Полный текст (2 009 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
الأصح وإنما يشترط الأمور المتقدمة في المجتهد المطلق.
وأما الذي دونه في الرتبة فهو مجتهد المذهب أي -المقلد لإمام من الأئمة- فلا يشترط فيه إلا معرفة قواعد إمامه، فإذا وقعت حادثة لم يعرف لإمامه فيها نصًا اجتهد فيها على مذهبه، وخرجها على أصوله.
ودونه في الرتبة مجتهد الفتيا، وهو: المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من ترجيح قوله على آخر إذا أطلقهما.
стр. 1962
والصحيح جواز تجزئ الاجتهاد: بأن يحصل لبعض الناس قوة الاجتهاد في بعض الأبواب بأن يعلم أدلته باستقراء منه، أو من مجتهد كامل وينظر فيها
الفصل الثاني: في أحكام الاجتهاد
стр. 1963
فالمصيب من المختلفين في العقليات واحد، وهو: من صادف الحق فيها لتعينه في الواقع، وذلك كحدوث العالم، ووجود الباري ﵎ وصفاته، وبعثته للرسل.
وأما نافي الإسلام كله أو بعضه.
стр. 1964
(المجمع عليه، المعلوم من الدين بالضرورة، فإنه مخطئ آثم كافر، سواء اجتهد، أو لم يجتهد، لأنه) لم يصادف الحق فيهت.
ولا عبرة بمخالفة الجاحظ والعنبري، فإن الإجماع منعقد على خلاف قولهما قبل ظهورهما.
وأما غير العقلية وهي التي ليست أصلًا من أصول الشرع المجمع عليه.
стр. 1965
فإن كان فيها قاطع: فالمصيب فيها واحد وفاقًا.
وقيل: على الخلاف فيما لا قاطع فيها، فإن قصر في طلبه كان آئمًا، وإن لم يقصر فغير آثم على الأصح.
وأما التي لا قاطع فيها، فهي التي تكلم فيها المصنف فقال:
اختلف في تصويب المجتهدين في المسائل الفروعية التي لا قاطع فيها. هل كل مجتهد فيها مصيب أو المصيب فيها واحد؟
وقال بالأول الشيخ أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن سريج.
стр. 1966
ونقل عن جمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة.
وقال الجمهور- وهو الصحيح-: أن المصيب واحد.
ونقل عن الأئمة الأربعة.
وقال ابن السمعاني في القواطع: إنه ظاهر مذهب الشافعي، ومن حكى عنه غيره فقد أخطأ.
والمصنف تابع للإمام في بناء هذا الخلاف على الخلاف في مسألة أخرى: وهي أن لكل صورة من صور الوقائع قبل الاجتهاد حكمًا معينًا لله تعالى فيها أم ليس فيها ذلك، بل الحكم فيها تابع لظن المجتهد، فما
стр. 1967
ظنه فهو حكم الله تعالى في حقه وحق مقلده.
فإن قلنا: لله- تعالى- في كل صورة حكمًا معينًا لا يكون كل مجتهد مصيبًا بل المصيب منه من حكم بذلك المعين.
وإن قلنا: إن حكم كل حادثة ما أدى إليه اجتهاد المجتهد كان كل مجتهد مصيبًا.
وقال الشيخ القاضي: حكم الله تعالى تابع لظن المجتهد.
وقال أبو يوسف ومحمد وابن سريج: إن في كل حادثة شيئًا لو حكم الله- تعالى- فيها لكان بذلك الشيء، وتسمى هذه المقالة "الأشبه" قاله في المنخول.
стр. 1968
وهذا حكم على الغيب.
ثم إن القائلين بأن لله في كل واقعة حكمًا معينًا سابقًا على اجتهاد المجتهد.
منهم من قال: لا دليل عليه وإنما هو كدفين يصيبه من شاء الله تعالى، ويخطئه من شاء الله تعالى.
ومنهم من قال: عليه دللي قطعي، وظني.
стр. 1969
فالقائل: بأنه قطعي بشر المريسي وأبو بكر الأصم، وعليه المخطئ آثم.
والقائل بأنه ظني الأستاذ، ونقل عن الأئمة الأربعة وأكثر الفقهاء وكثير من المتكلمين.
والمختار عند المصنف تبعًا للإمام الرازي ما صح عن الشافعي- ﵁ أن في الحادثة حكمًا معينًا عليه أمارة من وجدها أصاب،
стр. 1970
ومن فقدها أخطأ ولا يأثم.
فإن قلت كيف يصح القول بأن حكم الله تعالى تابع لظن المجتهد، مع القول بقدم الحكم لأن ظن المجتهد حادث، ويمتنع إيقاع القديم بالحادث، فكيف يصح إسناد هذا القول إلى الأشعري والقاضي والأئمة، ومذهبهم أن الحكم قديم.
أجيب: بأنه ليس المراد بالحكم هنا خطاب الله تعالى ليرد هذا، بل المراد به: ما يتأدى إليه الاجتهاد ويستلزمه ويجب عليه.
وعلى من يقلده العمل به.
فقيل: ذلك حكم واحد أي: نسبة إيقاعية بين المكلف والفعل بالاقتضاء أو التخيير معين عند الله تعالى وفي نفس الأمر يتبعه الاجتهاد، فإن تأدى إليه كان صحيحًا، وإن تخطاه كان فاسدًا ومع هذا تجب متابعة ظنه الفاسد ولا يأثم به.
وقيل غير ذلك.
стр. 1971
واستدل المصنف لمختاره بقوله: لأن الاجتهاد مسبوق بالدلالة، إذ الاجتهاد: هو طلب دلالة الدليل على الحكم، وطلب الدلالة متأخر عن الدلالة، لأن الوقوف على الشيء، يستدعي تقدم ذلك الشيء في الوجود. فثبت أن الاجتهاد مسبوق.
بالدلالة لأنه، أي: الاجتهاد طلبها، أي: طلب دلالة الدليل على الحكم، وطلب الدلالة متأخر عن الدلالة؛ لأن الوقوف على الشيء يستدعي تقدم ذلك الشيء في الوجود، فثبت أن الاجتهاد مسبوق بالدلالة).
والدلالة متأخرة عن الحكم؛ لأنها نسبة بين الدليل والمدلول الذي هو الحكم، والنسبة بين الأمرين متأخرة عنهما؛ فإذا ثبت أن الدلالة متأخرة من الحكم لزم أن يكون الاجتهاد متأخرًا عن الحكم بمرتبتين، لأنه متأخر عن الدلالة المتأخرة عن الحكم.
стр. 1972
فلو تحقق الاجتهادان بأن يكون مدلول كل واحد حقًا صوابًا لاجتمع النقيضان. لاستلزامه حكمين متناقضين في نفس الأمر بالنسبة إلى مسألة واحدة.
ولأنه قال- ﵊: "من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد".
متفق عليه بلفظ: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، فإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر".
وفي رواية الحاكم: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله عشرة أجور" ثم قال: صحيح الإسناد.
стр. 1973
فدل على أن المجتهد قد يكون مخطئًا وقد يكون مصيبًا، وهو يدل: على أن في الواقعة حكمًا معينًا، وإلا لكان الحكم بكون أحدهما مخطئًا والآخر مصيبًا ترجيحًا بلا مرجح.
ودل أيضًا: على أن المخطئ لا يأثم، لأنه حكم- ﵊ بأنه مأجور.
وفي دليلي المصنف نظر.
أما الأول: فلا نسلم أن طلب الشيء يتوقف على ثبوته في الخارج بل في النفس.
سلمناه: لكن لا يثبت به المدعى بتمامه فإنه لا يدل على سقوط
стр. 1974
الإثم عن المخطيء وحصول الأجر.
وأيضًا فقوله: الاجتهاد: طلب الدلالة ممنوع، بل طلب الحكم نفسه لكن بسبب الدلالة.
وأما الثاني: فهو خبر آحاد، والمسألة أصولية. سلمناه لكن لا دلالة فيه؛ لأن القضية الشرطية لا تدل على وقوع شرطها بل ولا على جواز وقوعه. وأيضًا فالخطأ متصور عند القائلين بأن كل مجتهد مصيب. فيما إذا كان نص أو إجماع أو قياس جلي، وظن المجتهد غيره بعد الجهد.
قيل: لو تعين الحكم لكان ما أنزل اله- تعالى في تلك الواقعة ذلك الحكم، فالمخالفة له وهو الحكم بغير ذلك الحكم لم يحكم بما
стр. 1975
أنزل الله؛ فيفسق ويكفر لقوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾.
وفي موضع آخر: ﴿فأولئك هم الكافرين﴾.
لكن المخالف ليس بفاسق ولا كافر إجماعًا، فلا يكون في الواقعة حكم معين وهو المطلوب.
قلنا: لما أمر المجتهد بالحكم بما ظنه- وإن أخطأ فيه- فقد حكم بما أنزل الله تعالى، إذ من جملة ما أنزل الله تعالى أن كل مجتهد مأمور بأن يحكم في الواقعة بمقتضى ظنه وإن كان خطأ، وحينئذ لا يكفر المخالف ولا يفسق.
قيل أيضًا: لو لم يصوب الجميع من المجتهدين، لما جاز للمجتهد
стр. 1976
نصب المخالف له في الحكم، لكونه حاكمًا بزعمه بغير ذلك الحكم المعين وغير ذلك الحكم المعين باطل، فيكون الحاكم بزعمه مبطلًا، إذ لا نعني بالمبطل سوى الحاكم بالباطل، والمبطل لا يجوز نصبه بالإجماع فثبت أنه لو لم يقم كل مجتهد مصيبًا لما أجاز نصب المخالف، ولكن نصب المخالف جائز.
إذ قد نصب أبو بكر زيدًا بن ثابت- ﵄ وزيد كان يخالفه في كثير من المسائل كالجد.
وشاع ذلك في الصحابة- ﵃ ولم ينكروه فيكون كل مجتهد مصيبًا، فلا يكون حكم الواقعة قبل الاجتهاد معينًا وهو المطلوب.
قلنا: نعم لم يجز تولية المبطل، والمخطئ في الاجتهاد ليس بمبطل.
إذ المبطل هو الذي يخالف الحق عمدًا، والمخطئ آت بالمأمور به.
стр. 1977
فليس بمبطل قطعًا، والممنوع إنما هو تولية المبطل لا المخطئ فلا يتم ما ذكرتم.
قال الزركشي: والمعروف أن الذي استخلف زيد بن ثابت إنما هو عمر وعثمان وأما أبو بكر- ﵃ أجمعين فنصبه لجمع القرآن.
فرعان- على القول بالاجتهاد سواء كان في الواقعة حكم معين قبل الاجتهاد أم لا ؟
стр. 1978
الفرع الأول: في بيان كيفية رفع المنازعة عن واقعة تعلقت بالمجتهدين ولا يمكن توافقهما فيها.
مثاله: لو رأى الزوج لفظة كناية ورأته المرأة صريحًا في الطلاق فله، أي: فللزوج الطلب للوطء منها لبقاء الزوجية بينهما في ظنه، ولها الامتناع منه لوقوع الطلاق في ظنها.
فهذه منازعة وفي تصالحهما إشكال يرد على المذهبين، لوجوب العمل بالظن.
стр. 1979
وإن كان خطأ فيراجعان غيرهما من المجتهدين أو غيرهم ليفصل بينهما.
وإن كان صاحب الواقعة حاكمًا إذ الحاكم لا يحكم لنفسه، بل ينصب من يقضي بينهما.
وليس هذا تقليدًا للمجتهد، بل هو ترجيح أحد الاجتهادين من الزوجين على الآخر بمرجح، لما عرفت أن ظنين أقوى وأرجح من ظن واحد كذا قيل.
стр. 1980
الفرع الثاني:
إذا تغير الاجتهاد، كما لو ظن أن الخلع فسخ لا ينقص عدد الطلاق به، فخالع امرأته ثلاث مرات، ثم تغير اجتهاده وظن أنه طلاق، فلا ينقض الاجتهاد الأول بعد اقتران الحكم به، بل يبقى النكاح صحيحًا، وليس للزوج تسريح المرأة نقضًا للأول، لأن قضاء القاضي لما اتصل به تأكد، فلا يؤثر تغير الاجتهاد، وينقض الاجتهاد الأول قبله، أي: قبل قضاء القاضي؛ لأنه ظن خطؤه، وصواب الاجتهاد الثاني، والعمل بالظن واجب فيسرح المرأة.
والمراد بعدم النقض: أن يقر العمل الأول على ما مضى ويترك العمل به بعد.
стр. 1981
والمراد ينقضي الاجتهاد الأول: ترك العمل به، وإلا فالاتفاق على أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
وإنما يعمل بالاجتهاد فيما عدا الأحكام المبنية على الاجتهاد الأول.
نعم إن خالف في حكمه الأول نص كتاب أو سنة، أو إجماعًا.
أو ظاهرًا، ولو قياسًا، نقض حكمه ومحل ذلك أن يكون النص المخالف موجودًا.
فإن حدث بعده، وهذا إنما يتصور في عصره- صلى الله عليه
стр. 1982
وسلم- لم ينقض ما مضى، صرح به الماوردي.
وذكر في جمع الجوامع: أنه ينقض الحكم في المسائل الاجتهادية في مسألتين: حكم المجتهد علي خلاف اجتهاد نفسه. وهو باطل لمخالفته ما وجب عليه العمل به من الظن.
وحكم المقلد بخلاف اجتهاد إمامه، إلا أن يفعل ذلك لتقليده غيره وبقيت فروع وفوائد مبينة في الشرح.
стр. 1983
الباب الثاني: في الإفتاء
وفيه مسائل:
وهو منحصر في المفتي، والمستفتي، وما فيه الاستفتاء وجعل لكل واحد مسألة.
الأولى: في المفتي
يجوز الإفتاء للمجتهد إذا اتصف بالشروط المعتبرة في الراوي، وكذا نحو إفناء مقلد الحي.
واعلم أن من لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق تحته صورتان
إحداهما: أن يصل إلى رتبة الاجتهاد المقيد، بأن استقل بتقرير مذهب إمام معين كما هي صفات أصحاب الوجوه، وهذا يجوز له الإفتاء
стр. 1984
قطعًا.
الثاني: : أن لا يصل إلى هذه الرتبة وإمامه حي.
فقيل: يجوز له الإفتاء مطلقًا بما صح عنده من مذهب إمامه سواء كان سماعًا منه، أو رواية عنه، أو مسطورًا في كتاب معتمد عليه، وهو مقتضى اختيار الإمام وجزم المصنف.
وقيل: عكسه.
وقيل: إن كان مطلعًا على المأخذ أهلًا للنظر، جاز، لوقوع ذلك على [مر] الإعصار من غير إنكار، وإلا لم يجز؛ لأنه يفتي بغير علم.
стр. 1985
واختاره الآمدي وابن الحاجب. وحكى عن الأكثرين.
قال العراقي: ويمكن رد كلام المصنف إليه.
وإن كان إمامه ميتًا ففي الإفتاء بقوله خلاف ينبني على جواز تقليده.
والعلماء قد اختلفوا في تقليد الميت: فقيل: لا يجوز تقليده مطلقًا، وعزاه في المنخول لإجماع الأصوليين؛ لأنه أي: لأن الميت لا قول له لانعقاد الإجماع عل خلافه.
ولو كان له قول لم ينعقد، كما لا ينعقد على خلاف قول الحي.
وإذا لم يكن له قول لا يجوز تقليده، ولا الإفتاء بما كان ينسب
стр. 1986
إليه.
قالوا: وإنما صنفت كتب الفقه لاستفادة طرق الاجتهاد من تفرقهم في الحوادث، وكيفية بناء بعضها على بعض، ومعرفة المتفق عليه من المختلف فيه ..
ورد بالمنع لما سبق فيه من الخلاف، وإن سلم فهو معارض بحجة الإجماع بعد موت المجمعين.
والمختار جوازه، وبه قال الجمهور.
وعبر عنه الشافعي- رضي الله تعالى عنه- بقوله: المذاهب لا تموت بموت أربابها للإجماع عليه في زماننا.
стр. 1987
فإنهم أجمعوا على جواز العمل بهذا النوع من الفتوى؛ إذ ليس في الزمان مجتهد، ونظر فيه: من جهة أن عند عدم المجتهدين كيف ينعقد الإجماع، فالأولى أن يقال: غنه لو لم يجز لأدى إلى فساد أحوال الناس وتضررهم.
وأيضًا: فالعدل الموثوق به إذا حكى عن مجتهد عدل حكمًا للعامي، غلب على ظنه صدق الحاكي، وصدق المجتهد، وجب عليه قبوله والعمل به؛ لأن العمل بالظن واجب.
فائدة: التقليد: العمل بقول الغير من غير حجة.
стр. 1988
والمراد: بالقول ما يعم الفعل والتقرير تغليبًا.
تنبيه:
إنما انتقل المصنف من الإفتاء إلى التقليد؛ لأن إفتاء المقلد فرع على جواز التقليد ومبني عليه.
المسألة الثانية: في المستفتي:
وهو: من يجوز له الاستفتاء، ومن لا يجوز له.
ومن يريد الاستفتاء مجتهد وغيره.
فغيره: وهو من لم يبلغ رتبة الاجتهاد إذا كان عالمًا، يجوز له
стр. 1989
الاستفتاء في الفروع.
والصحيح جواز التقليد له، بل يجب عليه تقليد مجتهد.
وكان يجوز الاستفتاء للعامي، لعدم تكليفهم، أي: لعدم تكليف العوام في شيء من الإعصار بالاشتغال بأسبابه، أي: بأسباب الاجتهاد. فلو كانوا مأمورين بذلك لكلفوا به، وأنكروا عليهم العمل بفتاويهم مع أنه لم يقع شيء من ذلك.
وفيه أيضًا: تفويت لمعايشهم واستضرارهم بالاشتغال بتحصيل أسبابه.
وذلك سبب لفساد الأحوال، فيكون القول به باطلًا، بل
стр. 1990
يجب عليهم التقليد لمن له الأهلية دون المجتهد، فإنه لا يجوز له الاستفتاء بعد الاجتهاد وظن الحكم، ولا التقليد اتفاقًا، ويجب عليه العمل بما ظنه.
وكذا لا يجوز له الاستفتاء ولا التقليد إذا لم يجتهد على المختار.
لأنه مأمور بالاعتبار- أي: بالاجتهاد- (في قوله) تعالى ﴿فاعتبروا﴾ فإنه شامل له وللعامي أيضًا، لكن ترك العمل به بالنسبة إلى العامي لعجزه عن الاجتهاد فبقي معمولًا به في حق المجتهد.
وحينئذ لو جاز له الاستفتاء لكان تاركًا للاعتبار المأمور به، وتركه معصية فلا يجوز.
стр. 1991
ونبه الإمام الرازي على أن الخلاف في الجواز لا في الوجوب.
وقيل: لا يجوز التقليد لأحد لا العامي ولا غيره، بل يجب على كل واحد أن يقف على الحكم بطريقه.
وكاد ابن حزم يدعي الإجماع على النهي عن التقليد، وحكي ذلك عن مالك والشافعي ﵄ وغيرهما.
وقال الصيدلاني: إنما نهى الشافعي- ﵁ عن التقليد
стр. 1992
لمن بلغ رتبة الاجتهاد، فمن قصر عنها فليس له إلا التقليد.
وقيل: يجوز للمجتهد أن يستفي ويقلد، وحكي عن سفيان الثوري وأحمد وإسحاق- ﵃.
قيل: كون المجتهد قبل الاجتهاد لا يجوز له الاستفتاء لأنه مأمور بالاعتبار، كما تقدم.
معارض بعموم قوله تعالى: ﴿فاسألوا لأهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾.
فإنه يدل على جواز السؤال لمن لا يعلم، مجتهدًا كان أو غيره، والمجتهد قبل اجتهاده غير عالم فوجب أن يجوز له ذلك.
стр. 1993
وبقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾.
فإنه يدل على وجوب طاعة أولي الأمر على كل واحد من المؤمنين سواء كان مجتهدًا أو غيره، والعلماء من أولي الأمر؛ لأن أمرهم ينفذ حتى على الولاة والأمراء، فيكون قولهم معمولًا به في حق المجتهد والمقلد، فيجوز للمجتهد قبل اجتهاده الأخذ بقول العلماء، وهو المطلوب.
ومعارض أيضًا بالإجماع، وهو قول عبد الرحمن بن عوف لعثمان- ﵄ أبايعك على كتاب الله- تعالى- وسنة رسوله-
стр. 1994
صلى الله عليه وسلم- وسيرة الشيخين.
فالتزمه عثمان (وكان ذلك) بمحضر من الصحابة، فلم ينكر عليهما أحد، فكان ذلك إجماعًا على جواز أخذ المجتهد بقول المجتهد الميت، وإذا جاز ذلك جاز الأخذ بقول الحي بطريق الأولى.
وقول عبد الرحمن ﵁ رواه البخاري قريبًا مما ذكره المصنف.
стр. 1995
ورواه عبد الله بن احمد في زياداته على المسند بلفظ: "أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيره أبي كبر وعمر".
قلنا: الجواب عن الأول، وهو قوله تعالى: ﴿فاسألوا﴾ مخصوص بالعوام، وإلا أي: لو يخص بالعوام بل شمل المجتهدين الغير العالمين، لوجب على المجتهد بعد الاجتهاد، ولا قائل به.
ويجب أن يكون قوله: "لوجب" أي: لوجب أن يجوز للمجتهد التقليد بعد الاجتهاد، وهو باطل أيضًا.
وأيضًا: ﴿فاسألوا﴾ أمر بالسؤال من غير تعيين المسئول، وهو
стр. 1996
مطلق صادق تصوره، ويقول به في السؤال عن الأدلة والكشف عنها.
وأيضًا: فالمجتهد لا يخرجه عن كونه عالمًا غبية المسألة عن ذهنه مع تمكنه من معرفتها من غير احتياج على غيره.
والجواب عن الثاني وهو قوله: ﴿أطيعوا الله﴾ الآية.
إنه إنما ورد في الأقضية جون المسائل الاجتهادية؛ لأنه مطلق لا عموم له فيصدق بذلك، أو هي طاعتهم في قبول أدلة الأحكام.
والمراد من السيرة: في قول عبد الرحمن: العدل، والإنصاف بين الناس، والبعد عن حب الدنيا؛ لا الأخذ بالاجتهاد.
وإلا لجاز للمجتهد تقليد الميت، وهو باطل بالإجماع. كما قاله العبري.
стр. 1997
وعلم من كلام المصنف جواز تقليد المفضول من المجتهدين مع التمكن من تقليد الفاضل، وهو المشهور.
وفيه خلاف مذكور في الشرح مع فوائد أخرى.
المسألة الثالثة: فيما يجوز فيه الاستفتاء وما لا يجوز .
إنما يجوز الاستفتاء في الفروع على ما سبق، فإذا وقعت لعامي
стр. 1998
حادثة فاستفتى فيها مجتهدًا، وعمل فيها بفتوى ذلك المجتهد، فليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها بالإجماع، كما نقله ابن الحاجب وغيره.
(وفي جمع الجوامع: الخلاف فيه).
وإن كان قبل العمل، فقال النووي: المختار ما نقله الخطيب وغيره أنه إن لم يكن هناك مفت آخر لزمه بمجرد فتواه وإن لم تسكن نفسه.
стр. 1999
وإن كان هناك آخر لم يلزمه بمجرد إفتائه إذ ليس له أن يسأل غيره.
وحينئذ فقد يخالفه فيجيء فيه الخلاف في اختلاف المفتين.
أما إذا وقعت له حادثة غير تلك، فالأصح أنه يجوز له أن يستفتي فيها غير من استفتاه في الحادثة السابقة.
وقطع الكيا الهراسي بأنه يجب على العامي أن يلتزم مذهبًا معينًا.
стр. 2000
واختار في جمع الجوامع: أنه يجب ذلك ولا يفعله بمجرد التشهي، بل يختار مذهبًا يقلده في كل شيء يعتقده أرجح أو مساويًا لغيره لا مرجوحًا.
وقال النووي: الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء، لكن من غير تلفظ للرخص ولعل من منعه لم يثق بعدم تلفظه، وإذا التزم مذهبًا معينًا، فيجوز له الخروج عنه على الأصح في الرافعي.
ثم إذا قلنا بالجواز فشرطه أن لا يتتبع الرخص بأن يختار من كل مذهب ما هو أهون عليه بل يفسق بذلك كما نقله الرافعي عن أبي
следующие страницы →