Полный текст (607 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= التنوين يدل على الخفة والمكانة فكان أولى بالبقاء.
ويجري المنقوص في النصب مجرى الصحيح كقولك: رأيت قاضيًا, لأن ١٠/أالفتحة أخف من أختيها, ويجوز للشاعر ضم المنقوص / في حالة الرفع وكسرة في حالة الجر للضرورة, قال الشاعر:
١١ - نراه وقد فات الرماه كأنه ... أمام الكلاب مصغي الحد أصلم
وقال في الجر:
١٢ - لا بارك الله في الغواني ... هل يصحبن إلا لهن مطلب
ويجوز له إسكان المنصوب, وعن المبرد أنه من أحسن الضرورات. قال الشاعر.
١٣ - فسكون غاري جنبه فتركته ... جذلان جاد قميصه ورداؤه
стр. 72
قال ابن جني: فإن وقفت على المرفوع والمجرور من هذا الباب حذفت الياء, ووقفت على ما قبلها ساكنًا تقول في الوقف: هذا قاض, ومررت بالقاضي. ويجوز أن تقف بالياء فتقول: هذا قاضي ومررت بقاضي, وتقول في النصب: رأيت قاضيًا نقف بالألف, كما تقول: رأيت زيدًا, فإن زال التنوين عن هذه الأسماء بالألف واللام أو الإضافة كانت الياء ساكنة في الرفع والجر, ومفتوحة في النصب, تقول في الرفع: هذا القاضي, وهذا قاضيك, وفي الجر: مررت بالقاضي, ومررت بقاضيك, وكان الأصل فيه: هذا القاضي, ومررت / بالقاضي, وهذا قاضيك, ومررت بقاضيك فأسكنت ٤/ب الياء استثقالا للضمة والكسرة عليها, وبقيت ساكنة وتقول في النصب: رأيت القاضي, ورأيت قاضيك ففتحة الياء علامة النصب.
ــ
قال ابن الخباز: فإذا وقفت على المنقوص مرفوعًا أو مجرورًا للعرب فيه مذهبان: الأول: - وهو أكثر وأقيس واختيار سيبويه حذف الياء كقولك: هذا قاض ومررت بقاض, وإياه روى أكثر القراء, وحجته أن الوقف موضع حذف, والوصل موضع إثبات, فإذا حذفت الياء في الأول فالأولى أن تحذف في الوقف. والثاني وهو اختيار يونس: أن تثبت الياء. كقولك: هذا قاضي, ومررت بقاضي, وبه قرئ في إحدى الروايتين عن ابن كثير ﴿وما عند الله خير وأبقى﴾ وحجته: أن الياء حذفت في الوصل لملاقاتها التنوين, وقد زال في الوقف فعادت. وتقول في النصب: رأيت قاضيًا فتبدل من تنوينه ألفًا كما تقول رأيت زيدًا, لأنه يجري في الوصل مجرى الصحيح فجرى في الوقف مجراه.
وإنما قال: (عن هذه الأسماء) ولم يذكر إلا اسمًا واحدًا مكررًا وهو «القاضي» , =
стр. 73
قال ابن جني: فإذا وقفت على ما لا تنوين فيه وقفت بالياء ساكنة, تقول في الوقف: هذا القاضي, ومررت بالقاضي, ويجوز أن تقف بلا ياء فتقول: هذا القاض, ومررت بالقاض, وتقول في النصب: رأيت القاضي, تقف بالياء لا غير.
ــ
= لأن حكم الواحد من المنقوص كحكم جميعه فذكر بعضه كذكر كله. وإذا قلت: هذا القاضي, ومررت بالقاضي, فالأصل ضم الياء وكسرها, فزالت الحركتان ١٠/ب لاستثقالهما, وبقيت الياء ساكنة, لأنه لا موجب لحذفها وقد تحذف / في الشعر ضرورة. أنشد سيبويه للأعشى:
١٤ - وأخو الغوان متى يشأ يصرمنه ... ويصرن أعداء بعيد وداد
وأنشد لخفاف:
١٥ - كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الأثمد
وتقول: رأيت القاضي, ورأيت قاضيك, فتفتح الياء لخفة الفتحة. ولا يجوز حذفها في حال, لتحركها في الوصل فهي كالحرف الصحيح.
قال ابن الخباز: وإذا وقفت على غير المنون مرفوعًا ومجرورًا فللعرب فيه مذهبان: أحدهما: وهو الأكثر إثبات الياء كقولك: (هذا القاضي, ومررت بالقاضي) لأن الياء حرف إعراب ثبت في الوصل فثبت في الوقف كالدال من زيد. والثاني: وهو قلل: حذف الياء, لأنهم قصدوا الفرق بين الوصل والوقف, وكان الوقف أولى بالحذف, لأنه من مواضع التغيير, وتقول في النصب: (رأيت القاضي) تقف بالياء لا غير, لأن الياء متحركة في الوصل فسكونها في الوقف يفرق بينهما وقد تحصنت بالحركة فلم تحذف
القسم الثاني: المقصور وسمي بذلك لوجهين: أحدهما: أن إعرابه مقدر في =
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= آخره لا يظهر, فهو كالمحبوس فيه, ومعنى القصر الحبس. والثاني: أنه قصر عن غاية الممدود, لأنه بناءه أطول من بنائه, وسيبويه يسميه المنقوص.
وإنما قال: (كل اسم وقعت في آخره ألف مفردة) احترازًا من نحو: حمراء وصحراء فإن في آخره ألفين قلبت الثانية منهما همزة.
وقوله: (لا يدخله شيء من الإعراب) أي: الإعراب اللفظي, وإنما لم تقبل الألف الحركات, لأنها حرف هوائي يخرج من أقصى الحلق يتسع له الحلق / والفم ١١/أأشد من اتساعهما مع غيره, فلو حرك لقطعت الحركة امتداده, والامتداد طبيعة فيه فلا سبيل إلى الحركة.
стр. 75
قال ابن جني: وأما المقصور فكل اسم وقعت في آخره ألف مفردة نحو عصا ورحا, والمقصور كله لا يدخله شيء من الإعراب, لأن في آخره ألفًا, والألف لا تكون إلا ساكنة, تقول في الرفع: هذه عصا يا فتى, وفي النصب: رأيت عصا يا فتى. وفي الجر: مررت بعصا يا فتى, كله بلفظ واحد, وسقطت الألف من اللفظ لسكونها وسكون التنوين بعدها, وبقيت الفتحة قبلها تدل على الألف المحذوفة.
فإن وقفت على المرفوع من هذا أو المجرور حذفت التنوين كما فعلت في الصحيح, ووقفت على الألف التي هي حرف الإعراب, تقول في الوقف: ١١/ب هذه عصا, ومررت بعصا, فإن وقفت على المنصوب المنون /: أبدلت من تنوينه ألفا. وحذفت الألف الأولى التي هي حرف الإعراب لسكونها وسكون الألف التي هي عوض من التنوين بعدها, تقول في الوقف: رأيت عصا, فإن لم يكن المقصور منونًا كانت ألفه ثابتة على كل حال ما لم يلقها ساكن من كلمة بعدها تقول: هذه حبلى, ورأيت حبلى, ومررت بحبلى.
ــ
قال ابن الخباز: والمقصور قسمان: منون, وغير منون كالمنقوص, فالمنون: تحذف ألفه لالتقاء الساكنين تقولك «هذه عصا يا فتى» , «ورأيت عصا يا فتى» , «ومررت بعصا يا فتى» والتنوين بعد الصاد في اللفظ وبعد الألف في التقدير, لأن التنوين لحق الاسم بعد آخره والوجهان اللذان ذكرناهما في اختصاص ياء المنقوص بالحذف مطردان في اختصاص الألف بالحذف دون التنوينز
وإذا وقفت على المقصور المرفوع أو المجرور أو المنصوب في حال تنوينه كقولك: «هذه عصا» «ورأيت عصا ومررت بعصا» ففية للنحويين ثلاثة أقوال: أحدها: وهو قول سيبويه: وهو أنك تجري المعتل مجرى الصحيح. ومعنى ذلك أن الوقف على الصحيح في حالتي الرفع والجر على حرف الإعراب, وفي النصب على الألف التي هي يدل من التنوين كقولك: هذا زيد, ومررت بزيد, ورأيت زيدًا.
فإذا قلت: هذه عصا, ومررت بعصا حكمت بأن الألف حرف الإعراب, وهي =
стр. 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= التي حذفت لملاقاة التنوين, فلما زال عادت. وإذا قلت: رأيت عصا حكمت بأن الألف يدل من التنوين لاقت الألف التي [هي] حرف الإعراب فحذفت أولاهما. وبقيت التي هي بدل.
والقول الثاني قول أبي عثمان المازني: وهو أن الألف في الأحوال الثلاث بدل من التنوين, لأن قبل التنوين فتحة في كل حال فأبدل منه الألف. والقول الثالث قول أبي سعيد السيرافي: وهو أن الألف في الأحوال الثلاث / حرف ١٢/ب إعرابه, وحجته: أن القراء أمالوها في النصب كوله تعالى: ﴿أو أجد على النار هدى﴾ فلو كانت بدلا من التنوين لم تمل.
وإذا كان المقصور غير منون ثبتت ألفه في الوصل, لأنه لا موجب لحذفها كقوله تعالى: ﴿هدى وبشرى للمؤمنين﴾ , ﴿يبشرك بيحيى مصدقا﴾ فإذا وقفت فالألف في الوقف هي التي كانت في الوصل, لأنه ليس ثم تنوين تبدل منه, ومن العرب من يبدلها ياء فيقول: هذه حبلي. قال الراجز:
١٦ - تبشري بالريف والماء الروي ... وفرج منك قريبًا قد أتى
وإنما قصد بالإبدال البيان, لأن الياء أظهر من الألف.
وإذا لقى ألف المقصور غير المنون ساكن من كلمة أخرى حذفت لالتقاء الساكنين كقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر﴾ وقوله: ﴿بخالصة ذكرى الدار﴾.
стр. 77
قال ابن جني: وأما الممدود فكل اسم وقعت في آخره همزة قبلها ألف نحو: كساء ورداء, والإعراب جار عليه تقول: هذا كساء ورداء, ورأيت كساء ورداء, ومررت بكساء ورداء. والمهموز كله يجري عليه ما يجري على الصحيح تقول: هذا قارئ ومنشئ ومبتدئ. ورأيت قارئًا ومنشئًا ومبتدئًا, ومررت بقارئ ومنشئ ومبتدئ, وإذا أسكن ما قبل الياء جرت مجرى الصحيح, تقول: هذا ظبي ونحي, ورأيت ظبيًا ونحيًا, ومررت بظبي ونحي, وكذلك الياء المشددة, تقول: هذا صبي وكرسي, ورأيت صبيًا وكرسيًا, ومررت بصبي وكرسي.
ــ
قال ابن الخباز: والممدود والمهموز وما آخره ياء قبلاه ساكن أو آخره ياء مشددة ليس بمنقوص, ولا مقصور, وإنما ذكره في الباب, لأنه يشبه المعتل, فالممدود: ما كان آخره همزة قبلها ألف نحو: كساء ورداء, وشبهه بالمعتل أن همزته منقلبة عن واو أو ياء, فأصل كساء كساو, لأنه من الكسوة. وأصل رداء رداي من الردية, والإعراب جار عليه, لأن الهمزة حرف صحيح تقول: هذا كساء, ورأيت كساء, ومررت بكساء.
ولم يذكر أبو الفتح الوقف عليه, ونحن نذكره فنقول: إذا وقفت عليه في حال الرفع والجر أسكنت فقلت: هذا كساء ومررت بكساء, وفي بيان الهمزة للسامع عسر لبعد مخرجها, وتبدل من التنوين في النصب ألفًا كقولك: لبست رداءًا, وقال بعض العرب: «شربت مايا» فأبدل من الهمزة ياء لوقوعها بين ألفين وهذا قليل وإذا كان غير منون فهو ساكن في الأحوال الثلاث. تقول: رأيت الكساء فتسكن, لأنه لا تنوين.
والمهموز ما آخره, همزة, وهو أربعة أقسام: الأول: ما قبل همزته حرف ساكن كدفء وجزءٍ خبء وهذا في الوقف والوصل كالصحيح تقول في الوصل هذا دفء, ورأيت دفأ ومررت بدفء, وتقول في الوقف: هذا دفء, ومررت بدفء, ورأيت دفأ. الثاني: ما قبل همزته فتحة كرشأ =
стр. 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وفرأ فهذا كالصحيح في الحالين أيضًا تقول: هذا رشأ, ورأيت رشأ, ومررت برشأ, وهذا رشأ, ومررت برشأ, ورأيت رشأ, ومثل رشع, ولك أن تقف عليه في حالتي الرفع والجر بالألف أو الهمزة, فالألف لغة أهل الحجاز, والهمزة لغة بني تميم. الثالث: ما آخره همزة قبلها كسرة: فهذا كالصحيح في الحالين أيضًا, تقول: هذا قارئ, ورأيت قارئًا ومررت بقارئ, وهذا قارئ ومررت بقارئ, ورأيت قارئًا, مثل قارعًا, ولك أن تقف عليه في الأحوال الثلاثة بالياء وبالهمزة, فالياء حجازية والهمزة تميمية.
الرابع: ما آخره همزة قبلها ضمة: كأكمؤ, فهذا كالصحيح في الحالين أيضًا تقول: هذه أكمؤ, ورأيت أكمؤا, ومررت بأكمؤ, وهذه أكمؤ, ومررت بأكمؤ, ورأيت أكمؤا, مثل أكمعا, ولك الوقف عليه في الأحوال الثلاث بالواو وبالهمزة كما ذكرنا في الياء, وشبه المهموز بالمعتل أن همزته عرضة للحذف والإبدال, وقد بان ذلك في تضاعيف كلامنا.
وما آخره حرف علة قبله ساكن فلا يخلو الساكن من أن يكون مثلًا أو غير مثل والآخر لا يخلو من أن يكون واواً أو ياءً, فحصل من ذلك أربعة / أمثلة: ياء قبلها ١٢/ب ساكن غير مثل نحو: ظبي ونحي, والنحى: زق السمن, وياء قبلها ساكن مثل نحو: صبي وكرسي, وواو قبله ساكن هو مثل نحو: عدو ومغزو, فهذا كله تجري عليه حركات الإعراب تقول: هذا دلو وظبي وعدو وصبي, ورأيت دلوًا وظبيًا وعدوًا وصبيًا, ومررت بدلو وظبي وعدو وصبي. وإنما جرت عليه الحركات, لأن ما قبل آخره ساكن فلم يستثقل جريها لضعف ما قبله بالسكون, وليس كذلك القاضي.
стр. 79
قال ابن جني: واعلم أن في الأسماء الآحاد ستة أسماء تكون في الرفع بالواو, وفي النصب بالألف, وفي الجر بالياء, وهي: أبوك, وأخوك, وحموك, ٥/ب وهنوك / وفوك وذو مالٍ, تقول في الرفع: هذا أبوك وأخوك وحموك وهنوك وفوك وذو مال, وفي النصب: رأيت أباك وأخاك وحماك وهناك وفاك وذا مال. وفي الجر: مررت بأبيك وأخيك وحميك وهنيك وفيك وذي مال. فالواو حرف الإعراب, وهي علامة الرفع, والألف حرف الإعراب وهي علامة النصب, والياء حرف الإعراب وهي علامة الجر.
ــ
قال ابن الخباز: وأما الأسماء الستة التي هي: أبوك, وأخوك, وحموك, وهنوك, وفوك, وذو مالك فرفعها بالواو, ونصبها بالألف, وجرها بالياء, وذلك منوط بشرطين: أحدهما: أن تكون مضافة إلى غير ياء المتكلم. والثاني: أن تكون مكبرة تقول: جاءني أبوك, ورأيت أباك, ومررت بأبيك, وكذلك سائرها.
وإنما أعربت بالحروف, لأنها أشبهت المثنى والمجموع, وذلك أن منها ما يلزم الإضافة وهو فوك وذو مال, ومنه ما تغلب عليه الإضافة وهو باقيها, والإضافة فرع على الإفراد كما أن التثنية والجمع فرعان عليه.
وإنما أعربت بحروف العلة, لأنها مشابهة الحركات, وقد ذكرناه, فالواو كالضمة, والألف كالفتحة, والياء كالكسرة, واختلفوا في هذه الحروف ما هي؟ وجملة الأقوال في ذلك ثمانية, ولولا أني ضمنت الاختصار لذكرتها, والذي يليق بهذا الكتاب ذكر قول ابن جني وبه قال أبو علي وكان ابن جني من أصحابه, قالوا: إذا قلت: جاءني أبوك فالواو بمنزلة الدال والضمة في قولك: جاءني زيد, فالواو ٥/أحرف الإعراب وعلامة الإعراب, وكذلك الألف / في قولك: رأيت أباك بمنزلة الدال والفتحة في قولك: رأيت زيدًا. والياء في قولك: مررت بأبيك بمنزلة الدال والكسرة في قولك: مررت بزيد, وإنما حكموا بذلك, لأن حروف العلة لو سقطت لاختلفت معاني هذه الأسماء فهي كحروف الإعراب, وتوجد بوجود العامل وتزول بزواله فهي كعلاماته, فهذا معنى قوله: (فالواو حرف الإعراب وهي علامة الرفع) ولا خفاء في مشابهة باب «ظبي وصبي» والأسماء الستة للمعتلات, لأن آخرها حرف علة.
стр. 80
باب: (التثنية)
قال ابن جني: اعلم أن التثنية للأسماء دون الأفعال والحروف, فإذا ثنيت الاسم المرفوع زدت في آخره ألفًا ونونًا تقول في الرفع: قام الزيدان والعمران, فالألف حرف الإعراب, وهي علامة التثنية وعلامة الرفع, ودخلت النون عوضًا مما منع الاسم من الحركة والتنوين, وكسرت لسكونها وسكون الألف قبلها, فإن جررت أو نصبت جعلت مكان الألف ياء مفتوحًا ما قبلها تقول: مررت بالزيدين, وضربت الزيدين, فالياء حرف الإعراب, وهي علامة التثنية, وعلامة الجر والنصب, والنون مكسورة بحالها في الرفع, والمؤنث كالمذكر في التثنية تقول: / قامت الهندان, ومررت بالهندين, وضربت ١٣/ب الهندين, فإن أضفت المثنى أسقطت نونه للإضافة تقول: قام غلامًا زيد, ورأيت غلامي زيد, ومررت بغلامي زيد, وكان الأصل غلامان وغلامين, فسقطت النون للإضافة.
ــ
(باب التثنية)
قال ابن الخباز: إنما جيء بها في الكلام للإيجاز والاختصار, لأن قولك: زيدان, يغني عن زيد وزيد. وإنما اختصت بالأسماء, لأنها محتاجة إلى التثنية, لأن رجلًا ونحوه لا يدل على غير الواحد, فإذا أردنا الدلالة على اثنين قلنا: رجلان. وإنما لم تثن الأفعال, لأن حق المثنى أن يدل على شيئين, ولو ثني الفعل لدل على أربعة أشياء: حدثين وزمانين.
ولم تثن الحروف, لأن التثنية ضرب من التصريف, والحروف جوامد لا تصرف, وإنما كانت علامات التثنية من حروف العلة, لأنها أولى الحروف العشرة بالزيادة. وخصوا التثنية بالألف, لأنها تكون ضمير الاثنين في قولك: «ضربا» وخصوها بالرفع, لأن حق التثنية أن تكون في الرفع بالواو, فطرحوا الواو لثقلها ولم يجيئوا بالياء, لأنها ياء الجر, فلم يبق [إلا] الألف, جروا التثنية بالياء, لأن =
стр. 81
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الياء أخت الكسرة التي هي علامة الجر في الواحد وفتحوا ما قبلها تشبيهًا بالألف, لأنها أفادت التثنية مثلها, وحملوا النصب على الجر, لأنهما مشتركان في وقوعهما ١٣/أفضلتين / وبين النحويين خلاف في حروف العلة في التثنية والجمع, ومذهب ابن جني فيها كمذهبه في الأسماء الستة, فإذا قلت: قام الزيدان فالألف حرف الإعراب وعلامة التثنية وعلامة الرفع. وإذا قلت: مررت بالزيدين فالياء حرف الإعراب وعلامة التثنية وعلامة الجر. وإذا قلت: رأيت الزيدين فالياء حرف الإعراب, وعلامة التثنية وعلامة النصب, وذلك معلل بما ذكرنا في الأسماء الستة. وبين النحويين خلاف في العلة التي زيدت من أجلها النون, ومذهب ابن جني وهو مذهب سيبويه: أنها زيدت عوضًا من الحركة والتنوين اللذين كانا في المفرد, لأن المفرد يستحق الحركة للإعراب, والتنوين, لأنه منصرف في الأصل, والألف والياء في التثنية يمنعان لحاقهما فعوض النون, وتحريكها لالتقاء الساكنين, وكسرها على أصله, وهذه النون تثبت مع الألف واللام ثبوت الحركة كقولك: الزيدان, وتسقط مع الإضافة سقوط التنوين كقولك: غلامي زيد, ولهذا حكم بأنها عوض منها, وإنما استوى المذكر والمؤنث في التثنية كالزيدين والهندين, لأن عدد التثنية لا يختلف, لأنها ضم مفرد إلى مثله.
ولا يخلو المؤنث من أن يكون بعلامة أو بغير علامة, فذو العلامة مؤنث بالتاء أو الألف أو الهمزة, فالتاء ثبتت كقولك: تمرتان, وقالوا في خصية والية: خصيان وإليان وهو شاذ. والمؤنث بالألف ينقلب ألفه ياءً كقولك في حبلى: حبليان. والمؤنث بالهمزة تقلب همزته واوًا كقولك في صحراء: صحراوان. أما ثبوت التاء: فلأن المقصود تثنية المؤنث, وأما قلب الألف ياء: فلأن إقرارها غير ممكن, ١٤/ب فقلبت إلى / حرف يكون علامة للتأنيث. وأما قلب الهمزة واوًا: فإنا (لو) أثبتنا الهمزة لجمعنا بين الأمثال بإيقاعها بين ألفين أو بين ألف وياء, فأبدلنا منها حرفًا بعيدًا منهما وهو الواو, وإنما سقطت نون التثنية في الإضافة, لأنها زيادة تفصل المثنى عما بعده ولفظها لفظ التنوين.
стр. 82
باب: (ذكر الجمع)
قال ابن جني: اعلم أن الجمع للأسماء دون الأفعال والحروف, وهو على ضربين: جمع تصحيح, وجمع تكسير. فجمع التصحيح, ما سلم فيه نظم الواحد وبناؤه, وهو على ضربين: جمع تذكير, وجمع تأنيث.
ــ
= وللمثنى في الإضافة أربعة أحوال: الأولى: ثبوت ألفه إذا كان بعدها متحرك كقولك: قام غلاما زيد, الثانية: حذفها إذا كان بعدها ساكن كقولك: قام غلاما لأمير. الثالثة: إثبات الياء إذا كان بعدها متحرك كقولك: رأيت غلامي زيد. الرابعة: كسرها إذا لقيها ساكن كقوله تعالى: ﴿يصحبي السجن﴾ وتشديد الياء لحن.
(ذكر الجمع)
قال ابن الخباز: (الجمع): عبارة عن ضم مفرد إلى أكثر منه, وهو أولى بالمجيء في الكلام من التثنية, لأن عدته أكثر من عدتها فلو لم تجئ بصيغته لافتقرت إلى ذكره ثلاثة مرات وأكثر من ذلك, ألا ترى أنك لو قلت: قبضت دراهم, وكانت عشرة فلم تأت بصيغة الجمع احتجت إلى المفرد عشر مرات؟ .
وإنما اختص بالأسماء, لأنها محتاجة إليه, لأن الاسم المفرد لا يدل على أكثر من نفسه كرجل وفرس. ولم تجمع الأفعال, لأن فائدة الجمع التكثير, وذلك حاصل من الفعل تقول: قام زيد وإن كان قد قام ألف مرة. ولم تجمع الحروف, لأن الجمع ضرب من التصريف, والحروف لا تصرف, وإن شئت قلت: الحروف نائبة عن الأفعال, والأفعال لا تجمع فكذلك نائبها.
وانقسامه إلى جمع تصحيح, وجمع تكسير ضروري, لأن بناء الواحد ونظمه إن بقيا / في الجمع فهو التصحيح, وأن لم يبقيا فهو التكسير. ومعنى النظم: أن نظم ١٤/أجعفر: جيم وعين وفاء وراء, وبناؤه فعلل, فالجيم مفتوحة, والعين ساكنة, والفاء مفتوحة, والراء حرف إعراب لا عبرة بحركتها, فإذا قلت: جعفرون أو جعفرين, فالنظم والبناء باقيان, وإذا قلت: جعافر, فقد زال النظم لفصل الألف بين العين والفاء, وزال البناء, لأن العين صارت مفتوحة والفاء صارت مكسورة.
стр. 83
باب: (جمع التذكير)
قال ابن جني: وهو الذي يكون في الرفع بالواو والنون, وفي الجر والنصب بالياء والنون, وإنما يكون هذا الجمع للمذكرين ممن يعقل نحو: زيد وعمرو, تقول في الرفع: قام الزيدون والعمرون, فالواو حرف الإعراب, وهي علامة الجمع وعلامة الرفع, وفتحت النون لسكونها وسكون الواو قبلها, فإن جررت أو نصبت جعلت مكان الواو ياءً مكسورًا ما قبلها: تقول: مررت بالزيدين, وضربت الزيدين, فالياء حرف الإعراب, وهي علامة الجمع وعلامة الجر ٦/ ب والنصب, والنون مفتوحة بحالها في الرفع / فإن أضفت هذا الجمع أسقطت نونه للإضافة تقول: هؤلاء مشلمو زيد, ومررت بمشلمي زيد, ورأيت مشلمي زيد, وكان الأصل مسلمون ومسلمين فسقطت النون للإضافة.
ــ
= ولا يخلو جمع التصحيح من أن يكون مذكرًا أو مؤنثًا, وهذا الانقسام ضروري, ولتقسيمه إلى هذين فائدة, لأن حكمي المذكر والمؤنث في التصحيح مختلفان.
(باب جمع التذكير)
قال ابن الخباز: هذا الجمع معرب بالحروف بمنزلة التثنية, ويسمى ذا الهجائين, لأن هجاءه في الجر والنصب غير هجائه في الرفع, ألا ترى أن زيدين غير زيدون؟ . ولا يخلو الاسم المجموع هذا الجمع من أن يكون جامدًا أو مشتقًا, فإن كان جامدًا فله خمس شرائط: إحداها: أن يكون مذكرًا احترازًا من هند ونحوه. والثانية: أن يكون مذكرًا حقيقيًا احترازًا من حجر ونحوه. والثالثة: أن يكون علمًا احترازًا من رجل ونحوه. والرابعة: أن يكون من ذوي العلم احترازًا من «لاحق» وهو اسم فرس ونحوه. والخامسة: أن يكون خاليًا من هاء التأنيث احترازًا من طلحة ونحوه.
وإن كان مشتقًا فالشرائط معتبرة ما خلا العلية, ولم يأت في القرآن على كثرة الجموع فيه علم مجموع.
ولا يخلو هذا الجمع من أن يكون مرفوعًا, أو منصوبًا, أو مجرورًا, فإن كان مرفوعًا: ألحق الواو المضموم ما قبلها, أما إلحاق الواو, فلأنها أخت الضمة التي هي ٦/أرفع في الواحد. / وأما ضم ما قبلها, فليدلوا على امتزاج الجمع بالاسم. وإن كان =
стр. 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= مجرورًا: ألحق ياء مكسورًا ما قبلها, أما الياء, فلأنها أخت الكسرة التي هي جر في الواحد. وأما كسر ما قبلها, فللدلالة على شدة الامتزاج, وقيل: للفرق بين التثنية والجمع, وقد ذكرنا أولولية التثنية بالفتح فيما قبل الياء. وإن كان منصوبًا فعلامته الياء, لأنه لم يبق للنصب علامة فحمل على الجر, وكان حمله عليه أولى لاشتراكهما في وقوعهما فضلتين وتلحقه بعد الواو والياء نون مفتوحة, وهي عوض من الحركة والتنوين اللذين كانا في الواحد كما ذكرنا في التثنية, وتحريكها لالتقاء الساكنين, وفتحها لمعادلة اللفظ, لأن قبلها واو قبلها ضمة, وياء قبلها كسرة فلو كسرت لثقل اللفظ, وحكمهما في الثبوت مع الألف واللام والسقوط في الإضافة حكم نون التثنية.
وللواو والياء مع الإضافة أربع صور: الأولى: واو مضموم ما قبلها ثابتة كقولك: هؤلاء مسلمو زيد. الثانية: واو مضموم ما قبلها محذوفة كقولك: هؤلاء مسلموا الأمير. الثالثة: ياء مكسور ما قبلها ثابتة كقولك: مررت بمسلمي زيد. الرابعة: ياء مكسور ما قبلها محذوفة كقوله تعالى: ﴿والمقيمي الصلاة﴾ فإن قلت: «هؤلاء مسلمون زيدًا» نصبت, لأنه اسم فاعل ثبتت نونه, فأما ما أنشده أبو علي ﵀ من قول الشاعر:
١٧ - رب حى عرندس ذي طلال ... لا يزالون ضاربين القباب
فإنما جر القباب, لأنه جعل النون معتقب الإعراب, فلذلك أثبتها في الإضافة كما قالت المرأة:
стр. 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ... ١٨ - إن حري أضيق من تسعين
١٣/أ /فأما «غسلين وزيتون» فاسمان مفردان في آخرهما زيادتان وافقتا زيادتي (الإعراب) في الجمع, وكما لا يقال: إن سكران تثنية لموافقته لفظ «زيدان» كذلك لا يقال: إن غسلين «وزيتون جمع لموافقته لفظ زيدين وزيدون».
وإنما خص ذوو العلم بهذا الجمع, لأنهم مفضلون على سائر المخلوقات إلا الملائكة, فإنه قد اختلف في الأفضل منهم ومن البشر, قال الله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ فاحترموا اللفظ كما احترموا المعنى فصححوه, وقد جاء هذا الجمع في صفات القديم سبحانه: ﴿والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون﴾ وقوله تعالى: ﴿وإنا لنحن نحي ونميت ونحن الوارثون﴾ وهو قليل.
***
стр. 86
باب: (جمع التأنيث)
قال ابن جني: إذا جمعت الاسم المؤنث زدت في آخره ألفًا وتاء, وتكون التاء مضمومة في الرفع, ومكسورة في الجر والنصب, تقول في الرفع: هؤلاء الهندات, وفي الجر: مررت بالهندات, وفي النصب: رأيت الهندات, فالألف والتاء علامة الجمع والتأنيث, والتاء حرف الإعراب وضمتها علامة الرفع, وكسرتها علامة الجر والنصب.
فإن كان في الاسم المؤنث هاء التأنيث حذفتها في الجمع, تقول في جمع قائمة: قائمات, وفي جمع مسلمة: مسلمات, وكان الأصل قائمتات ومسلمتات فحذفت التاء الأولى: لئلا يجتمع في الاسم المؤنث علامتا تأنيث.
فإن كانت فيه ألف التأنيث المقصورة قلبت في الجمع ياء, تقول في جمع سعدى: سعديات, وفي جمع حبارى: حباريات, فإن كانت فيه ألف التأنيث الممدودة قلبت الهمزة في الجمع واواً تقول في جمع صحراء صحراوات / وفي جمع خنفساء: خفنساوات. ... ١٥/ب
ــ
(باب جمع التأنيث)
قال ابن الخباز: وإنما أخر ذكره, لأن المذكر هو الأصل والمؤنث فرع عليه, وافتقر إلى زيادتين, لأن الغرض الدلالة على الجمع والتأنيث, وهما فرعان, وكانت الزيادتان الألف والتاء دون غيرهما, لأنهما تكونان للتأنيث, وهما فرعان, وكانت الزيادتان الألف والتاء دون غيرهما, لأنهما تكونان للتأنيث في الواحد كحبلى وثمرة, وتكونان فيما يراد به الجمع «كالشقارى واللصيقي, والمروانية والزبيرية» وقدمت الألف على التاء, لأنه لو قدمت التاء وأخرت الألف لالتبس في نحو قولك: «مسلمتا زيد» بالمثنى المضاف. وإنما ضمت تاؤه في الرفع وكسرت في الجر, لأنها حرف صحيح يقبل الحركات فجرت عليه كالدال من «زيد» وإنما كسرت في النصب, لأن جمع التأنيث جمع تصحيح, فحمل نصبه على جره =
стр. 87
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= كما حمل نصب جمع التذكير على جره, فجرى الفرع مجرى الأصل, وقيل: لو ١٦/أأعرب جمع التأنيث بثلاث حركات لكان الفرع أوسع مجالًا من الأصل / وذلك كقولك: هؤلاء هندات, ومررت بهندات, ورأيت هندات.
واختلفوا في الألف والتاء وفي التنوين. أما الألف والتاء: فقيل: إنهما كلتاهما علامتان لمجموع الجمع والتأنيث, فأيتهما سقطت زال مجموع المعنيين, وهذا هو الصحيح, وقيل: إن الألف تدل على الجمع والتاء تدل على التأنيث, وقيل بالعكس. وأما التنوين: فقيل: إنه للخفة والمكانة كتنوين «رجل» , وقيل: إنه للمقابلة, وحقيقة ذلك أنه بإزاء النون في الزيدين والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم عرفات عرفات﴾ فإدخاله في المؤنث المعرفة يوجب أنه للمقابلة, ولو كان للصرف لم يدخل, وقيل فيه غير هذا.
ولا يخلو المجموع هذا الجمع من أن يكون مؤنثًا بعلامة أو بغير علامة. فالذي بغير العلامة: لا تصنع فيه شيئًا غير أن تزيد الألف والتاء وقد ذكر.
والمؤنث بالعلامة ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المؤنث بالتاء, كمسلمة وقائمة تقول في جمعه: مسلمات وقائمات, وكان أصله مسلمتات وقائمتات, وإنما حذفت إحدى التائين, لئلا يجتمع في الاسم الواحد علامتنا تأنيث, وإنما خصت الأولى بالحذف, لأن الثانية طارئة والطارئ يزيل حكم الثابت, وقيل: لأن التاء الثانية والألف تدلان على الجمع والتأنيث فلا تحذف.
القسم الثاني: المؤنث بالألف المقصورة, كحبلى وحبارى تقول في جمعه: حبليات وحباريات وإنما لم يحذفوا الألف لسكونها, لأنهم لو حذفوها لالتبس عليهم بناء الجميع ببناء الواحد فصار حبلات كبهماة وحبارات كشكاعاة, وإنما قلبوها حرف علة, لأن حروف العلة متجانسة فقلب بعضها إلى بعض كلا قلب, وإنما =
стр. 88
باب: (جمع التكسير)
قال ابن جني: وهو كل جمع تغير فيه نظم الواحد وبناؤه, وإعرابه جار على آخره كما يجري على الواحد. تقول: هذه دور وقصور, ورأيت دورًا وقصورًا, ومررت بدور وقصور.
ــ
= قلبوها ياء, لأن الياء علامة تأنيث في نحو: تفعلين, فقلبت / الألف إليها. ١٦/ب
القسم الثالث: المؤنث بالألف الممدودة, وذلك نحو: صحراء وخنفساء, تقول في جمعها: صحراوات وخنفساوات, وإنما لم يقولوا: صحراءات فيقروا الهمزة, لئلا تقع علامة التأنيث حشوا في الكلمة, وإنما قلبوها حرف علة, لأن حروف العلة تقلب إلى الهمزة كثيرًا, فقلوبها إليها معاوضة, وكانت الواو أولى بذلك, لأن الواو تقلب إلى الهمزة كثيرًا, وقيل: لو قلبوها ياء لاجتمع ألفان وياء فيكون كالجمع بين ثلاث ألفات.
قال جرير في جمع المقصور:
١٩ - إذا اجتمعوا على فحل عنهم ... وعن باز يصك جباريات
وقال الشاعر في جمع الممدود:
٢٠ - أتاني وعيد الحوفزان ودونه ... من الأرض صحراوات فلج وقورها
***
(باب جمع التكسير)
قال ابن الخباز: قوله: (هل كل جمع تغير فيه نظم الواحد وبناؤه) بناه على =
стр. 89
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الغالب. وهذا الجمع في تغير النظم والبناء على قسمين: قسم يتغير نظمه وبناؤه, كبيت وبنيوت. وقسم يتغير بناؤه دون نظمه, كسقف وسُقف.
وينقسم بعبرة أخرى إلى أربعة أقسام: قسم أكثر من الواحد كبيت وأبيات. وقسم أقل من الواحد كحمار وحمر, وقسم مثل الواحد في النظم لا في البناء كسقف وسقف, وقسم مثل الواحد نظمًا وبناءً في الظاهر لا في التقدير, وجاء ذلك في أربعة أسماء لا غير, قالوا في جمع فلك للسفينة, وهجان للناقة البيضاء, ودلاص للدرع البراقة, وشمال للخليقة: فلك وهجان ودلاص وشمال, والفرق بين المفرد والجمع حكمي لا لفظي ولا ينكر في العربية اتفاق الألفاظ واختلاف ١٧/أالتقديرات, ومن تتبع مسائل الأبنية في التصريف / وجد من ذلك شيئًا كثيرًا, ويسمى جمع التكسير العام, لأنه يكون في ذوي العلم وفي غيرهم. قال طرفة:
٢١ - رأيت سعودًا في شعوب كثيرة ... ولم أر مثل سعد بن مالك
وسمي بجمع التكسير تشبيهًا لتكسير الآنية: وهو عبارة عن إزالة التئام أجسامها بمصادمة جسم صلب, فكذلك هذا الجمع لما تغير نظمه وبناؤه انفصل بعض أجزائه من بعض.
وإنما أعرب إعراب المفرد لأن بناءه مخترع فجرى مجراه, وقيل: لأنه وارد على صيغة المفرد, فدور كقفل, وقصور كسدوس: وهو الطيلسان.
وحكمه حكم المفرد في انقسامه إلى الصحيح والمعتل والمنصرف وغير المنصرف, والمنقوص والمقصور والممدود والمهموز, ونحن نمثل ذلك ليستبين, فالصحيح المنصرف: كدور, وغير المنصرف: كمساجد, والمعتل المنقوص: كأيد, والمقصور: كخطا, والمقصور غير المنون: كجرحي, والممدود: كظباء, والمهموز: كأكمؤ, وذو الياء المشددة: كدلي. وقد ذكرنا أحكام هذه الأقسام وهذه مثلها.
стр. 90
باب: (الأفعال)
قال ابن جني: وهو ثلاثة أضرب تنقسم بأقسام الزمان: ماض, وحاضر, مستقبل. فالماضي: ما قرن به الماضي من الأزمنة نحو قولك: قام أمس وقعد أول من أمس, والحاضر: ما قرن به الحاضر من الأزمنة نحو قولك: هو يقرأ الآن, وهو يصلي الساعة. وهذا اللفظ قد يصلح أيضًا للمتسقبل مجازًا واتساعًا إلا أن الحال أولى به من الاستقبال تقول: هو يقرأ غدًا, ويصلي بعد غد, فإن أردت إخلاصه للمستقبل أدخلت في أوله السين أو سوف فقلت: سيقرأ غدًا, وسوف يصلي بعد غد.
والمستقبل: ما قرن به المستقبل من الأزمنة نحو قولك: سينطلق غدًا, وسوف يقوم غدًا, وكذلك جميع أفعال الأمر والنهي: قم غدًا ولا تقعد غدًا.
ــ
(باب الأفعال)
قال ابن الخباز: الأفعال مشتقة من المصادر, وفائدة الاشتقاق: الدلالة على اقتران الأحداث بالأزمنة المحصلة من ماض وحاضر ومستقبل. وانقسامها إلى ثلاثة أقسام ضروري, وذلك لأن الفعل لا يخلو من أن يكون زمان الإخبار به زمان وجوده أو غير زمان وجوده, فإن كان الأول: فهو الحال. وإن كان الثاني: فلا يخلو زمان وجوده من أن يكون وجوده مترقبًا أو متقضيا, فالأول /: المستقبل, ١٧/ب والثاني: الماضي. وهذا الحصر ضروري, لأنه دائر بين النفي والإثبات.
واختلف النحويون في الأصل من الأقسام الثلاثة, فقال قوم: الماضي هو الأصل, لأنه يكون مجردًا من الزيادة ثم تلحقه زيادات المضارعة, والأصل عدم الزيادة. وقال قوم: الأصل فعل الحال, لأنه موجود والماضي والمستقبل معدومان, ولا شبهة في أن الموجود أقوى من المعدوم. وقال قومك المستقبل هو الأصل, لأن العدات به تكون وهو يصير إلى الحال ثم إلى الماضي.
والماضي ثلاثة أقسام: ماضٍ في اللفظ والمعنى: وهو الفعل المبني على الفتح المجرد =
стр. 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= من الزيادة, الذي لم تلحقه قرينة تخرجه عن موضوعه كقولك: قام وجلس, وتعرف بقاءه على أصله بصحة اقتران الزمان الماضي به, كقولك: قام أمس وقعد أول من أمس.
وماض في اللفظ دون المعنى: وهو هذا الفعل إذا لحقه حرف الشرط كقولك: إن قام زيد جلس عمرو, فاللفظ (ماض) والمعنى مستقبل, لأنه يصح أن يقول: إن قام زيدًا غدا جلس عمرو بعد غد, فتقرن به الزمان المستقبل. وماض في المعنى دون اللفظ: وهو المضارع الذي دخلت لم كقولك: لم يفعل, ويدلك على أنه ماض في المعنى أنك تقول: لم يقم زيد أمس, فتقرن به (الزمان) الماضي. قال أبو علي: ولو كان المعنى كاللفظ لم يجز هذا كما لا يجوز تقوم زيد أمس.
والحاضر هو الفعل الذي في أوله زيادة المضارعة, وكان زمان الإخبار به زمان وجوده كقولك: يصلي ويقوم ويقرأ, تقول ذلك وهو في الصلاة والقيام والقراءة. وأكثر ما يمثل النحويون بالأفعال التي لها أجزاء متصلة كالأفعال الثلاثة التي ذكرناها, لأنهم ١٨/أيقصدون / بيان الحال, وذلك لا يبين إلا بالأفعال المتصلة الأجزاء. والمضارع مشترك بين زماني الحال والاستقبال, فإن تجرد من القرائن اللفظية والمعنوية حمل على الحال, لأن الفعل خبر, والأصل في الخبر أن يكون صدقًا, وذلك إنما يتحقق في الحال وإن عرضت له قرينة لفظية أو معنوية تخصصه بأحد الزمانين تخصص به, فالقرينة المعنوية المخصصة بالحال كقولك مخبرًا عن نفسك: أجلس وأنت في الجلوس, والقرينة المعنوية المخصصة بالاستقبال كقولك: يقدم زيد وهو غائب, واللفظية المخصصة بالحال كقولك: يقوم الآن ويصلي الساعة, والأصل في «الآن» أن يطلق على زمان الحال, ويجوز إطلاقه على الماضي والمستقبل القريبين من الحال كقوله سبحانه: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾. وقوله: ﴿فمن يستمع الآن﴾ واللفظية المخصصة بالاستقبال كقوله تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة﴾ والقرائن اللفظية المخصصة بالحال: «ما» النافية, والساعة والآن, ولام الابتداء والمخصصة بالاستقبال: السين وسوف وأن ولن وكي وإذن=
стр. 92
باب: (معرفة الأسماء المرفوعة)
قال ابن جني: / وهي خمسة أضرب: مبتدأ, وخبر مبتدأ, وفاعل, ومفعول ٧/أجعل الفعل حديثًا عنه, ومشتبه بالفاعل في اللفظ وهو اسم كان وخبر إن.
ــ
= وإن الشرطية والأسماء التي تضمنت معناها.
والمستقبل يكون من الصيغ الثلاث, فكونه من الماضي إذا دخل عليه «إن» كقولك: إن قام زيد ذهب عمرو, وكونه من المضارع إذا دخل عليه بعض المخصصات المذكورة كقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ , ﴿ولن يخلف الله وعده﴾ , ﴿لكيلا تاسوا على فاتكم﴾ , ﴿وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا﴾.
وصيغ الأمر كلها مستقبلات كقولك: قم واجلس وفعل النهي كذلك كقولك: لا تذهب ولا تأكل, وإنما كان فعلًا الأمر والنهي مستقبلين لأنك لا تأمر إنسانًا بما فعله, ولا تنهاه إلا عما لم يفعله, ويجيء الماضي والمضارع / والأمر دعاء كقولك: ١٨/ب رجم الله زيدًا و ﴿يغفر الله لكم﴾ , ﴿وقل رب اغفر وارحم﴾.
(معرفة الأسماء المرفوعة)
قال ابن الخباز: إذا عرفت أن المعرب اسم متمكن وفعل مضارع, وأن الإعراب رفع ونصب وجر وجزم, وأن الاسم والفعل يشتركان في الرفع والنصب, وأن الاسم يختص بالجر, والفعل يختص بالجزم حصل من مجموع ذلك أن العرب على جهة البسيط ستة أقسام: أسماء مرفوعة, وأسماء منصوبة, وأسماء مجرورة. وأفعال مرفوعة, وأفعال منصوبة, وأفعال مجزومة. ولكن واحد من هذه عامل يؤثر فيه على وجه مخصوص, ويشمل قوله: (معرفة الأسماء المرفوعة) إلى باب «كم» على ذكر الأقسام الستة وعواملها.
стр. 93
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وإنما بدأ بالأسماء, لأنها الأصل في الإعراب, وكانت الأصل في الإعراب, لأنها تدل بصيغة واحدة على معان مختلفة كقولك: ما أحسن زيد, فلولا الإعراب لتردد فهم السامع بين ثلاثة معان من هذا الكلام, لا يدري إلى أيها يذهب, وهي التعجب, والنفي, والاستفهام, فإذا قلت: ما أحسن زيدًا, فهم التعجب, وإذا قلت: ما أحسن زيد, فهم النفي, وإذا قلت: ما أحسن زيد, فهم الاستفهام.
وإنما بدأ بالمرفوعة, لأن المرفوع يستغني عن المنصوب والمجرور, ولا يكونان حتى يتقدم المرفوع, ألا ترى أنك تقول: قام زيد, وعمرو منطلق, وضرب عبد الله, فيستغني الكلام عن المنصوب والمجرور, فإذا احتجت إلى فضلة بيان جئت بهما كقولك: قام زيد قيامًا, وعمرو منطلق إلى زيد, وضرب عبد الله بالسوط.
وانقسم المرفوع إلى هذه الأقسام الخمسة, لأن عامل الرفع لا يخلو من أن يكون معنويًا أو لفظيًا, فإن كان معنويًا فهو عامل الابتداء والخبر. وإن كان لفظيًا لم يخل ١٩/أمن أن يكون / فعلًا أو حرفًا, فإن كان فعلًا لم يخل من أن يكون حقيقيًا أو غير حقيقي, فإن كان حقيقيًا لم يخل من أن يكون مسمى الفاعل أو غير مسمى الفاعل, فإن كان مسمى الفاعل فالمرفوع به فاعل, وإن لم يكن مسمى الفاعل فالمرفوع به مفعول لم يسم فاعله, وإن كان غير حقيقي فهو باب (كان وأخواتها) , والمرفوع به مشبه بالفاعل.
وإن كان حرفًا فهو باب (إن وأخواتها) والمرفوع به مشبه بالفاعل أيضًا. واختلف النحويون في كون المرفوعات خمسة أذلك قسمة أم عدة؟ فمن قال: هي قسمة قال: لا يمكن أن يكون لها سادس. ومن قال: هي عدة قال: يمكن أن يكون لها سادس وكونها خمسة أمر اتفاقي لا ضروري.
***
стр. 94
باب: (المبتدأ)
قال ابن جني: اعلم أن المبتدأ كل اسم ابتدأته, وعربته من العوامل اللفظية, وعرضته لها وجعلته أولًا لثان يكون الثاني خبرًا عن الأول ومسندًا إليه. وهو مرفوع بالابتداء تقول: زيد قائم, ومحمد منطلق, فزيد ومحمد مرفوعان بالابتداء وما بعدهما خبر عنهما.
ــ
(باب المبتدأ)
قال ابن الخباز: من الناس من يرى تقديم الفاعل على سائر المرفوعات, قال شيخنا ﵀: لأن عامله لفظي [وهو] فعل. وأكثرهم يرى تقديم المبتدأ, لأن المبتدأ أول الجملة والفاعل ثاني الجملة. وإنما سمي مبتدأ: لأنه يكون صدر الجملة كقولك: زيد قائم وهذا معنى قوله: ابتدأته. ويريد بالعوامل اللفظية «كان وأخواتها» , «وإن وأخواتها» وظننت وأخواتها.
وقوله: (وعرضته لها) أي: جعلته بحيث يصح دخولها عليه, وقوله: (وجعلته أولًا لثان) أي: جئت له بخير. وقوله: (مرفوعان بالابتداء) الابتداء عنده مجموع الأوصاف الثلاثة التي هي تعريه من العوامل اللفظية, وتعريضه لها, وإسناد الخبر إليه.
فإن قلت: [لم] لم يكن المبتدأ إلا اسمًا؟
قلت: لأنه مخبر عنه ولا يخبر إلا عن الاسم.
فإن قلت: فما رافعه؟
قلت: اختلف النحويون في ذلك. والأقوال فيه خمسة, والذي يقول ابن جني / إنه ارتفع بمجموع الأوصاف الثلاثة. ... ١٩/ب
فإن قلت: ولم كان مجموع هذه رافعًا؟
قلت: لأن مجموعها وصف اختص بالأسماء, وكل مختص عامل.
وإنما افتقر المبتدأ إلى الخبر, لأنه لو جرد من العوامل اللفظية ولم يخبر عنه لم =
стр. 95
باب: (خبر المبتدأ)
قال ابن جني: وهو كل ما أسندته إلى المبتدأ حدثت به عنه, وهو على ضربين: مفرد وجملة, فإذا كان الخبر مفردًا فهو المبتدأ في المعنى, وهو مرفوع بالمبتدأ, تقول: زيد أخوك, ومحمد صاحبك, فزيد هو الأخ, ومحمد هو الصاحب. فإن اجتمع في الكلام معرفة ونكرة جعلت المبتدأ هو المعرفة, والخبر هو النكرة ٧/ب تقول: زيد جالس, فزيد هو المبتدأ, لأنه معرفة / وجالس هو الخبر, لأنه نكرة. فإن كانا جميعًا معرفتين كنت فيهما مخبرًا, أيهما شئت جعلته المبتدأ, وجعلت الآخر الخبر تقول: زيد أخوك, وإن شئت قلت: أخوك زيد.
ــ
= يستحق إعرابًا, لأن الاسم لا يستحق الإعراب إلا بعد العقد والتركيب. ويدلك على ذلك: أن أسماء العدد وأسماء حروف التهجي إذا سردت متوالية من غير أن تعقد بشيء جاءت موقوفات الأعجاز كقولك واحد, اثنان, ثلاثة, أربعة, ونحو قوله تعالى: ﴿كهيعص﴾ , ﴿حم﴾ , ﴿عسق﴾ , فلأجل ذلك افتقر إلى الخبر, لأنه إذا ركب معه استحق الإعراب.
واعلم أن الجملة من المبتدأ والخبر تسمى «جملة اسمية» , لأن أولها اسم. والجملة من الفعل والفاعل «تسمى فعلية» , لأن أولها فعل, وأما ذكر المبتدأ من جهة التعريف والتنكير فسيأتي ذكره في باب خبر المبتدأ.
واعلم أن من أسماء الشرط والاستفهام ما يقع مبتدأ, كقولك: من يقم أقم معه. ومن أبوك؟ ولا يقع غيره من المرفوعات, لأن عامل المبتدأ معنوي, وعامل غيره من المرفوعات لفظي.
(باب خبر المبتدأ)
قال ابن الخباز: (وهو كل ما أسندته إلى المبتدأ وحدثت [به] عنه والظاهر أن قوله: (وحدثت به عنه) تكرير, لأنه لا يسند إليه إلا وهو حديث عنه, واعلم أن الإسناد أعم من الإخبار, لأن الإسناد يكون إخبارًا وغير إخبار, أمرًا أو نهيًا =
стр. 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أو استفهامًا والإخبار على قسمين: نفي وإيجاب, فكل إخبار إسناد, وليس كل إسناد إخبارًا.
ولا يخلو خبر المبتدأ من أن يكون مفردًا أو جملة, لأن الكلم لا تخلو من هذين, وبدأ بذكر المفرد لأنه / أصل الجملة, وإن شئت قلت: يتبين فيه الإعراب, ٢٠/ أوالجملة لا يتبين فيها, فإذا كان مفردًا لم يكن إلا اسما, وذلك لأن الفعل وحده لا يكون خبرًا, والحرف لا يخبر به, فإذا كان مفردًا فهو المبتدأ في المعنى, كقولك: زيد أخوك, فأخوك في المعنى هو زيد, وكذلك إذا قلت: زيد قائم, فالقائم في المعنى هو زيد, وإنما قلنا ذلك, لأنه إن كان إياه في المعنى فهو المطلوب, وإن لم يكن إياه فهو كذب, ولا يعني بقولنا: إن قائمًا هو زيد في المعنى أن حقيقة قائم من حيث هو هو حقيقة زيد من حيث هو هو هذا محال, لأن قائمًا عبارة عن شيء ذي قيام, وزيدًا دال على رجل معين, فكيف يكون هذا ذاك؟ وإنما تعني به أن الشيء الذي يصدق عليه أنه زيد يصدق عليه بعينه أنه قائم.
وقوله: (وهو مرفوع بالمبتدأ) وفي رافع [الخبر] خمسة أقوال, ومذهب أبي علي وابن جني أن رافع الخبر هو المبتدأ بعد أن رفع المبتدأ الابتداء, وذلك لأن الابتداء لما عمل في المبتدأ صار مقتضيًا للخبر, فلما اقتضاه عمل فيه.
ولا يخلو المبتدأ والخبر في التعريف والتنكير من أربع صور: الأولى: أن يكون المبتدأ معرفة والخبر نكرة كقولك: زيد جالس وهذه الصورة هي الواردة على نمط الإخبار, لأن حق المخبر عنه أن يكون معرفة لكونه أتم فائدة. وحق الخبر أن يكون نكرة, لأنه مجهول, ولأن المخبر به شبيه بالفعل والفعل نكرة.
الصورة الثانية عكس هذه: وهو أن يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة كقولك: جالس زيد, إذا جعلت جالسًا مبتدأ وزيدًا خبره, وذلك لا يجوز, لأنه لا يصح =
стр. 97
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٠/ب = معنى, في نثر, ولا تقود إليه ضرورة في شعر, ولأن الخبر / المفرد هو المبتدأ في المعنى, فإذا فسرت المعرفة بالنكرة أخرجتها من الوضوح إلى الخفاء, وذلك فاسد. ويجيء في الشعر في باب (كان وأخواتها) الاسم نكرة والخبر معرفة, وذلك على القلب وسيذكر في موضعه.
الصورة الثالثة: أن يكونا معرفتين, والجيد أن تخبر بالأضعف تعريفًا عن الأقوى تعريفًا, فإذا اجتمع المضمر وغيره, جعلت المبتدأ هو المضمر كقولك: أنت زيد. وإذا اجتمع العلم وغيره, جعلت المبتدأ هو العلم كقولك: زيد أخوك, والأمر مسوق على هذا.
فإن قلت: فما الفائدة في الإخبار بالمعرفة عن المعرفة؟
قلت: هي نسبة الخبر إلى المبتدأ وكان ذلك مجهولًا قبل الإخبار.
فإن قلت: فما الفرق بين قولنا: زيد أخوك وقولنا: أخوك زيد؟
قلت: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن قولناك زيد أخوك تعريف للقرابة وأخوك زيد تعريف للاسم. الثاني: أن قولنا: زيد أخوك لا ينفى أن يكون له أخ غير زيد, لأنك أخبرت بالعام عن الخاص, وقولنا: أخوك زيد ينفى أن يكون له أخ غير زيد, لأنك أخبرت بالخاص عن العام, وهذا ما يشير إليه الفقهاء من الفرق بين قولهم: زيد صديقي وقولهم: صديقي زيد.
الصورة الرابعة: أن يكون المبتدأ والخبر نكرتين, ومتى كانا نكرتين محضتين لم يجز ذلك, لأنه لا فائدة فيه, ألا ترى أنك إذا قلت: رجل قائم, وجعلت رجلًا مبتدأ وقائمًا خبره لم تفد المخاطبة شيئًا, لأنه لا ينكر أن يكون رجل من الرجال قائمًا فصار كقولك: الثلج بارد, والنار حارة, وكل أحد يعلم هذا؟ ! .
وقوله: (جعلت المبتدأ هو المعرفة والخبر هو النكرة) المعرفة والنكرة منصوبان, ٢١/ألأنهما ثانيا مفعولي جعلت / «وهو» فصل كقوله سبحانه: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ , ولو رفعا لجاز.
стр. 98
قال ابن جني: وأما الجملة فهي كل كلام مفيد مستقل بنفسه, وهي على ضربين: جملة مركبة من مبتدأ وخبر, وجملة مركبة من فعل وفاعل, ولابد لكل واحدة من هاتين الجملتين إذا وقعت خبرًا عن المبتدأ من ضمير يعود إليه منها, تقول: زيد قام أخوه, فزيد مرفوع بالابتداء, والجملة بعده خبر عنه, وهي مركبة من فعل وفاعل.
ــ
قال ابن الخباز: القسم الثاني من خبر المبتدأ: الجملة, والكلام والجملة بمعنى واحد, قال الرماني في حده: هو ما دل بالتأليف من الحروف على معنى يحسن السكوت عليه, وسمى كلامًا, لأنه يؤثر في نفس السامع, واشتقاه من الكلم, وهو الجرح, لأن له تأثيرًا في الجسم. قال الشاعر:
٢٢ - حتى اتقوني فهم منى على حذر ... والقول ينفذ ما لا ينفذ الإبر
وسمي جملة, لضم بعضه إلى بعض والتئامه وفي التنزيل: ﴿لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾.
وائتلافه من اسمين, كقولك: زيد ذاهب, أو من فعل واسم, كقولك: ذهب زيد ولابد في الجملتين من إفادة معنى يمكن جهله.
وجملة الأمر: أن المعنى لا يخلو من أن يكون واجبًا أو ممكنًا أو ممتنعًا, فالواجب: هو الذي لابد من وجوده كقولك: الثلج بارد, والممتنع: الذي يستحيل وجوده, كقولك الحجر إنسان, والممكن: الذي يجوز وجوده, وعدمه, كقولك: زيد ذاهب. فالواجب لا يخبر به لأنه معلوم, والممتنع لا يخبر به لأنه كذب, والثالث: يخبر به, فإن عرض فيه كذب أو صدق فذلك بالنسبة إلى القائل أو إلى شيء من علق المعنى.
стр. 99
قال ابن جني: فالفعل قام, والفاعل أخوه, والهاء عائدة على «زيد» ولولا هي لما صحت المسألة, وموضع لجملة رفع بالمبتدأ. وتقول: زيد أخوه منطلق, فزيد مرفوع بالابتداء, والجملة بعده خبر عنه, وهي مركبة من مبتدأ وخبر, فالمبتدأ أخوه, والخبر منطلق والهاء عائدة إلى زيد أيضًا. ولو قلت: زيد قام عمرو, لم يجز, لأنه ليس في الجملة إلى المبتدأ, فإن قلت: إليه أو معه أو نحو ذلك صحت المسألة لأجل الهاء العائدة, فأما قولهم: السمن ٨/أمنوان بدرهم, فإنما تقديره السمن / منوان منه بدرهم , ولكنهم حذفوا منه للعم به وكذلك قولهم: البر الكر بستين, أي: الكر منه بستين.
ــ
= وإنما أخبر عن المبتدأ بالجملة لوجهين: أحدهما: التوسع في العبارة, لأن الجملة تتضمن ضميرًا يعود على المبتدأ, والضمير هو المبتدأ في المعنى, فيكون قد ذكر مرتين, فيكون في الإخبار بالجملة توكيد. وإنما وجب أن يكون في كل واحدة من الجملتين ضمير يعود على المبتدأ, لأن الجملة مستقلة بنفسها فولا الضمير لم ترتبط بالمبتدأ, وأما المفرد فلا يفتقر إلى ضمير, لأنه لا يستقل بنفسه فهو محتاج إلى ٢١/ب المبتدأ ليرتبط / به, فإن كان مشتقًا كذاهب وجالس تضمن ضميرًا يعود على المبتدأ, فإذا قلت: زيد ذاهب, ففي ذاهب ضمير مرتفع به, والمشتق تضمن الضمير, لأنه اسم جار مجرى الفعل, والفعل يتضمن الضمير, تقول في الإخبار بالجملة الفعلية: زيد قام أخوه فالعائد إلى زيد الهاء في أخوه. وموضع الجملة من الإعراب الرفع, ورافعها المبتدأ في قوله.
قال ابن الخباز: وتفرق بين الجملة التي لها موضع من الإعراب, وبين الجملة التي لا موضع لها من الإعراب بأن كل جملة وقعت موقع مفرد فلها موضع من الإعراب, وكل جملة لم تقع موقع المفرد فلا موضع لها من الإعراب, فلزم من ذلك أن يكون لقولك: قام أخوه, موضع من الإعراب, لأنها قد وقعت موقع خبر المبتدأ, وهو مفرد في الأصل.
وتقول في الإخبار بالجملة الاسمية: زيد أبوه منطلق فزيد مبتدأ أول وأبوه مبتدأ =
стр. 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ثانٍ, ومنطلق خبر المبتدأ الثاني, والمبتدأ الثاني وخبره جميعًا في موضع رفع لوقوعهما موقع خبر المبتدأ الأول كما كان قولك: قام أخوه في المسألة الأولى. ولابد للجملة الاسمية من العائد كما لابد للجملة الفعلية منه, فلا يجوز أن تقول: زيد قام عمرو, ولا زيد عبد الله ذاهب, لخلوهما من العائد إلى المبتدأ, فإن جئت بعائد بعد الجملتين صحت المسألتان كقولك: زيد قام عمرو في داره, وزيد عبد الله ذاهب إليه. ولا يشترط أن يكون العائد أحد جزئي الجملة, بل يجوز أن يكون أحد جزئيها وأن يكون فضلة, فالذي هو أحد جزئيها كقولك: زيد هو أبوك, والفضلة كقولك: زيد ضربته, وزيد مررت به, ورأيت من ينكر على ابن جني قوله: (ولولا هي) ما علم الجاهل بكلام العرب, إن هذا هو الجيد الموافق لمقايستها, لأن «لولا» يقع بعدها المظهر مبتدأ كقوله: لولا علي لهلك عمرو فإذا وقع المضمر بعدها وجب أن يكون منفصلًا كقوله / تعالى: ﴿لولا أنتم لكنا مؤمنين﴾ وأما قولهم: السمن منوان بدرهم والبر الكر بستين: فأنما أورده على أن الجملة لا تخلو من العائد, وهاتان جملتان قد خلتا منه, وذلك لأن السمن والبر مبتدآن, ومنوان والكر مبتدآن آخران وبدرهم وبستين خبرًا المبتدأين الثانيين, ولم يعد ضمير إلى السمن والبر, والتقدير في المسألتين: منوان منه بدرهم, والكر منه بستين, ولابد من تقدير هذا ليعود الضمير إلى المبتدأ, ومسوغ الحذف: أن قولك: منوان بدرهم والكر بستين تسعير, ولابد للتسعير من مسعر ينصرف إليه ويحمل عليه, وإلا فذكره كلا ذكر.
ألا ترى أنك لو قلت: ذراعان بدينار ورطلان بدرهم, ولم يجر ذكر مسعر لم تكن في الكلام فائدة؟ أنشد الجوهري ﵀ للأخطل:
٢٣ - الخبر كالعنبر الهندي عندهم ... والقمح سبعون إردبًا بدينار
стр. 101
قال ابن جني: واعلم أن الظرف قد يقع خبرًا عن المبتدأ, وهو على ضربين: ظرف زمان, وظرف مكان, والمبتدأ على ضربين: جثة, وحدث, فالجثة: ما كان عبارة عن شخص نحو: زيد وعمرو والحدث: هو المصدر نحو: القيام والقعود.
فإذا كان المبتدأ جثة ووقع الظرف خبرًا عنه, لم يكن ذلك الظرف إلا من ظروف المكان تقول: زيد خلفك, فزيد مرفوع بالابتداء, والظرف بعده خبر عنه, والتقدير: زيد مستقر خلفك, فحذف اسم الفاعل تخفيفًا للعلم به, وأقيم الظرف مقامه, فانتقل الضمير الذي كان في اسم الفاعل إلى الظرف, وارتفع ذلك الضمير بالظرف كما كان يرتفع باسم الفاعل, وموضع الظرف رفع المبتدأ. ولو قلت: زيد يوم الجمعة أو نحو ذلك لم يجز, لأن ظروف الزمان لا تكون أخبارًا عن الجثث, لأنه لا فائدة في ذلك, فأما قولهم: الليلة الهلال, فإنما تقديره الليلة حدوث الهلال أو طلوع الهلال, فحذف المضاف ٨/ب وأقيم المضاف إليه مقامه / قال الله تعالى: ﴿وسئل القرية التي كنا فيها﴾ أي: أهل القرية, ومثله قول الشاعر:
أكل عام نعم نحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه
= أي: أكل عام حدوث نعم أو إحراز نعم.
ــ
أراد سبعون إردبًا منه بدينار.
قال ابن الخباز: وإنما جاز وقوع الظرف خبرًا عن المبتدأ, لأن الظرف ضربان: ظرف زمان, وظرف مكان, والحاجة داعية إلى معرفة زمان الشيء ومكانه كما تدعو إلى معرفة صفته, لأن ذلك يجوز أن يجهل, ويدلك على دعاء الحاجة إليه أنهم وضعوا للسؤال عن الزمان والمكان «متى, وأيان, وأنى» كما وضعوا للسؤال عن الصفة كيف وما ذلك إلا لطلب العلم.
стр. 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وإذا أردت الإخبار عن المبتدأ بالظرف نشأ للمبتدأ تقسيم إلى الجثة, والحدث فالجثة: الجسم كزيد وفرس وحجر. والحدث: المصدر كالقيام والقعود والأكل والشرب, وإنما قسم المبتدأ إلى هذين مع الظرف, لأن حكمها مختلف مع الإخبار بالظرف, فإن كان المبتدأ إلى هذين مع الظرف, لأن حكمها مختلف مع الإخبار بالظرف, فإن كان المبتدأ جثة لم يخبر عنه إلا بظرف المكان كقولك: /زيد ٢٢/ب خلفك, لأن مكانه يجوز أن يجهل وحكم المكان أن يكون خاصًا إما بكونه معرفة كمثالنا, أو بكونه موصوفًا كقولك: زيد مكانًا صالحًا, فإن كان باقيا على عمومه لم يكن في الإخبار فائدة كقولك: زيد مكانًا, لأنه لا يجهل أنه في مكان. واختلف النوحيون في قولنا: زيد خلفك: فذهب أبو العباس الشيباني إلى أن الظرف خبر عن المبتدأ [و] لا يتعلق بشيء, وأنشد أصحابنا بأن الظرف منصوب فلابد له من ناصب. والذين قدروا ناصبًا اختلفوا, فذهب ابن السراج وابن جني إلى أن التقدير: زيد مستقر خلفك, فقدروا اسم الفاعل, وذلك لأن المفرد أصل للجملة, ولأن في تقديره تقليلًا للحذف.
وذهب أبو علي الفارسي إلى أن التقدير: زيد استقر خلفك فقدر الفعل, لأنه =
стр. 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الأصل في العمل, ويظهر أثر الخلاف في أن الظرف في القول الأول مفرد, لأنه نائب عن مفرد وفي القول الثاني جملة, لأنه نائب عن جملة, وعلى كلا التقديرين في المحذوف ضمير, واختلفوا بعد الحذف في الضمير, فمنهم من قال: هو داخل في الحذف, لأنه لما حذف رافعه حذف معه. وقال قوم: نقل الضمير إلى الظرف فصار مرتفعًا على جهة النيابة عن المحذوف. واحتج هذا القائل بقول الشاعر:
٢٤ - فإن يك جثماني بأرض سواكم ... فإن فؤادي عندك الدهر أجمع
فرفع أجمع لابد أن يستند إلى مؤكد مرفوع, وليس في الكلام شيء غير الضمير, المستكن في «عندك» وروى سيبويه عن العرب: «مررت بقوم مع فلان أجمعون» وهو مثل البيت.
٢٣/أولا يجوز حذف ما يتعلق به الظرف / إلا إذا كان حالة عامة للاستقرار والكون. فإن كان حالة خاصة كالقيام والقعود لم يجز حذفها فلا تقول: زيد خلفك وأنت تريد قائم خلفك, لأنه لا يلزم من استقراره خلفه قيامه. ولا يجوز الإخبار عن الجثة بظرف الزمان فلا تقول: زيد يوم الجمعة, لأنه لا فائدة فيه, وذلك لأن يوم الجمعة متى وجد لم يخل زيد منه, فحاصل الفرق بين الزمان والمكان: أن الجثث لا تشترك في المكان الواحد, ولكن تشترك في الزمان الواحد, فلذلك أخبر عنها بظرف المكان ولم يخبر بظرف الزمان, فأما قولهم: «الليلة الهلال» فوجه إيراده أن الهلال جثة, وقد أخبر عنها بظرف الزمان, والقول في ذلك أن التقدير: الليلة طلوع الهلال وحدوث الهلال, فالظرف خبر عن المصدر لا عن الجثة, والذي سوغ حذف المضاف: أن قولهم «الليلة الهلال» لا يقال في الليلة التاسعة والعشرين, لأن الشهر لا يكون ثمانية وعشرين, ولا في الليلة الحادية والثلاثين, لأنه لابد من طلوعه, وإنما يقال في الليلة الثلاثين, لأنه يجوز طلوعه وعدم طلوعه, ففي الإخبار به فائدة.
стр. 104
قال ابن جني: فإن كان المبتدأ حدثًا جاز وقوع كل واحد من الظرفين خبرًا عنه, تقول: قيامك خلف زيد, وقعودك يوم الجمعة, والتقدير: قيامك كائن خلف زيد, وقعودك كائن يوم الجمعة. فحذف أسماء الفاعلين وأقيم الظرفان مقامها, فانتقل الضميران إليهما. وتقام حروف الجر مقام الظروف وذلك قولهم: زيد من الكرام, وقفيز البُر بدرهمين, والتقدير: زيد كائن من الكرام, وقفيز البر كائن بدرهمين, ثم عمل فيهما كما عمل في الظرف, والظرفان وما أقيم مقامهما جاريان مجرى المفرد الذي تقدم ذكره.
ويجوز تقديم خبر المبتدأ عليه تقول: قائم زيد, وخلفك بكر, والتقدير: زيد قائم, وبكر خلفك, فقدم الخبران اتساعًا, وفيهما ضمير, لأن النية فيهما التأخير.
ــ
قال ابن الخباز: وقد أجازوا أن تقول إذا كان زيد غائبا: زيد يوم الجمعة, تريد قدوم زيد يوم الجمعة واستشهاده بقوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾ على حذف المضاف فقط فالتقدير: واسأل أهل القرية, والضمير في قوله: «ومثله قول الشاعر يعود إلى قولهم: «الليلة الهلال» وتوهم بعض الجهال على أن الضمير يعود إلى الآية, وهذا البيت من أبيات الكتاب وهو قولهك
٢٥ - أكل عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه
وبعده / ... ٢٣/ب
أربابه نوكى فلا يحمونه ... ولا يلاقون طعامًا دونه
هيهات هيهات لما ترجونه
стр. 105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فكل عام زمان مثل الليلة, ونعم مثل الهلال, والتقدير: حدوث نعم وإحراز نعم, والحذف في البيت أحسن منه في المسألة لوجهين: أحدهما: أن قوله (تحوونه) يشعر بالمحذوف. والثاني: أن طول الكلام بصفة المبتدأ يسد مسده, والنعم: الإبل خاصة, والأنعام: الإبل والبقر والغنم, وبذلك استدل أنه ليس بجمع له. قال أبو علي: وقد حكي تأنيث النعم عن يونس, والتذكير أعرف, فمن التذكير هذا البيت, ومن التأنيث: هذه نعم واردة, والإلقاح من قولهم: «لقحت الناقة» إذا حملت, وتنتجونه أي: تستولدونه عندكم, يقال: نتجت الناقة ونتجها أهلها.
وإن كان المبتدأ مصدرًا كالقيام والقعود جاز أن يخبر عنه بكل واحد من الظرفين تقول: قيامك خلف زيد وجلوسك يوم الجمعة, أما جواز الإخبار عنه بظرف المكان: فلأن فيه فائدة, لأن قيام المخاطب لا يكون وجوده خلف زيد ضروريًا فيجب علمه. وأما جواز الإخبار عنه بظرف الزمان: فلأن المصادر أمور متجددة يجوز اختصاص وجودها بزمان دون زمان, فإذا قلت: جلوسك يوم الجمعة فقد خصصت وجود جلوسه بيوم الجمعة مع أنه يجوز أن لا يوجد فيه, وليست كذلك الجثث, فإنها أمور ثابتة لا تخلو من كل زمان, فمتى وجد يوم الجمعة كانت الجثث, فإنها أمور ثابتة لا تخلو من كل زمان, فمتى وجد يوم الجمعة كانت كلها فيه متساوية. والكلام في المقدر مع الظرفين في المسألتين كالكلام في المقدر في قولنا: زيد خلفك وقد ذكر.
ويجوز الإخبار بحرف الجر, كما يجوز / بالظرف, لأن فيه فائدة على حسب معنى الحرف الجار, ألا ترى أن قولك: «زيد من الكرام» يفيد التبعيض «وقفيز البر بدرهمين» يفيد المقابلة في البيع, وحرف لجر يجري مجرى الظرف في الخلاف في المقدر معه وقد ذكر, واختيار أبي الفتح أن المقدر في هذه المواضع كلها مفرد. فإن دخل حرف الجر على زمان لم يجز الإخبار به عن الجثة فكما لا تقول: عبد الله يوم الخميس لا تقول: عبد الله في يوم الخميس, لأن الظرف مقدر بفي, وإذا لم يجز الإخبار مع حذفها لم يجز مع إثباتها, فأما قول الشاعر:
٢٦ - لعمرك إنا والأحابيش كلهم ... لفي حقبة أظفارها لم تقلم
стр. 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فإنما إخباره عن الجثة بحرف الجر الداخل على ظرف الزمان, لأنه وصفه, فبعد عن الظرفية, وصارت فيه فائدة زائدة. ويجوز: زيد في الدار, لأنها مكان, وزيد جثة ويجوز: قيامك في اليوم, وذهابك إلى السوق, وهذا كله ظاهر.
وأما تقديم خبر المبتدأ عليه ففيه تفصيل, وأبو الفتح أطلق فيه, فنقول: لا يخلو خبر المبتدأ من أن يكون مفردًا أو جملة, فإن كان مفردًا: لم يخل من أن يكون معرفة أو نكرة, فإن كان معرفة: كان المبتدأ معرفة, لأن الخبر لا يكون معرفة والمبتدأة نكرة, وحينئذ لا يجوز تقديمه على المبتدأ, فإذا قلت: «زيد أخوك» لم يجز أن تقول: «أخوك زيد» معتقدا أنه خبر مبتدأ, مقدم لأنه صالح لأن يبتدأ به من أجل التعريف ولو جعلته خبرًا لانقلب المعنى, وقد أشرت إلى ذلك, فإن أمن اللبس جاز التقديم كقول الشاعر:
٢٧ - بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
/ فالمعنى: بنو أبنائنا وبناتنا, لأن المعنى على جعل بني بينهم كبنيهم وتمام البيت ٢٤/ب يدل عليه.
وإن كان نكرة وكان المبتدأ معرفة: جاز تقديمه عليه, فيجوز في قولك: «زيد غلام رجل» أن تقول: «غلام رجل زيد» لأنه قد علم أنه لا يبتدأ بالنكرة مع وجود المعرفة ومن كلامهم: تميمي أنا, ومشنؤ من يشنؤوك وقال الهذلي:
٢٨ - فتى ما ابن الأغر إذا شتونا ... وحب الزاد في شهري قماح
стр. 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وإن كان المبتدأ والخبر نكرتين كقولك: إلام رجل أفضل منك, فينبغي أن لا يجوز التقديم: لأن كل واحد منهما صالح أن يبتدأ به لاختصاصه.
وإن كان الخبر جملة, فإن كانت اسمية جاز تقديمها عند البصريين كقولك: أبوه منطلق زيد, وكذلك الفعلية, إذا كان العائد على المبتدأ ضميرا منصوبًا كقولك: ضربته عمرو, وكذلك إذا كان العائد ضمير تثنية أو جمع, كقوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ في أحد الأقوال. فإن كان العائد ضميرا مفردا: كقولك: «زيد قام» لم يجز التقديم, لأنك لو قلت: قام زيد, لصار فاعلا.
والظرف وحرف الجر والمشتق عند أكثر البصريين يكون خبرا مقدمًا, كقولك: خلفك زيد, وفي الدار عمرو, وقائم عبد الله. وذهب الكوفيون إلى أن هذه الأسماء في هذه المواضع كلها مرفوعة بما تقدم عليها, ووافقهم أبو الحسن الأخفش ويبطل مذهبهم أنا نقول: «إن خلفك زيدا» «وإن في الدار عمراً» والعامل لا يدخل على العامل, وأما قولنا: «قائم عبد الله» فلا يجوز أن يرتفع عبد الله بقائم, لأنه لم يعتمد, وقول أبي الفتح: (وفيهما ضمير) يؤكد أنهما خبران مقدمان, لأنهما لو رفعا ما بعدهما لم يكن فيهما ضمير.
стр. 108
قال ابن جني: واعلم أن المبتدأ قد يحذف تارة, ويحذف الخبر أخرى, وذلك إذا كان في الكلام / دليل على المحذوف, فإذا قال لك القائل: من عندك؟ ٩/أقلت: زيد, أي: عندي زيد, فحذفت عندي وهو الخبر. وإذا قال لك: كيف أنت؟ قلت: صالح, أي: أنا صالح, فحذفت «أنا» وهو المبتدأ. قال الله سبحانه جل من قائل: ﴿طاعة وقول معروف﴾ أي: طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما, وإن شئت كان التقدير: أمرنا طاعة وقول معروف, قال الشاعر:
فقالت: على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
ــ
قال ابن الخباز: وحذف / المبتدأ على ثلاثة أقسام: ممتنع: وهو ما ليس في ٢٥/أالكلام دليل عليه فلا تقول: ذاهب, وأنت تريد عمرو, لأنه لا دليل عليه. وواجب: وهو في قولهم: «لا سواء» وتأويله عندهم: هذان لا سواء, والتعويل في ذلك على الاستعمال. وجائز: وهو أن يجري له ذكر فيجوز حذفه كقولك: «صالح» لمن قال: كيف أنت؟ لأن جري ذكره في السؤال مغن عن جرى ذكره في الجواب, ولو قلت: أنا صالح لكان إثباته توكيدًا.
وحذف الخبر ثلاثة أقسام: ممتنع: وهو ما لا دليل عليه كقولك: زيد وأنت تريد: ذاهب, وواجبك وذلك مع الظرفين وحرف الجرز قال أبو علي الفارسي: «إظهار العامل في الظرف شريعة منسوخة» وجائز: وهو ما في الكلام دليل عليه كقولك: زيد, لمن قال: من عندك؟ ولو قلتك زيد عندي لكان توكيدًا. وأما قوله تعالى: ﴿طاعة وقول معروف﴾ فمحمول على حذف الخبر وحذف المبتدأ, فإن حذفت الخبر كان التقدير: طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما, وأمثل بمعنى أجود وأصلح, قال امرؤ القيس:
٢٩ - ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
стр. 109
باب: (الفاعل)
قال ابن جني: اعلم أن الفاعل عند أهل العربية كل اسم ذكرته بعد فعل, وأسندته, ونسبت ذلك الفعل إلى ذلك الاسم. وهو مرفوع بفعله, وحقيقة رفعه بإسناد الفعل إليه, والواجب وغير الواجب في ذلك سواء, تقول في الواجب: قام زيد, وفي غير الواجب: ما قام زيد, وهل يقوم زيد. واعلم أن الفعل لابد له من الفاعل.
ــ
= وحمله على حذف الخبر أحسن, لأن الاتساع في الخبر أكثر من الاتساع في المبتدأ وإن حذفت المبتدأ كان التقدير: أمرنا طاعة.
وأما البيت الذي أنشده وهو قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
٣٠ - فقالت على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
فلم يستشهد به على الحذف, وإنما استشهد به على صحة تقدير «أمرنا» في الآية والإخبار عنه بطاعة, والجار في قوله: «على اسم الله» متعلق بمحذوف, أي: أفعل ذلك على اسم الله.
وطاعة بمعنى مطاع, وكذلك في الآية, أي: أمرك مطاع, كما يقال: هذا ٢٥/ب الثوب نسج/ اليمن, أي: منسوج اليمن.
(باب الفاعل)
قال ابن الخباز: (اعلم أن الفاعل عند أهل العربية كل اسم ذكرته بعد فعل) , وإنما قال: (عند أهل العربية) لأن غيرهم يخالفهم في معناه, فمذهب الفلاسفة: أن الفاعل عبارة عن المؤثر كالنار التي تؤثر الإحراق وغير ذلك. ومذهب علماء الكلام: أن الفاعل عبارة عن المؤثر القادر الذي يصح منه الفعل والترك, ومذهب اللغويين: أن الفاعل عبارة عن الذي يوجد الفعل, وهو عند النحويين: كل اسم أسند إليه فعل حقيقي غير معير الصيغة أو شبهه مقدما عليه أبدا, وفي هذا الحد احترازات نحن نبينها
стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الأول: كونه اسما, وإنما لزم ذلك, لأنه مخبر عنه والفعل والحرف غير مخبر عنهما فلا يكونان فاعلين.
الثاني: حقيقي, وذلك احتراز من كان وأخواتها, لأنها أفعال غير حقيقة, فالمرفوع منها مشبه بالفاعل.
الثالث: قولنا: «غير مغير الصيغة» احتراز من الفعل المبني للمفعول به كقولنا: ضرب زيد.
ويريد بشبهه الأسماء العاملة ما خلا أسماء المفعولين: لأن المرفوع بها مفعول غير مسمى الفاعل, وذلك اسم الفاعل, والصفة, والمصدر, واسم الفعل كقولك: مررت برجل قائم أبوه, وزيد حسن وجهه, وسرني ذهاب أخوك, وشتان ما زيد وعمرو.
والرابع: قولنا: مقدم عليه أبدًا, وذلك احترازًا من مثل قولنا: زيد قام, فإن الفاعل لا يقدم على الفعل, وسنذكر علته.
ويلزم من وجوب تقديم الفعل على الفاعل أن لا يكون الفاعل شرطًا ولا استفهامًا: لأنهما لا يعمل فيهما ما قبلهما, وإذا عرفت حد الفاعل فلا فرق بين الواجب وغيره, تقول في الواجب: /قام زيد, وفي غير الواجب: ما قام زيد, ٢٦/أوهل يقوم زيد, وليقيم زيد, والواجب الخبر الثابت.
وقوله: (وحقيقة رفعه بإسناد الفعل إليه) فيه نظر, لأن الفاعل لم يرتفع بنفس الإسناد, وإنما ارتفع بالمسند, والإسناد شرط في وجود الرفع, وإنما جعلنا المسند هو الرافع, لأن الفعل هو المقتضي للفاعل فكان هو العامل فيه.
وذهب قوم إلى أن رافعه الفاعلية وهذا باطل لثلاثة أوجه: الأول: أنه يرتفع في النفي ولا فاعلية. والثاني: تقول: رخص السعر, وانقض الجدار, ومات زيد ولا فاعلية. والثالث: أن اسم كان مرتفع بها بلا خلاف, وهي فعل غير حقيقي
следующие страницы →