← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فمورد الحمد هو اللسان وحده، ومتعلقة يعم النعمة وغيرها. ومورد الشكر يعم اللسان وغيره، ومتعلقه يكون النعمة وحدها. فالحمد أعم باعتبار المتعلق وأخص باعتبار المورد والشكر بالعكس. ومن هنا تحقق تصادقهما في الثناء باللسان في مقابلة الإحسان، وتفارقهما في صدق الحمد فقط على الوصف بالعلم والشجاعة، وصدق الشكر فقط على الثناء بالجنان في مقابلة الإحسان.

стр. 37

وعن الأصفهاني: أن الحمد أعم من الشكر مطلقًا بحسب ماهيتها. وتحقيق ماهيتها: أن الحمد ليس عبارة عن قول القائل: الحمد لله. بل هو فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا، وذلك الفعل إما فعل القلب، أعني الاعتقاد باتصافه بصفات الكمال والجلال. أو فعل اللسان أعني ذكر ما يدل عليه، أو فعل الجوارح وهو الإتيان بأفعال دالة على ذلك. والشكر كذلك ليس قول القائل: الشكر لله، بل صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ما خلق له

стр. 38

وأعطاه لأجله، كصرف النظر إلى مطالعة مصنوعاته، والسمع إلى تلقي ما ينبئ عن مرضاته، والاجتناب عن منهياته. وعلى هذا يكون الحمد أعم من الشكر مطلقًا، لعموم النعم الواصلة إلى الحامد وغيره، واختصاص الشكر بما يصل إلى الشاكر. والفضل: ضد النقص، قاله ابن دريد. والجوهري قال: والإفضال: الإحسان. (وقيل: المراد بالفضل: الفاضل عن الكفاية، وذلك أنه تعالى أعطى الكفاية وزيادة عليها). والترادف: من الردف الذي يركب خلف الآخر، وكل من تبع شيئًا فهو ردفه (فمعنى المترادف: المتراكم بعضه على بعض).

стр. 39

والتوالي: أن يكون واحدًا بعد واحد بحيث لا ينقطع، فالتوالي أبلغ من الترادف فلذا أردفه به دفعًا لوهم أنه ينقطع. (والإنعام: مصدر أنعم إنعامًا، كأحسن يحسن إحسانًا. وعدل عن التعبير بالنعم إلى الإنعام؛ لأن المصدر قد يكون أبلغ من الجمع. والنعم جمع نعمة وهو كل ما يتنعم به من العيش. وفي قوله: نحمده على فضله ونشكره على ما عمنا به تنبيه على أن الشكر لا يكون إلا في مقابلة نعمة بخلاف الحمد، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحمد الله تعالى على ما أنعم به على غيره كما يحمده على ما أنعم به عليه.

стр. 40

وفي الحديث أن النبي ﷺ -أتي ليلة الإسراء بقدح لبن وقدح خمر، (وخير بينهما)، فاختار اللبن فشربه، فقال جبريل: الحمد لله لو أخذت الخمر غوت أمتك. وقيل): قوله: «فضله» إشارة إلى نعمه الباطنة من الإيمان والعرفان وغيرهما. وقوله: «ونشكره على ما عمنا من الإنعام والإفضال» إشارة إلى نعمه الظاهرة من السمع والبصر وغيرهما، ولذا صرح بقوله: «عمنا» ليشمل الكل». ووقف في بعض النسخ أحمده وأشكره وأصلي وهو واضح.

стр. 41

«ونصلي على محمد الهادي إلى نور الإيمان، من ظلمات الكفر والضلال، وعلى آله وصحبه خير صحب وآل». هذا دعاء للشارع المقنن للقوانين؛ لأنه سبب لحصول كمالاتنا وامتثالًا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾. وأتى بالصلاة بعد حمد الله وشكره؛ لقوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾. معناه: لا أذكر إلا ذكرت معي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.

стр. 42

روى هذا التفسير الرهاوي في أربعينه عن أبي سعيد عن النبي ﷺ . ورواه الشافعي عن مجاهد.

стр. 43

قال النووي وغيره: ويكره إفراد الصلاة عن التسليم. فإن قلت: قد جاءت الصلاة عليه غير مقرونة بالتسليم في آخر التشهد (في الصلاة).

стр. 44

فالجواب: أن السلام تقدم فيه في قوله: «السلام عليك أيها النبي». والصلاة: أصلها الدعاء، قال تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ أي ادع لهم. وقال الزجاجي: أصلها اللزوم. قال الأزهري وغيره: الصلاة من الله تعالى رحمة، ومن الملائكة

стр. 45

استغفار، ومن الآدمي تضرع ودعاء. فصلاة الله تعالى على نبيه رحمة مقرونة بالتعظيم والثناء. وفي البخاري عن ابن عباس ﵄ -معنى يصلون: يبركون. وسمى نبينا ﷺ -بمحمد لكثرة خصاله الحميدة.

стр. 46

قال ابن فارس: ألهم الله أهله تسميته بذلك. والمراد بكونه ﷺ -هاديًا، هو هدى الدلالة. قال الله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾.

стр. 47

وأما هدى التوفيق والتأييد والعظمة فمما تفرد به الله تعالى. (وقد تكون الهداية بمعنى الدوام عليها)، وإنما خصه بوصفه الهادي؛ لأنه المطلوب الأعظم، والغاية القصوى من اصطفاء الأنبياء، ولأنه أساس كل سعادة وفلاح. (وقوله: من ظلمات الكفر والضلال، إشارة إلى أنه ﷺ -حصلت به الهدايتان جميعًا من ظلمات الكفر وظلمات الضلال). والنور: الضياء، والجمع أنوار، قاله الجوهري. وفي الكشاف:

стр. 48

(ما حاصله أن) النور ضوء النار، وضوء كل نير وهو نقيض الضلمة واشتقاقه من النار، والنار من نار ينور إذا نفر؛ لأن فيها حركة واضطرابًا. وإطلاق الضوء على النور شائع، وإن كان قد يقع بينهما فرق في بعض الاستعمالات. والظلمات: جمع ظلمة، قال: والظلمة عدم النور. وقيل: عرض ينافي النور واشتقاقها من قولهم: «ما ظلمك أن تفعل كذا» أي «ما منعك وشغلك» لأنها تسد البصر (وتمنع الرؤية.

стр. 49

وقال الإمام: الظلمة عدم النور عن ما من شأنه) أن يستنير. فعلى هذا بين النور والظلمة تقابل العدم والملكة. وعلى قول من قال: عدم النور يكون بينهما تقابل الإيجاب والسلب، وعلى قول من قال: عرض ينافي النور فبينهما تقابل التضاد. وقوله: نور الإيمان: إما من باب إضافة العام إلى الخاص أو استعارة بالكناية.

стр. 50

وقد اختلف في تفسيرها، والذي ذهب إليه المتقدمون أن الشيء إذا شبه بآخر ثم ترك التشبيه إلى الاستعارة فلابد أن يستعار للمشبه (لفظ موضوع للمشبه) به ليتحقق معنى الاستعارة الذي هو أخذ الشيء بالعارية. ثم المستعار إما صريح: اسم المشبه به، كما في الاستعارة التصريحية، أو اسم المشبه به المسكوت عنه، أعني لفظ الكوكب مثلًا في مثالنا، وما أثبت للمشبه المذكور الذي هو الإيمان من لوازم المشبه به. أعني النور كناية عن لفظ الكوكب، وكونه مستعارًا للإيمان، ومن هذا سميت استعارة بالكناية. ومما ذكر في توجيه نور الإيمان، أوضح لك حال ظلمة الكفر

стр. 51

والضلال. ولما ضمن الهداية معنى الإخراج عداها بمن حيث قال: من ظلمات الكفر. قيل: وذكر الضلال بعد الكفر تعميم بعد تخصيص. ووحد النور، وجمع الظلمة، تنبيهًا على أن المهتدي بالإيمان (قد يتعين) له طريق خاص إلى الله تعالى بخلاف غير المهتدي، فإنه يميل إلى كل شيء ويفعل كل فعل ويذهب في كل طريق. وقيل: توحيد النور للترغيب عليه، وتكثير الظلمات لتقبيح شأن الكفر، والتنفير عنه؛ لأن الكفر والضلالة متعدد متنوع. ولكل نوع ظلمة، بخلاف الإيمان فإنه متحد بالنوع غير مختلف.

стр. 52

(قيل: وإنما قال: الهادي إلى نور الإيمان، ولم يقل إلى الإيمان، لفائدتين: إحداهما: (أن الإيمان يكون) رافعًا للكفر، ونوره يدفع ظلمات الكفر، قال الله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾. فعبر المصنف بثمرة الإيمان، وهو النور التام يوم القيامة، وهو من باب التعبير بالعلة الغائية. والفائدة الثانية: أن المراد بنور الإيمان بيان الأحكام الشرعية. قال تعالى: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾.

стр. 53

والحكمة: السنة، فهو ﷺ -أخرج الناس بإذن الله تعالى من ظلمات الكفر ومن ظلمات الجهل). والآل، أصله: أهل، بدليل أهيل، خص استعماله في الأشراف ومن له خطر. وعن الكسائي: سمعت أعرابيًا فصيحًا يقول: أهل وأهيل وآل وأويل. وآله ﷺ -قال الإمام الشافعي (رضى الله عنه) وجمهور أصحابه: هم بنو هاشم وبنو المطلب.

стр. 54

وقيل: عترته أولاد فاطمة ﵂ -المنتسبون إليه. وقيل: أهل دينه كلهم وأتباعه إلى يوم القيامة. قال الأزهري: هذا القول أقربها إلى الصواب، واختاره النووي في شرح مسلم، واختاره غيره.

стр. 55

وحديث أنس المرفوع أن آله كل مؤمن تقي.

стр. 56

وهاه البيهقي. والصحب جمع صاحب، كركب جمع راكب. والصحابي: نسبة إلى الصحبة ثم اختص في العرف بمن صحب النبي ﷺ -تشريفًا لهم. وهو كل من لقي النبي ﷺ -مسلمًا ومات عليه ولو تخللت ردة. والمراد من هذا التعريف معرفة الصحابة بعد انقراضهم.

стр. 57

فقوله: لقي أعم من المجالسة، والمماشاة، ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه، ويدخل فيه رؤية أحدهما الآخر، فدخل ابن مكتوم ونحوه من العميان والذكر والأنثى. وقوله: «مسلمًا» ليخرج من حصل له في حال كفره لقاء النبي ﷺ -فإنه ليس صحابيًا لعداوته له ﷺ . وقوله: مات عليه، أي على الإسلام، ليخرج من ارتد بعد أن لقيه مسلمًا، ومات على الردة كعبد الله بن جحش،

стр. 58

وابن خطل. وقوله: ولو تخللت ردة، أي بين لقياه مسلمًا وبين موته على الإسلام، فإن اسم الصحبة باق له سواء كان رجوعه إلى الإسلام في حياته، أم بعده ﷺ . سواء لقيه ثانيًا أم لا. وقيل: الصحابي: من طالت صحبته ومجالسته، واختاره، جماعة من أهل الأصول.

стр. 59

وأما قول الفقهاء: قال أصحاب الشافعي وأصحابنا فمجاز. مستفيض، للموافقة بينهم وشدة ارتباط بعضهم ببعض كالصاحب حقيقة. فإن قلت: كيف جعل آل النبي ﷺ -خير آل مع أن آل إبراهيم ﵊ -أفضل منهم؛ لأن فيهم أنبياء. أجيب: (بأن مراده) أنهم خير آل ليس لهم وصف أشرف من كونهم آل نبي، فأما من أنضم إلى ذلك كونه نبيًا فقد خرج عن وصوفه بالآل، لا أنه زال عنه الصفة، بل لأنه صارت له صفة أعظم منها فيذكر بالصفة العظمى. وأما كون أصحابه خير الأصحاب فذلك واضح لقوله تعالى: ﴿كنتم

стр. 60

خير أمة أخرجت للناس﴾ وأتبع صلاته ﵊ -بالصلاة على آله، وأصحابه، لأنهم كانوا مجتهدين وساعين في إظهار الدين وتبليغ الأحكام الدينية إلينا وذلك من النعم الجليلة. (وإضافة الآل إلى المضمر لا يمتنع على الأصح لورود السماع به). وبعد: أصلها أما بعد. قال النحاس:

стр. 61

وسئل أبو إسحاق عن معنى: أما بعد؟ فقال: قال سيبويه: معناها: مهما يكن من شيء، أي بعد ما ذكر، فوقعت كلمة أما موقع اسم هو المبتدأ وفعل هو الشرط، وتضمنت معناها. (ولتضمنها معنى الشرط لزمتها الفاء اللازمة للشرط غالبًا). ولتضمنها معنى الابتداء لزمها لصوق الاسم اللازم للمبتدأ قضاء لحق ما كان، وإبقاء له بقدر الإمكان. وبعد ظرف لابد له من عامل، فعل أو شبهه يتعلق به.

стр. 62

فقيل: إنه متعلق بأما، من حيث إنه قائم مقام فعل هو يكن المحذوف. وقيل: إنه متعلق بقوله: يكن، وهي بضم الدال، وبالرفع والتنوين. وبالنصب والتنوين، وبفتح الدال على تقدير لفظ المضاف إليه. وكان النبي ﷺ -يأتي بها في كل خطبه وكتبه، وفي غرائب مالك للدارقطني بسند ضعيف: لما جاء ملك

стр. 63

الموت إلى يعقوب ﵊ قال يعقوب: -في جملة كلام - «أما بعد: فإنا أهل بيت موكلٌ بنا البلاء». فإن صح فيكون أول من ابتدأ بها. وقيل: داود، وأنها فصل الخطاب الذي أوتيه. وقيل: قس بن ساعدة. وقيل: كعب بن لؤي.

стр. 64

وقيل: يعرب بن قحطان وقيل: سحبان (بن وائل) وجواب الشرط قوله: «فإن أولى ما تهتم به الهمم العوالي، وتصرف فيه الأيام والليالي، تعلم المعالم الدينية، والكشف عن حقائق الملة الحنيفية، والغوص في تيار بحار مشكلاته، والفحص عن أستار أسرار معضلاته». أولى: أحرى وأليق. وتهم بفتح التاء وضم الهاء؛ لأن ماضيه ثلاثي، يقال: هم بالشيء إذا قصده بهمته أي: يهتم به ويقصد إلى فعله، ويقرؤه من لا خبرة

стр. 65

له بضم التاء وكسر الهاء، على أن ماضيه رباعي، وهو خطأ، فذاك بمعنى الحزن من الهم. قال الجوهري: وهممت بالشيء أهم هما، إذا أردته. والهمم واحده همة بمعنى الإرادة. والمراد النفوس العالية، فكنى بالهمم العوال عنها؛ لأنها من لوازم النفوس، وكأنها من فرط الهمة والإرادة صارت عينها. (وصاحب الهمة العالية هو الذي يحرص على ما ينفعه ويبالغ في الاجتهاد في تحصيله). والصرف: إخراج الشيء عن تصرفك. والأيام والليالي: عبارة عن العمر، وهو من النفائس العظيمة.

стр. 66

فينبغي أن يصرفه في أعز الأشياء. وأشار إليه بقوله: تعلم المعالم الدينية. والمعالم: جمع معلم موضع العلامة. قال الحلواني: وأراد بها هنا الأحكام الشرعية الأصولية. ولا يبعد أن يريد به (كل ما) له تعلق بالدين وهذا منه؛ لأن أدلة الشيء معالمه، إذ بها يهتدى إلى الأحكام المنسوبة إلى الدين. (وقيل: المراد بالمعالم: أحكام الشرع بأدلتها، فإنها علامات تميز الحلال من الحرام). والكشف: قال ابن دريد: كشفت الشيء أكشفه كشفًا إذا أظهرته

стр. 67

وأبديته. والملة: قال الراغب: هو القود إلى الطاعة. والدين هو الانقياد له، وهما بالذات واحد، لكن الدين هو الطاعة، فيقال: اعتبار بفعل المدعو في انقياده إلى الطاعة. والملة من أمللت الكتاب، فيقال: اعتبارًا بفعل الداعي إليها، والشارع لها ثم لكونهما بالذات. قال تعالى: ﴿دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا﴾ فأبدل الملة من الدين.

стр. 68

وقال ابن الأثير: الملة: الدين، كملة الإسلام. وقيل: هي معظم الدين وجملة مايجيء به الرسل. وقال الجوهري: والملة -بالكسر -: الدين والشريعة. وقال ابن دريد: الملة النحلة التي ينتحلها الإنسان من الدين. قال الحلواني: والحق أنهما -أي: الملة والدين -مختلفان متلازمان. وفي الملة معنى الاجتماع، فلهذا لا يقال: ملة الله. وفي الدين معنى الجزاء، ولهذا يضاف إلى الله تعالى فيقال: دين الله.

стр. 69

والحنيفية: الإسلام. والحنيف المائل عن الباطل إلى الحق. (ولما كان طلب الآخرة متوقفًا على صحة الأعمال، وصحة الأعمال متوقفة على العلم، كان العلم أهم ما يطلب أولًا). والغوص: هو النزول في عمق الماء. والغواص: من ينزل في عمق البحر لاستخراج الدر وغيره، وغاص على الدر حصله، واستعلى عليه واطلع. والتيار: الموج. شبه المصنف العلم بالبحر الجاري؛ لأن العلم يجري ثوابه ولا ينقطع بالموت، كما لا ينقطع جريان البحر؛ ولأن الماء حياة الأنفس، وحياة الماء جريانه، كذلك العلم حياة القلوب. وحياة العلم البحث فيه؛ ولأن الغوص في تيار البحر الجاري فيه

стр. 70

مزيد مشقة على الغوص في الماء الراكد. وفيه إشارة إلى أن العلم لا ينال براحة الجسد. وأثبت له التيار ترشيحًا للاستعارة المصرحة؛ لأنه أطلق المشبه به وأراد المشبه، وأثبت ما يخص المشبه به. وشبه التفكر والتأمل في حل تلك المشكلات بالغوص (لتخرج المسائل المشبهة بالجواهر. وفيه إشارة إلى أن المسائل يستضاء بها من ظلمات الجهل، كما يستضاء بالجواهر في ظلمة الليل. والفحص: البحث والتفتيش التام. وفيه إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يسعى في طلب العلم وفي السؤال عنه). والأستار: جمع ستر.

стр. 71

والأسرار: جمع سر، وهو الخفي عن الشيء. قال الجوهري: السر الذي يكتم. والمعضل: ما انغلق معناه ولا يفهم بسهولة. وفي الصحاح: المعضلات: الشدائد. (فمراد المصنف بالمعضلات: المسائل التي قوي إشكالها وبعدت عن الأفهام. والمراد بالبحث عن أستار أسرارها: البحث عن علل المسائل المشكلة وعن معانيها، فإن العلم إذا عرف بعلله، والمسائل إذا عرفت بمعانيها، كان أدعى للنفس إلى قبولها والانقياد إليها؛ لأن إشكالها حينئذ يزول، كذا قيل). وتشبيه المعاني الخفية تحت الألفاظ بالمخدرات خلف الأستار.

стр. 72

استعارة مصرحة. وإثبات الستر ترشيح. والضمير في مشكلاته ومعضلاته، قيل: عائد على الكشف لا على الملة؛ لأنها بيضاء نقية؛ ولأن الضمير مذكر. وقيل: عائد إلى الملة على تأويل الدين. وعطف على قوله: إن أولى قوله: وإن كتابنا هذا "منهاج الوصول إلى علم الأصول"، الجامع بين المعقول والمشروع، والمتوسط بين الأصول والفروع، وهو أي المنهاج، وإن صغر حجمه كبر علمه

стр. 73

وكثرت فوائده وجلت عوائده. وأضاف الكتاب إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه تعظيمًا للكتاب، وإظهارًا للنعمة قال تعالى: ﴾ وأما بنعمة ربك فحدث ﴿وفيه إشارة إلى عظم شأن هذا الكتاب. وتنشيط وترغيب للطالب على تحصيله. وفي تسميته بالمنهاج، وإضافته إلى الوصول، إيماء إلى كونه طريقًا واضحًا موصلاً إلى علم أصول الفقه (على ما يتبين). أن المنهاج والمنهج والنهج بنون مفتوحة وهاءٍ ساكنة: هو الطريق الواضح، كما قاله الجوهري. قال: وتقول نهجت الطريق على وزن ضربت إذا أوضحته وبينته. وحينئذ فتقول منه: أنا ناهج ومنهاج إذا أردت المبالغة.

стр. 74

فيجوز أن يكون تسمية الكتاب بالمنهاج مأخوذًا من المعنى الأول. قيل: فيكون شبه الكتاب بطريق واضح واسعٍ موصلٍ إلى المقصد بسهولة، فأطلق المشبه به وأراد المشبه فهو استعارة مصرحة. ويجوز أن يكون من الثاني وكلاهما حسن. وتقول أيضًا: نهجت بمعنى سلكت، وإرادة هذا المعنى بعيدة. وتكلم الناس في "هذا"، الواقعة صدر الكلام. فقيل: إنه وضع غير مشارٍ به ويشار به إذا وجد ما أريد من الإشارة، ورده الفارسي في التذكرة، واختار في الجواب: أن معناها التقريب، وتنزيله منزلة الحاضر.

стр. 75

فلما تأكد عزم المصنف على تصنيف المنهاج عامله معاملة الموجود، فأشار إليه، وذلك لغة العرب. قال الله تعالى: ﴾ هذا يوم الفصل ﴿. قال النووي: ومن المصنفين من يترك موضع الخطبة بياضًا فإذا فرغ ذكرها. فأشار إلى حاضر لتكون عبارته في الخطبة موافقة لما ذكر فيحتمل الأمران في كلام المصنف. وأصل الكتاب في اللغة الضم، فسمي كتابًا لضم حروفه ومسائله بعضها إلى بعض. والكتاب اسم للمكتوب مجازًا، وهو من باب تسمية المفعول باسم المصدر، وهو كثير. وهو في اصطلاح المصنفين: كالجنس المستقل الجامع لأبواب تلك الأبواب، أنواعه، وجمعه كتب بضم التاء وتسكن.
следующие страницы →