Полный текст (329 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ذكرت أن رواية شيخك "قذف". وهذا من الألفاظ التي ذكر أن المعري غيرها في آخر عمره لما فيها من نبيح التأويل، والقال والقيل؛ لأن الكثب: القرب، وهو الشيء القريب أيضا، والقذف: ضده؛ فإذا قال: والنوى كثب؛ فإن فيه تقريب الأمد، وإن هامة اليوم أو الغد، وإذا قال قذف، ففيه استبعاد ليوم القيامة.
ورأيناك لما وصلت إلى قوله:
(لا يرهب الموت من كان امرا فطنا ... فإن في العيش أرزاء وأحداثا؟ )
وجدتنا قد فسرناه بما يطابق غرضه وفحواه فقلنا: يقول: لا يحب العيش ويكره الموت إلا رجل لا يفهم حقائق الأمور. وأما من فهم الحقائق فإنه يرة أن الموت خير له من الحياة، وهو نحو من قول الله : ﴿قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ [الجمعة ٦٢: ٦] فأخبر أن أولياء الله يحبون الموت ويتمنونه، فكتبت في الطرة: هذا وهم قبيح، هذه معجزة لرسول الله ﷺ ذكرها اليهود فما منهم أحد تجرأ أن يتمنى الموت، ولو تمنوه أو تمناه أحدهم لمات، وهذا اعتراض طريف، متى أنكرنا أنه معجزة للنبي ﷺ وما الذي أدخل ذكر المعجزة فيما نحن بسبيله؟
وإنما قلنا: إن في ضمن هذا الكلام إخبارا بأن أولياء الله يحبون لقاءه، وهذا ما لا ينكره مسلم، ولو لم تكن هذه صفة من صفات أولياء الله لما قامت بهذا حجة عليهم، ولكنهم لما ادعوا أنهم أولياء الله قيل لهم: فتمنوا الموت كما يتمونه لتصح دعواكم. ولكن من يعتقد أن النفس عرض تنحل بانحلال الأجسام لا يتمنى لقاء الحمام، وإنما يتمنى لقاءه من هو واثق ببقاء نفسه بعد هلاك جسمه، وهو خفيف الظهر من الآثام والأوزار، فإنه حينئذ يقول ما قاله بعض الفضلاء الأبرار:
стр. 37
(جزى الله عنا الموت خيرا فإنه ... أبر بنا من كل بر وأرأف)
(يعجل تخليص النفوس من الأذى ... ويدنى من الدار التي هى أشرف)
وفي قوله تعالى: ﴿ولا يتمونه أبدا بما قدمت أيديهم﴾ [الجمعة ٦٢: ٧] نبأ كاف، وإيضاح لهذا شاف.
فإن قيل: فكيف كره الأنبياء والفضلاء الموت مع معرفتهم بفضيلة الدار الآخرة، وما يصيرون إليه من الدرجات العالية؟ فالجواب: أن كراهيتهم للموت ليست من أجل رغبتهم في الدنيا، وإنما ذلك لأمرين: أحدهما: ما يلاقون من غصص الموت وألمه وسكراته وغممه. والثاني: أن في بقائهم صلاحا للعالم، وكفا لهم عن التعدي والتظالم، فهم يحبون أن يمد لهم في البقاء ليسكثروا من الأعمال، ويهتدي بهم أهل الزيغ والضلال، فتكثر حسناتهم وتعلو درجاتهم.
وقد قال رسول الله ﷺ : "لأن يهدي الله - تعالى - بك رجلا واحدا خير مما طلعت عليه الشمس".
ولما وصلت إلى قوله:
(لم يستريحوا من شرور زمانهم ... إلا بنقلهم إلى الأجداث)
стр. 38
كتبت في الطرة: "ديارهم أشبه". فليت شعري! فمتى صارت نسبة الشر إلى الديار عندك أحسن من نسبته إلى الزمان؟ ! وما هذا الانتقاد الذي ينبغي أن يكتب في الحدق والأكباد؟
ولما وصلت إلى قوله:
(كأن الركض أبدى المحض منه ... فمج لبانه لبنا صريحا)
وجدتنا قد قلنا في شرحه "إنما هذا؛ لأن عرق الخيل إذا جف عليها أببض"، وأنشدنا بيت الغنوي يصف الخيل:
(كأن يبيس الماء فوق متونها ... أشارير فلح في مباءة مجرب)
وأنشدنا شاهدا آخر على ذلك قول بشر:
(تراها من يبيس الماء شبها ... مخالط دره منها غرار)
كتبت في الطرة: فلم احمر عرق فرس الكندي مع كمتته؟ فما هذه
стр. 39
الأعجوبة - أبقاك الله - متى وصف الكندي قط عرق فرسه أنه أحمر؟ ! إنما قال:
(كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل)
فشبه حمرة الصيد على صدره بحمرة الحناء على الشيب، فانتقد هذا عليه بعض أصحاب المعاني وقالوا: إنما كان يصح تشبيه حمرة الدم على صدره بحمرة الحناء على المشيب لو كان الفرس أشهب. وقد ذكر أنه كان كميتا في قوله:
(كميت يزل اللبد عن حاله متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل)
فإذا صح أنه كان كميتا بطل التشبيه. فقال آخرون: إنما قال هذا لأن الفرس عرق ويبس العرق على صدره فابيض فصار لذلك كالأشهب، كما قال بشر:
(تراها من يبس الماء شبها)
فرد عليه آخرون فقالوا: قد وصف امرؤ القيس فرسه بأنه لم يعرق في قوله:
(ولم ينضج بماء فيغسل)
فبطل ما اعتذر ثم به، فرد عليهم حصماؤهم بأن قالوا: لم بنف عنه امرؤ القيس العرق في جميع الأوقات، لأن ذلك عيب في الفرس، وإنما وصفه أنه صاد قبل أن يعرق، وهذا لا يبطل أن يكون [قد] عرق، والدليل على أنه عرق بعد الصيد قوله:
стр. 40
(ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه ... متى ما ترقى العين فيه تسهل)
[هذا إفصاح بأنه إنما نفى عنه العرق في وقت الصيد وقبله، ولم ينفه بعده].
واختلف أصحاب المعاني في اختضاب صدره بالدم على أي جهة كان؟ فقال بعضهم: أراد أن راكبه لما طعن الثور أو النعجة ثار الدم من الطعنة إلى صدره فاختضب به. وقال آخرون: بل كانوا يخضبون قوائم الفرس أو صدره بدم صيده ليعلم من يراه أنه قد صاد، واحتجوا بقول امرئ القيس:
(وقام طوال الشخص إذ يخضبونه ... قيام العزيز الفارسي المنطق)
وقال زهير:
(فرحنا به ينضو الجياد عشية ... مخضبة أرساغه وعوامله)
ورأيناك لما وصلت إلى قول المعري في هذه القصيدة:
(ويوشع رد يوحا بعض يوم ... وأنت متى سفرت رددت يوحا)
وجدت في الشرح أن بعض النسابين ذكر أن يوشع ابن أخت موسى - صلى الله عليهما وسلم - فكتبت في الطرة: إنما هو عبد موسى في كتاب الله تعالى. وهذا
стр. 41
شيء لا يلزمنا؛ لأنا لم ننكر أنه كان فتى موسى، وإنما حكينا ما قاله النسابون: فإن كان ما قالوه صحيحا فليس في كونه عبد موسى وفتاه ما يناقض ذلك ويأبأه؛ لأن العبد يسمى به غير المملوك، وذلك معروف في اللغة، كقول الشاعر:
(نعى الناعي الزبير فقلت تنعي ... فتى أهل الحجاز وأهل نجد)
(خفيف الحاذ، نسأل الفيافي ... وعبدا للصحابة غير عبد)
ورأيناك لما انتهيت إلى قول المعري:
(أفوق البدر يوضع لي مهاد ... أم الجوزاء تحت يدي وساد؟ )
عارضتنا في شرحه في موضعين، أحدهما: أنا قلنا: إن هذا الاستفهام يستدعى به تقرير المخاطب على أمر قد ثبت وعرف، والمراد أن ينبه على أمر يتوقع أن يكون ينكره، أو قد غفل عنه، وأن يجعل توطئة ومقدمة لأمر يراد إنتاجه منه، فكأنه قال: ألست قد اتخذت البدر مهادا؟ ألست قد اتخذت الجوزاء وسادا، فلم ترض بقولنا، وأنكرت دخول "ألست" ههنا، وما ذكرناه من معنى التوطئة والمقدمة، وكتبت في الطرة:
стр. 42
هو استفهام فيه معنى التعجب عن إعجابه بنفسه، ولا يقدر بـ"ليس"، وهي من حروف النفي. ولو تأملت - أبقاك الله - حق التأمل لرأيت أنك لم تأت بشيء غير ما قلناه؛ لأن التعجب مضمن فيما ذكرنها، ولم نرد أن لفظ البيت كما هو يقدر بـ"ليس"، إنما أردنا أن المعنى راجع إلى ذلك. وبيان هذا أن حرف النفي إذا دخل عليه حرف الاستفهام دخل الكلام معنى التقرير واستدعاء ما عند المخاطب من إثبات لما يقرر أو يكتم، والشيء المسؤول عنه ثابت في نفسه، ولكن يتوقع من المخاطب أن ينكره. فإذا قلت لمن تخاطبه: ألم أحسن إليك. فمعناه: أتقول: إني لم أحسن إليك؛ فلذلك يقول هو في جوابه: "بلى" دون "نعم"؛ ليحقق الإحسان ويعترف به. ولو قال: نعم لحقق النفي وكان معناه: نعم، لم تحسن إلي. فإذا اعترف بإحسانك إليه قلت له حينئذ فلم لم تشكر ذلك؟ فتنتج له من التقرير استحقاق الملامة واستيجاب العقوبة، ويتضمن الكلام معنى التعجب للسامعين من سوء معاملته إياك مع إحسانه إليك، وتوالي أياديك لديه.
وكذلك لو قلت له: ألست قد أحسنت إليك؟ لأفاد ذلك المعنى بعينه. فلما كان غرض المعري أن يعجب المخاطبين ويقدمهم على مرتبته في الشرف آل معنى كلامه إلى معنى قول من يقول: ألست قد اتخذت البدر مهادا؟ ألست قد اتخذت الجوزاء وسادا؟ فظهر كلامه راجعا إليه وإن كان ذلك غير ظاهر فيه. ومن هذا الباب قول جرير:
(ألستم خير من ركب المطايا ... واندى العالمين بطون راح)
هو تقرير وتعجب معا. فقال لع عبد الملك بن مروان: بلى. نحن كذلك. ولو قال جرير: أنتم خير من ركب المطايا لكان جوابه: نعم. نحن كذلك، والمعنيان
стр. 43
راجعان إلى غرض واحد، وإن اختلف الجوابان واللفظان.
فهذا جواب عن اعتراضك الأول. وأما اعتراضك الثاني فإنا قلنا في الشرح: إنما خص البدر وقد كانت الشمس أنوه في الذكر، وأعظم في الفخر؛ لما أراد من التصاعد من أول مرتبة في الفخر إلى آخر مرتبة فيه. فذكر البدر الذي هو أقرب الكواكب إلينا، ثم تصاعد إلى الجوزاء التي هي في الفلك الثامن، وهي أرفع مراتب الكواكب، فكان أن أخذ بطرفي الفخر.
وتكلمنا على تخصيصه الجوزاء دون سائر الكواكب الثانية، لئلا يطول ذكره فعارضتنا بأن كتبت في الطرة: لا، إنما ذكر البدر لأجل ذكره الجوزاء، والليل يجمعهما. ولو ذكر الشمس مع الجوزاء لافترقا له وافترق المعنى. وهذا الذي قلته - أبقاك الله - معنى آخر ممكن أن يقال. غير أن الذي أومأنا نحن إليه، ونبهنا عليه أحسن معنى، وألطف مغزى. والشعراء يستعملون التصاعد من الأدنى إلى الأعلى مبالغة في المعاني، فتقول: هو كوكب، بل هو بدر، بل هو شمس، فيكون أبلغ من قولهم: هو شمس دون أن يذكر البدر والكوكب. وأما اعتراضك بأنه لو ذكر الشمس مع الجوزاء لتناقض الكلام؛ لأن الشمس تطلع بالنهار، والجوزاء بالليل، فكلام غير صحيح؛ لأن الجوزاء طالعة بالنهار مع وجود الشمس كطلوعها مع وجود القمر، وإن كانت تمتنع من رؤيتها الأبصار؛ لأن نور الشمس يغلب جميع الأنوار، وكيف تنافرها الشمس وهي من بروجها ومن أوجها؟ وأما قولك: والليل مجمعها؛ فكلام طريف؛ لأن الموضع الذي فيه الشمس والجوزاء لا يصل إليه الليل والظلماء، كما يصل الليل إلى موضع البدر، ونحن نمسك ههنا عن الكلام، ونقبض عنان العلم تأدبا، كقول المتنبي:
(أبلغ ما يطلب النجاح به الـ ... ـقصد وعند التعمق الزلل)
стр. 44
ورأيناك - وفقنا الله وإياك - لما وصلت إلى قول المعري:
(فبعدا لهذا الجسم يا روح مسلكا ... وبعدا لهذا الروح يا جسم سالكا)
(تواصلتما فاستحدث الوصل منكما ... عجائب كانت للرجال مهالكا)
فأنكرت علينا في بعض كلامنا أن الروح طاهر شريف، والجسم دونه موات لا يقع عليه تكليف، وكتبت في الطرة: صوابه: موجود شريف، وكيف حدثت باقترابهما حطيئة، وهو قول بقدم الأعراض، أو مجاز لا يعدم انتقاضا.
وهذا كلام أول ما ينتقد منه فساد الإعراب بترك نصب "الانتقاض" ووجهه الانتصاب. وبعد ذلك نقول: كيف أنكرت قولنا: إن الروح طاهر شريف، وقد طهره الله - تعالى - وشرفه وكرمه على النفس، وقدمه في القرآن المنزل علينا، وفي كتبه المتقدمة لنا؟ أما في كتابنا العزيز فإنه نسب الشر إلى النفس فقال: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ [يوسف ١٢: ٣٥]، ولم يقل إن الروح لأمارة بالسوء وذكر أن النفس هي المثابة المعاقبة فقال تعالى: ﴿كل مفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر ٧٤: ٣٨]، وقال عز من قائل: ﴿أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر ٣٩: ٥٦]. ولم يقل في الروح شيئا من هذا، بل قدسه وشرفه بأن أضاف إليه فقال في آدم ﵇: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر ١٥: ٢٩]، ولم يقل: ونفخت فيه من نفسي. وقد أجمع المسلمون على الاستعاذة بالله من شرور أنفسهم لا من شرور أرواحهم، فهذا من كتابنا العزيز، وملتنا الحنيفة التي شرفنا الله بها.
وأما في ملل غيرنا؛ فذكر وهب بن منبه أنه وجد فيما قرأه من
стр. 45
التوراة وكتب الله المنزلة أن الله - تعالى - قال: إني خلقت آدم وركبت بدنه من أربعة أشياء، ثم جعلتها وراثة في ولده وذريته، تنشأ في أجسادهم وينمون عليهم إلى يوم القيامة؛ وذلك أني ركبت جسده من رطب ويابس، وسخن وبارد؛ وذلك أتى ركبته من تراب وماء، ثم نفخت فيه نفسا وروحا، فيبوسة جسده من التراب، ورطوبته من الماء، وحرارته من النفس، وبرودته من الروح، وذكر كلاما طويلا قال فيه: فمن النفس تكون حدته وخفته ولعبه ولهوه، وضحكه وسفهه، وخداعه، وشكره، وعنفه وخرقه. ومن الروح يكون حلمه ووقاره، وعفافه وحياؤه، ونقاؤه وصفاؤه، وكرمه وصدقه، ورفقه، وصبره، فنسب إلى النفس الأمور المدمومة، وإلى الروح الأمور المحمودة. فصارت الروح بظاهر ما ذركاه أشرف من النفس، وذلك خلاف ما يقوله المتفلسفون؛ لأن النفس عندهم أشرف من الروح، فكان الشيء المسمى في الفلسفة نفسا هو المسمى في الشرائع روحا. وهذا مجال ضيق لم يكن بنا حاجة إلى الحوض فيه لولا ما رأيناه من إنكارك علينا وصف الروح بالطهارة. وكذلك توهمك أن فيما قاله المعري، القول لقدم العرض توهم فاسد، وكلامك فيه منتقض.
ورأيناك - وفقنا الله وإياك - قد قلت: إن تفريقنا بين الزمان والدهر تحكم، وإن لك في ذلك تحقيقا ذكرته في كتاب "المقسط"، فليتنا رأيناه حتى نرى ما قلت في قول الله : ﴿إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ [الحج ٢٢: ٤٧] وقوله: ﴿تعرج الملائكة والروح فيها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ [المعارج ٧٠: ٤] فمن أي قسم يعد هذان اليومان؟ أمن قسم الدهر أم من قسم الزمان؟ ووجدنا النبي ﷺ قد ذكر الدهر في قوله: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر»، ولم يذكر الزمان.
وكذلك قالت العرب للذبي يقول بالدهر: "دهري" بفتح الدال، وللمسن: "دهري" بضم الدال، ولم يقولوا: "زمني". وقالوا: لا أفعله دهر الداهرين، ولم يقولوا زمن الزامنين، ولا زمن الزمنين، ولعل كتاب "المقسط" سيقع إلينا فنرى ما تضمنه إن شاء الله.
стр. 46
ورأيناك - وفقنا الله وإياك - قد أنكرت علينا قولنا: إن المعري كان لا يرى أكل اللحم، ويعتقد أن ذبح الحيوان من الظلم. وذكرت أنه إنما كان يمتنع من أكله لعلة بجسمه. ويدل على خلاف ما قلته من استفاضة الخبر بذلك عنه، وما في شعره منه. بل كان يغلو في ذلك ويفرط، حتى إنه كان ينكرا أكل البيض واللبن ونحوهما مما يختص بالحيوان كقوله في صفة الديك - وهي قصيدة قد أنشدناها وشرحناها - أولها:
(أيا ديك! عدت من أياديك صيحة ... بعثت بها ميت الكرى وهو نائم)
يقول فيها مخاطبا الديك:
(ولو كنت ما أرهفت لك مدية ... ولا رام إفطارا بأكلك صائم)
(ولم يغل ماء كي تمزق حلية ... حبتك بأسناها العصور القدائم)
(ولا عمت في الخمر التي حال طعمها ... كأنك في غم من السيل غائم)
وكقوله وهو يخاطب الحمامة:
(أعكرم! إن غنيت ألفيت نادبا ... فلا تتغنى في الأصائل عكرما)
(بنظم شجا في الجاهلية أهلها ... وراق مع البعث الحنيف المخضرما)
(وقد هاج في الإسلام كل مولد ... وأطرب ذا نسك وآخر مجرما)
стр. 47
(لك النصح مني لا أغاديك خاتلا ... بمكر ولكني أغاديك مكرما)
(إذا ما حذرت الصقر يوما فحلذري ... أخا الأنس أياما وإن كان محرما)
(يصوغ لك الغاوي قلاذة هالك ... من الدم تجني وجدك المتضرما)
(وكم سحتت كفاه مثلك في ضحى ... شبيبتها إذا لم تر الدهر مهرما)
(وراع بقص من جناحيك آمنا ... فظل على الريش النهوض محرما)
(وقد يبرم الحين القضاء بناشئ ... يراوح خيطا شده بك مبرما)
(كما قيض السلطان حل جناته ... ليقتص منه، أو ليغرم مغرما)
(فزوي وبار القفر من كل وابر ... وإلا فرومي خلف ذلك مخرما)
(بحيث توافقين الصحابي معوزا ... من الناس، والماء السمائي خضرما)
(وحلي ثقافي إن أطقت بلوغه ... فأفنى لديه عمرك المتصرفا)
وكقوله ينكر أكل البيض في قصيدة قد أنشدها:
(وما الظبيات مني خائفات ... أرحن مع الأصائل أم ربضنه)
стр. 48
(فلا تأخذ ودائع ذات ريش ... فمالك أيها الإنسان بضنه)
وله أشعار كثيرة في مثل هذا المنزع.
وأخبرني أبو الفضل البغدادي: سمعنا في شعره: لما مرض أبو العلاء مرضه الذي مات فيه، وكان ذلك في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وكان قد بلغ ستا وثمانين سنة، ودخل عليه الطبيب ورأى ما به من الضعف، فلما خرج قال لأهله: لو أكل اللحم لرجعت إليه قوته وتماسكت، وإلا فهو هالك، فسهلوا عليه ذلك فأخبر بما ذكر الطبيب وقيل له: ما عليك في أكل اللحم حتى تتراجع قوتك ثم تستمر بعد ذلك على مذهبك، ؛ فأنزل ذلك منزلة أكل الميتة عند الضرورة، فأجاب إلى ذلك، ثم سمع صوت دجاجة تستغيث، فقال: وما لها؟ ! قالوا نريد ذبحها، ويصنع لك منها طعام. فقال: ناولوني إياها، فأخذها ولمسها، فوجدها ترعد، وقلبها يخفق. فقال: إن لم تبق نفسي في جسمي إلا بهلاك هذه النفس، فلا أبقاها الله! خلوا عنها.
وهكذا رأيناك قد أنكرت علينا قولنا: إن ذا النون الأخميمي الزاهد من الباطنية وقلت: الباطنية لفظة تقع على الزنادقة و"ذو النون" رجل فاضل، وهذه اللفظة لا تقع على الزنادقة فقط، كما قلت، بل هي في الحقيقة لفظة يصح أن يسمى بها كل من خالف الظاهرية. إلا أن هذه اللفظة جعلت لقبا للقرامطة والإسماعيلية وغلبت عليهم. وهم قوم يظهرون محبة علي ﵁ والتشيع له ويزعمون علم الباطن وأسرار القرآن والشريعة، ويقسمون الأشياء إلى ناطق وصامت، والأدوار: دور ستر ودور كشف، ولهم مذاهب سخيفة. ولأبي بكر الباقلاني كتاب في الرد عليهم.
وقد نزه الله - تعالى - ذا النون عن أن يكون منهم؛ فإن كفر هذه الفرقة لا يخفي على من له أدنى بصر. وإنما أراد بقولنا المذكور أنه كان ممن يقولون بالباطن مع قوله بالظاهر، وكانت له مشاركة في العلوم القديمة مع خيره وفضله. والصوفية كلها تقول بالباطن، إلا أن منهم من كان يفرط في ذلك إفراطا يخرجه إلى الكفر، نعوذ بالله من الخذلان.
стр. 49
ورأيناك - وفقنا الله وإياك - قد عارضتنا في أشياء من العلوم النظرية: مثل مخالفتك لنا في الدهر والزمان، وإثبات إرادة الإنسان، وقولنا إن النفس جوهر باق لا يهلك بهلاك الأجسام ونحو هذا مما يمتد فيه باع الكلام؛ كأنك نقمت علينا أن لم نقتصر في هذه الأمور النظرية على مذهب الأشعرية، ولو شئت لأجبناك عنها كما فعلنا بالأمور الأدبية فاستدللنا ببعض على بعض.
واعلم بأن اتباع الناس على آرائهم ليس بواجب ولا فرض، ولا سيما بمن ينزه نفسه عن أن يكون من أهل التقليد الذين ينادون من مكان بعيد. وليس إمساكنا عن القول في هذه الأشياء والخوض جهلا منا بأغراضها ومعانيها، ولكنها أمور نكتفي بالإشارة والتلويح عن الإبانة والتصريح، فنحن نطويها على غرها، مخافة أن تدنسنا بعرها، وليس يخفي التعسف والإنصاف، ولا يعلم ما في الخف إلا الله والإسكاف.
وكذلك رأيناك قد عبتنا بذكرنا في هذا الشرح بعض الفلاسفة المتقدمين من الطبيعين والإلهيين، وذلك أمر قد اضطررنا إليه؛ إذ كان شعر هذا الرجل يبعث عليه، لأنه سلك بشعره غير مسلك الشعراء، وضمنه نكتا من المذاهب والآراء، وأراد أن يرى الناس معرفته بالأخبار والأنساب، وتصرفه في جميع الآداب. ولم يقتصر على ذكر مذهب المتشرعين حتى خلطها بمذاهب المتفلسفين؛ فتارة يخرج ذلك مخرج من يرد عليهم، وتارة يخرجه مخرج من يميل إليهم، وربما صرح بالشيء تصريحا، وربما لوح به تلويحا. فمن تعاطى تفسير كلامه وشعره، وجهل هذا من أمره، بعد عن معرفة ما يومئ إليه، إن ظن أنه عير عليه؛ ولهذا لا يفسر شعره حق تفسيره إلا من تصرف في أنواع العلوم، ومشاركة في الحديث منها والقديم، فلم يكن بد من ذكر المعاني التي أوما إليها، وحام فكره عليها، كمثل ما أنشدناه من قوله:
стр. 50
(أزرى بك المبتز يا بائسا ... وخالفت هيلاجك الكذ خذاه)
(فطال منك العمر في شقوة ... كالينم استولى عليه خذاه)
(كأنما النصبة قد أومأت ... للفقر والبؤس وقالت: خذاه)
فهذه قطعة لا تبين إلا بذكر مذاهب المنجمين.
ونحو قوله:
(شكل غدا يجذبه شكله ... كالأرقم المرهوب من منكزه)
(تشاكلا في البرد فاستجمعا ... والبرد يدني الشيء من مركزه)
وهذه القطعة لا تبين إلا بذكر مذاهب الطبيعين.
ونحو قوله:
(يا ليت شعري! وهل ليت بنافعة ... ماذا وراءك أم ما أنت يا فلك؟ )
(كم خاض في أمرك الأقوام واجتهدوا ... قدما، فما أوضحوا حقاً ولا تركوا)
стр. 51
(شمس تعيب ويقفو إثرها قمر ... ونور صبح يوافي بعده حلك)
(طحنت طحن الوحي من قبلنا أمما ... بانوا ولم يدر خلق أية سلكوا)
(وقال: إنك طبع خامس نفر ... عمري لقد زعموا بطلا وقد أفكوا)
(راموا سرائر للرحمن حجبها ... ما تالهن نبي، لا، ولا ملك
فهذه قطعة تحوج إلى ذكر الفلاسفة في الخلاء والملاء، وتنازعهم في الفلك، هل هو من الطبائع الأربع أو طبيعة خامسة.
وكذلك قوله:
(وقال أناس ما لأمر حقيقة ... فما أثبتوا يوما شقاء ولا نعمى)
فهذا بيت يحوج إلى ذكر مذاهب السوفسطائين.
وكذلك قوله:
(وشكلك في الإيجاب والنفي معشر ... حيارى جرت خيل الضلال بهم سعما)
ففي هذه إشارة إلى اختلاف الفلاسفة في إثبات الهوية ونفيها، وهي من العلم الإلهي
стр. 52
ذكرها أرسطاطاليس في كتابه (في ما بعد الطبيعة) فلا بد فيها ذكر المتفلسفين المتنازعين في هذه المسألة، كأرسطاطاليس، وأقراطيس، وديوجانيس، [وزيتون وأركفانيس] ونحوهم. وهذه مسألة لم يتكلم فيها أحد علمناه من متكلمي المسلمين.
ونحو قوله:
(مكان ودهر أحرزا كل مدرك ... وما لهما لون يحس ولا حجم)
فهذه إشارة لا يفهمها إلا من رأى اختلاف الناس في المكان والزمان، وما حقيقة كل واحد منها.
وكذلك قوله:
(ونحن غواة يرجم الظن بعضنا ... ليعلم ما نور الكواكب والرجم)
فهذا بيت يحوج إلى الكلام في الآثار العلوية واختلاف النور في الكواكب، هل هو ذاتي لها أن مستعار من نور الشمس.
وكذلك قوله:
(لنا شرف ينيف على الثريا ... وتغشى دونه الحدق الجحاظ)
стр. 53
(كثالثة الدوائر لا حرام ... روى فيها المحال ولا وحاظ)
(وأنت كرابع الأشكال يؤبى ... وتنكره المسامع واللحاظ)
فهذه القطعة فيها إشارة إلى علوم شتى، فقوله: "كثالثة الدوائر" يتعلق بعلم العروض، وقوله: "ولا حرام روى فيها المحال ولا وحاظ" يتعلق بعلم رجال الحديث، و"أنت كرابع الأشكال" يتعلق بعلم المنطق. فمثل هذا لا يفهمه ولا يقدر على تقسيمه إلا من لا بصر بهذه العلوم الثلاثة، وقد جمع فيها بين علوم حديثة وعلوم قديمة، ولا بد في مثل هذا من ذكر الأشكال المنطقية التي يدور عليها البرهان المنطقي وهي على مذهب أرسطاطاليس إمام هذه الصناعة ومذهب جميع أهل المنطق، وهي ثلاثة إلا جالينوس فإنه زاد فيها شكلا رابعا وظن أنه قد أتى بزيادة، والذي توهمه مضمن في الأشكال الثلاثة.
ونحو قوله:
(مقال كالأئمة عند قوم ... رأوا منهم عليا والحسينا)
وقوله: أحد الخمسة الذين هم الأغـ ... راض في كل منطق والمعاني.
وقوله:
стр. 54
(لا تكن مجبرا ولا قدريا ... واجتهد في توسط بين بينا)
وقوله:
(مغيرية ورزامية ... وبترية كلهم قد لغا)
(وعتبية وميمية ... أطاعت شياطينها النزغا)
(وقالوا سوانا حمارية ... وكلهم مثل شاء ثغا)
فهذه الأبيات تحوج إلى ذكر فرق الشيعة كالقطعية والمغيرية والرزامية، والبترية، والعتبية، والميمية، والغرابية، والصالحية، والسبئية، و [المخمسة]، وتحوج إلى ذكر الجبرية والقدرية.
وكذلك قوله:
(وقال بأحكام التناسخ معشر ... غلوا فأجازوا النسخ في ذاك والرسخا)
стр. 55
فهذا الباب لا يفهمه إلا من علم مذاهب القائلين بالتناسخ، وقولهم: إنه أربعة أنواع: نسوخ ومسوخ وفسوخ ورسوخ، وله أيضا أشعار في مناقضة الأشعري لم نر لذكرها وجها، ولأجل هذا صار شعر هذا الرجل ديوان علوم، من حديث وقديم، وإنما تكلفنا شرحه لما رأينا الناس يخبطون فيه العشواء، ويفسرونه بغير الأغراض التي أراد والأنحاء.
ولو استقبلنا من الرأي فيه ما استدبرناه لما تعرضنا للكلام في شعره ولا شرحناه، لقبح ذكره، ولما نعى علينا نت تفسير شعره، ولكن سبق السيف العدل، وخلق الإنسان من عجل، ولو تكلف غيرنا من شرحه ما تكلفناه لقصر عن مدانا الذي بلغناه، ولأكثر تصحيفه وتحريفه، ولم يبلغ مدنا فيه ولا نصيفه، ونحن نستعيذ بالله من الزلل، ونسأله التوفيق لصالح العمل، إنه المرجو والمؤمل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[كمل الجزء والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي الكريم وعلى آله وذريته أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين].
стр. 56
الرسالة الثانية: الفرق بين الاسم والمسمى
стр. 57
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد النبي الكريم وآله
مسألة تتصل بهذا الكتاب
قال الفقيه النحوي أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي ﵀:
الحمد لله الذي من علينا بالهدى وأنعم، وعلمنا ما لم نكن نعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم: سألتني - أعزك الله بالتقوى، وجمع لك خير الآخرة والأولى - عما كثر فيه خوض الخائضين من أمر الاسم والمسمى، وقلت: كيف يصح أن أحدهما هو الآخر، وذلك محال في الظاهر، لأن العبارة غير المعبر عنه باتفاق؟ ولو صح أن يكون الاسم هو المسمى لوجب أن يروى من قال: ماء، ويشبع من قال: طعام، ويحترق من قال: نار، ويموت من قال: سم، كما قال ابن جدار:
هيهات يا أخت آل بم غلطت في الاسم والمسمى
لو كان هذا وقيل: سم مات - إذن - من يقول: سما
ولعمري! لقد جرت في القضية، وملت مع العصبية، فإني لا أعلم أحدا من أصحابنا قال: إن العبارة هي المعبر عنه، فيلزم من قولهم ما أردت أن تقول. وإنما قالوا: إن الاسم هو المسمى على وجه غير الوجه الذي ذهبت إليه، حسب ما تراه من كتابنا هذا وتقف عليه.
وقد تأملت القولين على شدة ما بينهما من التباين والتنافر، فوجدت كل واحد منهما [يصح] من وجه غير الوجه الذي يصح منه الآخر، وقسمت الكلام في ذلك على أربعة أبواب:
الأول منها: أذكر فيه كيف يكون الاسم غير المسمى. والثاني: أذكر فيه كيف يكون الاسم هو المسمى. والثالث: أذكر فيه كيف يكون المسمى هو التسمية.
стр. 58
والرابع: أذكر فيه كيف يكون الشيء الواحد مسمى من جهة وتسمية من جهة أخرى.
وأنا اسأل الله العون على ما أنويه، والتجاوز عما عسى أن يقع من الخلل فيه، إنه ولي الفضل ومسديه، لا رب غيره.
الباب الأول: (في تبيين كيف يكون الاسم غير المسمى)
هذا النوع أشهر الأنواع الأربعة عند الجمهور؛ فلذلك قدمنا لقول فيه. اعلم أن الاسم الذي يقال: إنه غير المسمى الذي يراد به التسمية والعبارة عن المعنى الذي يروم المتكلم تقريره في نفس من يخاطب، وهذا الاسم هو المراد بقولهم للرجل: ما اسمك؟ وعرفني باسمك لأنه ليس يريد أن يعلمه بذاته ما هي؟ وإنما يلتمس منه أن يعلمه بالعبارة المعبر بها عنه، المشار بها إلى ذاته، وكذلك قولهم: محوت اسم زيد من الكتاب، وأثبت اسمه في الديوان، فالاسم في هذا كله غير المسمى اضطرارا، لأن اللفظة ليست الشخص الواقع تحتها. والاسم والتسمية في هذا الكتاب لفظان مترادفان على معنى واحد، كما يقال: سيف، وحسام، وصمصام. والاسم ههنا -. وإن كان يفيد ما تفيده التسمية - فبينهما فرق؛ وذلك أن التسميى مصدر من قولك: سميته أسميه تسمية، فأنا مسم، وهو مسمى. كذلك: سويته أسويه تسوية، فأنا مسو، وهو مسوى. والاسم ليس بمصدر، لأنه يراد به الألفاظ المعبر بها عن الأشياء، كـ"زيد" و"عمرو"، "جوهر"، و"عرض". يدلك على الفرق بينهما أن التسمية تعمل عمل الفعل والاسم لا يعمل عمل الفعل. ألا ترى أنك تقول: عجبت من تسمية "زيد" ابنه كلبا، كما تقول: عجبت من تسوية زيد الثوب، ولا تقول: عجبت من اسم زيد ابنه كلبا كما تقول: عجبت من قوت زيد عياله - بفتح القاف - فإن ضممت "القاف" لم يجز، لأن القوت - بفتح القاف - مصدر قاته، يقوته، قوتا، والقوت - بضم القاف-: الطعام نفسه، فجرى مجرى الاسم في الامتناع من العمل، لأنه نوع من أنواع الاسم.
فمما جاء من هذا الباب قوله ﵎: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف ١٠: ١٨٠]. يريد التسميات. ومن ذلك قوله ﷺ : «لله
стр. 59
تسعة وتسعون اسما، من أحصاها دخل الجنة». ولو كان الاسم - ههنا - المسمى لكان الله تسعة وتسعين شيئا، وهذا كفر بإجماع.
ومن هذا الباب قول عائشة للنبي ﵇: «والله - يا رسول الله: ما أهجر إلا اسمك».
ومنه قول النابغة:
(نبئت زراعة والسفاهة كاسمها ... يهدي إلى غرائب الأشعار)
ومنه قوله الراجز:
(سميتها إذا ولدت تموت)
وقول الآخر:
(وسميته يحيي ليحيا فلم يكن ... لرد قضاء الله فيه سبيل)
ولو كان الاسم - هنا - هو المسمى، لوجب أن يموت من سمى "يموت"، ويحيا من سمى "يحيي".
ومنه قول علي ﵁:
стр. 60
أنا الذي سمتن أمي حيدره
وهذا النوع كثير في القرآن، والحديث، وكلام العرب، يغني ما ذكرناه عن الإكثار فيه.
الباب الثاني
(في تبيين كيف يصح أن يقال: إن الاسم هو المسمى)
اعلم أنه لا يصح أن يقال: إن الاسم هو المسمى على معنى [أن] العبارة هي المعبر عنه، وأن اللفظ هو الشخص، فإن ذلك محال لا يتصور في الذهن، وإذا ثبت هذا سقط اعتراض من قال: إنه يلزم من ذلك أن [يحترق] فم من قال: نار، ويشبع من قال: طعام، وصح أن الاعتراض جهل منه أو مغالطة. ولكن يقال: الاسم هو المسمى على معان ثلاثة: منها ما يجري مجرى المجاز، ومنها ما يجري مجرى الحقيقة.
الأول منها: أن [العلة] التي أوجبت وضع الأسماء على المسميات إنما هي مغيبها عن مشاهدة الحواس لها. ولو كانت الأشياء كلها بحيث تدركها الحواس لم يحتج [إلى] الأسماء، ولكن ما لم تمكن مشاهدة الأشياء كلها احتاج من شاهد [شيئا] أن يخبر عنه من لم يشاهده، فأوجب ذلك وضع الأسماء باتفاق، أو
стр. 61
لمعنى آخر على الخلاف في ذلك، فقيل: رجل، ورس، وحمار، ونحو ذلك. فصارت هذه الأسماء تنوب في تصور المعاني في نفوس السامعين مناب المسميات أنفسها لو شاهدوها. فإذا قال القائل: رأيت جملا، تصور من هذا الاسم في نفس السامع ما كان يتصور من المسمى الواقع تحته لو شاهده. فلما ناب الاسم من هذا الوجه مناب المسمى في التصور، وكان المتصور من كل واحد منهما شيئا واحدا، جاز من هذا الوجه أن يقال: إن الاسم هو المسمى على ضرب من التأويل، وإن كنا لا نشك في أن العبارة غير المعبر عنه، فهذا وجه.
والوجه الثاني: أكثر ما يتبين في الأسماء التي تشتق للمسمى من معان موجودة فيه، قائمة به، كقولنا لمن وجدت فيه الحياة: حي، ولمن وجدت فيه الحركة: متحرك، ونحو ذلك. فالاسم في هذا النوع لازم للمسمى، يرتفع بارتفاعه، ويوجد بوجوده. ألا ترى أن الحياة إذا بطل وجودها من الجسم بطل أن يقال له: حي، وإذا بطل أن يقال له: حي بطل أن تكون به حياة؟ ! وكذلك إذا بطل وجود الحركة في الجسم بطل أن يقال له: متحرك، وإذا بطل أن يقال له: متحرك بطل أن تكون فيه حركة؟ فيجوز من هذت الوجه أيضا أن يقال: إن الاسم هو المسمى، إذا كان يوجد بوجوده، ويرتفع بارتفاعه على ضرب من التأويل، وإن كنا لا نشك أن العبارة غير المعبر عنه.
والوجه الثالث: أن العرب قد تذهب بالاسم إلى المعنى الواقع تحت التسمية، فيقولون: هذا مسمى زيد، [أي] هذا المسمى بهذه اللفظة التي هي: الزاني، والياء، والدال.
ويقولون في هذا المعنى: هذا اسم زيد، فيجعلون الاسم والمسمى في هذا الباب مترادفين على المعنى الواقع تحت التسمية، كما جعلوا الاسم والتسمية في الباب الأول مترادفين على العبارة. وهذا باب طريف من كلام العرب يحتاج إلى فضل نظر، ويجي في كلام العرب على ضر بين: أحدهما: صرح فيه بلفظ الاسم حتى بان لمتأمله. والثاني: لم يصرح فيه بلفظ الاسم، ولكنه موجود من طريق المعنى.
стр. 62
فمما صرح فيه بلفظ الاسم قول ذي الرمة:
(كأنها أم ساجي الطرف أخدرها ... مستودع خمر الوعساء مرخوم)
(لا ينعش الطرف إلا ما تخونه ... داع يناديه باسم الماء مبغوم)
ووصف غزالا استودعته أمه في الخمر، وهو كل ما يواري الإنسان من شجر وغيره.
والوعساء: رملة لينة. ومرخوم: محبوب، يقال: أرخى عليه رخمته أي: محبته.
يقول: هو نائم في الخمر، لا ينتبه من النعاس إلا إذا تقفزته أمه للرضاع فصاحت به: يا ماء، وهو حكاية صوت الظبي. ويعني بالداعي أمه. والبغام: صوت الظبي. يقال: بغمت الظبية فهي باغمة، والمدعو به مبغوم به، فتقديره: يناديه بمسمى الماء، أي: بالصوت المسمى يـ"ماء"، فوشع الاسم موضع المسمى، وصارت الفائدة من قوله: يناديه باسم الماء ومن قوله: بالماء واحدة.
وقد بين ذو الرمة [ذلك] في قصيدة أخرى فقال:
(فنادى به ماء إذا ثار ثورة ... أصيبح نوام يقوم ويخرق)
стр. 63
يريد بقوله: فنادى به ماء ما أراد بقوله: يناديه باسم الماء سواء ونحو من ذلك.
أيضا قول ذي الرمة يصف إبلا تشرب الماء في الحوض:
(تداعين باسم الشيب في متثلم ... جوانبه من بصرة وسلام)
و"شيب": صوت مشافر الإبل إذا شربت الماء، فمعنى تداعت باسم الشيب: تداعين بمسمى الشيب؛ أي: بالصوت المسمى شيبا.
وقد بين ذلك الراعي بقوله:
(إذا ما دعت شيبا بجنبي عنيزة ... مشافرها في ماء مزن وباقل)
فصار قول الراعي: إذا ما دعت شيبا، وقول ذي الرمة تداعين باسم الشيب يرجعان إلى معنى واحد.
ومن هذا الباب قول لبيد:
(إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر)
стр. 64
تقديره: إلى الحول، ثم مسمى السلام عليكما؛ أي: ثم الشيء المسمى سلاما عليكما، فصارت الفائدة من قوله: "ثم اسم السلام عليكما" مثل الفائدة من قول جرير:
(يا أخت ناجية السلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذل)
فالاسم في هذه المواضع هو المسمى بعينه، وهما مترادفان على معنى واحد، كما كان الاسم والتسمية في الباب الأول.
وقد تأول الناس في هذه الأبيات تأويلين غير التأويل الذي ذكرنا: أحدهما: تأويل أبي عبيدة معمر بن المثنى؛ وذلك أنه كان يذهب إلى أن الاسم في هذه المواضع زائد، والتقدير عنه: تداعين بالشيب وداع يناديه وإلى الحول، ثم السلام عليكما. والتأويل الثاني: حكاه ابن جني عن أبي علي الفارسي، وهو أنه كان
стр. 65
يحمل هذه الأبيات على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والتقدير عنده يناديه باسم معنى الماء، واسم معنى الماء هو الماء بعينه. وكذلك تداعين باسم الشيب؛ أي باسم معنى الشيب، واسم معنى الشيب هو الشيب بعينه. وكذلك قول لبيد: ثم اسم السلام تقديره عنده: ثم اسم معنى السلام، واسم معنى السلام هو السلام بعينه، فتأولها أبو عبيدة على أن في الكلام زيادة، وتأولها الفارسي أن في الكلام حذفا، وهو ضد قول أبي عبيدة. والقول الأول لا يوجب في الكلام حذفا وهو قول ضد قول أبي عبيدة، والقول: [الثاني لا يوجب] زيادة ولا حذفا، فهو أولى بالتأويل. فمما يمكن أن يتأول على هذا قوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى ٨٧: ١]، تقديره: سبح مسمى ربك، وكذلك قوله تعالى: ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها﴾ [يوسف ١٢: ٤٠]، أي: مسميات.
وإنما قلنا: إن هاتين الآيتين يمكن تأويلهما على هذا، ولم نقل: إنه لا يجوز غير ذلك؛ لأنه يمكن تأويلهما على أن الاسم غير المسمى، لأن التسبيح في اللغة هو
стр. 66
التنزيه، واسم الله الذي هو عبارة عنه ينبغي أن ينزه ويكرم فلا يذكر في المواضع التي لا يليق ذكره فيها. ويكون التقدير في الآية الثانية إلا [أ] صحاب أسماءٍ، فحذف المضاف، فهذا هو النوع الذي صرحت فيه العرب، [ب] وضع الاسم موضع المسمى. وأما النوع الثاني الذي لم يصرح فيه بذكر الاسم إلا أنه موجود من طريق المعنى، فمنه قولهم: "كتبت اسم زيد"، فليس المراد أنه كتب اسم هذه اللفظة التي هي الزاي والياء/ / والدال، إنما يريد أنه كتب هذه اللفظة التي هي المسمى الواقع تحتها، فأقام اللفظة التي هي الاسم مقام المعنى الواقع تحتها، ولا يصح تأويله إلا على ذلك. وإن لم تقل ذلك لزمك أن تجعل للتسمية تسمية، وللعبارة عبارة.
وكذلك قولهم: "رأيت زيداً"، إنما يريدون رأيت المعنى الواقع تحت هذه اللفظة، وعلى هذا مجرى كلام العرب وغيرهم. فلما كان المسمى من هذه الجهة لا سبيل إلى تصويره في نفس من تخاطبه إلا بواسطة اسمه، جاز من هذه الجهة أن يقال: إن الاسم هو المسمى، وإن كان العلم محيطاً بأن اللفظ ليس المعنى الواقع تحته.
ومما أضافوا فيه المسمى إلى اسمه الذي يراد به التسمية والعبارة، وإن كانوا لم يصرحوا فيه بالمسمى، ما حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي في قولهم: "هذا ذو زيدٍ"، أي: صاحب هذا الاسم. فهذا كقولهم: هو مسمى زيدٍ، أي: المسمى
стр. 67
بهذه اللفظة فأجروه مجرى قولهم: "هذا ذو مالٍ". وعلى هذا قول الكميت:
(إليكم ذوي آل النبي تطلعت ... نوازع من قلبي ظماء وألبب)
يريد المسمين بآل النبي.
ومثله قول الأعشى:
فكذبوها بما قالت فصبحها ... ذو آل حسان يردي الموت والشرعا)
أي: صبحهم المسمون بـ (آل) حسان.
ومثله قول جميل:
(بثينة من آل النساء وإنما ... يكن لأدنى لا وصال لعاتب)
стр. 68
يريد: المسميات بالنساء، فهذا كله شبيه بقوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] أي سبح مسمى هذه اللفظة التي هي الرب، ومسماها هو الله [تعالى].
وقد احتج كثير من أصحابنا - رحمهم الله تعالى - على أن الاسم هو المسمى بقول سيبويه في كتابه: "وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء". ورد هذا كثير من المتكلمين وقالوا: هذا الكلام ليس فيه دليل قاطع على ما قالوه؛ لأنه يمكن أن يريد بالأسماء: المسميات، كما قلنا في هذا الباب. ويمكن أن يريد أصحاب الأسماء فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والذي// عندي في ذلك أن سيبويه لا ينكر أن يكون الاسم هو المسمى من جهة، ويكون غيره من جهة أخرى على ما قدمنا ذكره. وقد جاء في كتابه الأمران معاً فقال في آخر باب الفاعل الذي لم يتعده فعله إلى مفعول: "فالأسماء المحدث عنها، والأمثلة دليل على ما مضى، وما لم يمض من المحدث به عن الأسماء، وهو الذهاب، والجلوس، والضرب. وليست الأمثلة بالأحداث، وما تكون فيه الأحداث ومعنى الأسماء". فظاهر كلامه
стр. 69
هذا أنه أوقع الأسماء موقع المسميات، لأن الألفاظ لا يحدث عنها، ولا توصف، بأن الأحداث تكون منها، فهذا ما قاله في هذا الكتاب. ثم قال في باب تسمية الحروف بالظروف وغيرها من الأسماء: "وتقول إذا نظرت في الكتاب: هذا عمرو، وإنما المعنى هذا اسم عمرو، وهذا ذكر ونحو هذا، إلا أن هذا يجوز على سمعه الكلام كما تقول: جاءت القرية، وإن شئت قلت: هذه عمرو، أي: هذه الكلمة اسم عمرو".
فهذا نص جلي بأن الاسم قد يكون عنده غير المسمى، فقد ظهر مما أوردناه من كلامه أن الاسم عنده قد يكون المسمى وقد يكون غيره على ما تقدم من قولنا، وبالله التوفيق.
الباب الثالث
(في تبيين: كيف يكون المسمى بمعنى الاسم الذي يراد به التسمية ؟ )
هذا الباب ينكره أكثر من يسمعه ممن لم يتميز في معرفة كلام العرب حتى يتبين له وجهه، وهو شيء يخص اللغة العربية، ولا يكاد يوجد في شيء من سائر الألسنة، ولا غناء له في الغرض الذي يقصده المتكلمون في الاسم والمسمى. وإنما ذكرنا هذا وشبهه لنستوفي الكلام في هذا الشيء الذي قصدناه.
اعلم أنه لا خلاف بين البصريين والكوفيين- فيما أعلمه- أن كل فعلٍ تجاوز ثلاثة أحرف فإنه يجوز أن يأتي مصدره على مثال مفعوله قياساً مطرداً، كقولك:
стр. 70
انطلق انطلاقاً، ومنطلق، والمفعول: منطلق به، وأدخل إدخالاً ومدخلاً، والمفعول مدخل، ومزقته تمزيقاً وممزقاً، وسرحته تسريحاً ومسرحاً، قال الله تعالى: ﴿وندخلكم مدخلا كريماً﴾ [النساء ٤: ٣١] وقال: ﴿ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدقٍ﴾ [يونس ١٠ - ٩٣]. وقال تعالى: ﴿ومزقناهم كل ممزق﴾ [سبأ ٣٤: ١٩].
وقال جرير:
(ألم تعلم مسرحي القوافي ... فلا عياً بهن ولا اجتلابا)
وقال القطامي:
(ما اعتاد حب سليمى حين معتاد)
وقال النابغة:
стр. 71
(فأضحى في مداهن بارداتٍ ... بمنطلق الجنوب على الخيام)
وقال آخر:
(أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلاً ... وأنجو إذا غم الجبان من الكرب)
ويروى عن أبي حاتم أنه قال: قرأت على الأصمعي شعر العجاج فلما انتهيت إلى قوله:
(جأب ترى بليته مسحجا)
رد علي فقال: تليله، قلت له: ما قرأت على أبي زيد إلا هكذا. فقال: وما يكون "مسحج"، فقلت له: مصدر: فقال: هذا لا يجوز. فقلت له: ألم يقل جرير:
(ألم تعلم مسرحي القوافي؟ )
فكأنه أراد تقليل ذلك وإنكاره. فقلت له: قد قال الله- ﵎:
стр. 72
﴿ومزقناهم كل ممزق﴾ [سبأ ٣٤: ١٩]، فسكت. وإنما أوتي الأصمعي من ضعفه في صناعة النحو، فقال على قياس ما ذكرناه: سميته، أسميه تسمية ومسمى، كما تقول: سويت الشيء أسويه تسوية ومسوى. وتقول: أعجبني مسمى ابنك عمراً، كما تقول: أعجبني تسمية ابنك محمداً، فيكون الاسم والمسمى والتسمية في هذا الباب ثلاثة أسماءٍ مترادفة على معنى واحدٍ، ومن هذا الباب قول الشاعر:
(فلو كان في ليلى شداً من خصومةٍ ... للويت أعناق الخصوم الملاويا)
يريد بالملاوي جمع "ملوى"، وهو مصدر بمعنى التلوية، كقوله: المسوى بمعنى التسوية، وبالله التوفيق.
الباب الرابع
(في تبيين: كيف يكون الشيء الواحد مسمى من جهة وتسمية من جهة أخرى ؟ )
اعلم أن قولنا: اسم، لفظة تجري مجرى الجنس والنوع، لأنها تقع على جميع الألفاظ التي يعبر بها عن المعاني كجوهر، وعرضٍ، ورجلٍ، وفرسٍ، وزيدٍ،
стр. 73
وعمروٍ. كل واحد من هذه الألفاظ يقال له: اسم، وهو تسمية لما تحته من معناه، فيكون بإضافته إلى الاسم الذي فوقه مسمى، ويكون بإضافته إلى المعنى الذي تحته تسميةً واسماً.
ومثال ذلك قولنا: "زيد"، و"إنسان"، و"حي"، فإنك تجد الإنسان الذي هو واسطة بين "زيدٍ" أو"الحي" مسمى إذا كان يقال عليه: الحي، واسماً إذا كان يقال: "زيد"، وتجد "زيداً" و"الإنسان"- وإن كان أحدهما مسمى والآخر اسماً له- قد تساويا في أنهما مسميان للحي إذا كان (الحي) يقال على كل واحدٍ منهما. وتجد الحي الذي هو اسم للإنسان، والإنسان الذي هو مسمى له قد تساويا في أنهما اسمان لزيدٍ، فيجوز من هذه الجهة أيضاً أن يقال: إن الاسم هو المسمى على ضربٍ من التأويل، وإن كان غيره من جهةٍ أخرى.
فهذا ما حضرني- أعزك الله- من القول في الاسم والمسمى. وأما الثمرة والنتيجة من معرفة الاسم هل هو المسمى أو هو غيره؟ فإنا أضربنا عن الخوض فيه لأن غرضنا في هذه المقالة إنما كان تبيين كيف يقال: إن الاسم هو المسمى، وكيف يقال: إنه غيره، وأن كل واحدٍ من القولين صحيح. ونحن نحمد الله- تعالى- على نعمه، ونسأله المزيد من قسمه، لا رب غيره، ولا معبود سواه.
تمت المقالة في الاسم والمسمى والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمدٍ.
стр. 74
الرسالة الثالثة: في تحقيق معنى لفظ (رب)
стр. 75
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد وآله وسلم أفضل التسليم
[ ..... ] المؤلف بهذا الكتاب قراءة مني عليه
قلت له:
قلت - رضي الله عنك-: سألت - أدام الله عزك، وحرص على النوب حوزتك، وملكك [نوا] صي النعم، وبلغك أقاصي الهمم - عن قول النحويين: إن (رب) للتقليل، وقلت: كيف يصبح ما قالوه، وكلام العرب المنظوم والمنثور يشهد بضد ما زعموه؟ لأن القائل إذا [قال: رب عالم] لقيت، ورب طعام [طيب] أكلت: فإنما غرضه أن يكثر من لقيه من العلماء وما أكله من الطعام الطيب؟ وكذلك قول امرئ القيس:
следующие страницы →