Полный текст (607 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فالفعل لا يرفع فاعلين, وما تعدى إلى مفعول لا ينصب مفعولين ولا يجر حرف الجر اسمين, ولا يجزم حرف الجزم فعلين إلا إن وما ضمن معناها.
ولهذه المعمولات توابع, جرت مجراها في الإعراب, لأنها مثلها في المعنى أو لرابط بين الأول والثاني, فلذلك عمل عامل المتبوع في التابع, وهذه التوابع خمسة: توكيد, وصفة, وبدل, وعطف بيان, وعطف بحرف, وإنما كانت خمسة, لأن الثاني لا يخلو من أن يتبع الأول بواسطة أو بغير واسطة, فإن تبعه بواسطة فهو العطف بالحرف, وإن لم يتبعه بواسطة فلا يخلو من أن يكون هو المعتمد بالحديث أو لا, فإن كان هو المعتمد بالحديث فهو البدل, وإن لم يكن المعتمد بالحديث لم يخل من أن يكون مشروط الاشتقاق, أو غير مشروط الاشتقاق, فإن كان مشروط الاشتقاق فهو الوصف. وإن لم [يكن] مشروط الاشتقاق لم يخل من أن يكون بمنزلة الوصف في إزالة الاشتراك من الأول أو لا, فإن كان بمنزلة الوصف في إزالة الاشتراك فهو عطف البيان, وإن لم يكن كذلك فهو التوكيد, وابن السراج / وأبو علي بدأ بالتوكيد ثم بالصفة, وأبو ٧٧/ أالفتح بدأ بالوصف وجعل عطف البيان إلى جانب العطف بالحرف لتسميته عطفًا, وأبو على جعل البدل إلى جانب النسق, لأن من أقسام البدل ما يكون غير الأول كقولك: ضربت زيدًا رأسه فهو بمنزلة العطف بالحرف, وأبو القاسم =
стр. 247
باب: (الوصف)
قال ابن جني: اعلم أن الوصف لفظ يتبع الموصوف تحلية وتخصيصًا ممن له مثل اسمه بذكر معنى في الموصوف أو في شيء من سببه, ولا يكون الوصف إلا من فعل أو راجعًا إلى معنى الفعل. والمعرفة توصف بالمعرفة, والنكرة توصف بالنكرة, ولا توصف معرفة بنكرة ولا نكرة بمعرفة, والأسماء المضمرة لا توصف لأنها إذا أضمرت فقد عرفت.
فلم تحتج إلى الوصف لذلك تقول في النكرة: جاءني رجل عاقل, ورأيت رجلًا عاقلًا ومررت برجل عاقل.
ــ
= الزجاجي أخل بالترتيب فبدأ بالنعت ثم بالعطف ثم بالتوكيد ثم بالبدل, وأغفل عطف البيان.
فإن قيل: فمن التوابع ما يكون مشتركًا بين الأسماء والأفعال وذلك التوكيد اللفظي والبدل, فالتوكيد اللفظي كقولك: زيد يجلس يجلس والبدل كقولك: إن تأتني تمشي أمش معك, فلماذا قال: معرفة ما يتبع الاسم في إعرابه؟ فخص الاسم بالذكر. قلت: التوابع الخمسة تحقق بأسرها في الأسماء دون الأفعال, فلأجل ذلك خصها بالذكر, وقد قال أبو علي: باب توابع الأسماء في إعرابها.
وجملة الأمر: أن الأسماء تصح فيها التوابع الخمسة, والفعل يصح فيه: التوكيد اللفظي, والبدل, والعطف, والحرف يصح فيه: التوكيد اللفظي, كقولك: إن إن زيدًا منطلق.
(باب الوصف)
قال ابن الخباز: يقال: وصف وصفة ونعت, فالوصف: المصدر, والصفة: =
стр. 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= اللفظ الجاري على الموصوف. وسألت شيخنا ﵀ عن الفرق بين الوصف والنعت فقال: النعت يستعمل فيما يتغير والوصف يستعمل فيما يتغير وفيما لا يتغير, ولذلك يقال: صفات الله ولا يقال: نعوت الله, ولم تستعمل العرب النعت إلا في غير الله. قال الراجز / أنشده أبو سعيد: ٧٧/ب
١٦٩ - أنعت أعيارًا رعين الخنزرا ... أنعتهن أيرًا وكمرًا
وأما حد الصفة, فقال ابن جني: (إنه لفظ يتبع الموصوف تحلية وتخصيصًا ممن له مثل اسمه بذكر معنى في الموصوف أو في شيء من سببه) فهذا الحد مؤذن بأمور.
الأول: أنه قال: (لفظ) فهذا دليل على أن الوصف يكون اسمًا وغير اسم فالاسم كقولك: جاءني رجل عاقل, وغير الاسم كقولك: مررت برجل في الدار, ورأيت رجلًا أبوه راكب.
الثاني: أن هذا اللفظ يتبع الموصوف, ومعنى كونه تابعًا له مساواته إياه في عشرة أمور: التعريف والتنكير والتأنيث والتذكير, والإفراد والتثنية والجمع, والرفع والنصب والجر, فلا يجوز وصف واحد من هذه بما ليس مثله فيها (فلا) توصف معرفة بنكرة بل معرفة, ولا توصف نكرة بمعرفة بل نكرة, ولا يوصف مفرد بتثنية ولا يجمع بل بمفرد, وكذلك البواقي, ولست أعني بقولي: «إنه يساويه في عشرة أمور» أن الأمور العشرة متى ثبت شيء منها للموصوف وجب ثبوته للصفة.
الثالث: قوله (تحلية) والتحلية تفعلة من الحلية, وهو الأمر الظاهر على الموصوف كالطول والقصر والسواد والبياض والعمى والحول والعور.
الرابع: قوله: (تخصيصًا ممن له مثل اسمه) وهذا يؤذن بأن الصفة إنما تجيء مزيلة للاشتراك, والاشتراك على قسمين: وضعي واتفاقي, فالوضعي كاشتراك =
стр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= النكرة نحو رجل وفرس فإنهما لا يخصان واحدًا من أمتهما فإذا قلت: مررت ٧٨/أبرجل عالم وشريت فرسًا أشقر فصلت نوعًا من نوع, لأن كل / رجل عالم رجل وكل فرس أشقر فرس ولا ينعكس.
الخامس: قوله: (بذكر معنى في الموصوف أو في شيء من سببه) هذا اللفظ يؤذن بأن الصفة قسمان: أحدهما: أن تكون للأول كقولك: مررت برجل عالم فالعالم هو الرجل الممرور [به] والثاني: أن تكون لشيء مضاف إلى ضميره وهو السببي كقولك: مررت برجل ذاهبة جاريته «فالذهاب للجارية, وإنما جازت صفته بصفة غيره, لأنه مضاف إلى ضميره فصار له تعلق به, ألا ترى أنك لو قلت: لعن الله ذاهبة جاريته» كان اللعن على صاحب الجارية لا عليها, وهذا بين, فهذا تحرير الحد.
فإذ كانت الصفة للأول وافقته في الأمور المذكورة, وإن كانت لسببية وافقته في خمسة دون خمسة, وهي الرفع, والنصب, والجر, والتعريف, والتنكير, كقولك: جاءني رجل عاقل أبوه, ومررت بزيد الكريم غلامه, ولا توافقه في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث, لأنها في الحقيقة للسببي لا للأول.
تقول: مررت برجل ذاهبة جاريته فتؤنث والموصوف مذكر, ومررت بامرأة ذاهب أبوها فتذكر والموصوف مؤنث ومررت برجلين كثير مالهما فتفرد والموصوف مثنى وفروع المسائل كثيرة, وقال أبو علي في تعليل كون الصفة تابعة للموصوف في ما ذكرنا من الأمور العشرة: لأن الصفة ينبغي أن تكون (على) وفق الموصوف في المعنى فمن حيث لم يجز أن يكون الجميع واحدًا والواحد جميعًا لم يجز أن يوصف كل واحد منهما إلا بما يلائمه وما هو وفقه هذا كلامه.
والدليل على أن الصفة هي الموصوف في المعنى أنك إذا قلت: جاءني رجل, طلب في الرجال, فإن قلت: جاءني رجل فقيه طلب في الرجال الفقهاء, وكلما =
стр. 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= زدت صفة قل العموم, وقد تبلغ / بالاسم كثرة الصفات إلى أن يكون لا شريك له ٧٨/ب كقولك: رأيت رجلًا فقيهًا شاعرًا أعور بزازًا كاتبًا, فإن هذه الصفات لا يكاد يوجد اثنان مشتركان في جملتها.
وقوله: (ولا يكون الوصف إلا من فعل أو راجعًا إلى معنى الفعل) يعني به أن الصفة إما مشتقة أو في تأويل المشتق, لابد من ذلك. فالأول كراكب وقائم.
والثاني: كمثلك وغيرك يتأولان: مماثل ومغاير.
وإنما لزم الاشتقاق أو تأويله, لأن المقصود من الصفة الفرق بين المشتركين في الاسم, وذلك لا يحصل إلا بذكر المعاني العارضة القائمة بالذوات التي تدل عليها الأسماء المشتقة. وبقية باب الوصف أتى على ما فيه من الأحكام بذكر ثلاثة فصول.
الفصل الأول في صفات النكرات: اعلم أن النكرة توصف بخمسة أنواع, الأول: ما كان حلية وقد فسرتها, تقول فيما كان للموصوف: مررت برجل أسود, وفيما كان لسببه: مررت برجل عالية داره.
الثاني: ما كان فعلًا علاجيًا, فما كان للأول فنحو قولك: مررت برجل ذاهب وما كان للسببي فنحو قولك: مررت برجل قائمة جاريته.
الثالث: ما كان غريزة, فما كان للأول قولك: مررت برجل شريف, وما كان للسببي قولك: مررت برجل كريم أبوه.
الرابع: النسب فما كان للأول قولك: مررت برجل هاشمي وما كان للسببي: مررت برجل مصري حماره.
الخامس: ذو التي بمعنى صاحب, تقول: مررت برجل ذي مال, وتذكر تثنيتها وجمعها وتأنيثها, لأنه قل أن يعرف تقول: مررت برجلين ذوي مال, وبرجال ذوي مال وبامرأة ذات مال, وبامرأتين ذواتي مال وبنساء ذوات مال, وفي التنزيل: ﴿ذواتي أكل﴾ و ﴿ذواتا أفنان﴾ و ﴿ذوي عدل / منكم﴾.
ولا يجوز أن تصف بذي سببًا, فلا تقول: مررت برجل ذي مال أبوه, وذلك =
стр. 251
٢٣/أقال ابن جني: وتقول: في المعرفة: هذا زيد العاقل, ورأيت زيدًا العاقل / ومررت بزيد العاقل وتقول فيما تصفه بشيء من سببه: هذا رجل عاقل أخوه, ومررت بزيد الكريم أبوه, ولو قلت: مررت بزيد ظريف على الوصف لم يجز, لأن المعرفة لا توصف بالنكرة: وتقول: هذا رجل مثلك ونظرت إلى رجل شبهك وشرعك من رجل, وهذا رجل ضارب زيد وشاتم بكر فتجري هذه الألفاظ أوصافًا على النكرات.
وإن كن مضافات إلى المعارف لتقديرك فيهن الانفصال, وأنهن لا يخصصن شيئًا بعينه.
ــ
= لثلاثة أوجه: أحدهما: أنها غير مشتقة. والثاني: أنها تلزم الإضافة. والثالث: أنها على حرفين فبعدت بذلك كله عن مذهب الفعل, ومن قال: مررت بسرج خز صفته ومررت برجل فضة حلية سيفه لم يبعد أن يقول: مررت برجل ذي مال أبوه, لأنها متأولة بمالك وصاحب.
ويجوز وصف النكرة بالجملة التي يدخلها الصدق والكذب اسمية كانت أو فعلية, تقول: جاءني رجل أبوه قائم ومررت برجل يذهب علامه, وشريت جارية مات أبوها. والجملة لا يستبين إعرابها, بل يحكم به على موضعها, فإن كانت صفة لمرفوع فموضعها رفع, وإن كانت صفة لمنصوب فموضعها نصب, وإن كانت صفة لمجرور فموضعها جر, وقد مثلت ذلك. وإذا جمعت بين الجملة والمفرد فالجيد تقديم المفرد كقوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ , لأن المفرد هو الأصل, وقال الشنفرى:
١٧٠ - ووراء الثأر مني ابن أخت ... مصع عقدته ما تحل
قال ابن الخباز: الفصل الثاني: في صفة المعرفة, والمعارف خمسة أنواع:
الأول: المضمر, ولا يقع موصوفًا ولا صفة, أما كونه لا يوصف فلأنه إن كان =
стр. 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= متكلمًا أو مخاطبًا فقد استغنى عن الصفة بحضوره, وإن كان غائبًا فلا يذكر إلا بعد ظاهر, وأما كونه لا يقع صفة فلأنه بعيد من لفظ الفعل ألا ترى أنهم لم يجيزوا: مروري يزيد حسن وهو بعمر وقبيح, وإن كان هو ضمير مروري, فلا تعلق به الباء, لأنه لا يدل على لفظ الفعل.
النوع الثاني: العلم, يوصف بسائر المعارف, بالمبهم كقولك: مررت بزيد هذا فإن ثنيته أو / جمعته لم تصفه بالمبهم فلا تقول: مررت بالزيدين هذين, ولا ٧٩/ب بالزيدين هؤلاء, لأن التثنية والجمع يخرجانه عن العلمية. [و] بالألف واللام كقولك: مررت بزيد الطويل, وبالمضاف إلى المعرفة كقولك: مررت بزيد صاحبك, ولا يقع العلم صفة, لأنه لما سمي به أخرج عن معنى الفعل.
الثالث: المبهم, ويوصف بالألف واللام كقوله تعالى: ﴿إن هذا القرآن﴾ وخيل إلى بعض الحمقى من أهل عصرنا أن هذا زائدة, والقرآن اسم إن.
الرابع: الألف واللام, ويوصف بالألف واللام, وبالمضاف إلى ما هما فيه كقولك: مررت بالرجل الجميل وبالغلام صاحب القوم.
الخامس: المضاف إلى المعرفة, ويوصف بما أضيف كإضافته كقولك: مررت بأخيك: صاحب عمرو, وبالمبهم كقولك: مررت بأخيك هذا وبالألف واللام كقولك: [مررت] بأخيك الظريف, فهذا تفصيل المعرفة.
وكل ما كان صفة للنكرة كان بعد المعرفة حالًا تقول: مررت برجل قائم, فإن جئت به بعد زيد قلت: مررت بزيد قائمًا, ولا يشرك بين النكرة والمعرفة في الوصف الواحد, فلا تقول: مررت برجل وزيد ضاحكين ولا الضاحكين لأنك إن عرفته فأحدهما نكرة, وإن نكرته فأحدهما معرفة.
الفصل الثالث: أسماء أضيفت إلى المعارف ولم تتعرف بذلك: اعلم أن حكم كل ما أضيف إلى معرفة أن يتعرف كقولك: غلامي وصاحبك وجاريته, ودار زيد, وكتاب هذا وعبد الرجل, وطرف رداء عمرو, إلا أسماء أضيفت ولم تؤثر فيها =
стр. 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإضافة تعريفًا, وهي قسمان أحدهما: إضافة عامل إلى معمول لو لم تضفه إليه ٨٠/ألعمل فيه غير الجر, وذلك: أسماء الفاعلين, والمفعولين /, والصفات المشبهة بأسماء الفاعلين, فالأول: كقولك: هذا رجل ضارب زيد وشاتم عمرو, والتقدير: ضارب زيدًا, وشاتم عمرًا فقد أضفت الناصب إلى المنصوب. والثاني: كقولك: هذا رجل معطى الدرهم ومكسو الجبة, والتقدير معطي الدرهم, ومكسور الجبة, فهذا مثل الأول. الثالث: كقولك: مررت برجل حسن الوجه كريم الأب والتقدير: حسن وجهه وكريم أبوه فقد أضفت الرافع إلى المرفوع, وهذا كله تصف به النكرة, لأن إضافته في تقدير الانفصال, فهو باق على تنكيره, ومن أدل دليل على تنكيره [و] أنه نكرة قول جرير:
١٧١ - يا رب غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدة منكم وحرمانا
فدخلت رب عليه, ولا تدخل إلا على النكرة.
الثاني: ما أضيف ولم يتعرف, وهي أسماء اقتضت معانيها العموم, منها, مثل: تقول مررت برجل مثلك, وإنما لم يتعرف لأن مماثلة المخاطب لا تختص بالمرورية لأنه ما من شيء إلا وهو يماثله في شيء, ويدلك على أن نكرة قول أبي محجن:
١٧٢ - يا رب مثلك في النساء غريزة ... بيضاء قد متعتها بطلاق
الثاني: غير, تقول: مررت برجل غيرك, فلا يتعرف لأن مغايرة المخاطب لا =
стр. 254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= تختص بالرجل المذكور, لأن كل شيء ليس إياه هو غيره, وفي التنزيل: ﴿ما لكم من إله غيره﴾ و ﴿هل من خالق غير الله﴾ فأجري صفة على النكرة.
الثالث: شبه, تقول: مررت برجل شبهك وحكمه حكم مثل. فأما شبيه فيتعرف بالإضافة وتصف به المعرفة تقول: مررت بزيد شبيهك, وذلك لأن معنى شبه ما يشابهك في معنى ما, ومعنى شبيه / ما يغلب عليه شبهك, فإذا قلت: مررت ٨٠/ب بزيد شبيهك فكأنك قلت: مررت بزيد المعروف بمشابهتك, ويقال: مثيل في معنى مثل, وحكمه حكم شبيه تقول: مررت بزيد مثلك. وشرعك بمعنى شبهك وقد ذكر. ويقال: الناس في هذا الأمر شرع وشرع بفتح الراء وإسكانها أي: سواء, فقد أتى هذا التفسير على ما ذكره أبو الفتح ﵀. ومسائل الصفة كثيرة. ونحن نذكر منها خمس مسائل أجنبية من الباب نجعل كل مسألة علما على نوعها.
المسألة لأولى: إذا اختلف إعراب الأسماء الموصوفة أو العامل فيها لم يجز الجمع بين صفاتها بل يفرد كل واحد بصفته, فمثال اختلاف إعرابها أن يكون أحد الاسمين مرفوعًا والآخر منصوبًا أو مجرورًا كقولك: قام زيد ورأيت عمرًا, فلا يجوز: قام زيد ورأيت عمرًا الكريمين ولا الكريمان, لأن الكريمين اسم حله إعراب واحد فلو جعلته صفة لهما لم يستقم حتى ترفعه وتنصبه ليكون صفة لهم, لأنه لم يتبعهما في الإعراب, وأجازوا قام زيد ورأيت عمرًا الكريمين والكريمان على غير وجه الصفة, وهو أن تنصبه بإضمار أعني, وترفعه بإضمار المبتدأ, ومثال اختلاف العامل فيها قولك: هذا زيد وقام عمرو الكريمان. وكان زيد أخاك ورأيت أباك العاقلين, لا تجوز المسألتان على الصفة, لأن الأولى ارتفع فيها زيد بأنه خبر المبتدأ وعمرو بأنه فاعل. والثانية انتصبت فيها أخوك بأنه خبر كان, وأبوك بأنه مفعول, فلو جعلت الكريمين والعاقلين صفة لرفعت الكريمين برافعين ونصبت العاقلين بناصبين / واختلاف الجرين ٨١/أكاختلاف الرفعين والنصبين كقولك: مررت بزيد وسرت إلى عمرو الكريمين وهذه =
стр. 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= المسائل جائزة بأن تنصب بإضمار أعني وأن ترفع على إضمار المبتدأ.
المسألة الثانية: يجوز تفريق الموصوف وجمع الصفة, وجمع الموصوف وتفريق الصفة فالأول: كقولك: مررت برجل وامرأة وحمار قيام, وهذا لا يصح إلا إذا اشتركت فلا يجوز مررت برجل وحمار مصليين, لأن الحمار لا يصلي.
والثاني كقولك: مررت برجلين مسلم وكافر, ومررت برجال قائم وقاعد ومضطجع ولك القطع والرفع في مثل هذا, كأنك قلت: أحدهما مسلم والآخر كافر.
والمسألة الثالثة: لا يجوز عطف الصفة على الموصوف, فلا ت قول: مررت بزيد والظريف لأنه زيد في المعنى. ويجوز عطف بعض الصفات على بعض كقولك: مررت بزيد الظريف والكاتب لتغايرهما في المعنى.
فإن قلت: فما الفرق بين قولك: مررت بزيد الظريف الكاتب وبين قولك: مررت بزيد الظريف والكاتب؟
قلت: الفرق أن إثبات الواو يدل على إثبات شهرة زيد بكل واحدة من الصفتين وحذفها يدل على شهرته بمجموعها.
المسألة الرابعة: لا يجوز تقديم الصفة على الموصوف, لأن إعرابها فرع على إعرابه وهي أيضًا فرع عليه في الوجود, وأما قول النابغة:
١٧٣ - والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند
فليس العائذات صفة مقدمة, وإنما الطير بدل أو عطف بيان.
المسألة الخامسة: اختلف سيبويه وأبو الحسن في عامل الصفة, فذهب سيبويه ٨١/ب إلى أن العامل فيها العامل / في موصوفها, لأنها هي هو في المعنى, وقد بين ذلك, فكان العامل فيه عاملا فيها, ولو جئت بصفات كثيرة كان حكمها حكم الصفة =
стр. 256
باب: (التوكيد)
قال ابن جني: اعلم أن التوكيد لفظ يتبع الاسم المؤكد لرفع اللبس وإزالة الاتساع, وإنما تؤكد المعارف دون النكرات مظهرها ومضمرها, والأسماء المؤكد بها تسعة وهي: نفسه, وعينه, وكله, وأجمع, وأجمعون, وجمعاء, وجمع, وكلا, وكلتا.
تقول: قام زيد نفسه ورأيت زيدًا نفسه, ومررت بزيد نفسه, وكذلك: قام أخوك عينه, ورأيته عينه ومررت به عينه.
وتقول: جاء الجيش كله أجمع ورأيته كله أجمع / ومررت به كله أجمع وجاء ٢٣/ب القوم كلهم أجمعون, ورأيتهم كلهم أجمعين, ومررت بهم كلهم أجمعين. وجاءت القبيلة كلها جمعاء, ورأيتها كلها جمعاء, ومررت بها كلها جمعاء, وجاء النساء كلهن جمع, ورأيتهن كلهن جمع, ومررت بهن كلهن جمع.
ــ
= الواحدة وينبغي أن تعلم أن عمل عامل الصفة فيها أضعف من عمله في موصوفها. وبيانه أن الموصوف لا يجوز أن يخالف به عن عامله, والصفة يجوز أن تقطع فتنصب أو ترفع وذهب أبو الحسن إلى أن عامل الرفع في الصفة كونها صفة لمرفوع, وكذلك عامل النصب والجر فيها, وفي الذي قاله نظر, لأن حق العامل أن يكون متحققًا بدون المعمول, وهذا لا يتحقق إلا به ومعه.
ولم أذكر هذه المسائل إلا تكملة لفائدة الباب, وحاجته إليها ضرورية.
(باب التوكيد)
قال ابن الخباز: يقال: توكيد وتأكيد, والأولى لغة القرآن, وفيه: ﴿توكيدها﴾ وله معنيان: لغوي وصناعي, فمعناه في اللغة: إحكام الشيء, وفي الاصطلاح: أوكدت الحبل والسرج وأكدته, أي: أحكمته.
стр. 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ومعناه الصناعي: تمكين المعنى في النفس بذكر لفظه ثانيًا أو مثله دلالة عليه وهو ينقسم قسمين: أحدها: أن تكرر اللفظ بعينه, ويسمى التوكيد الصريح, والتوكيد اللفظي, وهذا لا يختص بشيء, يكون في الاسم والفعل والحرف والجملة والمعرفة والنكرة, فمثال الاسم قولك: قام زيد زيد, وأكلت خبزًا خبزًا, فهذان, مثال المعرفة والنكرة, قال الراجز:
١٧٤ - كم نعمة أسديتها ... كم كم كم
ومثال الفعل: قام قام زيد, وأنشد ابن الشجري في الأمالي:
١٧٥ - فأين إلى أين النجاة ببغلتي ... أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس
٨٢/أ / ومثاله في الحرف: إن إن زيدًا منطلق, ولا يجوز تكرير الحرف الواحد لما فيه من توالي الأمثال, فلا تقول: الدار للزيد. ومثاله في الجملة قولك: ذهب عمرو ذهب عمرو, وأما قوله سبحانه: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ فليس بتوكيد لأن كل مرة =
стр. 258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ذكرت فيها الجملة تتناول قضية مخصوصة, فالأولى تتناول المكذبين بيوم الفصل, والثانية تتناول المكذبين بالإهلاك, وهلم جرا إلى آخر السورة, وكذلك قوله تعالى: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ لاختلاف المواضع التي تطأ الآية عقبها.
الثاني: التكرير المعنوي, ويسمى التكرير غير الصحيح, ويكون بتسعة أسماء: نفس, وعين, وكل, وأجمع, وأجمعون, وجمعاء, وجمع, وكلا, وكلتا, وكل واحد من هذه يحتاج إلى كشف.
أما النفس: فهي عبارة في الأصل عن حقيقة الشيء, المراد منها في التوكيد إثبات الحقيقة تقول: قام زيد نفسه, ورأيت زيدًا نفسه ومررت بزيد نفسه, يرد أن الحكم [تعلق]. بزيد لا بغيره وتؤكد بها التثنية والجمع فتقول: قام الزيدان أنفسهما, ورأيت الزيدين أنفسهم, وكذلك: قامت هند نفسها, والهندان أنفسهما والهندات أنفسهن, والأصل أن تقول: نفساهما فجمعت المثنى كقوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾.
وأما العين: فهي عبارة عن العضو المعروف في الأصل فأجريت مجرى النفس في التوكيد, كأنهم جعلوا المذكور كله عينًا, لأنها ذريعة إلى معظم المصالح كما سموا الرجل الحافظ لأصحابه على الأماكن المشرفة عينًا, لأنه لولا العين لبطلت الخصلة المرادة منه, فكأنه قد صار كله ذلك العضو, ويقارب هذا قوله تعالى: ﴿ذلك بما قدمت يداك﴾ نسب العمل إلى اليدين, لأن أكثر / ما يتولاه, الإنسان يعمله ٨٢/ب بيديه. وتقول قام الزيدان أعينهما فتجمع.
وللنفس والعين شأن ليس لغيرهما, وهو إذا أكدت بهما ضميرًا مرفوعًا متصلًا أكدته قبلهما بضمير منفصل كقولك زيد ذهب هو نفسه, وإخوتك سادوا هم أعينهم, وإنما فعلوا ذلك, لأن النفس والعين اسمان يليان العوامل فلو لو تؤكد الضمير المتصل بالضمير المنفصل لتوهم أنهما مرفوعان بالفعل الذي قبلهما.
وأما كل: فمعناه الشمول والإحاطة وتؤكد بها كل ما يجوز وقوع الحكم ببعض =
стр. 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أجزائه تقول: جاء الجيش كله, وأكلت الرغيف كله, وبعت العبد كله, ولا يجوز: جاء زيد كله, لأنه لا يجيء بعضه, ولا تقول أيضًا: خاطبت زيدًا كله, لأنك لا تخاطب بعضه, وتقول: رأيت الثوب كله لجواز رؤية بعضه, وتضيف كلا إلى ضمير المؤكد أي شيء كان, وفي التنزيل: ﴿فسجد الملائكة كلهم﴾ وفيه: ﴿ويرضين بما آتيتهن كلهن﴾ يقرأ بالرفع توكيدًا للنون وبالنصب توكيدًا للمفعول.
وأما أجمع: فمعناها معنى كل ومذهبها كمذهبها تقول: جاء الجيش أجمع ولا تقول: جاء زيد أجمع. وقال الكحلبة الغرني أنشده المفضل:
١٧٦ - ونادى منادى الحي أن قد أتيتم ... وقد شربت ماء المزادة أجمعا
وأجمع معرفة, لأنه يجري على المعرفة.
فإن قلت: من أي أقسام المعارف هو؟
قلت: هو علم موضوع لمعنى, وهو العموم, والدليل على أنه علم أنه ليس بمضمر ولا اسم إشارة, ولا معرفًا باللام, ولا مضافًا فلم يبق إلا أن يكون علمًا, لأن المعارف منحصرة, فإذا انتفت أربعة منها لم يبق إلا الخامس. وكذلك القول في تعريف أجمعين وجمعاء وجمع.
٨٣/ب وأما أجمعون: فيؤكد بها الذكور من ذوي العلم / كقولك: جاء القوم أجمعون, وفي التنزيل: ﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعين﴾ وقال بعض المتأخرين: هو حال, وهذا مستطرف. ولا يجوز اشتريت الثياب أجمعين.
وأما جمعاء: فمثل أجمع في توكيد المفرد المحتمل للتجزئة تقول: جاءت القبيلة =
стр. 260
قال ابن جني: ويتبع أجمع أكتع أبصع, ويتبع أجمعين أكتعون أبصعون, ويتبع جمعاء كتعاء بصعاء, ويتبع جمع كتع بصع, ومعنى هذه التوابع كلها شدة التوكيد.
ولا يجوز تقديم بعضها على بعض, لو قلت: جاء القوم أجمعون كلهم, لم يجز أن تقدم أجمعون على كل لضعفها وقوة كل عليها, وتقول في التثنية: قام الرجلان كلاهما, ورأيتهما كليهما, ومررت بهما كليهما, وقامت المرأتان كلتاهما, ورأيتهما كليتهما, ومررت بهما كلتيهما.
ــ
= جمعاء, وبعت الدار جمعاء ولا يجوز جاءت هند جمعاء, لأنه لا تجيء بعضها وجمع جمع جمعاء في المعنى كما أن أجمعين جمع أجمع في المعنى, وإنما قلنا: إن أجمعين جمع أجمع في المعنى لا في اللفظ, لأنه لو كان جمعه على حد زيد وزيدين لتنكر, فدل على أنه صبغة مرتجلة, وكذلك جمع لو كان جمع جمعاء لتنكر, ولا تصرف جمع, لأنه معرفة معدول عن جماعي الذي هو في الأصل جمع جمعاء كصحراء وصحارى, ولا تؤكد بشيء من هذه الأسماء النكرات, لأنها معارف لا تتبعها وهذا معنى قوله: (وإنما تؤكد المعارف دون النكرات مظهرها ومضمرها) ويؤكد المضمر بهذه الأسماء كما يؤكد المظهر, وفي التنزيل: ﴿لأغوينهم أجمعين﴾ وقد ذكرت حكم نفس وعين في تأكيد المرفوع المتصل.
قال ابن الخباز: وأما أكتع وأبصع: فتابع لأجمع, وأكتعون وأبصعون تابع لأجمعون, وكتعاء وبصعاء تابع لجمعاء, وكتع وبصع تابع لجمع, وحكم كل تابع حكم متبوعه في التعريف العلمي والجمع والمثنى على غير واحده, والتأنيث والتعريف والعدل المانعين من الصرف.
ولم يذهب أبو الفتح إلى اشتقاق, بل قال: (ومعنى هذه التوابع كلها شدة التوكيد) وذهب غيره إلى أنها مشتقة, وأخذ أكتع من قولهم: [حول كتيع أي تام وأبصع من قولهم] تبصع العرق أي: سال.
قال أبو ذؤيب:
стр. 261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ١٧٧ - تأبى بدرتها إذا ما استغضبت ... إلا الحميم فإنه يتبصع
ونقل شيخنا ﵀ عن الزجاجي أنه قال: قام القوم كلهم, فمعناه عموم القيام لهم مجتمعين كانوا أو مفترقين, وإذا قال: قام القوم كلهم أجمعون فمعناه اجتماعهم في القيام في زمان واحد ولا شك أن هذا مستمد من قوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ , لأن الله تعالى لما أمرهم بالسجود سجدوا في زمان واحد مرة واحدة.
وأما كلا وكلتا: فاسمان يراد بهما عموم الاثنين والاثنين كما أن كلام لعموم الجمع, وكلا اسم على زنة معا وكلتا اسم على زنة ذكرى فألفه للتأنيث, وتاؤه كتاء بنت وأخت في أنها بدل من الواو التي هي لام الفعل ووزنه فعلا. وقال الجرمي: وزنه فعتل, وهذا لم يجئ ثبتًا.
واختلف النحويين في كلا وكلتا, فقال البصريون: هو مفرد اللفظ مثنى ٨٣/ب المعنى / واحتجوا على ذلك بوجهين: أحدهما: أنه لا يخبر عنهما (إلا) بالمفرد قال الله : ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾ وقال الشاعر:
١٧٨ - كلا أخوينا إن يرع يدع قومه ... ذوي جامل دثر وجمع عرمرم
كلا أخوينا ذو رجال كأنهم ... أسود الشرى من كل أغلب ضيغم
стр. 262
قال ابن جني: فكلا وكلتا متى أضيفتا إلى المضمر كانتا في الرفع بالألف وفي النصب والجر بالياء على, ما مضى, وإن أضيفتا إلى المظهر كانتا بالألف على كل حال تقول: جاءني كلا أخويك, ورأيت كلا أخويك, وجاءتني كلتا أختيك, لأن كلا وكلتا اسمان / مفردان غير مثنيين, وإن أفادا معنى التثنية. ٢٤/أ
ــ
= ولو كان مثنى لثنى الخبر. الوجه الثاني: أنهما يضافان إلى ضمير التثنية كقولك: كلاهما وكلتاهما, ولو كانا مثنيين ما أضيفا, ألا ترى أنك لا تقول: اثناهما ولا اثنتاهما وذهب الكوفيون إلى أنه مثنى اللفظ واحتجوا على ذلك من وجهين: أحدهما: أن الشاعر قد استعمل مفردها, قال الراجز:
١٧٩ - في كلت رجليها سلامى واحدة ... كلتاهما مقرونة بزائدة
فإن كان للمؤنث مفرد فالمذكر كذلك, لأنه فرعه.
قال ابن الخباز: الوجه الثاني: أنهما يكونان في الرفع بالألف وفي الجر والنصب بالياء يقول:
/ جاءني كلاهما وكلتاهما ورأيت كليهما وكلتيهما ومررت بكليهما ٨٤/أوكلتيهما, وهذه طريقة التثنية, والجواب أن قوله:
١٨٠ - في كلت رجليها (١٧٩)
أراد في كلتا رجليها, فحذف الألف - وهو يريدها - ضرورة, قال رؤبة:
١٨١ - وصاني العجاج فيما وصني
стр. 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أراد فيما وصاني. والجواب عن الثاني أنهما لو كانا مثنيين لرفعا بالألف ولجرا ونصبا بالياء في كل حال, وذلك لا يكون إلا إذا أضيفا إلى المضمر. فإن أضيفا إلى الظاهر كانا بالألف في كل حال تقول: جاءني كلا أخويك وكلتا أختيك, ورأيت كلا أخويك وكلتا أختيك, ومررت بكلا أخويك وكلتا أختيك, وإنما كان ذلك في الإضافة إلى المضر, لأنهما أشبهتا إلى وعلى ولدى بلزوم الإضافة, وأولئك تقلب ألفاتها ياءات إذا ولين المضمر كقولك: إليكما وعليكما ولديكم, وتبقى ألفاتها إذا ولين الظاهر كقولك: إلى زيد ولدى بكر وعلى عمرو, واختص القلب بالجر والنصب, لأنهما مثنيان في المعنى, فكان القلب في موضع تقلب فيه ألف التثنية ياء. ويجوز تثنية خبرها حملًا على المعنى, قال الفرزدق:
١٨٢ - كلاهما حين جد الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابى
فقال: أقلعا, حملًا على المعنى, وقال: «رابي» حملًا على اللفظ, وتقول: كلتا أختيك ذاهبة, وكلتا أختيك ذاهبتان, والحمل على اللفظ أولى, لأنه الظاهر ولم يأت في التنزيل إلا هو في قوله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾.
стр. 264
باب: (البدل)
قال ابن جني: اعلم أن البدل يجري مجرى التوكيد في التحقيق والتشديد ومجرى الوصف في الإيضاح والتخصيص, وهو في الكلام على أربعة أضرب: بدل الكل وبدل البعض وبدل الاشتمال, وبدل الغلط والنسيان, ويجوز أن تبدل المعرفة من المعرفة والنكرة من النكرة, والمعرفة من النكرة, والنكرة من المعرفة والمظهر من المضمر, والمضمر من المظهر, والمضمر من المضمر.
فبدل المعرفة من المعرفة: أقام أخوك زيد, وبدل النكرة من النكرة: مررت برجل غلام رجل. والمعرفة من النكرة: مررت برجل زيد, والنكرة من المعرفة: ضربت زيدًا رجلًا صالحًا والمظهر من المضمر نحو قولك: مررت به أبي محمد. قال الشاعر:
على حالة لو أن في القوم خاتمًا ... على جوده لضن بالماء حاتم
جر حاتمًا لأنه بدل من الهاء في جوده, والمضمر من المظهر نحو قولك:
رأيت زيدًا / إياه والمضمر من المضمر نحو قولك: رأيته إياه. ... ٢٤/ب
وعبرة البدل أن يصلح الكلام بحذف الأول وإقامة الثاني مقامة تقول في بدل الكل: قام زيد أخوك, ورأيت أخاك جعفرًا, وتقول في بدل البعض: ضربت زيدًا رأسه.
ومررت بقومك ناس منهم, وتقول في بدل الاشتمال: يعجبني زيد عقله, وعجبت من جعفر جهله وغباوته, وتقول في بدل الغلط: عجبت من زيد عمرو وأكلت خبزًا تمرًا, غلطت فأبدلت الثاني من الأول, ولا يقع مثله في قرآن ولا شعر, قال الله : ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ فهذا بدل البعض, وقال تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ فهذا بدل الاشتمال.
ــ
(باب البدل)
قال ابن الخباز: يقال: بدل وبدل وبديل كعدل وجمل وقتيل, والبدل في اللغة /: كل شيء قام مقام غيره, ومنه قولهم: إن بدلك زيد, أي: إن القائم = ٨٤/ب
стр. 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= مقامك زيد, وقال ذو الرمة:
١٨٣ - فيا كرم السكن الذين تحملوا ... من الدار والمستخلف المتبدل
وهو عند النحويين عبارة عن كل اسم يعتمده الحديث.
وأما جريه مجرى التوكيد في التحقيق والتشديد فلأنك إذا قلت: قام أخوك زيد, فالبدل والمبدل منه عبارتان عن معنى واحد, فكأنك قلت: قام أخوك أخوك. أو قام زيد زيد, وكذلك إذا قلت: ضربت زيدًا رأسه, فقد ذكرت الرأس مرتين, الأولى بذكرك ما هو جزء منه أعني زيدًا, والثانية: بذكرك اسمه وكذلك إذا قلت: أعجبني زيد عقله, فقد ذكرت العقل مرتين: إحداهما: بذكر محله المشعر به. والثانية بذكر اسمه, ولا يتجه في بدل الغلط, لأنك إذا قلت: ركبت فرسًا حمارًا لم تذكر الحمار مرتين, ولا الفرس مرتين, لأن أحدهما غير الآخر من كل وجه, فذكر أحدهما لا يدل على ذكر الآخر.
وأما جريه مجرى الوصف في الإيضاح والتخصيص, فلأنك إذا قلت: قام أخوك زيد لم يخل بعض من يسمع ذلك من أن يكون غير عارف بالمذكور من كلتا جهتيه اسمه وقرابته فإذا قلت: قام أخوك وهو لا يعرف أن اسمه زيد, وقام زيد وهو لا يعرف أنه أخوك ثم جمعت بين الاسمين, أفدت بمجموعها بيانًا لا يحصل بأحدهما.
والبدل أربعة أقسام: أحدهما: أن تبدل الاسم من الاسم, وهما دالان على معنى واحد, وهذا يسمى بدل كل من كل, لأن الثاني دال على جميع ما يدل عليه الأول. الثاني: أن تبدل الاسم من الاسم والثاني دل على بعض ما يدل عليه الأول, وهذا يسمى بدل بعض. الثالث: أن تبدل الاسم من الاسم والثاني دال =
стр. 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= على معنى يوصف به الأول, وهذا يسمى بدل المصدر / وبدل الاشتمال أيضًا. ٨٥/ب لأن الأول اشتمل على الثاني.
الرابع: بدل الغلط: وهو أن يكون الثاني خارجًا في الدلالة عن الأقسام الثلاثة وإنما انحصر في ذلك, لأن كل شيء ضام شيئًا لم يخل من أن يكون دالًا على ما يدل عليه أو لا, فالأول: البدل الأول, والثاني: لا يخلو من أن يدل على جزئه أولا فالأول: البدل الثاني والثاني إما أن (يدل) على معنى فيه أو خارج عنه, فالأول البدل الثالث, والثاني: مهدر مطرح, لأنه لا فائدة فيه فثبت أن الأبدال المستعملة ثلاثة أقسام.
واعلم أن أكثر الناس يمنعون أن يقال: الكل والبعض, لأنهما في نية الإضافة فلا يدخلهما اللام, ومنهم من أجاز ذلك, ومنعه ظاهر كلام سيبويه.
وجملة مسائل البدل عشرون, أنا أسوقها إليك واحدة واحدة إن شاء الله.
أما بدل الشيء من الشيء وهما لمعنى واحد فمسائله ثمان: الأولى: بدل المعرفة من المعرفة كقولك: قام أخوك زيد, وفي التنزيل: ﴿أهدنا الصراط المستقيم﴾ ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ والآية تدل على جواز إبدال الضعيفة من القوية, لأن الثانية مضافة, والأولى معرفة باللام قال الراجز.
١٨٤ - عش كعش الطائر الكركي
فالكركي بدل من الطائر. الثانية: بدل النكرة من النكرة كقولك: مررت برجل غلام رجل, ويجوز أن يكون وصفا. الثالثة: بدل المعرفة من النكرة كقولك: مررت برجل زيد, وهذا حسن, لأن الثاني واضح, وفي التنزيل: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ ﴿صراط الله﴾ الرابع: بدل النكرة من المعرفة كقولك: ضربت زيدًا رجلًا صالحًا وهذا يجوز أن يكون حالًا, ولو مثل بغير النصب لكان =
стр. 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أحسن كقولك: مررت بزيد رجل صالح, وفي التنزيل: ﴿لنسعفًا بالناصية﴾ , ٨٥/ب ﴿ناصية / كاذبة خاطئة﴾ وقالوا إن كانت لفظ المعرفة ينبغي أن توصف كالآية, وإن لم تكن من لفظها لم تلزم الصفة وتجوز, قال الشاعر فلم يصف:
١٨٥ - فلا وأبيك خير منك إني ... ليؤذيني التحمحم والصهيل
الخامسة: بدل المظهر من المضمر, وقد انطوى عليه التمثيل.
السادسة: بدل المضمر من المضمر كقولك: جئت أنت, ويجوز أن يكون توكيدا ورأيتك إياك, ومررت بك بك. السابعة: بدل المضمر من المظهر كقولك: جاء زيد أنا ورأيت زيدًا إياي, ومررت بزيد يي. الثامنة: بدل المظهر من المضمر, ولا يجوز إلا كان المضمر غائبًا كقول الشاعر: وهو الفرزدق:
١٨٦ - على حالة لو أن في القوم حاتمًا ... على جوده لضن بالمال حاتم
ورأيت في معاني الإشنانداني:
стр. 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ... ١٨٧ - * على جوده ضنت به نفس حاتم *
وأجلى من هذا البيت للاتفاق على روايته قول حاتم:
١٨٨ - فنتجت ميتة جنينًا معجلًا ... عندي قوابله الرجال مستر
مستر بدل من الهاء في قوابله, وقالوا: لا يجوز إبدال الظاهر من ضميري المتكلم والمخاطب, لأنهما في غاية البيان فلا بينهما الظاهر الذي هو أنقص منهما فلا تقول: أكرمتني زيدًا, ولا مررت بكم بني تميم. وأجاز الأخفش المسألة الثانية واحتج بقوله تعالى: ﴿ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم﴾. وقال: الذين بدل من الكاف والميم, ورد عليه بأن الذين مبتدأ, و ﴿فهم لا يؤمنون﴾ خبره.
وأما بدل بعض الشيء من جميعه فمسائله ست: الأولى: بدل المعرفة من المعرفة / كقولك: ضربت زيدًا رأسه, وفي التنزيل: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ وقيل: إن من فاعل حج.
الثانية: بدل النكرة من النكرة كقولك: ضربت رجلًا يدًا له, وفي التنزيل: ﴿إن للمتقين مفازًا﴾ , ﴿حدائق وأعنابا﴾ , ﴿وكواعب أترابا﴾ , ﴿وكأسًا دهاقًا﴾.
الثالث: بدل المعرفة من النكرة كقولك: ضربت رجلًا يده.
الرابعة: بدل النكرة من المعرفة كقولك: ضربت زيدًا يدًا له, ورجلًا, ومنه: =
стр. 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= مررت بقومك ناس منهم.
الخامسة: بدل المظهر من المظهر, وقد انطوى عليه التمثيل.
السادسة: بدل المظهر من المضمر كقولك: أعجبني وجهك, وسقط منه مسألتان: بدل المضمر من المضمر, وبدل المضمر من المظهر, فلا يجيزون: رأيت زيدًا إياه ولا رأيته إياه لأن الإضمار لا يدل على الجزئية, ومن النحويين من تكلف إجازته بتمثيل عسير, فقال: أقول: نصف الرغيف أكلته إياه فالهاء للرغيف, وإياه للنصف فهذا يدل مضمر من مضمر, وقال: أقول: نصف الرغيف أكلت الرغيف إياه, فإياه للنصف فهذا بدل مضمر من مظهر, وهذا الذي ذكرته لك لا تكاد تجده في كتاب.
وأما بدل الاشتمال فمسائله ست: الأولى: بدل المعرفة من المعرفة كقولك: أعجبني زيد عقله. الثانية: بدل النكرة من النكرة كقولك: أعجبني جارية حسن لها, الثالثة: بدل النكرة من المعرفة كقولك: طاب عبد الله خبر بلغني عنه, وفي التنزيل: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ وقال أبو عبيدة: قتال مجرور على الجوار.
الرابعة: بدل المعرفة من النكرة كقولك: اشتهيت طعامًا طيبه.
الخامسة: بدل المظهر من المظهر وقد انطوى عليه التمثيل. الساسة: بدل المظهر من المضمر كقولك: أعجبني حلمك وأنشد / سيبويه ﵀:
١٨٩ - ذرينى إن أمرك لن يطاعا ... وما ألفيتني حلمي مضاعا
وسقطت منه مسألتان: بدل المضمر من المضمر, وبدل المضمر من المظهر, ومن تكلف إجازة هاتين المسألتين في بدل بعض الشيء من جميعه تكلف إجازتهما ها هنا. فإبدال المضمر من المضمر كقولك: «حسن الجارية الجارية أعجبتني هو» =
стр. 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإبدال المضمر من المظهر كقولك: الجارية حسنها أعجبتني الجارية هو, فهذه أربع وعشرون مسألة, ولابد من ختم الباب بثلاث مسائل.
المسألة الأولى: أن يقال: إذا كان معنى قولك: ضربت زيدًا رأسه ضربت رأس زيد, فهلا قيل: ضربت رأس زيد؟ قلت بينهما فرق من وجهين: أحدهما: أن قولك ضربت زيدًا رأسه يفيد التوكيد. والثاني: أنه يفيد ضرب الرأس متصلًا بزيد, لأنك ذكرت زيدًا ولو قلت: ضربت رأس زيد لجاز أن يكون متصلا به ومنفصلا عنه.
المسألة الثانية: اختلف النحويون في العامل في البدل, فذهب قوم إلى أن العامل فيه العامل في المبدل منه, والمبدل منه كالشرط لنفوذه إليه, وهذا قول مهجور. والقول الثاني - وهو الصحيح -: أن العامل فيه محذوف دل عليه الأول, ويدلك على ذلك مجيئه صريحًا في قوله سبحانه: ﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم﴾ فمن بدل من الذين بتكرير اللام. وقال تعالى: ﴿ومن النخل من طعامها قنوان﴾ فالطلع بدل من النخل بتكرير من, قال عبد القاهر ﵀: حق عامل البدل أن لا يظهر, لأنه مدلول عليه, وفي الإبدال اختصار فإن ظهر فإنما يكون حرفًا, يريد أن الفعل لا يظهر, فأما قوله: / سبحانه: ﴿واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون﴾ , ﴿أمدكم بأنعام وبنين﴾ فالجملة الثانية شارحة للأولى كقولك: ضربت رأس زيد قذفته بالحجر.
المسألة الثالثة: اختلفوا في المبدل منه, أهو مطرح أم مراد؟ فمنهم من قال: إنه مطرح, لأن الثاني سمي بدلا لقيامه مقامه, ومنهم من قال: إنه مراد واحتج بقول الشاعر:
١٩٠ - إن السيوف غدوها ورواحها ... تركت قزارة مثل قرن الأعضب
стр. 271
باب: (عطف البيان)
قال ابن جني: ومعنى عطف البيان: أن تقيم الأسماء الصريحة غير المأخوذة من الفعل مقام الأوصاف المأخوذة من الفعل تقول: قام أخوك محمد كقولك: قام أخوك الظريف, وكذلك: رأيت أخاك محمدًا, ومررت بأخيك / محمد.
ــ
= فقال: تركت لأنه عنى السيوف.
وأما بدل الغلط فلا معنى للتفريع عليه, لأنه خطأ في اللفظ, ولكن فيه نكتة ينبغي أن تذكر. اعلم أنك إذا قلت: رأيت رجلًا حمارًا فهو على وجهين: الغلط والبداء, أما الغلط فإن تقصد ذكر الحمار فيسبقك لساني إلى رجل وأنت غير مريد ذكره كما قال الأعرابي «يبصرني لا أحسبه» وإنما يريد يحسبني لا أبصره. وأما البداء: فهو أن تذكر الرجل أولا ثم يبدو لك بداء في تركه وذكر الحمار, قال أبو علي: «وحق هذا أن يستعمل فيه بل, فيقال: مررت برجل بل حمار» لأن معنى بل الإضراب عن الأول والإثبات للثاني.
(باب عطف البيان)
قال ابن الخباز: إنما سمي هذا عطفًا, لأن الاسم الثاني في معنى الأول فكأنه عطف عليه تقول: عطفت العود إذا جمعت بين طرفيه, وسمي عطف بيان, لأن الاسم الثاني مبين للأول.
وقال أبو الفتح في حده: هو (أن تقيم الأسماء الصريحة غير المأخوذة من الفعل مقام الأوصاف المأخوذة من الفعل) وإنما يقصد بذلك الفرق بين الصفة وبينه, لأن الصفة لا تكون إلا مشتقة أو في معنى المشتق, وعطف البيان إنما يكون بالجامد وهو مع ذلك قد لمثل بقوله: (قام أخوك / محمد) ومحمد مع ذلك مشتق, والمعذرة عنه أن العلمية أخرجت محمدًا عن مذهب الفعل.
ولعطف البيان موردان: أحدهما: أن يجيء بعد اسم غير كاشف للمعنى, ويكون عطف البيان أشهر من المتبوع فيتنزل منه (منزلة) الكلمة الجلية من =
стр. 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الكلمة الخفية إذا ترجمتها بها, وذلك نحو العقار والخمر, والسرحان والذئب, وذلك مثل قول الأعرابي:
أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما مسها من نقبٍ ولا دبر
وإنما يعني عمر بن الخطاب, وكان اسمه أشهر من كنيته.
والمورد الثاني: أن يكون في الاسم الأول اشتراك, والاسم الثاني مختصًا, وذلك كقولك: ضربت صاحبك بكرًا, إذا كان له أصحاب.
وقال لنا الشيخ ﵀: يجوز مجيء عطف البيان في النكرة كقولك: مررت بثلاثة رجال إذا نونت ثلاثة لأن في الثلاثة اشتراكا, فيكون رجال عطف بيان. والفرق بينه وبين البدل: أن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه والعامل في عطف البيان هو العامل في الأول. والفرق بينهما في النداء: تقول: يا أخانا زيدًا فتنصبه إن كان عطف بيان ويا أخانا زيد فتضمه إن كان بدلًا, لأن التقدير: يا أخانا [يا] زيد.
стр. 273
باب: (العطف وهو النسق)
قال ابن جني: وحروفه عشرة: وهي: الواو, والفاء, وثم, وأو, ولا, وبل, ولكن الخفيفة, وأم, وإما مكسورة مكررة, وحتى وقد مضى ذكرها, فهذه الحروف كلها تجتمع في إدخال الثاني في إعراب الأول: ومعانيها مختلفة, فمعنى الواو الاجتماع, ولا دلالة فيها على المبدوء تقول: قام زيد وعمرو أي: اجتمع لهما القيام, لا يدرى كيف ترتيب حالهما فيه ومعنى الفاء التفرق مع مواصلة, أي: الثاني يتبع الأول بلا مهلة تقول: قام زيد فعمر أي: يليه لم يتأخر عنه.
ــ
(باب عطف النسق)
قال ابن الخباز: النسق بمعنى المنسوق وهو المنظوم, تقول: نسقت العقد أي: نظمته. ولما كان التابع في هذا الباب غير المتبوع احتاجا إلى رابط, وكان الحرف أولى, لأن الحروف نوائب عن الأفعال. وفي حروف العطف اختصار بديع وهو أنها تكفي مؤونة تكرير العامل, والعطف في المختلفين نظير التثنية في المتفقين.
وحروف العطف عشرة, وحكي عن ابن درستويه أنها ثلاثة الواو والفاء وثم, وأسقط الفارسي والزجاجي إما المكسورة, وسنذكر الحجة عند / ذكرها. وقال بعض المتأخرين عد إما في حروف العطف سهو ظاهر.
وحروف العطف أربعة أقسام: قسم يشترك بين الأول والثاني في الإعراب والحكم وهو الواو, والفاء, وثم, وحتى, وقسم يجعل الحكم للأول دون الثاني =
стр. 274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وهو «لا» وقسم يجعل الحكم للثاني دون الأول وهو بل ولكن, وقسم, يجعل الحكم لأحدهما لا يعنيه وهو «أو» و «إما» و «أم».
وقبل تفسير الحروف نذكر العامل في المعطوف, وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن العامل الأول بتوسط الحرف, وحجة هذا القائل أنك تقول: اختصم زيد وعمرو ولا يجوز تكرير العامل. الثاني: أن العامل حرف العطف, وحجته أنه لو سقط لاختل الكلام والعامل لا يقتضيه. الثالث: أن العامل محذوف دل عليه العامل المذكور وحجته تكرير العامل كقولك: مررت بزيد وبعمرو, وفي التنزيل: ﴿إذا جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم﴾ وهو كثير في القرآن.
أما الواو فإنما بدأنا بها, لأن معناها الجمع المطلق, فنسبتها إلى غيرها نسبة العام إلى الخاص, وقال أبو سعيد ﵀ في شرح الكتاب: «أجمع النحويون واللغويون من البصريين والكوفيين على أن الواو ليست للترتيب» ويدل عليه أربعة أوجه: الأول: أن تقول: اختصم زيد وعمرو, فلو كانت للترتيب لانفرد الأول وهو محال. الثاني قوله : ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلًا هدينا ونوحًا هدينا من قبل﴾ فلو كانت للترتيب لكان نوح موجودًا بعد إبراهيم وقبل إبراهيم وهذا محال. الثالث: أن الصحابة ﵃ قالوا للنبي ﷺ في أمر الصفا والمروة: بم نبدأ؟ قال: ابدأوا بما بدأ الله به «فلو فهم أهل اللسان منها الترتيب لما / سألوا».
الرابع: أن ابن عباس كان يأمر بالبداءة بالعمرة قبل الحج, وهي مؤخرة في اللفظ فلو أفادت الترتيب كان ابن عباس عاصيًا, وحكوا عن الشافعي أنه ذهب
стр. 275
قال ابن جني: ومعنى ثم المهلة والتراخي تقول: قام زيد ثم عمرو أي: بينهما مهلة ومعنى أو الشك تقول: قام زيد أو عمرو, ويكون تخيرًا تقول: اضرب زيدًا أو عمرًا أي: أحدهما. وتكون إباحة تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين, أي: قد أبحتك مجالسة هذا الضرب من الناس, وأين وقعت أو فهي لأحد الشيئين. ومعنى لا التحقيق للأول والنفي عن الثاني تقول: قام زيد لا عمرو. ومعنى بل: الإضراب عن الأول / والإثبات للثاني تقول: قام زيد بل عمرو.
ــ
= إلى أنها تفيد الترتيب, ولذلك ذهب إلى ترتيب الأعضاء في الوضوء.
وذكر أنه يحكيه عن الفراء, ولا شبهة في أن الشافعي ليس أعلم بالنحو من أبي سعيد, وقد قال: ما سمعته. ثم إن الحجج التي أوردناها ظاهرة الدلالة وما الأمر بعد ذلك كله إلا كما قال أبو الفتح بن جني: «وما يحكى عن بعض الأئمة فإني أعيذه منه».
وأما الفاء فقال: (معناها التفرق على مواصلة) وهذا تفسير حسن, فمعنى التفرق أن كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه منفرد. ومعنى المواصلة: أن الثاني بعد الأول بلا مهلة, فإذا قلت: مررت بزيد فعمرو, فهذا يسميه سيبويه مرورين, وإذا قلت: مررت بزيد وعمرو فهذا يسميه مرورا.
فإن قلت: فما تصنع بقولهم: «دخلت البصرة فالكوفة» وبين المدينتين مسافة طويلة؟ قلت: معناه أن المتكلم بعد دخوله البصرة لم يشتغل بشيء غير الدخول إلى الكوفة.
قال ابن الخباز: وأما [ثم] فمعناها المهلة والتراخي, فإذا قلت: مررت بزيد ثم عمر فهذا مروران بينهما فاصل, وسألت شيخنا ﵀ عن قوله تعالى في =
стр. 276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= آخر سورة البلد: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ أين المهملة؟ وقد علم أنه إذا أطعم اليتيم وفك الرقبة كان من الذين آمنوا, فقال: ثم إذا دخلت على الجمل لا تفيد الترتيب, وأما قول الهذلي:
١٩٢ - فرأيت ما فيه فثم رزئته ... فلبثت بعدك غير راضٍ معمري
فإن رويته بضم الثاء زدت أحد الحرفين, لئلا تجمع بين حرفي عطف.
وإن رويته بفتح الثاء فالفاء هي العاطفة.
وأما أو / فلها ثلاثة معان: الشك والتخيير والإباحة, أما الشك: فعلى وجهين أحدهما: أن تقول: قام زيد أو عمرو وأنت جاهل بالقائم فيصير السامع مثلك.
والثاني: أن تقول: قام زيد أو عمرو, وأنت عالم بالقائم لكنك تقصد الإبهام, وفي التنزيل: ﴿أتاها أمرنا ليلًا أو نهارًا﴾.
وأما التخيير: فكقولك: كن عدوي أو صديقي, وتزوج زينب أو أختها.
وأما الإباحة: فكقولك: كل الخبز أو اللحم, وجالس الحسن أو ابن سيرين, والفرق بين التخيير والإباحة: أنك في التخيير لا تجمع بين الشيئين, وفي الإباحة يجوز لك الجمع, والفرق بين أول في الإباحة وبين الواو أنه إذا قال: كل خبزًا أو تمرًا فأكل واحدًا من هذه الأشياء كان متمثلًا الأمر, ولو كانت كالواو لم يمتثل حتى يجمع بينهما كلهما.
وقوله: (وأين وقعت «أو» فهي لأحد الشيئين) يشير به إلى الخلاف, لأن الكوفيين يذهبون إلى أنها تكون بمعنى الواو أو بمعنى بل, أما الأول فكقول الشاعر:
١٩٣ - فلو كان البكاء يرد شيئًا ... بكيت على بجير أو عفاق
стр. 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أراد على بجير وعفاق. وأما الثاني فكقوله تعالى: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ معناه: بل يزيدون, والجواب: أما البيت فمحمول على أنه كان يبكي على بجير في وقت وعلى عفاق في وقت آخر, فتكون لأحد الشيئين. وأما الآية فجاءت على الحزر أي: أن الرائي إذا رأهم قال: هم مائة ألف أو أكثر. وأما «لا» فمعناها: إخراج الثاني مما دخل فيه الأول تقول: قام زيد لا عمرو ولا يجوز تكرير العامل بعدها فلا تقول: قام زيد لا قام عمرو / لأنه يلتبس بالدعاء قال ابن السراج ﵀: فإن لم يلتبس جاز. ولا يجوز العطف بها بعد النفي فلا تقول: ما قام زيد لا عمرو فأما قوله تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة﴾ فلا غير عاطفة, لأنها جاءت بعد النفي, ولأن الواو دخلت عليها.
وأما بل فمعناها الإضراب عن الأول والإثبات للثاني, ويجوز العطف بها بعد النفي والإيجاب تقول: قام زيد بل عمرو, وما جاءني عبد الله بل محمد ونص أبو سعيد على أن المضرب عنه لا يستدعي تركه بطوله بدليل قوله تعالى: ﴿أتأتون الذكران من العالمين﴾ , ﴿وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون﴾.
стр. 278
قال ابن جني: ومعنى لكن الاستدراك تقول: ما قام زيد لكن عمرو, وما رأيت أحدًا لكن جعفرًا. إلا أنها لا تستعمل في العطف إلا بعد النفي, ولو قلت: قام زيد لكن عمرو, لم يجز, فإن جاءت بعد الواجب لزم أن تكون بعدها الجملة, تقول: قام زيد لكن عمرو لم يقم, ومررت بمحمد لكن جعفرًا لم أمرر به. ومعنى أم الاستفهام ولها فيه موضعان: أحدهما: أن تقع معادلة متصلة لهمزة الاستفهام على معنى أي. والآخر: أن تقع منقطعة مما قبلها على معنى بل. الأول نحو قولك: أزيد عندك أم عمرو.
معناه: أيهما عندك؟ وأزيدًا أم عمرًا, معناه: أيهما رأيت.
الثاني نحو قولك: هل زيد عندك أم عندك عمرو, معناه: بل أعندك عمرو تركت السؤال الأول, وأخذت في الثاني, وقد تقع في هذا الوجه بعد الخبر.
تقول: قام زيد أم قعد عمرو, ومعناه: بل أقعد عمرو, ومثله من كلامهم: إنها لأبل أم شاء, مضى صدر الكلام على اليقين ثم أدركه الشك فاستثبت فيما بعد / فقال: أم شاء, إلا أن ما بعد بل متحقق, وما بعد أم مشكوك فيه مسئول عنه. قال علقمة بن عبدة:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين مشكوم
ــ
قال ابن الخباز: وأما لكن: فهي للاستدراك بعد النفي تقول: (ما) قام زيد لكن عمرو والنهي بمنزلته تقول: لا تأخذ درهمًا لكن دينارًا, ولا يجوز أن تقول: قام زيد لكن عمرو وأجازه الكوفيون, واحتج أصحابنا بأن بل أعنت عنها. واحتج الكوفيون بقياسها على بل, وأجاب أصحابنا بأن لكن تزول عن العطف إذا دخلت الواو عليها كقوله تعالى: ﴿ولكن لا يعلمون﴾ فإذا أردت =
стр. 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= العطف بها في الإيجاب جئت بجملتين إحداهما منافية للأخرى كقولك: قام زيد لكن عمرو لم يقم, ولم يقم زيد لكن عمرو قام, وحق الجملتين نوارد النفي والإيجاب على حكم واحد, فلا يجوز: قام زيد لكن عبد الله لم يأكل, لأن الحكمين كليهما يجوز أن يجتمعا لزيد ولعبد الله.
وأما «أم» فليست من حروف الاستفهام, كالهمزة وهل ولكنك تعطف بها في الاستفهام وهي على وجهين: أحدهما: أن تكون معادلة لهمزة الاستفهام على معنى أي, وحقيقة هذا اللفظ أنك إذا / أسقطها والهمزة والمعطوف والمعطوف عليه جاز أن تقيم أيا مقام الجميع تقول في معنى قولك: أزيدًا ضربت أم عمرًا؟ أيهما ضربت. وفي معنى قولك: أبزيد مررت أم عمرو؟ بأيهما مررت, فهذا معنى المعادلة.
وهي على وجهين: أحدهما: أن يتعدد الحكم ويتحد المحكوم عليه كقولك: أقام زيد أم قعد وأتضرب زيدًا أم تحبسه كأنك قلت: أيهما تفعل بزيد. والثاني: أن يتعدد المحكوم عليه ويتحد الحكم كقولنا: أزيدًا ضربت أم عمرًا, فإن قلت: فما جواب هذا؟ قلت: جوابه بتعيين أحد الشيئين.
وهاهنا مسألة يحتاج إلى ذكرها: إذا قلت: أضربت زيدًا أو عمرًا. فجوابه نعم أو لا, (لأن) المعنى أضربت أحدهما, فإذا قلت له: نعم علم به كون أحدهما مضروبًا لا بعينه فيسأل بأم, فتقول: أزيدًا ضربت أم عمرًا فيكون الجواب بذكر أحدهما زيدًا إن كان المضروب زيدًا, وعمرًا إن كان المضروب عمرًا, فأما قول ذي الرمة:
١٩٤ - أذو زوجة في المصر أم ذو خصومة ... أراك بها بالبصرة العام ثاويًا
فقلت لها: لا إن أهلي جيرة ... لأكثبة الدهنا جميعًا وماليًا =
стр. 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فإنما أجابها بلا, لأنه جعلها منقطعة كأنها قالت: أذو زوجة بالمصر بل أنت ذو خصومة.
وأما المنقطعة: فتستعمل بعد الخبر والاستفهام جميعًا, تقول في الاستفهام هل عندك زيد أم (عندك عمرو, بدأت السؤال) بالاستفهام عن استقرار زيد عنده ثم (تركت السؤال الأول وأخذت في الثاني) بالاستفهام عن عمرو. وجوابه نعم أو لا. (ومعناه: بل أعندك عمرو) لأن في أم إضرابًا واستفهامًا فجيء ببل والهمزة في التفسير. وتقول في الخبر وهو من كلامهم: «إنها لأبل أم شاء» هذا القائل رأى أشخاصًا من بعد فسبق إلى نفسه برؤيتها أنها إبل, فأخبرنا على اعتقاده, فلما قرب منها تجلت له فنقض اعتقاده أنها إبل وتردد في أنها شاء, فلذلك استثبت فكأنه في التمثيل: بل أهي شاء وجوابه نعم أم لا.
/ قال علقمة بن عبدة وهو شاعر من تميم, عبدة بفتح الباء, وعبدة بن الطبيب بسكونها, وهذا البيتان أنشدهما المفضل:
١٩٥ - هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليم مصروم
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين مشكوم
وقوله: أم هل كبير يوجب تقدير أم ببل وحدها, لأنك لو قدرته ببل والهمزة =
стр. 281
قال ابن جني: ومعنى إما كمعنى أو في الشك والإباحة والتخيير تقول: اضرب إما زيدًا وإما عمرًا, وكل إما سمكًا وإما تمرًا, إلا أنها أقعد في لفظ الشك من أو.
ألا ترى أنك تبتدئ بها شاكًا فتقول: قام إما زيد وإما عمرو, وتقول: قام زيد أو عمرو, تمضي صدر كلامك على اليقين ثم تأتي بأو فيما بعد فيعود الشك ساريًا من آخر كلامك إلى أوله.
واعلم أنك تعطف الاسم على الاسم إذا اتفقا في الحال, والفعل على الفعل إذا اتفقا في الزمان تقول: قام زيد وعمرو, لأن القيام يصح من كل واحد منهما, ولا تقول: مات زيد والشمس, لأن الشمس لا يصح موتها, وتقول: قام زيد وقعد, لاتفاق زمانيهما. ولا تقول: يقوم زيد وقعد لاختلاف زمانيهما.
ــ
= لأدخلت الهمزة على هل, وفي سورة الطور اثنتا عشرة آية مصدرة بأم كل واحدة فيها إضراب عما قبلها من القصة.
قال ابن الخباز: وأما إما فبمنزلة أو في الشك والتخيير والإباحة, تقول في الشك: قام إما زيد وإما عمرو, وتقول في التخيير: خذ إما درهمًا وإما دينارًا, وتقول في الإباحة: جالس إما الفقهاء وإما المحدثين, وهي أبلغ في الشك من أو لأنك تقول: قام إما زيد وإما عمرو فتبني كلامك معها على الشك, وإذا قلت: قام زيد أو عمرو احتمل وجهين: أحدها: أن تقول: قام زيد, شاكًا ولكن الشك لا يتبين للسامع إلا بأو ومع إما يتبين من أول الأمر.
والثاني: أن تقول: قام زيد متيقنًا ثم يدركك الشك, فتقول: أبو عمرو. =
стр. 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= واحتج أبو علي على أن إما ليست بحرف عطف من وجهين: أحدهما: أنك تقول ضربت إما زيدًا وإما عمرًا, / فتقدمها على المعطوف عليه, وهذا لا يكون في حروف العطف والثاني: أنك تقول: وإما عمرًا فتدخل عليها الواو, ولا يجتمع حرفان بمعنى. وأما حتى فقد ذكرت في بابها. فهذه الحروف تعطف بها الأسماء على الأسماء, والأفعال على الأفعال, والمفرد على المفرد, والجملة على الجملة تقول: قام زيد وعمرو, وزيد يقوم ويقعد, وزيد قائم وعمرو جالس, ولك أن تغاير بين الأسماء المعطوفة فتعطف المعرفة على المعرفة وعلى النكرة, والنكرة على النكرة وعلى المعرفة. والمذكر على المذكر وعلى المؤنث, والمؤنث على المؤنث, وعلى المذكر, وكذلك المفرد والمثنى والمجموع, وفي التنزيل: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ وفيه ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة﴾.
وإذا عطفت المرفوع على المرفوع, والمنصوب على المنصوب والمجرور على المجرور, والمجزوم على المجزوم وجب أن يشتركا في عامل واحد, فإذا [قلت] قام زيد والعبد تبع, كان العبد مبتدأ.
ولا يعطف على زيد مع جعله مبتدأ, لأنه لا يرتفع من وجهين. وكذلك إذا قلت إن زيدًا أكرمته وعمرًا شتمته إن نصبت عمرًا بفعل محذوف لم يكون لك أن تعطفه على زيد ولا على الهاء في أكرمته.
وإذا لم يمكن اتفاق الاسمين في الحكم, لم يجز العطف فلا تقول: مات زيد والشمس, ولا كلمت زيدًا والحجر, لأن الشمس لا تموت والحجر لا يتكلم. وكذلك سائر حروف العطف.
وإذا لم يتفق الفعلان في الزمان لم يجز العطف فلا تقول: قام زيد ويقعد ولا يقوم زيد وقعد, لأن الذي يدل عليه الفعل الزمان المحصل والحدث, فإذا نافيت بين الزمانين زالت الشركة.
وليس في عطف الظاهر على الظاهر إشكال.
стр. 283
قال ابن جني: وتعطف المظهر / على المظهر, والمضمر على المضمر, والمظهر على المضمر, والمضمر على المظهر.
تقول في عطف المظهر على المظهر: قام زيد وعمرو, وفي عطف المضمر على المضمر رأيتك وإياه, وفي عطف المظهر على المضمر: رأيتك وزيدًا, وفي عطف المضمر على المظهر: قام زيد وأنت, فإن كان المضمر مرفوعًا متصلًا لم تعطف عليه حتى تؤكده فتقول:
قمت أنت وزيد, ولو قلت: قمت وزيد من غير توكيد لم يحسن, قال الله : ﴿أسكن أنت وزوجك الجنة﴾ وربما جاء في الشعر غير مؤكد, قال عمر ابن أبي ربيعة:
قلت إذا أقبلت وزهر تهادى ... كنعاج الفلا تعسفن رملا
فإن كان المضمر منصوبًا حسن العطف عليه تقول: رأيتك وزيدًا.
ــ
قال ابن الخباز: وها هنا تقسيم في المظهر والمضمر, فتقول: إذا كان المعطوف عليه مظهرًا, والمعطوف مضمرًا, فإن كان مرفوعًا وجب أن يكون منفصلا كقولك: قام زيد وأنت, وكذلك إن كانا منصوبين كقولك: دعوت عمرًا وإياك, وفي التنزيل: ﴿يخرجون الرسول وإياكم﴾ وإن كانا مجرورين فلابد من ذكر العامل كقولك: مررت بزيد وبك وعلة ذلك كله أن حرف العطف ليس بعامل فلا يتصل به المرفوع والمنصوب والمجرور.
وإن كان المعطوف عليه مضمرًا والمعطوف مظهر فإن كان الأول مرفوعًا أو منصوبًا منفصلًا فهو كالظاهر كقولك: (أنت) قائم وزيد, وإياك دعوت وعمرًا, وإن كان المعطوف عليه متصلا فإن كان مرفوعًا لم يعطف عليه حتى يؤكد بمرفوع منفصل كقوله تعالى: ﴿أسكن أنت وزوجك الجنة﴾ , ﴿فاذهب أنت وربك﴾ وعلته أن المتصل المرفوع اشتد اتصاله بالفعل فلو عطف عليه من غير =
стр. 284
قال ابن جني: فإن كان المضمر مجرورًا لم تعطف عليه إلا بإعادة الجار تقول: مررت بك وبزيد, ونزلت عليك وعلى عمرو, ولو قلت: مررت بك وزيد كان لحنًا على أنهم قد أنشدوا:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
ــ
= توكيد لكان في الظاهر كعطف الاسم على الفعل.
وذهب الكوفيون إلى جواز ترك التوكيد, واحتجوا بقوله تعالى: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آبناؤنا﴾ وبقول عمر بن أبي ربيعة:
١٩٦ - قلت إذا أقبلت وزهر تهادى ... كنعاج الفلا تعسفن رملًا
والجواب عن الآية أن الفصل بلا قام مقام التوكيد, وعن البيت أنه ضرورة.
قال ابن الخباز: وإن كان المعطوف عليه مجرورًا وجبت إعادة الجار كقولك: مررت بك وبزيد. وسرت إليك وإلى عمرو, وكذلك المعطوف على المجرور بالإضافة كقولك: بينك وبين زيد درهم. قال أبو علي: لأن المضمر المجرور أشبه التنوين حيث كان على حرف واحد, ولم يجز الفصل بينه وبين ما هو معه, فلذلك أعيد الجار. وذهب الكوفيون إلى جواز ترك الإعادة, واحتجوا بقوله: ﴿وصد عن سبيل الله وكفروا به والمسجد الحرام﴾ وبقوله تعالى: ﴿تساءلون به والأرحام﴾.
ويقول الشاعر:
١٩٧ - فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= والجواب عن الآية الأولى: أن جر المسجد بالعطف على سبيل الله أو على الشهر وعن الآية الثانية: أن الواو للقسم, وعن البيت: أنه ضرورة.
ولا إشكال في العطف على المنصوب كقولك: دعوتك وزيدًا, لأن المنصوب منفصل في الحكم, وإن كان متصلا في اللفظ فلذلك لا تعيد عامله. والجواب غير ممنوع.
وأما الألفاظ التي في الأبيات المنشدة, فنأتك: أبعدتك. أو يكون التقدير نأت عنك, والمصروم: المقطوع, والحبل: العهد, والعبرة: الدمعة. ويقال إثر وأثر, والبين: الوصل والفراق, ومنه: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ أي: وصلكم والمشكوم: المجزي. وأما بيت عمر فالزهر جمع زهراء, وهي البيضاء, وتهادى تمشي مشيا رويدًا, والنعاج: جمع نعجة: وهي البقرة الوحشية. الفلاة: الصحراء وتعسفن: سلكنه على غير قصد.
следующие страницы →