← Адаб

Адаб · id 18270

بحوث ومقالات في اللغة والأدب وتقويم النصوص (مقالات محمد أجمل الإصلاحي)

محمد أجمل الإصلاحي

Полный текст (486 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بين يدي الكتاب الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد، فهذه طائفة من البحوث والمقالات ألقيت في ندوات علمية أو نشرت في بعض المجلات والملحقات التراثية. وقد اقترح عليّ قبل سنوات شيخنا الحاج الحبيب اللمسي صاحب دار الغرب الإسلامي أن أجمعها في كتاب ليتيسر الاستفادة منها. وذلك لأن الموضوعات التي تنشر في المجلات والدورات تختفي بعد مدة من الزمن عن أنظار الباحثين، فيصعب البحث عنها والرجوع إليها على الذين قد عاصروا صدورها واطلعوا عليها، فضلًا عن ناشئة الدارسين الذين لم يدركوها فغاب عنهم أمرها البتة. ثمّ إذا كانت الكتابة عبارة عن جمع وتلخيص وإعادة ترتيب، فخطبها هيّن، ولا يضير الدارس عدم وقوفه عليها، ولكن الضير كل الضير في اختفاء البحوث والمقالات التي تضيف شيئًا جديدًا إلى العلم، بما فيها من فكرة بديعة، أو كشف عن مجهول، أو استدراك فائت، أو تصحيح غلط قديم، أو تقويم نصّ

стр. 2

منآد، أو حلّ مشكلة عويصة، أو فصل خلاف متشعب، وما أشبه ذلك؛ ولا ريب أن بقاء مثل هذه الكتابات مدفونة في بطون المجلات ظلم على طلبه العلم. وعلى تأييدي لكلام الشيخ وصوابه الظاهر، لم أنشط للعمل على اقتراحه، لأن ما نشرته لا يرقى إلى مستوى الكتابات العالية التي أشار إليها، فلم أزل مترددًا إلى أن زارني يومًا صديق فاضل يحمل رسالته العلمية التي نال عليها شهادة الدكتوراه، وهو يريد تقديمها إلى إحدى دور النشر، فرغب إليّ أن أنظر فيها نظرةً قبل نشرها. فرأيته في بعض فصوله قد خصّ فقرة كاملة بكتاب مطبوع باسم "الموضح في التفسير" لأبي النصر الحدادي. وقد سبق أن نشرت سنة ١٤١٢ هـ مقالًا في ملحق التراث بصحيفة المدينة كشفت فيه عن حقيقة هذا الكتب المزعوم، وبينت أن ناشره وقع على رسالة لمؤلف مجهول جرّد فيها شواهد كتاب "الموضح لعلم القرآن" للحدادي، كما صرّح بذلك في خاتمتها، فأضاف إليها من عنده أسماء السور ونصوص الآيات التي استشهد عليها المؤلف بتلك الآيات، وسماه كما شاء: "الموضح في التفسير"! ولما قصصت ذلك على الباحث الفاضل هاله الأمر، ثم تعجب كيف فاته المقال المذكور مع متابعته لما كان ينشر في ملحق التراث. وهنالك غيّرت رأيي، وقررت أن أهيئ بضاعتي، وأزجيها - على علاّتها - إلى إخواتي الباحثين والدارسين، لينتفعوا بما فيها من الحق والصواب، وهم أحقّاء بمعرفة سمينها من غثّها ومتينها من رثّها. وتشتمل هذه المجموعة على أربعة عشر موضوعًا، ولكن معظم صفحاتها قد استأثرت بها قراءات نقدية لكتب من التراث اللغوي والأدبي، توفّر على تحقيقها أساتذة أفاضل. ومنها دراسة مبسوطة دارت حول تحقيق كتاب "إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري في تفسير معاني أبيات الحماسة "للأسود

стр. 3

الغندجاني، من مطبوعات معهد المخطوطات العربية بالكويت، ونشرت سنة ١٤١٠ هـ بعنوان "إصلاح الإصلاح" في ثلاثة أجزاء من مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق. وقد استطالت الدراسة لأنها لم تعقد على نماذج مختارة من المآخذ، بل عنيت بإصلاح الخلل الواقع في الكتاب كلّه، وحلّ جميع مشكلات النصّ التي قد تجاوزها المحقق الفاضل. وقد استغرق بعض المباحث التي انطوت عليها أكثر من ستّ صفحات أو سبع من صفحات المجلة. وقد بلغني فيما بعد أن علاّمة الشام الأستاذ أحمد راتب النفاخ ﵀ كان يثني على هذا النقد، وأنّ لجنة المجلة قد رأت اختصارها، ولكنّ الأستاذ أصرّ على نشره برمّته. ومن القراءات التراثية أيضًا: قراءة كتاب المجرد لكراع النمل، وشعر ابن وكيع التنّيسي، وكتاب المجموع اللفيفي للقاضي أمين الدولة الأفطسي. وهنا أ؛ ب أن أوضح أني لم أقصد إلى نقد هذه الكتب أو غيرها ابتداء، وإنما أقبلت على قراءتها مستفيدًا مستمتعًا فحسب، وما جاء نقدها إلا اتفاقًا. أضف إلى ذلك أن الكتابة نفسها لا تستهويني، بل كثيرًا ما أجدني أنفر منها نفورًا، وإذا دُفعت إليها فكأنما أحمل نفسي على مركب صعب، وبلأي ما يسلس قيادها. ولكني شفغت بالقراءة، فهي الهمّ والهوى، وغرضي منها الفائدة والمتعة لا غير. بيد أن هذا التراث العظيم الذي آل إلينا أمانة ثقيلة تنوء بالعصبة أولي القوة، ولا يمكن أداؤها على الوجه المطلوب إلا إذا تظاهرت عليه جهود المحقق القدير والناقد البصير، بل يجب على كل قارئ لكتاب من كتب التراث، إذا فتح الله عليه بشيء مما غاب عن ناشره أن ينبهه عليه. وقد عبر عن هذا المعنى أحد شيوخ التحقيق في عصرنا - وهو الأستاذ السيد أحمد صقر ﵀ بكلمة بليغة ينبغي أن تكون دائمًا نصب أعيننا، وقد ختم بها مقدمة تحقيقه لكتاب الموازنة للآمدي، وأسوقها هنا بتمامها لنفاستها وأهميتها. قال لله درّه:

стр. 4

"وإني - على نهجي الذي انتهجت منذ أول كتاب نشرت - أدعو النقاد إلى إظهاري على أوهامي فيها، وتبيين ما دقّ عن فهمي من معانيها، أو ندّ عن نظري من مبانيها؛ وفاء بحق العلم عليهم، وأداء لحق النصيحة فيه، لأبلغ بالكتاب فيما يستأنف من الزمان، أمثل ما أستطيع من الصحة والإتقان. والنشر فن خفي المسالك، عظيم المزالق، جمّ المصاعب، كثير المضايق؛ وشواغل الفكر فيه متواترة، ومتاعب البال وافرة، ومبهضات العقل غامرة، وجهود الفرد في مضمارها قاصرة؛ يؤودها حفظ الصواب في سائر نصوص الكتاب، ويعجزها ضبط شوارد الأخطاء ورجعها جميعا إلى أصلها؛ فيأتي الناقد وهو موفور الجمام فيقصد قصدها، ويسهل عليها قنصها. ومن أجل ذلك قلت - وما أزال أقول -: إنه يجب على كل قارئ للكتب القديمة أن يعاون ناشريها يذكر ما يراه فيها من أخطاء، لتخلص من شوائب التحريف والتصحيف الذي منيت به، وتخرج للناس صحيحة كاملة". وقد صدرت في نظراتي في كتب التراث عن هذا الأصل الذي ذكره الشيخ، غير أنها نظرات قارئ لا نظرات ناقد كما أسلفت، فإنني في خلال قراءة الكتاب أشير إلى الفوائد التي تمرّ بي، وإذا عنّت لي ملحوظة قيّدتها في حاشيته، وقد تقتضي كثرة المآخذ أو أهميتها أن أنشرها، مشاركةً للمحقق في أداء الأمانة، وشكرًا له على ما استفدت واستمتعت من الجهد الذي بذله في إخراج الكتاب، ونصحًا للدارسين؛ ولكن كثيرًا ما يغلب عليّ طبعي الذي أشرت إليه، فتبقى تعليقاتي زمنًا يطول أو يقصر، حتى يبعث باعث قويّ على إظهارها. ومن بحوث هذه المجموعة بحث عن كتاب الجماهر في معرفة الجواهر للعالم العبقري المشهور أبي الريحان البيروني. وهو أقدم محتويات الكتاب، فقد تلقيت دعوة من "معهد أبي الكلام آزاد للبحوث" في حيدراباد الدكن

стр. 5

للمشاركة في المهرجان الذي عقده سنة ١٩٧٥ م (١٣٩٥ هـ) بمناسبة مرور ألف سنة على وفاة البيروتي، فأعددت هذا البحث بعنوان "جولة أدبية في كتاب الجماهير لأبي الريحان البيروني"، وأرسلته إلى المعهد، ولم أتمكن من الحضور في المهرجان وكان البحث الوحيد الذي قدّم فيه باللغة العربية. ولم أحفل بنشره حتى قدمت المدينة المنورة سنة ١٤٠٢ هـ، فعرضته على الدكتور شكري فيصل ﵀، فغّير عنوانه إلى "مواقف أدبية ولغوية في كتاب .... " مما أضفى على البحث وقارًا من حيث عنوانه على الأقل، ثمّ بعثت به إلى مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، فنشر فيها. وقد ضممته إلى هذه المجموعة لأنه ينتمي إلى مرحلة عزيزة من العمر، إذ كتبته قبل أن ألتحق بالدراسات العليا في جامعة عليكره. ولا يخلو مع ذلك من فوائد، وأقربها كلمة للبيروني نقلتها من كتابه "الصيدنة"، وهي قوله: "الهجو بالعربية أحبّ إليّ من المدح بالفارسية". وقد هاتفني الدكتور شكري ﵀ ذات يوم من أجل هذه الكلمة، ليتحقق من نصّها ويستشهد بها في محاضرة له عن اللغة العربية ألقاها في النادي الأدبي بالمدينة المنورة. وفي المجموعة عدة مقالات نشرت في ملحق التراث بصحيفة المدينة ثم بصحيفة البلاد، الذي كان يشرف عليه الصديق الكريم الأستاذ الدكتور محمد يعقوب التركستاني، ولولا حثّه المتصل على المشاركة في الملحق المذكور ما ظهرت تلكم المقالات المعدودات. والذي وصل حبلي بحبله هو أستاذي وصديقي الدكتور ف عبد الرحيم الذي صحبته نحو اثني عشر عامًا في مدينة النبي ﵊، وأفدت كثيرًا من علمه الغزير. فللصديقين الجليلين خالص الشكر والتحية والتقدير. أما الحاج الحبيب اللمسي فله منّتان على هذه المجموعة، إذ هو الذي اقترح إعدادها، ثم هو الذي تولّى إصدارها ضمن مطبوعات دار الغرب الإسلامي، فجزاه الله خيرًا، وشكر مساعيه في خدمة العلم وأهل العلم.

стр. 6

ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ، وافسح اللهّم في أجلهما، وهوِّن عليهما من وطأة الكبر، واحفظهما من سطوة الأسقام والعلل؛ وأصلح لي ذريّتي، وارزقهم العلم النافع والعمل الصالح. وصلّ اللهمّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم. الرياض محمد أجمل أيوب الإصلاحي ١٨ صفر ١٤٢٨ هـ

стр. 7

كتاب جمل الغرائب للنيسابوري وأهميته في علم غريب الحديث (١) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، نبينا محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تمسّك بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد، فإن أشرف العلوم ما وضع لخدمة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد اعتنى علماء الإسلام بهذين الأصلين اعتناء عظيمًا لا نظير له في تاريخ الأمم. ومن أوائل فنون العلم التي نشأت لخدمة القرآن الكريم ما سمي بفن غريب القرآن. ورديفه من أنواع علم الحديث دعي بفن غريب الحديث. والمقصود بالغريب هنا ما وقع في متن الحديث من لفظ أو أسلوب خفي معناه وأشكل لسبب من الأسباب، "وهو فن مهم يقبح جهله بأهل الحديث خاصة ثم أهل العلم عامة، والخوض فيه ليس بالهين، والخائص فيه حقيق بالتحرّي جدير بالتوقّي" كما قال ابن الصلاح (٦٤٣ هـ)، ونقل أن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ سئل عن حرف من غريب الحديث، فقال: "سلوا أصحاب الغريب، فإني

стр. 8

أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن، فأخطئ" (١). وكان نشوء هذا الفن في القرن الثاني الهجري على أيدي علماء اللغة ثم اضطلع به العلماء الذين كانوا بجانب تمكّنهم من اللغة مشاركين في علم الحديث والفقه، فأبدعوا في التأليف فيه، وكان أولهم أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (٢٢٤ هـ). ثم تتابعت المصنّفات في هذا الفن، حتى أربى عددها - فيما بلغه علمنا - على مائة مصنف. وقد وصل إلينا معظم أمهات هذا الفن - على نقص في بعضها - وطبع، وهناك كتب لا تزال مخطوطة، ومنها كتب جمل الغرائب لبيان الحق محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري من علماء القرن السادس الهجري. ليس كتاب النيسابوري هذا من أصول هذا الفن، ولكن له مزية على نظائره من كتب المتأخرين. وهو أن مؤلفه استقى مادته من أصول كثيرة نص عليها في مقدمته. ومنها كتب الأوائل التي ضاعت فيما ضاع من تراث الإسلام، نحو كتب النضر بن شميل (٢٠٣ هـ) وقطرب (٢٠٦ هـ) وأبي عبيدة (٢١٠ هـ) والأصمعي (٢١٦ هـ) وأبي سعيد الضرير. ومن موارده كتاب لم أر من ذكره أو اقتبس منه ولا وقفت على ترجمة مؤلفه، وهو كتاب الأغفال لأبي بكر الحنبلي (٢). وقد وضع النيسابوري رموزًا لموارده ليثبتها قبل نقل الحديث وتفسيره منها. فهذا يعين على معرفة المادة التي احتوت عليها تلك الكتب الضائعة. ثم رتّب النيسابوري كتابه على الموضوعات مثل الجوامع والمسانيد من كتب الحديث. وهو منهج لم يسبقه فيه إلا أبو عدنان السلمي من أصحاب أبي زيد الأنصاري (٢١٥ هـ) إذ رتّب كتابه على أبواب السنن.

стр. 9

ولهاتين المزيتين - ولا سيما الأولى - رأيت أن أعرّف بالكتاب المذكور في هذا البحث الذي أقدمه في المحور الثاني (الموضوع الحادي عشر) من محاور الندوة التي يعقدها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنوّرة عن السنة والسيرة النبوية. وقد انتظم هذا البحث تمهيدًا وفصلين: فالتمهيد يشتمل على ذرو من القول في نشأة فن غريب الحديث، ومصنّفاته المشهورة ومناهجها مع الإلماع إلى أهمّ ما طبع منها وما لا يزال مخطوطًا. والفصل الأول في سيرة بيان الحق النيسابوري ومؤلفاته. وقد ترجم له ياقوت ترجمة مقتضبة وعليها اعتمد السيوطي وغيره، فأثبتّها أولًا، ثم أضفت إليها بعض المعلومات المستخرجة من كتب النيسابوري وغيرها. وناقشت ما زعمه بعضهم من أنه ارتحل إلى حلب ودرس في المدرسة الحلاوية، وبينّت الخلط الذي بني عليه هذا الزعم. وتحدّثت في الفصل الثاني عن الغرض من تأليف كتاب جمل الغرائب، وموارده وترتيبه، ومنهجه في التلخيص والتفسير، وبعض المآخذ عليه. وليس هذا البحث دراسة لكتاب جمل الغرائب، وإنما قصد به التعريف والتنويه. وليس بين يديّ عند إعداده إلا قسم من نص الكتاب مطبوعًا على الحاسوب، بعث به إليّ من لندن أخي الدكتور محمد راشد أيوب الإصلاحي الذي يحقّقه عن ثلاث نسخ، فجزاه الله أحسن الجزاء. وإني لشاكر لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة على أن شرفني بدعوتي للمشاركة في هذه الندوة التي تقام في مدينة رسولنا ﷺ ، ويتحدث فيها المتحدثون عن سنته السنية وسيرته العطرة، فما أشرف المقام، وما أجلّ الموضوع، وما أطيب الحديث، وما أسعد المتحدثينّ. أسأل الله أن يتقبّل أعمالنا، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يحيينا ويميتنا على طاعته وطاعة رسوله ﷺ .

стр. 10

التمهيد لمحات عن علم غريب الحديث متى نشأ علم غريب الحديث؟ وكيف كانت عناية أهل العلم به؟ وما أهمّ المصنّفات فيه، وما وجوه التماثل والتفاضل فيما بينها؟ قد أبدع القول في هذا الموضوع من علمائنا المتقدمين: أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (٣٨٨ هـ) ثم مجد الدين ابن الأثير الجزري (٦٠٦ هـ)، فكلاهما كتب في مقدمة غريبه فصولًا بليغة أرّخ فيها علم غريب الحديث ذاكرًا أهم الكتب التي ألفت فيه إلى زمنه، مبينًا عن مراتبها وكاشفًا عن خصائصها التي ينفرد بها بعضها عن بعض. أما الباحثون المعاصرون، فلعلّ أول من أرّخ هذا العلم منهم هو الدكتور حسين نصّار الذي عقد له فصلًا في كتابه "المعجم العربي - نشأته وتطوّره" استغرق نحو ١٣ صفحة (١)، ومن المعلوم أن الكتاب المذكور أصله رسالة علمية نوقشت في ٢٣/ ٦/١٣٥٦ م، وطبعت لأول مرة سنة ١٩٥٦ م. ثم لما عني الدكتور شاكر الفحّام بتحقيق كتاب الدلائل في غريب الحديث للعوفي (٣٠٢ هـ) قدم بين يديه سلسلة مقالات نفيسة ضافية نشرها في سنتي ١٩٧٥ و ١٩٧٦ م في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ودرس فيها تاريخ هذا العلم إلى عهد العوفي ومخطوطات كتابه دراسة بارعة متقنة. وكتب الغريب التي نشرت، تصدرتها جميعًا مقدّمات عرض فيها محققّوها

стр. 11

هذا الموضوع حسب طرائقهم في الاختصار أو الإطناب. ثم كتبت فيه بعض الرسائل الجامعية (١). ومع كل ذلك، فإن علم غريب الحديث لخليق بأن تقدم دراسة تاريخية له في هذه الندوة الكريمة مع عرض شامل لمصنّفاته، ما وصل منها وما لم يصل، وما طبع منها وما لم يطبع. ولعلّ أحد الباحثين الأفاضل المشاركين في هذه الندوة سينهض بتلكم الدراسة. أما هذا البحث الذي عقد للتعريف بكتاب واحد من كتب غريب الحديث المخطوطة، فلا موضع فيه للتفصيل، فأكتفي هنا بكلمة مقتضبة تكون مدخلًا إلى موضوع البحث. (١) نشأة علم غريب الحديث ظهرت الكتب الأولى في غريب الحديث في القرن الثاني الهجري، ولكن من السابق إلى التأليف فيه؟ لم يجزم في ذلك أبو محمد عبد الله بن جعفر المعروف بابن درستويه (٣٤٧ هـ) حينما تحدّث عن كتب غريب الحديث فقال: "وكتاب غريب الحديث أول من عمله أبو عبيدة معمر بن المثنى، وقطرب، والأخفش، والنضر بن شميل، ولم يأتوا بالأسانيد، وعمل أبو عدنان النحوي البصري كتابًا في غريب الحديث ذكر فيه الأسانيد ... فجمع أبو عبيد عامة ما في كتبهم ... " (٢). فجعل ابن درستويه العلماء الأربعة بل الخمسة في قرن واحد، ولم يصرح بسبق بعضهم بعضًا، وإن استهل كلامه بذكر أبي عبيدة معمر بن المثنى؛ خلافًا

стр. 12

لحديثه فيما بعد عن غريب القرآن إذا صرح فيه بأن "أول من صنّف في ذلك من أهل اللغة أبو عبيدة معمر بن المثنى، قم قطرب بن المستنير، ثم الأخفش ... ". ولكن الحافظ أبا عبد الله الحاكم النيسابوري (٤٠٥ هـ) قال جازمًا: "فأول من صنّف الغريب في الإسلام النضر بن شميل له فيه كتاب، هو عندنا بلا سماع. ثم صنّف فيه أبو عبيد القاسم بن سلام" (١). نقل أبو عمرو ابن الصلاح (٦٤٣ هـ) قول الحاكم في مقدّمته، ثم عقّب عليه: "ومنهم من خالفه، فقال: أول من صنّف فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى" (٢). وقد أيّد شمس الدين السخاوي (٩٠٢ هـ) في فتح المغيث قول الحاكم، فقال: "وهو الظاهر"، واستدلّ بأن النضر بن شميل "مات في سنة ثلاث وثمانين ومائة" ثم أكدّ ذلك حينما نعى علي ابن الأثير (٦٠٦ هـ) والمحب الطبري (٦٩٤ هـ) ذهابهما إلى القول الثاني "مع أن وفاته - يعني أبا عبيدة - كانت في سنة عشر ومائتين بعد الأول - يعني النضر - بسبع وعشرين عامًا (٣). ولا ريب أن ما قاله السخاوي وهم محض، فلا خلاف بين المؤرّخين أن النضر بن شميل توفّي سنة ٢٠٣ هـ وقيل سنة ٢٠٤ هـ (٤). ولا حقيقة لهذا القيل إلا أنه "مات في آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين، ودفن في أول

стр. 13

المحرم" (١)، فقال بعضهم إنه توفّي سنة ٢٠٤ هـ. أما أنه توفّي سنة ١٨٣ هـ قبل وفاة أبي عبيدة (٢١٠ هـ) بسبعة وعشرين عامًا، فلم يقل بذلك أحد قبل السخاوي ولا بعده. ثم ولد أبو عبيدة سنة ١١٠ هـ، وولد النضر في حدود سنة ١٢٢ هـ فأولهما أقدم من الثاني باثني عشر عامًا. ولكن ليس في شيء من ذلك حجة على كون أحدهما سابقًا والآخر مسبوقًا في تأليف غريب الحديث، فإنهما على كل حال عاشا ثمانين سنة في زمن واحد. والقول الثاني الذي ذكره ابن الصلاح هو الذي عوّل عليه ابن الأثير الجزري (٦٠٦ هـ) في مقدمة النهاية، فقال: "فقيل إن أول من جمع في هذا الفن شيئًا وألّف أبو عبيدة معمر بن المثني التيمي، فجمع من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتابًا صغيرًا ذا أوراق معدودات ... ثم جمع أبو الحسن النضر ابن شميل المازني بعده كتابًا في غريب الحديث أكبر الحديث أكبر من كتاب أبي عبيدة، وشرح فيه وبسط على صغر حجمه ولطفه، ثم جمع عبد الملك بن قريب الأصمعي ... " (٢). لم يشر ابن الأثير - كما نرى - إلى قول الحاكم، وإنما ذكر قولًا واحدًا وهو أن أبا عبيدة سبق معاصره النضر بن شميل إلى التأليف في غريب الحديث وأكّد ذلك باستعمال كلمتين: "ثم" و"بعده". ولم يكن افتتاح ابن الأثير كلامه هنا بلفظة "قيل" للتضعيف، فإنه لم يشر البتة إلى قول آخر يرجحه في هذه المسألة، وإنما كان سبيله سبيل من يجد بين يديه قولين أو أكثر، فيختار منهما ما يستحسنه ويميل إليه، وإن كان لا يملك حجة قاطعة عليه. وبالجملة فهما قولان مأثوران في هذه المسألة أشهرهما ما اختاره ابن الأثير "ويكاد الإجماع ينعقد عليه" كما يقول الدكتور محمود الطناحي (٣).

стр. 14

ولكن الدكتور حسين نصّار ذهب إلى رأي ثالث وهو أن أول كتاب في هذا الفن ألفه أبو عدنان السلمي، ونسب ذلك إلى صاحب الفهرست، فقال: "عز أكثر الباحثين الكتاب الأول في غريب الحديث إلى أبي عبيدة معمر بن المثني (٢١٠ هـ) تبعًا لابن الأثير. ولكن هذا القول يجب ألا يؤخذ قضية مسلّمة، فقد نسب ابن النديم الكتاب الأول من هذا النوع إلى أبي عدنان عبد الرحمن بن عبد الأعلى". ثم نقل ما جاء في الفهرست: "وله ... كتاب غريب الحديث، وترجمته (ما جاء من الحديث المأثور عن النبي ﷺ مفسّرًا)، وعلى إثره ما فسّر العلماء من السلف" (١). وأيّد ما فهمه من كلام ابن النديم بأن أبا عدنان "راوية لأبي البيداء الرياحي، وهو معاصر ليونس بن حبيب، أستاذ أبي عبيدة، فأبو عدنان إذن وأبو عبيدة متعاصران، ومن المحتمل أن يسبق أحدهما الآخر في التأليف في غريب الحديث، ولكن إذا كان لنا أن نعتمد على مؤرخ، فالأجدر بالترجيح ابن النديم، لأنه أقدمهم وأقربهم إلى عصر هؤلاء المؤرّخ لهم، فنقدم بذلك أبا عدنان على أبي عبيدة". لم يصرح ابن النديم بأن أبا عدنان أول من ألّف في غريب الحديث ولكن الدكتور حسين نصّار تأول كلامه على هذا، وذلك أنه زعم أن عنوان كتاب أبي عدنان: "ما جاء من الحديث المأثور عن النبي ﷺ مفسرًا" (٢)، أما الجملة التي بعدها فهي كلام مستأنف، و"ما" في قوله "ما فسر" زائدة، وقصد به ابن النديم أن العلماء من السلف إنما فسروا غريب الحديث بعد أبي عدنان. وهذا التأويل لكلام ابن النديم يبدو صحيحًا لأول وهلة. ولكن يضعفه أمور منها: ١ - لو قصد ابن النديم ما ذهب إليه حسين نصّار لما كان لقوله "من

стр. 15

السلف" وجه من الكلام، ولكان لغوًا من القول. ٢ - نقل جمال الدين القفطي (٤٢٦ هـ) ترجمة أبي عدنان عن الفهرست، وأورد عنوان كتابه على هذا الوجه: " .. وترجمته: ما جاء من الحديث المأثور عن النبي ﷺ مفسّرًا ما فسّر العلماء" (١). وهذا يدلّ على أن الجملة التي فصلها الدكتور حسين نصّار يراها القفطي جزءًا من عنوان الكتاب. ٣ - صحيح أن أبا عدنان معاصر لأبي عبيدة، ولكن عداده في أصحابه، فقد نصّ الصفدي في ترجمته على أنه "أخذ عن أبي زيد الأنصاري، وأبي عبيدة، والأصمعي وطبقتهم" (٢). وكذلك ذكر القفطي في ترجمة شمر بن حمدويه الهروي (٢٥٥ هـ) أنه لقي جماعة من أصحاب أبي عمرو الشيباني وأبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة والفراء، ثم عد منهم: الرياشي (٢٥٧ هـ) وأبا نصر (٢٣١ هـ) وسلمة بن عاصم (٢٧٠ هـ) وأبا عدنان (٣). وذكره أبو الطيب اللغوي مع أبي عكرمة الضبي صاحب كتاب الخيل (٢٥٠ هـ) وقال: "وقد روى أبو عدنان عن أبي زيد كتبه كلها" (٤). فالظاهر أن ما ورد في الفهرست إلى قوله "العلماء من السلف" هو العنوان الكامل لكتاب أبي عدنان، ومعناه أنه أورد في كتابه أحاديث النبي ﷺ ، وأتبعها بما فسّرها به العلماء من السلف. ولعلّ في نصّ الفهرست شيئًا من الخلل يدلّ عليه ما نقله القفطي في كتاب الإنباه. وإني لأستغرب أن الباحثين في غريب الحديث لم يتعرضوا إلى ما ذهب إليه الدكتور حسين نصّار، وكان أحقّهم بذلك الدكتور محمود محمد الطناحي،

стр. 16

لأنه كتب في هذا الموضوع أكثر من مرة. فهل ظنّوا أن عدم الالتفات إلى رأي الدكتور حسين نصّار أولى به وأن ذلك يجعله مطرحًا منسيًا؟ ولكني ألفيت أحد الباحثين قد تأثر بهذا الرأي، فافتتح الفصل الذي عقده في كتابه لإحصاء معاجم غريب الحديث بكتاب أبي عدنان السلمي (١). (٢) الغرائب المشهورات ومناهجها منذ ظهرت الكتب الأولى في غريب الحديث على أيدي علماء اللغة لم تنقطع سلسلة التأليف في هذا الفن، فلم يخل عصر من العصور من الجامعين فيه. وقد بلغ عدد مصنفات غريب الحديث فيما أحصاه أحد الباحثين نحو ٩٠ كتابًا، مع أنه قد فاته ذكر بعض الكتب التي وصلت إلينا فضلًا عن غيرها (٢). وقد تنوّعت مناهج المؤلّفين في ترتيب كتبهم وتفسير الغريب، أشير إليها في السطور الآتية بإيجاز، مع الإلماع في غضون ذلك إلى مكانتها: ١ - منهج اللغويين الأوائل وهو المنهج الذي اتبّعه أبو عبيدة وغيره من علماء اللغة في القرنين الثاني والثالث، فكانوا يوردون الأحاديث دون ذكر أسانيدها، ثم يفسّرون غريب ما فيها باختصار أو شيء من البسط (٣). ٢ - منهج أبي عدنان كان أبو عدنان من أصحاب أبي عبيدة وأبي زيد وطبقتهما كما سبق، لكنه

стр. 17

اختار لكتابه في غريب الحديث منهجًا جديدًا، فرتّب كتابه على أبواب السنن والفقه وذكر فيه الأسانيد أيضًا، كما وصفه ابن درستويه. ٣ - منهج أبي عبيد لما ألّف أبو عبيد القاسم بن سلام (٢٢٤ هـ) كتابه الحافل وجمع فيه ما تفرّق في كتب أبي عبيدة والأصمعي وغيرهما، وأضاف إليه أحاديث وآثارًا كثيرة أوردها مع أسانيدها، قدم أحاديث رسول الله ﷺ ، وأتبعها آثار الصحابة ثم التابعين، جامعًا آثار كل منهم في مكان واحد. وامتاز تفسيره "بصحة المعنى وجودة الاستنباط وكثرة الفقه (١) ". فصار كتابه قدوة "لما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة، والمعاني اللطيفة والفوائد الجمة" (٢). وحذا حذوه في هذا المنهج ابن قتيبة (٢٧٦ هـ) الذي تتبع ما فات أبا عبيد، فاستدرك عليه في كتابه المشهور، وكذلك أبو محمد قاسم بن ثابت العوفي السرقسطي (٣٠٢ هـ) في الأندلس، وأبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (٣٨٨ هـ) في المشرق، وكلاهما استدرك على ابن قتيبة، ولم يطّلع الثاني على كتاب الأول. وهذه الكتب الأربعة هي أمهات هذا الفن، وإن لم يشتهر كتاب العوفي - مع علو منزلته - في بلاد المشرق، لتأخّر وصوله إليها. وقد دارت حول هذه الأصول الجلية مؤلفات كثيرة لشرحها أو اختصارها، أو ترتيبها، أو إصلاح غلطها، أو الانتصار لها، أو تفسير شواهدها، أو جمعها وتلخيصها في كتاب واحد.

стр. 18

٤ - منهج إبراهيم الحربي انتهج أبو إسحاق إبراهيم الحربي (٢٨٥ هـ) في كتابه منهجًا بديعًا إذا أراد أن يجمع فيه بين نظام المسانيد عند علماء الحديث ونظام التقاليب الذي اخترعه الخليل بن أحمد (١٧٥ هـ)، فلم يسلم له هذا ولا ذاك. فإذا ذكر حديثًا من أحاديث صاحب المسند، ليفسّر الكلمة الغريبة التي ورد فيها، أتبعه أحاديث من المسانيد الأخرى، وردت فيها ألفاظ من مادة الكلمة الأولى، وقد يقلب المادة ولا يكون في بعض تقاليبها حديث أو أثر ولكنه يفسّر ألفاظًا لغوية من تلك التقاليب (١). ثم أفاض في تفسير غريب الحديث وشرحه وأكثر من الاستشهاد، وأسند رواياته عن علماء اللغة وغيرهم، "فطال بذلك كتابه، وبسبب طوله ترك وهجر، وإن كان كثير الفوائد جم المنافع، فإن الرجل كان إمامًا حافظًا متفننًا عارفًا بالفقه والحديث واللغة والأدب" (٢). وما وصل إلينا من كتاب الحربي شاهد بصحة ما وصفه به ابن الأثير. ٥ - منهج الهروي كان أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي (٤٠١ هـ) صاحب الأزهري (٣٧٠ هـ) معاصرًا للخطابي (٣٨٨ هـ). وهو أول من جمع في كتابه بين غريب القرآن وغريب الحديث، ولعلّ فكرة الجمع هي التي هدته إلى منهج جديد ميسّر لترتيب كتابه، فاستخرج الألفاظ الغريبة من الأحاديث ورتّبها على أصول حروفها بادئًا بالحرف الأول ملتزمًا بالثاني ثم الثالث إلا إذا خاف في كلمة أن لا يفرّق طلبة الحديث بين الحرف الأصلي والحرف الزائد فيها، فأثبتها في باب

стр. 19

الحرف الأول وإن كان زائدًا. ثم كان شرطه الاختصار فحذف الأسانيد وقلل الشواهد، وأوجز التفسير، "فانتشر كتابه بهذا التسهيل والتيسير في البلاد والأمصار، وصار هو العمدة في غريب الحديث والآثار" كما قال ابن الأثير (١). واستدرك على كتاب الغريبين للهروي الحافظ أبو موسى محمد بن عمر المديني الأصفهاني (٥٨١ هـ) فجمع ما فاته في كتاب مرتّب على ترتيب الأول ومقارب له في حجمه وفائدته. وعلى هذين الكتابين بني مجد الدين ابن الأثير (٦٠٦ هـ) كتابه "النهاية في غريب الحديث والأثر" فاستخلص منهما مادة غريب الحديث، مشيرًا إلى كل منهما برمز خاص، ثم زاد عليهما زيادات كثيرة من الكتب الأخرى، فجمع كتابه بين مزيتين: مزية الإحاطة بغريب الحديث ومزية حسن الترتيب وقرب المأخذ، فصار صيته في الآفاق، واستغنى طلاب العلم عن غيره من المصنّفات. ٦ - منهج الزمخشري اتبع أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (٥٨٣ هـ) منهج الهروي غير أنه رأى أن الحديث الواحد عنده يتفرّق في حروف مختلفة حسب الكلمات الغريبة التي وردت فيه، فحرص في كتابه الفائق على أن يورد الحديث، ويفسّر ألفاظه الغريبة كلها في مكان واحد، فأدّى ذلك إلى أن جاءت كثير من الألفاظ في غير حروفها. فتدارك ذلك بالإشارة في آخر كل فصل إلى الكلمات الباقية منه والإحاطة على مواضعها. ولعلّ النسخة التي اطّلع عليها ابن الأثير من كتاب الفائق خلت من تلك الإحاطات فقال: "ولكن في العثور على طلب الحديث منه كلفة ومشقة"، وقال أيضًا: "فترد الكلمة في غير حروفها، وإذا تطلبها الإنسان

стр. 20

تعب حتى يجدها" (١). هذه هي المناهج التي اتبعها أصحاب غريب الحديث في ترتيب مؤلفاتهم، ثم كان لكل كتاب منها سمات خاصة في تفسير الغريب لا موضع لتفصيلها هنا. الكتب المذكورة آنفًا تناولت غرائب الأحاديث والآثار بصورة عامة. وهناك قسم من كتب الغريب قصرها مؤلفوها على كتاب من كتب الحديث، نحو تفسير غريب الموطأ لأبي عبد الله أصبغ بن الفرج بن سعيد (٢٢٥ هـ)، وكتاب أبي عمر الزاهد (٣٤٥ هـ) في تفسير غريب مسند الإمام أحمد بن حنبل، وشرح غريب كتاب الإمام البخاري لابن الصابوني (٤٢٣ هـ). وقد أفرد أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري (٣٢٨ هـ) رسائل لتفسير بعض الأحاديث نحو شرحه لغريب كلام هند بن أبي هالة في صفة رسول الله ﷺ ، وشرحه غريب حديث أم زرع، وشرحه غريب خطبة عائشة أم المؤمنين في أبيها، ﵄. ولابن الأنباري كتاب مستقل في غريب الحديث أيضًا. (٣) من الغرائب المخطوطة لم يبق من تراث غريب الحديث إلا الثلث أو أزيد منه قليلًا. ونحمد الله سبحانه على أن معظم أصول هذا الفن ومصنّفاته المشهورة قد وصلت إلينا وتم تحقيقها وطبعها. ومنها الكتب الأربعة الأمهات: كتب أبي عبيد (٢) وابن قتيبة (٣)

стр. 21

والعوفي (السفران الثاني والثالث) (١) والخطابي (٢). ثم مجلدة - وهي المجلدة الخامسة - من كتاب الحربي (٣)، ثم كتب الهروي (٤)، وأبي موسى المديني (٥)، والزمخشري (٦)، وابن الأثير (٧). ثم كتاب عبد الملك بن حبيب القرطبي (٢٣٨ هـ)، وكتاب أبي عبد الله محمد بن عبد الحق المالكي (٦٢٥ هـ) في تفسير

стр. 22

غريب الموطأ (١)، وكتاب مشارق الأنوار في صحاح الآثار للقاضي عياض (٥٤٤) (٢)، ومجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار لمحمد الفتَّني (٩٨٦ هـ) (٣). ومن رسائل أبي بكر ابن الأنباري شرح خطبة عائشة ﵂ (٤). ومن كتب غريب الحديث التي لا تزال مخطوطة: ١ - مجموع غريب الحديث لأبي منصور محمد بن عبد الجبار السمعاني (٤٥٠ هـ) وهو من مصادر الصغاني في كتابي العباب والتكملة (٥). وقد أشرت على أحد زملائي - وهو الدكتور عثمان نجران - بتحقيقه، ودللته على نسخته الثانية المحفوظة في المتحف البريطاني - وكانت مجهولة المؤلف - فنال بتحقيق قسم منه شهادة الدكتوراة من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة سنة ١٤٢٣ هـ. ٢ - مجمع الغرائب للحافظ أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي النيسابوري (٥٢٩ هـ) (٦). ٣ - تقذية ما يقذي العين من هفوات كتاب الغريبين للحافظ أبي موسى

стр. 23

المديني الإصبهاني (٥٨١ هـ) صاحب المجموع المغيث (١). ٤ - إيجاز الغرائب وإنجاز الرغائب لجمال الدين عبد الرزاق بن أبي جعفر البيهقي النيسابوري (القرن السادس). وقد كنت قرأت في مذكرات الميمني ﵀ قوله في الكتاب المذكور: "كتاب في غرائب الألفاظ جليل جدًا. مرتّب كالمجمل" (٢) فأغراني كلامه بالاطّلاع عليه، ولكن لما وصلتني صورة من نسخته المحفوظة في مكتبة ولي الدين وجدته كتابًا في غريب الحديث مبنيًا على اختصار شديد. ٥ - مقاصد أبي عبيد في معرفة غرائب أحاديث النبي ﷺ لأبي منصور المظفّر بن الحسين الفارسي (القرن السادس). ذكرته هنا لأنه مما فات فؤاد سزكين ذكره في الكتب الدائرة حول كتاب أبي عبيد. ومنه نسخة مصوّرة في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة وأصلها كتب سنة ٥١٣ هـ. ٦ - مجمع الغرائب ومنبع الفوائد لأبي عبد الله محمد بن محمد بن علي الكاشغري (٧٠٥ هـ). وقد حقق سنة ١٤٠٩ هـ في رسالة ماجستير في جامعة أم القرى (٣). ٧ - جمل الغرائب لبيان الحقّ النيسابوري (القرن السادس). ولما كان هذا الكتاب الأخير قد انفرد ببعض المزايا رأيت أن أعرّف به في هذه الندوة الكريمة، ولكن قبل أن أتحدّث عنه يحسن أن نقف على سيرة مؤلفه.

стр. 24

الفصل الأول سيرة بيان الحق ومؤلفاته من الطريف أن ثلاثة كتب من غرائب الحديث المخطوطة التي ذكرت من قبل، أصحابها من نيسابور، وأحدهم مشهور، وهو الحافظ أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي (٤٥١ - ٥٢٩ هـ) (١) والثاني مجهول وهو عبد الرزاق بن أبي جعفر البيهقي (٢). والثالث صاحبنا بيان الحقّ الذي ترجم له ياقوت الحموي (٦٢٦ هـ) في معجم الأدباء ترجمة قصيرة لا تشفي الغليل فإنه لم يشر فيها إلى زمنه فضلًا عن مولده ووفاته (٣). وهذه الترجمة هي التي نقلها بنصّها جلال الدين السيوطي (٩١١ هـ) في بغية الوعاة (٤)، وعن السيوطي تلميذه شمس الدين الداوودي (٩٤٥ هـ) في

стр. 25

طبقات المفسّرين (١). وقد أفاد الدكتور إحسان عباس في حاشية نشرته لمعجم الأدباء إلى أن صلاح الدين الصفدي (٧٦٤ هـ) ترجم لبيان الحق في الوافي، وعدّ له كتبًا كثيرة، وأورد فاتحة كتابه إيجاز البيان. لم أتمكن من الاطلاع على مخطوطة الوافي، ولكن أظن أن الصفدي لم يأت بجديد فيما يتعلق بحياة بيان الحق، وإلا ذكره الدكتور إحسان عباس (٢). وإنني أورد هنا أولًا نص ترجمته من معجم الأدباء. (١) ترجمته في معجم الأدباء قال ياقوت: "محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري، الغزنوي، يلقب ببيان الحق. كان عالمًا بارعًا مفسّرًا لغويًا فقيهًا متفننًا فصيحًا. له تصانيف ادّعى فيها الإعجاز. منها كتاب خلق الإنسان، وجمل الغرائب في تفسير الحديث، وإيجاز البيان في معاني القرآن، وغير ذلك. ومن شعره: فلا تحقرن خلقًا من الناس علّه ... وليُّ إله العالمين ولا تدري

стр. 26

فذو القدر عند الله يخفى على الورى ... كما خفيت عن علمهم ليلة القدر" (١) هذه الترجمة لا تشير إلى زمن المؤلف كما سبق، ومن ثم يعد ما أفاده إسماعيل باشا البغدادي من أنه أكمل كتابه إيجاز البيان عن معاني القرآن سنة ٥٥٣ هـ بالخجند (٢)، أهم إضافة إلى ما جاء في كتاب ياقوت، فقد تعين بذلك زمن المؤلف. ولعلّ البغدادي وقف على نسخة لكتاب إيجاز البيان ذكر في آخرها زمن تأليفه، فنقله منها. وليس بوسعنا توثيق هذا النقل لأن النسخ الخمس التي عرفناها من كتاب إيجاز البيان خلت من ذكره. ونسخ جمل الغرائب وباهر البرهان وخلق الإنسان أيضًا لا تفيدنا في هذا الشأن، غير أن بعض الأخبار المذكورة في هذه الكتب تدلّ على أن بيان الحقّ عاش في القرن السادس الهجري. (٢) زيادات متفرقة وهناك إشارات قليلة متفرقة تضيف بعض الملامح إلى سيرته الواردة في كتاب ياقوت نذكرها فيما يلي: أ- وردت كنية المؤلف في أول إيجاز البيان: "أبو القاسم" ولعلّه وردت أيضًا في نسخة جمل الغرائب التي وقف عليها حاجي خليفة فإنه كنّى المؤلف بهذه الكنية. و"قاسم" أحد ابنيه اللذين ذكرهما المؤلف في مقدمة جمل الغرائب. ب- اللقب الذي اشتهر به المؤلف "بيان الحق"، ذكره ياقوت وورد في

стр. 27

أوائل كتبه. ولقّبه حاجي خليفة بـ"نجم الدين" في رسم إيجاز البيان، والتذكرة والتبصرة (١)، ولم يقف عليهما وإنما مصدره فيما وصفهما به كتاب جمل الغرائب، ولكنه لما ذكر جمل الغرائب (٢) قال: "للقاضي بيان الحق شهاب الدين محمود بن أبي الحسن النيسابوري" فهل وجد لقب المؤلف في نسخة جمل الغرائب "شهاب الدين" أو "نجم الدين"؟ السياق يقتضي أن يقبل "شهاب الدين" الذي ذكره في رسم جمل الغرائب. ولكنّ ذكره "نجم الدين" في موضعين، ثم اقتصار البغدادي عليه مع وقوفه أيضًا على جمل الغرائب، وإغفاله لقب "شهاب الدين" كل ذلك يرجّح "نجم الدين" وإن كنا لا نملك دليلًا قاطعًا على ذلك. ج- نسبة "النيسابوري" أجمعت عليها فواتح كتبه واقتصر عليها بيان الحق في مقدمة جمل الغرائب، أما "الغزنوي" فذكرها ياقوت تالية للنيسابوري، وذلك يدلّ على أن أصل بيان الحق في نيسابور، ولد ونشأ فيها، ثم ارتحل إلى "غزنة" وأقام فيها (٣)، ومما يؤيّد نسبة "الغزنوي" أن بيان الحق حينما ذكر الدولة الغزنوية قال: "وقد نظم ذلك بعض كتّاب هذه الدولة في الأمير الماضي ﵀ ... ". ثم نقل بيتين لأبي الفتح البستي قيل إنهما في السلطان محمود الغزنوي (٤٢١ هـ) (٤). وقد نقل في موضع آخر أيضًا قصة جرت بين يدي السلطان بلفظ "وقد حكي أن رسولًا من أهل بلغار ورد على الأمير الماضي - أنار الله برهانه - ... " (٥). وجاء نص آخر في كتاب جمل الغرائب: " ... ولقد حمل جفنته ﵇ بعض السادة إلى الحضرة فشرب منها السلطان الرضي قدس الله روحه .. ".

стр. 28

هنا وردت في نسخة الإسكوريال حاشية لأحد العلماء، وقد تكون للناسخ: "السلطان الرضي هو إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين". ومن المعلوم أن السلطان المذكور توفّي سنة ٤٩٢ هـ بعدما حكم نحو أربعين سنة (١). فإشارة بيان الحق في النص الأول إلى الدولة الغزنوية بلفظ "هذه الدولة" وكذلك ذكره السلطان محمودًا والسلطان إبراهيم بالوصف دون تسميتها، صريح الدلالة على أن بيان الحق عاش في ظل الدولة الغزنوية، وفيها شاب رأسه لأنه ألّف جمل الغرائب في كبره. وقد انتهت الدولة الغزنوية سنة ٥٤٨ هـ حينما استولى علاء الدين الغوري على غزنة ونهبها وأحرقها. أما نسبة "القزويني" التي تفرّد بها إسماعيل باشا البغدادي وذكرها مع النيسابوري، فأخشى أن يكون تحريفًا لنسبة "الغزنوي" والله أعلم. د- جاء في خطبة باهر البرهان: "قال القاضي الإمام العالم بيان الحق خاتم المفسّرين ... " فعلم من ذلك أن بيان الحق كان قاضيًا، ووصفه بذلك صاحب كشف الظنون أيضًا (٢) ولكن أين تقلّد القضاء ومتى؟ لعلّ ذلك كان في الدولة الغزنوية. وفي خطبة إيجاز البيان وصف بـ"فخر الخطباء"، وهذا الوصف أيضًا لم يرد في كتاب ياقوت. هـ- ذكر بيان الحق في مقدمة كتابه جمل الغرائب ابنين له محمدًا وقاسمًا. قال: " ... وأن يسعد ابنيه محمدًا وقاسمًا بأنفع العلم فيما يتعلّمانه، وأرشد العمل بما يعلمانه، حتى يفوزا بالسعادة في الآخرة والأولى، ويحظيا بالقرة من الله تعالى والزلفى، إنه وليه والقادر عليه".

стр. 29

وقد عثرت محققة باهر البرهان على ذكر أولهما في روضات الجنات للخوانساري (٣: ١٠٤) إذ قال: "هذا ومن جملة من يعرف بلقب النيسابوري أيضًا هو الشيخ معين الدين قاضي القضاة محمد بن محمود بن أبي الحسن النيسابوري صاحب غريب القرآن المأخوذ من كتاب الشيخ أبي بكر محمد بن عزيز السجستاني المشهور وقد كتبه لأجل ولده القاضي جمال الدين محمود. وكان عندنا نسخة منه مختصرة لطيفة" (١). يدلّ هذا النص الذي يظهر أن الخوانساري نقله من نسخة الكتاب التي كانت عنده أن ابن بيان الحق، وحفيده كليهما كان قاضيًا. وقد روى أبو الخطاب عمر بن محمد بن عبد الله العليمي عن ابنه سبب إنشاد بيان الحق للبيتين السابقين فقال: "سمعت القاضي أبا العلاء محمد بن محمود بن أبي الحسن الغزنوي قدم علينا بنيسابور رسولًا ... " (٢). وكان القاضي أبو العلاء صديقًا لأبي سعد السمعاني (٦٥٢ هـ) وله كتاب "سر السرور" في ذكر شعراء عهده (٣). (٣) هل ولي بيان الحق التدريس في حلب؟ ذكرت محققة باهر البرهان في ترجمة بيان الحق أنه تولّى التدريس في

стр. 30

المدرسة الحلاوية في حلب ثم في المدرسة المعينية بدمشق (١). وقالت في موضع آخر في ذكر رحلاته بعنوان "رحلته إلى بلاد الشام": "أ- رحلته إلى حلب: أشار إلى ذلك القفطي وابن قطلوبغا واللكنوي فبعد عدة رحلات وتنقلات ... توجّهت أنظاره تلقاء بلاد الشام .. فقصد مدينة حلب، وبقي فيها مدة من الزمن لم أقف على تحديدها، يدرس فيها في المدرسة الحلاوية". وأحالت على إنباه الرواة ٢/ ١٣٨ - ١٣٩ وتاج التراجم: ٥٨ والفوائد البهية: ١٨٨. ثم قالت: "ب- انتقل بعدها المؤلف إلى دمشق - أشار إلى ذلك النعيمي - وبها وقف قطار سفره، وكانت مستقرة حيث أخذ يمارس مهنة التعليم فيها في المدرسة المعينية، حتى توفّاه الله ". وأحالت على الدارس في تاريخ المدارس ١: ٥٨٩ (٢). وذكر محقق إيجاز القرآن (ط دار الغرب الإسلامي) أيضًا أن بيان الحق درس في المدرسة المعينية بدمشق استدلالًا بهذا الموضع من كتاب الدارس. وفي ذلك كله نظر. أما رحلته إلى حلب وتدريسه في المدرسة الحلاوية فاستدلت محققة باهر البرهان عليه بقول القفطي في ترجمة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي الأشيري المغربي (٥٦١ هـ): "وسلمه الله إلى أن وصل إلى حلب ونزل على العلاء محمود الغزنوي المدرس بمدرسة الحلاويين ظاهر باب الجامع، وأقام عنده مرة ... " وكذلك بما ذكره ابن قطلوبغا واللكنوي في ترجمة رضي الدين

стр. 31

محمد بن محمد السرخسي (٥٧١ هـ) أنه قدم حلب ودرس بالمدرسة الحلاوية بعد محمود الغزنوي. ثم قالت: "ولعلّ المذكور هو المؤلف ﵀". الحق أنه لا صلة للمذكور بل للمذكورين بالمؤلف. فإن المذكور في ترجمة السرخسي: محمود بن العلاء الغزنوي، والعلاء الغزنوي فقيه مشهور كان يدرس بالنورية والحلاوية، وهو عبد الرحمن بن محمود بن محمد بن جعفر، أبو الفتح، وقيل أبو محمد الحنفي الملقّب علاء الدين. ذكره ابن شداد ووصفه بـ"الفقيه الإمام" وقال إنه تولّى المدرسة بعد خروج برهان الدين البلخي وقام بها مدرسًا إلى أن توفّي بحلب سنة ٥٦٤ هـ، وتولّى تدريسها بعده ولده محمود وكان صغيرًا فتولى تدبيره وترتيبه الحسام علي بن أحمد بن يكي الرازي الوردي (١). وقد ولى نور الدين الرضي السرخسي بعد محمود. قال ابن العديم: "ولاّه نور الدين المدرسة الحلاوية بعد ولد العلاء الغزنوي" (٢). وبذلك يمكن تصحيح ما ورد في كتاب الإنباه للقفطي. فقوله: "ونزل على العلاء محمود الغزنوي"، صوابه: "العلاء بن محمود". لأن النازل - وهو أبو علي المغربي - أقام عنده إلى سنة ٥٥٩ هـ ثم توفّي سنة ٥٦١ هـ، والذي تولّى التدريس بالمدرسة الحلاوية في هذه المدرسة هو العلاء الغزنوي لا ابنه محمود. وبهذا التفصيل انتفت رحلة بيان الحق النيسابوري إلى حلب. أما رحلته إلى دمشق وتدريسه في المدرسة المعينية فالدليل الوحيد على ذلك أن النعيمي عد مدرسيها فقال: "والذي علم من مدرسيها الشيخ رشيد الدين الغزنوي إلى حين توفّي بها، ثم من بعده نجم الدين النيسابوري إلى حين

стр. 32

توفّي، وتولّى من بعده سراج الدين محمد ولده" (١). فاعتقدت المحققة أن "نجم الدين النيسابوري" هو بيان الحق الذي لقبّه حاجي خليفة نجم الدين، وكذلك ابنه سراج الدين محمد ولد بيان الحق. ولكن ما الدليل على أن نجم الدين هذا هو بيان الحق؟ ألا يمكن أن يكون هذا نجمًا آخر من نجوم الدين طلع في سماء نيسابور نفسها؟ ثم اللقب الذي اشتهر به ولده محمد هو معين الدين لا سراج الدين، كما سبق. (٤) مذهبه في العقيدة يسلك بيان الحق في تأويل الصفات مسلك الأشاعرة والماتريدية. وقد ذكر في تفسير سورة الفاتحة قاعدة في ذلك، فقال: "وههنا إشكال آخر معنوي في كيفية غضب الله، فينبغي أن تعلم أن الغضب من الله يخالف غضبنا، فإنه منا شهوة الانتقام عند غليان دم القلب، ومن الله إرادة المار بمن عصاه. وها هنا أصل تعرف به عامة الصفات المشكلة المعاني، وهو أن لا يذهب فيها إلى التوهم اللفظي بحسب المبدأ، ولكنه بحسب التمام، فأوصاف الله تعالى تحمل على الأغراض الانتهائية لا على الأعراض الابتدائية مثاله الرأفة والرحمة ... وكذلك المحبة ... والغضب يعرض لنا فينتقض الطبع على جهة الحمية ويتغير الوجه وتحمر العين، وربما يرتعد البدن، ثم يدعو إلى جنس من العقوبة يضاد الرضى. فيوصف الله تعالى به على هذا المعنى الأخير الذي هو الغاية والمآل. وعلى هذا يجري القول في الصفات، والله أعلم". وللفخر الرازي (٦٠٤ هـ) في تفسير كلام شبيه بكلام بيان الحق وقرّر أن هذا هو القانون الكلي في هذا الباب (٢). وقد ردّ على هذا الكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه فقال:

стр. 33

"وأن قول القائل (الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام) فليس بصحيح في حقنا، بل الغضب قد يكون لدفع المنافي قبل وجوده، فلا يكون هناك انتقام أصلًا. وأيضًا فغليان دم القلب يقارنه الغضب، ليس أن مجرد الغضب هو غليان دم القلب ... وأيضًا فلو قدر أن هذا هو حقيقة غضبنا لم يلزم أن يكون غضب الله تعالى مثل غضبنا، كما أنّ حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا، فليس هو مماثلًا لنا: لا لذاتنا، ولا لأرواحنا. وصفاته كذاته (١). وكذلك فسر قوله تعالى ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾ (البقرة ٢١٠)، فقال: "المراد: إتيان آيات الله، فذكر الله لتفخيم شأن الآيات" (٢) وستأتي أمثلة من تأويله عند الحديث عن كتاب جمل الغرائب. وفي بعض المسائل يساير بيان الحق المعتزلة أيضًا، ومنها نفي نسبة الإغفال والإضلال ونحوه إلى الله تعالى (٣). (٥) مذهبه في الفقه كان بيان الحق في الفقه من أتباع المذهب الحنفي. ويستعمل في مؤلفاته لفظ "عندنا"، و"عند أصحابنا"، و"مذهبنا" للأحناف، ويحتج لمذهبه، ويشير أحيانًا إلى المذهب الشافعي أيضًا (٤). ومن أمثلة ذلك قوله في الكلام على قوله تعالى ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾ (البقرة: ١٩٦):

стр. 34

"قال الشافعي رحمه الله تعالى: الإحصار منع العدو، لأنها نزلت في عمرة الحديبية عام صد النبي ﷺ ، ولأنه قال: (فإذا أمنتم). وعندنا يكون الإحصار بالمرض أيضًا، وهو مذهب ابن عباس وابن مسعود. وخطأ أبو عبيدة وإسماعيل ابن إسحاق القاضي الشافعي وقالا: الإحصار في المرض، والحصر في العدو" (١). (٦) مؤلفاته لم يذكر ياقوت في ترجمة بيان الحق من مؤلفاته إلا ثلاثة كتب، ثم قال: "وغير ذلك". ولولا أن بيان الحق أشار في مقدمات كتبه التي وصلت إلينا إلى مؤلفات أخرى له لم يبلغ عددها عند البغدادي تسعة كتب فإنه اعتمد في قائمته على كشف الظنون ومقدمة إيجاز البيان، على تفرده بعنوان جديد لا نعرف مصدره، ووهمه في أحدها، وسهوه عن ذكر كتاب خلق الإنسان مع كونه مذكورًا في كشف الظنون. وقد أشار بيان الحق في أثناء كتبه أيضًا إلى بعض مؤلفاته. فعني كل من حقق كتابًا من كتبه بإحصاء مؤلفاته في ضوء المراجع والكتاب الذي اعتنى به. وقد بذتهم جميعًا سعاد بابقي محققة كتاب باهر البرهان، إذ تصفحت كتب بين الحق المخطوطة أيضًا واستخرجت منها أسماء مؤلفاته فبلغ عددها في الفهرس الذي أعدته نحو ٢٠ كتابًا. وقد زدت عليها كتابين، وأورد هنا عناوينها مرتبة على حروف المعجم مع تقديم المطبوع على المخطوط ثم المفقود. أولًا: المطبوع ١ - إيجاز البيان عن معاني القرآن ذكره المؤلف في مقدمة جمل الغرائب. وقد طبع مرتين: مرة بتحقيق

стр. 35

الدكتور حنيف بن حسن القاسمي سنة ١٩٩٥ م بدار الغرب الإسلامي في بيروت وأصله رسالة علمية قدمت لنيل درجة الدكتوراه ونوقشت في جامعة أم القرى سنة ١٤١١ هـ = ١٩٩١ م. واعتمد المحقق فيها على ثلاث نسخ من الكتاب محفوظة في مكتبة شورى ملي بطهران، ومكتبة كوبريلي، وجامعة إستنبول. ومرة أخرى طبع الكتاب بتحقيق الدكتور علي بن سليمان العبيد سنة ١٤١٨ هـ = ١٩٧٧ م، ونشرته مكتبة التوبة بالرياض. واعتمد فيها على نسختي طهران وبرلين. وللكتاب نسخة خامسة في مكتبة معهد البحوث العربية والفارسية بمدينة تونك في الهند، وهي في ١٥٩ ورقة وكتبها عبد الله بن محمد بن محمد الترمذي بمدينة الخجند سنة ٦٥٨ هـ. وقد مرة في أول هذا الفصل ما ذكره البغدادي أن النيسابوري فرغ من تأليف هذا الكتاب بالخجند سنة ٥٥٣ هـ. ٢ - باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن ذكره المؤلف في مقدمة إيجاز القرآن. وتحتفظ مكتبة تشستربيتي بمجموع يشتمل على عدة كتب منها كتاب لبيان الحق سمي في المخطوط بعنوان "وضح البرهان في مشكلات القرآن" وحقّقه عن هذه النسخة وبهذا العنوان صفوان عدنان داوودي. وصدرت هذه النشرة عن دار القلم بدمشق والدار الشامية في بيروت سنة ١٤١٠ هـ. وعن النسخة المذكورة نفسها حققته سعاد بن صالح بن سعيد بابقي في رسالة ماجستير تحقيقًا علميًا بذلت فيه جهدًا جهيدًا. ونشرتها جامعة أم القرى في أربعة مجلدات (١)

стр. 36

سنة ١٤١٨ هـ = ١٩٩٧ م. وقد رجحت المحققة أن كلمة "وضح" في عنوان المخطوط من عمل النسّاخ، لأن عنوان "وضح البرهان" لم يرد في كتب بيان الحق ثم ما وصف به المؤلف كتابه "باهر البرهان" في مقدمة إيجاز القرآن يصدق على هذا المخطوط، ومن ثم نشرته بعنوان "باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن". ثانيًا: المخطوط ٣ - جمل الغرائب في تفسير غريب الحديث، ذكره ياقوت وصاحب كشف الظنون (١). ويشتغل بتحقيقه أخي الدكتور محمد راشد أيوب الإصلاحي في لندن على ثلاث نسخ وهو موضوع هذا البحث. ٤ - جملة الغرائب في الحساب موضوعه الفرائض. ونسخة منه في ٤٥ ورقة محفوظة في معهد البيروني

стр. 37

بطشقند برقم ٢٠٢٢، وتاريخ نسخها سنة ٦٤٧ هـ (١). لم يذكر هذا الكتاب في المراجع. ٥ - خلق الإنسان ذكره ياقوت وصاحب كشف الظنون (٢). وصل إلينا نصفه الثاني في نسخة بدار الكتب المصرية برقم ٢٤٤٥ أدب وهي في قسمين: القسم الأول في ١٥٠ ورقة والقسم الثاني في ٣٠٢ ورقة. وصورة منها في مكتبة مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى (٣). ثالثًا: المفقود ٦ - الأسولة الرائعة والأجوبة الصادعة ذكره بيان الحق في مقدمة كتابه إيجاز القرآن وكلمة "الأسولة" كذا جاءت بالواو في نسخ الكتاب، وهي لغة في "الأسئلة". وسمّاه البغدادي " ... الصارعة إلى حلبة البيان وحلية الإحسان" (٤). وفيه تحريف وزيادة. أما التحريف ففي كلمة الصارعة بالراء، وصوابها بالدال. والزيادة سببها الخطأ في فهم عبارة بيان الحق وهي قوله: "ومن أراد محاورة المتكلمين ومحاضرة المتأدبين فلينظر من أحد كتابينا: إما كتاب "باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن"، وإما كتاب "الأسولة الرائعة

стр. 38

والأجوبة الصادعة" إلى حلبة البيان، وحلية الإحسان، وزبدة التفاسير، ولمعة الأقاويل" (١). قول المؤلف "إلى حلبة البيان ... " متعلق بقوله "فلينظر". فتوهّم البغدادي أنه متعلق بكلمة "الصادعة" ولعلّه رأى أن الحلبة موضع الصراع، فقرأها "الصارعة" بالراء. وله وهم آخر في فهم هذه العبارة وسيأتي. وقد تبع البغدادي في التحريف والزيادة كليهما محققا وضح البرهان (٢)، وإيجاز البيان (طبعة الرياض) (٣)، وفي الزيادة فقط محققة باهر البرهان (٤). ٧ - أصول الفقه ذكره في جمع الغرائب بقوله: "وقد أوردت في (أصول الفقه) من تصنيفي جملة أنواع المجاز ... فمن أراد تحقق هذه التأويلات فعليه بذلك الكتاب" (٥). ٨ - أعلام العلوم ورد في مخطوطة كتابه خلق الإنسان (ل ٢٨٤/ب): " ... ولنا من جملة كتب الغرائب في الحديث، وكتب أعلام العلوم، كتاب في الأدب ... ".

стр. 39

كذا نقلته محققة باهر البرهان (١)، ولعلّ الصواب: وكتاب أعلام العلوم. ٩ - التأثيرات الروحانية ذكره في كتابه خلق الإنسان (ل ٧٧/أ) وهو في علم الفلك (٢). ١٠ - التذكرة والتبصرة وهو في الفقه. ذكره المؤلف في مقدمة جمل الغرائب قائلًا: " ... وكذلك أرشده في متفق الفقه من كتاب التذكرة والتبصرة إلى ألف نكتة حرّرها وأوجزها، تطرد أكثر مسائل الفقه عليها، ويسند الاجتهاد في الفتوى ظهره إليها". ثم ذكر أنه هو وكتابه ملتقى الطرق "لا يزيدان على مائة ورقة بين بين". ومن هنا ذكره حاجي خليفة وغيره (٣). ١١ - التفصيل للتفسير والتأويل وهو عنوان كتاب كبير له في التفسير. ذكره في كتابه خلق الإنسان (ل ٢٠١/أ) بقوله: " ... وشرحنا جميعها بألخص شرح في التفسير الكبير المعنون (التفصيل للتفسير والتأويل) ... ". وسمّاه في موضع آخر منه (ل ٢٨/ب) بـ"كتاب التفصيل بين التفسير والتأويل" (٤). ١٢ - دور الكلمات على غرر الآيات الموهمة للتعارض والشبهات تفرد بذكر البغدادي (٥)، ولم يورد أوله.

стр. 40

١٣ - شرح الأبيات الواردة في كتاب باهر البرهان أشار إليه في كتاب باهر البرهان بقوله: "كما نشرحه في كتاب بعد هذا مفرد في معاني أبيات هذا الكتاب" (١). ١٤ - شوارد الشواهد وقلائد القصائد ذكره المؤلف في مقدمة إيجاز البيان (٢). ١٥ - العلالة في مسألة اليمين على شرب ماء الكوز ولا ماء في الكوز ذكره في كتابه باهر البرهان (٣). في الطبعتين من الكتاب "غلالة" بالغين المعجمة، وضبطت في طبعة أم القرى بفتح الغين، ولا معنى لها، ولعلّ الصواب: علالة، بضم العين المهملة كما أثبتنا، وهي في اللغة: ما يتلهى به، وكذلك بمعنى الجري بعد الجري. ١٦ - غرر الأقاويل في معاني التنزيل ذكره في مقدمة إيجاز البيان بقوله "ومن أراد التبحّر والتكثّر فعليه بكتابنا "غرر الأقاويل في معاني التنزيل". ومن هنا ذكره البغدادي في إيضاح المكنون (٤) ولكن سها عن ذكره في هدية العارفين، ولما ذكره ناشر وضح البرهان قال: "أو زبدة التفاسير ولمعة الأقاويل" (٥)، كأن للكتاب عنوانين، وهو خطأ محض.
следующие страницы →