روى عن عامر وعائشة ابني سعد بن أبي وقاص". تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٢٤).
ص ١٠٤ - ١٠٥: نقل المؤلف من خط الوزير للسلامي:
قال السلاميّ إذا شئت أن ... تنصر مرحومًا ومسكينًا
فذاك من لم تر في كمّه ... من زمن التنطيح سكينًا
كذا أثبت المحقق البيتين، والصواب في البيت الأول: "أن تبصر محرومًا"، وفي الثاني: "البطيخ". وقد تحرّف محرومًا" في الأصل، أما "تبصر" فوضع الناسخ فوقها نقطتين، ولم ينقط من تحت. و"والبطيخ" أهمل إعجامها.
وقد ترجم المحقق هنا للشاعر العراقي المشهور أبي الحسن محمد بن عبيد الله السلامي المتوفى سنة ٣٩٣. وهذا خطأ، فإن الثعالبي أورد البيتين في تتمة اليتيمة (ص ٣٠٧) "للسلامي المقيم ببخاري"، ولم يذكر أسمه، وهو سلامي آخر بلا شك.
ص ١٠٥: وردت أربعة أبيات غير منسوبة، وهي للعباس بن الأحنف في ديوانه (ص ٤٥)، ومنها:
وما ذاك إلا حين خُبّرتُ أنه ... تمرّ بواد أنت فيه قريب
يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقّى طُنْبكم فيطيب
الصواب في عجز البيت الأول: "يمر" بالياء، لأن الضمير يعود على السيل، وهو غير منقوط في الأصل. و"فيه" صوابه: "منه"، كما في الأصل.
وفي البيت الثاني كذا أثبت: "طنبكم" مضبوطًا بضم الطاء وسكون النون، وفسر الطنب بقوله: "حبل يشد به الخباء والسرادق ونحوهما". والصواب: "طيبكم"، والكلمة صحيحة في الأصل، ولكن الناسخ لم يعجم الياء، وإنما وضع عليها كعادته علامة السكون، فقرأها المحقق نونًا!
ص ١١٥: في قصة الشاعر الذي مدح زبيدة بقوله:
стр. 387
تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكف من الرغاب
ورد قول زبيدة هكذا: "وإنما أراد أن يربي على قول الشاعر: ] الطويل [
شمالك أجود من يمين غيرك ... وقفاك أحسن من وجه سواك
فظن أنه إذا ذكر الرجلين أبلغ في المدح".
كذا أثبت المحقق هذا "البيت"، وقيّد بحره أيضًا وهو "الطويل". وهنا أعترف بعجزي، فلست بسبّاحٍ، وأخاف الغرق في البحر المتقارب، فكيف بالبحر الطويل أو المديد أو البسيط، وأخشى إن فعلت أن أكون مصداقًا لقول أبي الطيب:
يشمّر للُّجِّ عن ساقه ... ويغمره الموجُ في الساحل
والذي إخاله أنه ليس بيتًا من الشعر، وليس ذلك مقصودًا في النص. وإنما تريد زبيدة أن تقول إن الشاعر أنشدها البيت المذكور قد مرت عليه مثل هاتين العبارتين في كلام الشعراء، فأراد أن يزيد عليهما ويبالغ في المدح. وأقرب نص مما ورد هنا قرأته في نضر الإغريض (ص ٤٢١): " ... لأنه سمع قولهم في الشعر: شمالك أندى من يمين غيرك، وظهرك أحسن من وجه سواك، فظن أن الذي ذهب إليه من ذلك القبيل".
وفي زهر الآداب (ص ٣٤٩): " ... سمع قولهم: شمالك أندى من يمين غيرك فظن أنه ... ".
وفي التكرة الحمدونية (٢/ ١٤٣): " ... سمع الناس يقولون: وجهك أحسن من وجه غيرك، وشمالك أندى من يمني سواك، وقدر أن هذا مثل ذاك".
ص ١٢٣: " ... أبو المنذر هشام بن محمد قال: حدثني أبي الكلبي أن أسماء كنائن نوح صلى الله عليه، قال: اسم امرأة سام بن نوح ... ".
كذا أثبت المحقق النص، ولا تجد فيه خير أن في "أن أسماء"، وعلق بعد
стр. 388
"نوح صلى الله عليه": "في الأصل عبارة مقحمة فيها: (إذا كنت في زوايا برج حمام نمت الفراخ وسلمت من الآفات، قال هشام: قد جرّبته أنا وغيري فوجدته كما قال أبي).
السؤال هنا: من أقحم هذه العبارة في المتن؟ ألم يزعم المحقق أن النسخة بخط المؤلف؟ فإذا كان هو الذي أقحمها، فكيف يجوز لنا أن نتصرف في كتابه، فننتزعها من المتن، ونثبتها في الهامش؟
إن هذه لجراءة عجيبة من أستاذ له خبرة طويلة في التحقيق والتدريس، وله كتاب مفرد في أصول التحقيق. وقد أقدم على هذا التصرف دون تأمل ودون تفتيش، فلو تأمل النص لرآه قد أصبح بعد حذف العبارة مبتورًا، ولو فتش عنه لوجده في بعض المصادر بلفظه. وأيًا كان الأمر، فالذي كان خليقًا به - وهو يزعم أن النسخة بخط المؤلف - أن يبقى على النص كما هو.
والحق أن العبارة ليس مقحمة، وإنما هو جزء من كلام هشام الذي رواه عن أبيه، ونصه: "أن أسماء كنائن نوح صلى الله عليه إذا كُتبن ("كُتب" في المخطوط، تصحيف، ويجوز: كُتبت) في زوايا برج حمام نمت الفراخ وسلمت من الآفات". وعقّب على ذلك هشام قائلًا: "قال هشام: قد جربته أنا وغيري، فوجدته كما قال أبي".
ورواية ابن الكلبي عن أبيه مع تعقيبه بهذا اللفظ موجودة في عيون الأخبار لابن قتيبة (٢/ ٩٠). وأنظر أيضًا: نور القبس (ص ٢٥٩).
ص ١٢٣: "كنا عند سفيان بن عيينة، فحدّث بحديث، فقال له رجل: يا أبا محمد إن مالكًا يخالفك في هذا الحديث فأطرق مليًّا، ثم رفع رأسه وهو يقول:
وابن اللبون إذا ما لزج في قرَن ... لم يستطع صولة البُزل القناعيسِ
ثم قال: إنما أنا ابن لبون إلى مالك".
стр. 389
ترجم المحقق لسفيان بن عيينة، ثم علّق على "مالكًا فقال: " هو الصحابي مالك بن أنس، سبقت ترجمته".
وهذا وهل بلا شك فالصحابي أنس بن مالك، والمذكور هنا مالك بن أنس. ولم يكن داعٍ إلى ترجمة الصحابي أنس بن مالك ﵁، ولا ترجمة سفيان بن عيينة أو مالك بن أنس فكلاهما إمام مشهور.
وفي حاشية أخرى ذكر المحقق أن البيت لجرير، وأحال على ديوانه والمنتخل للميكالي (٢ (٥٩٠)، ثم قال في تفسيره: "ابن اللبون: من لا يعرف أباه. البزل: الإبل الشديدة. القناعيس: الشديدة المنع. لُزّ: ضيق عليه".
قلت: كذا فسّر "ابن اللبون"، ورجعت إلى المنتخل من تحقيقه، فإذا بهذا التفسير بعينه هناك أيضًا! ولا أدري ما هذا التفسير، ومن أين نقله، وكيف خفي على مثله معنى ابن اللبون؟ ألم ير أنّ كلمة البزل إذا كانت للإبل، فلعل ابن اللبون أيضًا قد يكون منها بسبب؟
وقد حيرني تفسير المحقق هذا كثيرًا، كما حيرني من قبل ما قرأته في مقدمته لكتاب المنتخل (ص ١٨) إذ قال: "فلم يذكره - يعني كتاب المنتخل- حاجي خليفة في كشف الظنون، ولا إسماعيل باشا البغدادي في هدية العارفين، ولا إسماعيل باشا بن محمد أمين الباباني البغدادي في إيضاح المكنون". فهل يعتقد الدكتور فعلًا أن مؤلف إيضاح المكنون غير مؤلف هدية العارفين؟
وكذلك حيرني قديمًا تعليق له في كتابه (قصائد جاهلية نادرة ٦٣) على قول عدي بن وداع الأزدي:
فأرخيتُ القناةَ ويزءَنيًّا ... على الأكفال بالطعن المُعاق
أراد رمحًا يزأنيًّا، أي منسوبًا إلى ذي يزن مالك حمير (اللسان - زأن)، ولكن المحقق الفاضل قال في شرح الكلمة: "ويزءنيًا: كذا بالأصل، ولعلها من
стр. 390
الوزأ: الشديد الخلق، ووزأت الناقة يراكبها إذا صرعته، وسياق العبارة تعني الطعن الشديد".
لقد حيرتني هذه التعليقات، وأعياني تفسيرها، إذ الدكتور الجبوري أجلّ عندي من أن تصدر هذه عنه.
ص ١٢٥: ( ... فوثب مذعورًا، وتناول ما كان بين يديه فسقط لفرعه". علق المحقق على "لفرعه"، وقال: "الفرع: الطول، أي سقط من قوله".
قلت: الكلمة مصحفة، والصواب: "لفزعه".
ص ١٢٩: "ورد البيتان الآتيان في قصة لثميرة قالهما وهو يتقدم إلى قائل أخيه ليأخذ ثأره:
لله درّك ما أردتَ لثائر ... حرّان ليس عن التراب براقد
أحقدتم ثم أضطجعت ولم تنم ... أسفًا عليك وأين نوم الحاقد
الحرف الأخير من "التراب" في البيت الأول غير معجم في الأصل، فقرأه المحقق بالباء، وصوابه: "الترِّاث". و"أحقدتم" في البيت الثاني خطأ، صوابه كما في الأصل: "أحقدته". و"لم تنم" كذا ورد في الأصل بالتاء، وهو تصحيف صوابه: "لم ينم".
والبيتان في محاضرات الأدباء (٢/ ١٧٥)، وفيه "على التراث" تصحيف. وهما في لباب الآداب (ص ٤٧) مع ثالث.
ص ١٣٠: من حوار جرى بين سعيد بن العاص ومعاوية ﵄: "فسأله معاوية: ما الذي باعد بينك وبين مروان؟ فقال: "خافني على شرفه، وخفته على مثل ذلك. وإني لأحب أن يُنال منه، فإذا كان ذلك غضبٌ له ... ".
كذا "لأحب" في الأصل أيضًا، والصواب: "لا أحب ... "، و"غضب"
стр. 391
صوابه: "غضبتُ" كما في الأصل.
ص ١٥٣: وردت أبيات لعبد الصمد من إنشاد المبرد أولها:
أعاذلتي أقصري أبع جدّتي بالمنن
كذا ضبط المحقق "جدّتي" بتشديد الدال، والصواب بالتخفيف. والجدة: المال. وقد وردت ثمانية أبيات منها مع أخرى في البصائر والذخائر (٣/ ٣٥).
ص ١٥٨: قال حميد الطويل: "خطب رجل إلى الحسن بنته، وكتب السفير بينهما ... ".
كذا أثبت المحقق "كتب"، وكنت أظنه خطأ مطبعيًا، فلم أعرج عليه، ولكن لما راجعت النسخة وجدت فيها هذا التصحيف؛ فهل يقع في مثله مؤلف الكتاب العالم الأديب؟ والصواب ظاهر، وهو: "كنتُ".
ص ١٥٩: "من دعاء لبعضهم: "اللهم قُرَّ عيني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكلفت لي به ... ".
كذا ضبط المحقق "قُرَّعيني"، وهو مهمل في الأصل، والصواب: فرّغني. و"تكلفت" كذا في الأصل محرف، وصوابه: تكفّلت.
ص ١٥٩: من قول عنترة:
فلرب حرب قد شددت ضرامها ... ومضيت قبل تلاحق الأبطال
كذا "شددت" في الأصل أيضًا، وهو تحريف "شببت".
ص ١٦٤ - ١٦٥: "وكما قرأ أبو طالوت: ﴾ وما يخدعون إلا أنفسهم ﴿".
أولًا: لم يضبط المحقق قراءة أبي طالوت، وهي "يُخدعون مبنيًا للمجهول. وقد ذكرها ابن جني في المحتسب (١/ ٥١)، وأبو حيان في البحر المحيط (١/ ٩٣).
стр. 392
ثانيًا: ترجم المحقق للقارئ أبي طالوت في ستة أسطر، فقال: "أبو طالوت الشامي ... ". ثم ذكر حديثًا يرويه أبو طالوت الشامي عن أنس، ثم نقل قول الذهبي: "لا يدري من هو".
قلت: أبو طالوت الشامي غير أبي طالوت القارئ، فذاك مجهول يروي عن أنس. وهذا أسمه عبد السلام بن شداد، روى القراءة عن أبيه، وروى القراءة عن الحسن بن دينار. وسئل عنه الإمام أحمد بن حنبل فقال: لا أعلمه إلا ثقة. أنظر: غاية النهاية (١/ ٣٨٥).
ص ١٦٧: "قال: فسلّم، فلم يردُدْ ﵇".
علق المحقق على "فلم يردُدْ" بقوله: "كذا جاءت بالأصل (يردد) والوجه: يرُدَّ".
كذا قال، وأعجب ما شئت! واتل قوله : ﴾ قالت أنى يكون لي غُلمٌ ولم يمسسني بشرٌ ﴿] مريم: ٢٠ [. وقوله: ﴾ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ﴿] آل عمران: ٤٧ [. وقوله: ﴾ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل مل يمسسهم سوء ﴿] آل عمران: ١٧٤ [ونحوه في آيات أخرى. فلغة فكّ الإدغام في المضارع المجزوم والأمر من المضعف، التي توقف فيها الأستاذ، هي التي نزل بها القرآن، وهي لغة أهل الحجاز. أما اللغة الأخرى بالإدغام فلا خلاف في جوازها، ولكنها ليسه هي الوجه.
ص ١٧٠: "قال يزيد بن مزيد لأصحابه، وهو] يريد أن يواقع [الوليد بن طريف من الغداة ... [.
علق على ما بين الحاصرتين بقوله: "العبارة في الأصل: (وهو علي بن واقع الوليد (، والاضطراب واضح".
قلت: لعل صواب ما جاء في الأصل: "وهو على أن يواقع الوليد ... ".
стр. 393
ص ١٧٩: عن الأصمعي قال: وكان يقال: " ... فإن أول المعروف مُسْتَخفٍ، وآخره مُسْتَقِلٌ ... ولذلك قيل: رد الصنيعة أشد من ابتدائها".
قلت: ضبط الفاء من "مستخف" في الأصل بتنوين الكسرة، وكذا "مستقل" في الأصل، والصواب: مُسْتَخَفِّ ... مُستثقَلٌ". و"ردُّ الصنيعة" جاء في الأصل على الصواب" "رب الصنيعة" فحرّفها المحقق. ومعنى ربّها: تعهدها وتنميتها.
والنص من توقيع أحمد بن يوسف الكاتب، أنظر عيون الأخبار (٣/ ١٥١)، وزهر الآداب (١/ ٤٤٠).
ص ١٩٤: من كلام الحكم بن مروان العيسى عن عبس: "رمح حديد، لا تُسَوى طعنتُه".
كذا أثبت المحقق "لا تُسَوَّى" مضبوطًا، والصواب: لا تُشوي.
ص ٢٠٨: أورد المؤلف رسالة لبعضهم في الطلب والاستعطاف أولها: "الآمال أعزك الله قرائن النعم، لا ينفك منها، ولا يتحول عنها".
كذا في الأصل أيضًا، والصواب: لا تنفك منها، ولا تتحول عنها.
ص ٢٠٨: ومنها: "وحاشي لما أودعك الله من نعمه، وخولك من مواهبه، أن تكون حمىّ على الآمال أن تردَّه".
كذا ضبط المحقق "تردَّه" من الردّ، والصواب: "أن ترِدَه" من الورود، أي حاشى لنعمك أن تكون محمية من ورود الآمال.
ص ٢٠٨: ومنها أيضًا: "لأن ذلك ذخيرةٌ من توقي نعمتِه على همته، ويزيد حظه على أمنيته".
أخطأ في القراءة وصحّف. والصواب: "ذخيرةُ مَن تُوفي نعمُته ... ".
стр. 394
ص ٢٠٨: ومنها أيضًا: "فليس يرضى أن تذود عن فنائه أملًا] أن [يجدَ له على ما قبله معوّلًا، ولا بأن يجعل المعاذير جنًّة وهو يجد على ماله وجاهه محتملًا".
ما زاده المحقق بين الحاصرتين خطأ، فالجملة "يجدُ له" صفة "أملًا".
وفي الرسالة تصحيفات وتحريفات أخرى، فليت المحقق عني بتصحيحها بدلًا من الترجمة لأبي العباس المبرد في هذه الصفحة.
ص ٢١١: ورد مثل بهذا اللفظ: "ما أدرى أغازٍ أم مازٍ".
كذا أثبت المحقق الكلمتين بالزاي المنونة بالكسر، وفسر "مازٍ" من مازَ الشيء، وماز الأذى عن الطريق، وماز فلانًا عليه. وهذا فعل معتل العين والكلمة "مازٍ" التي أثبتها اسم فاعل من مزي يمزي، وهو فعل معتل اللام!
هذا، وقد وردت الكلمتان في الأصل بالراء المهملة على الصواب، وقد وضع الناسخ علامة الإهمال على الرائين، فظنها المحقق نقطة، فقرأهما بالزاي.
والمثل: ما أدري أغارَ أم مارَ. في اللسان (مور ٥/ ١٨٦: ) "وقولهم: لا أدري أغار أم مار، أي أتى غورًا أم دار فرجع إلى نجد"، وأصله في الصحاح (٢/ ٨٢٠). وفي اللسان أيضًا (٥/ ١٨٧): "والعرب تقول: ما أدري أغار أم مار، حكاه ابن الأعرابي وفسره فقال: غار: أتى الغور، ومار: أتى نجدًا" وهذا أصله في المحكم (١١/ ٢٩٦)، وأنظر مجمع الأمثال للميداني (٣/ ٢٩٩).
ص ٢١١: "الغور: تهامة وما وراء نجد".
كذا أثبته المحقق محرفًا وفي سطر مستقل، وصوابه: "الغور: تهامة، ومارَ: أنجد". وهو تفسير للمثل السابق ورد بعده متصلًا، ولكن الناسخ كتب الهمزة من "أنجد" في آخر السطر، و"نجد" في أول السطر التالي، فجاء
стр. 395
المحقق، وحرّفه، وفصل بينه وبين المثل.
ص ٢١٢: "العرب تقول: العرق طلوب، والخال جدوب، والشبه غلوب". كذا أثبت "جدوب" بالدال، وفسر الخال بأنه: "سحاب لا يخلف مطره: أولا مطر فيه".
والصواب أن الخال هنا: أخو الأم، و"جَذوب" بالذال، كما في الأصل. يعني أن الولد يشبه خاله.
ص ٢١٧: من أربعة أبيات أنشدها أبو علي:
والذي يعطينَي الأملا ... ما ابتعتُ نفسي بكم بدلا
العين من "ابتعت" مهملة في الأصل، وأثبته المحقق مسندًا إلى المتكلم، وهو خطأ، والصواب: "ابتغتْ" بتاء التأنيث من الإبتغاء.
ص ٢١٧: وبيت آخر منها:
لا يَدَ للصبّ أن تبدو صبابتُه ... إذا تبدّل غير الدار بالدار
كذا أثبت "لا يَدَ" مفرد الأيدي كما في النسخة، وهو تصحيف فيها، والصواب: لابُدّ.
ص ٢٣٢: من أبيات للحسين اليمامي:
إذا استظهر الجبْسُ الدنُّي لحافَه عليه وغطّى الليلُ كلَّ جَنان "جنان" كذا في الأصل أيضًا، وهو تصحيف "جبان".
ص ٢٣٦: من شعر المأمون:
لا تلومنّ غير نفسك فيها ... أنت حنَّنْتها عليك فجُنَّتْ
قلت: وكذا في الأصل مصحفًا، والصواب: فحَنَّتْ، من الحنين.
ص ٢٤٧: نقل المؤلف رسالة طويلة من خط الوزير المغربي (ص ٢٤٧ -
стр. 396
٢٨٥) وفيها مذكرات صاحب الرسالة ومشاهداته في حج بيت الله، وذكر المنازل بين همذان ومكة ووصفها، كما عقد فصلًا في عدد المنازل والفراسخ والبُرُدُ والعقبات وحبال الرمل بين العذيب ومكة، وختمها بنصيحة للمكتوب إليه. قال المؤلف:
"هذه رسالة إلى الأستاذ أبي الحسن علي بن أحمد بن أبي خالد، كتبها إليه أبو الحسن علي بن الحسين الأمير ابن أخت العصفري. كذا استلوحت من خط الوزير أبي القاسم على هذه الرسالة، لأن المجلد كان حاف بالقطع عليه. فلم يبق منه إلا التوهم، وذكر أنه لما كتب هذه الرسالة كان وزير فضلون بجنزة، والله أعلم".
ترجم المحقق لكاتب الرسالة فقال: "علي بن الحسين المغربي الكاتب أبو الحسن، من وجوه الولة الحاكمية الفاطمية بمصر، كان من أصحاب سيف الدولة ... ثم تغير عليه الحاكم فقتله سنة ٤٠٠ هـ".
قلت: هذه الترجمة لوالد الوزير أبي القاسم المغربي، والرسالة منقولة من خط أبي القاسم، فلو كان كاتبها أباه لم يذكر أسمه على هذا الوجه، بل قال كعادته: هذه رسالة كتبها أبي أو والدي إلى الأستاذ ...
ثم وصف الكاتب هنا بالأمير وبأنه ابن أخت العصفري، وما علاقة الوصفين بوالد أبي القاسم؟
ص ٢٥٠: ذكر كاتب الرسالة أن بعضهم أراد الحج ثلاث مرات، فلم يقدر لأمر من الأمور حال دونه، فقال: "وأما إحداهن فإنه نزل لبعض أمره بعقبة إبليس، وللناس وجيف في المصعد، فإنما هي معدودة يخشى قوتها ... وأحتاج أن يعود إلى الكوفة بعد اللتيّا واللتي".
علق المحقق على عقبة إبليس وقال: "أراد موضع رمي الحجارة بمنى حيث يرجم الشيطان بالحصى".
стр. 397
أولًا: موضع رمي الحجارة ليس عقبة، ولا تسمى "عقبة إبليس".
ثانيًا: إذا كان الشخص نازلًا في الجمرات، فما الذي يمنعه من الحج وهو في منى؟
ثالثًا: لما ذكر الكاتب في الرسالة نفسها العقبات بين العذيب -وهو على أربعة أميال من القادسية من منازل حاج الكوفة- وبين مكة قال: "عقبة واقصة، وهي عقبة إبليس"، وذكر في (ص ٢٦٤) أنه لما دخل في البادية بعد القاديسية سار في يومين وليلتين إلى واقصة.
وواقصة لا تزال معروفة داخل الحدود العراقية. أنظر: بلاد العرب للأصفهاني (ص ٣٣٤) الحاشية. وبينها وبين الكوفة ٩٧ ميلًا. أنظر: صفة جزيرة العرب (ص ٣٣٦).
ص ٢٥٢: من الرسالة نفسها: و"كنت دخلت الزِيّ في آخر سنة خمس وستين، فاستقبلني بعض أشراف العلويين .... ". وقال المحقق في تعليقه: "كذا جاءت الكلمة (الزِيّ) بالزاي، ولعله يريد الهيئة والمنظر، أي أتخذ الزي العلوي. وقد تكررت".
قلت: وكذا في الأصل أيضًا بكسر الزاي، والصواب: الرَّيّ، بالراء المفتوحة، يعني مدينة الري المعروفة. ولعل نقطة الزاي كانت علامة الإهمال في نسخة المؤلف، فأخطأ ناسخ هذه المخطوطة.
ص ٢٦٦: ومن الرسالة أيضًا: "ثم نفرنا إلى المعلاة، وكان المسير إلى بطن مرّ"، يعني بعد خروجه من المسجد الحرام، وهو ذاهب إلى المدينة. وعلق المحقق على المعلاة بقوله: "موضع بين مكة وبدر، بينه وبين بدر الأثيل. والمعلاة من قرى الخرج باليمامة (ياقوت: المعلاة) ". ثم قال في تعليق آخر: "بطن مرّ من نواحي مكة ... وبين مرّ وبين مكة خمسة أميال".
стр. 398
قلت: "ليس الطريق هنالكِ! "، ما علاقة اليمامة بالطريق بين مكة والمدينة؟ ثم بطن مرّ أي مرّ الظهران من ضواحي مكة، وهو على خمسة أميال من مكة كما نقل المحقق من ياقوت، وعلى أثنين وعشرين كيلًا شمال مكة، كما في معجم المعالم الجغرافية للسيرة النبوية (ص ٢٨٨)، فكيف يكون المقصود بالمعلاة التي سار منها الكاتب إلى بطن مرّ: الموضع الواقع بين مكة وبدر، وبدر تبعد عن مكة بثلاثمائة وعشرة أكيال؟
وإنما المقصود بالمعلاة "هو القسم العلوي من مكة المكرمة. ويطلق اليوم على حيّ وسوق بين الحجون والمسجد الحرام. وغالبًا ما يطلق على مقبرة مكة التي صارت تعرف بالمعلاة لوقوعها في هذا الحيّ". لوقوعها في هذا الحيّ". معجم معالم الحجاز (٨/ ٢٠١).
أما الذي ذكر ياقوت أنه بين مكة وبدر، فهو موضع آخر، وعلق عليه صاحب المعجم المذكور بقوله: "لعله يقصد بين المدينة وبدر، وهو ما تقدم معنا باسم المعلّى". وقال في رسم المعلّى: "عين مندثرة بوادي الصفراء بين الواسطة والحمراء". معجم معالم الحجاز (٨/ ٢٠١). وقال الأستاذ حمد الجاسر: "ولا شك أن كلمة مكة هنا خطأ، والصواب المدينة إذ الأثيل بعد بدر إلى المدينة". أنظر: كتاب الطريق (ص ١٧٥ الحاشية).
ص ٢٦٦ - ٢٦٧: ثم قال "ومنها إلى عُسفان ... ومنها إلى الحليفة ... ومنها إلى خيمتي أم معبد ... ". وقال المحقق في تعليقه على الحليفة: "في الأصل الكلمة محرفة جاءت هكذا (الخليصة)، ولعلها الحليفة. والحليفة قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة ... ".
قلت: عٌسفان على ٨٠ كيلًا من مكة شمالًا على طريق المدينة، وبعدها الموضع المذكور. ثم ذكر الزائر خيمة أم معبد، فالجحفة، فالأبواء، فسقيا يزيد، فالعرج، فالروحاء، ثم المدينة. فإن صح ما ذهب إليه المحقق، فذلك
стр. 399
يعني أن الزائر خرج من مكة، فلما وصل إلى عسفان الذي هو على ٨٠ كيلًا من مكة، طار إلى ميقات المدينة ذي الحليفة الذي هو على ٩ أكيال فقط من المدينة، ثم رجع طائرًا إلى عسفان مرة أخرى، وبدأ رحلته البرية من جديد!
المقصود في النص هو "خُليص" وهي على ١٤ ميلًا من عسفان. وبين خليص وقديد سبعة أميال، ومن قديد إلى المشلل ثلاثة أميال، وبينهما خيمتا أم معبد. أنظر: معجم ما استعجم (ص ٩٥٦). وقال صاحب معجم معالم الحجاز (٣/ ١٤٩) إن وادي خليص يقع شمال مكة على بعد ١٠٠ كيل، ومعنى هذا أن بين عسفان وخليص ٢٠ كيلًا.
ص ٢٦٩: ورد في الرسالة أيضًا: "إن إلا كلا ولا حتى رويت الإبل من عند إخفافها"، يعني بينما السماء مصحية إذ أرخت عزاليها وتدفقت. قال المحقق في تعليقه: "كذا جاءت في الأصل: (إن إلاكلولا) ولم أهتد لوجهها".
قلت: الصواب: "إن] هو [إلى كَلا ولا حتى ... "، والكاف حف جرّ دخل على لا النافية. وهو تعبير معروف يدل على قصر الزمن، أي لم يمض وقت قليل حتى رويت الإبل. في اللسان (١٥/ ٤٦٨ لا): "والعرب إذا أرادوا تقليل مدة فعل أو ظهور شيء خفي قالوا: كان فعلُه كلا، وربما كرروا فقالوا: كلا ولا. ومن ذلك قول ذي الرمة:
أصاب خصاصًة فبدا كليلًا ... كلا، وأنفلّ سائرهُ انفلالا
وقال آخر:
يكون نزول القوم فيها كلا ولا"
وهذا الشطر صدر بيت لجرير من نقيضة له في هجاء الفرزدق، وعجزه:
غِشاشًا ولا يُدنون رحلًا إلى رحل
أنظر ديوان جرير (ص ٩٤٨). وقال في تفسيره في النقائض (١/ ١٦٠):
стр. 400
"يريد أنهم يعرّسون ولا يحطّون عن إبلهم، إنما يخفق أحدهم خفقة ثم ينهض كقولك: لا ولا، في السرعة. والغشاش: العجلة ... ".
وقال الراعي من قصيدة في ديوانه (ص ١٣٦):
فلَبثها الراعي قليلًا كلا ولا ... بلَوذان أو ما حلّلتْ بالكراكر
وقال أبو تمام من قصيدة:
قبيل وأهل لم ألاقِ مشوقَهم ... لو شك النوى إلآآ فَواقًا كلا ولا
قال أبو العلاء: "يقال: كان ذلك كلا ولا، أي وشيكًا عجلًا ... ". أنظر ديوان أبي تمام بشرح التبريزي (٣/ ١٠٤).
ص ٢٧٠: عقد كاتب الرسالة فصلًا بعنوان "عدد المنازل والفراسخ والبُرُد والمشرفات بين العذيب ومكة"، ثم قال: "أعلم أيدك الله أن البرد المنصوبة يبين العذيب ومكة سبعة وخمسون بريدًا، وسبعة وخمسون مشرفًا، بين كل بريد ومشرف ستة أميال فرسخًا من فراسخ العرب".
أولًا: ضبط المحقق "المشرفات" في العنوان بضم الميم وتشديد الراء من التشريف، ثم ضبط "مشرفًا" بفتح الميم وسكون الشين وتخفيف الراء. وقال في تعليقه عليه: "المشارف: مشارف الأرض أعاليها، ومشارف العراق: القرى العربية المشرفة على سواد العراق ... ".
قلت: لا يصح هذا التفسير هنا، فالسياق بشير إلى أن المشرف من علامات الطريق كالبريد وغيره. ويؤيد ذلك النصوص الآتية من كتاب الطريق:
- "والمشرف على ثلاثة أميال من بطن الأغر" (ص ٥٥).
- والمشرف ببطن البراق، وهي آخر ملك بني أسد" (ص ٧١). وقال ياقوت في رسم "براق": "جبل بين سميراء والحاجر، وعنده المشرف" (١/ ٣٦٦).
стр. 401
- "والمشرف بموضع يقال له القاطنة" (ص ٧٣).
- "والمشرف على جبل يقال له فرعون" (ص ٧٩).
- "والمشرف قبل بركة ابن حجر بميلين" (ص ٨٣).
-" ... لأن ما بين المعدن والعسيلة مشرفين، ثم برد قصار ... " (ص ٢٢٤).
وقد أستنبط الشيخ حمد الجاسر ﵀ من العبارة الأخيرة أن كلمة المشرف "تستعمل لقياس المسافات مثل ميل وبريد، والسافة بين معدن النقرة والعسيلة هي ٢٦ ميلًا، وعلى هذا فالمشرف ١٣ ميلًا تقريبًا". وأرى أن المدلول الدقيق لهذا المصطلح بحاجة إلى مزيد من البحث.
ثانيًا: مذا أثبت المحقق "فرسخًا"، والصواب: "فرسخان" كما في الأصل.
ص ٢٧٠: ثم قال الكاتب: "تشتمل البادية من نخل العذيب إلى الرامتين بمكة على مائتين وعشرين فرسخًا، والمنصف: التُّوز، وهو منهل من وراء فيد بمثانية عشر ميلًا مكتوبًا على بابه: هذا المنصف، فإن لم تقبل فارجع وعُدَّ".
أولًا: أثبت المحقق "التور" بالراء، وكذا في الأصل، وقد وضع الناسخ على الراء علامة إهمال، وهو تصحيف منه. والصواب بالزاي كما أثبتنا. قال البكري في معجم ما استعجم (١/ ٣٢٤): "بين مكة والكوفة"، ولعله يعني: في منتصف الطريق بينهما.
ثانيًا: النص واضح جدًا، فالتوز منهل واقع في منتصف الطريق بين العذيب ومكة، وحدد الكاتب أن التوز من وراء فَيد بثمانية عشر ميلًا. ومع هذا البيان الواضع علق المحقق على كلمة "المنصف" فقال: "واد يسقى بلاد عامر من حنيفة باليمامة، ومن ورائه وادي قرقري. (ياقوت: المنصف): ! فكلمة "المنصف" التي تعني منتصف الطرق بين الكوفة ومكة جعلها المحقق الفاضل واديًا من أودية اليمامة.
стр. 402
وقد ذكر الهمداني في صفة جزيرة العرب (ص ٣٣٧) أن من فيد إلى توز ٢٤ ميلًا، ومن توز إلى سميراء ٢٥ ميلًا.
وفي كتاب الطريق لوكيع أنه من فيد إلى تُوز ٢٤ ميلًا ونصف (ص ٦٣)، ومن توز إلى سميراء ١٥ ميلًا ونصف (ص ٦٦)، وأن "المنصف - وهو موضع العلمين- منصف الطريق بين الكوفة ومكة بالذرع، دون سمراء بأربعة أميال" (ص ٦٧).
ثالثًا: الكلمة الأخيرة في النص ضبطها المحقق بكون الدال "وعُدْ"، يعني من العودة، والصواب كما اثبتنا من العَدّ، يعني: إن كنت في شك من أن التوز واقع في منتصف الطريق: فارجع، وعُدّ الفراسخ.
ص ٢٧٠: ورد عنوان في الرسالة نفسها: "جبال الرمل بينهما" جبل زرود وهو أولها والمربخ .. ".
كذا أثبت المحقق "جبال وجبل" بالجيم، والصواب بالحاء المهملة كما في الأصل، وقد كتب الناسخ حاءً صغيرًة تحت الحاء في الكلمتين علامة للإهمال. وأنظر: كتاب الطريق (ص ٥٢ - ٥٣)، ونظرات في تاج العروس للأستاذ حمد الجاسر (ص ١٥٨).
ص ٢٧٣ - ٢٧٤: "لما خلع جعفر المقتدر، وبويع لعبد الله بن المعتز وكانت خلافته يومًا واحدًا، ثم أعتدت في المقتدر".
قال المحقق: "كذا العبارة في الأصل (ثم أعتدت في المقتدر) أي هيئت له".
قلت: وفيها تصحيف وتحريف، والصواب: أعيدت إلى المقتدر.
ص ٢٧٤: "طمع إلى مساويك في الرتب، وسما إلى مباراتك في تصدير الكتب".
стр. 403
قلت: وكذا في الأصل أيضًا، وهو تحريف صوابه: إلى مساواتك في الرتب ..
ص ٢٧٥: "إذا انتقلت عن مآلفها الكريمة، ومغارسها القويمة، فإن تغش قومًا غيرهم أو تزرهم، فكالوحش يدنيها من الإنس المحلُّ، ومثله لا يعبأ به ... ".
كذا ضبط المحقق "المحلّ" بتشديد اللام، ولم يفطن إلى أن الكاتب تمثل ببيت من الشعر وكتبه ناسخ المخطوط كأنه كلام منثور، وهو:
فإن تغشَ قومًا غيرَهم أو تزُرهُمُ ... فكالوحش يُدنيها من الأنَسِ الْمَحلُ
والمحل بمعنى الجدب. وهو من أبيات لمسلم بن الوليد في رثاء إسماعيل بن جرير. أنظر تخريجها في ديوانه (ص ٣٣٢). وهذه هي الرواية المشهورة، أنظر: البيان والتبيين (٤/ ٤٨)، والشعر والشعراء (ص ٨٣٣)، والورقة (ص ٨٦). وفي الأمالي (١/ ١٦٧): "يستدنيه للقنَص المحلُ".
ص ٢٢٧ "نعم ولا ترضى (يعني العرب) بتجريد الإسم والكنية عند الشاهي في المدح،
حتى يقول: أبيت اللعن، وهبلته أمه ... ".
قال المحقق: "كذا وردت (الشاهي)، وحسبتها (الشاهد) ولكنه أراد الملك بالفارسية، بدلالة (أبيت اللعن) بعدها، وهذا ما كان يقال للملوك".
قالت: "الشاهي" في الأصل تصحيف، والصواب: "التناهي في المدح" يعني المبالغة فيه.
ص ٢٧٨: "وإنما كان عتابًا في] با [طنه ودّ، وملامًا بين أثنائه نصح ... ".
كذا أثبت المحقق، وقال: إن نصف الكلمة -يعني ما بين الحاصرتين-
стр. 404
ساقط سهوًا من الناسخ فكتب: "طنه" فقط، وهو يريد: باطنه.
قلت: الكلمة تامّة، وإنما صحّف الناسخ، وأبعد المحقق. والصواب القريب: "في طيّه ود ... ".
ص ٢٧٩: "وبقيت الآن واحدة يبعثني عليها فرط النصيحة، ويقتضيني عنها فضل الحشمة".
كذا أثبت "يقتضيني"، وهو تصحيف، صوابه: "يقبضني".
ص ٣٣٧: "عمرو بن أحمر الباهلي. قال ابن داود: في المعمرين، أسلم وغزا ... ".
كذا أثبت المحقق "المعمرين"، وكذا في نسخة الكتاب، والصواب: "قال ابن داود في العَمْرِين: أسلم وغزا ... "، والعمرين جمع عمرو، يعني كتابة في أسمه عمرو من الشعراء.
ص ٣٤١: نقل المؤلف من خط الوزير قول أبي زيد عمر بن شبّة في خبر ذكره:
"حفظته عن أبي عبيدة، وهو إمام الناس في زمانه في التثبت في الرواية، والفحص عن صحة الخبر وسقمه". ثم نقل تعقيب الوزير عليه: "هذا فلظه، يعني أبا زيد في أبي عبيدة، وهو عندي، تركته حليلة لأبي عبيدة ... ".
كذا ورد النص في الأصل مصحفًا، وتابعه المحقق. والصواب: "وهو عندي تزكية جليلة لأبي عبيدة ... ".
ص ٣٤٢: من شعر ابن المعتز:
فسبحان ربي راضيًا بقضائه ... ] و [كان اتقائي الشر يغري بيَ الشرّا
زاد المحقق ما بين الحاصرتين من ديوان ابن المعتز (٣/ ١٥٩)، والبيت
стр. 405
في الديوان منقول من شرح نهج البلاغة. وأرى أن الصواب: كأنّ اتقائي ...
ص ٣٦٠: ذكر المؤلف جذع النخلة الذي كان يستند إليه النبي ﷺ في خطبته قبل صنع المنبر فقال: " ... ودفن الجذع بين المنبر والمغرب".
قلت "المغرب" في الأصل تحريف: "المحراب". هذا، والمشهور أنه دفن تحت المنبر، وأنظر الأقوال الأخرى في كتاب الشفاء للقاضي عياض (ص ٤٢٨ - ٤٢٩).
ص ٣٨٧ - ٣٨٩: افتتح المؤلف الجزء الثاني من الكتاب (٣٨٧) بإختيارات من كتاب البيان والتبيين للجاحظ: باب أن يقول كل إنسان على قدر خلقه وطبعه، فنقل أقوالًا في السرور ما هو؟ ثم أورد قول المسيح الذي كلما قال بنو إسرائيل شرًّا قال خيرًا، فسأله عنه شمعون، فقال المسيح: كل امرى يعطي مما عنده. علق على ذلك المحقق بقوله: "في الأصل هذه الفقرة جاءت وسط الفقرة السابقة عن: ما السرور، فجعلناها في موضعها المناسب".
قلت: وهذا تصرف معيب منه، وبخاصة في كتاب يزعم أن نسخته بخط المؤلف، وقد تقدم مثال آخر من هذه الجراءة.
أولًا: الكتاب تذكرة، ينقل فيها المؤلف أخبارًا وأشعارًا وأقوالًا من هذا الكتاب أو ذاك، فليس عيبًا أن يقع خبر في غير موقعه، أو يفصل بين قول وآخر يقول أجنبي عنهما في مغزاه.
ثانيًا: إذا افترضنا أنه عيب فالمؤلف هو المسؤول عن ذلك.
ثالثًا: هذه الفقرة التي أخرها المحقق لم يحدد موقعها في المخطوط، وإنما أكتفى بالقول بأنها جاءت في وسط الفقرة السابقة، وهي تشتمل على خمسة أقوال، فأين كان مكانها؟
رابعًا: لم يفطن المحقق إلى أن هذا الجزء بدأه المؤلف بمختارات من
стр. 406
البيان والتبيين، وأنه قد أختار هذه الأقوال بحسب ترتيبها في الكتاب المذكور. فقد نقل المؤلف خمسة أقوال من أول الباب (٢/ ١٧٥)، ثم قفز إلى (ص ١٧٧)، ونقل قول المسيح، ثم أقوال امرئ القيس والأعشى وطرفة عن أطيب عيش في الدنيا. فجاء المحقق، وغيّر ترتيب المؤلف، وأثبت قول المسيح بعد قول طرفة.
ص ٣٨٩: أورد المؤلف خمسة أبيات للعتبي، فخرّجها المحقق من طبقات الشعراء لإبن المعتز الذي وردت فيه أربعة أبيات فقط، ومن الأغاني الذي ورد فيه بيتان، وهي كلها في البيان والتبيين (٢/ ١٨٢). وآخر هذه الأبيات:
خلائف في الإسلام في الشرك قادرٌ ... بهم وإليهم فخر كل مفاخر
وكذا في الأصل أيضًا قادرٌ"، وهو تحريف واضح، صوابه: "قادة".
ص ٣٩٠: "وقال حاجب بن ذبيان المازني".
كذا أثبت المحقق اسم الشاعر، مع أن في المخطوط: "حاجب ابن دينار"، وكذا في مصدر المؤلف أي البيان والتبيين (٢/ ١٨٣)، وقد نبه الأستاذ عبد السلام هارون على أن "ذبيان" تحريف "دينار".
وقد أنشد المؤلف ثلاثة أبيات لحاجب من البيان والتبيين لم يخرجها المحقق، وبيتان منها في الأشباه والنظائر (٢/ ٢١٢)، منسوبين إلى مالك ابن تاجرة العبدي، قال: ورويت لغيره.
والبيت الثالث منها:
وإن غضبوا أسْد المفارق ... منهمُ ملوك وحكام كلامهمُ فصلُ
وكذا في الأصل "أسدْ المفارق"، والصواب: "سدُّوا المشارف"، كما في البيان والتبيين.
ص ٤٦٥: نقل المؤلف من إنشاد أبي محلّم:
стр. 407
فخلةً ما إن لها عندي ثمنْ ... مكتومة قضاؤها منه ...
كذا وضع المحقق نقاطًا، وعلق بقوله: "نهاية الأشطار في الأصل مقطوعة عند التصوير".
قلت: الكلمة الساقطة هي "من"، يعني: منه ومنّي، فحذف نون الوقاية مع ياء المتكلم ضرورة. والرجز منسوب إلى رؤبة، وتناقلت كتب النحو ما بعد هذين الشطرين:
قالت بنات العم يا سلمى وإن كان فقيرًا معدمًا قالت وإنْ
انظر خزانة الأدب (٩/ ١٥)،
ص ٤٧٠: من إنشاد أبي زيد:
أقول لحازي إذ أتاني قاصدًا ... مدلًا بحقّ أو مدلًا بباطل
لئن لم يصل خيري وأنت مجازئٌ ... إليك فما شرّي إليك بواصل
قلت: "لحازي" في البيت الأول تصحيف صوابه: "لجاري"، وفي الأصل وضع الناسخ علامة الإهمال على الراء، فقرأها المحقق بالزاي. و"مجازئُ" في البيت الثاني أيضًا بعلامة الإهمال على الراء، ولكن فيه "تحريفًا فيما أرى، وصوابه: "مجاوري" أو "مجاورٌ".
ص ٤٨٠: "حدثني فريح صاحب أبي عبيدة عنه ... ".
كذا أثبت المحقق "فريح" وقال في تعليقه: "في الأصل الكلمة غير معجمة وغير واضحة".
الواقع أنها في الأصل "فريح" واضحة معجمة، والظاهر أنه محرف عن: "رُفَيع"، وهو أبو غسان رفيع بن سلمة العبدي المعروف بدماذ، صاحب أبي عبيدة معمر بن المثنى. أنظر ترجمته في الفهرست (ص ٦٠)، وطبقات النحويين واللغويين للزبيدي (ص ١٨١).
стр. 408
وأكتفي بهذه التنبيهات التي قصدت بها في الدرجة الأولى إلى توكيد أن النسخة الباريسية الفريدة التي نشر عنها في كتاب اللفيف ليس بخط المؤلف، وصححت في أثنائها جملة من الأوهام والأخطاء التي وقعت في التحقيق.
ومع كل ما ذكرت هنا من مآخذ وما لم أذكر، يبقى الفضل للأستاذ الدكتور يحيي الجبوري الذي عُني بتحقيق هذا الكتاب القيم، فأتاح للدارسين فرصة الإستفادة من مادته النادرة. فالشكر والتقدير له، ثم لشيخ الناشرين الحاج الحبيب اللمسي الذي أصبحت داره دار الغرب الإسلامي بمنشوراتها النفيسة الراقية معلمًا بارزًا من معالم الحركة العلمية والثقافية في العالم العربي.
стр. 409
فهرس المراجع
- الأشباه والنظائر: للخالديين، تحقيق السيد محمد يوسف، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ١٩٦٥ م.
- الإصابة في تمييز الصحابة: لإبن حجر، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الجيل بيروت، ١٤١٢ هـ.
- الإكمال: لإبن ماكولا، تحقيق عبد الرحمن بن يحي المعلمي، دائرة المعارف العثمانية، حيدراباد الدكن.
- الأمالي: لأبي علي القالي، دار الكتب المصرية، القاهرة، ١٣٤٤ هـ.
- الأوائل: لأبي هلال العسكري، تحقيق وليد قصاب ومحمد المصري، دار العلوم، الرياض، ١٤٠١ هـ.
- البحر المحيط: لأبي حيان، دار الفكر، بيروت ١٤١٢ هـ.
- بحوث وتحقيقات: للميمني، إعداد محمد عُزيز شمس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٥.
- البداية والنهاية: لإبن كثير، نشرة عبد الله بن عبد المحسن التركي، مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، القاهرة، ١٤١٧ هـ.
- البصائر والذخائر: لأبي حيان التوحيدي، تحقيق وداد القاضي، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى.
- بغية الطلب: لابن العديم، تحقيق سهيل زكار، دار الفكر بيروت.
- بلاد العرب: للأصفهاني، تحقيق حمد الجاسر وصالح العلي، دار اليمامة الرياض، ١٣٨٨.
стр. 410
- البيان والتبيين: للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٤٠٥ هـ.
- تاريخ الطبري: تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧٩ م.
- تتمة يتيمة الدهر: للثعالبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣ هـ.
- التذكرة الحمدونية: تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ١٩٩٦ م.
- تهذيب التهذيب: لإبن حجر، دائرة المعارف العثمانية، حيدراباد الدكن.
- جمهرة أنساب العرب: لإبن حزم، تحقيق عبد السلام هارون، دار المعارف القاهرة، ١٩٨٢.
- جمهرة النسب: لإبن الكلبي، تحقيق ناجي حسن، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٧.
- خزانة الأدب: للبغدادي، تحقيق عبد السلام هارون، الهيئة المصرية العامة للكتاب ومكتبة الخانجي، القاهرة.
- دمية القصر: للباخرزي، تحقيق سامي مكي العاني، دار العروبة، الكويت ١٤٠٥.
- ديوان أبي تمام: بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق محمد عبده عزام، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٤ م.
- ديوان تميم بن المعز لدين الله: دار الكتب المصرية القاهرة، ١٣٧٧ هـ.
- ديوان جرير: تحقيق نعمان محمد أمين طه، دار المعارف، القاهرة، ١٩٨٦ م.
- ديوان الراعي النميري: تحقيق راينهرت فايبرت، فيسبادن، ١٤٠١ هـ.
- ديوان أبن الرومي: تحقيق حسن نصار، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، ١٩٧٣ م.
- ديوان مسلم بن الوليد: تحقيق سامي الدهان، دار المعارف، القاهرة، ١٩٨٥ م.
стр. 411
- ديوان شعر ابن المعتز: تحقيق يونس أحمد السامرائي، عالم الكتب، بيروت، ١٤١٧.
- رسالة ابن القارح: ضمن رسالة الغفران لأبي العلاء، تحقيق بنت الشاطئ، دار المعارف، القاهرة، ١٩٨١ م.
- زهر الآداب وثمر الألباب: للحصري، تحقيق علي محمد البجاوي، عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة.
- الشعر والشعراء: لابن قتيبة، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، ١٩٨٢ م.
- الشفا بتعريف حقوق المصطفى: للقاضي عياض، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الكتاب العربي، بيروت.
- الصحاح: للجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، ١٤٠٢ هـ.
- صحيح البخاري: دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض، ١٤١٧ هـ.
- صفة جزيرة العرب: للهمداني، تحقيق محمد بن علي الأكوع الحوالي، دار اليمامة، الرياض، ١٣٩٧ هـ.
- الطبقات الكبرى: لابن سعد، دار صادر، بيروت.
- طبقات النحويين واللغويين: للزبيدي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ١٩٨٤ م.
- الطريق للقاضي وكيع: (سمي في طبعته الأولى: كتاب المناسك للحربي) تحقيق حمد الجاسر، دار اليمامة للبحث والترجمة، الرياض، ١٤٢٠ هـ.
- عيون الأخبار: لابن قتيبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٣ م.
- غاية النهاية في طبقات القراء: لابن الجزري، تحقيق برجستراسر، مكتبة المتنبي، القاهرة.
- فتوح البلدان: للبلاذرى، تحقيق رضوان محمد رضوان، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣ هـ.
-
стр. 412
- الفهرست: للنديم، تحقيق رضا تجدد، طهران، ١٩٧١ م.
- فوات الوفيات: لابن شاكر الكتبي، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ١٩٧٣ م.
- قصائد جاهلية نادرة: تحقيق يحيي الجبوري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٢ هـ.
- الكامل للمبرد: تحقيق محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٦ هـ.
- لباب الآداب: لابن منقذ، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الكتب السلفية، القاهرة، ١٤٠٧.
- لسان العرب: لابن منظور، دار صادر بيروت.
- مجمع الأمثال: للميداني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، عيسى البابي الحلبي وشركاه، ١٩٧٨ م.
- محاضرات الأدباء: للراغب الأصفهاني، دار مكتبة الحياة، بيروت.
- المحتسب: لابن جني، تحقيق علي النجدي ناصف وزميليه، دار سزكين، استنبول، ١٤٠٦.
- المحكم: لابن سيده، الجزء الحادي عشر، تحقيق مصطفي حجازي وعبد العزيز برهام، معهد المخطوطات العربية، القاهرة، ١٤١٩ هـ.
- معجم الأدباء: لياقوت الحموي، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٣ م.
- معجم البلدان: لياقوت الحموي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- معجم ما استعجم: للبكري، تحقيق مصطفى السقا، عالم الكتب بيروت.
- معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية: لعاتق بن غيث البلادي، دار مكة، مكة المكرمة، ١٤٠٢ هـ.
- معجم معالم الحجاز: لعاتق بن غيث البلادي، دار مكة، ١٣٩٩ هـ.
- المنتخل: للميكالي، تحقيق يحيي الجبوري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ٢٠٠٠ م.
стр. 413
- نضرة الإغريض: للمظفر العلوي، تحقيق نهى عارف الحسن، مجمع اللغة العربية بدمشق، ١٣٩٦ هـ.
- نظرات في كتاب تاج العروس: حمد الجاسر، الرياض، ١٤٠٧ هـ.
- نقائض جرير والفرزدق: لأبي عبيدة، تحقيق بيفان، ليدن، ١٩٠٥ م.
- نور القبس: لليغموري، تحقيق رودلف زلهايم، فيسبادن، ١٣٨٤ هـ.
- الوافي بالوفيات: للصفدي، الجزء السادس عشر، تحقيق وداد القاضي، بيروت، ١٤٠٢ هـ.
- الورقة: لابن الجراح، تحقيق عبد الوهاب عزام وعبد الستار أحمد فراج، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٧ م.
- وفيات الأعيان: لابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت.
стр. 414
كتاب المعرّب للجواليقي
في نشرة علمية جديدة (١)
كتاب "المعرب من الكلام على حروف المعجم" لأبي منصور موهوب بن أحمد الجواليقي (٤٦٥ - ٥٤٠) من أهم المراجع في بابه. فإن الألفاظ الأعجمية التي دخلت في اللغة العربية عبر العصور، وجرت على ألسنة الفصحاء، كانت مبثوثة في كتب اللغة، فجاء أبو منصور، وجمعها في كتاب مفرد، ورتّبها على حروف المعجم، فكان كتابه أكبر كتاب في ذلك العصر.
طبع كتاب المعرب مرتين من قبل. طبعه أولاً المستشرق الألماني إدورد زخاو، وصدرت طبعته في ليبزيك سنة ١٨٦٧ م مذيّلة بتعليقاته بالألمانية. ثمّ حقّقه المحدث الكبير الأستاذ أحمد محمد شاكر ﵀ عن عدّة نسخ تحقيقًا جيدًا. وظهرت هذه النشرة الثانية سنة ١٩٤٢ م بالقاهرة.
وأخيرًا صدر الكتاب، عن دار القلم بدمشق، في طبعة جديدة أنيقة، تختلف عن الطبعتين السابقتين في طبيعتها، وتفوّقهما في جمالها وروعتها، فهي ليست تحقيقًا جديدًا لكتاب المعرب بالمعنى الاصطلاحي المحدث، فإنّ عمل المحقّق أن يجتهد في إخراج النص، كما صدر عن مؤلّفه، سليمًا من آفات التصحيف والتحريف، ليعتمد عليه العلماء والباحثون في دراساتهم المختلفة؛ وكان الأستاذ أحمد شاكر قد فرغ من ذلك في نشرته. أمّا هذه النشرة الجديدة
стр. 415
فإنّها قصدت إلى عمل آخر، وهو تحقيق أصول الكلمات الدخيلة الواردة في كتاب المعرب، وتتبع المراحل التي مرّت بها هذه الكلمات في رحلتها من لغاتها الأصيلة إلى اللغة العربية، وما جرى عليها في مستقرّها الجديد. وإنّ ذلك لعمل خطير وجليل، الخائضون فيه كثير والقادرون عليه قليل، خفّى المسالك شديد المزالق، تتقاصر دونه الهمم وتنقطع الأسباب، تتكاثر فيه الأوهام وتتعثّر الأفهام. ومعظم الوالجين فيه في العصر الحديث كانوا إمّا أصحاب هو، والهوى إذا دخل حمى العلم من جهة خرجت الحقيقة من جهة أخرى، وإمّا طلاب حقّ غير أنّهم لم يستكملوا الأدوات المطلوبة للخوض فيه، فمشوا على غير هدًى، وزلّت بهم الأقدام.
وذلك أنّ الخوض في هذا الموضوع يحوج إلى آلات قلّما تجتمع في شخص واحد، فهو يتطلّب أولاً معرفة اللغات التي انحدرت منها الكلمات المعربة، ومتابعة الدراسات اللغوية المتقدّمة التي تقوم فيها. ومعظم الكلمات الدخيلة جاءت من الفارسية واليونانية والسريانية، وقليل منها من اللاتينية والعبرانية. فالباحث الذي يريد أن يحقّق أصولها لا محيص له من معرفة هذه اللغات الخمس جميعًا، بالإضافة إلى التضلّع من علوم العربية والوقوف على دقائقها، ثمّ معرفة علم الأصوات الذي يهدي إلى التغيّرات التي طرأت على الكلمات الدخيلة. ويزداد الأمر صعوبة والمطلب بعدًا إذا علمنا أنّ كتاب المعرب يحوي نحو ثلاثين وسبعمائة كلمة.
ولقد قيّض الله لهذا العمل أخيرًا عالمًا جليلاً ولغويًا ضليعًا، قلّما يدانيه - فيما أعلم - أحد من معاصريه فيما اجتمع عنده من كفايات علمية متعدّدة تجعله خير من يتصدّى لهذه المهمّة الشاقّة. فهو عالم واسع الاطلاع طويل الباع في اللغة العربية، وعارف بعشر لغات أخرى بين إجادة وإلمام، ومتخصّص في فقه اللغة، ومتعمّق في علم الأصوات. ومع هذا
стр. 416
العلم الوافر والفضل الظاهر تراه خفيف الظلّ سهل الخليقة، جمّ التواضع، يكاد حسن أدبه يغرّ كثيرًا من الناس عن علمه، بعدما صار العلم في زماننا تشدّقًا وتفيهقًا وفخفخة وجعجعة بلا طحن. ألا، وهو الأستاذ الدكتور ف. عبد الرحيم مدرّس علم الأصوات في كلية اللغة العربية، والمشرف على شعبة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة. قد اشتهر بخبرته الواسعة في مجال تعليم اللغة العربية، وكتابه المسمّى "دروس اللغة العربية لغير الناطقين بها" في ثلاثة أجزاء متداول في عدد من البلدان. عرفه المتخصّصون بمقالاته وتعقيباته المنشورة في صفحات مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ومجلّة المجمع العلمي الأردني، وكتابه اللطيف "الدخيل في اللغة العربية واللهجات العربية الحديثة". أمّا قرّاء ملحق التراث فطالما أمتعهم بمقالاته القصيرة في أصول الكلمات المعربة أو تأصيل بقايا الفصاح في اللهجات العربية، فاطلعوا على طرف من علمه الغزير. والحقّ أن شخصيّته العلمية بكافة جوانبها تجلّت لأول مرّة في نشرته هذه لكتاب المعرب.
تبدأ هذه النشرة ببحث قيم جعله الأستاذ مدخلاً لدراسة الكلمات الواردة في كتاب المعرب، وقسمه إلى ثلاثة أبواب. الباب الأول فيه فصلان: الفصل الأول في معنى المعرب والدخيل والمولد، والفرق بين هذه المصطلحات الثلاثة. والفصل الثاني في ضوابط معرفة الدخيل، وذكر فيه خمسة ضوابط.
والباب الثاني في اللغات التي أخذت منها المعرب. وفيه خمسة فصول: الفصل الأول في اللغة الفارسية، ونبّه فيه الأستاذ الفاضل على أمر مهمّ غفل عنه علماء اللغة - وكان منهم من يجيد الفارسية - فأخطأوا في بيان أصول المعربات الفارسية. وهو أنّ اللغة الفارسية التي كانت تعاصر العصر الجاهلي وصدر الإسلام هي اللغة الفهلوية، ولا الفارسية الحديثة، وكانتا تختلفان اختلافًا غير يسير. ثم أشار إلى نقط الخلاف بينهما، ومنها أن بعض الصيغ بالفهلوية كانت
стр. 417
تنتهي بكاف، وحذفت هذه الكاف بالفارسية الحديثة، نحو كلمة "ديباك" بالفهلوية صارت "ديبا" بالفارسية الحديثة، فالكلمة المعربة: "ديباج" من "ديباك". وإذا وقعت الكاف بعد حركة قصيرة أضيفت بالفارسية الحديثة هاء للاحتفاظ بفتحة الحرف الأخير بعد حذف الكاف نحو "سادك" بالفهلوية صارت "ساده" بالفارسية الحديثة، فالجيم في الكلمة المعربة "ساذج" مبدّلة من الكاف الفارسية ولا من الهاء.
الفصل الثاني من هذا الباب في اللغة اليونانية، وكشف اللثام فيه عن المقصود من كلمة "الرومية" عند اللغويّين العرب، والفرق بين اليونانية والرومية ممّا اشتبه على كثير من الباحثين. والفصلان الثالث والرابع في اللغتين اللاتينية والسريانية بالترتيب. أمّا الفصل الخامس فهو في العبرية والحبشية والهندية، وقد أورد في هذه الفصول جملة من الكلمات التي دخلت في العربية منها.
الباب الثالث في تغيير المعرب. وتناول فيه الباحث أنواع التغيير التي طرأت على الدخيل عند التعريب. وفيه أربعة فصول: الفصل الأول في الإبدال غير اللازم الذي أشار إيه سيبويه عندما قال: "فأبدلوا مكان الحرف الذي هو للعرب عربيًا غيره". والفصل الثاني في الإبدال اللازم، ومنه تغيير الحروف والحركات وتغيير بناء الكلمة. والفصل الثالث في ضروب أخرى من التغيير تعرّضت لها الكلمات الدخيلة لأسباب شتّى. والفصل الرابع في أنّ العامة تكلّمت بالكلمات المعربة من غير تغيير فعاشت الصيغ الأصلية على ألسنتهم.
هذا الباب الأخير كله يشتمل على فوائد عزيزة ونظرات دقيقة، لكن أكثر فصوله طرافًة وإمتاعًا هو الفصل الثالث، وهو بحث مبتكر لم يسبق إليه. وذكر فيه الأستاذ المحقّق ثلاثة عشر سببًا أدّت إلى الضروب الأخرى من التغيير: منها توهّم كون الدخيل جمعًا. ومن أمثلة ذلك كلمة "قرميد" أصله اليوناني "قراميدا" فعرب "قراميد" ثم قيل للمفرد "قرميد". ونحو "جاموس" أصله الفهلوي
стр. 418
gavmesh فنقل إلى "جواميس" للمفرد. ومنها توهّم زيادة الألف والنون، وتوهّم زيادة الواو والنون، وتوهّم زيادة الألف واللام، وتوهّم زيادة أبو وغير ذلك.
ومن جملة الأسباب التي ذكرها الباحث: "حذف شطر الكلمة"، وأورد له عدّة أمثلة، أطرفها كلمة "أدرة قيلة". يقول في تحليلها الذي هو أبو عذره: "هي يونانية، وأصلها "هدوركيله"، وهو انتفاخ الخصية لانسكاب سائل فيها. وهو مركب من (هدرو) أي الماء و (كيله) أي الورم، فيكون معنى الكلمة بشطريها ورم في الخصية بسبب نزول الماء فيها. ومنها Hydrocele بالإنكليزية. فحذفوا منها الشطر الثاني واستعملوا الشطر الأول وهو الأدرة، وقالوا للمصاب بها الآدر والمأدور، ولم يشر إلى عجمته أحد من اللغويّين. أمّا الشطر الثاني فلم يذهب سدًى، فإن كان الشطر الأول دخل في الكتب وجرى على ألسنة العلماء والناس المثقّفين، فإنّ الشطر الثاني راج بين العامة، ففي اللسان (أدر): الأدرة .. وهي التي تسمّيها الناس "القيلة" .... هكذا نشأت كلمتان من كلمة واحدة". (ص ٨٠).
بعد هذه المقدّمة المفيدة الوافية التي استغرقت ٧٥ صفحة من الكتاب يبدأ نصّ الجواليقي في ص ٩١ مأخوذًا من طبعة الأستاذ أحمد شاكر، وقد طبع النصّ بالحرف الأسود، ويتلوه تعليقات الأستاذ المحقّق. وقد أقام عمود دراسته للألفاظ المعربة على أربعة أمور ذكرها في تصديره قائلاً:
١ - أعزو الكلمات إلى لغاتها، فقد وقع خطأ في كلام اللغويّين في هذا الصدد بالنسبة إلى بعض الكلمات، وسبحان من لا يخطئ، فقد ذكروا أنّ الأستار والاسفنط والبند والروشم والفندق من الفارسية، وهذا ليس بصحيح.
٢ - أذكر أصل الكلمات الدخيلة مكتوبًا بحروفه الأصلية فإن اللغويّين لم يفعلوا هذا إلاّ بالنسبة إلى بعض الكلمات الفارسية.
стр. 419
٣ - أذكر المعنى الأصلي بالنسبة لبعض الكلمات مع ذكر ما قيل خطأ في أصلها. فقيل مثلاً إن الديوان أصل معناه الجنّ، والزنديق أصله "زن دين" أي دين المرأة.
٤ - أذكر التغييرات التي طرأت على حروف الدخيل وبنائه عند التعريب، وأعلّلها من الناحية الصوتية. (ص ٦).
وليستكمل جوانب البحث، التزم في منهجه الذي سار عليه في تعليقاته أمورًا أخرى جلبت للباحث والقارئ فوائد كثيرة. فيشير في تعليقه أولاً إلى مصدر المؤلّف، وإذا كان المؤلّف قد تصرّف في العبارة الأصلية تصرّفًا غير يسير يورد العبارة الأصلية بتمامها، وإذا كان الاختلاف يسيرًا يكتفي بذكر موضع الخلاف. ثمّ يذكر أقوال اللغويّين الآخرين فيما يتّصل بأصل الكلمة ومدلولها. ويذكر اللغات المختلفة للكلمة إن وجدت. فذكر في كلمة بغداد مثلاً ثلاث عشرة لغة (ص ١٩٦) وإذا كانت الكلمة دخلت في لغات أخرى أيضًا يشير إليها.
وهكذا درس المحقّق الفاضل جميع الكلمات الواردة في كتاب المعرب دراسة دقيقة مستوفاة، ووضع ما قاله الجواليقي وغيره من علماء اللغة موضع النقد والتمحيص. فصحّح أخطاء، وأزال أوهامًا، وفتح مغاليق، ولكن في أسلوب علمي هادئ رصين، بعيدًا عن التبجّح والتعالم والهوى. فلم ير غضاضة في الاعتراف بأنّه لم يقف على أصل الكلمة الدخيلة في عدة مواضع من الكتاب. انظر مثلاً ص ٥٠٢ وص ٥٣٧ وص ٦٠١.
وكم من كلمة زعمها بعض اللغويّين القدامى دخيلة وأثبت المحقّق الفاضل عروبتها نحو البارح (ص ١٨٤) والتجفاف (ص ٢٢٣) والسرح (ص ٤٠٠) والتكوير (ص ٥٤٥) والمعزى (ص ٦٠١) وغيرها. يقول الجواليقي في التجفاف: "فارسي معرب، وأصله بالفارسية تن باه أي حارس البدن، وفي
стр. 420
الحديث قال أبو فرقد: رأيت على تجافيف أبي موسى الديباج" فأورد المحقّق في تعليقه أولاً أقوال ابن دريد والأزهري والجوهري والفيروز ابادي، ثمّ قال: "لم يشر إلى تعريبه إلاّ المؤلّف، وتبعه الخفاجي (ص ٨٢) وذكره أيضًا أدي شير (ص ٣٤). قال الخفاجي وأدي شير إن أصله "تن بناه". وهذا هو الصواب، وما ذكره المؤلّف خطأ، إذ "تن" معناه البدن و"بناه" معناه الوقاية. لكن أين هذا اللفظ من "تجفاف"؟ لا يكاد الفرع وأصله المزعوم يتّفقان في شيء. والصواب أنّه عربي، ففي اللسان: ذهبوا فيه إلى معنى الصلابة والجفوف .... (ص ٢٢٣ - ٢٢٤).
ولنعرف كيف كانت الروح العلمية تحكم منهجه لدراسة الألفاظ الدخيلة نقرأ السطور التي استهلّ بها الفصل الذي خصّصه لذكر ضوابط معرفة الدخيل في مقدّمته. يقول فيها:
"لا يكفي مجرّد اتّحاف الحروف بين كلمتين إحداهما عربية والأخرى أعجمية، للحكم على الأولى أنّها مأخوذة من الثانية، من غير أن نأخذ في الاعتبار أمورًا أخرى هامّة كاشتقاق الكلمتين وتطوّرهما عبر العصور وتاريخ الاتصّال بين اللغة العربية واللغة التي منها هذه الكلمة المشابهة للكلمة العربية ... فكلمة "الفت" بمعنى الأعسر كثيرة الشبه بكلمة Left الإنكليزية وهي بمعنى الشمال، غير أنّ هذا مجرّد وفاق بين اللغتين، وذلك لأنّ اللغة العربية لم تأخذ كلمات من اللغة الإنكليزية في العصور القديمة. وكلمة "ألفت" قديمة، ولها أصل في العربية، وهي مأخوذ من لفته إذا لواه. ومنه يقال للتيس الملتوي أحد قرنيه ألفت".
ثمّ قال: "وكذلك لا يمكن دفع العجمة عن كلمة دخيلة من غير الرجوع إلى أصلها وتاريخها ... أنّ كلمة "بَلْغَم" لم ترد في معظم المعاجم، والتي ذكرتها لم تشر إلى عجمتها، وليس في حروفها ولا في بنائها شيء يحملنا على
стр. 421
الشكّ في عروبتها. غير أنّ الذين يعرفون اليونانية يرون أنّها مأخوذة من Phlegma اليونانية. ولها أصل في اليونانية معروف. فهي مشتقّة من فعل يفيد معنى الاحتراق، والمعروف أن الأطبّاء القدامى كانوا يعتقدون أن البلغم نتيجة الاحتراق في الجسم، فهذه من المصطلحات الطبية التي أخذتها العرب من اللغة اليونانية" (ص ١٨ - ١٩).
وقد أحببت أن أقدم هنا نماذج كاملة من هذا الكتاب تبيّن للقارئ الكريم كيف طبق فيها الأستاذ المحقّق منهجه المشار إليه، ولكن أنّى لمطبعتنا أن تسعفنا بالحروف اليونانية والعبرانية والسريانية والسنسكريتية في وقت واحد، فنكتفي بما ورد من الأمثلة المقتضبة في هذا العرض السريع عسى أن تكون دالّة على ما وراءها من الجهد العظيم. وكم وددنا - ونحت نطالع هذا العمل - لو نهض الأستاذ الفاضل بعمل تالٍ يستدرك على كتاب الجواليقي، يستقصي جميع الكلمات المعربة والمولدة التي دخلت في اللغة العربية فيما بعد ويدرسها مثل هذه الدراسة، فيستقلّ بهذا الباب من أبواب المعجم العربي.
ولا يفوتنا في ختام هذه العجالة أن نقدّم تحياتنا للأستاذ الفاضل الدكتور ف. عبد الرحيم على هذا العمل الشامخ الذي خدم به اللغة العربية الشريفة والذي سيبقى مرجعًا معتمدًا في موضوعه للباحثين. ونشكره على هذه الهدية النفيسة التي أثرى بها المكتبة العربية الزاخرة. ونسأل الله تعالى أن يبارك في عمره وجهوده، ويوفقنا وإياه لما يحبّ ويرضاه.
стр. 422
مواقف أدبية ولغوية (١)
في كتاب الجماهر لأبي الريحان البيروني
أبو الريحان البيروني (٣٦٢ - ٤٤٨ هـ) من طليعة أعلام الثقافة الإسلامية وأبنائها الأفذاذ الذين أنجبتهم في أخصب عصورها الأدبية والعلمية، وكانت عبقريّته متعدّدة الجوانب متشعّبة النواحي. وأبت له نفسه الطموح وطبيعته المتطلّعة وهمته البعيدة أن يرضى بفن دون فن، ويقتنع بعلم دون علم، وكانت حاله كما قال أبو العلاء المعري:
ولي منطقٌ لم يرض لي كنه منزلي ... على أنني بين السِّماكين نازل
وأعانه على شفاء غليله وتحقيق تطلّعاته ما وهبه الله تعالى من توقّد الذهن، وحدة الذكاء، ودقّة الملاحظة، ونفاذ البصيرة، مع شغف بالعلم، وهيام بالحكمة، وتحرّر من سلطان الهوى والعصبية. فأكبَّ على كل ما حوته الثقافة الإسلامية في عصره من علوم عقلية ونقلية وعربية وعجمية بعقل مفتوح، وبجهد مستمر ونشا دؤوب، لا يكلّ ولا يملّ. "فلا يكاد يفارق يده القلم، وعينه النظر، وقلبه الفكر" (٢). فلم يترك ثنية إلا طلعها، ولا عقبة إلا اقتحمها، فتخصّص في الرياضيات والهيئة، وتضلع من الفلسفة، والتاريخ، والجغرافيا،
стр. 423
والطب، والطبيعيات، والكيمياء، والحيوان والنبات، وطبقات الأرض، وعلم الأديان مع مشاركة في العلوم الشرعية والأدبية.
وأبي أن يكتفي بالوسائط مخافة أن يخلط ويخبط، ويضلّ ويضلّ، فوطّن نفسه على الاستقاء من مناهل ثقافته مباشرة، فتعلم عددًا من اللغات الأجنبية وأهمّها السنسكريتية وأجادها. فتنوّر عقله، وتوسّعت ثقافته، وسلمت معرفته، فصحّح كثيرًا من الأخطاء الشائعة، وفند كثيرًا من الأخبار المنقولة.
أمّا اللغة العربية فكان البيروني - مع نشأته الأعجمية - مغرمًا بها. وقد بلغ حبّه لها إلى أن قال في كتاب الصيدنة: "الهجو بالعربية أحب إلي من المدح بالفارسية" (١).
فأقبل على علوم العربية من اللغة والأدب والبلاغة والشعر والعروض، فصار من أعلامها. وعدّه ياقوت من الأدباء واللغويين والشعراء المجيدين وإن لم يكن شعره - كما قال ياقوت - في الطبقة العليا فإنّه من مثله حسن (٢). ونقل خمسة وثلاثين بيتًا من قصائده المختلفة، تدور حول الأغراض الشعرية الشائعة في عصره من المدح والفخر والهجاء والوعظ والإخوانيات.
وذكرت المصادر عدّة آثار أدبية للبيروني منها: شرح شعر أبي تمام، وقد رآه ياقوت بخط البيروني، والتعلّل بإجالة الوهم في معاني نظم أولي الفضل، ومختار الأشعار والآثار، وكتاب الدستور في أحاسن المحاسن، ولكن هذه الكتب الأدبية التي كانت تستطيع أن تمثّل الجانب الأدبي لشخصية البيروني أصدق تمثيل ضاعت فيما ضاع من عظيم كنوز الثقافة الإسلامية وتراثها العلمي والأدبي.
стр. 424
كتاب الجماهر في معرفة الجواهر
وكان من حسن حظ العلم والأدب والشعر أن من آثار البيروني الخالدة التي أفلتت من أيدي الضياع كتابًا في الجواهر والفلزات سمّاه "كتاب الجماهر في معرفة الجواهر" نشرته دائرة المعارف العثمانية بحيدر اباد الدكن سنة ١٣٥٥ هـ، وقد بالغ المستشرق الألماني الدكتور سالم الكرنكوي (١٨٧٢ - ١٩٥٣ م) في تصحيح الكتاب، ولكن الحاجة لا تزال ماسّة إلى طبعة محقّقة مضبوطة لهذا الكتاب القيّم، فقد بقي فيه من التصحيف والتحريف ما استعصى على المصحّح وشوّه الكتاب تشويهًا (١).
وقد صنّف البيروني هذا الكتاب في أواخر عمره لشهاب الدولة أبي الفتح مودود بن السلطان مسعود بن السلطان محمود الغزنوي (٤١٢ - ٤٤١)، كما صنّف له كتابًا آخر في المحاسن وهو الدستور، وكان السلطان مودود آخر ملك اتّصل به البيروني.
وكتاب الجماهر من أهم مصادر علم المعادن والجواهر والفلزات، ولكن ليس كتابًا علميًا يقتصر على المباحث العلمية فحسب، بل هو جدير - بفضل ما يحويه من ثروة لغوية وشعرية قيّمة - بأن يعد من مصادر الأدب والشعر واللغة والأخبار كذلك. فهو كتاب يجمع بين حقائق العلم، وغرائب الأخبار، ومحاسن الشعر، وبدائع القول، ولطائف النقد، وطرائف الحكم، وشوارد اللغة، وفوائد التاريخ والاجتماع والاقتصاد والفقه والتفسير وكل ما له صلة قريبة أو بعيدة بموضوع الكتاب.
وألّف البيروني كتاب الجماهر - وهو شيخ أحكمته التجارب - بعد ما طوّف في الآفاق وشاهد من صروف الزمان وتقلّبات الأحوال، وبعدما جال
стр. 425
فكره وصال، وأغار قلمه وأنجد في الموضوعات العلمية والأدبية المختلفة المتباينة، فأفرغ في هذا الكتاب عصارة تجاربه العلمية، وأودعه حصيلة معارفه المتنوّعة، فجاء كتابًا ممتعًا خفيفًا، غزير المادة سهل المأخذ، يقبل عليه العالم والأديب والشاعر واللغوي والأخباري بنفس اللذة والشوق والعناية.
ويبدو أنّ البيروني تأثّر في كتاب الجماهر بأسلوب الجاحظ في كتاب الحيوان وخاصة في ظاهرة الاستطراد، وقد قرأه ونقل منه في هذا الكتاب، غير أنّ هذا التأثير لا يلاحقه في كتبه العلمية الأخرى التي يتمسّك فيها بحبل الكلام تمسّكًا قويًا، ولا يخرج عن الموضوع البتة.
وقد استرعى كتاب الجماهر انتباه الباحثين، فنشر الأستاذ محمد يحيي الهاشمي دراسة اقتصادية له في مجلّة المجمع العلمي العربي بدمشق (١)، كما تناوله من الناحية العلمية الدكتور فاضل أحمد الطائي ونشر مقالة في مجلّة المجمع العلمي العراقي (٢). أمّا هذا البحث فهو محاولة متواضعة لاستعراض الثروة اللغوية والشعرية التي يحويها كتاب الجماهر، وكشف ملامح الشخصية الأدبية للبيروني، واستشفاف بعض آرائه ونظراته في اللغة واتّجاهاته في النقد.
ترويحات الكتاب
يشتمل كتاب الجماهر على فاتحة، وفصلين بينهما خمس عشرة ترويحة، ومقالتين إحداهما في الجواهر والأخرى في الفلزات.
أمّا الترويحات فهي مقدّمات تمهيديّة أدارها حول التنويه بموضوع الكتاب من جوانبه المختلفة، وتطرّق فيها إلى الحديث عن عدد من مشكلات الاجتماع والاقتصاد والأخلاق ومصالح الشريعة. وهذه الترويحات جديرة بدراسة مستقلّة ويحمل بعضها مادة أدبية غزيرة مثل الترويحة السادسة (ص ١٠ - ١٢) التي