Полный текст (329 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الرسالة الأولى: جواب اعتراضات ابن العربي على شرح ابن السيد البطليوسي لديوان أبي العلاء المعري
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد وآله وسلم تسليما
أخبرني الفقيه النحوي أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي بهذا الجزء قراءة مني عليه، قلت له: قلت - رضي الله عنك -: إن أولى ما ابتدى به كل ذكر وافتتح، وأحجى ما تيمن به في كل أمر واستنجح، ذكر الله تعالى، ثم الصلاة على رسوله المصطفى الذي هدانا بهداه، وعلمنا ما تقصر عقولنا عن بلوغ أدناه، وأهدى إلينا الاستبصار مفروغا منه، ولم يحوجنا إلى البحث بالمقاييس عنه، نشكره شكر المعترف بالعجز عن شكر نعماه، ونسأله أن يوفقنا إلى ما يزلف إليه ويرضاه، ونستعيذ به من وساوس الصدور، وسوء عواقب الأمور.
رأيت - أراك الله منهج الحق وسننه، وجعلك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اعتراضات ابن العربي علينا في شرح شعر المعري، ولسنا ننكر معارضة المعارضين، ومناقضة المناقضين، فإنها سبيل العلماء المعروفة وطريقهم المألوفة:
(ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه)
وإنما ننكر من أمر هذا الرجل - وفقنا الله وإياه إلى صالح العمل - أنه تسعف وما
стр. 3
أنصف، وجاء في المعارضة والخلاف، بأشياء استظرفتها غاية الاستظراف. وذلك أنه وجد أبياتا أفسدها ناسخ الديوان، بالزيادة والنقصان، فعادت مكسور الأوزان، ونبت العين عما فيها من الشين، فنبه عليها في طرر الكتاب، وبين فيها وجه الصواب. كأنه توهم - عفا الله عنه - أننا من الطائفة التي لا تقيم الشعر، ولا تحسن شيئا من النظم والنثر.
وكذلك وجد خطأ من الناسخ في بعض الأحرف، فظنه من قبل المؤلف المصنف، فتفضل بأن نبه عليه في طرر الكتاب، فحصلنا عنده في مرتبة من لا يقيم وزن الشعر ولا يحسن الإعراب. ولولا أن يظن بنا هذا الرجل - وفقه الله - عجزا من الانتصاف والانتصار، كما توهم علينا الجهل بالإعراب وكسر الأشعار، لصمتنا عن مراجعته صمت الرخم، ولم نتشاغل يتصرف لسان في مجاوبة ولا قلم. ولكن سوء معاملته أحوج إلى الكلام، ولو ترك القطا ليلا لنام، وقد الله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا سيئا وهو خير لكم﴾ [البقرة ٢: ٢١٦] ثم قال أبو الطيب:
(رب أمر أتاك لا تحمد الفعـ ... ـعال فيه ونحمد الأفعال)
(وقسى رميت عنها فردت ... في نحور الرماة عنها النصالا)
فأول ما نقوله لهذا الرجل - وفقنا الله وإياه-: إن كان ما يجري مجرى السهو ويعد من اللغو، يحسب من الذنوب، ويعتد به في العيوب، فقد كتبت بخطك في معارضتك إيانا أشياء صحفت فيها وحرفت، وكسرت صحيح الوزن، ولحنت أقبح لحن، فنحن نتوخى فيها معك مناقشة الحساب، ونعاتبك أشد ما يكون من العتاب:
стр. 4
(فلا تغضبن من سيرة أنت سرتها ... وأول راض سيرة من يسيرها)
ولقد أذكرني أمري معك حكاية الصولي ﵀ قال: كتبت إلى بعض إخواني كتابا، فورد على جوابه يقول فيه: ورد في كتابك وقد أعبت عليك حرفا فراجعه. وأفاني جوابك ووقفت عليه، وقد عبت عليك قولك "أعبت"، وهذا حين نبدأ للمناقشة، ونتهيأ للمخاصمة".
وجدناك - أعزك الله - لما انتهيت إلى قول المعري:
(أراني في الثلاثة من سجوني ... فلا تسأل عن الخبر النبيث)
(لفقديناظري ولزوم بيتي ... وكون النفس في الجسد الخبيث)
كتبت في الطرة منكرا لروايتنا، متوهما للتصحيف علينا الذي قرأناه: "شجوني" - بالشين المعجمة - فأي مدخل ههنا لـ "الشجون" - أبقاك الله -؟ ! وهل هذا إلا من التصحيف الطريق؟ ! إنه وصف المعري أنه مسجون في ثلاثة سجون، ثم فسر
стр. 5
السجون فجعل جسمه سجنا لنفسه، وبيته سجنا لشخصه، وعماه سجنا لبصره، لأنه كان يرى أن النفس معذبة بكونها في الأجسام، وأن رأحتها في مفارقتها عند الحمام. وبنحو من هذا المنزع سمى نفسه رهين المحبسين.
وقد كرر هذا المعنى في مواضع كثيرة من شعره استحسانا له، وإن لم يستوف هذا الغرض كله. فمنها قوله:
(أتحدث للأرواح راحة مطلق ... إذا فارقن، إن الجسوم سجون؟ )
ومنها قوله:
(أتأسى النفس للجثمان تبلى ... وهل يأسى الحيا لفراق دجن)
(وما ضر الحمامة كشر ضنك ... من الأقفاص كما أصر سجن)
ووجدنا من لحنك وتصحيفك أنك لماوصلت إلى قول المعري:
(ولولا حفاظي قلت للمرء صاحبي ... [بسيفك] قيدها فلست أبالي)
стр. 6
أنكرت قولنا وكتبت في الطرة قول ابن مقبل اقعد به:
(يا صاحبي على ثاد سبيلكما ... علما يقينا الما تعلما خبري؟ )
(إني أقيد بالمأثور راحلتي ... ولا أبالي لو كنا على سفر)
فاستطرفنا ما كتبته جدا، لأنك أردت أن تخطئنا من وجه واحد فأخطأت أنت من أربعة وجوه: أحدها: أنك كتبت "ثأد" بدال غير معجمة، وهمزت الألف، وإنما هو "ثاج" - بالجيم غير مهموز، وهو ماء لخثعم. وفيه قول الشاعر:
(يا دار مية بالخفين من ثاج ... سقيت أخلاف هامي الودق ثجاج)
стр. 7
والوجه الثاني: أنك كتبت "يا صاحبي" وإنما هو "يا جارتي"، كذا في شعر ابن مقبل. ويدل على صحة ذلك قوله قبل البيت:
(قالت سليمي ببطن القاع من سرع ... لا خير في العيش بعد الشيب والكبر)
(واستهزأت تربها مني فقلت لها ... ماذا تعيبان مني يا ابنتي عصر)
(لولا الحياء وباقي الدين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري)
(ما أنتما والذي خالت حلومكما ... إلا محيران إذ يسري بلا قدر)
ثم قال: يا جارتي، وعنى بالجارتين سليمي وتربها المتقدمتي الذكر.
والوجه الثالث: أنك قلت: "ولو كنا على سفري"؛ فأثبت ياء بعد الراء وكأنك توهمت أنه أضاف السفر إلى نفسه، وتأنقت في تعريق الباء غاية التأنق ليتحقق خطؤك غاية التحقق. وليس بعد هذه الراء إلا ياء الإطلاق، وهي ياء تزاد بعد حرف الروي للترنم إذا كان مكسورا، كما تزاد بعده واو إذا كان مضموما وألف إذا كان مفتوحا. ولا تصور [في] الخط من هذه الأحرف الثلاثة إلا ألف، وسبيلها سبيل التنوين، نحو قول جرير:
стр. 8
(أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت: لقد أصابا)
والوجه الرابع: أنك قلت: معنى بيت ابن مقبل: "أقعد" بمعنى بيت أبي العلاء. وهو لا يشبه إلا في ذكر التقييد بالسيف لا غير؛ لأن ابن مقبل أراد أن يعرقبها للأضياف جودا وكرما، وأراد المعري عرقبتها ضجرا من نزاعها إلى أوطانها وتبرما. وإن غلطك في هذا لعجيب، لأن الشعر يدل على ما قلناه دلالة لا تخفى على متأمل.
ووجدناك من خطئك أنك لما وصلت إلى قوله:
(فلولاك بعد الله ما عرف الندى ... ولا ثار بين الخافقين قتام)
انكرت قولنا: إن الخافقين هما المشرق والمغرب، وكتبت في طرة الكتاب، لتعلمنا بوجه الصواب: المعلوم أن "الخافقان": جانبا الأرض من الهواء، فأردت أن تخطئنا من وجه واحد فأخطأت أنت من ثلاثة أجوه، أحدها: أنك رفعت "الخافقين" وهما منصوبان بـ"أن"، ثم صححت عليها فكان تصحيحك على اللحن أشد من اللحن. والوجه الثاني: أنك جعلت قولنا غير معروف وقولك هو المعروف. وهذا من المقلوب الذي قلناه نحن هو يعقوب بن السكيت في إصلاح المنطق. وقال مثله أيضا في كتابه "المثنى والمكنى والمبنى". وكذلك قال أبو عبيد وأبو حاتم.
стр. 9
وكذلك قال الأصبهاني في كتاب "أفعل من كذا"، وقولك هو الذي ليس بمشهور لا قولنا.
والوجه الثالث من خطئك في هذه المسألة: أنك رأيت شيئا ولم تحسن العبارة عنه، أو رأيته في كتاب من لم يحسن إيراده فحكيت قوله.
وحقيقة هذا - أبقاك الله - أن هذه المسألة من المسائل التي أنكرها بعض اللغويين على يعقوب وقال: لا يصح أن يقال للمشرق والمغرب: خافقان، لأن الخافق هو [الهواء] المتحرك المضطرب، والمشرق والمغرب لا يوصفان بالاضطراب، إنما يضطرب الهواء فيهما أول الليل والنهار، فإنما ينبغي أن يقال لهما: مخفقان لا خافقان، كما يقال لموضع الضرب: مضرب، ولموضع الغرس: مغرس، وهكذا يقال للقفر الذي يخفق فيه السراب. قال رؤية:
(ومخفق من لهله ولهله)
وهذا الذي قاله هو المعترض على يعقوب حكاه من وجهين: أحدهما: أن يعقوب لم يقله وحده، يل قاله جماعة غير يعقوب. والثاني: أن العرب قد تأتي بالمفعول به والمفعول فيه على صيغة فاعل، كقولهم: ماء دافق، وعيشة راضية،
стр. 10
وسر كاتم، ونهارك صائم، وليلك قائم. ولو جمع هذا النوع لجاء منه جزء ضخم، فمنه قول جرير:
(لقد لمتنا يا أم غيلان في السري ... ونمت وما ليل المطي بنائم)
وقال علقمة:
(فظل الأكف يختلفن بخاند ... إلى جؤجؤ مثل المداك المخضب)
ووجدناك - أبقاك الله - لما انتهيت إلى قول المعري:
(وغيض السير عينيها فلو وردت ... نطافها الطير لم تشرب بلا شطن)
أنكرت "النطاف" وكتبت في الطرة: "جميمها" روايته وصوابه. ونحن نقول: بل هذا انقلاب معناه وفساده. أي مدخل للجميم في هذا الموضوع؟ وإنما المشهور في الجميم أنه من صفة النبات لا من صفة الماء. قال أهل اللغة: تسمى البهمى قبل
стр. 11
انعقاد ثمرتها جميما، فإذا انعقدت ثمرتها فهي بسرة، فإذا صارت كاللوزة قيل لها: صمعاء، وأنشدوا:
(رعت بارض البهمى جميما وبسرة ... وصمعاء حتى اثقبتها نصالها)
فأي مدخل لهذا في هذا الموضع؟
وإن كنت ذهبت إلى أن الجميم هو الماء المجتمع بمنزلة الجمة والجمام فذاك خطأ أيضا، لأن الماء لا يسمى بهذا الاسم إلا إذا جم وكثر لعد الاستسقاء منه، وعين الإبل عند الغؤور لا تشبه بالماء الكثير، إنما تشبه بالثمد من الماء، والنطاف: البقايا منه؛ ولذلك قال المعري في قصيدة أخرى:
(كأنا توقت وردنا ثمد عينها ... فضم إليه ناظريها جبينها)
فذكر الثمد وهو كالنطفة.
стр. 12
وقال القطامي:
(خوصا تدير عيونا ماؤها سرب ... على الخدود إذا ما اغرورق المقل)
(لواغب الطرف منقوبا حواجبها ... كأنها قلب عادية مكل)
فشبه عيون الإبل حين غارت بآبار قديمة جف ماؤها.
وقال العجاح:
(كأن عينيه من الغؤور ... قلتان في جوف صفا منقور)
(أذاك أم حوجلتا قارور ... غيرتا بالنضج والتصيير)
وقال الشماخ - ووصف حمير وحش-:
(فظلت بأعراف كأن عيونها ... إلى الشمس هل ترتو - ركي نواكز)
стр. 13
ووجدناك لما وصلت بالمطالعة إلى قول المعري:
(ثلاثة أيام هي الدهر كله ... وما هن غير اليوم والأمس والغد)
وجدت "غير" في البيت مرفوعا فأثبته في الطرة منصوبا، وضبطت النصب ضبطا محكما، فما الذي حاولته بما فعلت؟ أحسبت أن الرفع لا يجوز أم أردت أن "ما" يجوز نصب خبرها ورفعه؟ إن هذا لمن أعجب الأعاجيب.
ولقد أحسن القائل إذ يقول:
(وهلك الفتى ألا يراح إلى الندى ... وألا يرى شيئا عجيبا فيعجبا)
ووجدناك لما وصلت بالمطالعة إلى قوله:
(ولم يثبت القطبان فيه إلا تخيرا ... وما تلك إلا وقف عن تبلد)
ولم ترض بقولنا الذي قلناه، وكتبت: ما لنا ولهذا الاقتحام؟ ! وما أراد أن يصف طول الليل وثبوت النجم بثبوت القطبين وعدم الحركة؛ كما قال الكندي:
стр. 14
(كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل)
فما هذه الغفلة الشديدة؟ ! وهلا تأملت ما تقوله تأمل من يفكر في انتقاد المنتقدين واعتراض المعترضين؟
هذا الكلام فيه خطأ من وجهين: أحدهما: من جهة تنظير بيت المعري ببيت الكندي وغرض الشاعرين مختلف، وإن كان بين البيتين بعض المناسبة، لأن الكندي إنما أراد وصف طول الليل وثبات النجم، ولم يتعرض لذكر قطب ولا وصف قمر، والمعري لم يقصد في بيته إلى ذكر نجوم ولا وصف ليل، وإنما وصف قفرا مخوفا يفزع منه كل من يمر به من هوله. فعظم أمره بأن ذكر أن ثبات القطبين فيه ليس باختيار منهما وإنما هو من أجل أنهما فزعا من هول هذا القفز فوقفا وقفة حائر. ألا ترى أن قبله:
([خرق يطيل الجنح فيه سجوده ... وللأرض زي الراهب المتعبد)
(ولو نشدت نعشا هناك بناته ... لماتت ولم تسمع له صوت منشد)
(وتكتم فيه العاصفات نفوسها ... فلو عصفت بالنبت لم يتأود)
стр. 15
وقد يستحسن هذا المعنى ويصرفه في شعره كثيرا كقوله:
(كأن الصبا فيه تراقب كامنا ... يسور إليها من خلال إكامه)
(يمر به راد الضحى متنكرا ... مخافة أن يغتاله بقتامه)
(بلاد يضل النجم فيها سبيله ... ويثنى دجاها طيفها عن لمامه)
وإنما عرضت لك هذه الشبهة فيه لذكره الجنح وسجوده فحسبته يصف ليلا، وإنما يصف قفرا، وجعل من جملة هوله طول ليله، وليس يوجب ما عرض من وصف الليل في وصف القفر أن يقال: إنه وصف ليلا. كما أن ذكره ضلال النجم عن سبيله وصرف دجا هذه البلاد الطيف عن لمامه لا يوجب أن يقال: وصف الليل والنجوم، فهذا أحد الخطأين.
وأما الخطأ الثاني فقولك: إنه أراد ثبوت النجوم لثبوت القطبين؛ لأن ثبوت القطبين لا يوجب ثبوت النجوم؛ لأنها أبدا ثابتة والفلك دائر، والنجوم طالعة وغاربة، وهذا كلام من لا يحسن علم الهيئة.
ورأيناك لما وصلت إلى قول المعري:
стр. 16
(فلك دائر أبى فتياه ... ونية، أو يفقر الفتيان)
كتبت في الطرة "يفرق" بالرفع، فما هذا الغلط؟ أليست "أو" هذه هي التي تنصب بعدها الفعل المضارع في نحو قولك: لألزمنك أو تقضيني حقي، ولأسيرن في البلاد أو استغنى، وقول أمرئ القيس:
(فقلت له: لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا؟ )
وكذلك رأيناك لما وصلت بالنظر إلى قول المعري:
(فكأني ما قلت والليل طفل ... وشباب الظلماء في العنفوان)
(ليلتي هذه عروس من الزنج عليها قلائد من جمان)
كتبت في الطرة: "صوابه وروايته: والبدر طفل"، وحكيت عن شيخك أنه فسره فقال: يعني أول الشهر. وقد رأيت في الرواية في بعض النسخ "السقط" فلم أعرض عليها وأنزلتها منزلة الغلط؛ لأنه كلام متناقض، وذلك أنه لا يصح أن يوصف بالطفولية إلا الهلال، لأنه في أول نشئه. وأما البدر فلا يجب أن يقال له: طفل، لأن اسم البدر إنما يقع في حال تمامه وامتلائه. فمن سمى البدر طفلا كان كمن سمى الكهل صبيا، والتام ناقصا، فلا يصح أن يسمى البدر طفلا ولا هلالا، كما لا يصح أن
стр. 17
يسمى الهلال بدرا، وأما الليل فإنه يشبه في أول انبعاثه بالطفل، وفي حين انتصافه واستحكام ظلامه بالكهل، وفي حال إدباره بالشيخ، وفي ذلك كثير من الشعر.
فمن مليح ما جاء في ذلك قول أبي فراس:
(لبسنا رداء الليل راضع ... إلى أن تردى رأسه بمشيب)
فجعل الليل في أوله كالطفل الرضيع، وفي آخره كالشيخ الأشيب.
وقد وصفه أبو العلاء بالاكتهال في قصيدة أخرى فقال:
(من الزنج كهل شاب مفرق رأسه ... وأوثق حتى نهضه متثاقل)
وقد ألممت ببعض هذا المعنى استحسانا له فقلت:
(ترى ليلنا شابت نواصيه كبرة ... كما شبت، أم في الجو روض بهار؟ )
(كأن الليل الشفع في الأفق جمعت ... ولا فضل فيما بينها لنهار)
ومما يدل على أن ذكر البدر هنا غلط خروجه من التشبيه المذكور في البيت الذي بعده؛ لأنه شبه الليلة بسوداء، وشبه النجوم بقلائد الجمان ولم يشبه البدر ولا الهلال بشيء.
ورأيناك قد زدت في القصيدة المهموزة بيتا فاسد الوزن، وهو:
стр. 18
(أنت يا آد! آدم السرب حواؤك فيه حواء أو أدماء)
وهذا البيت إنما أسقطناه من الشعر متعمدين لإسقاطه لما فيه من الاستخفاف بآدم - صلى الله عليه - وهكذا فعلنا بكثير من شعره، وإنما ذكرنا منه ما لم له تأويل حسن، فكيف أفسدت علينا الكتاب بإثباته فيه وكان يجب أن تتنزه عنه كما تنزهنا؟ وقوله: "يا آد! " أراد: يا آدم فرخمه. وأما معناه فلا حاجة بنا إلى ذكره، فاذكره أنت إن شئت كما ألحقته.
ورأيناك لما وصلت إلى قوله:
(هذه الشهب خلتها شبك الدهر لها فوق أهله إلماء)
وقرأت تفسيرنا له فوجدتنا قد قلنا: إنه أراد أن الفلك محيط بالخلق والخلق في قبضته لا يقدرون على الخروج منه، فكأنه لما فيه من النجوم المشتبكة شبكة أرسلها قانص على صيد فهو يضطرب فيها ولا يقدر على التخلص منها، فحملك قلة التثبت على أن كتبت في الطرة: هذا اللفظ لا يطلق إلا على الله - تعالى - ونسيت قول الله - على أن كتبت في الطرة: هذا اللفظ لا يطلق إلا على الله - تعالى - ونسيت قول الله : ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطتعم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانقذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ [الرحمن ٥٥: ٣٣] فوصف تعالى أن الخلق في قبضة الفلك لا يقدرون على الخروج منه، فلم يزد الشاعر على معنى الآية أكثر من تشبيه الفلك بالشبكة. فإن أنكرت أن يكون الفلك هو السماء بعينها أوجدناك. ذلك في القرآن العزيز، قال الله - جل من قائل -: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا﴾ [الفرقان ٢٥: ٦١] وقال تعالى: ﴿ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا * وجعل القمر فيهن نورا وجع الشمس سراجا﴾ [نوح ٧١: ١٥ - ١٦] فذكر في هاتين الآيتين العزيزتين أن الشمس والقمر في السماء. ثم قال في آية أخرى: ﴿ولا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون] [يس ٣٦: ٤٠] فنتج
стр. 19
من مجموع هذه الآيات أن الأفلاك [هي] السموات.
ولما وصلت إلى قوله:
(وإني لمئر يا بن آخر ليلة ... وإن عز مالي فالقنوع ثراء)
وجدت الناسخ قد عظم الراء فصارت كالنون، فنبهت عليه في الطرة أنها "مثر" لا "مثن". فهلا تأملت - أبقاك الله - الشرح فيكون لك فيه كاف ومغن؟ ! ولكن صدق الله - تعالى - إذ يقول: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء ٢١: ٣٧]، وكذا فعل في مواضع كثيرة كتبت في الطرة ما كنت غنيا عن كتابته لو تأملت الشرح كفعلك حين وصلت بالمطالعة إلى قول المعري:
(بالله يا دهر أذق غرابها ... موتا من الصبح بباز كرز)
فإن وجدت الباء من "باز" قد سقطت عليها نقطة فتوهمت أنا رويناه: "ناز
- بالنون - فكتبت في الطرة: "صوابه بباز". فهلا قرأت الشرح فوجدت كلامنا على البازي، وتمثيلنا هذا البيت بقول تميم بن المعز؟ :
стр. 20
(وكأن الصباح في الأفق باز ... والدجي بين مخلبيه غراب)
ما هذا الحيف - أبقاك الله - في الحكم، والميل إلى حيز الظلم؟ أظننتنا جهالا بهذا القدر، كما توهمت أننا ممن يكسر وزن الشعر، هل دلك كتابنا هذا على أن لنا حظا من كثير من العلوم، وتصرفا في الحديث منها والقديم؟ وقد ضمنا معنى بيت المعري في شعر صنعناه أيام الصبا، وقبل أن يعظنا واعظ النهي، ونحن نستغفر الله منه، ونسأله التجاوز عنه، وهو:
(يارب ليل قد هتكت حجابه ... بمدامة وقادة كالكوكب)
(يسعى بها أحوى الجفون كأنها ... من خده ورضاب فيه الأشنب)
(بدران: بدر قد أمنت غروبه ... يسعى ببدر جانح للمغرب)
(فإذا نعمت برشف بدر غارب ... فانعم برشفة طالع لم يغرب)
(حتى ترى زهر النجوم كأنها ... حول المجرة ربرب في مشرب)
стр. 21
(والليل منحفز يطير غرابه ... والصبح يطرده بباز أشهب)
ورأيناك لك - أبقاك الله - تصحيفا طريفا في قول المعري:
(تحلي بأسنى الحلى واجتلبى الغنى ... فأفضل من أمثالك النفر الشعث)
(يسيرون بالأقدام في سبل الهدى ... إلى الله حزن ما توطأن أو وعث)
(وما في يد قلب، ولا اسؤق برا ... ولا مفرق تاج ولا أذن رعث)
ثم كتبت عليه: "هذا وهم"، وصوابه: "واجتنبى الغنا". وكتبت على الحلي: "الخلق"، وكتبت: المعنى مفهوم وعليه يدل ما بعده وخاصة الثالث من الأبيات. وليس لذكر الخلق واجتنال الغنى مدخل في هذا الشعر، ولا علم كيف قام ببالك أن البيت الثالث يدل على استحالو ذكر التحلي بالحلة واجتلاب الغنى في البيت الأول؟ إلا أن تكون توهمت أنه نفى القلب و"البرا" والتاج والعرث عن المرأة المخاطبة، وليس كذلك، وإنما نفى هذه الأصناف من الحلى عن النفر الشعث، وأراد بهم الحجاج فقال: الحجاج الشعث الذين لا يستعملون شيئا من أصناف الحلى زهادة في الدنيا، وانقطاعا إلى الله - تعالى - أفضل منك ومن أمثالك ممن يتحلى بالحلى، ويجتلب أخلاف الغنى، ويظن الفضل في ذلك.
وكذلك فعلت في قول المعري:
стр. 22
(يا راعي المصر ما سومت في دعة ... وعرسك الشاة فاحذر جارك الذيبا)
كتبت مكان في "دعة" في "رغد" وليس للرغد هنا مدخل، إنما هو تصحيف تصحف من (الدعة). ومعنى الشعر يقتضي "الدعة"، لأنه يقول: يا راعي المصر! أراك ترسل شاتك وتظن أنك من أمن من الذئاب فكن على حذر وخوف لا على دعة وأمن، فإن جارك ذئب يأكلها إن كان منك لها تسيب. وأما قول المعري:
(هجر العراق تطربا وتغربا ... ليفوز من سمط العلا بغرابه)
فإني رأيتك قد أنكرت كسر (الغين) من "غراب" وما فسرناه، وكتبت في الطرة: هو ضرب من الحلى: فلبتك إذ كتبت هذا زدت أنه مضموم الغين فيسلم اعتراضك من الخطأ. ولكنك شرحت "الغراب" المكسور الغين بأنه نوع من الحلى فلم يقم اعتراضك بخطئك. وهذا النوع من الحلى إنما يقال له: غراب - مضموم العيم - وصورته صورة "الغراب" كما قالوا لنوع منه: "أرنب" لكونه على شكل الأرنب، ولنوع منه: "نخل" لكونه على شكل النخل، قال رؤية:
(وعلقت من أرنب ونخل)
وقد أولع الناس بروايته مضموم الغين وعندنا فيه رواية صرفتنا عن ذلك. أخبرنا أبو الفضل البغدادي شيخنا في شعر أبي العلاء، قال: جرى بيني وبين رجل ببغداد
стр. 23
تشاجر في هذا البيت فضم "الغين" وأبيت أنا إلا كسرها، وقلت له: ليس للغراب الذي يراد به الحلى من الفضيلة ما يوجب تخصيصه بالذكر وإنما الوجه بـ"غرابه- مكسور الغين - أي أنه فاز بالغريب من الحلى الذي لا نظير له فيكون جمع غريب أو غريبة، وهو مدح لأنه يدخل في كل حلى نفيس. فذكر أنه بالضم، رواه عن المعري. قال: فلما لقيت المعري أخبرته مما جرى فقال: أنا مسرور لحسن فهمك، بورك فيك! الكسر أفخم للمعنى وأمدح للفتى، فلا تروه عني إلا هكذا.
ورأيناك لما انتهيت إلى قول المعري:
(وإن يك وادينا من الشعر واحدا ... فغير خفي أثله من ثمامه)
أنكرت "الأثل" وعوضت عنه "النبت"، وهذا تصحيف؛ لأن الثمام نوع من النبت. وإنما كان يصح ما ذكرت لو كان النبت اسما واقعا على غير الثمام. وإنما يستقيم الذي قصده بذكر "الأثل"؛ لأنه قال للممدوح: "منزلة شعرك من شعري في الفضل كمنزلة "الثمام" من "الأثل"؛ لأن "الأثل" شجر قوي، و"الثمام" شجر ضعيف".
وكذلك لما وصلت إلى قول المعري:
(متى يقول صاحبي لصاحبي ... بدا الظلام موجزا فأوجز)
ذكرت أن الصواب "بدا الصباح"، وهو خطأ؛ لأنه قد ذكر الصباح في البيت الذي
стр. 24
بعده، وهو قوله:
(ويطلع المصبح وفوق جفنه ... من النجوم حلية لم تخرز)
وإنما أراد إشراف الظلام على الذهاب وأخذه في الانحفاز، فلذلك استعار له لفظة الإيجاز. ونحو منه قوله في قصيدة أخرى:
(وقد اعتدى والليل يبكي تأسفا ... على نفسه والنجم في الغرب مائل)
فوصفه الليل بالبكاء على نفسه نظير وصفه بالإيجاز.
وكذلك لما وصلت إلى قوله:
(عن لاعج باتوا برملة عالج ... في ربوتي عود كظهر الفالج)
ذكرت أنك رويته عن شيخك أبي زكريا: "ربوتي عور" والأمر في هذا أمم؛ لأنه يحتمل الوجهين وليس كالتصحيفات المتقدمة. وما روينا عن شيخنا أبي الفضل البغدادي وعبد الدائم القيرواني: إلا "ربوتي عود"، والعود: الطريق القديم، شبه بالعود من الرجال والإبل وهو الكبير المسن، قال الراجز:
стр. 25
عود على عود على عود خلق
أي: شيخ مسن على جمل مسن على طريق قديم. ووصف الطريق بالسن إشارة إلى قدمه وبلاه من كثرة سلوك السالكين له، وما الذي أفدتنا - أعزك الله - أن كتبت على قول المعري حين وصلت إليه:
(بأشنب معسول الغريزة مقسم ... لسائفه إن القسيمة متفال)
إن معطارا أشبه من "معسول"، ونحن قلنا في شرحه: إن معطارا أحسن لما فيه من الطباق، وهلا تأملته فلا تحتاج إلى تكلف ما كتبته؟ إنما يستدرك على المؤلف ما غلط فيه أو غفل عن ذكره.
وكذلك لما وصلت إلى قوله:
(طويت الصبا طي السجل وزادني ... زمان له بالشيب حكم وإسجال)
أنكرت (زادني) - بالدال) -، وكتبت (زارني) - بالراء - وما نعرفه إلا "زادني" - بالدال - ومعناه صحيح. إنما أراد به طوى ثوب صباه في حال الصغر، وزاده رغبة في طيه الشيب الوارد عليه عند الكبر فعف في حالتي صغره وكبره وامتنع من نيل
стр. 26
لذاته ووطره، وهذا معنى حسن، لأن النسك المحمود أن يعف الإنسان وسربال شبابه جديد ومحبوبه مطاوع له على ما يريد، وذكر هذا في موضع آخر فقال:
(تنسكت بعد الأربعين ضرورة ... ولم يبق إلا أن تقوم الصوارخ)
(وكيف ترجي أن تثاب وإنما ... يفضل نسك المرء والمرء شارخ)
ونحو قول أبي فراس الحمداني:
(عفافك غي إنما عفة الفتى ... إذا عف عن لذاته وهو قادر)
وقال أبو الطيب المتنبي:
(يرد يدا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصى الهوى في طيفها وهو راقد)
стр. 27
ورأيناك - أعز الله - لما أنتهى بك النظر إلى قوله:
(فذكرني بدر السماوة بادنا ... شفا لاح من بدر السماوة بال)
انكرت "السماوة" الثانية وكتبت: "السماءة" - بالهمز - فلم أنكرتها علينا؟ أحسبت أنها لا تقال أم حسبت أنها أليق بالبيت؟ وكلا الأمرين لنا الظهور عليك؛ لأن أهل اللغة حكوا أنه يقال: سماء وسماءة - بالهمز - وسماوة بالواو، وسماة على وزن "قطاة". فمن قال: سماءة فهمز بناها على سماء كما همزت السماء. ومن قال: سماوة - بالواو - بناها على الفعل الذي هو سما يسمو، وهذا كما يقال: امرأة سقاءة وسقاية فمن همز بناها على سقاء ومن لم يهمز بناها على سقيت، فهذا ما فيها من طريق اللغة.
وأما من طريق الترجيح بين اللفظتيبن؛ فإن السماوة أحسن لوجهين: أحدهما: أنه أفصح اللغتين، لأنها أكثر استعمالا، وأوسع مجالا. ويدل على ذلك أنهم قالوا في الجمع: سماوات، وبذلك قرأ القراء ولا يكادون يقولون: سماءات.
والوجه الثاني: أنها أليق بالبيت لما تقدم في صدره من ذكر السماوة الأخرى، فأفسدت على الرجل التجنيس الذي جرى إليه، وحام فكره عليه، فما هذا الخلاف والعناد؟ ! وأين النظر الحسن والانتقاد؟ ّ
ورأيناك - أعزك الله - لما وصلت إلى قول المعري:
(ذكي القلب يخضبها نجيعا ... بما جعل الحرير لها جلالا)
стр. 28
قرأت شرحنا للبيت قراءة منتقد، وتتبعه طالب للعثرات مجتهد، فوجدتنا قد قلنا إن هذه الباء تسمى باء الجزاء وباء البدل وباء العوض، فكتبت في طرة الكتاب متوهما أنك ظفرت بتمرة - الغراب: أين الجزاء؟ وإنما المعنى أنه أكرمها بأن صير جلالها حرير استجاز أن يتبعها في الحرب حتى تختضب بالدم.
وقد أخطأت - أبقاك الله - من وجهين: أحدهما: أنا لم ترد أن هذه الباء تكون بمعنى الجزاء في كل موضع، وإنما أردنا أن نبين مواضعها من كلام العرب. والثاني: أن هذا البيت لا يستنكر أن يكون فيه معنى الجزاء مضمنا على وجه نذكره: أما كون هذه الباء بمعنى الجزاء فكقول العرب: هذه بتلك والبادئ أظلم، وقوله الله تعالى: ﴿ذلك بما قدمت يداك﴾ [الحج ٢٢: ١٠] وكقولهم في المثل السائر: "يوم بيوم الخفض المجور".
وأما كونها بمعنى العوض والبدل، فكقول طرفة:
(بما قد أرى الحي الجميع بغبطة ... إذا الحي حي والحلول حلول)
وقول الآخر
стр. 29
(فلئن كنت لا تحير جوابا ... لبما قد ترى وأنت خطيب)
وأما تضمن بيت أبي العلاء لمعنى الجزاء؛ فوجهه أن يكون من المقلوب، وقد أراد أنه جعل لها الحرير لما يخضبها نجيعا؛ أي: أنه يحسن إليها مجازاة على اختضابها بالدم في محاربة أعدائه. والقلب كثير في الكلام المنثور والشعر المنظوم، كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، وأدخلت الخاتم في إصبعي، وإنما الوجه: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإصبعي في الخاتم. وكذلك يقولون: أعطي درهم زيدا، والوجه: أعطي زيد درهما. ومنه قول الفرزدق:
(غداة أحلت لابن أصرم طعنة ... حصين عبيطات السدائف والخمر)
وقد جاء المعري بهذا المعنى غير مقلوب في قصيدة أخرى:
(غذاهن محمر النجيع قوارحا ... بما قد غذاهن الضريب مهارا)
كذلك وقع في بعض نسخ "سقط الزند"، وفي بعضها "كما". وقد يمكن أن يظن بيت المعري غير مقلوب فيكون قد أراد أن الخيل تختضب بالنجيع في مرضاته مكافأ له على إحسانه إليها، فيقول كقول مالك بن نويرة: [الطويل]
стр. 30
(جزاني دوائي ذو الخمار وصنعتي ... بما بات أطواء بني الأصاغر)
ورأيناك - أكرمك الله - لما انتهيت بالقراءة إلى قول المعري:
(ومازالت الحمر الرواهن للقرى ... تكش غمات الوجوه القواتم)
كتبت في الطرة: "الصواب: الزواهر"، وهذه لفظة وجدناها مفسرة عن المعري أنها الثابتة المقيمة، كما قال الشاعر:
(والماء والخبز لهم راهن)
وقوله: "للقرى" يبين ذلك، أي أنها محبوسة للقرى وقف عليه، كما قال الشاعر:
(حبسنا فلم نسرح - لكيلا يلومنا ... لنفريه صبرا - معودة الحبس)
وقول الآخر:
(وأموالنا وقف على مبتغي القرى ... رواهن للمستنتخين وللجمم)
стр. 31
والمستنيخون: الذين ينيخون بالليل إذا لم يعلموا أين الحي لتجيبهم الكلاب فيهتدوا بها. والجمم: جمع جمة، وهم القوم يسألون العون في الديات.
ولما وصلت إلى قول المعري:
(زمان لا ينال بنوه خيرا ... إذا لم يخلطوه بالتمني)
أنكرت "يخلطوه" وكتبت "يلحظوه" و"الخلط" بهذا البيت أليق من "اللحظ"؛ لأن التمني ههنا إنما هو "الكذب" فأراد أن الزمان لا يصل بنوه إلى الخير الذي يؤملونه حتى يمزجوا الباطل بالحق، ويخلطوا الكذب بالصدق. وقد أوضح المعري هذا المعنى في موضع آخر من شعره فقال:
(تعال الله فهو بنا خبير ... فقد اضطرت إلى الكذب العقول)
(تقول على المجاز وقد علمنا ... بأن القول ليس كما تقول)
وقال آخر:
(تخلق من الأقوام إن رمت ودهم ... بصدق وكذب خفية وعلانية)
(فإن من الأقوام من إن صدقته ... طوى لك حقدا أو رماك بداهيه)
стр. 32
ورأيناك لما انتهيت إلى قول المعري:
(وقد تبين قدري أن معرفتي ... أبا الرضا سوف ترضيني عن القدر)
ذكرت أن شيخك أبا زكريا إنما قرأه على المعري: "من تعلمين سترضيني عن القدر". ومثل هذا - أبقاك الله - لا يعد خطأ، إنما هو لفظ قاله أبو العلاء ثم غيره، كما غير كنية الممدوح الذي مدحه:
(أبا فلان دعاك الله مقتدرا ... أبا المكارم وابن الصارم الخلس)
وكذلك فعل بأشياء كثيرة من شعره في آخر عمره؛ فمنها أشياء أسقطها بالجملة، ومنها ما ذكر بعضه وحذف بعضه، ومنها ما غير لفظه إلى لفظ آخر استقباحا له، كقوله في رثاء أبيه:
(رآها سليل الطيب والشيب شامل ... لها بالثريا والسماكين والوزن)
стр. 33
(زمان تولد وأد حواء بنتها ... وكم وأدت من قبل حواء من قرن)
هكذا قال أولا - فيما أخبرنا أبو الفضل البغدادي، ثم عوض منه: "في إثر حواء". ورأيناك أيضا لما انتهيت إلى قوله:
(بوقت لا يطيق الليث فيه ... مساورة، ولا الأيم اختيالا)
ذكرت أنك رويته عن شيخك أبي زكريا: "ولا السيد". وما ثبت في أصلنا الذي رويناه إلا "الأيم"، ومثل هذا الخلاف لا يلتفت إليه.
ورأيناك لما وصلت بالتصفح والنظر إلى قوله:
(والعيش أين وفي مثوى امرى دعة ... والله فرد وشرب الموت مشترك)
ذكرت أن الصواب: "مين" لا "أين". وهذا بيت وجدناه في بعض كتب الشيخ كما ذكرت، ووجدناه في بعضها كما ذكرنا فاخترنا "الأين" على "المين" ورأيناه أنيق بذكر المثوى والدعة. وإنما معناه أن عيش الفتى كأنه وطن له قد نودع فيه وسكن كأنه من فراقه قد أمن ولم يفكر في أن كل ساكن في منزل فلا بد له أن ينتقل عنه، وأن شرب الموت مشترك بين الخلق لا بد له منه. وهذا معنى نظر فيه إلى قول الطبيب المتنبي:
(ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما العمر)
стр. 34
فجعل أبو العلاء العيش للإنسان وطنا كما جعل المتنبي العمر دارا، فلا يقال في هذا تصحيف وتحته معنى شريف، والمين أولى بأن يكون تصحيفا؛ لأن المثوى والدعة لا يلتئمان بالمين كالتئامهما بـ "الأين".
ورأيناك - أبقاك الله - قد قلت في قول المعري:
(عفا أثري الزمان وما أغبت ... ضباع في المحلة تعتفيني)
إنه أراد: ضباع في منزلي تأخذ عفوي ولم ترض قولنا: إن معانه "تقصدني في"، وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنه لا يقال: اعتفيت الرجل إذا أخذت عفوه، وإنما يقال واعتفيته: إذا قصدته. والخطأ الثاني: أن هذا التفسير لا يوافق معنى الشعر؛ لأن المعري إنما أراد أنه فر من الناس واستتر في منزله، وإذا هم - مع ذلك - واصلون إليه، مقتحمون عليه. ويدل على ذلك قوله قبل هذا البيت:
(قد استخفيت كالجسد الموارى ... ولكن الطوائف تختفيني)
ومعنى "تختفيني": تستخرجني، فكيف توهمت أنه أراد ضباعا في منزله تأخذ عفوه؟ وأين النقد الحسن ولذهن الذهن؟ ! هيهات ضاع ضيعة هبود ونام نومة عبود! وهكذا رأيناك قد قلت في قوله:
(لقد مسخن قلبي وفاتك طائرا ... فأقسم ألا يستكن على وكن)
أن الصواب: "لقد مسخت مني"، وإنما هو تصحيف تصحف، ولفظ تحرف. إنما
стр. 35
أراد الشاعر أن قلبه لا يستقر خفقانه، كما قال عروة بن حزام:
(كأن قطاة علقت بجناحها ... على كبدي من شدة الخفقان)
وقال المجنون:
(وداع دعا إذ نحن بالحيف من منى ... فهيج أحزان الفؤاد وما يدري)
(دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرا كان في صدري)
وهذا كثير في الشعر جدا، ومنه قول بشار بن برد:
(كأن فؤاده كرة تنزى ... حذار البين لو نفع الحذار)
ورأيناك لما وصلت بالقراءة والتصفح إلى قوله:
(فإن رأيت وليدا والنوى كثب ... يوم القيامة لم أعدمه تبكيتا)
стр. 36
ذكرت أن رواية شيخك "قذف". وهذا من الألفاظ التي ذكر أن المعري غيرها في آخر عمره لما فيها من نبيح التأويل، والقال والقيل؛ لأن الكثب: القرب، وهو الشيء القريب أيضا، والقذف: ضده؛ فإذا قال: والنوى كثب؛ فإن فيه تقريب الأمد، وإن هامة اليوم أو الغد، وإذا قال قذف، ففيه استبعاد ليوم القيامة.
ورأيناك لما وصلت إلى قوله:
(لا يرهب الموت من كان امرا فطنا ... فإن في العيش أرزاء وأحداثا؟ )
وجدتنا قد فسرناه بما يطابق غرضه وفحواه فقلنا: يقول: لا يحب العيش ويكره الموت إلا رجل لا يفهم حقائق الأمور. وأما من فهم الحقائق فإنه يرة أن الموت خير له من الحياة، وهو نحو من قول الله : ﴿قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ [الجمعة ٦٢: ٦] فأخبر أن أولياء الله يحبون الموت ويتمنونه، فكتبت في الطرة: هذا وهم قبيح، هذه معجزة لرسول الله ﷺ ذكرها اليهود فما منهم أحد تجرأ أن يتمنى الموت، ولو تمنوه أو تمناه أحدهم لمات، وهذا اعتراض طريف، متى أنكرنا أنه معجزة للنبي ﷺ وما الذي أدخل ذكر المعجزة فيما نحن بسبيله؟
وإنما قلنا: إن في ضمن هذا الكلام إخبارا بأن أولياء الله يحبون لقاءه، وهذا ما لا ينكره مسلم، ولو لم تكن هذه صفة من صفات أولياء الله لما قامت بهذا حجة عليهم، ولكنهم لما ادعوا أنهم أولياء الله قيل لهم: فتمنوا الموت كما يتمونه لتصح دعواكم. ولكن من يعتقد أن النفس عرض تنحل بانحلال الأجسام لا يتمنى لقاء الحمام، وإنما يتمنى لقاءه من هو واثق ببقاء نفسه بعد هلاك جسمه، وهو خفيف الظهر من الآثام والأوزار، فإنه حينئذ يقول ما قاله بعض الفضلاء الأبرار:
стр. 37
(جزى الله عنا الموت خيرا فإنه ... أبر بنا من كل بر وأرأف)
(يعجل تخليص النفوس من الأذى ... ويدنى من الدار التي هى أشرف)
وفي قوله تعالى: ﴿ولا يتمونه أبدا بما قدمت أيديهم﴾ [الجمعة ٦٢: ٧] نبأ كاف، وإيضاح لهذا شاف.
فإن قيل: فكيف كره الأنبياء والفضلاء الموت مع معرفتهم بفضيلة الدار الآخرة، وما يصيرون إليه من الدرجات العالية؟ فالجواب: أن كراهيتهم للموت ليست من أجل رغبتهم في الدنيا، وإنما ذلك لأمرين: أحدهما: ما يلاقون من غصص الموت وألمه وسكراته وغممه. والثاني: أن في بقائهم صلاحا للعالم، وكفا لهم عن التعدي والتظالم، فهم يحبون أن يمد لهم في البقاء ليسكثروا من الأعمال، ويهتدي بهم أهل الزيغ والضلال، فتكثر حسناتهم وتعلو درجاتهم.
وقد قال رسول الله ﷺ : "لأن يهدي الله - تعالى - بك رجلا واحدا خير مما طلعت عليه الشمس".
ولما وصلت إلى قوله:
(لم يستريحوا من شرور زمانهم ... إلا بنقلهم إلى الأجداث)
стр. 38
كتبت في الطرة: "ديارهم أشبه". فليت شعري! فمتى صارت نسبة الشر إلى الديار عندك أحسن من نسبته إلى الزمان؟ ! وما هذا الانتقاد الذي ينبغي أن يكتب في الحدق والأكباد؟
ولما وصلت إلى قوله:
(كأن الركض أبدى المحض منه ... فمج لبانه لبنا صريحا)
وجدتنا قد قلنا في شرحه "إنما هذا؛ لأن عرق الخيل إذا جف عليها أببض"، وأنشدنا بيت الغنوي يصف الخيل:
(كأن يبيس الماء فوق متونها ... أشارير فلح في مباءة مجرب)
وأنشدنا شاهدا آخر على ذلك قول بشر:
(تراها من يبيس الماء شبها ... مخالط دره منها غرار)
كتبت في الطرة: فلم احمر عرق فرس الكندي مع كمتته؟ فما هذه
стр. 39
الأعجوبة - أبقاك الله - متى وصف الكندي قط عرق فرسه أنه أحمر؟ ! إنما قال:
(كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل)
فشبه حمرة الصيد على صدره بحمرة الحناء على الشيب، فانتقد هذا عليه بعض أصحاب المعاني وقالوا: إنما كان يصح تشبيه حمرة الدم على صدره بحمرة الحناء على المشيب لو كان الفرس أشهب. وقد ذكر أنه كان كميتا في قوله:
(كميت يزل اللبد عن حاله متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل)
فإذا صح أنه كان كميتا بطل التشبيه. فقال آخرون: إنما قال هذا لأن الفرس عرق ويبس العرق على صدره فابيض فصار لذلك كالأشهب، كما قال بشر:
(تراها من يبس الماء شبها)
فرد عليه آخرون فقالوا: قد وصف امرؤ القيس فرسه بأنه لم يعرق في قوله:
(ولم ينضج بماء فيغسل)
فبطل ما اعتذر ثم به، فرد عليهم حصماؤهم بأن قالوا: لم بنف عنه امرؤ القيس العرق في جميع الأوقات، لأن ذلك عيب في الفرس، وإنما وصفه أنه صاد قبل أن يعرق، وهذا لا يبطل أن يكون [قد] عرق، والدليل على أنه عرق بعد الصيد قوله:
стр. 40
(ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه ... متى ما ترقى العين فيه تسهل)
[هذا إفصاح بأنه إنما نفى عنه العرق في وقت الصيد وقبله، ولم ينفه بعده].
واختلف أصحاب المعاني في اختضاب صدره بالدم على أي جهة كان؟ فقال بعضهم: أراد أن راكبه لما طعن الثور أو النعجة ثار الدم من الطعنة إلى صدره فاختضب به. وقال آخرون: بل كانوا يخضبون قوائم الفرس أو صدره بدم صيده ليعلم من يراه أنه قد صاد، واحتجوا بقول امرئ القيس:
(وقام طوال الشخص إذ يخضبونه ... قيام العزيز الفارسي المنطق)
وقال زهير:
(فرحنا به ينضو الجياد عشية ... مخضبة أرساغه وعوامله)
ورأيناك لما وصلت إلى قول المعري في هذه القصيدة:
(ويوشع رد يوحا بعض يوم ... وأنت متى سفرت رددت يوحا)
وجدت في الشرح أن بعض النسابين ذكر أن يوشع ابن أخت موسى - صلى الله عليهما وسلم - فكتبت في الطرة: إنما هو عبد موسى في كتاب الله تعالى. وهذا
следующие страницы →