Полный текст (2 009 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
فاعلي للمطر، عرفًا لا حقيقة.
والغائية: كتسمية العنب خمرًا، فأطلق الخمر على العنب.
لأنها العلة الغائية عندهم.
والمسببية: هذا هو النوع الثاني: وهو إطلاق اسم المسبب على السبب.
كتسمية المرض المهلك بالموت، فإن المرض المهلك سبب الموت، والموت مسبب له.
وإطلاق اسم السبب على المسبب أولى من عكسه.
وإليه أشار بقوله: والأول أولى: لأن علاقة السببية أقوى من علاقة
стр. 562
المسببية، لأن السبب المعين يستلزم المسبب المعين لذاته، والمسبب المعين لا يستلزم السبب المعين لذاته بل يقتضي لذاته سببًا ما، وهو المعنى بقوله: للاستلزام على التعيين وأولاها الغاية.
أي: إطلاق اسم السبب الغائي على المسبب أولى من الأسباب الثلاثة.
وفي بعض النسخ: ومنها الغائية، ومعناه: وأولى منها الغاية والأولى أوضح وأكثر.
(وإنما كانت الغائية أولى)، لأنها علة في الذهن، لأنها الباعثة للفاعل على الفعل، ومعلولة في الخارج، فوجدت فيها العلاقتان، فتكررت العلاقة بينها وبين المسبب فكانت أولى بإطلاق اسمها على المسبب
стр. 563
من سائر العلل.
والمشابهة كالأسد للشجاع والمنقوش وتسمى استعارة وهي النوع الثالث.
وهي: تسمية الشيء بما يشبهه، إما في المعنى كالاشتراك في صفة، ويجب أن تكون الصفة ظاهرة في المعنى الموضوع له، لينتقل الذهن منه إليها، فيفهم المعنى الآخر، أعني غير الموضوع له باعتبار ثبوت تلك الصفة له.
ولا يخفى أن مجرد ثبوتها له لا يوجب الفهم لكونها مشتركة، بل لا بد من قرينة خصوص، مثلاً: إذا أطلقنا الأسد ينتقل منه إلى الشجاع، لكن لا يفهم من الإنسان الشجاع، إلا بقرينة، مثل: في الحمام، بخلاف إطلاق اسم الأسد على الأبخر.
أو في الصورة كإطلاق أسد، على الصورة المنقوشة في الحائط
стр. 564
ويسمى هذا النوع من المجاز استعارة.
وهو قريب مما ذكره السكاكي.
لأن حاصله هو أن الاستعارة عبارة عن إطلاق لفظ على ما يشابه مدلوله في صفة ظاهرة مدعيًا أنه من جنس مدلوله الحقيقي بإفراده في الذكر مجردًا عن حرف التشبيه.
قال العراقي: وكلام المصنف يحتمل أن يكون راجعًا إليهما معًا، أو إلى الثاني فقط.
وعلى التقديرين: فهو مخالف للإمام والصفي الهندي.
فإنهما قالا: إن المسمى بالاستعارة، هو القسم الأول فقط، والإمام لم ينف الاستعارة عن القسم الثاني بل أخل بذكره.
стр. 565
والمضادة: وهي النوع الرابع.
وهي: تسمية الشيء باسم ضده، مثل قوله تعالى: ﴾ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴿.
فأطلق السيئة على الحسنة، التي هي ضدها، لكون جزاء السيئة حسنًا مشروعًا.
والكلية: وهي النوع الخامس.
وهو: إطلاق الكلي على الجزء، كإطلاق اسم القرآن لبعضه، إذا جعلناه اسمًا للكل المجموع.
стр. 566
والجزئية وهي النوع السادس على الكلية: كالأسود (إذا جعل اسمًا) للزنجي، لأن الأسود اسم لجزء الزنجي لا لكله لأنه ليس أسود بتمامه، والأول وهو إطلاق اسم الكل على الجزء أقوى، فيكون أولى من عكسه عند التعارض للاستلزام، لأن الكل يستلزم الجزء دون عكسه.
والاستعداد: وهي النوع السابع.
وهو: أن يسمى الشيء المستعد لأمر باسم ذلك الأمر كتسمية الخمر
стр. 567
الذي في الدن بالمسكر، فإنه مستعد للإسكار، وإليه أشار بقوله: "كالمسكر على الخمر في الدنط.
وتسمية الشيء باسم ما كان عليه، سواء كان جامدًا، كإطلاق العبد على العتيق، أو مشتقًا، كإطلاق الضارب على من وقع منه الضرب، وهذا ساقط في كثير من النسخ، وعليه اعتمدت في أول المسألة.
وعلاقة المجاورة المجوزة لإطلاق أحد المتجاورين على الآخر.
стр. 568
وهي: النوع الثامن، كالراوية للقربة، التي هي ظرف الماء.
والراوية اسم للجمل الحامل لها لمجاورتها له.
والزيادة: وهي النوع التاسع، وقرينته: أن ينتظم الكلام بإسقاط كلمة، فيحكم بزيادتها، مثل قوله تعالى: ﴾ ليس كمثله شيء ﴿فإن الكاف هنا زائدة، لأن المراد من الآية نفي المثل، وهو إنما يحصل بدونه، فاستعمل في غير ما وضع له، لأنه وضع للمثل، وهاهنا غير مستعمل فيه، فالعلاقة المجوزة لإطلاق الكاف على غير مدلوله اللغوي كونها زائدة.
والتحقيق: أن الكاف ليست زائدة، ولا يلزم محذور ويصير
стр. 569
المعنى من كان على صفته المثل وشبهه فهو منفي فكيف المثل؟ .
وحينئذٍ يكون الكلام لنفي التشبيه والتشريك من غير تناقض، وله في الشرح زيادات وتحقيق فراجعه.
والنقصان: وهي النوع العاشر.
وقرينته أن ينتظم الكلام، إذا زيد عليه ما نقص منه.
مثل قوله تعالى: ﴾ واسأل القرية ﴿، أي: أهل القرية، وإلا لم يستقم الكلام، فالعلاقة المجوزة لإطلاق المسئول على القرية إنما هو نقصان أهل.
стр. 570
وفي الشرح أن المجاز بالزيادة، والنقصان، إنما كان هو في التركيب، لا في الأفراد، (ولم يحضرني قائله)، وما ذكرته هنا تبعت فيه العبري فتأمله.
النوع الحادي عشر: هو قوله: والتعلق الحاصل بين المصدر، واسم المفعول، واسم الفاعل ويدخل فيه ستة أقسام:
стр. 571
(أحدهما): إطلاق اسم الفاعل على المفعول، كقوله تعالى: ﴾ من ماء دافق ﴿أي مدفوق.
الثاني: عكسه نحو﴾ حجابًا مستورًا ﴿أي ساترًا.
الثالث: إطلاق المصدر وإرادة الفاعل، نحو رجل عدل، أي عادل.
الرابع: عكسه نحو: "قم قائمًا" أي: قيامًا.
الخامس: إطلاق اسم المفعول على المصدر، نحو: ﴾ بأيكم المفتون ﴿أي: الفتنة.
السادس: عكسه كالخلق المخلوق في قوله تعالى: ﴾ هذا خلق
стр. 572
الله ﴿أي مخلوقه: فأطلق المصدر على اسم المفعول، ولا يضر كون المخلوق مشتقًا من الخلق، فيكون من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، لأنه اجتمع فيه مجازان فمثل به لأحدهما والعلاقة بالكسر ويصح الفتح بتأويل.
الرابعة
- المجاز بالذات، أي: بالأصالة، لا يكون في الحرف لعدم الإفادة للحرف وحده، بل لا يفيد إلا بذكر متعلقه، كما مر.
стр. 573
وإذا لم يفد وحده فلا يدخله المجاز، لأن دخول المجاز فرع كون الكلام مفيدًا.
فإذا انضم إلى الحرف ما ينبغي أن ينضم إليه كان حقيقة، كقولنا: زيد في الدار، وإلا كان مجازًا كقوله تعالى: ﴾ ولأصلبنكم في جذوع النخل ﴿.
стр. 574
وله زيادة تحقيق في الشرح فراجعه.
ولا يكون المجاز بالذات، في الفعل والمشتق، لأنهم يتبعان الأصل، وهو المصدر.
فالمجاز يدخل في المصدر أولاً، ثم يسرى منه إليهما.
فلا يقال: الحال نطقت، أو ناطقة بكذا، إلا بعد تقدير المجاز في النطق المشتق منه، بأن يشبه النطق بالدلالة فيقال: الحال نطقت، بدل دلت، وناطقة بدل دالة.
стр. 575
ولا يكون المجاز بالذات، في العلم لأنه لم ينقل لعلاقة إلا إذا كان العلم متضمنًا لنوع من وصفية نحو: زيد حاتم جودًا وخالد شجاعة.
وإذا لم ينقل لعلاقة لا يدخله المجاز، لأن شرط المجاز العلاقة. وفهم من كلام المصنف أن ما عدا هذه المذكورات يدخل فيه المجاز بالذات.
قال في المحصول: وهو اسم الجنس فقط نحو أسد.
الخامسة
المجاز خلاف الأصل، على معنى أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة
стр. 576
والمجاز، فحمله على المجاز مرجوح، وعلى الحقيقة راجح لاحتياجه إلى الوضع الأول.
والمناسبة بين المعنيين على أحد الوجوه المعتبرة المذكورة.
والنقل من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي.
والحقيقة تحتاج إلى الوضع فقط، فيكون المجاز مرجوحًا لاحتياجه إلى مقدمات أكثر.
ولإخلاله بالفهم، لأنه يحتاج إلى القرينة الحالية أو المقالية.
وقد تخفي على السامع، فيحمل اللفظ على المعنى الحقيقي، مع
стр. 577
أن المقصود المجازي.
هذا إذا لم يغلب المجاز.
فإن غلب على الحقيقة كالطلاق، فإن استعماله في معناه المجازي، وهو رفع قيد النكاح، غالب على معناه الحقيقي، وهو الإرسال تساويًا عند المصنف تبعًا للإمام، فلا ينصرف إلى أحدهما إلا بالنية.
стр. 578
لأن كل واحد منهما راجح من وجه، مرجوح من وجه فهو مجمل.
وذكر الصفي الهندي أنه عزي إلى الشافعي ﵁ وأورد أنه إنما يستقيم إذا لم يكن المجاز بعض الحقيقة، كالراوية.
فأما إذا كان منهما: فإن كان في صورة النفي انتفى المجاز، لأنه يلزم من نفي الأعم نفي الأخص.
стр. 579
وإن كان في صورة الإثبات: تثبت الحقيقة مطلقًا، لأنه إن حمل عليها فواضح، وإن حمل على المجاز، فلأنه يلزم من ثبوت الأخص ثبوت الأعم.
قال العراقي: وإن صح النقل عن الشافعي ﵁ فهو محمول على هذا التفصيل.
والأولى: الحقيقة المرجوحة، عند أبي حنيفة ﵁ والمجاز الغالب، عند أبي يوسف ﵄ قال القرافي:
стр. 580
قول أبي يوسف هو الحق، لأن الظهور هو المكلف به.
وهنا أشياء مهمة في الشرح يتعين الوقوف عليها.
* * *
стр. 581
السادسة
يعدل من لفظ الحقيقة - الذي هو الأصل - إلى المجاز - الذي هو غير الأصل - لثقل لفظ الحقيقة على اللسان، كالخنفقيق وهي الداهية إلى لفظ آخر خفيف بينه وبين الاسم علاقة كالموت، فيقال: وقع الموت.
أو يعدل لحقارة معناه الحقيقي، واستقذاره فيترك الحقيقة لذلك، ويعدل إلى المجاز تنزيهًا منه كما يعدل من لفظ خرأة - بكسر الخاء
стр. 582
المعجمة - إلى قضاء الحاجة، أو الغائط.
وقال العبري: كما يعبر عن قضاء الحاجة بالغائط، الذي هو اسم للمكان المطمئن من الأرض.
أو يعدل لبلاغة لفظ المجاز، ولفظه الحقيقي غير بليغ، كما يعبر عن السرور بالإحياء.
أو عظمة في معناه: أي: في معنى المجاز، كالمجلس العالي بدلاً عن فلان، فيقال: سلام على المجلس العالي، فيترك الحقيقة لأجل التعظيم.
أو زيادة بيان حال المذكور، أي: فيه تقوية لما يريده المتكلم كالأسد، حيث يعبر به عن الرجل الشجاع فإن قولك رأيت أسدًا يرمي،
стр. 583
فيه من المبالغة ما ليس في قولك إنسانًا يشبه الأسد في الشجاعة.
السابعة
اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازًا كما في الوضع الأول، أي كاللفظ في الوضع الأول، قبل استعماله فيه وفي غيره، لأن الاستعمال جزء لمفهوم كل منهم أو لازم له فقبل الاستعمال لا يكون أحدهما.
والأعلام: كجعفر وأسد، فليست بحقيقة، لأنها ليست بوضع
стр. 584
واضع اللغة، وفيه نظر.
ولا مجاز لأنها مستعملة لغير علاقة. وبيانه على ما ينبغي في الشرح.
وقد يكون اللفظ بالنسبة إلى معنى واحد حقيقة ومجازًا معًا باصطلاحين كالدابة بالنسبة إلى الحمار، فإنه حقيقة لغوية، ومجاز
стр. 585
عرفي، لكون الدابة في العرف مخصوصة بالفرس والبغل.
وإنما قيل: بالنسبة إلى معنى واحد، لأن كون اللفظ الواحد حقيقة ومجازًا معًا بالنسبة إلى معنيين لا يحتاج إلى بيان لكثرة وقوعه.
وإنما قيد "باصطلاحين" لأنه يمتنع أن يكون اللفظ الواحد، حقيقة ومجازًا معًا باصطلاح واحد، وإلا يلزم أن يكون ذلك اللفظ موضوعًا لذلك المعنى، وغير موضوع له في اصطلاح واحد وأنه محال.
وعلم مما تقدم: أن اللفظ الواحد بالنسبة إلى المعنى الواحد قد يكون حقيقة فقط، أو مجازًا فقط، أو حقيقة ومجازًا معًا، أو لا حقيقة ولا مجازًا.
الثامنة
علامة الحقيقة:
стр. 586
سبق الفهم، أي فهم السامع العارف باللغة عند سماع اللفظ من "غير قرينة" إلى ذلك المعنى؛ لأن اللفظ لو لم يكن موضوعًا لذلك المعنى لما سبق إلى الفهم دون غيره.
والتقييد "بغير قرينة" ليخرج مثل قولك: رأيت أسدًا يرمي بالنشاب، فإنه وإن سبق المعنى المجازي، لكن بسبب القرينة.
وفهم من جعله، هذه علامة للحقيقة أن علامة المجاز عكسها.
وعلامة الحقيقة أيضًا: العراء عن القرينة، عند استعماله مثلاً، إذا استعمل اللفظ في أحد المعنيين بلا قرينة، وفي الآخر بقرينة، دل على أن اللفظ حقيقة بالنسبة إلى المعنى الذي استعمل فيه بدون القرينة وإلا لما اقتصر على ذلك اللفظ.
وفهم منه أن علامة المجاز عدم العرو عن القرينة.
стр. 587
وعلامة المجاز: الإطلاق على المستحيل، أي: إذا علق اللفظ بما يستحيل تعليق به، (علم أنه) غير موضوع له، فيكون مجازًا مثل قوله تعالى: ﴾ واسأل القرية ﴿فإن سؤال القرية مستحيل.
وافهم أن عدم الاستحالة علامة للحقيقة.
وعلامة المجاز: الإعمال في المعنى المنسي سواء كان شرعيًا أو عرفيًا كالدابة، فإنها موضوعة في اللغة لكل ما يدب على الأرض.
ثم خصت في العرف العام بالفرس والبغل، وهجر استعماله فيه في الحمار، فإذا استعمل في العرف في الحمار، عرف كونه مجازًا عرفيًا للحمار.
وفهم من قوله: "المنسي" أن الوضع الأول صار مهجورًا غير ملاحظ أصلاً، حتى لو كان الوضع الأول ملاحظًا كان حقيقة.
وافهم أيضًا أن عكس هذه العلامة علامة للحقيقة وبقيت علامات
стр. 588
أخرى تطلب من الشرح.
الفصل السابع: في تعارض ما يخل بالفهم مراد المتكلم ،
وذكر منها خمسة: وهو الاشتراك، والنقل، والمجاز، والإضمار، والتخصيص.
وخصها بالذكر لكثرة وقوعها، وتعارض بعضها مع بعض.
(وظاهر كلام المصنف أنه) إذا انتفت هذه الخمسة لم يبق خلل أصلاً، لأنه إذا انتفى احتمال الاشتراك، علم أن اللفظ موضوع
стр. 589
لحقيقة واحدة، لكن لا يتعين المراد لاحتمال كونه منقولاً منها إلى معنى آخر.
فإذا انتفى النقل، علم أن اللفظ له حقيقة واحدة، لم ينقل منها إلى غيرها، لكنه لا يتعين المراد لاحتمال كونه مجازًا، إذ يجوز أن لا يريد المتكلم بهذا اللفظ معناه الحقيقي، بل معناه المجازي.
فإذا انتفى المجاز، علم أن المراد من اللفظ ما وضع له لا غير، لكنه لا يتعين المراد، لاحتمال أن يكون اللفظ مضمرًا بسببه ولا يمكن حمله على مدلوله الحقيقي فإذا انتفى الإضمار، تعين كون المراد من اللفظ ما وضع له لا غير، لكنه لا يتعين المراد من جميع الوجوه، لاحتمال التخصيص، إذ يجوز أن يكون المراد به بعض ما وضع له دون جميعه، لاحتمال كونه عامًا مخصصًا.
فإذا انتفى التخصيص أيضًا، انتفى الخلل بالكلية، وحصل الفهم التام.
стр. 590
وإنما تخل هذه الأشياء باليقين، لا بالظن، فإن الظن حاصل مع وجود هذه الأمور.
تنبيه: الباقي من الاحتمالات المخلة باليقين خمسة وهي: النسخ، والتقديم والتأخير، والمعارض العقلي، وتغيير الإعراب، والتصريف.
وذلك التعارض بين الخمسة التي ذكرها المصنف يقع على عشرة أوجه، لأن الاشتراك مع الأربعة الباقية، يأتي منه أربع معارضات، ثم النقل مع الثلاثة الباقية يأتي ثلاثة، ثم المجاز مع الإضمار والتخصيص اثنان، ثم الإضمار مع التخصيص واحد.
وكل منها مرجوح بالنسبة إلى ما بعده، وراجح على ما قبله، إلا
стр. 591
الإضمار والمجاز فإنهما سيان.
الأول: النقل أولى من الاشتراك، لإفراده في الحالتين، أي مدلول المنقول مفرد في الحالة التي قبل النقل، والحالة التي هي بعده لا إجمال فيه يتعين مدلوله، بخلاف المشترك، فإن فيه إجمالاً كالزكاة، يحتمل الاشتراك بين النماء، والقدر المخرج من النصاب، ويحتمل أن يكون موضوعًا للنماء ثم نقله الشرع إلى القدر المخرج.
الثاني: المجاز خير منه، أي: من الاشتراك، لكثرته.
أي: لكثرة وجود المجاز في استعمالات كلامهم.
стр. 592
حتى قال ابن جني: أكثر اللغات مجاز، والكثرة تفيد الظن في محل الشك فتفيد الرجحان.
وأيضًا: يترجح المجاز على الاشتراك لأن فيه إعمال اللفظ مع القرينة في المعنى المجازي ودونها في المعنى الحقيقي، فلا إهمال فيه على التقديرين. بخلاف المشترك فإنه بدون القرينة لا يفيد المراد ففيه إهمال حينئذٍ.
وما يفيد المراد، ويكون معمولاً في جميع الأحوال خير مما يفيده في بعض الأحوال، ويكون مهملاً في البعض، لأن الأصل إعمال اللفظ لا إهماله، كالنكاح يحتمل أن يكون مشتركًا بين العقد والوطء، وأن يكون حقيقة في أحدهما وهو على الأصح العقد مجازًا في الآخر.
الثالث: الإضمار خير من الاشتراك لأن احتياجه إلى القرينة في صورة واحدة، وذلك حيث لا يتعين المعنى المراد، بأن لا يمكن إجراؤه على ظاهره.
стр. 593
أو حيث تعدد الإضمار.
واحتياج الاشتراك إليها أي: إلى القرينة، في صورتين أو أكثر فيحتاج إلى القرينة في جميع أحواله، مثل قوله تعالى: ﴾ واسأل القرية ﴿فإن القرية يحتمل أن تكون مشتركة بين الأهل والأبنية، أو حقيقة في الأبنية فقط والأهل مضمر.
الرابع: التخصيص خير من الاشتراك؛ لأنه خير من المجاز كما سيأتي، والمجاز خير من الاشتراك كما مر.
فالتخصيص خير من الاشتراك مثل قوله تعالى: ﴾ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴿فإنه يحتمل أنه مشترك بين العقد والوطء، فيكون
стр. 594
معناه تحريم موطوءة الأب، ومنكوحته من غير الوطء.
أو مختص بالعقد، وخص عنه الفاسد من غير وطء.
الخامس: المجاز خير من النقل، لعدم استلزامه - أي: المجاز - نسخ المعنى الأول، وهجره أصلاً. بخلاف النقل كالصلاة، فإنها في اللغة الدعاء وفي استعمالها في المعنى الشرعي، يحتمل أن يكون بطريق النقل، ويحتمل أن يكون بطريق المجاز من باب إطلاق اسم الجزء على الكل لاشتمال الصلاة على الدعاء.
السادس: الإضمار خير من النقل، لأنه - أي: الإضمار - مثل
стр. 595
المجاز، والمجاز خير من النقل لما عرفت، كقوله تعالى: ﴾ وحرم الربا ﴿فإن الأخذ مضمر والربا نقل إلى العقد، فالربا في اللغة: الزيادة.
فيحتمل أن يحمل على حقيقته في اللغة، والأخذ مضمر أي: وحرم أخذ الربا.
أو نقل إلى العقد لاشتماله على الزيادة أي: وحرم العقد المشتمل على الزيادة.
السابع: التخصيص أولى من النقل لما تقدم من كونه خيرًا من
стр. 596
المجاز، والمجاز خير من النقل، مثل قوله تعالى: ﴾ وأحل الله البيع ﴿فإنه - أي: البيع - في اللغة للمبادلة مطلقًا، وخص الفاسد فيكون البيع في الآية عامًا مخصصًا، فإن الحلال في الشرع: إنما هو العقد المستجمع للشرائط، أو نقل من معناه اللغوي إلى العقد المستجمع لشرائط الصحة.
الثامن: الإضمار مثل المجاز لاستوائهما في القرينة مثل: هذا ابني، فإنه يحتمل أن يكون مجازًا، يريد به أنه معزوز محبوب، أو أمضر مثل، أي: مثل ابني، فيقتضي بقاء اللفظ مجملاً إلى أن يظهر
стр. 597
دليل رجحان أحدهما.
وقيل: يقدم المجاز لكثرته، واختاره الصفي الهندي، وجزم به القرافي.
التاسع: التخصيص خير من المجاز، لأن الباقي من مفهوم اللفظ بعد التخصيص متعين، لأن في صورة التخصيص انعقد اللفظ دليلاً على كل الأفراد، فإذا خرج البعض بدليل بقي معتبرًا في الباقي، من غير احتياج إلى تأمل واجتهاد.
والمجاز ربما لا يتعين، بأن يكون للفظ مجازات متساوية، والمتعين للفهم دائمًا أولى مما لم يتعين وقتًا ما.
ولا يفهم حينئذٍ، مثل قوله تعالى: ﴾ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴿.
стр. 598
فإن المراد التلفظ، أي: ما ترك التلفظ باسم الله تعالى عليه عند ذبحه، وخص منه النسيان، أي: متروك التسمية بالنسيان، أو يكون المراد به المجاز، وهو الذبح، أي: لم يذبح على اسم الله تعالى، أو ذبح على اسم الأوثان، ويحرم غير المذبوح شرعًا وهنا بحث حسن متعلق بالآية في الشرح.
العاشر: التخصيص خير من الإضمار لما مر أن الإضمار والمجاز متساويان، وأن التخصيص خير من المجاز، فيكون التخصيص خيرًا من الإضمار، مثل قوله تعالى: ﴾ ولكم في القصاص حياة ﴿يحتمل أن يكون فيه إضمار، أي: في مشروعية القصاص، لأن القاتل إذا
стр. 599
علم أنه يقتل انزجر عن القتل وذلك حياة لنفسين.
أو لا إضمار فيه، ويكون في القصاص نفسه حياة، لإنزجار الناس عن القتل بقتل الفاعل، وخص عنه المقتص منه.
تنبيه: تتنبه به على أن التخصيص المتقدم الذي هو راجح على الكل، إنما هو التخصيص بحسب الأعيان دون الأزمان، لأن التخصيص بحسب الأزمان هو النسخ كما سيجيء، وهو غير راجح على الكل، بل مرجوح بالنسبة إلى الكل، فإن الاشتراك خير من النسخ، لأنه أي الاشتراك لا يبطل الخطاب، بل يورث التوقف إلى ظهور المراد منه، والنسخ يبطله بالكلية، فيكون الاشتراك راجحًا عليه، إذ الأصل عدم بطلان الخطاب.
ولا شك أن الاشتراك يورث إلباسًا، ولأجله كان خلاف الأصل، وكلما كان الالتباس أقل كان خيرًا، فلذا قال: والاشتراك بين علمين
стр. 600
خير منه - أي: من الاشتراك بين علمٍ ومعنى.
والالتباس في الأعلام أقل مما هو في أسماء المعاني، لأن الأعلام تطلق على أشخاص معدودة، وأسماء المعاني تتناول المسمى في أي ذات كان من الأفراد، الغير متناهية.
ولا شك أن الالتباس في الأشخاص المتعددة أقل وقوعًا مما في الأفراد الغير المتناهية.
مثاله أن يقال: رأيت الأسودين، فحمله على شخصين كل اسمه أسود أولى، من حمله على شخص اسمه أسود وآخر لونه أسود.
ولا فرق بين علم الأعيان وعلم الجنس، مثل أسامة لحقيقة الأسد وشخص إنسان.
والاشتراك بين علمٍ ومعنى خير من الاشتراك بين معنيين لما ذكرنا.
следующие страницы →