← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

يمكن تحصيلها بطريق آخر، وهي إحدى الضروريات الخمس. قطعية: وهى التي يجزم بحصول المصلحة فيها بالقطع لا بالظن. كلية: لرجوعها إلي كافة الأمة، كتترس الكفار الصائلين بأسارى المسلمين. وقطعنا بأنا لو امتنعا عن قتل الترس، لصدمونا واستولوا على ديارنا، وقتلوا المسلمين كافة حتى الترس، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلمًا من غير ذنب صدر منه,

стр. 1787

فقتل الترس -والحالة هذه- مصلحة مرسلة، لكونه لم يعهد في الشرع جواز قتل مسلم بلا ذنب. ولم يقم -أيضًا- دليل على عدم جواز قتله عند اشتماله على مصلحة عامة للمسلمين، ضرورية قطعية. اعتبر المناسب حينئذ، ويكون من الأدلة المقبولة. فلذلك يجوز أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى أن يقول هذا الأسير مقتول بكل حال فحفظ كل المسلمين أقرب إلى مقصود الشارع من حفظ مسلم. وإلا، أي: إن لم تكن المصلحة ضرورية، قطعية كلية، فلا يعتبر المناسب، ولا يكون دليلاً مقبولاً، فعلم منه أنها لو لم تكن

стр. 1788

ضرورية ولكن كانت حاجية فإنها لا تعتبر. وكذا إن لم تكن قطعية ولكنها ظنية. وكذا إن لم تكن كلية ولكنها جزئية. هذا وقد قال صاحب جمع الجوامع: ليس منه، أي من المناسب المرسل مصلحة ضرورية كلية قطعية، رداً على الإمام والآمدي وغيرهما حيث قالوا: لم يقل الشافعي -رضي الله تعالي عنه- بالمرسل إلا في هذه المسألة. ورداً على المصنف وغيره، في جعلها من المناسب المرسل،

стр. 1789

وحكاية الخلاف فيها: لأن هذه الصورة قد قام الدليل على اعتبارها. فإنه إذا قيل: فيه سفك دم امرئ معصوم. عورض بأن في الكف عن إهلاك دماء معصومة لا حصر لها. وقد علم من الشرع تقديم حفظ الكلي على الجزئي، وأن حفظ أصل الإسلام عن استئصال الكفار أهم في نظر الشرع من حفظ طائفة مخصوصة، ولم يسم هذا قياسًا. إذ ليس له أصل معين، بل أدلته متعددة من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال، فلذلك أطلق عليه اسم المصلحة المرسلة، وكأن هذه التسمية هي الموقعة للإمام وغيره في جعل الشافعي قائلًا بالمصلحة في هذه المسألة واعلم أنه تنازع في اشتراط القطع: حكاية الأصحاب وجهين في مسألة التترس من غير اشتراط القطع. وعللوا المنع بأن غاية الأمر أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا

стр. 1790

يباح بالخوف. وفيه تصريح بجريان الخلاف في حالة الخوف بدون القطع. قال العراقي: وقد قال: حالة القطع محل جزم، والخلاف في صورة الخوف، وبه صرح العزالي في المستصفي. قلت: وعبارته: نحن إنما نجوزه عند القطع أو الظن قريب من القطع. والله أعلم. وأما مالك -رضي الله تعالي عنه- فقد اعتبره أي: اعتبر المناسب المرسل مطلقًا، سواء اشتملت هذه المناسبة على هذه القيود، أو لم تشتمل.

стр. 1791

لأن اعتبار جنس المصالح في الشرع، حيث اعتبر الحكم المشتمل على المصلحة (الخالصة، والحكم المشتمل على المصلحة) الراجحة، واعتبار جنس المصالح يوجب ظن اعتباره، أي اعتبار المناسب المرسل؛ لأنه إذا غلب على ظننا أن هذا الحكم مصلحة غالبة على المفسدة (وقطعنا بأن المصلحة الغالبة على المفسدة) معتبرة في الشرع، لزم ظن أن هذه المصلحة معتبرة شرعًا، والعمل بالظن واجب.

стр. 1792

ولأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم- قنعوا بمعرفة المصالح، ولم يلتفتوا إلى الشرائط التي يعتبرها فقهاء الزمان في القياس والأصل والفرع. إذ المقصود من الشرائع رعاية المصالح، وإذا كان كذلك فالمناسب المرسل معتبر في الشرع. وإن فقدت المناسبة هذه المناسبة هذه الشرائط التي ذكرتم، وذلك يدل على اعتباره مطلقًا ولم يجب المنصف عن هذه الدليلين. قال بعضهم: لقوتهما. وأجاب البعض عن الأول: بأنه لو وجب اعتبار المصالح المرسلة لاشتراكها مع المصالح المعتبرة في كونها مصالح، لوجب إلغاؤها أيضًا، لاشتراكهما مع المصالح الملغاة في ذلك، فيلزم اعتبارها وإلغاؤها وهو محال. وعن الثاني: بأنا لا نسلم إجماع الصحبة علية، بل إنما اعتبروا من

стр. 1793

المصالح ما اطلعوا على اعتبار الشارع لنوعه أو جنسه القريب. وما نقله المصنف عن مالك -رضي الله تعالى عنه- من اعتبار المناسب المطلق، نقل عن إمامنا أشياء أيضًا عن الشافعي -رضي الله تعالى عنه- قال: إمام الحرمين: إلا أنه شرط فيه أن تكون تلك المصالح مشتبهة بالمصالح المعتبرة. واعتبر إمام الحرمين: المصلحة في الجملة، لكن لم يعتبر جنس المصلحة مطلقًا، بل بالغ في البرهان في إنكاره. فلا يقال: اختاره إمام الحرمين.

стр. 1794

وقيل: ترد في العبادات وتقبل في المعاملات. قال ابن الأنباري: وهو الذي يقتضيه مذهب مالك- رضي الله تعالى عنه. السادس من الأدلة المقبولة عند المصنف ونقله في المحصول عن بعض الفقهاء ولم يصرح بموافقته: فقد الدليل بعد التفحص البليغ، فإنه يدل على عدم الحكم بعد ما يدل عليه.

стр. 1795

بيانه: أن المجتهد إذا طلب في الواقعة النص والإجماع والقياس، واجتهد في الطلب ولم يجد شيئًا يغلب على الظن عدمه، أي عدم الدليل، وعدمه- أي: عدم الدليل- يستلزم عدم الحكم؛ لأنه لو ثبت حكم شرعي من غير أن ينصب عليه الشارع دليلًا، لزم تكليف الغافل، وذلك باطل، لامتناع تكليف الغافل. والمراد بعدم الحكم: عدم تعليقه؛ لأن الحكم قديم.

стр. 1796

الباب الثاني: في الأدلة المردودة وهما دليلان: الأول: الاستحسان

стр. 1797

قال به أبو حنيفة والحنابلة، وأنكره غيرهم، لظنهم أنهم يريدون به: الحكم بغير دليل. قال في الحصول: وليس الخلاف في جواز استعمال لفظ الاستحسان لوروده في الكتاب والسنة، ويرد في ألفاظ

стр. 1798

المجتهدين. كقول الشافعي -رضي الله تعالى عنه- في المتعة: "أستحسن أن تكون ثلاثين درهمًا" فسماه استحسانًا: لأنه عنده حسنًا لما قام عنده مما يقتضي ذلك، ولا ينكر التعبير به عن حكم ثبت بدليل. لكن يشكل على هذا ما في سنن الشافعي- (رضي الله تعالى عنه) وقد ذكر خيار الشفعة ثلاثًا. قال الشافعي- رضي الله تعالى عنه: "هذا استحسان مني ليس بأصل، ولا بد من تأويله، فثبت أن الخلاف إنما هو في المعنى

стр. 1799

فلا بد من تفسيره ليمكن قبوله، أو رده. وهو استفعال من الحسن. يطلق على ما يميل إليه الإنسان ويهواه من الصور والمعاني، وإن كان مستقبحًا عند غيره، وليس هذا محل الخلاف، لاتفاق الأمة قبل ظهور المخالفين على امتناع القول في الدين بالتشهي، فيكون الخلاف فيما عدا ذلك. وقد اختلف في التعبير عنة اختلاقًا كثيرًا. ذكر المنصف منه ثلاثة أشياء فقال: وفسر بأنه: دليل في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته، فلا يقدر على إظهاره. ورد الاستحسان بهذا التفسير بأنه لا بد من ظهوره، أي: من

стр. 1800

ظهور ذلك الدليل ليتميز صحيحة من فاسدة، لجواز أن يكون فاسدًا. ولما كان فيه نظر من جهة انه إن أريد بوجوب إظهاره أنه لا يكون قبل ذلك حجة على المناظر، فواضح. لكنه ليس محل الخلاف. وإن أريد به أن المجتهد لا يثبت به الأحكام فممنوع. ويجب عليه العمل به اتفاقًا، ولا أثر لعجزه عن التعبير فإنه يختلف بالنسبة إالى الغير، إلا أن يشك المجتهد فلا يجوز له العمل به فبناه. لذلك قال ابن الحاجب: والحق أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه، لأنهم ذكروا في تفسيره أمورًا لا تصلح محلا للخلاف؛ لأن بعضها مقبول اتفاقًا، وبعضها مردد بين ما هو مقبول اتفاقًا، وبين ما هو مردود اتفاقًا. وجعل هذا التفسير من المتردد بين القبول والرد كما مر. وفسره- أي: الاستحسان- فسره الكرخى: بأنه قطع المسألة

стр. 1801

عن نظائرها قي الحكم لما هو أقوى، فيقضي العدول عن الأول. وذلك حيث دل دليل خاص على إخراج صورة مما دل عليه العام، كتخصيص أبي حنيفة- رضي الله تعالى عنه- قول القائل: "مالي صدقة بالزكوي من المال"؛ لأن الدليل على وجوب الوفاء بالنذر يقتضي وجوب الصدقة بجميع أمواله عملاً بلفظه، لكن هنا دليل، وهو قوله تعالى: ﴿خذ من أمولهم صدقة﴾ فإن المراد بالمال في الآية "الزكوي" إجماعًا، فكذا في قول الناذر والجامع: قرينة إضافية الصدقة إلى المال في الصورتين. وهذا الدليل أعني "النص" أقوى من النذر، لكونه نصا، فثبت مقتضاه، وهو قطع بعض الأفراد عن هذا الحكم، وتخصيصه بالبعض الآخر. وإليه أشار بقوله: "لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾.

стр. 1802

وعلى هذا التفسير: فالاستحسان تخصيص. إذ ليس معنى التخصيص إلا إخراج بعض الأفراد. وهذا كذلك. وفي أكثر النسخ: "فالتخصيص استحسان". والأولى أولى؛ لأن النزاع في الاستحسان، كذا قيل. وفسر: (أبو الحسن البصري: الاستحسان) بأنه ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لأقوى، أي: لوجه أقوى

стр. 1803

من الأول، يكون كالطارئ فخرج التخصيص، أي: يكزن في حكم الطارئ عليه. فأشار بقوله: "ترك وجه من وجوه الاجتهاد" إلى أن الواقعة التي اجتهد فيها المجتهدون لها وجوه كثيرة واحتمالات متعددة، فيأخذ المجتهد بواحد منها، ثم إنه يترك ذلك الوجه لما هو أقوى. واحترز بقوله: "غير شامل شمول الألفاظ" عن تخصيص العموم. واحترز بقوله: "يكون في حكم الطارئ (عليه" عن ترك أضعف القياسين لأجل الأقوى، فإن أقواهما ليس في حكم الطارئ). مثاله: العنب، ثبت تحريم بيعه بالزبيب، سواء كان على رأس الشجر، أم لا، قياسًا على الرطب. ثم إن الشارع أرخص في جواز بيع الرطب على رءوس النخل

стр. 1804

بالتمر، فقسنا عليه العنب، وتركنا القياس الأول لكونه أقوى، فلما اجتمع في الثاني القوة والطريان كان استحسانًا. ويكون حاصله تخصيص العلة، وهو المعبر عنه بالنقض. وليس مما انفرد به الحنفية، وقد مر ما فيه. قيل: وفيه نظر، بل حاصله- كما قال الآمدي- الرجوع عن حكم دليل لطريان دليل أخر أقوى منه، وهذا أعم من تخصيص العلة. قال ابن السمعاني في القواطع: قال أبو زيد في الحنفية: الإلهام، ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال

стр. 1805

بآية، ولا نظر في حجة. قال: والذي عليه جمهور العلماء أنه لا يجوز العمل به، إلا عند فقد الحجج كلها في باب ما أبيح له علمه بغير علم. وقال في جمع الجوامع: ليس بحجة، هذا في غير المعصوم، أما المعصوم كالنبي فهو حجة في حقه، وحق غيره إذا تعلق بهم، كالوحي. الثاني من الأدلة المردودة -قيل-

стр. 1806

قول الصحابي إذا كان عالمًا، حجة على غيره إذا لم يكن صحابيًا، وهو قول قديم للشافعي -رضي الله تعالى عنه-. ونقل عن مالك وأكثر الحنفية.

стр. 1807

وقيل: قوله حجة، إن خالف القياس، وإلا فلا. قال ابن برهان في الوجيز: إنه الحق البين وأن الشافعي- رضي الله تعالى [عنه] تدل عليه. وقال الشافعي في القديم: قول الصحابي حجة، إن انتشر، ولم يخالف وإلا فلا، وحكاه ابن الصباغ في "العدة" عن الجديد.

стр. 1808

والصحيح الجديد: أنه ليس بحجة مطلقًا. قال السبكي: تبعًا للإمام الرازي في باب الأخبار من المحصول. ولابن الصباغ في الكامل: يستثنى من قوله في الجديد: ليس بحجة الحكم التعبدي فقوله في حجة، بظهور أن مستنده فيه التوقيف عن النبي- ﷺ قول الشافعي- ﵁ روي عن علي- ﵁ أنه صلى في ليلة ست ركعات، في كل ركعة ست سجدات ولو ثبت ذلك عن علي- ﵁ قلت به، لأنه لا مجال للقياس فيه، فالظاهر أنه فعله توقيفًا. قال العراقي: ليس هذا عملاً بقول الصحابي، وإنما هو تحسين للظن به، في أنه لا يفعل مثل ذلك إلا توقيفًا، فهو مرفوع حكمًا، وهو نظير ما اشتهر من أن قول الصحابي فيما لا مجال للاجتهاد فيه

стр. 1809

مرفوع حكمًا، لحمله على أنه سمعه من النبي- ﷺ . فذاك في القول وهذا في الفعل، والله أعلم. وموافقة الشافعي- رضي الله تعالى عنه- لزيد بن ثابت في الفرائض ليس تقليدًا له، بل لدليل قام عنده، فوافق اجتهاده اجتهاده، واستأنس به. وإذا قلنا: إن قول الصحابي ليس بحجة، فهل يجوز لغير المجتهد تقليده؟ فيه خلاف، حكاه إمام الحرمين. قال: والمحققون على المنع، لارتفاع الثقة بمذهبه، إذ لم يدون بخلاف مذهب كل الأئمة الأربعة (رضي الله تعالى عنه).

стр. 1810

وبهذا جزم ابن الصلاح، وعداه إلى كل من لم يدون مذهب. وقال: إنه يتعين تقليد الأئمة الأربعة. قال الإسنوي: حكاية الأقوال على الوجه الذي ذكره المصنف غلط لم يتنبه له أحد الشارحين. وسببه: اشتباه مسألة بمسألة، وذلك أن الكلام هنا في أمرين: أحدهما: أن قول الصحابي هل هو حجة أم لا؟ وفيه ثلاثة مذاهب: ثالثها: إن خالف القياس كان حجة وإلا فلا. الأمر الثاني: إذا قلنا: إن قول الصحابي ليس بحجة، فهل يجوز للمجتهد تقليده؟ فيه ثلاثة أقوال للشافعي -رضي الله تعالى عنه- الجديد أنه لا يجوز مطلقًا. الثلث -وهو قول قديم-: أنه إن انشر جاز وإلا فلا. هكذا صرح به الغزالي في المستصفى والآمدي في الإحكام وغيرهما، وأفراد لكل حكم مسألة.

стр. 1811

وذكر الإمام في المحصول نحو ذلك، فتوهم صاحب الحاصل أن المسألة الثانية أيضًا في كونه حجة، فصرخ بما توهمه. فرأى المصنف حال اختصاره أن تفريق أقوال الحكم الواحد لا معنى له فأخذ حاصل المسألتين من الأقوال وجمعة في هذا الموضع، فلزم منه أن القول المنفصل بين الانتشار وعدمه تفصيل في الاجتماع به فافهمه. واعلم أن في جمع الجوامع: حكاية هذا القول في كونه حجة كما صنع المنصف ولم ينكره شراحه، لكن العراقي في نكته على المناهج أنكره، فليحرر.

стр. 1812

لنا على كون قول الصحابي ليس بحجة مطلقًا قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ فإنه أمر بالاعتبار، وهو الاجتهاد، وذلك يمنع من التقليد. لأن الاجتهاد هو: البحث عن الدليل، والتقليد: هو الأخذ بقول غيره من غير دليل. وفيه نظر؛ لأن القائلين بكونه حجة، يمنعون كونه تقليدًا ويجعلونه كسائر الأدلة. ولك تقرير الاستدلال بالآية بأن الأمر بالاعتبار يقتضي وجوب

стр. 1813

الاجتهاد مطلقًا، خالفناه مع وجود النص أو الإجماع، فيبقى ما عدا ذلك على الأصل. ولنا أيضًا: إجماع الصحابة على جواز مخالفة بعضهم لبعض. ولو كان قول بعضهم حجة، لوقع الإنكار على من خالفه منهم، وإذا جاز مخالفة كل واحد منهم لهم، فيجوز لغيرهم أيضًا مخالفة كل واحد منهم عملاً بالاستصحاب وهو المطلوب. ولنا أيضًا: قياس الفروع على الأصول: فإن قول الصحابي ليس

стр. 1814

بحجة على غيره من المجتهدين في أصول الدين، فلا يكون أيضًا حجة قي فروعها، والجامع بينهما: تمكن المجتهدين في الموضعين من الوقوف على الحكم بطريقه. وقد يفرق بينهما: بأن المطلوب في الأصول العلم، وقول الصحابي لا يفيده بخلاف الفروع، فإن المطلوب هو الظن، وقد يحصل بقول الصحابي. فإن قلت: قد استدل المنصف هنا بالقياس مع وجود النص والإجماع على زعمه، وكذا يفعله الفقهاء، مع أن القياس ليس بدليل مع واحد من النص، والإجماع كما مر فكيف الجواب. أجيب: بأن ذلك يذكر على سبيل التنبيه لا على سبيل الإثبات،

стр. 1815

أي: لو لم يكن نص أو إجماع؛ كان القياس دليلاً حتى لو طعن فيهما، كفى في إثبات المطلوب القياس. وأيضًا فإن فيه تنبيهًا على أن الحكم ليس بخارج عن سنن القياس. قيل: من جهة القائل بأن قول الصحابي حجة مطلقًا: أنه روي عنه- ﷺ أنه قال: "أصحابي كالنجوم بأنهم اقتديتم اهتديتم" رواه عبد الله بن روح المدائني (بلفظ: " مثل الصحابي في أمتي مثل النجوم بأنهم اقتديتم اهتديتم" وفيه مقال.

стр. 1816

ورواه بمعناه الدرامي وفيه ضعف، وقد روي من طرق كثيرة. قال ابن حزم: هو خبر موضوع قال البراز: لا يصح عن النبي- ﷺ . وقال البيهقي: هذا الحديث مشهور المتن وأسانيده ضعيفة، لم يثبت

стр. 1817

في هذا إسناد. قال الزركشي: لكن تتقوى طرقه بعضها البعض، لا سيما وقد احتج به الإمام أحمد (رضي الله تعالى عنه)، واعتمد عليه في فضائل الصحابة (رضي الله تعالى عنه) ومن شواهد حديث في مسلم. فدل الحديث على أن الاهتداء لازم للاقتداء بأي واحد منهم. وذلك يقتضي أن يكون قوله حجة، وإلا لم يكن المقتدى به مهتديًا.

стр. 1818

قلنا: المراد عوام الصحابة؛ لأن الخطاب إنما هو مع الصحابة لكونه خطاب مشافهة: فانتقى دخول غيرهم. ثم إن الصحابة المخاطبين بذلك لا يجوز أن يكونوا مجتهدين لكونه محل الخلاف كما تقدم. فتعين أن المراد منه أن غير المجتهد منهم إذا اقتدى بأي مجتهد كان منهم اهتدى، وهو صحيح مسلم. قيل: من جهة القائل بأن قول الصحابي عند مخالفة القياس حجة؛ أن الصحابي بعد ما عرف القياس إذا خالف مقتضى القياس, فقد اتبع الخبر، إذ هو الحامل له على مخالفة القياس، وإلا فيكون قد ترك القياس المأمور به، وانقدحت عدالته، وهو باطل، فمخالفه كاشفة عن الخبر الذي هو حجة، وليس هو بحجة لذاته.

стр. 1819

قلنا: ربما خالف القياس إذا اطلع لما أي لشيء ظنه دليلاً، ولم يكن في الواقع دليلاً، فلم يكن كاشفًا عن الخبر، فلم يكن حجة. ولم يتعرض المنصف لحجة القول المنفصل بين المنتشر وغيره، لتقدم الكلام فيه في الإجماع.

стр. 1820

مسألة منعت المعتزلة -أي: جمهورهم- تفويض الحكم إلى رأي النبي- ﷺ أو العالم. وذلك بأن يقال من قبل الله -تعالى- للنبي- ﷺ -أو

стр. 1821

العلم على لسان نبي: احكم بما تشاء في الوقائع من غير دليل، فما حكمت به فهو حكم الله -تعالى- فإنك لا تحكم إلا بالصواب؛ لأن الحكم يتبع المصلحة. فلو فوض ذلك إلى اختيار العبد؛ لأدى إلى تخلف الحكم عن المصلحة، لجواز أن يصادف اختيار هـ ما ليس بمصلحة في نفس الأمر، وما ليس بمصلحة في نفس الأمر لا يصير بجعله إليه، أي: إلى المجتهد مصلحة لأن الحقيقة لا تقلب بالاختيار. وإذا حكم بما ليس بمصلحة، فلم يكن حكمًا شرعيًا لما علمت. قلنا: هذا مبني على أصل. وهو وجوب رعاية المصالح

стр. 1822

وذلك الأصل ممنوع لما تقدم. وإن سلم (فلم لا) يجوز أن يكون اختياره، أي: اختيار المفوض إليه، أمارة على وجود المصلحة، بأن يلهمه الله تعالى اختيار ما فيه المصلحة، وإن لم يعلم بها؛ لأنه لما أخبره -تعالى- بأنه لا يحكم إلا بالصواب، وتوقف الحكم بالصواب على المصلحة لزم أن لا يحكم إلا بالمصلحة وإن جهلها. وقيل: يجوز التفويض، وبه قال بعض المعتزلة، واختاره الآمدي، وابن الحاجب، وصاحب جمع الجوامع تبعًا لابن

стр. 1823

السمعاني. ويكون هذا القول مدركًا شرعيًا، ويسمي: التفويض لدلالته عليه. ولكنه لم يقع وجزم بوقوعه- أي: بوقوع التفويض -موسى بن عمران من المعتزلة لقوله ﵊ بعد ما أنشدت قتيلة- بضم القاف- ابنة النضر بن الحارث. ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق فرق لها رسول الله ﷺ حتى دمعت عيناه،

стр. 1824

وقال لأبي بكر (رضي الله تعالى عنه): "لو سمعت شعرها ما قتلت أباها". رواه الزبير بن بكار، وذكره ابن هشام في السير، عن محمد ابن إسحاق وساق الأبيات بطولها إلا أنه ذكر أنه أخوها.

стр. 1825

قال السهيلي: والصحيح أنها بنته لا أخته. وممن حكي القولين الحصري في زهر الآداب. وحكي عن الزبير قال: سمعت بعض أهل العلم يغمز في أبيات قتيلة هذه ويقول: هي مصنوعة. فدل الحديث على أن القتل وعدمه مفوض إليه، إذا لو كان بأمر الله- تعالى- قتله سمع الشعر أم لم يسمع. وأيضًا سؤال الأقرع في الحج:
следующие страницы →