Полный текст (2 009 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
أو بغيره من المرجحات، وهذا إنما يمكن في الأدلة الظنية لما سبق مرارًا.
فإن كانت من الآحاد، ترجح بعضها على بعض بالمتن والسند، وإن كانت متواترة لم يمكن الترجيح إلا بالمتن.
ويرجح القياس الذي دليل حكم أصله النص، على الذي ثبت حكم أصله بالإجماع لأنه فرعه، أي: لأن الإجماع فرع عن النص، لأن حجيته إنما ثبتت بالأدلة اللفظية.
كذا جزم به تبعًا للحاصل.
ونقل الإمام الرازي عن الأصوليين: تقديم الإجماع على النص، لأن
стр. 1927
الأدلة اللفظية قابلة للتخصيص والتأويلات بخلاف الإجماع. ثم قال: وهذا مشكل لكونه فرعًا له.
الوجه الرابع: الترجيح بحسب كيفية الحكم . وقد سبق في ترجيح الأخبار.
فيرجح القياس المبقي للبراءة الأصلية على الناقل، والمحرم على المبيح، والمثبت على النافي على ما فيه، ودارئ الحد على المثبت، والموجب والمحرم سواء.
الوجه الخامس: الترجيح بحسب محل العلة .
стр. 1928
وهو: إما الأصل أو الفرع:
أما الأصل: فيرجح القياس إذا كانت علته موافقة الأصول الكثيرة في العلة على ما لا يوافقها، لأن موافقة كل أصل دليل مستقل على صحة التعليل بها.
ولا شك أن الظن يقوى بكثرة الأدلة.
وكذا يرجح القياس الذي يوافق حكم أصله الأصول الشرعية، على ما لا يوافقها، لأن الأول متفق عليه، دون الثاني.
وإليه أشار بقوله: "والحكم".
والمراد بالموافقة أن يكون جنس ذلك الحكم ثابتًا في الأصول أو دلالة على ذلك الحكم.
стр. 1929
وأما الفرع: فيرجح القياس الذي تكون العلة في فرعه مطردة، أي: مثبتة للحكم في كل الفروع، على القياس الذي لا تكون العلة فيه مطردة، بل مثبتة للحكم في بعض الفروع (دون بعض)؛ لأن المطردة مجمع عليها بخلاف المنقوضة.
وهنا فوائد في الشرح.
واعلم أن المرجحات لا تنحصر لكثرتها جدًا، ومثارها قوة الظن وغلبته.
وقد سبق كثير في كلام المصنف فلم يحتج لإعادته، فسبق في بحث المفاهيم تقديم بعضها على بعض، وسبق في تعارض ما يخل بالفهم ترجيح المجاز على المشترك وغيرهما، وتعارض القول والفعل سبق في
стр. 1930
الكلام على السنة، وتقديم بعض أنواع المناسبة على بعض سبق في القياس.
стр. 1931
الكتاب السابع
في
الاجتهاد والإفتاء
стр. 1932
الكتاب السابع
في
الاجتهاد والإفتاء وأحكامهما
وفيه بابان:
يختص الأول بالأول والثاني بالثاني.
الباب الأول: في الاجتهاد
والمراد منه عند الإطلاق: الاجتهاد في الفروع.
стр. 1933
والاجتهاد لغة: تحمل الجهد، وهو المشقة في أمر.
وهو في الاصطلاح: استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية.
فقوله: "استفراغ الجهد" معناه: بذل تمام الطاقة بحيث يحس في نفسه العجز عن المزيد عليه، وهو كالجنس.
стр. 1934
وقوله: "في درك الأحكام" خرج به استفراغ الجهد في فعل من الأفعال، وخرج به الاجتهاد في الكلام، والأصول.
إذ المراد بالحكم هو الذي عرفه في المقدمة: وهو خطاب الله -تعالى- المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.
فعلى هذا قوله: "الشرعية" للتأكيد اهتمامًا به.
وقيل: المراد "بالأحكام" أعم من ذلك، فيكون التقييد "بالشرعية" ليخرج غيرها.
стр. 1935
وقيد ابن الحاجب: "استفراغ الجهد" بالفقيه، ليحترز عن استفراغ غير الفقيه، وعليه كلام مبين في الشرح.
وعلم من تعريف "الاجتهاد" تعريف المجتهِد والمجتهَد فيه.
فالمجتهد: هو المستفرغ وسعه في درك الأحكام الشرعية.
والمجتهد فيه: كل حكم شرعي.
قال الإمام والآمدي: وليس فيه دليل قطعي.
وفيه أي: في هذا الباب فصلان:
стр. 1936
الفصل الأول: في المجتهدين وأحكامهم وشرائطهم
وفيه (أي: في هذا الفصل) مسائل:
المسألة الأولى
يجوز له ﵊ أن يجتهد.
وبه قال الأكثرون، وهو مذهب الشافعي وأحمد -رضي الله
стр. 1937
عنهما- لعموم قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾.
فإنه عام شامل له ﷺ لأنه كان أعظم الناس بصيرة وأكثرهم خبرة بشرائط القياس، فيكون مأمورًا بالاجتهاد، فاعلاً له، صيانة لعصمته عن ترك المأمور به.
وأيضًا: وجوب العمل بالراجح يقتضي ذلك، فإذا غلب على ظنه ﷺ أن الحكم معلل بكذا، ثم عَلِم أو ظن وجود ذلك الوصف في صورة أخرى، فيلزم أن يحصل له ظن ثبوت الحكم في تلك الصورة، فيجب العمل بالظن لما هو مقرر في بداية
стр. 1938
العقول من وجوب العمل بالراجح.
ولأنه -أي: ولأن العمل بالاجتهاد- أشق من العمل بالنص، لأنه يحتاج إلى إتعاب النفس في بذل واسع، فيكون أكثر ثوابًا، فلو لم يعمل به ﷺ مع أن بعض أمته يعمل به، لزم اختصاص بعض أمته بفضيلة لم توجد فيه (وذلك باطل قطعًا).
ولأن الاجتهاد أدل على الفطانة) وجودة القريحة من العمل بالنص، فيكون العمل بالاجتهاد نوعًا من الفضل.
فلا يجوز خلو الرسول ﷺ منه، لكونه جامعًا لأنواع الفضائل.
ونظر في الدليلين الأخيرين من جهة: أنا لا نسلم أن علو درجته تقتضي تركه للاجتهاد، بل قد يقتضي تركه، إذ الشيء قد يسقط
стр. 1939
لدرجة أعلى، ولا يكون فيه نقص لأجره، ولا كون غيره مختصًا بفضيلة ليست له، وذلك كمن يحرم ثواب الشهادة لكونه حاكمًا، وثواب التقليد لكونه مجتهدًا، وثواب القضاء لكونه إمامًا.
وما اختاره المصنف من جواز الاجتهاد له ﷺ هو مذهب الجمهور ونُقِل عن الشافعي وأحمد ﵄.
ومنع ذلك أب علي الجبائي وابنه أو هاشم: لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ وهو ظاهر في العموم، وأن كل ما ينطق به هو عن وحي، وهو ينفي الاجتهاد، ولأنه القول بالقياس كما تقدم، والقياس قول بالرأي، والرأي هو قول بهوى النفس ومشيئتها.
стр. 1940
قلنا: النبي ﷺ مأمور به -أي: بالاجتهاد- لما مر.
فليس بهوى، فإن أمره بالاجتهاد إذا كان بالوحي كان نطقه بالحكم المجتهد فيه نطقًا عن الوحي لا عن الهوى.
قال العراقي: ما حاصله تبع في هذا الجواب صاحب الحاصل، ولم يستدل الخصم بقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ إذ لا يمكن القول بأن الاجتهاد هوى، وإنما استدلاله بقوله: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾.
وجوابه: ما ذكره الغزالي والإمام: أنه لما أُمر بالاجتهاد لم يكن العمل بمقتضاه نطقًا بغير الوحي.
стр. 1941
وقالا ثانيًا: لا يجوز له الاجتهاد لأنه ﷺ كان ينتظر الوحي في جواب كثير من المسائل كالظهار واللعان.
ولو كان مأمورًا بالقياس لما انتظر الوحي بل اجتهد وأجاب.
قلنا: لا نسلم الملازمة، فإنه ربما تأخر لجواز الوحي الذي
стр. 1942
عدمه شرط في الاجتهاد.
فإن شرط العمل بالقياس فقد النص، فانتظاره ليحصل الناس على النص، بأن يصبر مقدارًا يعرف به أن الله -تعالى- لا ينزل فيه وحيًا.
أو لأنه لم يجد أصلاً يقيس عليه في الحال فانتظر نصًا يقيس عليه.
وأيضًا: فربما تأخر الاجتهاد، فإن استفراغ الوسع يستدعي زمانًا.
وقيل: يجوز له ﷺ الاجتهاد في الآراء والحروب دون غيرها، وقيل بالتوقف في هذه الثلاثة، ونقله في المحصول عن أكثر المحققين.
وإذا قلنا: بالجواز فقيل: وقع، واختاره الآمدي وابن الحاجب.
стр. 1943
وقيل: لم يقع.
وقيل بالوقف.
ومحل الخلاف في الفتوى، أما في الأقضية فيجوز الاجتهاد فيها قطعًا.
قاله القرافي، وتبعه غير واحد.
ويشهد له ما في سنن أبي داود عن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- قالت: أتى رسول الله ( ﷺ رجلان) يختصمان في مواريث وأشياء قد درست فقال: "إني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه".
стр. 1944
قال الغزالي: فإذا اجتهد ﷺ فقاس فرعًا على أصل، فيجوز القياس على هذا الفرع، لأنه صار أصلاً بالنص.
قال: وكذا لو أجمعت الأمة عليه.
فرع: مبني على جواز الاجتهاد للرسول ﷺ .
وهو أنه لا يخطئ اجتهاده ﷺ على المختار، خلافًا لجماعة، وإلا وجب اتباعه في ذلك الخطأ، لكوننا مأمورين
стр. 1945
باتباعه فيلزم الأمر باتباع الخطأ وهو باطل. وفي هذا الاستدلال نظر. فالأحسن أن يقال: إن اجتهاده ﷺ لا يخطئ تنزيهًا لمنصب النبوة عن الخطأ في الاجتهاد.
المسألة الثانية
يجوز للغائبين عن الرسول ﷺ من المجتهدين
стр. 1946
الاجتهاد وفاقًا، ويجوز للحاضرين أيضًا على الأصح، إذ لا يمتنع أمرهم به أي: بالاجتهاد بأن يقول الرسول ﷺ لهم قد أوحي إلي أنكم مأمورون بالاجتهاد، أو بالعمل على وفق ظنكم.
وحكاية المصنف الاتفاق في الغائبين تبع فيه الأستاذ أبا منصور،
стр. 1947
وفي المحصول أنه جائز بلا شك لكن المشهور إجراء الخلاف فيه أيضًا.
وممن حكاه فيه الآمدي وغيره.
وهل المراد بالغيبة، الغَيبة عن مجلسه ﷺ أو عن البلد التي هو فيها، أو إلى مسافة القصر فما فوقها أو إلى مسافة يشق معها الارتحال للسؤال عن النص عند كل نازلة.
قال الغزالي: لم أر فيه نقلاً، وهو محتمل.
وإذا قلنا بجوزاه: فقيل: وقع أيضًا، واختاره الغزالي والآمدي وابن الحاجب.
وقيل: لم يقع.
وقيل بالوقف، واختاره المصنف، حيث قال: "ولم يثبت وقوعه" يعني في الحاضرين، ولا ينبغي إعادته إلى الغائب أيضًا، فإنه مع كونه مخالفًا للظاهر مخالف لقول الأكثرين، وميل الإمام الرازي.
стр. 1948
ونظر في توقفه من جهة ما في الصحيحين في قول أبي بكر في قصة أبي قتادة في السلب، وإنما قال ذلك اجتهادًا وإلا أسنده إلى النص.
стр. 1949
وفي تحكيم النبي ﷺ لسعد بن معاذ في بني قريظة فحكم بقتلهم فقال النبي ﷺ "قضيت بحكم الله" في الصحيحين أيضًا.
وأجيب عن الأول: بأن الصديق إنما قاله تنفيذًا لقوله - ﵊: "من قتل قتيلاً فله سلبه" لا باجتهاده.
стр. 1950
وعن الثاني: بأن محل النزاع حيث لم يوجد من الشارع إذن.
وفي طبقات الشيخ أبي إسحاق الشيرازي لم يكن أحد يفتي بحضرة النبي ﷺ غير أبي بكر الصديق (رضي الله تعالى عنه) وفيه ما تقدم من الاحتمال، وهنا فوائد في الشرح.
قيل من جهة مانعي الاجتهاد في حضرته - (صلى الله عليه سلم).
إن الاجتهاد عرضة للخطأ، أي: في معرض الخطأ، وهم قادرون على تحصيل النص الآمن منه، وسلوك السبيل المخوف مع
стр. 1951
القدرة على سلوك السبيل الآمن قبيح عقلاً.
قلنا لا نسلم كون الاجتهاد عرضة للخطأ بعد الإذن فيه، لأن الشرع لما قال: أنت مأمور بالاجتهاد أو بالعمل على وفق الظن كان آمنًا من الغلط، لأنه يكون بعد الاجتهاد آتيًا بما أمر به كذا في المحصول.
ونظر فيه من جهة أن كون الاجتهاد مأمورًا به لا ينافي كونه خطأ؛ لأن كون الاجتهاد خطأ عبارة عن عدم وجدان الأمارة الدالة على الحكم المعين في الواقعة كما سيأتي.
وإنما يمنع من التأثيم، فيجوز أن يكون مأمورًا بالعمل بالظن مع أنه لا يجد تلك الأمارة.
فالأحسن أن يجاب: بأنا لا نسلم أنه قادر على تحصيل النص فإنه قد يُسأل عن الواقعة، فلا يجد فيها شيئًا. بل يؤمر فيها بالاجتهاد.
سلمناه لكن لا نسلم أن ترك العمل بمقتضى الاحتياط قبيح.
стр. 1952
سلمناه لكنه مبني على التحسين والتقبيح العقليين.
الثالثة
المجتهد لا بد له أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام، وذلك لأن شرط الاجتهاد أن يكون المكلف متمكنًا من استنباط الأحكام الشرعية، ولا يحصل هذا التمكن إلا بمعرفة هذين الأمرين وما بعدهما، والتي تتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة خمسمائة آية، كما قال الإمام الرازي.
وقيل: مائة، واستشكل؛ لأن تمييز آيات الأحكام من غيرها متوقف على معرفة الجميع، ولا يمكن المجتهد تقليد غيره في تمييزها
стр. 1953
والقرائح تتفاوت في استنباط الأحكام.
وفهم من التعبير "بالمعرفة" أنه لا يشترط حفظها، وبه صرح الإمام الرازي وغيره، بل يكون عارفًا بمواقعه حتى يرجع إليه في وقت الحاجة.
لكن نقل القيرواني عن الشافعي -رضي الله تعالى عنه- أنه يشترط حفظ جميع القرآن.
ولا يشترط أيضًا حفظ السنة المتعلقة بالأحكام ولا معرفة الجميع كما في الكتاب.
стр. 1954
قال الغزالي: ويكفيه أن يكون عنده أصل مصحح يجمع أحاديث الأحكام كسنن أبي داود، ومعرفة السنن للبيهقي، أو أصل وقعت العناية فيه يجمع أحاديث الأحكام يكتفي فيه بمعرفة مواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة.
قال النووي: والتمثيل بأبي داود لا يصح لأنه لم يستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام ولا معظمه، وكم في صحيح البخاري وصحيح مسلم من حديث حكم ليس في سنن أبي داود.
ولا بد للمجتهد أن يعرف مواقع الإجماع حتى لا يخرقه ويفتي بخلافه، ولا يشترط حفظها، بل يكفي معرفته بأن ما أفتى به ليس مخالفًا للإجماع إما بأن يعلم موافقته لعالم، أو يظن أن تلك الواقعة حادثة لم يسبق لأهل الأعصار المتقدمة فيها كلام.
стр. 1955
ولا بد للمجتهد أن يعرف شرائط القياس المعتبرة، وعلم منه أنه لا بد من معرفته لأنه قاعدة الاجتهاد، والموصل إلى تفاصيل أحكام الوقائع التي لا حصر لها.
وقد اختلف في أن إنكار القياس هل يقدح في الاجتهاد أم لا؟
فقيل: يقدح، وبه قال إمام الحرمين والقاضي أبو بكر.
وقيل لا يقدح، ورجحه في جمع الجوامع، وهو متقضى كلام أصحابنا حيث ذكروا خلاف الظاهرية في تعاليقهم.
وقيل: لا يقدح إن أنكر القياس الخفي فقط.
فإن أنكر الجلي أيضًا قدح، وهو ظاهر كلام ابن الصلاح وغيره.
ولا بد أن يعرف المجتهد كيفية النظر في استفادة المجهول من المعلومات لأن المجتهد ناظر في استنباط الأحكام، فلا بد له من العلم
стр. 1956
بكيفية النظر.
فيشترط أن يعرف شرائط الحدود والبراهين، وكيفية تركيب مقدماتها، واستنتاج المطلوب منها.
ولا بد أن يعرف علم العربية، وهو العلم بلغة العرب مفرداتها ومركباتها وأحوالها من النحو والصرف، لأن شرعنا عربي، ولا تتم معرفته إلا بمعرفة كلام العرب ومن هذه الجهة يعرف العموم والخصوص، والحقيقة والمجاز، والإطلاق والتقييد، وغيره مما سبق.
ولا بد من معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة لئلا يحكم
стр. 1957
بالمنسوخ المتروك.
ولا بد من معرفة حال الرواة في القوة والضعف، ومعرفة طرق الجرح التعديل لأن الأدلة لا اطلاع عليها إلا النقل، فلا بد من معرفة النقلة وأحوالهم ليعرف المنقول الصحيح من الفاسد.
ويكفي في الخبر بحال الرواة في زماننا الرجوع إلى أئمة ذلك من المحدثين، كالإمام أحمد والبخاري ومسلم والدارقطني وأبي داود ونحوهم، لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجاز الأخذ بقولهم كما نأخذ بقول المقومين في القيم.
وأيضًا فلتعذرها في زماننا إلا بواسطة، وهم أولى من غيرهم.
стр. 1958
تنبيه: شرط المجتهد البلوغ، والعقل، وأن يكون ذا ملكة، أي: هيئة راسخة في النفس يدرك بها ما من شأنه أن يعلم.
ويعلم هذا من قول المصنف: "وكيفية النظر".
وأن يكون: فقيه النفس، أي: شديد الفهم لمقاصد الكلام.
وأن يكون: عارفًا بالدليل العقلي، أي: البراءة الأصلية، والتكليف به (في الحجية، كما تقدم أن استصحاب العدم الأصلي حجة) فيتمسك به، إلى أن يعرف عنه دليل شرعي.
стр. 1959
ومعرفة أسباب النزول في آيات الأحكام، فإن الخبرة بها ترشد إلى فهم المراد.
ومعرفة شرط التواتر والآحاد المحقق لهما المذكور فيما مر، لتقدم الأول على الثاني، فإنه إذا لم يكن خبيرًا به قد يعكس.
ولا حاجة في المجتهد إلى علم الكلام لإمكان الاستنباط لمن يجزم بعقيدة الإسلام.
والمصنف تابع للأصوليين في ذلك.
وقال الرافعي: عد الأصحاب من شروط الاجتهاد معرفة أصول العقائد.
قال الغزالي: وعندي أنه يكفي اعتقاد جازم، ولا يشترط معرفتها.
стр. 1960
على طريق المتكلمين.
ولا حاجة إلى الفقه لأنه نتيجته، -أي: نتيجة الاجتهاد- فكيف يحتاج إليه؟ وصحح ابن الصلاح اشتراط ذلك في المفتي الذي يتأتى به فرض الكفاية. ليسهل عليه إدراك أحكام الوقائع على القربة من غير تعب كثير، وإن لم يشترط ذلك في المجتهد المستقل.
وهو معنى قول الغزالي: إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسة الفقه، فهو طريق تحصيل الدراية في الزمان، ولم يكن الطريق في زمن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ذلك.
ولا يشترط في المجتهد الذكورة والحرية، وكذا العدالة في
стр. 1961
الأصح وإنما يشترط الأمور المتقدمة في المجتهد المطلق.
وأما الذي دونه في الرتبة فهو مجتهد المذهب أي -المقلد لإمام من الأئمة- فلا يشترط فيه إلا معرفة قواعد إمامه، فإذا وقعت حادثة لم يعرف لإمامه فيها نصًا اجتهد فيها على مذهبه، وخرجها على أصوله.
ودونه في الرتبة مجتهد الفتيا، وهو: المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من ترجيح قوله على آخر إذا أطلقهما.
стр. 1962
والصحيح جواز تجزئ الاجتهاد: بأن يحصل لبعض الناس قوة الاجتهاد في بعض الأبواب بأن يعلم أدلته باستقراء منه، أو من مجتهد كامل وينظر فيها
الفصل الثاني: في أحكام الاجتهاد
стр. 1963
فالمصيب من المختلفين في العقليات واحد، وهو: من صادف الحق فيها لتعينه في الواقع، وذلك كحدوث العالم، ووجود الباري ﵎ وصفاته، وبعثته للرسل.
وأما نافي الإسلام كله أو بعضه.
стр. 1964
(المجمع عليه، المعلوم من الدين بالضرورة، فإنه مخطئ آثم كافر، سواء اجتهد، أو لم يجتهد، لأنه) لم يصادف الحق فيهت.
ولا عبرة بمخالفة الجاحظ والعنبري، فإن الإجماع منعقد على خلاف قولهما قبل ظهورهما.
وأما غير العقلية وهي التي ليست أصلًا من أصول الشرع المجمع عليه.
стр. 1965
فإن كان فيها قاطع: فالمصيب فيها واحد وفاقًا.
وقيل: على الخلاف فيما لا قاطع فيها، فإن قصر في طلبه كان آئمًا، وإن لم يقصر فغير آثم على الأصح.
وأما التي لا قاطع فيها، فهي التي تكلم فيها المصنف فقال:
اختلف في تصويب المجتهدين في المسائل الفروعية التي لا قاطع فيها. هل كل مجتهد فيها مصيب أو المصيب فيها واحد؟
وقال بالأول الشيخ أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن سريج.
следующие страницы →