← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي فتح بتيسير الوصول إلى أصول

стр. 2

الشريعة الغراء، وشرح الصدور بنور الاهتداء إلى محجتها الزهراء، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أفضل المرسلين حبيب الله أبي القاسم محمد خاتم النبيين وعلى آله الطيبين وصحابته هداة الدين. وبعد: فقد يسر الله الكريم الرءوف الرحيم، بإتمام «تيسير الوصول إلى

стр. 3

منهاج الأصول» فجاء بحمد الله كنزًا مدفونًا ينفق من تبره، وبحرًا مشحونًا يستغنى (بفرائد دره. لكنه مبسوط لكثرة تحقيقاته، وإيضاح منهاجه، وحل مشكلاته، فأردت اختصاره على طريقة متوسطة، حاوية لنفائسه المستنبطه

стр. 4

ترتفع عن الإقلال المخل، وتنحط عن الإطناب الممل، وافية ببسط عبارة المتن المشكلة، وتفصيل إشاراته المجملة، وذكر المحتاج إليه من القيود والأمثلة، وإظهار الضمائر والمتعلقات المعضلة، ومن الله الكريم أستمد الصواب والتوفيق إلى ما به يحصل جزيل الثواب وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقدس من تمجد بالعظمة والجلال، وتنزه من تفرد بالقدم والكمال، عن مناسبة الأشباه والأمثال، ومصادمة الحدوث والزوال». افتتح المصنف (رحمه الله تعالى) كتابه بعد التيمن بالبسملة بالثناء على الله -تعالى- أداء لحق شيء مما يجب عليه من شكر نعمائه، إلى تأليف هذا المختصر، أثر من آثارها، ولم يأت بالمنهج المعروف، إما تفننًا في العبارة؛ لأن ما أتى به في هذه الخطبة مشتمل على «الحمد لله»، ولا ينافيه ما أخرجه أبو داود

стр. 6

وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ -من قوله ﷺ : «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع». لأن معناه: الافتتاح بما يدل على المقصود من حمد الله تعالى، لأن الخطبة يتعين فيها سياق واحد يمتنع العدول عنه، أو جعل المصنف (تقدس إلى آخره) بيانًا للبسملة، لأن من كان معبودًا بالحق لا محالة

стр. 7

يكون متصفًا بصفات الكمال، منزهًا عن صفات النقص. ولأن في العبارة الغريبة لذة ليست في المشهورة. هذا وقد صرح المصنف فيما سيجيء بقوله: نحمده. «وتقدس» من القدس، وهو الطهارة لغة. والقدوس: فعول منه صفة من صفات الله تعالى، وهو المنزه عن

стр. 8

كل وصف يدركه حس، أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم، أو يختلج به ضمير، أو يفضي به تفكير، فهو منزه عن أوصاف كمال الخلق، كما هو منزه عن أوصاف نقصهم، بل كل صفة تتصور للخلق، فهو مقدس عنها وعما يشبهها ويماثلها. قال الحلواني: (ومعنى: تقدس) أخذ القدس، أي: الطهارة التي تليق بجنابه لذاته، أي اختصت ذاته بالقدس، من غير عدم سابق (ولا صنع صانع). وآثره على «قدس» و «انقدس»، لأن كثرة المباني تدل على كثرة

стр. 9

المعاني، (فأفاد المبالغة: أي في اختصاصه بالطهارة). ولأن فيه فخامة تملأ الفم، واختار صفة الماضي لدلالته على تحقيق مدلوله. (قال بعضهم): وقدم الصفات السلبية على الإيجابية؛ لأن إثبات الإيجابية، التي هي الكمال تتوقف عند التطهير من النقائص.

стр. 10

ولا يبعد أن يقصد من السلبية التمدح أيضًا، فتكون السلبية من صفات الكمال. وقوله: «من تمجد»: يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة أي الذي أو شيء، وتمجد صلته أو صفته، (ومن مع صلته أو صفته) في محل رفع لأنه فاعل تقدس (أو تمجد). (قيل: وأتى بكلمة «من» إيماءً إلى أن صلتها المجد والشرف التام الحاصل له بحسب عظمة الصفات وكبرياء الذات، بلغت إلى مرتبة إذا لوحظت تعين إسنادها إلى الله -تعالى -بحيث لا مجال للوهم أن ينسبها لغيره. فإذن لا فرق في التعبير عن خصوصية الذات بين الاسم العلمي وغيره، على أن كلمة من تفيد فخامة ليست في غيرها). وتمجد، قال الحلواني: أي أخذ المجد لذاته كما تقدم، (أي

стр. 11

اتصف بالعظمة والجلال). والمجيد: الشريف لذاته، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه ونواله، فكأن شرف الذات إذا قارنه حسن الأفعال سمي مجيدًا. والمجد: الشرف التام الكامل، وهو لله -تعالى -في ذاته وصفاته وأفعاله. والمجد: السعة وكثرة الخير. والباء: في قوله بالعظمة للملابسة والمصاحبة لا للسببية، أي: مجده مصاحب للعظمة والجلال. والعظيم من صفات الله -تعالى -: بمعنى أنه أعظم من كل

стр. 12

عظيم (في نفاذ حكمه، وكمال قدرته، وقهره، وسلطانه، وأعظم من كل) عظيم في أن العقول لا تصل إلى كنه صمديته. والجليل: هو الموصوف بنعوت الجلال. ونعوت الجلال هو العز، والملك، والتقديس، والعلم، والقدرة، وغيرها من الصفات. فالجامع لجميعها هو الجليل المطلق وهو الله -تعالى -. قال الغزالي: وكأن الجليل يرجع إلى كمال الصفات، والعظيم إلى كمال الذات، والصفات جميعها منسوبًا إلى إدراك البصيرة (إذ كان

стр. 13

بحيث يستغرق البصيرة) ولا تستغرقه البصيرة. انتهى وصفات الله تعالى ثبوتية: كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والبقاء. وسلبية: مثل ليس بجسم ولا عرض ولا في مكان.

стр. 14

قال الحلواني: فأشار المصنف ﵀ بالعظمة إلى الصفات الثبوتية، وبالجلال إلى الصفات السلبية، (وأخر الصفات السلبية) رعاية للسجع. أو يقال: صفاته -تعالى -صفات لطف، وصفات قهر، تسمى بصفات الجمال والجلال، فأشار بالعظمة إلى صفات الجمال أي اللطف، وأشار بالجلال إلى صفات القهر. وجمع بينهما ليكون العبد بين الخوف والرجاء. قال العراقي:

стр. 15

والمحفوظ «تقدس من تمجد بالعظمة والجلال» وذكر الشيخ تقي الدين السبكي إنها: والجمال. وقال: ومشاهدة صفة الجمال تثير المحبة ومشاهدة صفة الجلال تثير الهيبة، والعظمة تثير الهيبة أيضًا. فلذلك قرن المصنف العظمة بالجمال، لتفيد معنى زائدًا على الجلال انتهى.

стр. 16

وعطف المصنف قوله: «وتنزه» على قوله: «تقدس»؛ أنهما فعليتان وإعرابه كما مر. قال الحلواني: ومعنى تنزه أي: أخذ في النزاهة أي الطهارة لذاته. (كما تقدم). وتفرد قال الحلواني: أي أخذ الفردانية لذاته كما مر، أي ذاته منفردة لا يشاركه شيء في القدم الذاتي فلا يكون وجوده عن الغير، وصفاته قديمة غير مسبوقة بالعدم.

стр. 17

(وتحقيقه: أن التفعل في تفرد وفي سائر ما أورده من تقدس ونحوه، ليس لمطاوعة فعل آخر، كما يقال: علمته فتعلم، بل المراد التلبس بالشيء كما يقال في المحسوسات: تقمص فيقال: في المعاني: تفعل على معنى اتصافه به، أعني من غير تكلف، ويجوز أن يكون لمطاوعة فعل، وذلك أن معنى قدس: اعتقد التطهر فالمطاوعة في لفظ «تقدس» على معنى المعتقد تقديسه، أي أنه أقام له من الحجج

стр. 18

والبراهين ما يلزم الخلق اعتقاد تنزيهه عن كل نقص فهذا معنى المطاوعة هنا لا التأثير، فمطاوعة كل شيء بحسبه، ومن هذا يعلم حسن عدول المصنف عن الإتيان بأصل الوصف إلى صيغة التفعل؛ لأنه أبلغ إذ فيه الإيماء إلى قيام الدليل على ذلك الوصف. والكمال، قيل: هو فوق التمام. والكمال المطلق: هو الذي يكون كلما يمكن حاصلًا له بالفعل وهو الله تعالى. والمناسبة: اتحاد في النسبة. والأشباه: جمع شبه -بكسر الشين وسكون الباء -وهو اتحاد في الصفات. والأمثال: جمع مثل -بكسر الميم وسكون الثاء -وهو اتحاد في تمام

стр. 19

الماهية (كذا قيل). وقال في الصحاح: يقال هذا مِثْلُه ومَثَلُه كما يقال: شبهه وشبهه بمعنى والمصادمة الوصول من الطرفين. والحدوث: كون الشيء بعد ما لم يكن. والزوال: الفناء.

стр. 20

ويجوز أن يتعلق قوله عن مناسبة بقوله: تقدس، أي تقدس أن تكون صفاته مناسبة لصفات غيره، وذاته أن تكون مماثلة لذات غيره. وقوله: ومصادمة الحدوث والزوال متعلقًا بقوله: «تنزه» أي: تنزه أن يصل الحدوث إلى صفاته فلا تكون صفاته حادثة بل قديمة، وتنزه ذاته أن يكون له زوال وفناء، ففيه لف ونشر مرتب. وصدر مجموع النشرين بكلمة «من» وعطف أحدهما على الآخر. وأحال التعيين على ذهن السامع لأنه لا يخفى عليه أن الأول متعلق بالفقرة الأولى والثاني بالثانية.

стр. 21

ويجوز أن يكون تقدس وتنزه متوجهًا إلى كل واحد منهما. فيكون من باب تنازع الفعلين قاله الحلواني. وفسر صاحب المحكم التقديس بالتنزيه.

стр. 22

قال الزركشي: وحينئذ فقول المصنف بعده: وتنزه، من عطف أحد المترادفين على الآخر، وهو مطلوب في مقام الثناء نظرًا لتغاير الألفاظ. والحق أن التنزيه أعم، فإن مادة القدس تدل على التطهير وهو نوع تنزيه. وفي هذه الجمل إشارة إلى الوحدانية، ووجوب الوجود الذي يتصف بجميع الكمالات من العلم والقدرة والإرادة والحياة، ونفي الجسمية والجهة والتحيز ونفي التركيب وغيرها. (والحاصل أنه تعالى لا يشبهه شيء لا شبهًا (بعيدًا ولا قريبًا .. ) لا في الصفات ولا في الذات).

стр. 23

وقوله: «مقدر الأرزاق والآجال» ليس معطوفًا على ما قبله؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو. والجملة الاسمية لا تعطف على الفعلية على قول اختاره الإمام الرازي.

стр. 24

ونقل عن ابن جني: لاختلافهما بالنوع. وقيل: بالجواز. قال ابن هشام: وهو المفهوم من قول النحويين في باب الاشتغال في مثل قام زيد وعمرو أكرمته أن نصب عمرو أرجح لأن تناسب الجملتين المتعاطفتين أولى من تخالفهما.

стр. 25

وقال أبو علي: يجوز في الواو فقط. قال ابن هشام: وأضعف الثلاثة المنع مطلقًا. وبالجملة فالأحسن هنا عدم العطف لما عرفت. ومعناه، معين مقدار الرزق والأجل لكل واحد. والرزق في الأصل: مصدر

стр. 26

بمعنى الإخراج. وشاع في اللغة أولًا على إخراج حظ من الله -تعالى -أو ممن غيره إلى آخر، حيوانًا كان أو غيره (لينتفع به) ثم شاع استعمالًا وشرعًا على إعطاء الله -تعالى -الحيوان ما ينتفع به حلالًا كان أو حرامًا. والأجل: يطلق بالاشتراك اللفظي على جميع مدة العمر، وعلى آخر جزء منها والمعنيان صحيحان هنا، يعني أن الله -تعالى -كما قدر

стр. 27

وضبط أحوال الإنسان من الأرزاق الروحانية التي هي العلوم والمعارف في هذه الدار وفي دار القرار، المتفاوتة حسب تفاوت أصناف المقربين والأبرار، كذلك قدر أحوال الحيوانات من سعة الرزق وضيقه وطول مدة العمر وقصره، فإذا كان الشخص واسع الرزق في العلم فلا يتكاسل في نشره وزيادته، أو ضيق الرزق فيه فيقتصر على الأهم من العلوم الدينية. وعطف قوله: «ومدبر الكائنات في أزل الآزال» على «مقدر الأرزاق» لأنها جملة اسمية أيضًا مبتدؤها محذوف، وهذا من عطف العام على الخاص، هو من فنون البلاغة، وفيه دفع وهم، أن علمه وقدرته

стр. 28

مختص بالأرزاق والآجال، فدفعه بالتعميم، فإن الكائنات أعم من الأرزاق والآجال وغيرها من الموجودات. (وقال الحلواني): يعني أن الله -تعالى -دبر مآل كل شيء ومرجعه إلى أي شيء يكون من السعادة والشقاوة. فعين سعادة أهل السعادة في الأزل، وكذا شقاوة أهل الشقاوة. والتدبير: هو النظر في دبر الشيء، في آخره ومآله. وإطلاقه على علام الغيوب محال. فالمراد غايته، هو الإحكام والإتقان في الأفعال؛ لأن من تأمل في عاقبة أمر جاء ذلك الأمر على وجه أبلغ وأحسن. والأزل: بفتح الزاي: القدم.

стр. 29

قال في الصحاح: ذكر بعض أهل العلم أن أصل هذه الكلمة، قولهم: للقديم لم يزل، ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا باختصار فقالوا: يزلي ثم أبدلت الياء ألفًا (لأنها أخف) فقالوا أزلي كما قالوا في الرمح المنسوب إلى ذي يزن: أزني. وجمع الأزل تأكيدًا لا تحقيقًا، قاله بعضهم. وقيل: في إضافة الآزال مبالغة في نفي الأولية كأن للأزل أزلًا. ويجوز أن يكون قوله في أزل الآزال من باب تنازع الفعلين فيكون مقدر ومدبر متوجهين إليه.

стр. 30

أو يكون قوله: «مقدر الأرزاق والآجال» إشارة إلى القضاء. يعني مقدر الأرزاق والآجال بحسب ما وقع. وقوله: مدبر الكائنات إلى القدر أي دبر الكائنات التي ستوجد في علمه السابق، قاله الحلواني. وقال بعضهم: الفرق بينهما: أن القدر عباة عن تعلق القدرة والإرادة بإيجاد جميع الأشياء، التعلق التنجيزي الواقع فيما لا يزال. والقضاء: عبارة عن تعلقهما بها التعلق المعنوي الحاصل في الأزل.

стр. 31

عالم الغيب والشهادة: خبر مبتدأ محذوف أي هو، وهذه الجملة بيان لجملة مقدر الأرزاق إلى آخره؛ لأن التقدير والتدبير دال على العلم الكامل الشامل بالضرورة، ولهذا قطعها ولم يعطف. وفيه إشعار بعظم شأن العلم، وقدم الغيب قصدًا إلى رسوخه في علمه؛ لأن من كان عالمًا بالمغيبات كان راسخًا في العلم لا محالة، ويلزم من ذلك علمه بالمشاهدات من باب أولى. وقوله: الكبير المتعال مبتدؤه محذوف أيضًا، وهذه الجملة مسبوقة لبيان ما سبق أيضًا؛ لأن من كان موصوفًا بهذه الصفات ضرورة يكون كبيرًا بحسب الذات، عاليًا بحسب الصفات. والغيب بمعنى: الغائب عن الحس، والشهادة الحاضر له والألف

стр. 32

واللام فيهما للاستغراق، أي يحيط علمًا بكل واحد واحد من الغيوب. والشهادات ظاهرها وباطنها، دقيقها وجليلها، أولها وآخرها عاقبتها وفاتحتها بعلم قديم، وهذا من حيث كثرة المعلومات وهي لا نهاية لها، ثم يكون العلم في ذاته من حيث الوضوح والكشف على أتم ما يمكن فيه بحيث لا يتصور مشاهدة وكشف أظهر منه ثم لا يكون مستفادًا من المعلومات، بل تكون المعلومات مستفادة منه. والكبير: هو ذو الكبرياء، والكبرياء: عبارة عن كمال الذات، وأعني بكمال الذات كمال الوجود، وكمال الوجود يرجع إلى شيئين: أحدهما: دوامه أزلًا وأبدًا. والثاني: أن وجوده هو الوجود الذي يصدر عنه كل موجود بالاختيار.

стр. 33

والمتعال: هو الذي لا رتبة فوق رتبته، وجميع المراتب منحطة عنه. والمراد بالفوقية: الفوقية بالمعنى لا بالمكان.

стр. 34

وعبارة المصنف في تفسيره الكبير: العظيم الشأن الذي لا يخرج عن علمه شيء. والمتعال: المستعلي عن كل شيء بقدرته، أو الذي كبر عن نعت المخلوقين وتعالى عنه. ثم استأنف بقوله: «نحمده على فضله المترادف المتوال، ونشكره على ما عمنا من الإنعام والإفضال» جوابًا عن سؤال تقديره: كيف نحمد هذا المنعم العظيم الموصوف بهذه الصفات العظام؟ فقال: نحمده بصيغة الجمع ليشمله وغيره من المثنين، أدرج حمده في حمدهم، لعله يقبل، أو عظم نفسه امتثالًا لقوله تعالى: ﴿(وأما

стр. 35

بنعمة) ربك فحدث﴾. وأتى بالفعل المضارع ليدل على التجدد والاستمرار، يعني فكما أن نعمه متجددة فحمدنا متجدد، كذا قيل. والحمد: هو الثناء باللسان على الجمل الاختياري. والشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب الإنعام، سواء كان ذكرًا باللسان أو اعتقادًا، أو محبة بالجنان، أو عملًا وخدمة بالأركان.

стр. 36

فمورد الحمد هو اللسان وحده، ومتعلقة يعم النعمة وغيرها. ومورد الشكر يعم اللسان وغيره، ومتعلقه يكون النعمة وحدها. فالحمد أعم باعتبار المتعلق وأخص باعتبار المورد والشكر بالعكس. ومن هنا تحقق تصادقهما في الثناء باللسان في مقابلة الإحسان، وتفارقهما في صدق الحمد فقط على الوصف بالعلم والشجاعة، وصدق الشكر فقط على الثناء بالجنان في مقابلة الإحسان.

стр. 37

وعن الأصفهاني: أن الحمد أعم من الشكر مطلقًا بحسب ماهيتها. وتحقيق ماهيتها: أن الحمد ليس عبارة عن قول القائل: الحمد لله. بل هو فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا، وذلك الفعل إما فعل القلب، أعني الاعتقاد باتصافه بصفات الكمال والجلال. أو فعل اللسان أعني ذكر ما يدل عليه، أو فعل الجوارح وهو الإتيان بأفعال دالة على ذلك. والشكر كذلك ليس قول القائل: الشكر لله، بل صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ما خلق له

стр. 38

وأعطاه لأجله، كصرف النظر إلى مطالعة مصنوعاته، والسمع إلى تلقي ما ينبئ عن مرضاته، والاجتناب عن منهياته. وعلى هذا يكون الحمد أعم من الشكر مطلقًا، لعموم النعم الواصلة إلى الحامد وغيره، واختصاص الشكر بما يصل إلى الشاكر. والفضل: ضد النقص، قاله ابن دريد. والجوهري قال: والإفضال: الإحسان. (وقيل: المراد بالفضل: الفاضل عن الكفاية، وذلك أنه تعالى أعطى الكفاية وزيادة عليها). والترادف: من الردف الذي يركب خلف الآخر، وكل من تبع شيئًا فهو ردفه (فمعنى المترادف: المتراكم بعضه على بعض).

стр. 39

والتوالي: أن يكون واحدًا بعد واحد بحيث لا ينقطع، فالتوالي أبلغ من الترادف فلذا أردفه به دفعًا لوهم أنه ينقطع. (والإنعام: مصدر أنعم إنعامًا، كأحسن يحسن إحسانًا. وعدل عن التعبير بالنعم إلى الإنعام؛ لأن المصدر قد يكون أبلغ من الجمع. والنعم جمع نعمة وهو كل ما يتنعم به من العيش. وفي قوله: نحمده على فضله ونشكره على ما عمنا به تنبيه على أن الشكر لا يكون إلا في مقابلة نعمة بخلاف الحمد، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحمد الله تعالى على ما أنعم به على غيره كما يحمده على ما أنعم به عليه.

стр. 40

وفي الحديث أن النبي ﷺ -أتي ليلة الإسراء بقدح لبن وقدح خمر، (وخير بينهما)، فاختار اللبن فشربه، فقال جبريل: الحمد لله لو أخذت الخمر غوت أمتك. وقيل): قوله: «فضله» إشارة إلى نعمه الباطنة من الإيمان والعرفان وغيرهما. وقوله: «ونشكره على ما عمنا من الإنعام والإفضال» إشارة إلى نعمه الظاهرة من السمع والبصر وغيرهما، ولذا صرح بقوله: «عمنا» ليشمل الكل». ووقف في بعض النسخ أحمده وأشكره وأصلي وهو واضح.
следующие страницы →