Полный текст (522 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الحُسن قد لا يأتي بخير
الفائدة الثالثة والعشرون: أن الحُسْن قد لا يأتي بخير، الجمال يمكن أن يكون نقمة على صاحبه، قال في الحديث: (وكانت امرأة بَغِيٌّ يُتمَثَّل بحسنها) يعني: يُضْرَب المثل بجمالها، فلذلك قال النبي ﷺ : (فاظفر بذات الدين) والمرأة قد تكون جميلة؛ يمكن أن يوقعها الحسن والجمال في المعصية والفاحشة، وتكون هدفاً تُسْتَهْدَف، وبالتالي تقع، ولذلك الإنسان يكون حكيماً ولا يجري وراء الجمال، لا بد أن يكون الأساس هو الدين، وإن حصل الجمال فالحمد لله نعمة إلى نعمة، لكن إن تعارض الجمال والدين أيهما الأولى؟ تعارض الأولويات، فيقدم الدين بطبيعة الحال.
فالجمال قد يكون نقمة على صاحبه، وربما يكون إنسانٌ معرضاً للوقوع في الفواحش، وربما يستهدف من قبل الآخرين إذا كان عنده جمال، بينما إذا كانت خلقته عادية أو قبيح المنظر لا يتعرض له أي أحد، ولذلك الجمال ربما يكون نقمة وأحياناً قد يكون عدم الجمال نعمة في بعض المواضع.
стр. 282
تمسح الجهلة بالأولياء
وكذلك من فوائد الحديث: أن الجهلة إذا رأوا أمامهم كرامة يتمسحون بصاحبها: فإنه قال في الحديث: (فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به).
فيجب على الإنسان لو حصل منه شيء من ذلك ألا يفتح المجال لقضية التمسح وأن يبعد هؤلاء، ولكن قد يغلبونه بسبب كثرتهم، ولكن ينبغي أن يبين لهم الحكم وأن البركة من الله.
بعض الناس يتمسح بشخص ويقول: بركاتك يا سيدنا الشيخ، والبركة من الله، وليست موجودة في فلان ولا فلان، فمن هو مصدر البركة؟ الله .
ثم قد يجعله الله في ماء زمزم؛ فيكون ماءً مباركاً.
وقد يجعله في ماء السماء؛ فيكون ماءً مباركاً.
وقد جعله في البيت الحرام؛ فكان بيتاً مباركاً.
وقد يجعله في بقعة؛ فتكون بقعة مباركة، مثل المسجد الأقصى وما حوله في بلاد الشام.
وقد يجعله في نوع من الطعام؛ ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور:٣٥].
وكذلك قد يجعل الله البركة في أشياء قليلة فيكون القليل منها يكفي الكثير.
لكن مصدر البركة من الله، الناس ليسوا هم مصدر البركة، وإنما البركة من الله؛ لأن الكثرة والنماء والزيادة من الله، لأنها أشياء غير محسوسة، يعني: أنها لا تحس وإنما ترى نتائجها وآثارها، مثل قوله ﷺ : (البركة وسط الطعام فكلوا من أطرافه) يأتي رجل ويقول: أنا أريد البركة، فيأكل من وسط الطعام، كل من حوافه؛ فإن البركة تنزل من الوسط على الجوانب؛ فإذا أذهبتَ الوسط ما الذي سينزل؟
стр. 283
تواضع العابد
ومن الفوائد كذلك تواضع العابد: فإنه قال: (أعيدوها من طينٍ كما كانت) ما قال: أريد تعويضاتٍ، وذهباً وفضةً، وأريد أمولاً، وما قال: ردوا اعتباري، قبِّلوا يديَّ، تمسحوا بي، ابنوها ذهباً، ما فعل ذلك، وإنما قال: فقط أنا عندي مطلب: (أعيدوها من طين كما كانت) وهذا يدل على تواضعه رحمه الله تعالى.
стр. 284
التذكر بعد حدوث مصيبة أو كارثة
وكذلك من الفوائد: أن الإنسان قد لا يتعلم إلا إذا نزلت به مصيبة أو كارثة: عند ذلك يتغير، فهو ضحك (قالوا: مِمَّ ضحكت؟ قال: من دعوة دعتها أمي) الآن عرف ما يمكن أن تصل إليه الأمور.
فالإنسان أحياناً لا يتعلم إلا بدرس يتلقنه، وما يعرف الصواب إلا بعد أن يُمْتَحن، وعندها يعلم ما كان ينبغي عليه أن يفعله.
فهذا بعض ما اشتملت عليه هذه القصة من الفوائد.
وننتقل بعد ذلك إلى الأسئلة.
стр. 285
الأسئلة
стр. 286
جواز الوقف قبل إتمام الآية إذا كان هناك عذر
السؤال
ما هو سر وقوفك في منتصف سورة الحمد، هل هناك دليل على ذلك؟
الجواب
ليس عندنا أسرار وإنما قد يحدث ضيق في النفس أو كتمة في الصدر أو في الصوت فأضطر إلى الوقوف، وإلا فلا فيها دليل ولا سنة معينة في الوقوف في موضع معين في الفاتحة، السنة الوقوف عند رءوس الآي فقط.
стр. 287
إعلام فاعل الخير فيما ينفق ماله
السؤال
أتى رجل بمائة ريال وقال للمؤذن: اشترِ بهذه سجادة للإمام، والجامع الحمد لله مفروش ولا يحتاج؟!
الجواب
يعيدها إليه ويقول: يا فلان! لا يُشرع أني أشتري سجادة للإمام؛ لأنها متوفرة ولكن وكلني أتصرف بها في شيء للمسجد أو طعام لمساكين ونحو ذلك.
стр. 288
التحذير من الفتوى بغير علم
السؤال
صلى نساء في مسجد فقرأ الإمام: ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤] فسجد الإمام وسجد المأمومون، وركعت امرأة والمأمومون ساجدون، فلما قضيت الصلاة أخذت المرأة تقول: يا أخوات! لماذا سجدتن ولم تركعن؟ ألم تسَمْعَن عن ركوع التلاوة؟!
الجواب
ماذا تعني كلمة خَرَّ؟ تعني: من أعلى إلى أسفل، ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤] فالسجود قد يطلق عليه ركوع، والخرور من أعلى إلى أسفل، وليس هناك شيء اسمه ركوع التلاوة، وإنما سجود التلاوة، فهذه المرأة عليها ألا تفتي بغير علم.
стр. 289
جواز قطع الصلاة للحاجة
السؤال
إذا سقط شخص مغشياً عليه أثناء تكبير الإمام تكبيرة الإحرام، هل يخفف الصلاة أحد المأمومين أو يقطعها؟
الجواب
إذا رأى الوضعَ خطيراً يقطع الصلاة لإسعاف الشخص.
стр. 290
(حال حديث: (لا يدخل الجنة ولد الزنا
السؤال
ما صحة حديث: (لا يدخل الجنة ولد زنا)؟
الجواب
حديث: (ولد الزنا شر الثلاثة) محمول على أنه إذا عمل بعمل والدَيه، وإذا صح الحديث؛ فإنه لا يدخل إذا عمل أو وقع في هذه الفاحشة، أما أن ولد الزنا في ذاته لا يدخل الجنة أو محروم من الجنة فهذا كلام باطل؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] ما له ذنب، فهو إنسان آدمي مثله مثل غيره، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] فإن كان صالحاً تقياً فإنه يدخل الجنة، وإن كان فاجراً شقياً يدخل النار.
стр. 291
كراهية وضع المباخر أمام المصلين
السؤال
هل المباخر في المساجد تشبهٌ بالمجوس؟
الجواب
إذا وضعت أمام المصلين، فإن ذلك يُكره؛ لئلا يكون فيها تشبهٌ بالمجوس أثناء الصلاة.
стр. 292
الواجب على من ترك قضاء أيام رمضان التي أفطر فيها
السؤال
والدتي تقول: إنها كان يمضي عليها شهر رمضان -قبل الزواج- وتأتيها الدورة الشهرية فتفطر، ولكنها لم تكن تعلم بأنها ملزمة بالقضاء، ولذلك لم تقضِ ما فاتها، وسألتها عن عدد الأيام التي أفطرتها فلم تستطع إحصاءها لمرور السنين العديدة!
الجواب
عليها التوبة إلى الله؛ لأنها لم تسأل مع إمكان السؤال، والمرأة المسلمة يجب عليها أن تتفقه في الأحكام الشرعية؛ الطهارة، الصلاة، الصيام، وإذا أرادت أن تحج تسأل عن الحج، وإذا أرادت أن تعتمر سألت عن العمرة، وهكذا، أما أن تبقى هكذا في جهل تنتظر الصدفة التي تتيح لها معرفة شيء، هذا خطأ.
فهذه المرأة عليها أن تقدر ما فاتها وتقضيه، وتطعم مسكيناً عن كل يوم كفارة التأخير.
стр. 293
نهي الوالدين عن المنكر بالتي هي أحسن والصبر على أذاهما
السؤال
إذا غضب علي والداي لإخراج منكر من البيت؟
الجواب
لا يستجاب لهما فيك ما دام أنك اتقيت الله، ومن أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، وبالحسنى وبالمعاملة الطيبة وبالكلمة الحسنة لعلك إن شاء الله تستجلب رضاهما.
стр. 294
ثبوت الوضوء في الشرائع السابقة
السؤال
هل الوضوء في الأمم السابقة نفس الوضوء الآن؟
الجواب
لا يشترط؛ لكن كان عندهم وضوء.
стр. 295
دعاء الأم ليس دائماً مستجاباً
السؤال
هل دعاء الأم دائماً مستجاب؟
الجواب
لا.
قد لا يستجاب، لكن في كثير من الأحيان يستجاب، ومظنة استجابة دعاء الأم والأب أكثر من غيرهما في الولد، ولذلك قال: (دعاء الوالد لولده، ودعاء الوالد على ولده) فدعاء الوالد والوالدة للولد وعلى الولد مظنة الاستجابة.
стр. 296
عدم وجوب الغسل عند الميقات
السؤال
هل الغسل عند الميقات واجب؟
الجواب
لا.
стр. 297
جواز الإحرام بدون غسل إذا كان هناك عذر
السؤال
في شدة البرد نحرم بدون غسل؟
الجواب
نعم.
стр. 298
دفع زكاة الفطر قبل وقتها
السؤال
دفعت زكاة الفطر يوم خمسة عشر من رمضان؟
الجواب
إذا دفعتها لشخص وكلته في إخراجها في الوقت الصحيح وهو ثقة فيجزئك ذلك.
стр. 299
قصة خشبة المقترض
أيها الأحبة: هذه رسالة تتعلق بعدة أبواب من أبواب الفقه، قد ساق الشيخ حفظه الله فيها حديث خشبة المقترض الذي أخرجه البخاري في صحيحه، وقد ذكر الشيخ الأحكام المستفادة من هذا الحديث، ثم تعرض لذكر طرق الشريعة في توثيق الدَّين، وحفظ الحقوق، وأحكام أخرى تتعلق بالدَّين.
стр. 300
حديث خشبة المقترض
الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فهذه القصة التي سنتحدث عنها الليلة -أيها الإخوة- تتعلق بباب من أبواب الفقه الإسلامي، أو عدة أبواب من أبواب الفقه.
وهذه القصة قد أخرجها الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، في كتاب: الكفالة، وكتاب: الزكاة، وكتاب: الاستقراض أو القرض.
وروى هذه القصة أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ : (أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً، قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً، قال: صدقت، فدفعها إليه على أجل مسمى -فدفع إليه الألف دينار على أجل مسمى- فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركباً يركبها ليقدم عليه للأجل الذي أجَّله، فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفتُ من فلانٍ ألف دينارٍ فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك، وسألني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً، فرضي بذلك، وإني جَهَدْتُ أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك -يعني: مع هذا الإجراء- يلتمس مركباً يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه -على حسب الموعد- ينظر لعل مركباً قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطباً، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قَدِم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار -أخرى- فقال: والله ما زلتُ جاهداً في طلب مركبٍ لآتيك بمالك، فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إليَّ بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئتُ فيه، قال: فإن الله قد أدَّى عنك الذي بعثتَ في الخشبة فانصرف بالألف الدينار راشداً).
هذا الحديث فيه ذكر رجل من بني إسرائيل، جاء في بعض الروايات أن الذي سلفه هو النجاشي، وأنه أُلْحِق ذكره ببني إسرائيل ونُسب إليهم بطريق الاتباع لهم لا أنه من نسلهم، فالله أعلم هل هو النجاشي أم غيره! رجل من بني إسرائيل كان يُسَلِّف الناس إذا أتاه الرجل بكفيل سلفه، جاءه شخص يريد أن يستلف ألف دينار، والألف دينار مبلغ باهظ، وإذا أردنا أن نحسبها الآن، فالدينار أربعة غرامات وربع من الذهب، أي: (١٠٠٠ × ٤.
٢٥) أربعة كيلوات ذهباً وربع كم تكون، إذا حسبنا الكيلو بخمسين ألفاً؟ حوالي ربع مليون (٢٢٥.
٠٠٠)، يريد أن يستلف منه ربع مليون، قال: هات كفيلاً، (فأتني بالكفيل) -هذا ما عنده كفيل، رجل صادق لكن ما عنده كفيل- قال: كفى بالله كفيلاً -يعني: جعلت الله كفيلي، كفى بالله كفيلاً بيني وبينكم، لما لمس هذا صدق صاحبه- قال: صدقتَ.
وفي رواية: سبحان الله! نعم، والشهيد؟ قال: كفى بالله شهيداً
стр. 301
طرق توثيق الدَّين في الشريعة الإسلامية
الدَّين يوثَّق في الشريعة بأربعة أشياء هي طرق توثيق الدَّين في الشريعة: أولاً: الكتابة.
ثانياً: الشهود.
ثالثاً: الكفيل.
رابعاً: الرهن.
والأجل مجرد موعد.
وهذا من عِظَم الدَّين في الشريعة وحفظ حقوق الناس.
قال: (فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً.
قال: ائتني بالشهيد، قال: كفى بالله شهيداً، قال: صدقت، فدفعها إليه، فخرج في البحر فقضى حاجته) ركب هذا الرجل المستلف البحر بالمال يتاجر فيه، ويضارب ويتاجر به، فلما قضى حاجته وحل الأجل.
وفي رواية: (أنه لما جاء ليرجع أُرْتِج البحر بينهما) اضطرب البحر ولا يمكن ركوب البحر، أو أنه لم يجد مركباً يوصله إلى صاحبه على حسب الموعد، فالرجل ملتزم بالموعد، حريص على الموعد، رجل مؤمن، ما قال: كفى بالله شهيداً وكفى بالله كفيلاً إلا وهو صادق، فلما جاء ليرجع اضطرب البحر، أو أنه ارتج البحر بينهما، أو أنه لم يجد مركباً.
وفي رواية: (وغدا رب المال إلى الساحل يسأل عنه) على حسب الموعد كان في الشاطئ الآخر من البحر صاحب المال يسأل عنه ويقول: (اللهم أَخْلَفَني وإنما أعطيت لك) أنا أعطيت لك يا الله وهذا صاحبي أخلفني، والرجل الصالح -المستلِف- لم يجد سفينة يركبها، ولا مركباً يوصله، (فأخذ خشبه فنقرها -يعني: حفرها-.
وفي رواية: فنَجر خشبةً، وجعل فيها الألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه.
وفي رواية: وكتب إليه صحيفة: من فلان إلى فلان، إني دفعت مالك إلى وكيلي الذي توكل بي -لاحظ! لا توجد حيلة؛ فأنا وضعتها وعلى الوكيل -أن يؤديها إليك- ثم زجج موضعها) يعني: أصلح موضع النقر والحفر، أصلحه وسده؛ ليحفظ ما فيه، وجعل فيه شيئاً يغلقه ورماه في البحر متوكلاً على الله؛ لأن هذه الطريقة الوحيدة حتى يصل المال في الموعد، مع هذا دعا الله تعالى قائلاً: (اللهم إني تسلفتُ من فلان فسألني الكفيل وسألني الشهيد، ورضي بك وإني جهدت أن أرد إليه ما استطعت، اللهم أدِّ حَمالَتك) ودفعها حتى ولجت في البحر، وعلى الشاطئ الآخر كان الرجل ينتظر حسب الموعد، فلم يجد صاحبه، لكنه في النهاية وجد خشبه تتهادى على سطح الماء حتى ألقاها اليم بالساحل، فبدلاً من أن يعود بخفي حنين أخذ هذه الخشبة حطباً لأهله، فلما نشرها وقطعها بالمنشار وجد المال.
وفي رواية: (وغدا رب المال يسأل عن صاحبه كما كان يسأل، فيجد الخشبه فيحملها إلى أهله فقال: أوقدوا هذه، فكسروها فانتثرت الدنانير منها والصحيفة فقرأها وعرف -قرأ الرسالة ووصلت الأمانة- ثم قدم الذي قد كان أسلفه -وجد مركباً بعد ذلك وجاء- فأتى بالألف دينار، فأتاه رب المال -في رواية- فقال: يا فلان، مالي؟ قد طالت النظرة -الانتظار طال لم تأتِ- فقال: أما مالك فقد دفعته إلى وكيلي -الله - وأما أنتَ فهذا مالك -وأعطاه ألفاً أخرى.
وفي رواية: هذا ألفك، فقال: لا أقبلها منك حتى تخبرني ما صنعتَ، فأخبره بالذي صنع فقال: لقد أدى الله عنك، انصرف بالألف الدينار راشداً) يعني: ألفك هذا أمسكه؛ لأن الألف الأولى وصلت.
وفي رواية: قال أبو هريرة: (ولقد رأيتنا عند رسول الله ﷺ يكبُر مراؤنا ولغطنا أيهما آمَن) أيهما أكثر أمانة؟ الأول أم الثاني؟! الأول الذي كان حريصاً على دفع المال حسب الموعد أم الثاني الذي قال: ألفك وصلت.
стр. 302
ما يستفاد من الحديث
هذا الحديث فيه فوائد عظيمة للغاية منها: أولاً: مشروعية الاقتراض عند الحاجة.
ثانياً: أن الأجل في القرض جائز.
وكتابة الأجل في القرض جائز، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
ثالثاً: وجوب الوفاء بالدين.
أي: وجوب الوفاء بالموعد الذي حدده الإنسان لنفسه فيما بينه وبين صاحبه.
وكثير من الناس الآن الذين يعَدِون بإرجاع المبالغ في الوقت المعين لا يرجعونها في الوقت المعين، فإما أن يؤخروه وإما أنهم لا يعيدوه أصلاً؛ وهذا حال كثير من الناس مع الأسف.
رابعاً: اتخاذ كافة الوسائل والأسباب لإعادة الدَّين إلى صاحبه في الوقت المعين.
ولنا في هذا الرجل مثلٌ وقدوة، كيف أنه لما لم يجد مركباً ولا يريد أن يتأخر عن صاحبه، والمسألة فيها الله شهيداً وكفيلاً، فوضعها في الخشبة، وأرسلها في البحر مع احتمال الوصول وعدمه؛ خشبة في البحر ربما تغرق، أو تذهب إلى شاطئ آخر، ولو وصلت إلى الشاطئ نفسه ربما يظهر عليها شخص آخر ويأخذها.
خامساً: أن الله إذا استودِع شيئاً حفظه.
قال: (اللهم إني أستودعكها) والنبي ﵊ يقول: (إن الله إذا استودِع شيئاً حفظه) قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤] والنبي ﵊ كان إذا ودع رجلاً يقول: (أستودِع اللهَ دينَك وأمانتَك وخواتيمَ عملك) لأن الله إذا استودِع شيئاً حفظه.
سادساً: التوكل على الله، وأن من صح توكله على الله تكفَّل الله بعونه.
ودليل ذلك في الخشبة لأنها وصلت في الوقت السليم؛ ربما تضيع، أو تصل بعد شهر، لكن عناية الله جعلتها تصل في الوقت المعين، والموعد عند الرجل الذي كان ينتظر على الشاطئ.
سابعاً: أن لقطة البحر تؤخذ:- فلقطة البحر طبعاً حكمها حكم اللقطة وهذا الرجل وجد الرسالة وعرف أنه هو المقصود، وأن المال ليس لشخص آخر، وإنما المال له ولذلك أخذها.
ثامناً: مشروعية الكفالة.
وأن النبي ﷺ تحدث بذلك وقرره.
تاسعاً: فيه التحديث عن أنباء الأمم ممن قبلنا مما كان لديهم من العجائب؛ لتتعظ هذه الأمة وتتأسى.
فنحن ننقل أخبار مَن قبلَنا لكي نتأسى بها، ونستفيد، من هذه الخبرات والتجارب.
عاشراً: فيه أن الكاتب يبدأ بنفسه في الكتابة.
إذا شرع الإنسان بكتابة مكتوب يقول: من فلان؛ يعني: هو الكاتب الآن، من فلان إلى فلان.
والبخاري ﵀ وضع هذا الحديث في كتاب: الاستئذان في باب: بمن يُبدأ في الكتاب؟ باسم المرسِل أم باسم المرسَل إليه؟! ونحن الآن عادتنا نقول: الأخ فلان الفلاني، السلام وعليكم ورحمة الله.
والطريقة التي كان النبي ﵊ يكتب بها الرسائل، وكان العلماء يكتبون بها الرسائل: من فلان إلى فلان، فالمرسِل يكتب اسمه أولاً ولعلها قد حصلت بعض الظروف التي جعلت بعض الصحابة يكتبون المسألة بالعكس، مع أن السنة أن يبدأ الكاتب بنفسه، وهو مستحب وليس بواجب أن يبدأ الكاتب بنفسه.
وغالب أحوال ابن عمر أنه كان يفعل ذلك، ولكن جاء بإسناد صحيح أن ابن عمر أراد أن يكتب حاجة إلى معاوية فأراد أن يبدأ بنفسه من عبد الله بن عمر إلى معاوية، فلم يزالوا به حتى كتب: [بسم الله الرحمن الرحيم، إلى معاوية].
وكتب عبد الله بن عمر إلى عبد الملك يبايعه: [بسم الله الرحمن الرحيم، لـ عبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن عمر، سلام عليك] فالأصل والسنة في الكتابة أن يكتب اسمه أولاً.
الحادي عشر: ومن فوائد هذا الحديث: أن ما يلفظه البحر مما نشأ في البحر أو عطب وانقطع ملك صاحبه فإنه يجوز للإنسان أن يأخذه ودليل ذلك أن الرجل الذي وجد الخشبة قد أخذها حطباً.
والبخاري ﵀ وضع هنا الحديث أيضاً في كتاب: الزكاة في باب: ما يستخرج من البحر، ما يستخرج من البحر من اللؤلؤ والمرجان والياقوت ليس فيها زكاة عند جمهور العلماء.
الثاني عشر: كذلك من فوائد هذا الحديث: أن الإنسان المسلم يتعامل مع الناس بحسب الناس.
فإذا رأى ملامح الصلاح وتفرس في وجه مَن يطلب منه طلباً الصدق هون معه في المعاملة ولان، وإذا رأى في ملامح وجهه أنه يتعامل معه شيء من الغدر أو اللؤم أو الخبث، فإنه يحتاط، ولذلك النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا تستجاب دعوتهم: ... ذَكَرَ منهم: ورجل آتى سفيهاً مالاً ولم يُشهد عليه) والمقصود لا يستجاب لدعوتهم في خصومهم، فلو أنه أعطى مالاً لفاسق ولم يُشهد عليه، يستحق إذا ضاع ماله.
ولو ادعى عليه فلا يستجاب له لأنه هو المقصر، فكيف يعطيه مالاً ولا يشهد عليه؟! فإذاً إذا كان الإنسان يتعامل مع صاحب دين وأمانة فيمكن أن يخفف معه في الشروط، ويتسامح معه في الشهود والكتابة أما إذا تعامل مع واحد صاحب فسق وفجور وخيانة، أو إنسان مجهول فيحتاط، وإذا لم يأخذ الاحتياطات استحق ما يأتيه بعد ذلك، فبعض الناس يقولون: والله أنا وثقت في فلان وجاءني وأعطيته، ولا يوجد لديه كتابة ولا شهود إذاً بأي وجه تطالب الآن؟! أنت المقصر في كتابة الدين والإشهاد عليه، والشريعة جعلت لك أربعة طرق لتوثيق الدين، ولم تستخدم واحداً منها.
إذاً: الإنسان لا بأس عليه أن يكتب، وبعض الناس يظنون ويعتبرون أن الكتابة عيب؛ وهذه من المشاكل التي تواجه بعض الناس فإذا جئت تستلف منه، ويريد أن يقول لك: اكتب، يستحي، ولو طلب تجد الآخر يقول له: عيب يا أخي، ليس بيننا كتابات، وأوراق.
فنذكرهم بقول الله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة:٢٨٢] لأنه سيشهد على نفسه، فالمستلف هو الذي يملي، قال الله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا﴾ [البقرة:٢٨٢].
وهذه الإجراءات شديدة لأجل حفظ حقوق الناس، والحيلولة في وقوع الناس في الشحناء، والبغضاء، والعداوات، والمقاطعات، والهجر.
فلذلك تُكتب الأشياء حفظاً لها من الضياع، ومنعاً للخصومات والكتابة تمنع هذه العداوات وقد يكون كلا الطرفين ثقة لكن لما يأتي يطلب منه يظن أن المبلغ شيء آخر، وكلاهما أمين وصادق، لكن يقول: يا أخي أنا الذي أذكر أنك أعطيتني ثلاثة آلاف، يقول: لا.
يا أخي، ثلاثة آلاف وخمسمائة، فالآن تظهر فائدة الضبط والكتابة وهي ليست فقط قضية أني لا أثق فيه، أو قضية أني خائف أن يخونني، أيضاً هي قضية قطع الخصومات والجدال؛ لأننا إذا كتبنا عَرَفَ كل من الطرفين ما عليه وما له، وإذا لم نكتب فإنه مع الزمن وتوالي الأيام ينسى الإنسان والذهن معرَّض للنسيان.
وما سمي الإنسان إلا لِنَسْيِهِ ولا القلب إلا أنه يتقلبُ
فما دامت المسألة معرضة للنسيان، فالعمل بالكتابة أحوط.
وكثير من الحقوق ضاعت بسبب عدم الكتابة فعندما يأتي إلى الساعة الحرجة، وليس عنده إثبات، ويقول: نحن إخوان، ولقد استحيت أن أطلب منه.
وقالوا الجماعة: عيب أن تكتب.
والله أمر بالكتابة وهذا يقول: الكتابة عيب، يقولون: عيبٌ الكتابة، والله أمر بالكتابة: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة:٢٨٢] وبعض العلماء ذهب إلى وجوب كتابة الدَّين، وجمهور العلماء على أن الكتابة مستحبة؛ وهي غير قضية التوثيق والضبط حتى لا يختلفا في المبلغ، وكم أدت هذه إلى مشاحنات ومقاطعات بين الناس!
стр. 303
أحكام القرض في الشريعة
بعد هذا تعالوا نلقي نظرة على الدَّين، وأحكام القرض في الشريعة الإسلامية.
أما الدَّين: فإنه القرض، أَدَنْتُ فلاناً، أي: أَقْرَضْتُهُ، والدَّين لزوم حقٍ في الذمة.
والقرض: القطع؛ لأن المقرض يقطع شيئاً من ماله ليعطيه للمقترض.
وتعريف القرض شرعاً: دفع مالٍ لمن ينتفع به، ويرد بدله.
стр. 304
ألدين أعم أم القرض ؟
وهناك مسألة هل الدَّين أعم أم القرض أم كلاهما بنفس المعنى؟ الدَّين أعم.
لأنه يشمل المال والحقوق غير المالية أيضاً؛ كالصلاة الفائتة، والزكاة، والصيام، حتى ديون الله، فلو أن واحداً مثلاً لم يصم لسبب، فيكون عليه دين لله فيقضيه في أيام أخر.
الدين ما ثبت بسبب قرض، أو بيع، أو إجارة، أو إتلاف، أو جناية، ويشمل حقوق الله وحقوق الآدميين، ويشمل الأشياء المالية وغير المالية.
أما القرض فهو خاص بالأشياء المالية؛ سُمِّي القرض قرضاً؛ لأن المقرض يقطع شيئاً من ماله ليعطيه للمقترض.
إذاً القرض هو: دفع مالٍ لمن ينتفع به، ويرد بدله.
لماذا قلنا: يرد بدله؟ لأنه ليس المطلوب أن يرده هو وإنما يرد مثله، وإلا لو كان يرده هو لتحول القرض إلى عاريَّة، لكن القرض أن يأخذ شيئاً فيرد مثله؛ وهو من باب الإرفاق، وهو مستحب وفيه أجر عظيم: (ما من مسلم يُقرِض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة) والقرض يجري مجرى شطر الصدقة، وإذا سلفه وحل الوقت له مثله، وتجاوز الوقت له مثليه من الأجر، وفيه تفريج كربات المسلمين، ومنع لهم من الاستدانة بالربا ونحو ذلك.
ولا يصح القرض إلا من إنسان جائز التصرف.
ولا يجوز الاقتراض من: مجنون: المجنون لا يقرض، لأنه غير مؤهل.
الصغير الذي لا يميز.
وكذلك ولي اليتيم: لا يجوز له أن يُقرض من مال اليتيم.
وكذلك الأمانات: لا يجوز الإقراض منها؛ وهذا خطأ يقع فيه عدد من الناس، يقرضون من الأمانات المودوعة عنده لرجل ثانٍ من غير إذن صاحب الأمانة؛ وهذا حرام، فالأمانة تُحفظ ولا يستلف منها.
وبعض الناس يقرضون من التبرعات مثل: رجل عنده أموال لبناء مسجد، فيذهب يقرض منها، بأي حق؟! هذه لبناء مسجد فلا يجوز الإقراض منها، وما حصل هذا إلا بسبب الجهل الذي جعل بعض الناس يتورطون في مثل هذا.
стр. 305
كل قرض جر نفعاً فهو ربا
كذلك من قواعد القرض: أن (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)، هذا ليس حديثاً صحيحاً مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، ولكنه قاعدة شرعية صحيحة، (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)، فلو شرط القارض على المقترض زيادة، أو شرط عليه فائدة، أو شرط عليه هدية، أو شرط عليه خدمة، قال: أقرضك بشرط أن توصلني إلى كذا، نقول: حرام لا يجوز، اشترط عليه: أن يسكنه داره سنة، قال: أقرضك بشرط أنك تعطيني سيارتك سنة، فهذا حرام؛ (كل قرض جر نفعاً فهو ربا) لأن القرض عقد إرفاق وإحسان يبتغي فيه المقرض وجه الله، إذا جاء يشترط على الناس ويأخذ مقابلاً، ويأخذ خدمات على ذلك يبتغي به وجه الله، وخرج عن موضوعه الذي هو التقرب إلى الله، وصار يريد استفادات دنيوية، والربا شديد (كل قرض جر نفعاً فهو ربا).
ولو تساءلنا ما هي الزيادة الممنوعة؟ والخدمة الممنوعة المشروطة؟ أما إذا كانت غير مشروطة فلا بأس بأخذها، كأن يكون أقرض الآخر مالاً فلما جاء ليعيده إليه أعاده إليه مع هدية، ولا يوجد شرط سابق أبداً، إذا كانت العادة جرت بينهما على هذا فلا بأس أن يأخذها.
(جرت العادة) هذا متعلق بمسألة أخرى غير هذه المسألة: هل يجوز للمقترض أن يؤدي شيئاً من الخدمات، أو من الهدايا إلى المقرض قبل أداء القرض؟ الآن عرفنا إذا اقترض إنسان منك مبلغاً ثم أعاده إليك زائداً بهدية؛ سواء الهدية مالاً أو غير مال، ولم يكن مشروطاً من قبل، فإنه يجوز لك أن تأخذه، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] إنما جزاء السلف: (خياركم أحسنكم قضاءً) وقد استسلف النبي ﷺ بكراً فرد خيراً منها، (خيركم أحسنكم قضاءً) هذا من مكارم الأخلاق، ما دام أنه لم يكن شرطاً ولم يتواطئوا، وإنما هو تبرع وهدية من المقترض من باب الإحسان والشكر والعرفان، فلا بأس أن تأخذها وليست رباً ولا حراماً.
ما حكم أن يعطيك شيئاً قبل أن يرده؟ يعني: الآن الموعد بعد سنة، وبعد ستة أشهر أعطاك هدية، ما حكمها؟ إن جرت العادة بينك وبينه بأخذ هذه الهدية، أو مثل هذه الهدية، بينك وبينه مثل هذه التعاملات قبل القرض، فلا بأس أن تأخذ هذه الهدية، وإلا فلا.
ويجب على الإنسان أن يلتزم بالموعد الذي حدده بالأجل بينهما، وإلا كان ظالماً، وهذه المماطلات التي يأتي الإنسان يطلب حقه، يقول: ما عندي، فيما بعد، ويكذب، يعد ويُخلف، ونحو ذلك؛ هذا الذي جعل كثيراً من الناس يحجمون عن الإقراض، وبالتالي اضطر أناس آخرون أن يقترضوا بالربا.
стр. 306
الدين بالعملات
من الأحكام المتعلقة بالقرض أيضاًَ: أن الإنسان إذا استلف بعملة فما دامت العملة معمولاً بها ولها قيمة فإنه لا يرد إلا بها طلعت أو نزلت، لا يرد إلا بالعملة التي استلف بها إلا إذا كانت العملة هذه صارت لا تساوي شيئاً، كانت الألف ريال بليرة، صار مثلاً الريال بمليون ليرة، إذاًَ: صارت الليرة هذه تقريباً ما لها قيمة، فإذا كانت العملة ألغيت أو صار لا قيمة لها، فعند ذلك ننظر مثلاً: المبلغ الذي اقترضه كم يساوي من الذهب؟ مثلاً: مائة غرام، نقول: رد عليه مائة غرام ذهباً، أما إذا كان لها قيمة ولا زالت موجودة فإنه لا يرد إلا بالعملة التي اقترض بها طلعت أو نزلت، فكما أنها معرضة للنزول فهي معرضة للصعود.
كذلك فإن الدين -كما تقدم- منه ما هو دَين لله ؛ كصدقة الفطر، وفدية الصيام، والنذور، والكفارات.
ومنها: ما هو دَين للعباد؛ كأجرة الدار، ومقابل الإتلاف، وأرش الجناية.
وكذلك فإن الدين ينقسم إلى قسمين باعتبار وقت الأداء: فمنه ما هو دين حالٌّ: وهو ما يجب أداؤه عند طلب الدائن ويسمى الدين المعجل.
ومنه ما هو دين مؤجل: وهو الذي لا يجب أداؤه قبل حلول الأجل.
مثل: أن يقول: سلفني، يقول: هذه ألف، ومتى ما طلبتُها منك تعطيني إياها، مفتوحة الأجل وهذا معجل.
والدَّين المؤجل أن يقال: هذا الدين إلى سنة، قبل السنة لا يطالب به صاحب المال، لا حق له بالمطالبة؛ لأنه أعطاه سنة، وأجلاً معيناً.
وكذلك فإن التوثيق بالكتابة المذكور في قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] يتأكد فيمن يخشى ضياع الدَّين، أو النسيان، أو الإنكار.
وكذلك: فإن الشهادة تكون بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين ممن ترضون من الشهداء من العدول الثقات.
وكذلك: فإن الإنسان إذا استلف مالاً يجوز له أن يتصرف فيه كما يشاء؛ لأن القاعدة تقول: (الدين عقد تمليك) عقد تمليك يعني: بمجرد ما استدنت أنت ملكت المال، وصار ملكك، ولذلك عليك الزكاة، لو بقي المال في ملكك، سنة فعليك زكاته؛ لأنك ملكت المال، ودار عليه الحول فوجبت فيه الزكاة.
стр. 307
حكم بيع الدين
وكذلك من الأحكام: أن الدَّين لا يجوز بيعه، مثلاً: أقول: أنا مقترض من واحد مثلاًَ مائة ألف، أو أقرضتُ واحداً مائة ألف، فأذهب وأقول لشخص: هات تسعين، واذهب أنت وحصِّل الدَّين، أبيعك المائة المؤجلة هذه بتسعين، هات التسعين، بعتُك الدَّين، الذي لي على فلان بِعْتُكَهُ بتسعين؛ هذا بيع للديون ولا يجوز.
فهذه بعض الأحكام المتعلقة بالدَّين.
نسأل الله أن يجعلنا من الأوفياء الذين يوفون بالعهد.
стр. 308
الأسئلة
стр. 309
حكم من أحرم بالعمرة ثم تركها
السؤال
شخص أراد العمرة وعند وصوله إلى مكة هو وزوجته مع ابنه الرضيع خاف على ابنه من الزحام ورجع ولم يعتمر فما الحكم؟
الجواب
كان وضع الابن مثلاً مع الزوجة، وكونه رجع الآن فهو لا زال على إحرامه وعليه أن يعود، ويحرم عليه قربان الزوجة، يجب عليه أن يعود، ولا ينفك الإحرام إلا بالعمرة.
стр. 310
إدراك الصلاة الثلاثية وراء إمام يصلي رباعية
السؤال
هل يمكن أداء صلاة ثلاثية وراء إمام يصلي رباعية؟
الجواب
نعم.
إذا قام إلى الركعة الرابعة، تجلس أنت وتنتظر حتى يسلم وتسلم معه.
стр. 311
حكم ترك الصلاة في المسجد المجاور
السؤال
هل يجوز أن يَتَعَدَّى المسجد الذي في الحي؟
الجواب
نعم، يحوز أن يتعدى المسجد الذي في الحي إلى مسجد آخر لسبب، كأن يحضر درساً، أو أن يكون يرتاح إلى ذلك الإمام أكثر، أو يخشع وراء قراءته أكثر، لكن بشرط ألا يؤدي ذلك إلى مفسدة كعداوة بينه وبين إمام الحي، أو أن يقول له: أنت لا تصلي وراءنا، أنت مثلاً تشك فينا، أنت كذا، أو لا يؤدي إلى هجر مسجد الحي بحيث لا يكاد يصلي فيه أحد، أما إذا كان في مسجد الحي جماعة ولا يُخشى من وجود سوء علاقة بينه وبين الإمام فإن له أن يتخطاه.
стр. 312
حكم استخدام مال فائض جمع لصيانة مسجد
السؤال
جمعنا تبرعاتٍ لصيانة المسجد ثم زاد بعض المال من التبرع، هل نجعله لصالح تحفيظ القرآن؟
الجواب
لا بد من استئذان المتبرع، وإذا لم يأذن، أو لم تجده تُجْعَل وتَبْقَى للصيانة، وربما في المستقبل يحتاج إلى صيانة، أو يُنقل إلى صيانة مسجد آخر مثلاً، إذا تعطل لا يمكن الانتفاع به في صيانة هذا المسجد، أقرب ما يمكن لنية المتبرع.
стр. 313
موقف المأموم من الإمام في الصلاة
السؤال
إذا صلى اثنان جماعة أين يقف المأموم بالضبط؟
الجواب
يقف بمحاذاة الإمام بالضبط، لا يتقدم عنه ولا يتأخر، وذلك لأن النبي ﷺ لما قام في الليل قام ابن عباس بجانبه فتأخر عنه، فالنبي ﵊ قدمه إلى جانبه، فتأخر، بعد الصلاة قال له ﵊: (ما لي أجعلك حذائي في الصلاة فتخنس؟! -لماذا أجعلك بجانبي في الصلاة وأنت ترجع إلى الخلف؟! - فذكر له ابن عباس ﵁ أنه لا يليق به أن يكون بجانب النبي ﷺ ؛ لأنه عند صاحب المقام المعلوم فتأخَّرَ عنه فدعا له النبي ﵊ بالخير).
والمقصود: أن الإنسان إذا صلى بجانب إمام يصلي بجانبه بالضبط لا يتقدم عنه ولا يتأخر.
стр. 314
جمع الصلاة الفائتة
السؤال
سوف أذهب إلى مكة ثلاثة أيام، هل أجمع في الفندق إذا نمت عن الصلاة؟
الجواب
نعم، إذا لم تصل مع الجماعة وفاتت عليك الصلاة تجمع.
стр. 315
حكم لبس القفازات للمرأة
السؤال
هل لبس القفازات للمرأة واجب؟
الجواب
إذا سترت يديها بأكمام العباءة لا بأس، وإذا لك تستر يديها لا بد أن تلبس شيئاً كالقفاز.
стр. 316
حكم مال الربا للوارث
السؤال
رجل يتعامل بالربا هل ماله للورثة حلال؟
الجواب
إذا علموا منه الربا أخرجوه من ماله.
стр. 317
معنى: (اللهم لا مانع لما أعطيت)
السؤال
ما معنى: (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ)؟
الجواب
يعني: إذا أعطيتَ شيئاً لا يمنع أحدٌ عَطِيَّتَك، ويعني: إذا منعتَ أحداً لا يمكن لشخص أن يعطيه، والجَدُّ هنا معناه: الحظ والنصيب والمال، يعني: صاحب الجاه والمال لا ينفعه جاهه ولا ماله عندك، لا ينفعه إلا عمله الصالح، (ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ) وهذا من أدعية الاستفتاح.
стр. 318
السنة في المضمضة والاستنشاق
السؤال
ما هي السنة في المضمضة والاستنشاق؟
الجواب
أن يأخذ بكفٍ واحدة، جزء للمضمضة وجزء للاستنشاق، ثم يعيد العملية ثلاث مرات.
стр. 319
حكم قراءة سورة (الكافرون والصمد) في صلاة المغرب
السؤال
هل قراءة (الكافرون) و (الصمد) في ركعتي المغرب والفجر ثابتة عن النبي ﷺ ؟
الجواب
نعم، وكذلك هي ثابتة في ركعتي الطواف، والسنةٌ أن يقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] في الركعة الثانية.
стр. 320
كيفية دفن المرأة الكافرة وبها جنين
السؤال
ما هي كيفية دفن امرأة ماتت على الكفر وبها جنين على الفطرة؟
الجواب
طبعاً الجنين يُلْحَق بوالدَيه، تُدفن في أرض الكفار، لكن إذا كان زوجها مسلماً؛ وهي كتابية محصنة، وعقد الزواج صحيح، وحملت ثم ماتت والجنين في بطنها، فالجنين يتبع أباه؛ لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، والجنين تابع للأب؛ وتجري عليه أحكام المسلمين، والأم كافرة يهودية أو نصرانية، قال العلماء: تُدفن في أرض ثالثة، لا هي من مقابر المسلمين، ولا هي من مقابر الكفار، أرض خاصة معدَّة لمثل هذه الحالات، لا تُدفن في أرض المسلمين لأنها كافرة، ولا تدفن في مقبرة الكفار لأن فيها جنيناً لرجل مسلم فتُخَصَّص قطعة في المقبرة خاصة لمثل هذه الحالات تُدفن فيها.
следующие страницы →