← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18273

توجيه اللمع

ابن الخباز

Полный текст (607 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال: (باب حروف الجر) ويقال: رب بضم الراء وتشديد الباء وفتحها, ورب بضم الراء وتخفيف الباء وفتحها, وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا﴾. هذا قليل من كثير مما ورد ذكره في صفحات هذا الكتاب من الآيات القرآنية وقراءتها إلى حد فاقت به غيرها من الشواهد كثرة, وعددًا. ٧ - الاستشهاد بالشعر: إذا ما استقرأنا كتاب «توجيه اللمع» لابن الخباز وقفنا على مجموعة كبير من الشواهد الشعرية, تربوا على خمسمائة شاهد مع أن الكتاب مسوق في أخصر أسلوب وأوجر عبارة, فما بالنا لو كان شرحًا مبسوطًا؟ إذًا لوقفنا على أضعاف ما بين أيدينا من الشواهد الشعرية, التي هي أكبر دليل وأسطع برهان على سعة محفوظه, وغزارة مادته, وحسن نظره, ومشاركته للمتقدمين من اللغويين بما أضافه من شواهد جديدة, وكتاباه اللذان بين أيدينا وهما «توجيه اللمع, وشرح الدرة الألفية» يفصحان عن هذه الإضافات, ويدلان بوضوح على مبلغ ثقافته اللغوية والأدبية تلك الثقافة التي تضعه في مكانته بين الباحثين الذين كانوا يداومون النظر ويتابعون الدرس لنصوص اللغة محاولين جهدهم التعرف على ظواهرها وما تشير إليه من قواعد وأحكام. ومن الملاحظ أن ابن الخباز في استشهاده بالشعر لم يقتصر على فترة أدبية معينة, بل تناول بالاستشهاد شعر كل العصور التي يحتج بأشعار رجالها, فبالنسبة للعصر الجاهلي نجده قد استشهد بأبيات لمعظم أصحاب المعلقات العشر, أمثال: امرئ القيس الكندي, وطرفة بن العبد, وزهير بن أبي سلمى, ولبيد بن ربيعة العامري, وعمرو بن كلثوم التغلبي, وعنترة العبسي, والأعشى, والنابغة الذيباني, وعبيد بن الأبرص الأسدي, وغيرهم من شعراء العصر الجاهلي. واستشهد أيضًا بشعر مشاهير شعراء العصر الأموي كجرير والفرزدق, كما استشهد بشعر الهذليين إذا جاز لنا أن تعتبرهم يمثلون مجموعة لغوية متجانسة, واستشهد كذلك بشعر ذي الرمة, وكعب بن زهير, ومتمم بن نويرة, والكميت

стр. 37

وحميد بن ثور, وتأبط شرًا, والأخطل وغيرهم. واستشهد أيضًا بأشعار مشاهير الرجاز: كالعجاج ورؤبة وأبي النجم, مما يدل على سعة اطلاعه على أشعار العرب وإفادته منها في تقرير مسائله النحوية. ونلاحظ أن ابن الخباز في كتابه ينقل كثيرًا من الشواهد الشعرية عن سيبويه والسيرافي وأبي علي الفارسي وابن جني والمبرد ويعقوب بن السكيت وأحمد بن فارس والجوهري وعبد القاهر وأبي إسحاق الزجاج وابن الشجري وثعلب وحمزة الأصفهاني والاشنانداني وابن السراج والواحدي وأبي محمد والزجاج وابن قتيبة وغيرهم. ومن الملاحظ أن ابن الخباز في كتابه «توجيه اللمع» لم ينسب جميع شواهده الشعرية إلى أصحابها, بل قد نسب البعض وأغفل نسبة الباقي, وما ذلك إلا جريًا على سنن الأقدمين, أمثال سيبويه وغيرهم من فحول العربية وأئمتها, ولعلهم سلكوا هذا النهج حرصًا على تحقيق الأمانة العلمية وخوفًا من نسبة أبيات لغير قائليها, وأحيانًا كان يكتفي ببيان المنشد للبيت من النحويين أو اللغويين أو غيرهم ممن يتعرضون للشعر العربي بالنقد والدرس, وأحيانًا أخرى يذكر الكتاب الذي أنشد فيه الشعر الذي هو بصدد الاستشهاد به. ويتخذ استشهاده بالشعر صورًا متعددة, فأحيانًا يستشهد بنصف البيت أو بالبيت كاملًا, كما في معظم شواهده, وأحيانًا يستشهد بالبيتين أو الثلاثة وربما كرر الشاهد الواحد مرة أو مرتين. وقد يذكر أكثر من شاهد للاحتجاج على ظاهرة لغوية أو نحوية واحدة كما في استشهاده (باب ألفات القطع وألفات الوصل) على أن النون من «ابنم» تتبع الميم في الإعراب: قال: السابع «ابنم» وهو بمعنى «ابن» والميم زائدة, وتتبع نونه ميمه في الإعراب قال النمر بن تولب: لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما وقال أبو كبير الهذلي: أخلي وإن الدهر مهلك من ترى ... من ذى بنين وأمهم وابنم وقال: (باب النسب) إن بعض العرب يقول في النسب إلى قريش وهذيل:

стр. 38

قريشي وهذيلي, واستشهادًا على ذلك ذكر ثلاثة أبيات, موطن الشاهد في ثالثهم وهو: بحي قريشي عليه مهابة ... سريع إلى داعي الندى والتكرم ثم قال: وقال الآخر: هذيلية تدعو إذا هي فاخرت ... أبا هذليًا من غطارفة نجد أما ما وجد في كتابه من شعر «أبي تمام والبحتري» وهما شاعران محدثان, فهذا لا يعاب عليه, لأنه ذكر لأبي تمام بيتين: أحدهما: في باب التصغير وأعتقد أنه ذكره لمجرد التمثيل والائتناس لا للاحتجاج. والثاني ذكره في خاتمة كتابه استشهادًا على معنى لغوي. أما بيت البحتري فقد ذكره في باب الإمالة واستشهد به على معنى لغوي أيضًا. وبعد ما تقدم ما يمكن أن نقول: إن ابن الخباز كان واسع الفكر دائم البحث فيما خلفه المتقدمون من تراث أدبي عريض, جدير بالتنقيب عن لآلئه والغوص في أعماقه, لاستخراج درره, مما يشعر بأنه كان قوي الحافظة, حاد الذهن نادر الذكاء. ٨ - الاستشهاد بالحديث: الاستشهاد بالحديث ظاهرة واضحة في مؤلفات ابن مالك ﵀ قال السيوطي: قال أبو حيان في شرح التسهيل: قد أكثر هذا المصنف من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب, وما رأيت أحدًا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره. ومنع الاستشهاد بالحديث ابن الضائع وأبو حيان, قال السيوطي: قال أبو حيان: «وإنما ترك العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول ﷺ إذا لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن في إثبات القواعد الكلية, وإنما ذلك لأمرين: أحدهما: أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى ... الثاني: أنه وقع اللحن كثيرًا فيما روي من الحديث, لأن كثيرًا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع. وقال السيوطي أيضًا: قال أبو الحسن بن الضائع في شرح الجمل: تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث, واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب, ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان

стр. 39

الأولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي ﷺ لأنه أفصح العرب. وبالنظر في كتاب «توجيه اللمع» نجد أن ابن الخباز قد استشهد بالأحاديث النبوية لكن معظم الأحاديث التي ذكرها استشهد بها على معان لغوية, إذ لم يذكر في الاستشهاد على الأحكام النحوية إلا حديثًا واحدًا, وهو: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل» احتج به في باب (نعم وبئس) على أن «نعم» فعل بدليل اتصال تاء التأنيث بها, وهو مذهب البصريين. ومن استشهاده بالأحاديث على المعاني اللغوية ما يأتي: قال ابن الخباز (باب الحروف التي تنصب الفعل): وزعموا أن في بعض المصاحف (تقاتلونهم أو يسلموا) فمعنى هذه الآية على هذه القراءة كمعنى قوله صلوات الله عليه: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله». وفي (باب الجمع) استشهد بحديث: «من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك» على أن الآنك معناه الرصاص. وقال في: (باب التصغير): والمنقلبة عن ياء ألف عاب وناب وتقول في تحقيره: عييب ونييب, لأنهم قالوا: عيب في معنى عاب وفي الحديث: «لا تكونوا عيايين». وقال في: (باب القسم): وصناعة الإعراب تسوغ الحلف بكل اسم يجوز دخول حروف القسم عليه كقولك: والله, وأبيك, وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تحلفوا بأبائكم وأمهاتكم, ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون». تلك هي بعض الأحاديث التي استشهد بها في كتابه وتبلغ تسعة أحاديث أردت أن أضعها بين يدي القارئ ليدرك بوضوح أن ابن الخباز كان يعتد بالأحاديث النبوية كمصدر من مصادر اللغة.

стр. 40

٩ - الاستشهاد بالنثر: جرت عادة علماء العربية على الاعتماد على المنثور من فصيح كلام العرب وبخاصة الأمثال في الاحتجاج على اللغة وأحكامها العامة, ومن هؤلاء ابن الخباز, فقد ذكر في كتابه «توجيه اللمع» جملة من أمثال العرب استشهادًا على بعض قواعد اللغة, ومنها ما يأتي: قال ابن الخباز في (باب المعرب والمبني في معرض الحديث عن قد) ومعناها في المضارع تقيله كقولهم: إن الكذوب قد يصدق وقال في (باب المفعول به) ويجوز تقديمه على الفعل أيضًا ... وفي مثل: * إياك أعني فاسمعي يا جارة * وقال في (الباب السابق أيضًا) ويجوز في ظننت وأخواتها الاقتصار على الفاعل, لأن فيه فائدة, قال أكثم بن صيفي: من يسمع يخل وقال في (باب الترخيم) ومن قال يا حار فضم الراء قلت على قوله: يا كرا وياصحا, لأنك جعلت الواو والياء نهايتين للاسم, فقلبتهما ألفًا, ومن أمثالهم: «طرق كرا إن النعام في الغرى». ويتضح مما سبق أن ابن الخباز قد اعتد - كغيره من النحاة - بالنثر العربي واعتبره مصدرًا من مصادر استشهاده. ١٠ - الإشارة إلى مذاهب النحاة في المسائل الخلافية: تناول ابن الخباز في كتابه «توجيه اللمع» كتاب اللمع لابن جني بالشرح والتفصيل والتعليل, وكان إذا عرض لبعض المسائل الخلافية ذكر آراء النحاة فيها مع تعيين أصحاب هذه الآراء حينًا, وعدم تعيينهم أحيانًا أخرى فمن النوع الأول قوله في (باب خبر المبتدأ): واختلف النحويون في قولنا: «زيد خلفك» فذهب أبو العباس الشيباني إلى أن الظرف خبر عن المبتدأ ولا يتعلق بشيء وأنشد أصحابنا بأن الظرف منصوب فلابد له من ناصب, الذين قدروا ناصبًا اختلفوا, فذهب ابن

стр. 41

السراج وابن جني إلى أن التقدير: زيد مستقر خلفك, فقدروا اسم الفاعل, وذلك لأن المفرد أصل الجملة, ولأن في تقديره تقليلًا للحذف, وذهب أبو علي الفارسي إلى أن التقدير: زيد استقر خلفك, فقدر الفعل, لأنه الأصل في العمل. ومن النوع الثاني قوله في (باب الفاعل): وقال بعض العرب: قاما أخواك, وقاموا إخوتك, وقمن جواريك, وفي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن المضمرات ملحقات وما بعدها بدل منها. الثاني: أن المظهرات مبتدآت والأفعال أخبار مقدمات, والثالث: أن الألف والواو والنون أدلة على التثنية والجمع كالتاء في قامت هند. ولم يكن ابن الخباز - تجاه هذه الآراء المتعارضة والخلافات النحوية الحادة ليقف موقفًا سلبيًا, ويكتفي بترديد هذه الآراء وعرضها, بل كان يقتحم ميدان هذه المعارك, ويقيم من نفسه قاضيًا عادلًا, ويعرض على مخيلته القضايا النحوية, ويتولى الفصل فيها موضحًا وجهة نظره, ومبينًا سبب حكمه, ومن ذلك قوله في (باب المفعول معه): مذهب سيبويه وأكثر البصريين أنه منصوب بالفعل الذي قبله بتوسط الواو بينهما. وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن الأصل في قولك: قمت وزيدًا, قمت مع زيد, وأقيمت الواو مقام مع ونقل نصب مع إلى ما بعد الواو, وهذا فاسد, لأن مع ظرف وزيدًا ليس بظرف, وذهب أبو إسحاق, إلى أنه منصوب بفعل محذوف تقديره: قمت ولابست زيدًا, فعلى قول أبي إسحاق فقد ناصب المفعول معه من الكلام, وذهب الكوفيون إلى أن المفعول معه انتصب على الخلاف, قالوا: إذا قلت: استوى الماء والخشية, لم يكن العطف جائزًا, لأن الخشية لم تكن معوجة فتستوي, فلما خالفت الفاعل نصبت, ويفسد ما قالوه أن الخلاف مشترك بين الماء والخشبة, فإذا وجب نصب الخشبة لأنها مخالفة للماء, وجب نصب الماء لأنه مخالف للخشبة ولا قائل به, وقول أبي إسحاق لا ينفك من ضعف لما فيه من حذف الفعل, فبان أن المعتمد عليه مذهب سيبويه. ويتضح من استعراض كلامه في «توجيه اللمع» أنه كان يُعنى كثيرًا بعرض آراء سيبويه, ويغلب عليه متابعة جمهور النحاة. ١١ - الإشارة إلى معاني بعض الألفاظ الغريبة: لقد وضع ابن الخباز هذا الأمر في اعتباره حينما أقدم على شرح هذا الكتاب

стр. 42

وأشار إليه في مقدمة كتابه: «وكلما مررت ببيت ذكرت إعرابه أو بلفظ لغوي جليته تجلية تزيل استغرابه» ومن أمثلة ذلك: قوله في (باب الاستثناء) قال النابغة: وقفت فيها أصيلالًا أسائلها ... عبت جوابًا وما بالربع من أحد إلا أواري لأيامًا أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد أصيلال: جمع أصيل, والأصيل: بعد العشي, وعبت: أصله عييت, فأدغمت, وجوابًا: منصوب على حذف حرف الجرو أي: عيت بجواب, ويجوز أن يكون تمييزًا, والربع: منزل القوم في الربيع, استعمل في كل منزل, والأواري: واحدها أري. واللأى: البطء, يقال: ألأى أمره أي: أبطأ, و «ما» زائدة, والنؤى: حفيرة تحفر حول البيت تمنع المطر منه, والمظلومة: الأرض المحفورة, والجلد: الصلبة. وقال في (باب حروف الجر) وأما قوله: * لواحق الأقراب فيها كالمقق* فإنه يصف حميرًا, واللواحق: الضوامر, والأقراب: جمع قرب وهي الخواصر, والمقق: الطول, وإنما يريد فيها مقق. تلك بعض النصوص التي توضح لنا اهتمام ابن الخباز بتفسير بعض الألفاظ الغربية وهي كثيرة في كتابه مما يشعر بأنه كان لغويًا بارعًا. ١٢ - استخدام أسلوب التساؤل: كثيرًا ما يستعمل ابن الخباز في كتابه أسلوب التساؤل متمثلًا في قوله: «فإن قلت ... قلت» وذلك ليوضح لنا بعض العلل والأحكام النحوية, ومن أمثلة ذلك قوله في (باب إن وأخواتها) فإن قلت: فهلا نصبتهما؟ قلت: إن غير فعل, ولو نصبتها لخلا الكلام من المرفوع. فإن قلت: فهلا رفعتهما؟ قلت: لو رفعتهما لزادت على الفعل بشيء لا يكون فيه, وذلك أن الفعل لا يكون له فاعلان, فكيف يكون لأن مشبهان بالفاعل؟ فإن قلت: فلم قدم المنصوب على المرفوع؟ قلت: لوجهين: أحدهما: أن الخبر قد يكون مضمرًا, فلو قدم لاتصل بإن

стр. 43

وتغيرت صيغتها, تقول: إن الكرام أنتم, فلو قدم المرفوع لقلت: إن أنتم الكرام. والثاني: أن إن حرف وهي أضعف من الفعل, فأعطيت أضعف أحواله وهو لزوم تقديم المنصوب, لأن الأصل في الفعل تقديم المرفوع. وهكذا يتنبه ابن الخباز إلى ما عساه يدور في عقول الناس من أسئلة فيبرزها وبتولى الإجابة عنها, وهذا إن دل فإنما يدل على أن مؤلفه هذا تعليمي, حيث إن أسلوب التساؤل يستعمل كثيرًا لإفهام الطلاب وتثبيت المعلومات في أذهانهم. ١٣ - الإشارة إلى لغة العامة: يعرض ابن الخباز كثيرًا إلى اللغة التي تجري على لسان العامة وذلك ليبين لنا مدى مطابقتها أو مخالفتها لقوانين اللغة الفصحى, وهذا يشعر بحسن نظره, وقوة ملاحظته, وسعة فكره, وتمكنه من اللغة, ومن أمثلة ذلك قوله في (باب ظرف المكان): وعندك جهة مبهمة, تقول: زيد عندك, وفي أي جهة كان من جهاتك جاز فيها ثلاث لغات: ضم العين, وفتحها, وكسرها, ولها حكمان تخالفهما العامة, الأول: أنها لا تجر بغير «من» وفي التنزيل ﴿قل كل من عند الله﴾ ولا تقول: جئت إلى عندك. الثاني: أنها لا تصغر ويجري ذلك في لسان أهل الشام كثيرًا. وقال في (الباب السابق): وإزاء وتلقاء بمعنى حذاء, يقال آزيته أي: حازيته, وهما متآزيان متحازيان, والعامة تقول: متوازيان. وقال في (باب العدد) ومن المعرب من يسكن العين فيقول أحد عشر وهي لغة العامة, وذلك لكثرة المتحركات. وقال في (باب التصغير) تقول في مرآة: مريئية بوزن مريعية, والعامة تقول: مرية وهو خطأ. تلك بعض النصوص التي توضح لنا اهتمام ابن الخباز بدراسة لغة العامة, وبيان ما انطوى تحتها من أخطاء لغوية, أو نحوية, مما يدل على أنه لم يكن حابسًا عقله وفكره في نطاق ما خلفه السابقون, بل كان ﵀ مفكرًا مجددًا كثير البحث والنظر.

стр. 44

١٤ - الاختصار: بنى ابن الخباز منهجه في كتابه «توجيه اللمع» على الاختصار, وقد نبه على ذلك في مقدمة كتابه فقال: «فإن جماعة من حفظة «كتاب اللمع» أطمعهم فيه صغر حجمه وآيسهم منه عدم فهمه, فضمنت لهم إملاء مختصرًا, أقتصر به على توجيه مسائله وتبليغ وسائله» وأشار إلى ذلك أيضًا في ثنايا كتابه في عدة مواضع منها ما يأتي: قال ابن الخباز في (باب المفعول الذي لم يسم فاعله) ويتعلق بالفعل الذي لم يسم فاعله مباحث من علم التصريف, لولا أني بنيت كتابي على الاختصار لذكرتها. وقال في (بعد أن ذكر مذاهب العلماء في ناصب المستثنى): وتحتمل هذه المذاهب أكثر من هذا القول, ولكن لا يليق بهذا المختصر وقال في (باب مذ ومنذ): ولولا اغترار كثير من العامة بزخارف الحمقى لاقتضى اختصار هذا الكتاب الإضراب عن الإطالة. وقال في (عند حديثه عن الضمائر): وتحت هذه الأحكام كلها مباحث يطول ذكرها, والإملاء مبني على الاختصار وغير ذلك كثير من أمارات التزامه بالاختصار في منهجه. تلك هي أهم خصائص المنهج الذي اتبعه ابن الخباز في معالجة كتابه «توجيه اللمع» وقفت عليها بكثرة النظر فيه. تعقب ابن الخباز لابن جني: لم تكن شخصية ابن الخباز شخصية تقليدية, تكتفي بترديد ما أقره المتقدمون, بل كان ﵀ يتمتع بشخصية ناقدة, لها آراؤها الخاصة ووجهة نظرها المستقلة, فكان لا يلتزم التسليم بما سبق به, بل كان يدرس وينقد ويعترض إذا وجد لذلك سبيلًا, ويبطل رأى غيره إذا وجد أسباب الفساد محطية به, وبالتأمل في كتابه «توجيه اللمع» نجد أنه لم يكن على اتفاق تام مع ابن جني, بل كان يختلف معه ويستدرك عليه, فكثيرًا ما كان يرى أن الصواب في غير ما قال. وإليك بعض النصوص التي توضح ذلك: لم يختلف ابن الخباز مع ابن جني في الناحية المنهجية إلا في باب: (المعرب

стр. 45

والمبني) فقال: وعيب عليه تقديم هذا الباب على باب الإعراب والبناء, لأن المعرب والمبني مشتقان منهما, ومعرفة المشتق منه متقدمة على معرفة المشتق. أما في الناحية العلمية فقد اختلف معه في مواضع كثيرة, منها ما يأتي: قال ابن جني (باب الكلمة والكلام) مبينًا علامات الحرف: والحرف ما لم يحسن فيه علامات الأسماء ولا علامات الأفعال. وقال ابن الخباز معقبًا على ذلك: وقوله: (ما لم يحسن فيه إلخ) فيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه جعل حقيقة الحرف سلبًا, والسلب لا يكون حقيقة. والثاني: أن من علامات الأسماء والأفعال الحروف فصار التقدير: والحروف ما لم يحسن فيه الحرف, فيلزم من هذا أن يكون الشيء معروفًا قبل معرفته. قال ابن جني في (الباب السابق, عند حديثه عن علامات الفعل) وكونه أمرًا, وقال ابن الخباز معلقًا عليه: وقوله (وكونه أمرًا) لا يستقيم, لأن «مه» أمر وليس بفعل, وينبغي له أن يقول: وكونه أمرًا مشتقًا جاريًا على المضارع. قال ابن جني مبينًا حد الاسم المتمكن: ما تغير آخره لتغير العوامل فيه ولم يشابه الحرف. وقال ابن الخباز معلقًا عليه: «وقوله: ولم يشابه الحرف غير محتاج إليه في حد المتمكن, لأنه متى ثبت له تغير آخره لتغير العوامل لزم من ذلك عدم مشابهة الحرف». قال ابن جني (باب الإعراب والبناء) والفرق بينهما زوال الإعراب لتغير العامل وانتقاله, ولزوم البناء الحادث من غير عامل وثباته وقد عقب على ذلك ابن الخباز بقوله: وقوله (الحادث) في صفة البناء فيه نظر, لأنه إن أراد به بناء الأفعال والحروف فهو أصلي, وإن أراد به بناء الأسماء فلا معنى للفرق بين الإعراب وبعض البناء. وهكذا يقف ابن الخباز من ابن جني موقف الناقد البصير الخبير بأساليب العربية, وما تدل عليه من معان, فيقدر كل كلمة قدرها بحسه المرهف وذوقه السليم. ***

стр. 46

وصف نسخة الكتاب المحققة اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسخة وحيدة منه توجد بمكتبة الأزهر وهي تحت رقم (٢٣٤٨ السقا) باسم «توجيه اللمع» ولم أتمكن من العثور على غيرها مع طول البحث ومداومة التفتيش, وقد كدت أول الأمر أن أعدل عنها لا لشيء إلا لأنها وحيدة, ولكن بعد أن أعدت النظر فيها كثيرًا, وقلبت صفحاتها طويلًا اتضح لي أن النسخة كاملة غير منقوصة واضحة المبدأ والمنتهي ثابتة النسب إلى صاحبها, عند ذلك لم أجد حرجًا في اختيارها والإقدام على تحقيق نصها. أما عنوان الكتاب فكتب في الصفحة الأولى على النحو التالي: «كتاب شرح لمع ابن جني» للشيخ أبي العباس أحمد بن الحسين المعروف بابن الخباز الموصلي, وفي مقدمة الكتاب أشار ابن الخباز إلى أنه أسماه «بتوجيه اللمع» فقال: وقد سميته «توجيه اللمع» وعللت فيه «المسائل جمع» وقد آثرت هذه التسمية واعتمدت عليها, لأنها تسمية صاحب الكتاب, وهو في جملته يشير إليها, وكذلك أشار ابن الخباز في خاتمة كتابه إلى التسمية المذكورة في الصفحة الأولى, فقال: هذا آخر ما عمدت لإملائه من شرح كتاب اللمع. وهذه النسخة في مجلد, وتقع في مائتين وثمانية أوراق من القطع الكبير ومسطرتها ثلاثة وعشرون سطرًا. أما الصفحة الأولى فعليها عنوان الكتاب واسم المؤلف, وقد كتبا بخط قريب من خط سائر النسخة, ويوجد على الصفحة الأولى ختمان: أحدهما في أعلى الصفحة من جهة اليمين وبه توقيف نصه: «وقف محمد عبد العظيم السقا وأخيه محمد إمام» والختم الثاني في أعلى النصف الأسفل من الصفحة الأولى أيضًا وكتبت فيه «الكتبخانة الأزهرية» وعلى الصفحة الأولى أيضًا كتب أسفل عنوان الكتاب توقيف آخر نصه: وقف هذا الكتاب الحسيب النسيب السيد محمد المؤيد الشهير بالخطيب على طلبة العلم بالأزهر وغيره, كبقية ما ملكه من الكتب. وتوجد مجموعة من الأختام في الأوراق الآتية من النسخة ٣, ٧, ٩, ١١, ٢١, ٢٩, ٣١, ٢٠٨, وفي هذه الأختام جميعها كتب توقيف باسم محمد عبد العظيم السقا وأخيه محمد إمام.

стр. 47

وأما خط النسخة فواضح وعادي, حيث إنها مكتوبة بقلم نسخ قديم وهي مشكولة غالبًا, وإن كان الشكل أحيانًا خطأ. وأما الإعجام فليس ملتزمًا في جميع ألفاظ النسخة وإن كان غالبًا عليها. سمات عامة على المخطوطة: ١ - هناك بعض الكلمات لم تكتب على ما نعرفه اليوم من قواعد الإملاء فمثلًا كلمة «مسألة» تكتب فيها «مسئلة» وكلمة «هؤلاء» تكتب «هاؤلاء» على حسب نطقها, وكلمة «ثلاثين» تكتب في النسخة «تلتين» وهكذا. ٢ - توضع الهمزة المتطرفة المسبوقة بالألف فوق الألف كثيرًا. ٣ - غالبًا ما تكتب الألف الممدودة مقصورة. ٤ - تكتب الضاد ظاء كثيرًا كما هو معروف في لهجة أهل الموصل. ٥ - تكتب ألف المد - أحيانًا - ألفين. ٦ - هناك تصويبات في الهامش, وإحالات إليها مما يدل على أن النسخة مراجعة. ٧ - تمتاز هذه النسخة بوجود التعقبية في آخر الصفحة اليمنى غالبًا. ٨ - كثيرًا ما تكتب الهمزة المتطرفة المسبوقة بالألف مدًا فوق الألف مثل «جاء» يكتبها «جآ». وليس في النسخة ما يدل على اسم كاتبها ولا على الأصل الذي نسخت عنه. وقد تمت كتابتها في القرن الثامن الهجري, وناسخها أشار إلى ذلك بقوله: وافق الفراغ من نسخ هذا الكتاب يوم الخميس سادس عشر المحرم سنة ست وثمانين وسبع مائة. ***

стр. 48

منهج تحقيق الكتاب لما كان الهدف من تحقيق النصوص إنما هو إخراجها صحيحة سليمة كما سبق أن وضعها أصحابها, فقد بذلت كل ما في وسعي من جهد وقدمت كل ما لدي من طاقة في هذا السبيل, واضعًا في اعتباري ما تحتاجه إعادة النص إلى طبيعته الأولى من حيطة وحذر ودقة وأمانة, حيث إن إعادة النص إلى أصله السابق أصعب بكثير من إنشاء أصل جديد, وقد كان لا يغادر مخيلتي منذ - اللحظة الأولى التي عزمت فيها على انتهاج هذا السبيل - قول الجاحظ: لربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفًا أو كلمة ساقطة, فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام وقد التزمت في تحقيق نص الكتاب الأمور الآتية: ١ - احترمت نص الكتاب فلم أتدخل فيه إلا بالقدر الذي لا يمس جوهره ككتابته وفق القواعد الإملائية المعروفة لنا اليوم. ٢ - وجددت في النص جملًا قليلة وغير مستقيمة, فحاولت تقويمها بما يناسب السياق من زيادة حرف أو كلمة أو جملة, ونبهت على ذلك بوضع الزائد بين قوسين معقوفين, وأشرت إلى هذه الزيادة في الهامش. ٣ - وجدت في النص بعض العبارات المرتبكة بتقديم الجمل على بعضها الآخر فحاولت تقديم ذلك بما يناسب المعنى والسياق, وأشرت إلى ذلك في الهامش. ٤ - وجدت في النص ألفاظًا وردت مخالفة للقواعد النحوية والأوزان الصرفية فصححتها ونبهت على ذلك في الهامش. ٥ - ترجمت لبعض الأعلام الذين وردت أسماؤهم في الكتاب ولما كان الاسم يتكرر أكثر من مرة فقد اكتفيت بترجمته في المرة الأولى. ٦ - خرجت الشواهد القرآنية والشعرية والنثرية من حديث أو أثر ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. ٧ - وثقت كثيرًا من النصوص والآراء النحوية التي نقلها عن غيره من النحاة,

стр. 49

وذلك بالرجوع إلى مؤلفات أصحابها - إن وجدت - أو إلى أمهات الكتب النحوية. ٨ - فسرت بعض الألفاظ الغربية لغويًا. ٩ - أعجبت الحروف التي لم تكن معجمة. ***

стр. 50

كتاب توجيه اللمع للعلامة أحمد بن الحسين بن الخباز شرح كتاب اللمع لأبي الفتح ابن جني القسم الثاني: التحقيق

стр. 51

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي قال الشيخ الإمام العالم حجة العرب شمس الدين أبو العباس أحمد بن الحسين بن أحمد النحوي المعروف بائن الخباز أدام الله توفيقه وأطال بقاءه: أحمد الله على توفيقه وتشديده ومنه علينا بأن جعلنا من أهل توحيده, وأسأله من فضله الجزيل أبلغ مزيده, وأصلي على نبيه محمد الصادق في وعوده, والناطق بجامع الكلم وسديده, وعلى آله المجتهدين في بناء الدين وتشييده, صلاة دائمة ما تلفع عارض ببروده, واختال بين بروقه ورعوده, وسبح لله ملك في ركوعه وسجوده. أما بعد: فإن جماعة من حفظه كتاب اللمع في النحو لأبي الفتح عثمان بن جني ﵀ أطمعهم فيه صغر حجمه, وآيسهم منه عدم فهمه, وذلك لأن الكتب المصنوعة لتفسير منها الكبير الممل, ومنها الصغير المخل, والمتوسط بينهما إما يفقد وإما يقل, فضمنت لهم إملاء مختصرًا أقتصر به على توجيه مسائله, وتبليغ وسائله, وكلما مررت ببيت ذكرت إعرابه, أو بلفظ لغوي جليته تجلية تزيل استغرابه, وقد سميته «توجيه اللمع» وعللت فيه المسائل جمع, نفعنا الله وإياهم بالعلم والعمل, ووفقنا لما يرضيه ويزلفنا عنده إنه الجواد الكريم.

стр. 52

قال ابن جني: الكلام كله ثلاثة أضرب: اسم, وفعل, وحرف جاء لمعنى. فالاسم: ما حسن فيه حرف من حروف الجر, أو كان عبارة عن شخص, فحرف الجر نحو قولك: من زيد وإلى عمرو, وكونه عبارة عن شخص نحو قولك: هذا رجل وهذه امرأة. والفعل ما حسن فيه قد أو كان أمرًا, فأما قد: فنحو قولك: قد قام وقد قعد وقد تقوم وقد يقعد. وكونه أمرًا نحو قولك: قم واقعد. والحرف: ما لم يحسن فيه علامات الأسماء ولا علامات الأفعال, وإنما جاء لمعنى في غيره نحو هل, وبل, وقد, لا تقول: من هل, ولا قد هل, ولا تأمر به. ــ قال ابن الخباز: (الكلام) في أصل الوضع مصدر, أنشد أبو علي ﵀. ١ - فإن تمس ابنه الشهمي منا ... بعيدًا ما تكلمنا كلاما وهو عند النحويين عبارة عن الجملة المفيدة فائدة يحسن السكوت عليها, وهي مؤتلفة من اسمين كقولك: زيد ذاهب, أو من فعل واشم كقولك: ذهب عمرو, ولا يحتاج في التأليف إلى الثلاثة/. وقوله: (الكلام كله ثلاثة أضرب) يصح بتقدير مضاف أي: مادة الكلام والأضرب جمع ضرب, وهو القسم, وإنما انقسم إلى الثلاثة, لأن هذه الأقسام يعبر بها المتخاطبون عن جميع ما يخطر في أنفسهم من المغاني, فلو كان ثم قسم رابع متروك لبقى في النفوس معان لا يمكن التعبير عنها بإزاء القسم الساقط, ألا ترى أنه لو سقط بعض هذه الثلاثة لسقط معناه؟ ! وقوله: (جاء لمعنى) يريد به معنى غير منصرف, ومعنى ذلك أن معنى الاسم =

стр. 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = والفعل متصرفان. فالاسم يكون فاعلًا ومفعولًا ومضافًا إليه, والفعل يكون ماضيًا ومضارعًا وأمرًا, والحرف لا يعرض له شيء من ذلك, وبدأ بالاسم لأنه الأصل في التأليف, لأنه يقوم بنفسه كقولك: زيد قائم, والفعل والحرف يحتاجان إليه, وذكر له علامتين عامتين: إحداهما: حرف الجر: وهي تدخل على أكثر أنواعه من المفرد والمثنى والمجموع وغيرها. والثانية: كونه عبارة عن شخص, وهذه ينحاز إليها شطر الأسماء, والعبارة: اللفظ الدال على المعنى والشخص والجثة والعين بمعنى واحد, ومثل برجل وامرأة تبنيها على أن الشخص مذكر ومؤنث, ويجوز في (نحو قولك) و (نحو): الرفع بأنه خبر, والنصب بأنه ظرف, وثنى بالفعل, لأنه يأتلف منه ومن الاسم كلام وذكر له علامتين عامتين أيضًا: الأولى: (قد) وتلي المضارع والماضي, فمعناها في الماضي تقريبه من الحال كقولك: قد فعل, ومعناها في المضارع تقليله كقولهم: إن الكذوب قد يصدق. وقوله: (وكونه أمرًا) لا يستقيم لأن «مه» أمر وليس بفعل, وينبغي له أن يقول: وكونه أمرًا مشتقًا جاريًا على المضارع, وهذه العلامة / الثانية, وحقيقة الأمر طلب الفعل مما هو دونك والرغبة طلبة من مثلك, والدعاء طلبه ممن فوقك. ولم يبق إلا ذكر الحروف فلأجل ذلك كان أخيرًا. وقوله: (ما لم يحسن فيه علامات الأسماء ولا علامات الأفعال) فيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه جعل حقيقة الحرف سلبًا والسلب لا يكون حقيقة, والثاني: أن من علامات الأسماء والأفعال الحروف, فصار التقدير: والحرف ما لم يحسن فيه الحرف, فيلزم من هذا أن يكون الشيء معروفًا قبل معرفته, ويكثر في عبارة النحويين قولهم: معنى في غيره ومعنى في نفسه, وبيان ذلك أن معنى الكلمة لا يخلو من أن يتوقف فهمه على غير أو لا, فإن توقف فهمه على غيره فهو معنى الحرف, ألا ترى أن «من» تدل =

стр. 54

باب: (المعرب والمبني) قال ابن جني: الكلام في الإعراب والبناء على ضربين: معرب ومبني, والمعرب على ضربين: أحدهما: الاسم المتمكن, والآخر: الفعل المضارع, وما عداهما من سائر الكلام فمبني من غير معرب. فالاسم المتمكن: ما تغير آخره لتغير العامل فيه, ولم يشابه الحرف نحو قولك: هذا زيد, ورأيت زيدًا, ومررت بزيد. والفعل المضارع: ما كانت في أوله إحدى الزوائد الأربع وهي: الهمزة والنون والتاء والياء, فالهمزة للمتكلم وحده نحو: أقوم أنا. والنون للمتكلم إذا / كان معه غيره نحو: نقوم نحن. والتاء للمذكر الحاضر نحو: تقوم أنت. والمؤنث الغائب نحو: تقوم هي, والياء للمذكر الغائب نحو: يقوم هو. وحرف الإعراب من كل معرب آخره نحو: الدال من زيد والميم من يقوم. ــ = على التبعيض, والتبعيض لا يفهم إلا بعد فهم الكل والجزء, وإن لم يتوقف فهمه على شيء آخر فهو معنى الاسم والفعل, وقيل: المراد بقولهم في الحرف: دل على معنى في غيره أنه لابد من اسم أو فعل يصحبه. ومثل دخول «من, وقد» على الحرف, وإن كان ذلك لا يقال, لأن التمثيل يقصد به أحد أمرين: إما صواب ليرتكب, وإما خطأ ليجتنب. وقوله: (ولا تأمر به) أي: لا تأمر بهل, لأنه لا معنى للأمر به, إما لأن معناه الاستفهام, وإما أنها ليست بمشتقة ولا في معنى المشتق. (باب المعرب والمبني) قال ابن الخباز: (الكلام) مبتدأ, و (على ضربين) خبره و (في الإعراب) متعلق بما في (على) من معنى الفعل, وعيب عليه تقديم هذا الباب على باب الإعراب والبناء, لأن المعرب والمبني مشتقان منهما, ومعرفة المشتق منه متقدمة على معرفة المشتق =

стр. 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣/أ= ... / وانقسام الكلم إلى المعرب والمبني ضروري, لأنه دائر بين النفي والإثبات, لأن المعرب ما تغير آخره لتغير العوامل. والمبني ما ثبت آخره على صورة واحدة, وإن اختلفت العوامل. وبدأ بتعريف المعرب لوجهين: أحدهما: أنه قسمان, والمبني ثلاثة أقسام, والاثنان قبل الثلاثة, والثاني: أن الاسم مقدم على الفعل والحرف, والإعراب أصل فيه. فإن قلت: فلم لم يذكر المبني في هذا الباب؟ قلت: ذكره فيه على سبيل الإجمال, وفي الباب الذي يتلوه على سبيل التفصيل. وقوله: (وما عداهما) معناه ما تجاوزهما, يقال: عداك الذم أي: تجاوزك والسائر: البقية, واشتقاقه من السؤر وهي الفضلة في الإناء. يقال: أشار إذا بقى ونقل عن أبي زكريا أن السائر يجيء بمعنى الجميع. قال الراجز: ٢ - لو أن من يزجر بالحمام ... يقوم يوم وردها مقامي * إذن أصل سائر الأحكام * وقوله: (غير معرب) توكيد, لأن قوله: (مبني) يغني عنه, وليس كذلك قوله سبحانه: ﴿أموات غير أحياء﴾ فإن معنى قوله: ﴿غير أحياء﴾ لا تجوز عليها الحياة, لأنها أحجار. ومعنى المتمكن في اللغة ظاهر, يقال: تمكن فلان عند السلطان واستمكن, إذا نفذت أقواله وأفعاله, وسمى النحويون به الاسم المعرب, لأن الأصل في الأسماء الإعراب, فما كان منها معربًا فهو باق على أصله, وذلك هو المتمكن, ويطلقون المتمكن على الظرف, ويعنون به الظرف الذي يجوز نقله عن الظرفية كيوم وليلة, تقول: سرت اليوم, فتجعله ظرفًا, ومضى اليوم, فتجعله غير ظرف.

стр. 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = والعامل: كل ما / أثر في كلمة رفعًا أو نصبًا أو جرًا أو جزمًا, ويجمع على ٣/ب عوامل, لأنه ليس من صفات ذوي العلم كقولك: سيوف قواطع, وهو أربعة أقسام: معنى واسم وفعل وحرف. وقوله: (ولم يشابه الحرف) غير محتاج إليه في حد المتمكن, لأنه متى ثبت له تغير آخره لتغير العوامل لزم من ذلك عدم مشابهة الحرف. والمراد بتغير الآخر: بروزه في حركات مختلفة, ومثل في الاختلاف يزيد, وأبو على مثل برجل, وتثمل أبي علي أحسن, لأنه مثل بنكرة, وهو الأصل. وحكى لي شيخنا ﵀: أن بعض العصريين من أهل بلدنا تخيل أن المراد بتغير الآخر تنحية حرف ووضع حرف مكانه, وجواب هذا القول السكوت. وبدأ بتعريف الاسم, لأنه الأصل في الإعراب. ومعنى المضارع: المشابه, وسمى ما في أوله إحدى الزوائد الأربع مضارعًا لأنه شابه الأسماء, ولتلك المشابهة أعرب, وشبهه من ثلاثة أوجه: الأول: أنه مشترك بين زماني الحال والاستقبال تقول: يفعل وهو في الفعل, ويفعل غدًا, فجرى مجرى النكرة كرجل, لأنها شائعة. والثاني: أنه يختص بأي الزمانين شئت, تقول: يفعل الآن سوف يفعل فجري مجرى النكرة إذا عرفت باللام, كالرجل. والثالث: أنه على زنة أسماء الفاعلين والمفعولين في الحركات والسكنات, فيكرم كمكرم ويدحرج كمدحرج. وتسمية الهمزة والنون والتاء والياء زوائد, لأنها ليست من أصل الفعل, لأن الاشتقاق يسقطها, والتصريف شاهد عدل, وزيدت دون غيرها من الحروف, لأن أولى الحروف العشرة بالزيادة في مذهب التصريف حروف العلة, فالألف لا يمكن زيادتها أولًا / لسكونها فأبدلت منها الهمزة, والواو لا تزاد أولًا, لأنها أثقل حروف العلة فأبدلت منها التاء, والياء قريب في الخفة من الألف فزيدت أولًا, والنون تشبه حروف العلة, لأن فيها غنة, كما أن =

стр. 57

باب: (الإعراب والبناء) قال ابن جني: الإعراب ضد البناء في المعنى, ومثله في اللفظ, والفرق بينهما: زوال الإعراب لتغير العامل وانتقاله, ولزوم البناء الحادث من غير عامل وثباته. فالإعراب أربعة أضرب: رفع, ونصب, وجر, وجزم, فالرفع والنصب: يشترك فيهما الاسم والفعل, والجر: يختص بالأسماء, ولا يدخل الأفعال, والجزم يختص بالأفعال ولا يدخل الأسماء. ــ = فيهن مدًا فزيدت, وخصت الهمزة بالمتكلم لأنه أول, والهمزة أول الحروف مخرجًا وخصت التاء بالمذكر الحاضر والمؤنثة الغائبة, لأنها تكون للخطاب كقولك: أنت, وللتأنيث كقولك: فعلت. وخصت النون بأكثر من المتكلم, لأنها ذات مخرجين: تارة تخرج من الخيشوم وتارة من الفم, وخصت الياء بالغائب, لأنها خفية فهي تناسب حالة, وإنما كان حرف الإعراب أخيرًا, لأنه تعذر أن يكون أولًا, من حيث إن حركة الأول واجبة وحركة الإعراب جائزة فتدافعنا, وتعذر أن يكون أولًا, من حيث إن حركة الأول واجبة وحركة الإعراب جائزة فتدافعنا, وتعذر أن تكون وسطًا, لأن من الكلم ما لا وسط له كيد وجعفر ومستخرج. فإن قلت: أجعله حرفًا بين الطرفين؟ فليس على التخصيص دليل. وأدل «من» على يقوم, لأن النحويين إذا ترجموا عن الأحكام الإعرابية لم يكن لهم بد من إدخال العوامل على الأفعال والحروف والجمل, لأن العبارة غير ممكنة بغير ذلك. فإن قلت: فلم لا يجوز إدخال الألف واللام على ما ذكرت؟ . قلت: الفرق بين حرف الجر وبين الألف واللام: أن حرف الجر لا يغير معنى ما يدخل عليه والألف واللام تغيره من التنكير إلى التعريف. (باب الإعراب والبناء) قال ابن الخباز: (الإعراب ضد البناء في المعنى) , لأن حقيقة الإعراب اختلاف أواخر الكلم لاختلاف العوامل كقولك: جاء رجل, ورأيت رجلًا, ومررت برجل. وهو في اللغة عبارة عن البيان. يقال: أعربت عن الأمر إذا بينته, أنشد يعقوب =

стр. 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = في الإصلاح: ١ - وقد كنت أكنو عن قذور بغيرها ... وأعرب أحيانًا بها فأصارح فسمى به اختلاف أواخر الكلم لاختلاف العوامل, لأنه يبين المعاني. وحقيقة البناء: ثبوت أواخر الكلم على صورة واحدة - وإن اختلفت العوامل - كقولك: جاءت حذام, ورأيت حذام, ومررت بحذام, وهو في اللغة: عبارة عن وضع الشيء على الشيء على صفة يراد بها الثبوت كبناء الجدار, وسمى به ثبوت أواخر الكلم للزومه, وإنما كان مثله في اللفظ, لأن آخر الكلمة لا يخلو من الحركة والسكون, فالحركات ثلاث: ضمة وفتحة وكسرة. والسكون خلو الحرف من إحدى هذه الثلاث, وقد اشترك الإعراب والبناء في الحركة والسكون, كقولك في الضمة: الليث حيث زيد قائم, وفي الفتحة: أين رأيت الحسين. وفي الكسرة: مررت بهؤلاء العلماء. وفي السكون: لم أكرمك. والفرق بينهما, أي: بين الإعراب والبناء: زوال الإعراب لتغير العامل وانتقاله, لأن حركة الإعراب حدثت بدخول العامل, نزول بزواله (وانتقاله) لأنه معطوف على زوال. وقوله: (الحادث) في صفة البناء فيه نظر, لأنه إن أراد به بناء الأفعال والحروف فهو أصلي, وإن أراد به بناء الأسماء فلا معنى للفرق بين الإعراب وبعض البناء, والذي يعتذر به عنه أن يقال: وصف البناء بالحادث لأنه يكون بالحركة والسكون لأنهما حادثان في الحرف, والجيد أن يعلق (من) باللزوم, لأن لزوم البناء (من) غير عامل, وقد ثبت أن الحر ثلاث والسكون واحد, وأن ذلك =

стр. 59

قال ابن جني: والبناء أربعة أضرب: ضم, وفتح, وكسر, ووقف. فالضم يكون في الاسم نحو حيث, ومن قبل, ومن بعد. وفي الحرف في «منذ «في لغة جربها. ولا ضم في الفعل. والفتح يكون في الاسم نحو أين وكيف, وفي الفعل نحو قام وقعد, وفي الحرف نحو إن وثم. والكسر يكون في الاسم نحو أمس وهؤلاء. وفي الحرف في «جير». ــ = يقع في الإعراب والبناء ففرقوا بين أسمائها لاختلاف صفاتها فسموا حركات الإعراب رفعًا ونصبًا وجرًا وسكونه جزمًا. وحركات / البناء ضمًا وفتحًا وكسرًا, وسكونه وقفًا. فالرفع: عبارة عن اختصاص الآخر بالضمة التي يحدثها العامل. [والنصب: اختصاص الآخر بالفتحة التي يحدثها العامل] والجر: اختصاص الآخر بالكسرة التي يحدثها العامل. والجزم: اختصاص الآخر بالسكون والحذف اللذين يحدثهما العامل. واشترك الاسم والفعل في الرفع والنصب, لأن الأصل في الأسماء أن تكون معربة وإعراب الأفعال لمشابهتها, وإعراب الأسماء ثلاثة أنواع: رفع ونصب وجر. فأعربت الأفعال بالرفع والنصب قضاء من حق المشابهة. وانفرد الاسم بالجر, لأن عامله لا يصح دخوله على الفعل. وانفرد الفعل بالجزم, لأن عامله لا يصح دخوله على الاسم. قال ابن الخباز: وكما كان الإعراب أربعة أضرب يكون البناء أربعة أضرب: لحصول الحركات الثلاث والسكون فيه. والأصل في الإعراب الحركة, للفرق بين المعاني من الفاعلية والمفعولية والإضافة. والأصل في البناء السكون, لأن حركته لا تفيد معنى. وإنما بنيت (حيث) لأنها تفتقر إلى الإضافة في فهم معناها, فجرت مجرى الحرف الذي لابد له من غيره, وحرك آخرها لالتقاء الساكنين, وضمت ضبيها بقبل وبعد, لأنها تلزم الإضافة, ومن العرب من يفتحها طلبًا للخفة, ومنهم من يكسرها على أصل التقاء الساكنين. =

стр. 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = وبنيت قبل وبعد: لأنهما قطعتا عن الإضافة, ونوي معهما ما تضافان إليه, فصارتا كبعض الكلمة, وذلك لا يستحق إعرابًا, وحرك آخرهما, لأن بناءهما عارض, وضمتا لأنه جعل ذلك جبرًا للوهن اللاحق بحذف المضاف إليه. وفيما بعد «منذ» لغتان: الرفع والجر تقول: «ما رأيته منذ البارحة ومنذ البارحة فإذا جررت كانت حرفًا فبناؤها لأنها حرف وتحريك الآخر لالتقاء الساكنين, والضم / إتباع الذال الميم, ولا عبرة بالحاجز الذي هو النون, لأنه ساكن, وهو حاجز غير حصين. وقد قالوا: منتن فضموا التاء. وقرئ: (وإنه في إم الكتاب) بكسر الهمزة إتباعًا للفاء. وإذا رفعت ما بعد «منذ» فهي اسم, فبناؤها لأنها لا تخلو من أن تكون بمعنى الأمد أو لأول الوقت, فإن كانت لأول الوقت فهي بمنزلة «من» التي لابتداء الغاية. وقد ذكرنا علتي تحريك آخرها وضمها. ولم يبن الفعل على الضم, لأنه ثلاثة أقسام: الأمر: وسندل على وجوب السكون له, والماضي: وسندل على وجوب الفتح له, والمضارع: وقد وجب إعرابه. ولما كانت الفتحة أخف من الضمة بنوا عليها أشياء من الكلم الثلاث: فمن الأسماء «أين وكيف» فبنيت أين, لأنها تكون استفهامية كقولك: أين جلست؟ وشرطية كقولك: أين تجلس أجلس, فهي في الأول: واقعة موقع حرف الاستفهام. وفي الثاني: واقعة موقع حرف الشرط, وحرك آخرها لالتقاء الساكنين, وفتحت, لأنها كثيرة الاستعمال والفتحة خفيفة. وبنيت كيف, لوقوعها موقع الاستفهام كقولك: كيف زيد؟ وتحريك آخرها وفتحه كتحريك أين وفتحه. ويدخل حرف الجر على (أين) ولا يدخل على «كيف» , وشذ قول الشاعر: ٤ - هلا سألت بنا والدهر ذو غير ... عن كيف صعقتنا ذهل بن شيبانا =

стр. 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ومن الأفعال الفعل الماضي نحو: قام وقعد, وبناؤه, لأنه فعل, والأصل في الأفعال البناء, لأنها تدل بالصيغ المختلفة على المعاني المختلفة, وحرك آخره, لأنه ضارع الأسماء مضارعة ناقصة حيث وقع صفة, وبعد حرف الشرط كقولك: مررت برجل قام, وإن ذهب زيد جلس عمرو وبني على الفتحة, لأن الأصل فيه أن يبنى / على السكون فلما تعذر لمضارعة الأسماء بني على أقرب الحركات إلى السكون, وتلك الفتحة. وبنيت إن وثم, لأنهما حرفان, وحركتهما, لالتقاء الساكنين, وفتحهما, طلب للخفة, وقال أبو سعيد: لو ضمتا لتوالت في ثم ضمتان وفي إن كسرة وضمة, ولو كسرتا لتوالت في إن كسرتان, وفي ثم ضمة وكثرة فلم تبق إلا الفتحة. والكسرة أثقل من الفتحة فقل البناء عليها, كما قال البناء على الضمة. وبنيت «أولاء» , لأنهما تضمنت معنى حرف الإشارة, وحركت, لالتقاء الساكنين, وكسرت, على أصله, وها حرف تنبيه, وليست من الاسم ومنهم من يقصرها فيقول: «أولاً» وهي مبنية على السكون, لأن آخرها ألف. قال الكميت: ٥ - وكنت لهم من هؤلاء وهؤلا ... مجنًا على أني أدم وأقصب وبنيت «أمس» , لأنها تضمنت لام التعريف, والدليل على ذلك وجهان: أحدهما: صحة ظهورها معها, كقول ذي الرمة: ٦ - أو مقحم أضعف الأبطان حادجه ... بالأمس فاستأخر العدلان والقتب والثاني: صفتها بالألف واللام, كقول يزيد بن الصعق: =

стр. 62

قال ابن جني: وفي لام الإضافة وبائها / نحو لزيد وبزيد. ولا كسر في الفعل. والوقف يكون في الاسم نحو: «من وكم» وفي الفعل نحو: خذ وكل, وفي الحرف نحو: هل وبل. ــ = ٧ - أبني عبيد إن ظلم صديقكم ... والبغي تارككم كأمس الدابر وحركتها لالتقاء الساكنين, وكسرتها على أصله, فإن أضفته أو أدخلت عليه الألف واللام أو جمعته أعربته, تقول: كان أمسنا طيبًا ومضى الأمس وجئت أول من أموس. وبنيت «جير» , لأنها حرف, وحركتها, لالتقاء الساكنين, وكسرتها, على أصله. ومعناها التصديق, قال الراجز: أنشده أبو الفتح في الخصائص: ٨ - إني أراك هاربًا من جور ... من هذه السلطان قلت: جير ومن العرب من يفتحها طلبًا للخفة. قال ابن الخباز: وبنيت «اللام والتاء» , لأنهما / حرفان, وحركا, تقوية لهما لكونهما على حرف واحد, وكسرا, لأن الكسرة من جنس عملهما, وهذا تعليل المبرد. ومن العرب من يفتح اللام والباء وهو قلل, وحكيك «لحق جئناك به» وإنما قال: (لام الإضافة وبائها) لأنهما حرفا جر, وحروف الجر تسمى حروف الإضافة, لأنهما تضيف معاني الأفعال إلى الأسماء. =

стр. 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ولم يبن الفعل على الكسر, لما ذكرناه في الضم فأما قوله تعالى: ﴿خذ الكتاب﴾ , ﴿وقل اعلموا﴾ , و ﴿قم الليل﴾ فكسر لالتقاء الساكنين, وذلك عارض لزواله في الوقف. ولا خفاء في أن السكون أخف من الحركة, فلأجل ذلك كثرت المبنيات عليه, فمن الأسماء «من وكم» فبناء «من» لأنها تكون استفهامية, كقولك: «من عندك؟ » وبناؤها, لوقوعها موقع حرف الاستفهام. وشرطية, كقولك: «من تكرم أكرم» [وبناؤها, لوقوعها موقع حرف الشرط. وموصولة كقولك: مررت بمن أهواه] وبناؤها, لافتقارها إلى الصلة. ونكرة موصوفة, كقولك: «مررت بمن صالح» أي: بإنسان صالح, وبناؤها, لافتقارها إلى الصفة. وأما «كم» فبنيت لأنها تكون استفهامية كقولك: كم ثوبك؟ وبناؤها, لوقوعها موقع حرف الاستفهام. وخبرية, كقولك: «كم رجل أفضل منك» وبناؤها, لافتقارها إلى الإضافة أو إلى الصفة, وسكون «من وكم» على أصل البناء. وبيني «خذ وكل» لأنهما فعلان, وسكنا لأنه الأصل, وذهب الكوفيون إلى أن الأمر معرب مجزوم بلام الأمر المحذوفة, فالأصل عندهم: لتأخذ ولتأكل, فحذفت اللام والتاء والسكون جزم لا وقف, وهذا عندنا فاسد, لأنه لما حذف منه حرف المضارعة جرى مجرى الماضي في التعري منه فعاد إلى البناء. وبناء «هل وبل» لأنهما حرفان, وسكونهما لأنه الأصل في البناء /. وجميع ما ذكرناه من السواكن تعرض له الحركة لالتقاء الساكنين كقولك: من الرجل. وكم المال؟ ولا عبرة بهذا الكسر, لأنه عارض يزيله الوقف, فاعرف الفرق بين الكسرة في قولك: من الرجل, وبين الكسرة في قولك: «أمس» فإن هذه إذا لاقت متحركًا زالت, وتلك إذا لاقت متحركًا ثبتت كقولك: كم درهمك؟ وأمس قدمت. =

стр. 64

باب: (إعراب الاسم الواحد) قال ابن جني: الاسم المعرب على ضربين: صحيح ومعتل. فالصحيح: ما لم يكن حرف إعرابه ألفًا, ولا ياء قبلها كسرة, نحو: زيد وعمرو, وهو على ضربين: منصرف, وغير منصرف, فالمنصرف: ما لم يشابه الفعل من وجهين, وتدخله الحركات الثلاث: الضمة, والفتحة, والكسرة, والتنوين, ويكون آخره في الرفع مضمومًا, وفي النصب مفتوحًا, وفي الجر مكسورًا. تقول في الرفع: قام زيد يا فتى, وفي النصب: رأيت زيدًا يا فتى, وفي الجر: مررت بزيد يا فتى, فضمة الدال علامة الرفع, وفتحتها علامة النصب, وكسرتها علامة الجر. ودخل التنوين الكلام علامة للأخف عليهم, والأمكن عندهم. ــ (باب إعراب الاسم الواحد) قال ابن الخباز: (الواحد) احترازًا من التثنية والجمع, لأن حكمهما يأتي بعد ذلك. والصحيح والمعتل إنما ينقسم إليهما الاسم المعرب, لأن تقسيم المبني إلى الصحيح والمعتل معدوم الأثر, لأن حكم ذلك راجع إلى حرف الإعراب. فالصحيح: ما لم يكن حرف إعرابه ألفًا ولا ياءً قبلها كسرة, ذكر حرف الإعراب, لأنه لا يكون إلا للمعرب, فإن سمي آخر المبني حرف إعراب فلذلك مجاز. والذي حرف إعرابه ألف هو المقصور, والذي حرف إعرابه ياء قبلها كسرة هو المنقوص. وبدأ بذكر الصحيح لأنه الأصل في احتمال حركات الإعراب, وتوهم بعض العصريين أن قشمة الصحيح إلى المنصرف وغير المنصرف مؤذنة بأن المعتل ليس كذلك, وهذا توهم باطل, ألا ترى أن قولنا: «الاسم معرب ومبني» لا ينفي انقسام الفعل إلى المعرب والمبني. واختلف النحويون في حد المنصرف, فقال قوم: المنصرف ما دخله التنوين وحجتهم من وجهين: أحدهما: أن التنوين زيادة دالة على خفة الاسم ومكانته. الثاني: أن الشاعر إذا اضطر إلى تنوين ما لا ينصرف في موضع الجر نون وجر, ولو =

стр. 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = كان الجر من الصرف لم يجرر, لأنه لا يزيد على قدر الضرورة. وقال قوم: المنصرف: ما دخله الجر والتنوين, وحجتهم من وجهين: أحدهما: أن المنصرف من التصرف وهو مع الجر أكثر. / والثاني: أن الجر من خصائص الأسماء, فكان من الصرف كالتنوين. وأدخل أبو الفتح في حد المنصرف ما ليس منه بقوله: (وتدخله الحركات الثلاث) والمراد بنفى مشابهة الفعل عدم الوجهين, والمراد بالوجهين: أن يكونا سببين من أسباب تسعة يأتي ذكرها في موضعها من الكتاب بحول الله تعالى. وجمعها بعض المولدين في بيتين تسهيلًا لحفظها فقال: إذا اثنان من تسع ألما بلفظة ... فدع صرفها وهي الزيادة والصفه ووزن وتأنيث وعدل وعجمة ... وجمع وتركيب ووجدان معرفه وسميت الحركة حركة لإقلاقها الحرف عن مخرجه, والحركات قسمان: خالصات, ومشوبات, فالخالصات ثلاث: الضمة, ومنشأها من بين الشفتين, وهي أثقلها, والكسرة, ومنشأها من وسط اللسان وما يحاذيه من الحنك الأعلى, وهي أخف منها, والفتحة, ومنشأها من أقصى الحلق, وهي أخف منهما. والمشوبات: كسرة ممالة إلى الضمة نحو: قيل, وضمة ممالة إلى الكسرة نحو: منصور, وفتحة ممالة إلى الضمة نحو: الصلاة, وفتحة ممالة إلى الكسرة نحو: عالم. والتنوين: نون ساكنة تلحق الاسم بعد حركة الإعراب, وهو مصدر قولك: «نؤنث الحرف» أي: ألحقته النون, كما تقول: «كوفت تكويفًا» أي: كتبت كافًا. والاسم الصحيح لا مانع من ظهور الحركة في آخره, لأن الحروف الصحيحة بعيدة من مشابهة الحركات, فتقول في الرفع: جاء زيد, فتضمه, وفي النصب: رأيت زيدًا, فتفتحه, وفي الجر: مررت بزيد, فتكسره, وزاد قوله: (يا فتى) ليجعل الكلام وصلًا =

стр. 66

قال ابن جني: وهو الواحد النكرة, والمضاف كالمفرد فيما ذكرنا, تغرب الأول بما يستحقه من الإعراب إلا أنك تحذف منه التنوين للإضافة, وتجر الثاني بإضافة الأول إليه على كل حال, تقول: هذا غلام زيد, ورأيت غلام زيد, ومررت بغلام زيد. وغير المنصرف ما شابه الفعل من وجهين: وتدخله الضمة والفتحة ولا يدخله جر ولا تنوين, ويكون آخره في الجر مفتوحًا. فإن أضف أو دخلته الألف واللام فأمن فيه التنوين دخله الجر في موضع الجر, تقول في الرفع: هذا أحمد وعمر, وفي النصب: رأيت أحمد وعمر, وفي الجر: مررت بأحمد وعمر, وتقول مع الإضافة: عجبت من أحمدكم وعمركم, ومع الألف, واللام: عجبت من الفرس الأشقر, ونظرت إلى الرجل الأسمر. ــ = واختلف النحويون في علة دخول التنوين الأسماء, والأقوال في ذلك أربعة: الأول: أنه علامة للأخف الأمكن, وذلك لأنهم فرقوا بين ما أشبه الفعل وبين ما لم يشبه الفعل / لأنه أخف وأحمل للزيادة. والثاني: أنه فارق بين الاسم والفعل, وهذا باطل, لأنه الاسم والفعل معروفان بدون التنوين. والثالث: أنه فارق بين المنصرف وغير المنصرف, وهذا باطل, لأن المنصرف هو المنون, وغير المنصرف هو غير المنون, فصار المعنى أن التنوين فارق بين المنون وغير المنون. والرابع: أنه فارق بين المفرد والمضاف, وهذا باطل, لأن ما فيه الألف واللام مفرد ولا يدخله التنوين. قال ابن الخباز: وقوله: (وهو الواحد النكرة) هو يعود إلى الأخف الأمكن, وإنما كان كذلك, لأن الواحد أخف من الجمع ومن المركب, والنكرة أخف من المعرفة. واعلم أن الأمكن أخص من المتمكن, لأن المتمكن هو المعرب, والأمكن هو المنصرف. وقوله: (فيما ذكرنا) يعني في دخول الحركات في مواضعها والتنوين. والأول هو المضاف. وقوله: (إلا أنك) استثناء من الإجمال في قوله: (والمضاف كالمفرد) , وإنما حذف التنوين من الإضافة, لأن التنوين بدل على الانفصال, والإضافة تدل على الاتصال فتناقضا. وقال الكوفيون: لم يجتمعا لأنهما من خصائص الأسماء, ولا =

стр. 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = يجمع بين التنوين والألف واللام, لأن التنوين دليل التنكير [والألف] واللام دليل التعريف. ولا يجمع بين الإضافة والألف واللام, لأن الإضافة للتعريف [والألف] واللام للتعريف فتساويا. فإن كان المضاف إليه نكرة, فالإضافة للتخصيص, فيتكون الجمع بينهما نقضًا لمعنى [الألف] واللام. واختلف النحويون في جر المضاف إليه, فقيل: إنه بحرف جر مقدر, لأن الجر في الأصل للحروف. وقيل: إنه بالمضاف, لأنه أقيم مقام الحرف حيث فهم معناه منه. وغير المنصرف يسمى متمكنًا, ولا يسمى بالأمكن, ولابد من أن يشبه الفعل من وجهين من تلك الوجوه. ويباين المنصرف بأمرين: أحدهما: طرح التنوين, لأنه أشبه الفعل / والفعل لا ينون. والثاني: إزالة الكسرة من الجر لأنه أشبه الفعل, والفعل لا يعرب بالكسرة, ولم يجعل آخره ساكنًا في موضع الجر, لئلا يكون المعرب على لفظ المبني, وإنما فتحوه في موضع الجر, لأن الجر يشارك النصب في كونهما فضلتين فاستعيرت له حركته. وإنما أعرب بالكسرة مع [الألف و] اللام والإضافة لأنهما يبعدانه من شبه الفعل, لأن الفعل لا يضاف, ولا تدخله الألف واللام. وقوله: (وأمن فيه التنوين) مؤذن بأن ترك الكسرة [مع غير المعرف] باللام والإضافة بعدم الأمن من دخول التنوين, لأنه ليس في كلامهم معرب مكسور الآخر إلا وفيه تنوين أو ما يعاقب من اللام والإضافة. «وأحمد» أشبه الفعل بالوزن والتعريف, «وعمر» أشبه الفعل بالتعريف والعدل, وإنما جاء مع الأشقر والأشمر بالفرس, والرجل توفية للصناعة, لأن الأشقر والأسمر صفتان فلابد من ذكر الموصوف معهما.

стр. 68

قال ابن جني: فإن وقفت على المرفوع والمجرور حذفت التنوين, لأنه زائد لا يوقف عليه, وأسكنت آخرهما, لأن المعرب تبتدئ بالمتحرك وتقف على الساكن, تقول في الوقف: هذا زيد, ومررت يزيد, فإذا وقفت على المنصوب المنون أبدلت من تنوينه في الوقف ألفا تقول في الوقف: رأيت زيدًا, فإن لم يكن المنصوب منونًا كان الوقف عليه ساكنًا كالمرفوع والمجرور, تقول في الوقف: ضربت عمر, وأكرمت الرجل. ــ قال ابن الخباز: واعلم أن ذكر أحكام الوقف في أوائل كتب النحو مستهجن, لأن أوائلها مبنية على مقدمات الإعراب, ثم إن سيبويه الذي لم يرتب النحو ذكر الوقف في الأواخر مجاورًا للتصريف, فما ظنك بمن رتب. وإنما جيء بالوقف في الكلام لراحة المتكلم, وحذف التنوين من الموقوف عليه, لأنه لو أثبت لالتبس بالنون الأصيلة, هذا قول سيبويه. وحذف الحركة, لأن السكون أشد تحصيلًا لراحة المتكلم, وإنما ابتدأوا بالمتحرك, لأن المبتدأ بالحرف لا يأتي قبله بما يعتمد عليه ويبينه, فلو رام إسكانه لأخفاه عن السميع, والابتداء بالساكن متعذر, وقيل: إنه ممكن في اللغة الفارسية, واللغة الشائعة إسكان المرفوع والمجرور / في الوقف, لأنهم لو أبدلوا من تنوين المرفوع واواً لثقل عليهم, ولو أبدلوا من تنوين المجرور ياء لالتبس بالمضاف إلى ياء المتكلم, وإنما أبدلوا من تنوين المنصوب ألفًا, لأن الألف أخف من الواو والياء. وإنما كان غير المنون ساكنًا في الأحوال الثلاث, لأنه ليس ثم تنوين فيبدل منه. ومثل: بعمر والرجل, لأن عمر غير منصرف, والرجل لا يدخله التنوين من أجل لام التعريف. وقوله: (كان الوقف عليه ساكنًا) ساكن فيه حال من الهاء, ولا يكون خبر كان, لأن الوقف ليس بتساكن, إنما الساكن الموقوف عليه.

стр. 69

باب: (إعراب الاسم المعتل) قال ابن جني: وهو على ضربين: منقوص, ومقصور. فالمنقوص: كل اسم وقعت في آخره / ياء قبلها كسرة نحو: القاضي والداعي, فهذه الياء لا تدخلها ضمة ولا كسرة وإن لقيها ساكن بعدها حذفت لالتقاء الساكنين, تقول في الرفع: هذا قاضٍ يا فتى, وفي الجر: مررت بقاض يا فتى, وكان الأصل فيه: هذا قاضي, ومررت بقاضي, فأسكنت الياء استثقالًا للضمة والكسرة عليها. وكان التنوين بعدها ساكنًا فحذفت الياء لالتقاء الساكنين, وبقيت الكسرة قبلها تدل عليها, فإن نصبت المنقوص جرى مجرى الصحيح لخفة الفتحة تقول في النصب: رأيت قاضيًا يا فتى, ففتحة الياء علامة النصب. ــ (باب إعراب الاسم المعتل) قال ابن الخباز: انقسام المعتل إلى المنقوص والمقصور, لأن أخر الاسم إن كان ألفًا فهو مقصور. وإن كان واواً أو ياء فإن كان قبلهما ساكن كدلو وظبي فهو في حكم الصحيح, وسيأتي ذكره بتوفيق الله تعالى. وإن كان قبلهما فتحة انقلبتا ألفا نحو عصا ورحا, وهو مقصور. وإن كان قبلهما كسرة انقلبت الواو ياء وسلمت الياء نحو: الداعي والقاضي, وذلك منقوص. وإن قبلهما ضمة أبدلت من الضمة كسرة ومن الواو ياءً وسلمت الياء, وذلك نحو قولك في جمع جرو وظبي: «أجر وأظب» وأصلهما أجرو وأظبي, فأبدلت من ضمة الراء والباء كسرة, فانقلبت الواو بعد الراء ياءً, وسلمت الياء بعد الباء فصارا: أجريا وأظبيا وهو منقوص. قال مالك الخناعي: ٩ - ليث هزير مدل عند خيسته ... بالرقمتين له أجر وأعراس =

стр. 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال الكميت: ١٠ - والأظبي البارحات هل كان ... للأقرن منها أم لم يكن عضب (فالمنقوص كل اسم) إنما بدأ بالمنقوص لأنه يحتمل حركات الإعراب / إلا أن الضمة والكسرة تركتا للاستثقال. وقوله: (كل اسم) احترازًا من الفعل, لأن نحو: يقضي, لا يسمى منقوصاً. وقوله: (قبلها كسرة) احتراز من الياء التي هي قبلها ساكن نحو: ظبي, وإنما سمي منقوصًا لأمرين: أحدهما: أن الحذف يلحق آخره نحو: قاض فجرى مجرى يد ودم, وذلك منقوص بحذف لامه. والثاني: أنه نقص حركتي الرفع والجر, لأن الضمة والكسرة لا تدخلانه ومثل بالداعي والقاضي, لأن ياء «الداعي» منقلبة عن الواو, لأنه من دعوت, وياء «القاضي» أصل, لأنه من قضيت. ولا يخلو المنقوص من أن يكون منونا أو غير منون. وبدأ بالمنون لأنه نكرة, والنقص معه أكثر تبيينًا لما فيه من حذف حركة الإعراب وحرف الإعراب تقول في الرفع: «هذا قاض يا فتى» وفي الجر: مررت بقاضٍ يا فتى. وكان الأصل فيه: هذا قاضي, ومررت بقاضي, بإثبات الياء فيهما كما تقول: هذا ضارب, ومررت بضارب, فأسكنت الياء استثقالًا للضمة والكسرة عليها. وإنما استثقلت الضمة والكسرة على الياء, لأن الحركات مجانسة لحروف العلة, لأن الفتحة والألف من مخرج [والكسرة والياء من مخرج] والضمة والواو من مخرج, والألف بمنزلة فتحتين, والياء بمنزلة كسرتين, والواو بمنزلة ضمتين, فلو ضممت ياء المنقوص لكنت جامعًا بين ثلاث كسرات وضمة, ولو كسرتها لكنت جامعًا بين أربع كسرت, فلما أسكنت حذفت. وكانت أولى بالحذف من التنوين لوجهتين: أحدهما: أن قبلها كسرة تدل عليها. والثاني: أن =

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = التنوين يدل على الخفة والمكانة فكان أولى بالبقاء. ويجري المنقوص في النصب مجرى الصحيح كقولك: رأيت قاضيًا, لأن ١٠/أالفتحة أخف من أختيها, ويجوز للشاعر ضم المنقوص / في حالة الرفع وكسرة في حالة الجر للضرورة, قال الشاعر: ١١ - نراه وقد فات الرماه كأنه ... أمام الكلاب مصغي الحد أصلم وقال في الجر: ١٢ - لا بارك الله في الغواني ... هل يصحبن إلا لهن مطلب ويجوز له إسكان المنصوب, وعن المبرد أنه من أحسن الضرورات. قال الشاعر. ١٣ - فسكون غاري جنبه فتركته ... جذلان جاد قميصه ورداؤه

стр. 72

قال ابن جني: فإن وقفت على المرفوع والمجرور من هذا الباب حذفت الياء, ووقفت على ما قبلها ساكنًا تقول في الوقف: هذا قاض, ومررت بالقاضي. ويجوز أن تقف بالياء فتقول: هذا قاضي ومررت بقاضي, وتقول في النصب: رأيت قاضيًا نقف بالألف, كما تقول: رأيت زيدًا, فإن زال التنوين عن هذه الأسماء بالألف واللام أو الإضافة كانت الياء ساكنة في الرفع والجر, ومفتوحة في النصب, تقول في الرفع: هذا القاضي, وهذا قاضيك, وفي الجر: مررت بالقاضي, ومررت بقاضيك, وكان الأصل فيه: هذا القاضي, ومررت / بالقاضي, وهذا قاضيك, ومررت بقاضيك فأسكنت ٤/ب الياء استثقالا للضمة والكسرة عليها, وبقيت ساكنة وتقول في النصب: رأيت القاضي, ورأيت قاضيك ففتحة الياء علامة النصب. ــ قال ابن الخباز: فإذا وقفت على المنقوص مرفوعًا أو مجرورًا للعرب فيه مذهبان: الأول: - وهو أكثر وأقيس واختيار سيبويه حذف الياء كقولك: هذا قاض ومررت بقاض, وإياه روى أكثر القراء, وحجته أن الوقف موضع حذف, والوصل موضع إثبات, فإذا حذفت الياء في الأول فالأولى أن تحذف في الوقف. والثاني وهو اختيار يونس: أن تثبت الياء. كقولك: هذا قاضي, ومررت بقاضي, وبه قرئ في إحدى الروايتين عن ابن كثير ﴿وما عند الله خير وأبقى﴾ وحجته: أن الياء حذفت في الوصل لملاقاتها التنوين, وقد زال في الوقف فعادت. وتقول في النصب: رأيت قاضيًا فتبدل من تنوينه ألفًا كما تقول رأيت زيدًا, لأنه يجري في الوصل مجرى الصحيح فجرى في الوقف مجراه. وإنما قال: (عن هذه الأسماء) ولم يذكر إلا اسمًا واحدًا مكررًا وهو «القاضي» , =

стр. 73

قال ابن جني: فإذا وقفت على ما لا تنوين فيه وقفت بالياء ساكنة, تقول في الوقف: هذا القاضي, ومررت بالقاضي, ويجوز أن تقف بلا ياء فتقول: هذا القاض, ومررت بالقاض, وتقول في النصب: رأيت القاضي, تقف بالياء لا غير. ــ = لأن حكم الواحد من المنقوص كحكم جميعه فذكر بعضه كذكر كله. وإذا قلت: هذا القاضي, ومررت بالقاضي, فالأصل ضم الياء وكسرها, فزالت الحركتان ١٠/ب لاستثقالهما, وبقيت الياء ساكنة, لأنه لا موجب لحذفها وقد تحذف / في الشعر ضرورة. أنشد سيبويه للأعشى: ١٤ - وأخو الغوان متى يشأ يصرمنه ... ويصرن أعداء بعيد وداد وأنشد لخفاف: ١٥ - كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الأثمد وتقول: رأيت القاضي, ورأيت قاضيك, فتفتح الياء لخفة الفتحة. ولا يجوز حذفها في حال, لتحركها في الوصل فهي كالحرف الصحيح. قال ابن الخباز: وإذا وقفت على غير المنون مرفوعًا ومجرورًا فللعرب فيه مذهبان: أحدهما: وهو الأكثر إثبات الياء كقولك: (هذا القاضي, ومررت بالقاضي) لأن الياء حرف إعراب ثبت في الوصل فثبت في الوقف كالدال من زيد. والثاني: وهو قلل: حذف الياء, لأنهم قصدوا الفرق بين الوصل والوقف, وكان الوقف أولى بالحذف, لأنه من مواضع التغيير, وتقول في النصب: (رأيت القاضي) تقف بالياء لا غير, لأن الياء متحركة في الوصل فسكونها في الوقف يفرق بينهما وقد تحصنت بالحركة فلم تحذف القسم الثاني: المقصور وسمي بذلك لوجهين: أحدهما: أن إعرابه مقدر في =

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = آخره لا يظهر, فهو كالمحبوس فيه, ومعنى القصر الحبس. والثاني: أنه قصر عن غاية الممدود, لأنه بناءه أطول من بنائه, وسيبويه يسميه المنقوص. وإنما قال: (كل اسم وقعت في آخره ألف مفردة) احترازًا من نحو: حمراء وصحراء فإن في آخره ألفين قلبت الثانية منهما همزة. وقوله: (لا يدخله شيء من الإعراب) أي: الإعراب اللفظي, وإنما لم تقبل الألف الحركات, لأنها حرف هوائي يخرج من أقصى الحلق يتسع له الحلق / والفم ١١/أأشد من اتساعهما مع غيره, فلو حرك لقطعت الحركة امتداده, والامتداد طبيعة فيه فلا سبيل إلى الحركة.

стр. 75

قال ابن جني: وأما المقصور فكل اسم وقعت في آخره ألف مفردة نحو عصا ورحا, والمقصور كله لا يدخله شيء من الإعراب, لأن في آخره ألفًا, والألف لا تكون إلا ساكنة, تقول في الرفع: هذه عصا يا فتى, وفي النصب: رأيت عصا يا فتى. وفي الجر: مررت بعصا يا فتى, كله بلفظ واحد, وسقطت الألف من اللفظ لسكونها وسكون التنوين بعدها, وبقيت الفتحة قبلها تدل على الألف المحذوفة. فإن وقفت على المرفوع من هذا أو المجرور حذفت التنوين كما فعلت في الصحيح, ووقفت على الألف التي هي حرف الإعراب, تقول في الوقف: ١١/ب هذه عصا, ومررت بعصا, فإن وقفت على المنصوب المنون /: أبدلت من تنوينه ألفا. وحذفت الألف الأولى التي هي حرف الإعراب لسكونها وسكون الألف التي هي عوض من التنوين بعدها, تقول في الوقف: رأيت عصا, فإن لم يكن المقصور منونًا كانت ألفه ثابتة على كل حال ما لم يلقها ساكن من كلمة بعدها تقول: هذه حبلى, ورأيت حبلى, ومررت بحبلى. ــ قال ابن الخباز: والمقصور قسمان: منون, وغير منون كالمنقوص, فالمنون: تحذف ألفه لالتقاء الساكنين تقولك «هذه عصا يا فتى» , «ورأيت عصا يا فتى» , «ومررت بعصا يا فتى» والتنوين بعد الصاد في اللفظ وبعد الألف في التقدير, لأن التنوين لحق الاسم بعد آخره والوجهان اللذان ذكرناهما في اختصاص ياء المنقوص بالحذف مطردان في اختصاص الألف بالحذف دون التنوينز وإذا وقفت على المقصور المرفوع أو المجرور أو المنصوب في حال تنوينه كقولك: «هذه عصا» «ورأيت عصا ومررت بعصا» ففية للنحويين ثلاثة أقوال: أحدها: وهو قول سيبويه: وهو أنك تجري المعتل مجرى الصحيح. ومعنى ذلك أن الوقف على الصحيح في حالتي الرفع والجر على حرف الإعراب, وفي النصب على الألف التي هي يدل من التنوين كقولك: هذا زيد, ومررت بزيد, ورأيت زيدًا. فإذا قلت: هذه عصا, ومررت بعصا حكمت بأن الألف حرف الإعراب, وهي =
следующие страницы →