← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المثنى؛ لأنه في معناه، مثبتًأ كان أو منفيًا، نحو اعتدي بالأقراء أو لا تعتدي بالأقراء؛ لأن الجمع متعدد فجاز تعدد مدلولاته، بخلاف المفرد. ومن المانعين: من جوز استعمال المشترك في جميع معانيه في السلب، وإن لم يكن جمعًا نحو: لا تعتدي بقرء، ومنعه في الإثبات؛ لأن السلب يفيد العموم، فيتعدد، بخلاف الإثبات. ففي كلام المصنف حذف، وتقديره كما قررته؛ لأنهما فرقتان لا فرقة واحدة، والفرق ضعيف. وأما في الجمع: فلأنه يفيد تعدد معنى المفرد، فإن قول القائل: اعتدى بأقراء، معناه: بقرء وقرء وقرء، فكما لا يصح في

стр. 492

المفرد لا يصح في الجمع فإن آحاد الجمع يجب أن يكون من جنس واحد. وأما في السلب فلأن النفي لا يفيد إلا رفع مقتضى الإثبات فإذا لم يفد في جانب الإثبات لا يفيد في جانب السلب أيضًا. ونقل عن الشافعي -رضي الله تعالى عنه- والقاضي أبي بكر الوجوب. أي: وجوب حمل لفظ المشترك على جميع معانيه حيث لا قرينة معه تدل على تعيين المراد فيه، احتياطًا، لتحصيل مراد المتكلم، إذ لو لم

стр. 493

يحمل عليه، فإما أن لا يحمل على شيء من معانيه، وفي ذلك إهمال للفظ بالكلية. أو يحمل على بعض معانيه دون بعض، وهو ترجيح بلا مرجح لاستواء اللفظ بالنسبة إليهما، وعدم القرينة المعينة للبعض فتعين الحمل على الكل. فيكون المشترك عامًا، عند الشافعي ﵁ فعلى هذا العام عنده قسمان: (قسم متفق الحقيقة، وقسم مختلف الحقيقة). وظاهر كلام المصنف أنه للاحتياط لا للعموم، وكونه للعموم هو ظاهر كلام إمام الحرمين،

стр. 494

والغزالي. واختار بعض المتأخرين أن الاحتياط ومسمى العموم واحد. تنبيه: الوضع: جعل اللفظ (دليلاً على المعنى كتسمية الولد محمدًا وهذا أمر متعلق بالواضع. والاستعمال: إطلاق اللفظ) وإرادة المعنى، وهو من صفات المتكلم. والحمل: اعتقاد السامع مراد المتكلم، أو ما اشتمل على مراده.

стр. 495

إذا علمت ذلك، فالمسألة السابقة بين فيها إطلاق المتكلم لفظ المشترك وإرادة جميع معانيه. وفي هذه بين أن السامع إذا سمع لفظًا مشتركًا، ولم يكن قرينة حمله على جميع معانيه عند الإطلاق فيما يمكن الجمع والتحصيل. (ولذا قال): في الاستعمال جوز، وفي الحمل يجب. لكن قال الشيخ سعد الدين: إن ما نقل عن الشافعي ﵁ وهو أنه يصح للمتكلم، استعماله فيهما، ويجب على السامع حمله عليهما، أخص من مذهب القاضي والمعتزلة، والمراد: الصحة اللغوية، فيتميز عن مذهب أبي الحسين، والغزالي، إذ الصحة عندهما، عقلية، بمعنى أنه لا دليل على امتناعه سوى منع أهل اللغة، فيكون مخالفًا لنقل المصنف.

стр. 496

وقال العراقي: وافق الشافعي ﵁ والقاضي أبا بكر، أبو عليالجبائي في وجوب الحمل حيث لا قرينة، كما نقله المصنف في باب العموم والقاضي عبد الجبار، كما نقله الإمام في مناقب الشافعي رضي الله تعالى عنه. قال الرافعي: الأشبه أن المشترك لا يحمل على جميع معانيه. الخامسة: المشترك: إن تجرد عن القرينة فمجمل، عند

стр. 497

من لا يحمله على جميع معانيه. وأما عند من يحمله عليها كالشافعي -رضي الله تعالى عنه- فواضح مما تقدم. وإن قرن به ما يوجب اعتبار واحد أي معين، تعين الحمل عليه، كقولك: رأيت عينًا باصرة، وزال الإجمال. وإن كان غير معين، فمجمل ولم يذكره لوضوحه.

стр. 498

أو قرن به أكثر من واحد من مسمياته. فكذا أي: يحمل على ذلك الأكثر عند من يجوز الإعمال في المعنيين إذا أمكن. فإن لم يمكن، بأن يكونا متضادين، فمجمل. وهذا معلوم مما سبق. وإن أوجب اعتبار كل المسميات فكذا حكمها، ولم يورده المصنف؛ لأنه يعلم من قوله: أو أكثر. وعند المانع من إعمال المشترك في معنيين مجمل. أو قرن به ما يوجب إلغاء البعض أي: بعض معانيه. كقوله: رأيت عينًا لا تقوم بها الأشياء.

стр. 499

فينحصر المراد في الباقي من معانيه بعد إلغاء ذلك البعض الذي تقتضي القرينة إلغاؤه. فإن كان الباقي بعد الإلغاء واحدًا تعين حمله عليه. وإن كان الباقي أكثر فعند المجوز محمول عليه، وعند المانع مجمل. وعلم جميع ذلك مما مر في كلام المصنف. هذا كله إذا كان البعض الملغي معينًا، وإلا فهو مجمل. أو قرن بالمشترك ما يوجب إلغاء الكل، فيحمل على المجاز لتعذر حمله على الحقيقة. فإن كان بعضه ذا مجاز فقط حمل عليه، وإن كان لكل منها مجاز فقد تعارضت. وإليه أشار بقوله: "وإن تعارضت حمل على المجاز".

стр. 500

الراجح: هو أو أصله "أي حقيقته". فإذا تساوت الحقائق، ولم تتساوى المجازات، بل بعضًا أقرب إلى حقيقته حمل اللفظ عليه لرجحانه بالأقربية. وهو المراد بقوله: "حمل على الراجح هو". وإن لم تتساوى الحقائق، بل رجح بعضها، والمجازات متساوية حمل اللفظ على المجاز، الذي حقيقته راجحة. وإليه أشار بقوله: "أو أصله". وإن تساويا أي الحقائق والمجازات، قال العبري: فهل يجب حمله على جميعها أو يجوز أو يمتنع؟ فيه الخلاف المذكور في المشترك بالنسبة إلى حقائقها. وعند المصنف مجمل.

стр. 501

أو رجح أحدهما أي أحد المجازين على المجاز الآخر وترجح أصل المجاز الآخر على حقيقة المجاز الراجح فمجمل. لأن لكل منهما رجحانًا على الآخر من وجه فاستويا. ولك: أن تقول: عند الاستواء ينبغي أن يحمل على الجميع عند المجوز. ونظر في جواز رجحان بعض حقائق المشترك؛ إذ رجحانه ينافي الاشتراك.

стр. 502

الفصل السادس: في الحقيقة والمجاز الحقيقة: فعيلة، مأخوذة من الحق بمعنى الثابت، أو المثبت؛ لأن فعيل قد يكون: بمعنى الفاعل كالعليم بمعنى العالم، وقد يكون بمعنى المفعول كالجريح بمعنى المجروح. فالفعيل المشتق من الحق إن كان بمعنى الفاعل كان معناه الثابت. وإن كان بمعنى المفعول كان معناه المثبت.

стр. 503

نقل عن الأمر الذي له ثبات إلى العقد المطابق للواقع لأنه أولى بالوجود من العقد الغير مطابق. ثم نقل من العقد المطابق إلى القول المطابق لهذه العلة بعينها. ثم نقل إلى اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب فاللفظ، كالجنس لشموله الحقيقة وغيرها. والباقي كالفصل لها يميزها عن غيرها. وقوله: المستعمل: في صفة اللفظ يخرج اللفظ، المهمل، وما

стр. 504

وضع أولًا ولم يستعمل وقوله: فيما وضع له، يخرج المجاز. وقوله: في اصطلاح التخاطب، يدخل الحقيقة الشرعية واللغوية والعرفية العامة والخاصة حتى المشترك والمراد بالوضع إذا أطلق: الوضع الشخصي، وأحد قسمي الوضع النوعي: وهو ما كانت الهيئة فيه دالة على المعنى بنفسه من غير اشتراط قرينة خارجه عن اللفظ فلا يكون المجاز داخلًا أصلًا. ويصير حد المصنف جامعًا مانعًا. وقد يقال: الحق لغة الثبوت: وهو قدر مشترك بين هذه الأمور التي ذكرها المصنف. ولو سلم المجاز فلا نسلم أن كل مجاز مأخوذ مما قبله بل الجميع

стр. 505

مأخوذ من الحقيقة بعلاقةٍ معتبرة. والتاء الداخلة على الفعيل المشتق من الحق لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة. وهنا تحقيق راجعه من الشرح. (والمجاز: مفعل) من الجواز

стр. 506

بمعنى العبور وهو المصدر أو المكان أو الزمان (أي بناء مفعل مشترك بين المصدر والمكان لكونه حقيقة فيهما) نقل من المصدر أو المكان إلى الفاعل الذي هو الجائز الذي يجوز المكان وينتقل. والعلاقة إن كان من المصدر فهي الجزئية لأن المشتق منه جزء من المشتق. وإن كان المكان فالعلاقة إطلاق اسم المحل على الحال. وإن كان من الزمان فلا علاقة بينه وبين الجائز، فلذا صرح بالمصدر والمكان دون الزمان.

стр. 507

ثم نقل من الفاعل إلى اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له يناسب المصطلح بحسب التخاطب. فاللفظ كالجنس. وقوله: في صفته: المستعمل يخرج المهمل وما وضع له أولًا ولم يستعمل. وقوله: في غير ما وضع له، يخرج الحقيقة، ولا ينافي ذلك كون المجاز موضوعًا بالنوع لما مر في تعريف الحقيقة فإنه لا بد هنا من اشتراط قرينة خارجة عن اللفظ. وقوله: المناسب المصطلح، ليشمل المجاز اللغوي والشرعي والعرفي العام والخاص، ويشعر بأنه لا بد بين المعنى الحقيقي والمجازي من العلاقة، ويحترز عن العلم المنقول كبكر لأنه لم ينقل لعلاقة.

стр. 508

وفيه مسائل: الأولى: الحقيقة اللغوية موجودة بالاتفاق كالحر والبرد، والسماء والأرض، لأنا نقطع باستعمالها في موضوعاتها وقدمها لأنها الأصل، وكذا العرفية موجودة بالاتفاق وهي التي نقلت من معناها اللغوي إلى غيره بحيث هجر الأول، وهي إما ألا يكون من قوم مخصوصين أو يكون. فالأولى: تسمى العرفية العامة، وغلبت العرفية عند الإطلاق عليها، وذلك كالدابة لذوات الأربع، بعد أن كانت في اللغة لكل ما

стр. 509

يدب على الأرض، لأنها مشتقة من الدبيب فخصها العرف ببعضها، ونحوها، كالملك فإنه مشتق من الألوكة وهي الرسالة، نقله أهل العرف العام إلى بعض الرسل. والثانية: وهي التي من قوم مخصوصين وتسمى العرفية الخاصة كالقلب والنقص، والجمع، والفرق،

стр. 510

للفقهاء وكالجوهر والعرض للمتكلمين، والرفع والنصب والجر للنحاة، فإن لكل واحد منهما معنى خاصًا في اللغة. ونقل أهل العرف الخاص إلى معنى مصطلح عندهم كما سيجيء في القياس، بيان ما ذكره المصنف من اصطلاح الفقهاء واقتصر في التمثيل عليه لأنه يناسب المقام دون غيره. واختلف في الحقيقة الشرعية: وهي الاسم (المستعمل فيما وضع له في الشرع،

стр. 511

وخص بالاسم لأن الاستقراء دل على عدم الحرف الشرعي وعلى عدم الفعل الشرعي إلا بالتتبع وهو إما مجرى على الفعل) كالزكاة والصلاة. وإما مجرى على الفاعل كالمؤمن والفاسق. ولا نزاع في أن الألفاظ المتداولة على لسان أهل الشرع المستعملة في غير معانيها اللغوية قد صارت حقائق فيها. وإنما النزاع في أن ذلك لوضع الشرع وتعيينه، وأنها بحيث تدل على تلك المعاني بلا قرينة، لتكون حقائق شرعية وهو مذهب الجمهور، ونقله المصنف عن المعتزلة، حيث قال: فمنع القاضي أبو بكر، وأثبت المعتزلة، واختاره ابن الحاجب، أو لغلبتها في تلك المعاني في لسان أهل الشرع. والشارع إنما استعملها فيه مجازًا لمعونة القرائن فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية، وهو مذهب القاضي أبو بكر.

стр. 512

فإذا وقعت مجردة عن القرائن في كلام أهل الكلام والفقه والأصول، ومن يخاطب باصطلاحهم يحمل على المعاني الشرعية وفاقًا. وأما في كلام الشارع فالحق يحمل عليها، وعند القاضي على معانيها اللغوية. وبعد تحرير محل النزاع ينبغي أن يعلم أن الآمدي في الإحكام والإمام في المحصول لم يذكرا سوى مذهبين. أحدهما: إثبات كونها حقائق شرعية ونسبه كل منهما إلى المعتزلة، مع تصريح الآمدي بنسبته إلى الفقهاء أيضًا. وثانيهما: نفي ذلك، ونسبه كل منهما إلى القاضي. وكلام المختصر لابن الحاجب يوافق ذلك.

стр. 513

كذا حرر المحقق محل النزاع ثم قال: والحق لا ثالث لهما. قال الشيخ سعد الدين، ولما كان في كلام المنهاج ما يشعر بأن هنالك مذهبًا ثالثًا حيث قال بعد تقرير المذهبين: والحق أنها مجازات لغوية اشتهرت لا موضوعات مبتدأه. نفاه، أي: المحقق، لأنه مذهب القاضي بعينه على ما تقرر في محل النزاع، قال: وهذا تحقيق جيد لو وافقه أدلة الفريقين. واستشكل قول الشيخ: أنه مذهب القاضي بعينه بأن الظاهر أنه مذهب الجمهور لأنهم يقولون: إن الشارع نقلها، لكن لمناسبة فهي مجازات لغوية.

стр. 514

فمعنى قول المصنف أنها مجازات اشتهرت، أي: في كلام الشارع، فصارت حقيقة له بحيث صار المعنى اللغوي مهجورًا. وقوله: لا موضوعات مبتدأه أي: لا مناسبة فلا تكون هذه الألفاظ لذلك خارجة من لغة العرب. وفي الشرح هنا نقل يخالف ما قاله المحقق: تركته اختصارًا فراجعه إن تيسر. وقال العبري: فأشار، أي: المصنف، إلى بطلان مذهب القاضي بقوله: أنها مجازات لأنا نعلم بالضرورة أن هذه المعاني ليست حقائقها اللغوية، وأشار إلى ما هو الحق عنده، وهو صيرورتها حقائق شرعية، بقوله: اشتهرت لأنه لو لم تصر مشهورة في هذه المعاني،

стр. 515

بحيث هجر في الشرع استعمالها في حقائقها اللغوية لما سبق إلى الفهم عند إطلاقها في الشرع هذه المعاني دونها. وإذا سبقت علم أنها صارت حقائقها في الشرع. وأشار إلى بطلان مذهب المعتزلة بقوله: لا موضوعات مبتدأه. وإلا لم تكن لغة عربية، أي: الحجة المختارة أن هذه الألفاظ لو كانت موضوعات مبتدأه لم تكن عربية، إذ لم يضعها واضع لغة العرب بإزاء هذه المعاني، وإذا لم تكن عربية، فلا يكون القرآن كله عربيًا، لاشتماله على ما ليس بعربي حينئذٍ، وما بعضه- خاصة- عبي لا يكون عربيًا كله، وهو، أي: كون القرآن غير عربي، باطل لقوله تعالى: ﴿وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا﴾، ونحوه من الآيات الدالة على كونه عربيًا، كقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا﴾ ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾

стр. 516

قيل: المراد بعضه، أي: بعض القرآن لا كله إذ الضمير في قوله: ﴿إنا أنزلناه﴾ للسورة. ويجوز إطلاق اسم القرآن على بعضه، فإن الحالف على أن لا يقرأ القرآن يحنث بقراءة بعضه، وإذا كان بعض القرآن يسمى قرآنًا، جاز إن يشتمل القرآن على ما ليس بعربي مع أن السورة كلها عربية. قلنا: استدلالكم بالحلف وإن دل على أن المراد بالقران البعض، لكنه معارض بما يقال إنه بعضه، فإنه لو أطلق عليه القرآن لم يكن لإدخال البعض معنى. وأيضًا فأن بعض ذلك الشيء غير ذلك الشيء.

стр. 517

فيصح أن يقال: إنه بعض القرآن، لا كله فعلم أن تسمية بعض القرآن قرانًا مجاز فيكون المراد من قوله: ﴿إنا أنزلناه قرآنًا﴾، كل (القرآن، إذ) الأصل في الإطلاق الحقيقة. هذا وقد نص الشافعي- ﵁ على أنه إذا قال لعبده: إن قرأت القرآن فأنت حر، لا يعتق إلا بقراءة الجميع فيمتنع الحنث. وقد يقال: ؛ المعارضة غير تامة. لأن ذلك إنما يكون فيما لم يشارك البعض الكل في مفهوم الاسم كالمائة، فإن المائة اسم لمجموع الآحاد المخصوصة.

стр. 518

فلا يصدق على البعض بخلاف مثل الماء، فإنه اسم للجسم البسيط البارد الرطب بالطبع، فيصدق على الكل، وعلى أي بعض منه، فتصح أن هذا البحر ماء، ويراد بالماء مفهومه الكلي، وأنه بعض الماء، ويراد بالماء مجموع المياه الذي هو أحد أفراد هذا المفهوم، والقرآن من هذا القبيل. فالسورة قرآن، وبعض من القرآن بالاعتبارين. على أن هاهنا شيئًا آخر، وهو أن القرآن قد وضع بحساب الاشتراك للمجموع الشخصي وضعًا آخر، فيصح أن يقال: السورة بعض القرآن. قيل: سلمنا أن المراد بقول تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا﴾ مجموع القرآن، وتلك- أي: الألفاظ غير العربية- كلمات قلائل، فلا تخرجه- أي: القرآن- عن كونه عربيًا لقلتها، كقصيدة فارسية فيها ألفاظ عربية، فإنه لا تخرج عن كونها فارسية فكذا هنا. قلنا في الجواب عنه: إن اشتمال القرآن على تلك الكلمات وإن

стр. 519

كانت قلائل تخرجه عن كونه عربيًا، وإلا أي: إذ لو لم تخرجه، لما صح الاستثناء منه، وقد صح، إذ يصح أن يقال: القرآن عربي إلا الألفاظ الشرعية، وكذا في القصيدة الفارسية المشتملة على قليل من الألفاظ العربية، يصح أن يقال: هذه القصيدة الفارسية إلا تلك الألفاظ العربية. قيل: يكفي في عربيتها- أي: الألفاظ الشرعية- استعمالها- أي: العرب- لها في لغتهم، حتى يكون اللفظ ما يستعمله العرب، سواء كان في معناه الذي وضعه الواضع بإزائه، أو في غيره، وإذا كان كذلك كانت هذه الألفاظ عربية، وإن كانت موضوعاتها مبتدأة فلا يلزم اشتمال القرآن على غير العربي. قلنا: استعمال العرب تلك الألفاظ في معانيها الشرعية، دون اللغوية لا يكفي كونها عربية، لأن تخصيص الألفاظ باللغات إنما هو

стр. 520

بحسب الدلالة، أي: دلالتها على معانيها التي وضعت بإزائها. وإن كان كذلك، فإذا دلت على معاني لم يضعها واضع العربية بإزائها لم تكن عربية. وفيه إشكال، وجوابه في الشرح. قيل: ما ذكرتم من الدليل على أن القرآن كله عربي غير مشتمل على ما ليس بعربي منقوض بالمشكاة: قيل: حبشية، وقيل هندية، ومعناها الكوة.

стр. 521

والقسطاس: فإنه رومي، ومعناه: الميزان. والإستبرق والسجيل فارسيان، ومعنى الأول: الديباج الغليظ، مع أنها مذكورة في القرآن. فيكون مشتملًا على ما ليس بعربي. قلنا: كون هذه الألفاظ من تلك اللغات لا ينافي كونها عربية، لجواز أن يضعها واضع العربية بإزاء ما وضعها واضع تلك اللغات

стр. 522

بإزائه، إذ توافق اللغات في الوضع غير ممتنع، كالصابون والتنور. وإليه أشار بقوله: وضع العرب وافق فيها لغة أخرى. واعلم أن جعل الأعلام من المعرب، أو مما فيه النزاع، محل مناقشة. لأن النزاع في أسماء الأجناس المنسوبة إلى لغة أخرى المتصرف فيها عند العرب بدخول اللام، والإضافة، ونحو ذلك.

стр. 523

والأعلام بحسب موضعها العلمي ليست مما ينسب إلى لغة دون لغة، ولا هي أيضًا مما تصرفت العرب فيها فاستعملتها في كلامهم. والمصنف- رحمه الله تعالى- تابع للأكثرين، في أنه ليس في القرآن المعرب، ونص عليه الشافعي- ﵁ في أول الرسالة. وجاء عن البراء بن عازب، وأبي موسى الأشعري.

стр. 524

وأبي ميسرة، وسعد بن غياض، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وابن عباس، وعكرمة- ﵃ تفسير ألفاظ وقعت فيه أطلقوا عليها أنها بلسان غير العرب. وهذا ليس صريحًا في مخالفة الأكثر لاحتمال التوافق كما قال المصنف.

стр. 525

وعورض الدليل الدال على كون هذه الألفاظ مجازات مشهورة لا موضوعات مبتدأة بأن الشارع اخترع معان لم تكن معقولة للعرب، فإنها معان حديثة فلم تضع لهم ألفاظًا، لأن وضع اللفظ لمعنى مشروط بتعقله. وكانت الحاجة ماسة إلى تعريفها للمكلف، فلابد لها من ألفاظ موضوعة من قبل الشارع بإزائها تدل عليها ويعبر بها ليمكن المكلف معرفتها. قلنا: كفى التجوز: إيضاحه: أنكم إن أردتم أنه لابد لها من إحداث ألفاظ مبتدأة

стр. 526

فممنوع، لأن النزاع لم يقع إلا فيه. لم لا يجوز أن يكتفي بالمجاز بأن يدل عليها، ويعبر عنها بألفاظ تدل عليها مجازًا، لما بينها وبين معانيها اللغوية من العلاقة المعتبر نوعها في العربية كالصلاة، فإنها في اللغة حقيقة للدعاء، ثم أطلقت على المعنى الشرعي مجازًا لما بينهما من العلاقة، وهي كون الدعاء جزء من المعنى الشرعي حتى يكون من باب إطلاق اسم الجزء على الكل. وإن أردتم أنه لابد لها من ألفاظ كيف كانت يعبر بها عنها فمسلم، لكن لا يلزم من كونها دالة عليها حقيقة لجواز أن تدل عليها مجازًا. وعورض أيضًا: بأن الإيمان في اللغة: هو التصديق، بالإجماع. ومنه ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾.

стр. 527

وفي الشرع: فعل الواجب، ولا مناسبة مصححة للتجوز. ولأنه أي لأن الإيمان عبارة عن الإسلام، وإلا يعني لو لم يكن إياه لم يقبل من مبتغيه- أي: من طالبه- لقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾ لكن الإيمان مقبول اتفاقًا.

стр. 528

وأيضًا: لم يجز استثناء المسلم من المؤمن، لأنه حينئذ يكون مفهوم أحدهما مغايرًا لمفهوم الآخر، فلا يكون أحدهما من جنس الآخر، فلا يصح الاستثناء، لأنه إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، فإذا كانا متغايرين امتنع إخراج أحدهما من الآخر، لكن الاستثناء صحيح، بل واقع، فلا يصح نفيه، وقد قال تعالى: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾. فلفظة "غير" من أدوات الاستثناء، ولولا الاتحاد لم يستقم الاستثناء لأنه مفرغ فيكون متصلًا مستلزمًا للدخول فيما قبله،

стр. 529

أي: ما وجدنا فيها بيتًا من بيوت المؤمنين، إلا بيتًا من المسلمين. وإنما يكون بيت المؤمن، إذا صدق المؤمن على المسلم. إذ التحقيق: أنه ليس المراد بالبيت هو الجدران، بل أهل البيت. فيكون التقدير: فما وجدنا أهل بيت من المؤمنين إلا أهل بيت من المسلمين، فثبت أن الإيمان الإسلام. والإسلام هو الدين المعتبر، لقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾. والدين (عبارة عن) فعل الواجبات، لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ أي: دين الملة المستقيمة.

стр. 530

ولفظ "ذلك" إشارة إلى جميع ما تقدم، فيجب أن يكون كل ما تقدم دينًا معتبرًا، وكل ما تقدم فعل الواجبات، فيجب أن يكون المذكور دينًا، لأن الذي تقدم ذكره: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهما من الأفعال الواجبة، فثبت أن الدين فعل الواجبات، (فإذا كان الإيمان في اللغة: التصديق وفي الشرع: فعل الواجبات)، فيكون مفهومه الشرعي مغايرًا لمفهومه اللغوي، فيكون من مخترعات الشرع ويلزم ما ذكرنا. قلنا: الإيمان في الشرع: تصديق خاص، وهو تصديق النبي- ﷺ في كل أمر ديني، علم مجيئه ضرورة، فيكون حقيقة شرعة، ومجازًا لغويًا من باب إطلاق الكل
следующие страницы →