض: هذا تعارض ولا يمكن أن تتم الفرض وتتم النافلة وقد أقيمت الفريضة، فعند ذلك ماذا تفعل؟ تقطع النافلة بالنية، بدون تسليم، وتدخل مع الإمام في الفريضة؟ مثال آخر: حلول الدين والحج: فإذا صار الإنسان مطالباً بالدين يقدم الدين على الحج؛ لأن الحج يجب عند الاستطاعة، وحيث أنه مطالبٌ فلا استطاعة.
وإذا تعارض الزواج والحج فأيهما يقدم؟ فيها تفصيل: إذا كان يخشى العنت، ويخشى الوقوع في الإثم، أو في الحرام، ففي هذه الحالة يقدم الزواج.
أما إذا علم من نفسه أنه يستطيع أن يصبر فيقدم الحج.
مثال آخر على التقديم إذا تعارض أمران: الجهاد وبر الوالدين: يقدم بر الوالدين، ولا يذهب للجهاد إلا بإذنهما، لكن إذا دهم العدو بَلَدَه وجب عليه الخروج للجهاد ولو ما أذن الوالدان؛ لأن هذا أهم، في الحالة الأولى كان بر الوالدين أهم، وفي الحالة الثانية أصبح الجهاد أهم.
إذاً: هناك حالات تتغير الأمور فيها، في نفس القضية الحكم يتغير بحسب الحال.
مثال آخر على تعارض أمرين، وتقديم الأوجب! لكن كيف نتصور التعارض؟ مثال: امرأة عليها من رمضان عشرة أيام، وولدت في العشرين من رمضان، وطهرت في العشرين من شوال، ولو أنها أرادت أن تقضي الصيام لا يتوفر لها ستة أيام من شوال؛ لأن القضاء سيأتي على بقية الشهر، ولو قدمت صيام ستة أيام من شوال لقدمت النفل على الفريضة.
في هذه الحالة ماذا تقدم؟ تقدم الفريضة؛ لأن الوقت لو كان مُتَّسِعاً لقلنا لها: صومي عشرة أيام قضاء أولاً، ثم صومي ستاً من شوال.
لكن الشهر لم يبق منه إلا عشرة أيام فتقدم إذاً صوم رمضان.
ثم إن الأجر في الحديث مقيد: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال) فلا بد أن يستوفي أول شيءٍ عدة رمضان كاملة، ثم يصوم ستاً من شوال، وليس: (مَن صام عشرين يوماً من رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال)! فيشترط استيفاء رمضان كله.
مثالٌ آخر! الصلاة ومدافعة الأخبثين، وكذلك إذا حضر العِشاء والعَشاء: إذا حضر العِشاء والعَشاء فيقدم العَشاء وليس هذا دليلاً على أن الأكل أهم من الصلاة، لا.
لكن الخشوع أولى من عدم الخشوع.
فإذاً: صلاة بخشوع مقدمة على صلاة بغير خشوع.
وكذلك يقدم قضاء الحاجة على الصلاة.
مثال آخر: رجل اكْتُتِب في غزوة وامرأته قد ذهبت للحج بغير محرم فكيف يصنع؟ عليه أن يلحق بامرأته؛ لأن هذا أهم وأوجب وأولى من ذاك، وقد يغزو غيرُه؛ ولكن زوجته هو المحرم الوحيد لها.
وكذلك لو تعارض -مثلاً- إنقاذ نفس معصومة مع الصيام: فيقدم إنقاذ النفس المعصومة، ويقضي بعد ذلك هذا اليوم.
المهم أن هناك أمثلة عديدة يتعارض فيها واجبان مع بعضهما البعض، فيقدم الإنسان الأهم، لكن هذا يعتمد على ماذا؟ على الفقه؛ كيف يعرف الأهم؟ هنا السؤال، إدراك التعارض ممكن، يعني: قد يدرك بعض الناس التعارض، لكن ما هو الأهم؟ وكيف تعينه؟ هذا يحتاج إلى علم، ويحتاج إلى فقه.
стр. 270
جواز الأخذ بالأشد في العبادة لمن علم من نفسه القدرة على ذلك
الفائدة الثانية عشرة: جواز الأخذ بالأشد في العبادة لمن علم من نفسه القدرة على ذلك: فمثلاً الانقطاع للعبادة إذا كان الإنسان سيصبر ولا يسأل الناس، ويكتفي بالقليل ويقنع بما عنده، وما عنده يكفيه لو أن إنساناً تصدق بماله كله في سبيل الله، ما هو الحكم؟ جائز، وكيف لا يجوز وقد فعله أبو بكر الصديق؟!.
نقول: إذا كان يطيق ويصبر، يتصدق بماله كله، أما أن يتصدق بماله كله اليوم، وغداً نلقاه عند باب الجامع، فهذا لا يمكن، ولم يفعل الشيء المستحب ولا الأفضل.
فإذا كان سيصبر ويقينه بالله قوي، وأن الله يرزقه غداً أو بعد غدٍ، وأنه لو جاع اليوم ستنفرج غداً، فيتصدق بماله كله لا مانع، قال أبو بكر: [أبقيت لهم الله ورسوله] هو نفسه قال: [أبقيت لهم الله ورسوله] فالنبي ﷺ سكت، وأقر على ذلك؛ ولكن قال لـ كعب بن مالك: (أمسك عليك بعض مالك) لما نذر أن يتصدق بماله كله اكتفى منه بالثلث.
стр. 271
مرتكب الفاحشة لا تبقى له حرمة
الثالثة عشرة: أن مرتكب الفاحشة لا تبقى له حرمة: ولذلك ضربوه وسبوه وشتموه وكسروا صومعته، ولكن كان بريئاً، لكن لو عُثِر عليه وهو يرتكب الفاحشة فيشتم ويُسَب ويُضْرَب ويُهان ويُذَل؛ لأنه ارتكب فاحشة.
стр. 272
ابن الزنا ينسب لأمه
الرابعة عشرة: أن ابن الزنا في شريعتنا ينسب لأمه، وفي شريعتهم الله أعلم ماذا كان الأمر: هو قال أنه ابن الراعي، قال: (يا غلام! من أبوك؟ قال: الراعي).
ويُحتمل أن يكون تجري بينهم أحكام الأبوة والبنوة، ولكن في شريعتنا لا يُنسب الولد للزاني وإنما يُنسب للزانية.
стр. 273
اتخاذ مكان للعبادة
الفائدة الخامسة عشرة: اتخاذ المكان للعبادة: لو أن إنساناً جعل في بيته مكاناً نظيفاً هادئاً طاهراً يصلي فيه، فهذا أمر طيب، ولا بأس بذلك.
стр. 274
جواز التفكير أثناء الصلاة في أمرٍ مشروع
الفائدة السادسة عشرة: أن الإنسان قد تتنازعه مسألة علمية وهو في الصلاة، قال: (يا ربِّ! أمي وصلاتي)، (أيْ ربِّ! أمي وصلاتي) فلا بأس أن يفكر بجوابها إذا كان لا بد أن يخرج بقرار الآن وهو في الصلاة، مثل أن يتردد هل يسجد للسهو أو لا، وجلس يفكر في الصلاة، هل يسجد قبل السلام أو بعده؟ وظل يتذكر أقوال العلماء ونحو ذلك، فهذا لا يضر بالصلاة؛ لأنه من مصلحة الصلاة.
стр. 275
دعاء الله بالتوفيق والصواب
الفائدة السابعة عشرة: أن الإنسان المسلم يحتاج أن يدعو ربه بالتوفيق للصواب؛ لأن جريجاً قال: (أيْ ربِّ! أمي وصلاتي) فالإنسان إذا تعارضت عنده مسألتان أو قولان أو رأيان ولم يدر أيهما أصوب، ماذا عليه أن يفعل بالإضافة إلى البحث والسؤال؟ أن يسأل الله أن يوفقه للقول الصواب، (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) هذا الدعاء قاله النبي ﷺ في قيام الليل، يدعو الله ، وهو النبي الذي يوحى إليه وهو أرجح الأمة عقلاً، وأعلمها بما علمه الله ومع ذلك يقول: (اهدني لما اختلف فيه) لاحظ! سبحان الله! النبي ﷺ يقول: (اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك) نحن أولى؛ لأن الأمور تختلف علينا أكثر بكثير، فأولى أن نسأل الله إصابة الصواب.
وكان شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي رحمه الله تعالى إذا استشكل عليه الأمر، وصَعُب عليه يقول: يا معلم إبراهيم! علمني، ويا مفهم! سليمان فهمني، ولا زال يلح على الله ويدعو الله حتى تنجلي له المسألة.
فأحياناً لا تكفي قضية البحث والتمعُّن وإمعان النظر، فإذا لم يأت من الله عون لا يمكن للإنسان أن يدرك الراجح.
стр. 276
وجود الحسدة في كل زمان ومكان
الفائدة الثامنة عشرة: أن هناك حَسَدَة.
بنو إسرائيل لما تذاكروا جريجاً وعبادته حسدوه، والبَغِيُّ لما قالت: (إن شئتم لأفْتِنَنَّه! قالوا: شئنا) ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] فحسد الصالحين على صلاحهم شيء موجود، وبعض الناس يُحْسَدون على أموالهم، ويُحْسَدون على ثيابهم، وعلى سياراتهم وبيوتهم، يعني: حسد على الدنيا، وبعض الناس يُحْسَدون على دينهم، فإن كان حسداً بمعنى الغبطة، يعني: أن يتمنى الإنسان أن يكون عنده إيمان قوي وعبادة مثل ما عند فلان من العباد، أما إن كان حسداً كأن يتمنى أن هذا الصالح يُفْتَن ويَضِل، كما قال بنو إسرائيل للبغي: (شئنا) يعني: تعرضي له، فهذه من المصائب، وهي موجودة، وقد يُبْتَلى بها بعض عباد الله الصابرين، يبتلون بمن يريد أن تزول عنهم الهداية، أن تزول عن هذا العابد الهداية وعن طالب العلم العلم، والعياذ بالله، فليس إلا الصبر والاعتصام بالله .
стр. 277
وجود من يستغل إمكانياته في إضرار الناس
الفائدة التاسعة عشرة: أن بعض الفجرة يستعملون إمكاناتهم في إضرار الناس: انظر إلى المرأة هذه، فهي تستطيع أن تفجر مع أي إنسان، يعني: الباب مفتوح، تذهب إلى الراعي مباشرة من غير شيء؛ لكن قد يستجريها الشيطان ويجعلها تتفنن وتريد إضلال الإنسان التقي، يعني: هناك بعض الفاجرات يمكن أن تتخصص وتوجه جهودها لفتنة الصالحين، فالمسألة عندها ليست فقط مسألة قضاء وطر وشهوة مع فاجر مثلها وتنتهي القضية وإنما قضية كيد أيضاً.
стр. 278
كيد النسوة عظيم
الفائدة العشرون: أن كيد النسوة عظيم: والدليل على هذا أن هذه البغي خططت وذهبت إلى راعٍ يأوي إلى صومعة جريج، ما ذهبت إلى شخص بعيد، لا.
بل إلى راعٍ عند صومعة جريج، وأمكنته من نفسها، وأتت بالغلام بعد ولادته، ومرت به عند بني إسرائيل وقالوا: من أبوه؟ قالت: ذاك الرجل الذي في الصومعة، يعني: كأنها لا تعرف اسمه، فهذا من كيدهن، (إن كيدهن عظيم) وإذا استخدمت المرأة كيدها في الشر، فإنها تأتي بما لا يستطيعه الرجال طبعاً، مع أنها ضعيفة؛ لكن إذا كادت ابتعد عنها.
فهذه المرأة كادت له لتغويه، وتعرضت له، أول شيء قامت به أنها تزينت وتعطرت وتجملت وكشَفت وتعرضت له، يعني: وقفت في مكان يراها.
ولما لم يلتفت إليها انتقلت إلى الخطة رقم [٢] أمكنت نفسها من الراعي، ولما حملت وولدت جاءتهم، ما قالت: أنا أحمل جنيناً، لا.
وإنما انتظرت حتى تلد، وهذا كله من أجل الكيد لهذا الرجل الصالح وتشويه سمعته.
وهذه القضية من القضايا المعاصرة، أن بعض الفاجرات تريد تشويه سمعة داعية أو رجل صالح، أو كذا، فتسارع إلى اتهامه، وتخطط لإيقاعه في حبائل الشر، فعلى الصالحين أن يحذروا، ولا يكون الإنسان مغفلاً.
حكى لي شخص قال: اتصلت بي فتاة، فأغلقت السماعة، ثم اتصلت مرة أخرى فأغلقت السماعة، وفي المرة الثالثة قالت: أيقظنا الفجر، فانظر إلى المداخل، المدخل هو الشيطان: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] والخطط يعني: مكر الليل والنهار، شيء متواصل، يدخلون من باب العبادة، أيقظني الفجر! وكذلك لو قالت مثلاً: لماذا لا تأتي إلى وتصلح بيني وبين زوجي؟! مَن التي دعته؟ هي التي دعته، إذاً هذا فخ، فالإنسان لا يذهب، ويكون مغفلاً! ويدخل، ويقول: أريد الإصلاح بين المتخاصمَين، ويقول في نفسه: هذه عبادة! انظر! المرأة الصالحة بنت الرجل الصالح، لما جاءت إلى موسى ماذا قالت له؟ هل قالت: تفضل معي، أريدك في موضوع؟ لا.
وإنما قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥] من هو صاحب الدعوة؟ أبوها، ما هو السبب؟ ليجزيك أجر ما سقيت لنا، إذاً جاءت بكل وضوح، لو كان الرجل الصالح قادراً على الإتيان لأتى، لكنه كبير في السن وعاجز، فجاءت البنت، ما قالت له بوقاحة وقلة حياء: تعال معي، أريدك في موضوع، تفضل عندنا في البيت بل قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ [القصص:٢٥] ولِمَ الدعوة؟! ما هو الهدف؟! حتى يكون كل شيء واضحاً! ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥] ولذلك قيل: إنه لما مشى وراءها وهبت الريح قال: سيري خلفي وانعتي لي الطريق، أو قال: ارمي بحصاة، يعني: إن كنت تريدين مني أن ألف يميناً ارمي الحصاة يميناً، وإن تريدين أن ألف شمالاً ارمي الحصاة شمالاً، حتى لا يراها ولا يسمع شيئاً.
وينبغي أن أقول: هذا درس مهم جداً؛ لأن هذه سبب مصائب كبيرة، أن الإنسان لا يُسْتَدْرج إلى الفخ الذي تنصبه الفاجرة، ثم تلبسه التهمة فتقول: هو الذي تعرض لي، هو الذي جاءني، مع أنها هي التي جاءته، لكن تقول: هو الذي جاءني.
وكذلك هناك من الشياطين من الرجال من يوقعون النساء بطرق ملتوية، وربما يزينون لهن الفجور، وكما أن المرأة تكيد للرجل فكذلك الرجل أيضاً كما هو مُشْتَهَر الآن، ويُسجل لها مكالمات ويهددها بإرسال الأشرطة إلى أبيها حتى تعطيه مفتاح البيت، وغيرها من القصص التي تسمعونها.
لكن المقصود: أن الإنسان يحذر أن يُسْتَدْرَج، ثم لو أنه وقع في أول الفخ لا يكمل الطريق؛ لأن العودة أسهل من الفضيحة التي ستكون بعد ذلك، سواء كان في الدنيا عندما يستفحل الأمر ويصل إلى الفاحشة والعياذ بالله، أو في الآخرة.
стр. 279
حرمة بناء المساجد من ذهب أو فضة
الفائدة الواحدة والعشرون: أن أماكن العبادة لا يجوز أن تكون من ذهب أو فضة أو أشياء تلهي الناس: يجب أن تكون بسيطة ما فيها تكلف ولا زينة ولا زخرفة ولا نقوشات ولا ألوان ولا كتابات.
فتتعجب من محاريب بعض المساجد مكتوب فيها: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً﴾ [آل عمران:٣٧] من هو الذي في المحراب؟ مريم أم إمام، هذا الرجل الذي في المحراب؟! ما هي علاقة الآية بالمحراب الذي في المسجد؟! أولاً: الكتابة في المساجد وزخرفتها حرام وتضييع الأموال فيها حرام فبعض المساجد لا يحنث الإنسان إذا حلف أن قيمة الزخرفة التي فيها يمكن أن تبني بها عشرة مساجد في بعض دول المسلمين الفقراء.
стр. 280
ابتلاء الله للأولياء
الفائدة الثانية والعشرون: أن أولياء الله يبتلَون: كما ابتلي جريج بالضرب والسب وكسر بيته أو مكان عبادته.
وقد ابتلي بعض العلماء بحرق مكتبته.
وابتلي بعض الصالحين بأشياء كثيرة، أنواع من الابتلاءات يُبتلى بها الصالحون.
وقد كان ابتلاء جريج ابتلاء مادياً ومعنوياً، وذلك بأنهم كسروا صومعته وضربوه وشتموه وسبوه.
стр. 281
الحُسن قد لا يأتي بخير
الفائدة الثالثة والعشرون: أن الحُسْن قد لا يأتي بخير، الجمال يمكن أن يكون نقمة على صاحبه، قال في الحديث: (وكانت امرأة بَغِيٌّ يُتمَثَّل بحسنها) يعني: يُضْرَب المثل بجمالها، فلذلك قال النبي ﷺ : (فاظفر بذات الدين) والمرأة قد تكون جميلة؛ يمكن أن يوقعها الحسن والجمال في المعصية والفاحشة، وتكون هدفاً تُسْتَهْدَف، وبالتالي تقع، ولذلك الإنسان يكون حكيماً ولا يجري وراء الجمال، لا بد أن يكون الأساس هو الدين، وإن حصل الجمال فالحمد لله نعمة إلى نعمة، لكن إن تعارض الجمال والدين أيهما الأولى؟ تعارض الأولويات، فيقدم الدين بطبيعة الحال.
فالجمال قد يكون نقمة على صاحبه، وربما يكون إنسانٌ معرضاً للوقوع في الفواحش، وربما يستهدف من قبل الآخرين إذا كان عنده جمال، بينما إذا كانت خلقته عادية أو قبيح المنظر لا يتعرض له أي أحد، ولذلك الجمال ربما يكون نقمة وأحياناً قد يكون عدم الجمال نعمة في بعض المواضع.
стр. 282
تمسح الجهلة بالأولياء
وكذلك من فوائد الحديث: أن الجهلة إذا رأوا أمامهم كرامة يتمسحون بصاحبها: فإنه قال في الحديث: (فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به).
فيجب على الإنسان لو حصل منه شيء من ذلك ألا يفتح المجال لقضية التمسح وأن يبعد هؤلاء، ولكن قد يغلبونه بسبب كثرتهم، ولكن ينبغي أن يبين لهم الحكم وأن البركة من الله.
بعض الناس يتمسح بشخص ويقول: بركاتك يا سيدنا الشيخ، والبركة من الله، وليست موجودة في فلان ولا فلان، فمن هو مصدر البركة؟ الله .
ثم قد يجعله الله في ماء زمزم؛ فيكون ماءً مباركاً.
وقد يجعله في ماء السماء؛ فيكون ماءً مباركاً.
وقد جعله في البيت الحرام؛ فكان بيتاً مباركاً.
وقد يجعله في بقعة؛ فتكون بقعة مباركة، مثل المسجد الأقصى وما حوله في بلاد الشام.
وقد يجعله في نوع من الطعام؛ ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور:٣٥].
وكذلك قد يجعل الله البركة في أشياء قليلة فيكون القليل منها يكفي الكثير.
لكن مصدر البركة من الله، الناس ليسوا هم مصدر البركة، وإنما البركة من الله؛ لأن الكثرة والنماء والزيادة من الله، لأنها أشياء غير محسوسة، يعني: أنها لا تحس وإنما ترى نتائجها وآثارها، مثل قوله ﷺ : (البركة وسط الطعام فكلوا من أطرافه) يأتي رجل ويقول: أنا أريد البركة، فيأكل من وسط الطعام، كل من حوافه؛ فإن البركة تنزل من الوسط على الجوانب؛ فإذا أذهبتَ الوسط ما الذي سينزل؟
стр. 283
تواضع العابد
ومن الفوائد كذلك تواضع العابد: فإنه قال: (أعيدوها من طينٍ كما كانت) ما قال: أريد تعويضاتٍ، وذهباً وفضةً، وأريد أمولاً، وما قال: ردوا اعتباري، قبِّلوا يديَّ، تمسحوا بي، ابنوها ذهباً، ما فعل ذلك، وإنما قال: فقط أنا عندي مطلب: (أعيدوها من طين كما كانت) وهذا يدل على تواضعه رحمه الله تعالى.
стр. 284
التذكر بعد حدوث مصيبة أو كارثة
وكذلك من الفوائد: أن الإنسان قد لا يتعلم إلا إذا نزلت به مصيبة أو كارثة: عند ذلك يتغير، فهو ضحك (قالوا: مِمَّ ضحكت؟ قال: من دعوة دعتها أمي) الآن عرف ما يمكن أن تصل إليه الأمور.
فالإنسان أحياناً لا يتعلم إلا بدرس يتلقنه، وما يعرف الصواب إلا بعد أن يُمْتَحن، وعندها يعلم ما كان ينبغي عليه أن يفعله.
فهذا بعض ما اشتملت عليه هذه القصة من الفوائد.
وننتقل بعد ذلك إلى الأسئلة.
стр. 285
الأسئلة
следующие страницы →