← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقد يقال: المأتي به ثانيًا لا يكون نفس المأتي به أولاً بل مثله، فلا يكون تحصيلاً للحاصل، فلا يتم الدليل، على أنه قد لا يسلم أن القضاء عبارة عن استدراك ما قد فات من مصلحة الأداء، بل عن الإتيان بمثل ما وجب أولاً بطريق اللزوم. وقال أبو هاشم: لا يوجبه، أي: امتثال الأمر لا يوجب الإجزاء كما لا يوجب النهي الفساد، بدليل صحة البيع وقت النداء. والجواب: طلب الجامع بين الأمر والنهي، ثم الفرق بينهما.

стр. 352

فإن قال: الجامع بأن كلا منهما طلب جازم، فالفرق أن النهي يدل على المنع من الفعل، ويجوز أن يكون الفعل ممنوعًا منه لتحقيق حكم آخر، كالنهي عن البيع وقت النداء، فإنه منع عنه لا لذاته، بل لتحقق الجمعة، وحينئذ إذا أتى به لم يفسد لكونه غير ممنوع لذاته، وأما الأمر فلا دلالة له إلا على اقتضاء الفعل فإذا أتى به فقد أتى بتمام المقتضى. وأدى ما عليه فينقطع عن التعلق.

стр. 353

وإذا أردت تحقيق هذه المسألة على ما ينبغي فعليك بشرحي تيسير الوصول (إلى منهاج الأصول) من (المنقول والمعقول) الذي هذا ملخص منه فإنها مستوفاة فيه، ومقصودي من هذا المختصر مجرد حل

стр. 354

كلام المصنف - رحمه الله تعالى - (ومن أراد الإشباع فعليه بذلك الشرح). * * *

стр. 355

الكتاب الأول في الكتاب أي القرآن، وهو الكلام المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه.

стр. 356

والاستدلال به يتوقف على معرفة اللغة؛ لأنه وارد بلغة العرب، ومعرفة أقسامها. وهو أي الكتاب ينقسم إلى: أمر ونهي بحسب ذاته. وبحسب مدلوله: إلى عام وخاص. وبحسب كيفية دلالته إلى مجمل ومبين، وإلى ناسخ ومنسوخ. لأن الدليل (قد يرد) لإثبات حكم أو لرفعه وهو الناسخ والمنسوخ. والسنة مثل الكتاب في جميع الأقسام.

стр. 357

قال العراقي: وهذه الأقسام في الإنشاء فقط. فأما الأخبار فلا حظ فيها للأصولي. فأطلق الكتاب وأراد به قسم الإنشاء منه. وبيان ذلك في أبواب خمسة لكل قسم باب، وقدم بحث اللغات. لكونها جنسًا لهذه الأحكام، ثم بحث الأمر والنهي؛ لأن النظر في ذات الشيء مقدم على أحواله، ثم قدم العام والخاص لأنهما من تعلقات الأمر والنهي، وبحث المجمل والمبين كبقية ذلك التعلق،

стр. 358

وقدمهما على الناسخ والمنسوخ؛ لأن النسخ يطرأ على ثبات بأحد الوجوه المذكورة. الباب الأول: في اللغات وهي الألفاظ الموضوعة للمعاني، وهي تتوقف على أمور مذكورة في الفصل الأول. وجمع اللغات مع أن الكلام في لغة العرب وهي واحدة، لاختلاف لغات القبائل.

стр. 359

ولأن المباحث مشتركة بين جميع اللغات. وفيه فصول: الفصل الأول: في الوضع أي في تحقيق وضع اللغات، وما يتعلق به، وهو ستة: (الوضع، والموضوع، والموضوع له، وفائدته، والواضع، وطريق معرفته). وذكرها في هذا الفصل على هذا الترتيب فقال: لما

стр. 360

مست، أي اشتدت الحاجة إلى التعاون والتعارف لأن الله- تعالى- خلق الإنسان غير مستقل بمصالح معاشه، محتاجًا إلى مشاركة أبناء جنسه، لاحتياجه إلى غذاء ولباس ومسكن، والواحد لا يتمكن من تحصيل هذه الأشياء فضلًا عن صنعتها، فلابد من جمع يعاون بعضهم بعضًا، وذلك لا يتم إلا بأن يعرفه ما في نفسه، فاحتيج إلى شيء يحصل به التعريف. والتعريف إما باللفظ، أو بالإشارة كحركة اليد والرأس والحاجب، أو بالمثال كالكتابة وشكل المطلوب، وكان اللفظ أفيد من الإشارة والمثال لعمومه.

стр. 361

إذ يمكن التعبير به عن الذات والمعنى، والموجود والمعدوم، والحاضر والغائب، والقديم والحديث، وذي الشكل وغيره. بخلاف الإشارة والمثال. وأيسر لأن الحروف كيفيات تعرض للنفس الضروري للإنسان يحصل بطبيعته من غير كلفة ومشقة. ولما كان الأمر ما ذكرنا وضعت الألفاظ بإزاء المعاني الذهنية دون الأمور الخارجية، لدورانها (أي الألفاظ) معها أي مع المعاني الذهنية.

стр. 362

فإن من رأى شبحًا من بعيد وظنه حمارًا سماه حمارًا، وإن ظن فرسًا سماه فرسًا، وإذا حضر عنده وعلم أنه إنسان سماه إنسانًا. فإذا دار اللفظ مع المعاني الذهنية، علم أن اللفظ موضوع بإزائها، ولو كانت موضوعة بإزاء الأمور الخارجية لتغير الخارجي بتغير الظنون، وهو باطل قطعًا. واختار الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أن الوضع بإزاء المعنى الخارجي.

стр. 363

قال الإسنوي: ويظهر أن يقال: إن اللفظ موضوع بإزاء المعنى من حيث هو، أي مع قطع النظر عن كونه ذهنيًّا أو خارجيًّا. وقوله: «ليفيد» أي وضعت لتفيد النسب أي الإضافة مثل غلام زيد، ودار هند. والمركبات أي: المعاني المركبة، مثل: قام زيد، وزيد قائم،

стр. 364

فوضع لفظ زيد لشخص معين، ولفظ غلام لآخر لنعلم عند الإضافة النسبية بينهما بالمالكية والمملوكية. وكذا قام زيد ليعلم عند الإسناد صدور القيام من زيد. وليس الغرض من الوضع إفادة الألفاظ للمعاني المفردة إذ لو كان كذلك لزم الدور. ولذا أشار بقوله: «دون المعاني المفردة وإلا فيدور»، وذلك لأن الوضع موقوف على تصور المعنى، فلو توقف تصور المعنى على الوضع لدار. ولا يجيء مثله في المركب لأن تصور معنى المركب موقوف على وضع الألفاظ لمعانيها المفردة من غير عكس. هذا والدور مندفع؛ لأن فهم المعنى من اللفظ يتوقف على العلم بالوضع، وهو إنما يتوقف على فهمه في الجملة لا على فهم المعنى من اللفظ حتى يلزم الدور.

стр. 365

ولم يثبت تعيين الواضع للغات هل هو الله تعالى أو البشر؟ والشيخ أبو الحسن الأشعري: زعم أن الله تعالى وضعه (أي

стр. 366

اللفظ) ووقف عباده عليه، أي: أعلمهم بها، إما بالوحي أو بخلق أصوات تدل عليها وأسمعها لواحد أو جماعة. أو بخلق علم ضروري بها، لقوله تعالى: ﴿وعلم آدم

стр. 367

الأسماء كلها﴾ دل على تعليمه- تعالى- الأسماء لآدم ﷺ . وهو ظاهر في أنه الواضع دون البشر. وكذلك الأفعال والحروف، إذ لا قائل بالفصل. ولأن التعلم وهو الغرض يعسر بدونهما، ولأنهما أسماء في اللغة والتخصيص اصطلاح طرأ. ولقوله تعالى: ﴿ما أنزل الله بها من سلطان﴾.

стр. 368

ولو لم تكن توقيفية لما ذمهم. ولقوله تعالى: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾. والمراد اللغات بالاتفاق؛ إذ لا كثير اختلاف في «العضو»، وإذ بدائع الصنع في غيره أكثر. فلولا أن توقيفي لما من. ولأنها- أي: اللغات- لو كانت اصطلاحية لاحتاج الواضع في تعليمها لغيره إلى اصطلاح آخر، وذلك الاصطلاح الآخر لا يفيد

стр. 369

لذاته، فلابد من اصطلاح آخر وهكذا ويتسلسل. وهذا لا يثبت مذهب الشيخ، بل يبطل مذهب الاصطلاح فقط. وأيضًا: لو كانت اصطلاحية لجاز التغيير في الاصطلاح. كأن يصطلح المتأخرون على غير ما اصطلح عليه من قبلهم، إذ لا حجر في الاصطلاح. فجاز أن يكون المراد بالصلاة والزكاة في زماننا غير ما اصطلح عليه في زمن الرسول، ﷺ ، فيرتفع الأمان عن الشرع. وأجيب بأن الأسماء سمات الأشياء، أي: علاماتها

стр. 370

وخصائصها، مثل أن علمه أن الخيل للكر والفر، والجمال للحمل، والثيران للزرع. والضمير في ﴿عرضهم﴾ لا يصلح للأسماء إلا إذا أريد به المسميات، مع تغليب ذوي العقول على غيرهم. سلمنا أن الأسماء هي اللغات، لكن يجوز أن تكون الأسماء قد وضعها طائفة أخرى غير بني آدم من الجن، أو غيرهم. وإليه أشار بقوله: «أو ما سبق وضعها». ولك أن تقول: التعليم للأسماء، والضمير للمسميات، وإن لم يتقدم لها ذكر في اللفظ للقرينة الدالة عليها.

стр. 371

ويدل على أن التعليم للأسماء قوله تعالى: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء﴾. ﴿فلما أنبأهم بأسمائهم﴾. فأضاف الأسماء إلى المسميات، فدل على أنه ليس المراد بها المسميات أنفسها، بل الألفاظ الدالة عليها. فلو كان التعليم للمسميات لما صح الإلزام بطلب الإنباء بالأسماء، ثم إنباؤه بنفسه بالأسماء. وقوله: «أو ما سبق وضعها»، خلاف الظاهر؛ لأن الأصل عدم وضع سابق. لا يقال: يجوز أن يراد بالتعليم الإلهام بأن يضع نحو: ﴿وعلمناه صنعة لبوس﴾؛ لأن المتبادر من تعليم الأسماء:

стр. 372

تعريف وضعها لمعانيها. فاحتمال الإلهام: احتمال مرجوح فلا ينافي الظهور، بل من لوازمه. والتحقيق أن النزاع إن كان في الظهور، فالحق ما قال الشيخ. وإن كان المطلوب هو اليقين فالحق ما قاله المصنف تبعًا للقاضي أبي بكر الباقلاني من التوقف وهو مبين في الشرح. والذم في قوله تعالى: ﴿إن هي إلا أسماء﴾ للاعتقاد أي: لإطلاقهم لفظ الآلهة على الصنم مع اعتقادهم أنها آلهة. إذ اللات والعزى ومناة أعلام على أصنام، فقرينة اختصاها بالذم دون سائر الأسماء دليل عليه.

стр. 373

والتوقيف يعارضه الإقدار. بيانه: أن الألسنة وإن كانت مجازًا عن اللغات لكن كون اختلافها من آيات الله تعالى لا يدل على أن جهة كونه آية، توقيف الله عليها، وتعليمها إيانا بعد الوضع لجواز أن يكون بتوفيق الله تعالى إيانا لوضعها، وإقدارنا عليه، فإن الجهتين سواء. بل لا يبعد أن تكون الثانية أولى لكونها أدل على كمال القدرة وبديع الصنع. ولا نسلم أنها لو كانت اصطلاحية لا تحتاج في تعليمها إلى اصطلاح آخر، بل يحصل التعليم بالترديد والقرائن، كما للأطفال، أي

стр. 374

بترديد اللفظ، وهو تكراره مرة بعد مرة، مع القرائن كالإشارة إلى المسمى وبهذه الطريقة تعلمت الأطفال. ولا نسلم ارتفاع الأمان عن الشرع، والتغيير لو وقع لاشتهر لكونه أمرًا مهمًّا تتوفر الدواعي على نقله إلينا لكنه لم يشتهر فلا يكون واقعًا. وقال أبو هاشم: الكل مصطلح، أي مجموع الألفاظ إنما هي بوضع البشر، وإلا أي: لو كانت بوضع الله- تعالى- فالتوقيف منه للعباد على اللغات إما (أن يحصل) بالوحي ولا يتصور إلا بالإرسال فتتقدم البعثة على معرفة اللغات، وهي أي البعثة متأخرة لقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾

стр. 375

أي: بلغتهم، فدل على سبق اللغات الإرسال. فلو كانت توقيفية بالوحي (لم تكن) سابقة على الإرسال، بل متأخرة، واللازم باطل، بدليل الآية. أو التوقيف بخلق علم ضروري في عاقل، بأن الله تعالى وضعها لهذه المعاني، وهو باطل؛ إذ يلزمه معرفة الواضع فيعرفه تعالى ضرورة، فلا يكون مكلفًا بمعرفته تعالى لحصولها. وحينئذ لم يكن مكلفًا بشيء، إذ لا قائل بالفرق مع أنه مكلف لما ثبت أن كل عاقل مكلف، أو في غيره أي غير عاقل وهو بعيد جدًا. فلو لم يقطع بعدمه، فلا أقل من مخالفته للظاهر، فإذا انتفت طرق التوقيف، انتفى التوقيف، وثبت الاصطلاح.

стр. 376

وأجيب: بأنه ألهم العاقل بأن واضعًا ما وضعها من غير تعيين، ولا يخلو فيه أن الواضع الله ، فلا يلزم من كونه خلقها في عاقل أن يعرف الله تعالى ضرورة. وإن سلم أن العلم بالوضع يتوقف على معرفة الواضع على التعيين، حتى يكون عارفًا بالله- تعالى- فلا يلزم من كونه غير مكلف بمعرفة الله- تعالى- أن لا يكون مكلفًا مطلقًا.

стр. 377

كما أشار إليه بقوله: «لم يكن مكلفًا بالمعرفة فقط». وفي هذا الجواب مناقشة: إذ لا يبعد أن يقال: الاتفاق على خلافه كما مر في الدليل. والأحسن في الجواب: أنا لا نسلم أن التوقيف بالوحي لا يتصور إلا بالإرسال. نعم توقيف قوم الرسول، وتعليمهم متوقف عليه. وأما توقيف الرسول فيكفي فيه الوحي والإعلام من الله تعالى. هذا ودلالة الآية على سبق اللغات إنما هو في حق الرسول الذي له قوم، فآدم مخصوص من ذلك، إذ لا قوم له عند البعثة.

стр. 378

وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: ما وقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي، والباقي مصطلح؛ لأنه لو لم يكن القدر المحتاج إليه في الاصطلاح توقيفيًّا لكان اصطلاحيًّا، واحتاج في تعليمه إلا اصطلاح آخر وتسلسل. والجواب: أنه يعرف بالترديد والقرائن كما سبق في جواب أدلة الشيخ فلذا تركه المصنف اكتفاء بما تقدم.

стр. 379

ولما أبطل أدلة الفرق كما زعم، تعين عنده الوقف وقد علمت ما فيه. ونقل عن الأستاذ غير ذلك. وطريق معرفتها أي اللغات قسمان: الأول: النقل المتواتر في الذي لا يقبل التشكيك، كالأرض والسماء. وفي غيره، الآحاد. الثاني: استنباط العقل من النقل، كما إذا نقل أن الجمع

стр. 380

المعرف باللام يدخله الاستثناء. ومعلوم أنه- أي: الاستثناء-: إخراج ما يجب اندراجه في المستثنى منه فيحكم بعمومه، أي: يحكم بأن الجمع المعرف باللام يجب أن يكون متناولًا له ولغيره وهو معنى العموم. فكون صيغ الاستثناء للإخراج، ثبت بالنقل لا العقل. والضميمة العقلية: هي أن كل ما يدخله الاستثناء يجب أن يعم المستثنى منه. فيحكم العقل بواسطة هاتين المقدمتين أن الجمع المعرف للعموم. وأما العقل الصرف أي: الخالص، فلا يجدي، أي: لا ينفع في معرفة اللغات؛ لأن وضع لفظ لمعين من الممكنات، والعقل لا يستقل بها.

стр. 381

الفصل الثاني: في تقسيم الألفاظ وتقسيمه بحسب الاعتبار، دون الذات؛ لأن أكثر هذه الأقسام متداخلة، ومورد القسمة المفرد واحد كان أو أكثر.

стр. 382

وقد تقسم الألفاظ باعتبار دلالتها، فتقسيم الدلالة اللفظية يلزمه تقسيم اللفظ الدال عليها. فالتقسيم إما للدال، أو للمدلول، أو لهما. فالأول: للدال: وهو ماله الدلالة، والدلالة كون الشيء بحيث يفهم منه شيء آخر والأول الدال والثاني المدلول. فإن كان الدال لفظًا فالدلالة لفظية، وإلا فغير لفظية. وكل منهما وضعية إن توقف الفهم على الوضع والاصطلاح،

стр. 383

وإلا فغير وضعية والوضع: تعيين الشيء ليدل على شيء آخر من غير قرينة. والمقصود هنا الدلالة اللفظية الوضعية التي يكون للوضع فيه مدخل؛ إذ لا ينضبط غيرها. وعرفوها بفهم المعنى من اللفظ بالنسبة إلى من هو عالم بوضعه، أي: فهمها يتوقف على العلم بالوضع. إذا علمت ذلك (فتقول اعلم) أن دلالة اللفظ على تمام مسماه كدلالة لفظ الإنسان على الحيوان الناطق مطابقة، وسمي بذلك لأن اللفظ طابق معناه.

стр. 384

ودلالة اللفظ على جزئه أي على جزء المسمى، كدلالة الإنسان على الحيوان فقط، أو الناطق فقط تضمن، وسمي بذلك لكون المعنى المدلول في ضمن المعنى الموضوع. ودلالة اللفظ على لازمه الذهني كدلالة الإنسان على قائل العلم الذي هو خارج عن الحيوان الناطق التزام، وسمي دلالة التزام لكون المعنى المدلول لازمًا للمعنى الموضوع له. وتقييده بالذهني إشارة إلى أنه يشترط لضبط المدلول الالتزامي أن يكون الخارج بحيث يلزم من تصور المعنى الموضوع له، تصوره بمعنى أنه كلما حصل المعنى الموضوع له في الذهني، حصل ذلك المعنى الخارج فيه؛ لأن فهم المعنى من اللفظ، إما بسبب أن اللفظ الموضوع له

стр. 385

أو بسبب أنه يلزم من فهم المعنى الموضوع له فهمه. وأما اللوازم البعدية التي قد تفهم من الألفاظ، فليس فهمها من مجرد الألفاظ، بل بمعونة القرائن فلا تكون مدلولات الألفاظ لأنا نعني بالدلالة: كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى عند إطلاقه بالنسبة إلى العالم بالوضع بشرط توجهه إليه، وتجرده عن الموانع والشواغل. ولا يشترط في الالتزام اللزوم الخارجي، أي: كون المعنى التزامي بحيث متى حصل المسمى في الخارج حصل هو في الخارج. تنبيه: لا يقال: عبر باللفظ، وهو جنس بعيد لإطلاقه على المستعمل والمهمل، فكان التعبير بالقول أحسن؛ إذا لا يشتمل إلا المستعمل،

стр. 386

كما نبه عليه ابن مالك؛ لأن القول يطلق على الرأي والاعتقاد إطلاقًا غلب على الحقيقة، بخلاف اللفظ هذا. وقد قال بعضهم: وأورد على حصر الدلالة اللفظية في الثلاثة، دلالة صيغة العموم على أحد أفرادها فإنه ليس مطابقة ولا التزامًا -وذلك واضح -ولا تضمنًا (لأن دلالة صيغة العموم كلية: وهي الحكم على كل فرد بحيث لا يبقى فرد من الأفراد وإلا لزم عدم دلالتها على فرد من أفرادها في صورة الأمر والنهي. وفي مقابلتها: الجزئية) وهي: الحكم) على بعض أفراد الحقيقة من غير تعيين

стр. 387

كقولنا: بعض الحيوان إنسان فالتعبير بالجزء يخرجها لأنه في مقابلة الكل: وهو الحكم على المجموع من حيث هو مجموع كأسماء العدد. وأجاب الأصفهاني (في شرح المحصول) بأن هذا التقسيم إنما هو لفظ مفرد دال على معنى ليس ذلك المعنى نسبة بين مفردين وذلك لا يأتي هنا فلا ينبغي تطلبه. قال: فيقول: اقتلوا المشركين، في قوة جملة من القضايا،

стр. 388

فإن مدلوله اقتل (هذا المشرك) وهذه (الصيغ للعموم إذا اعتبرت بجملتها لا تدل على قتل) زيد المشرك، ولكنها تتضمن ما يدل على قتله، لا بخصوص كونه زيدًا، بل لعموم كونه زيدًا، ضرورة تضمنه اقتل زيدًا المشرك، فإنه من جملة هذه القضايا، وهي جزء من مجموع تلك القضايا فتكون دلالة هذه الصيغة على وجهين: قتل زيد المشرك فتضمنها ما يدل على ذلك الوجوب والذي هو في ضمن ذلك المجموع وهو دال على ذلك مطابقة. قال: وليس ذلك من قبيل دلالة التضمن، بل هو من قبيل دلالة المطابقة. واللفظ إن دل جزؤه أي: كل واحد من أجزائه على جزء المعنى

стр. 389

المستفاد منه فمركب، كقام زيد وخمسة عشر وغلام عمرو وإلا أي واللفظ إن لم يدل جزؤه على جزء المعنى حال كونه جزءًا من ذلك فمفرد، وإن جاز أن يدل في حال آخر. ولا خفاء أن المراد الدلالة الوضعية، وإلا فلحروف المفرد دلالة عقلية في الجملة فشمل ما لم يمكن للفظه جزء كهمزة الاستفهام. أو يكون له جزء غير دال على معنى كزيد. أو يكون له جزء دال على معنى لكن لا على جزء المعنى، كعبد الله

стр. 390

علمًا، وتأبط شرًا، وبعلبك. والمفرد إما أن لا يستقل بمعناه، وهو الحرف، يعني: أنه مشروط بحسب الوضع في دلالته على معناه الإفرادي ذكر متعلقه، فنحو من وإلى -مشروط في وضعهما دالين على معناهما الإفرادي، وهو الابتداء أو الانتهاء ذكر متعلقهما من دار أو سوق أو غيرهما مما يدخل عليه الحرف، وفيه إشكال وجوابه مذكور في الشرح. أو يستقل بمعناه وهو الفعل: إن دل بهيئته على الحاصلة باعتبار ترتب الحروف الأصلية
следующие страницы →