Полный текст (329 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
(فأضحى في مداهن بارداتٍ ... بمنطلق الجنوب على الخيام)
وقال آخر:
(أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلاً ... وأنجو إذا غم الجبان من الكرب)
ويروى عن أبي حاتم أنه قال: قرأت على الأصمعي شعر العجاج فلما انتهيت إلى قوله:
(جأب ترى بليته مسحجا)
رد علي فقال: تليله، قلت له: ما قرأت على أبي زيد إلا هكذا. فقال: وما يكون "مسحج"، فقلت له: مصدر: فقال: هذا لا يجوز. فقلت له: ألم يقل جرير:
(ألم تعلم مسرحي القوافي؟ )
فكأنه أراد تقليل ذلك وإنكاره. فقلت له: قد قال الله- ﵎:
стр. 72
﴿ومزقناهم كل ممزق﴾ [سبأ ٣٤: ١٩]، فسكت. وإنما أوتي الأصمعي من ضعفه في صناعة النحو، فقال على قياس ما ذكرناه: سميته، أسميه تسمية ومسمى، كما تقول: سويت الشيء أسويه تسوية ومسوى. وتقول: أعجبني مسمى ابنك عمراً، كما تقول: أعجبني تسمية ابنك محمداً، فيكون الاسم والمسمى والتسمية في هذا الباب ثلاثة أسماءٍ مترادفة على معنى واحدٍ، ومن هذا الباب قول الشاعر:
(فلو كان في ليلى شداً من خصومةٍ ... للويت أعناق الخصوم الملاويا)
يريد بالملاوي جمع "ملوى"، وهو مصدر بمعنى التلوية، كقوله: المسوى بمعنى التسوية، وبالله التوفيق.
الباب الرابع
(في تبيين: كيف يكون الشيء الواحد مسمى من جهة وتسمية من جهة أخرى ؟ )
اعلم أن قولنا: اسم، لفظة تجري مجرى الجنس والنوع، لأنها تقع على جميع الألفاظ التي يعبر بها عن المعاني كجوهر، وعرضٍ، ورجلٍ، وفرسٍ، وزيدٍ،
стр. 73
وعمروٍ. كل واحد من هذه الألفاظ يقال له: اسم، وهو تسمية لما تحته من معناه، فيكون بإضافته إلى الاسم الذي فوقه مسمى، ويكون بإضافته إلى المعنى الذي تحته تسميةً واسماً.
ومثال ذلك قولنا: "زيد"، و"إنسان"، و"حي"، فإنك تجد الإنسان الذي هو واسطة بين "زيدٍ" أو"الحي" مسمى إذا كان يقال عليه: الحي، واسماً إذا كان يقال: "زيد"، وتجد "زيداً" و"الإنسان"- وإن كان أحدهما مسمى والآخر اسماً له- قد تساويا في أنهما مسميان للحي إذا كان (الحي) يقال على كل واحدٍ منهما. وتجد الحي الذي هو اسم للإنسان، والإنسان الذي هو مسمى له قد تساويا في أنهما اسمان لزيدٍ، فيجوز من هذه الجهة أيضاً أن يقال: إن الاسم هو المسمى على ضربٍ من التأويل، وإن كان غيره من جهةٍ أخرى.
فهذا ما حضرني- أعزك الله- من القول في الاسم والمسمى. وأما الثمرة والنتيجة من معرفة الاسم هل هو المسمى أو هو غيره؟ فإنا أضربنا عن الخوض فيه لأن غرضنا في هذه المقالة إنما كان تبيين كيف يقال: إن الاسم هو المسمى، وكيف يقال: إنه غيره، وأن كل واحدٍ من القولين صحيح. ونحن نحمد الله- تعالى- على نعمه، ونسأله المزيد من قسمه، لا رب غيره، ولا معبود سواه.
تمت المقالة في الاسم والمسمى والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمدٍ.
стр. 74
الرسالة الثالثة: في تحقيق معنى لفظ (رب)
стр. 75
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد وآله وسلم أفضل التسليم
[ ..... ] المؤلف بهذا الكتاب قراءة مني عليه
قلت له:
قلت - رضي الله عنك-: سألت - أدام الله عزك، وحرص على النوب حوزتك، وملكك [نوا] صي النعم، وبلغك أقاصي الهمم - عن قول النحويين: إن (رب) للتقليل، وقلت: كيف يصبح ما قالوه، وكلام العرب المنظوم والمنثور يشهد بضد ما زعموه؟ لأن القائل إذا [قال: رب عالم] لقيت، ورب طعام [طيب] أكلت: فإنما غرضه أن يكثر من لقيه من العلماء وما أكله من الطعام الطيب؟ وكذلك قول امرئ القيس:
стр. 76
(ألا رب يوم لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جلجل)
وقال الأعشى:
(رب رفد هرقته ذلك اليوم وأسرى من معشر أقتال)
لا يليق بهما التقليل؛ لأن بيت امرئ القيس بيت افتخار بكثرة الأيام الصالحة التي تنعم فيها بالنساء، وأن يوم (دارة جلجل) كان أجلها وأحسنها. وبيت الأعشى بيت مدح، ولم يمدح الذي مدحه بأنه أراق رفدا واحدا.
ومثل هذه الأبيات - أدام الله عزك - حمل القائلين على أن يقولوا: إن (رب) للتكثير، مع أن سيبويه قال في باب (كم): "ومعناها كمعنى رب، فتوهموا أن مذهبه أنها للتكثير.
стр. 77
وقد كان أشكل على من أمرها قبل فوتي في هذه الصناعة ما أشكل عليك، وحسبت أن أبا القاسم الزجاجي وأبا جعفر النحاس ونحوهما من صغار النحويين غلطوا في ذلك، فجعلت أبحث عما قال فيها جلة النحويين، فوجدت كبراء البصريين ومشاهيرهم مجمعين على أنها للتقليل، وأنها ضد (كم) في التكثير؛ كالخليل، وسيبويه، وعيسى بن عمر، ويونس، وأبي زيد الأنصاري،
стр. 78
وأبي عمرو بن العلاء، والأخفش سعيد بن مسعدة، والمازني، وأبي عمر الجرمي، وأبي العباس المبرد، وأبي بكر بن السراج، وأبي إسحاق الزجاج، وأبي علي الفارسي، وأبي الحسن الرماني، وابن جني،
стр. 79
والسيرافي. وكذلك جلة الكوفيين، كالكسائي، والفراء، ومعاذ الهراء، وابن سعدان، وهشام، ولم أجد لهم مخالفا في ذلك إلا صاحب كتاب (العين)؛ فإنه صرح بأنها للتكثير، ولم يذكر أنها تجيء بمعنى التقليل، وهذا من أطرف شيء، لأن (رب) قد كثر استعمالها في مواضع [لا يسوغ] التكثير فيها، سنذكرها إذا انتهينا إليها إن شاء الله.
стр. 80
ورأيت الفارابي قد ذكر في كتاب (الحروف) أنها تكون تكثيرا وتقليلا و [رأيت] قوما من نحويي زماننا هذا ومن قرب زمانه من زمانهم يعتقدون أنها للتكثير مثل (كم)، وكأنهم يعتقدون و [ن] أن النحويين المتقدمين غلطوا فيها، ورأيتهم يتعلقون بالمواضع التي ظاهرها التكثير، ويغفلون المواضيع التي لا تحتمل إلا التقليل. ورأيت قوما منهم يحتجون بقول سيبويه في (كم): "إن معناها كمعنى رب) ". وقد يتعين على المنصف إذا رأى رأيا يخالف ما رآه المبرزون في صناعة من الصنائع أن يتهم رأيه، ولا يتسرع إلى تخطئتهم، وإنما ينبغي أن يلتمس معرفة حقيقة ما قالوه، فلسنا نشك في أن الخليل وجميع من سميناه من البصريين والكوفيين قد رأوا الأبيات التي ظاهرها التكثير، كما رآها هؤلاء المعترضون عليهم؛ لأنها كثير جدا. وليس مجيئها للتكثير شاذا قليلا أنه عاب عنهم لقلته، بل تكاد
стр. 81
المواضع التي ظاهرها الكثرة تكون موازنة للمواضع التي تقع فيها للقلة.
ففي اتفاق جميع ما ذكرناه على أن أطلقوا أن (رب) للتقليل و (كم) للتكثير دليل على أن لهم في ذلك غرضا ينبغي أن يعلم ويوقف عليه، وكذلك قول سيبويه: "إن (كم) معناها كمعنى رب لا دليل فيه على أنها عنده للتكثير من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن سيبويه لم ينازع غيره في قولهم: إن (رب) للتقليل، و (كم) للتكثير.
والثاني: أن سيبويه إذا تكلم في الشواذ في كتابه فمن عادته في كثير منها أن يقول:
"ورب شيء هكذا؛ يريد أنه قليل نادر، كقوله في باب (ما) وقد أنشد بيت الفرزدق:
(فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريس وإذ ما مثلهم بشر)
"وهذا لا يكاد يعرف، كما أن (لات حين مناص) [ص ٣٨: ٣] كذلك، ورب شيء هكذا، وهو كقول بعضهم: هذه ملحقة جديدة، في القلة". فكيف
стр. 82
يتوهم عليه أنه أراد بقوله: إن معنى (كم) كمعنى (رب) أنها مثلها في الكثرة، وهو يستعلمها في كلامه، وما يتكلم عليه من مسائل كتابه بضد ذلك؟
والوجه الثالث: أن كل من شرح كتاب سيبويه لم يقل أحد منهم: إن سيبويه أراد بهذا الكلام أن (رب) للتكثير. وقد فسر أبو علي الفارسي هذا الموضع فقال: "إنما قال: إن معنى (كم) كمعنى (رب) لأنها تشارك (رب) في أنهما يقعان صدرا، وأنهما لا يدخلان إلا على نكرة، وأن الاسم المنكور الواقع بعدها يدل على أكثر من واحد، وإن كان الاسم الواقع بعد (كم) يدل على كثير، والاسم الواقع بعد (رب) يدل على قليل، فيختلفان في هذا الوجه، ويختلفان في أن (كم) اسم، و (رب) حرف". وكذا قال ابن دستوريه والرماني وغيرهما في شرح هذا الموضع من
стр. 83
كلام سيبويه. وإن كانت المواضع التي ظاهرها التكثير عند هؤلاء توجب أنها للتكثير. فقد يجب أن تكون المواضع التي ظاهرها التقليل توجب أن تكون للتقليل، فلا أقل من أن يعادل الأمران عندهم، فيقولوا: إنها تكون تقليلا وتكثيراً، كما قال أبو نصر الفارابي. وأنا أؤصل في (رب) أصلاً ينبني تفريع مسائلها عليه، وأصرح بما أشار أهل هذه الصناعة المتقدمون إليه، إن شاء الله.
باب
(الكلام في رب وحقيقة وضعها)
اعلم أن (رب) و (كم) بنيا على التناقض في أصل وضعهما؛ لأن أصل وضع (رب) للتقليل، وأصل (كم) للتكثير، هذه حقيقة وضعهما، ثم يعرض لهما المجاز للمبالغة وغيرهما من الأغراض، فتقع كل واحدةٍ منهما
стр. 84
موقع صاحبتها مع حفظها لأصل وضعها، وهذه سبيل المجاز: لأنه عارض يعرض للشيء فيستعار في غير موضعه، ولا يبطل ذلك حقيقته التي وضع عليها. ومثال ذلك: المدح والذم، فإنهما وضعا على التناقض في أصل وضعهما، ثم يعرض لهما المجاز [لأنه عارض يعرض] فيستعمل الذم مكان المدح، كقول القائل: أخزاه الله ما أشعره ولعنه الله ما أفصحه! وقد يستعمل المدح مكان الذم فيقال للأحمق: «يا عاقل! »، وللجاهل: «يا عالم! »، وللبخيل: «يا جواد! ». وذلك على سبيل الهزء. قال الله تعالى حكاية عن قوم (شعيب) أنهم قالوا له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود ٨٧: ١١] وقال فرعون: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩: ٤٤]. ومثله قول الشاعر:
(وقلت لسيدنا: يا حكيـ ... ـم إنك لم تأس أسواً رفيقاً).
стр. 85
وقال بعض شعراء اليمن يخاطب جريراً:
(أبلغ كليباً وأبلغ عنك شاعرها ... أني الأغر وأني زهرة اليمن).
فأجابه جرير يقول:
(ألم تكن في وسوم ٍ قد وسمت بها ... من حان موعظة يا زهرة اليمن؟ ! ).
فسماه (زهرة اليمن) حكاية لقوله وهزءاً به. وكذلك التذكير والتأنيث نقيضان في أصل وضعهما، ثم يلحقهما المجاز فيقع كل واحد منهما موقع الآخر، مع حفظه لأصله الذي وضع عليه، فيقولون للرجل: علامة، ونسابة، ويرون أنه أبلغ من قولهم: علام ونساب. ويقولون: امرأةٌ طاهرٌ وعاقرٌ وحاسرٌ، ويرون ذلك أبلغ من التأنيث لو جاؤوا به ههنا. ووجه المبالغة عندهم في هذا النقيضين إنما بينهما حد يفصل بعضهما من بعض، فإذا زاد أحدهما على حده انعكس إلى ضده؛ لأنه لا مذهب إليه إذ لا واسطة بينهما، ولهذا
стр. 86
قال الشاعر:
( .... وشر الشدائد ما يضحك).
وقال أبو الطيب المتنبئ:
(ولجدت حتى كدت تبخل جائلاً ... للمنتهى، ومن السرور بكاءُ)
[وقال أبو العلا المعري:
( ... فقد تدمع العينان من شدة الضحك)]
وعلى هذه السبيل من المجاز يضعون النفي موضع الإيجاب، والإيجاب موضع النفي، ويخرجون الواجب بصورة الممكن والممكن بصورة الواجب، وغير ذلك من المجازات التي تكثر إن ذكرناها، وتخرجنا عن الغرض الذي نحن بصدده وقاصدون نحو مقصده. فكما أن وقوع بعض الأشياء موقع بعض لا يبطل أصل وضعها، فكذلك وقوع (رب) في موقع (كم) موقع (رب) لا يبصل أصل وضعهما على
стр. 87
ما نذكره بعد، إن شاء الله.
باب
(المواضع التي تقع فيها (رب) للتقليل والتخصيص على حقيقة وضعها)
فمن ذلك قول العرب إذا مدحوا الرجل: «ربه رجلاً» وهو شبيه بقولهم: «لله دره رجلاً! » وهذه مسألة قد اتفق عليها البصريون والكوفيون قاطبةً، ونص عليها سيبويه في كتابه، وهذا تقليل محض لا يتوهم فيه كثرةٌ؛ لأن الرجل
стр. 88
لا يمدح بكثرة النظراء والأشباه، وإنما يمدح بقلة النظير أو عدمه// بالجملة؛ ولذلك قالوا في التعجب: إنه ما خفي سببه خفاء وخرج عن نظائره. وإنما يريدون بقولهم: «ربه رجلاً» أنه قليل غريبٌ في الرجال؛ فكأنهم قالوا: ما أقله في الرجال وما أشده فيهم! . ويدل على ذلك تصريحهم في المدح بلفظ القلة في نحو قولهم: هل من يقول هذا، وقل من يعلم ذلك إلا زيد، ونحو ذلك. وقال أبو زيد الأنصاري: (بيد) بمعنى (غير) وربما كانت بمعنى (من أجل). وقال أبو عبيدة: «الأسد توصف بـ (الفدع)، وهو أن تقبل الرجل الواحدة على الأخرى، وربما كان الفدع أن ينقلب الرسغ إلى الجانب الوحشي، أراد أن هذا قليل، والأول هو الأكثر». وقال أبو العباس المبرد في الكامل: «وكانت الخنساء وليلى مباينتين في أشعارهما لأكثر الفحول، ورب امرأة تتقدم في صناعة، وقلما يكون ذلك. والجملة ما قال الله_عز وجل_: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف ١٨: ٤٣] ومما جاءت فيه- (رب) بمعنى القلة قول العرب: ربما خان الأمين، وربما سفه
стр. 89
الحليم؛ أي أن هذا قد يكون، وإن كان الأكثر غيره، كما قال قيس بن زهير:
(أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم)
وقال سالم بن وابصة:
(لا تغترر بصديق أنت ممحضه ... وخفه خوفك من ذي الغدر والملق)
(إن الزلال، وإن أنجاك من غصص ... دأبا، فربتما أدراك بالشرق).
وقال أعشى باهلة:
(لا يبطرن ذامقة أحبابه ... فربما أردى الفتى لعابه)
وقال حاتم الطائي:
(وإني لأعطي سائلي ولربما ... أكلف ما لا يستطاع فأكلف)
стр. 90
وقال زهير:
(وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواضله)
وهذه نصوص لا وجه للتكثير فيها؛ لأنه إنما أراد بالأبيض حصن بن حذيفة ابن بدر الفزاري ولم يرد جماعة كثيرة هذه صفتهم، ألا تراه يقول بعده:
(حذيفة ينميه وبدر كلاهما ... إلى باذخ يعلو على من يطاوله)
وقال خوات بن جبير الأنصاري صاحب ذات النحيين:
стр. 91
(وذات عيال واثقين بعقلها ... خلجت لها جار استها خلجات)
وإنما أراد بقوله: «وذات عيال» ذات النحيين وحدها، ولم يرد أنه فعل هذه// القصة مراراً كثيرة. وكذلك قوله في هذه القصة:
(وأهل خباء صالح ذات بينهم ... قد احتربوا في عاجل أنا آجله)
فإنما أراد: ما هاج بين حيه وحيها من الحرب بسبب هذه القصة، ولم يرد أهل أخبية كثيرة.
وقال صخر بن الشديد أخو الخنساء:
(وذي إخوة قطعت أقران بينهم ... كما تركوني واحداً لا أخا ليا)
إنما أراد بذي إخوة ههنا دريد بن حرملة المري، وهو الذي كان قتل أخاه
стр. 92
معاوية، فلما قتلته بأخيه قال هذا الشعر. وقوله:
( ... كما تركوني واحداً لا أخا ليا)
يبطل توهم معنى الكثرة ههنا؛ لأن الذين تركوه بلا أخ إنما كانوا بني حرملة ولم يكن له أخ قتل غير معاوية وحده. وقال بعض شعراء غسان يصف وقعة كانت بينهم وبين مذحج في موضع يعرف بالبلقاء:
(ويوم على البلقاء لم يك مثله ... على الأرض يوم في بعيد ولا دان)
وأنشد سيبويه وغيره من النحويين:
(ويوم شهدناه سليماً وعامراً ... قليل سوى الطعن النهال نوائله)
وقال ابن مخلاة الحمار في يوم مرج راهط:
стр. 93
(ويوم ترى الرايات فيه كأنها ... حوائم طير مستدير وواقع)
فهؤلاء إنما وصفوا أياماً مخصوصة بأعيانها، يرى ذلك أيضاً إذا نظر في أخبار هذه الأشعار التي قيلت فيها. ومن ذلك ما أنشده النحويون [من قوله]:
(ونار قد حضأت بعيد وهن ... بدرا ما أريد بها مقاما)
وهذا شعر مشهور، ولا معنى فيه للكثرة؛ لأنه إنما وصف قصة جرت له مع الحي مرة واحدة.
ونحن نذكر أبياتاً كثيرة من أشعار المحدثين يبين [في] جميعها أن (رب) للتقليل، كثر استعمالهم لها، فلم ينكرها أحد من العلماء عليهم فصارت لذلك كأنها حجة؛ فمن ذلك قول أبي تمام الطائي:
стр. 94
(عسى وطن يدنو بهم ولعلما ... وإن تعتب الأيام فيهم فربما)
يريد: فربما أعتبت في بعض الأحيان.
وقال أبو الطيب المتنبي:
(وربما تحسن الصنيع لياليه ولكن تكدر الإحسانا)
وقال أيضاً:
(ولربما أطر القناة بفارس ... وثنى فقومها بآخر منهم)
وقال:
(ويوم كيوم العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب)
وقال يهجو كافوراً:
(وأسود أما القلب منه فضيق ... نخيب، وأما بطنه فرحيب)
стр. 95
وقال يمدحه:
(وأبلج يعصي باختصاصي مشيره ... عصيت بقصديه مشيري ولومي)
وإنما عنى بالأبلج (كافوراً)، وبمشيره (أباً حنزابة) وزيره.
وكذلك قوله لسيف الدولة:
(علينا لك الإسعاد إن كان نافعاً ... بشق قلوب لا بشق جيوب)
(فرب كئيب ليس تندي جفونه ... ورب كثير الدمع غير كئيب)
وقد أوضح ما أراده من التقليل ههنا في موضع آخر، فأخرجه بغير لفظ (رب) وهو:
стр. 96
(وفي الأحباب مختص بوجد ... وآخر يدعي معه اشتراكاً)
ومن أشعار المحدثين قوله:
(الحر طلق ضاحك ولربما ... تلقاه، وهو العابس المتجهم)
وقال الآخر:
(احذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مره)
(فلربما انقلب الصديـ ... ـق فكان أعلم بالمضره)
وقال عدي بن زيد العبادي، وقد أغفلت ذكره في الشعراء المتقدمين:
(يا لبيني أوقدي النارا ... إن من تهوين قد حارا)
(رب نارٍ بت أرمقها ... تقضم الهندي والغارا)
стр. 97
(عندها ظبي يؤرثها ... عاقد في الجيد تقصارا)
فتبين من هذا الشعر أنه إنما أراد نار لبينى وحدها.
وقد أوضح ذلك المعري بقوله:
(ليست كنار عدي نار عادية ... باتت تشب على أيدي مصاليتا)
(وما لبيني- وإن عزت بربتها ... لكن غذتها رجال الهند تربيتا)
ومما تأتي فيه (رب) للتقليل والتخصيص إتياناً مطرداً، ويرى ذلك من تأمل الأشعار التي في اللغز والأشعار التي يصف فيها الشعراء أشياء مخصوصة بأعيانها؛ فإنهم كثيراً ما يستعملون في أوائلها (رب) مصرحاً بها، والواو التي تنوب منابها، كقول ذي الرمة:
(وجارية ليست من الإنس تشتهي ... ولا الجن قد لاعبتها ومعي ذهني)
стр. 98
(فأدخلت فيها قيد شبر موفر ... فصاحت، ولا الله ما وجدت تزني)
(فلما دنت إهراقة الماء أنصتت ... لأعزله عنها، وفي النفس أن أثنى)
(وإنما وصف بكرة استسقى عليها ماءً ..... )
وكذلك قوله الآخر:
(رب سهم رأيت في جوف خرج ... يترامى بموجه الزخار)
ونهار رأيت منتصف الليل وليل رأيت نصف النهار
(وثلاثين ألف شيخ قعوداً ... فوق غصن لا تنثني لانكسار)
يعني بـ (الخرج) الوادي الذي لا منفذ له، وبـ (النهار) فرخ الحبارى، وبالليل فرخ الكروان. وبـ (الشيخ) الرذاذ الصغير من المطر.
وقال الأغلب العجلي، ووصف ثعلباً أرسل عليه كلب فعقره:
стр. 99
(وثعلب بات قرير العين ... لاقى مع الصبح غراب البين)
(وقد غدا مجرمز الشخصين ... فاستقبلته لحضور الحين)
(طلعة كلب أعضف الأذنين ... فمر يهوي ثابت الساقين)
(إلى وجار بين صخرتين ... والكلب منه راكب المتنين)
(فلم يرعه غير روعتين ... حتى رأيت شلوه نصفين)
وقال يصف صقراً:
(يا رب صقر يفرس الصقورا ... ويكسر العقبان والنسورا)
(ترى الإوز منه مستجيرا ..... )
وقال ابن الرومي:
(وارزقني مخطف الخصور ... كأنه مخازن البلور)
وقال أبو الطيب، وقد أمره أبو العشائر أن يصف بطيخة:
стр. 100
(وسوداء منظوم عليها لآلئ ... لها صورة البطيخ وهي من الند)
ومن ذلك قوله في نزهة أمره أبو علي الأرواجي بوصفها:
(ومنزل ليس لنا بمنزل ... ولا لغير الغاديات الهطل)
وكذلك قوله في صفة صيد شاهده مع ابن طغج:
(وشامخ من الجبال أقود ... مرد كيا فوخ البعير الأصيد)
وإنما أراد منزلاً بعينه، ويدل على ذلك قوله:
(زرناه للأمر الذي لم يعهد)
كذلك قوله في اللعبة التي امتحنه بها ابن طغج:
(وذات غدائر لا عيب فيها ... سوى أن ليس تصلح للعناق)
стр. 101
قال البطليوسي: فهذه المواضع كلها (رب) فيها للتقليل، وهي كثيرةٌ جداً، وإنما تخيرت منها أوضحها، وهذه حقيقة (رب) وموضوعها، وبالله التوفيق.
باب
(ذكر المواضع التي وقعت (رب) فيها بمعنى التكثير على طريق المجاز)
إنما تأتي (رب) بمعنى التكثير في معظم أحوالها في المواضع التي يذهب بها إلى الافتخار والمباهاة، كقول القائل: «رب عالم لقيت»، و «رب يوم سرور شهدت»، لأن الافتخار لا يكون إلا بما كثر من الأمور في الغالب من أحوالها، وقد يكون لقاء الرجل الواحد أذهب في الفخر من لقاء الجماعة، ولكن الأول هو الأكثر، فمن ذلك قول امرئ القيس:
(ألا رب يوم لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جلجل)
وقوله:
(فإن أمس مكروباً فيا رب بهمة ... كشفت إذا ما اسود وجه الجبان)
(وإن أمس مكروباً فيا رب قينة ... منعمة أعملتها بكران)
стр. 102
وقوله:
(وخرق بعيد قد قطعت نياطه ... على ذات لوث سهوة المشي مذعان)
(ومجر كغلان الأنيعم بالغ ... ديار العدو ذي زهاء وأركان)
(فهذه مواضع لا يليق بها إلا التكثير .... )
وكذلك قول أبي كبير الهذلي:
(أزهير إن يشب القذال فإنه ... رب هيضل مرس لفف بهيضل)
وكذلك قول أبي العطاء السندي يرثي عمرو بن هبيرة الفزاري:
стр. 103
(فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام بعد الوفود وفود)
وهذا النوع في الشعر كثير جداً. والفرق بين هذا الباب والباب الأول، أن الأول حقيقة في (رب)، وهذا الباب مجاز يعرض لها كما يعرض للمدح أن يخرج مخرج الذم، وللذم أن يخرج مخرج المدح، وللتذكير أن يخرج مخرج التأنيث، وللتأنيث أن يخرج مخرج التذكير كما ذكرنا في الباب الأول. ومن الفرق بينهما، أن (كم) يصلح استعمالها في هذا الباب مكان// (رب) ولا يصلح ذلك في الباب الأول؛ ولذلك تجد المعنى الواحد في هذا الباب يأتي بلفظ التقليل مرة وبلفظ التكثير مرة، كقول رجل من بني فقعس أنشده أبو تمام في الحماسة:
(وذوي ضباب مظهرين عداوة ... قرحى القلوب معاودي الإفناد)
стр. 104
(ناسيتهم بغضاءهم وتركتهم ... وهم إذا صرخ الصديق أعادى)
وقال ربيعة بن مقروم الضبي في نحو من هذا المعنى، أنشده أبو تمام:
(وكم من حامل لي ضب ضغن ... بعيد قلبه حلو اللسان)
(ولو أني أشاء نقمت منه ... بشغب أو لسان تيجان)
(ولكني وصلت الحبل منه ... مواصلة بحبل أبي بيان)
وغرض الشاعرين في هذين الشعرين واحد. وقد أخرجه أحدهما بلفظ التقليل، وأخرجه الآخر بلفظ التكثير فدل ذلك على أن (كم) و (رب) تتعاقبان على الشيء الواحد في هذا الباب. وربما جمعهما الشاعر في شعر واحد كقول عمارة ابن عقيل:
стр. 105
(فإن تكن الأيام شيبن مفرقي ... وكثرن أشجاني وقللن من غربي)
(فيا رب يوم قد شربت بمشرب ... شفيت به غم الصدى بارد غرب)
(وكم ليلة قد بتها غير آثم ... بشاجية الحجلين مفعمة القلب)
ألا تراه قد أراد تكثير أيامه ولياليه، فأخرج بعض ذلك بلفظ (رب) وبعضه بلفظ (كم) ورأى الأمرين سواء؟ فإن قائل: إن كانت (رب) في أصل وضعها وحقيقتها للتقليل نقيضة (كم)، فما الوجه في استعمالهم إياها في مواضع التكثير التي لا تليق إلا بـ (كم)؟ فالجواب: أن ذلك لأغراض يقصدونها؛ فمنها: أن المفتخر يزعم أن الشيء الذي يكثر وجوده منه يقل وجوده من غيره، وذلك أبلغ في الامتداح والفخر من أن يكثر من غيره ككثرته منه، فاستعبرت لفظة التقليل في موضع التكثير إشعاراً بهذا المعنى، كما استعيرت ألفاظ الذم في موضع المدح، فقيل: أخزاه الله ما أفصحه! ، ولعنه ما أشعره إشعاراً بأن الممدوح قد حصل في مرتبة من //يشتم حسداً له على فضله؛ لأن الفاضل هو الذي يحسد ويوقع في عرضه، والناقص لا يلتفت إليه، وقد صرح الشاعر بهذا في قوله:
стр. 106
(ولا خلوت الدهر من حاسد ... فإنما الفاضل من يحسد)
ولذلك قال بعض العرب «السيد من إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر عبناه». وكذلك تستعار ألفاظ المدح في موضع الذم فيكون ذلك أشد على المذموم من لفظ الذم بعينه؛ لأن في ذلك مع الذم نوعاً من الهزء، كقولهم للأحمق: يا عاقل، وللجاهل: يا عالم! وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم؛ فكذلك إذا استعيرت لفظة التقليل مكان التكثير [كان أبلغ في المدح والفخر؛ لأنه يصير المعنى ما ذكرناه من أن الشيء الذي يكثر منه يقل من غيره، فيكون] أبلغ من لفظ التكثير المحض ولو وقع ههنا. وكذلك يستعيرون (كم) في موضع التقليل على وجه الهزء ويقولون: كم بطل قتل زيد! وكم ضيف قرى! وهو لم يقتل بطلاً ولم يقر ضيفاً، فيكون أبلغ من قولهم: جبان، وهو بخيل. ويدل على أن هذا غرضهم في ذكر (رب) في هذا الموضع أنهم قد صرحوا به في مواضع كثيرة من أشعارهم، كقول سالم بن وابصة:
(وموقف مثل حد السيف قمت به ... أحمي الذمار وترميني به الحدق)
стр. 107
(فما زلقت وما أبليت فاحشة ... إذا الرجال على أمثالهم زلقوا)
ألا تراه يفتخر بأن هذا الموقف يكثر منه مع قلة وجوده من غيره؟ ومثله قول الآخر:
(يا رب ليلة هول قد سريت بها ... إذا تضجع عنها العاثر الوكل)
وكذلك قول العجاج:
(ومهمه هالك من تعرجا ... هائلة أهواله من أدلجا)
(إذا رداء ليله ترجرجا ... علوت أخشاه إذا ما أجبجا)
ونظير هذا [في] أن له نسبتين مختلفتين، نسبة كثرة إلى المفتخر ونسبة إلى [قلة] إلى من يعجز عنه فيأتي [تارة على نسبة الكثرة بلفظ الكثرة بلفظ (كم) و] تارة
стр. 108
على نسبة القلة بلفظ (رب) أنهم إذا سموا رجلاً بالعباس، والحارث، والحسن، ونحوه من هذه الصفات، فربما أقروا فيها الألف واللام مراعاة لمذهب الصفة التي انتقلت عنها وربما حذفوا الألف واللام مراعاة لمذهب العلم الذي صارت إليه فتكون [لها] نسبتان مختلفتان تأتي بإحداهما تارة وبالأخرى تارة. ونظير اجتماع الكثرة والقلة في هذا الباب لغرض من الأغراض، اجتماع اليقين والشك في نحو قولهم: (قد علمت: أزيد في الدار أم عمرو؟ ) وهذا كلام طريف على ظاهره؛ لأن الذي يدعي العلم لا يستفهم، والذي يستفهم لا يدعي العلم. وإنما تأويله أني علمت حقيقة ما يستفهم عنه غيري؛ فهذا وجه من وجوه التقليل في هذه الأشياء. وقد يدخلها معنى التقليل على وجه آخر، وهو أن القائل قد يقول: (رب عالم لقيت)، وهو قد لقي كثيراً من العلماء، ولكنه يقلل من لقيه تواضعاً ويكون أبلغ من التكثير؛ لأن الإنسان إذا حقر نفسه تواضعاً ثم امتحن فوجد أعظم مما يقول جل قدره، وإذا عظم نفسه وأنزلها فوق منزلتها، ثم امتحن فوجد دون ذلك هان على من كان يعظمه، فهذا وجه من التقليل الذي يستعمل في هذه المسألة التي معانيها معاني الكثرة. وقد يدخلها التقليل على معنى ثالث، وهو قول الرجل لصاحبه: لا
стр. 109
تعادني فربما ندمت. وهذا موضع ينبغي أن يكثر فيه الندامة وليس بموضع تقليل، وإنما تأويله أن الندامة على هذا لو كانت قليلة لوجب أن يتجنب ما يؤدي إليها، فكيف وهي كثيرة؟ فصار لفظ التقليل ههنا أبلغ من التصريح بلفظ التكثير. وعلى هذا تأول النحويون قول الله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر ٢: ١٥]. وعلى نحو هذا أيضا يتأول أيضاً قول امرئ القيس: ألا رب يوم لك منهن صالح. وقول أبي كبير الهذلي: رب هيضل لجب لقيت بهيضل. إن استعارة لفظة التقليل ههنا إشارة إلى أن قليل هذا فيه فخر لقائله فكيف كثيره؟ ! وأما قول أبي عطاء السندي في رثائه عمرو بن هبيرة الفزاري:
стр. 110
(فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود)
فقد يتناول على هذا المعنى، ويحتمل أن يريد أن مدة حياته التي كثرت عليه فيها الوفود كانت قليلة، فعلى نحو هذه التأويلات يتأول النحويون الذين أصلوا أن (رب) لتقليل هذه الأشياء التي ظاهرها التكثير. ومن قال: إنها في هذه المواضع للتكثير تلقى الكلام على ظاهره، ولم يدقق الكلام فيها هذا التدقيق، ولم يقسمها إلى الحقيقة والمجاز كما فعلنا نحن، والحمد لله كما هو أهله، [وصلى الله على محمد النبي الكريم وآله وسلم].
следующие страницы →