← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18278

شرح المقدمة المحسبة

ابن بابشاذ

Полный текст (380 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وكريم أبوه, وطاهر ذيله, كله جار هذا المجرى. فالنصب على التمييز, وقد قيل على التشبيه بالمفعول به. والأحسن قولك «تمييز» , لأنه يجرى مجرى باب «تفقأ زيد شحمًا» و «تصبب عرقًا» , فكما تسمي ذلك تمييزًا لما كان منصوبه فاعلًا في المعنى كذلك تسمى منصوب هذا الباب تمييزًا لكونه فاعلًا في المعنى. فأما إن أدخلت الألف واللام على «الوجه» ونصبته فإن لا يحسن أن تقول «تمييز» , لأن التمييز لا يكون بالمعرفة. وكذلك يجوز أيضًا مع الألف واللام في الثاني ثلاثة أوجه فتقول: هذا رجل عفيف اليد, وعفيف اليد, وعفيف اليد, وكذلك البقية. فهذه ستة أوجه. فإن أدخلت الألف واللام على الأول جاز ثلاثة أوجه أخر, فقلت: هذا الرجل العفيف اليد, واليد, واليد, فصارت تسعة. فإن أدخلت الألف واللام على الأول وأسقطتها من الثاني جاز وجهان, ويسقط وجه آخر, وهو الجر. لا يجوز: هذا الرجل العفيف يدٍ, فتجمع بين صريح المعرفة وصريح النكرة. ويجوز الوجهان الآخران, أغني رفع «وجه» ونصبه, فصار أحد عشر وجهًا. فأما «عفيف يده» , بجر اليد مع المضمر, فمذهب سيبويه [﵀] أنه جائز عنده كما جاز مع الألف واللام في قولك: هذا رجل عفيف اليد, لأن الألف واللام عاقبت الإضافة إلى المضمر. وليس احتجاج من احتج عليه بأنه قد أضاف الشيء إلى نفسه حجة, لأن هذه إضافة لفظية لا حقيقية. وعليها أنشد سيبويه [﵀]: أمن دمنتين عرج الركب فيهما ... بحقل الرخامى قد عفا طللاهما

стр. 247

أقامت على ربعيهما جارتا صفًا ... كميتا الأعالي جونتا ممصطلاهما فموضع الشاهد أنه وصف قوله «جارتا صفًا» بقوله «كميتا الأعالي» , ثم وصفه بقوله «جونتا مصطلاهما» , وقد أضاف «الجونتين» إلى «المصطلى» المضاف إلى الضمير, فهو وزان مسألته في الجواز. فاعرف ذلك. *** والخامس من المجرورات مثل: مسجد الجامع, وصلاة الأولى وجانب الغربي, وحق اليقين, ودار الآخرة, ونحوه من مجرورات الوصف والحذف . فهذا النوع الخامس كان أصله: صلاة الساعة الأولى, فالأولى من نعت الساعة. ومسجد الجامع, أصله: مسجد المكان الجامع. وجانب الغربي, أي: جانب

стр. 248

المكان الغربي, وحق اليقين, أي: حق الشيء اليقين أو النبأ اليقين. ودار [٦١] الآخرة, أي: / دار الكرة الآخرة, حذفت الموصوف من هذا كله وأقمت صفته مقامه. وإنما اعتقدت هذا الاعتقاد لأنه لا يصح إضافة الشيء إلى صفته. لا يجوز أن تقول: جاءني زيد العاقل, لأن زيدًا هو العاقل, والشيء لا يضاف إلى نفسه. وكذلك «مسجد الجامع» , لا يصح أن يكون المسجد مضافًا إلى الجامع لكونه صفته في الأصل, ووجب أن يقدر الحذف المذكور. فإن أتيت بالألف واللام فيهما بطلت الإضافة وصار الثاني نعتًا لا غير, فقلت: هذا المسجد الجامع, ولا يجوز: هذا المسجد الجامع. وكذلك «الصلاة الأولى» في موضع النعت لا في موضع الإضافة. وكذلك «الجانب الغربي» و «الحق اليقين» و «الدار الآخرة». ولهذا قرأ من قرأ: (وللدار الآخرة) , ولم يقرأ أحد «وللدار الآخرة». فاعرف ذلك وقس عليه تصب إن شاء الله تعالى. *** [قال الشيخ ﵀]: والسادس من المجرورات مثل: مررت بزيدٍ, ونزلت على عمرو. فهذا ونحوه من مجرورات التعدية إنما دخل حرف الجر فيه للتعدية وإيصال معنى الفعل إلى الاسم, فلا يجوز فيه إلا وجه واحد وهو الجر, إلا أن يكون الحرف زائدًا فيسقط ويرجع إلى الأصل, مثل: ليس زيد بقائم, وليس زيد قائمًا. فكل جار ومجرور وقع مفعولًا فإن لفظه لفظ الجر وموضعه نصب. فلذلك يجوز في العطف عليه وجهان, مثل: مررت بزيدٍ

стр. 249

وعمروٍ, وعمرا. فالجر على اللفظ, والنصب على الموضع. لأن حرف الجر بمنزلة الجزء من الاسم تارة, وبمنزلة الجزء من الفعل تارة, فلذلك يجوز الوجهان. *** قال الشيخ ﵀: فأما قولنا: «فهذه جملة المجرورات, وما عداها فمبني على الكسر, مثل: نزال وتراك وحذام وقطام وبداد وفساق وغدار وفجار. ومثل: هؤلاء وأمس. ومثل: سيبويه وعمرويه ونفطويه, ونحوه من الأسماء المركبة مع الأصوات». فإنما أوردنا هذا الفصل آخر المجرورات ليحكم على حركاتها بأنها حركات بناء, لا حركات إعراب. لأنها كلها مبنيات. وباب «فعال» يأتي على أربعة أقسام. اسماء للفعل كنزال وتراك. وهذا اسم للفعل. وفعله انزل واترك, أتي به للاختصار على ما تقدم من الكلام عليه في صهٍ ومهٍ. وحذام وقطام اسمان علمان مبنيان كبناء أسماء الأفعال. وإنما بنيا - وليس أصلهما فعلًا - لأحد أمرين, احدهما علة أبي العباس أنه كان فيه التعريف والتأنيث, فلما اجتمع إلى ذلك العدل عن حاذمة وقاطمة بني, لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء. والعلة الصحيحة أنه بني لتضمنه معنى الحرف الذي هو تاء التأنيث من

стр. 250

«حاذمة» و «قاطمة». لأن الاسم إذا تضمن معنى الحرف بني. وليس كثرة العلل موجبة للبناء. ألا ترى أن في «أذربيجان» ونحوه التعريف والتأنيث والتركيب والعجمة والألف والنون, فهذه خمس علل ومع هذا فلم يبن. فليس كثرة العلل موجبة للبناء. وبداد وفجار اسمان للمصدر الذي هو البدة والفجرة, كأنه بني المصدر في هذا الوزن كما بني في الأعلام في حذام وقطام, وفي أسماء الأفعال في نزال وتراك, والعلة كالعلة. وأما فساق وغدار فصفة معدولة عن فاسقة وغادرة, تستعمل في النداء, فيقال: يا فساق ويا غدار, كما يقال للمذكر: يا فسق ويا غدر. فهذه أربعة أقسام كلها مبنية لما ذكرنا. وبنيت على حركة لالتقاء الساكنين, الحرف الأخير والألف الذي قبله. وخص بالكسر على أصل التقاء الساكنين.

стр. 251

وقيل: إنما خص بالكسر لأن هذه الألفاظ وضعت للمؤنث. والكسرة من علامات التأنيث فخص بالكسر لذلك. والدليل على أن أسماء الأفعال مؤنثة قول الشاعر: ولأنت أشجع من أسامة إذ ... دعيت نزال ولج في الذعر فأنث فعل «نزال» حين قال «دعيت نزال». و «نزال» اسم ما لم يسم فاعله في موضع رفع. وأما هؤلاء وأمس فقد مضى الكلام عليهما. وكذلك مضى الكلام على عمرويه وسيبويه ونفطويه, ونحوه. وقد ذكرنا أنها أسماء وأصوات. فالاسم «سيب» , والصوت «وبه». والحركة لالتقاء الساكنين: الياء والهاء. والكسر على أصل التقاء الساكنين [وبالله التوفيق].

стр. 252

الفصل السابع: فصل الجزم [٦٢] / قال الشيخ ﵀: «الجزم ما جلبه عامل الجزم. وله علامتان, السكون والحذف. فأما السكون فيكون في الأفعال السالمة, مثل: لم يضرب, ولم يخرج. والحذف يكون في الأفعال المعتلة, وفي الأفعال التي علامة رفعها ثبات النون. مثاله: لم يدع, ولم يرم, ولم يخش, ولم تفعلي يا هند, ولم تفعلا يا هندان, ولم تفعلوا يا هؤلاء». وجملة الأمر أن الجزم شيء يخص الأفعال, كما أن الجر شيء يختص بالأسماء. ولما كان الجر بجار جالب له وجب أن يكون الجزم بجازم جالب له. والجزم هو القطع. والقطع قطعان: قطع حركة, وقطع حرف. فقطع الحركة هو الأصل وهو يكون في الأفعال الصحيحة على ما مثلنا. وقطع الحرف يكون في حروف العلة - وهي الواو والياء والألف - والنون على ما مثل. لأن الجازم لما لم يجد حركة يزيلها أخذ من نفس الفعل. وهو عندهم مشبه بالدواء الداخل على الجسم, إن وجد فضلة أخذها وإلا أخذ من نفس الجسم. وكذلك الجازم لما لم يجد في حروف العلة حركة يأخذها أخذ نفس حرف العلة. فحذف الياء في «لم يرم» ونحوه, والواو في «لم يغز» ونحوه, والألف في «لم يخش» ونحوه. وفعل مثل ذلك فيما [هو] عوض من الضمة, وهي النون في «تفعلان» وأخواته, فأزالها وحذفها كما تحذف الضمة.

стр. 253

فإذا ثبت هذا «ف جملة المجزومات ثلاثة . مجزومات نهي بلا أو أمر باللام مثل: لا تفعل وليفعل فلان. ومجزومات نفي مثل: لم يفعل ولما يفعل» , لأن «لم» و «لما» لنفي الماضي. «ومجزومات شرط, أو مقدر بالشرط, مثل: إن تفعل أفعل, وأخواته» لأن «إن» حرف موضوع للشرط. «ومثل أتفعل أفعل وأخواته». لأن هذه جملة استفهامية نابت عن حرف الشرط, كأنه قال: أتفعل؟ , إن تفعل أفعل. فحذف حرف الشرط وفعله, وأناب منابهما الجملة الاستفهامية. وقد تقدم ذكر هذا. فهذه جملة المجزومات وجملة الأمر أن أحكام الأفعال في الإعراب لا تخلو من أربعة أقسام. القسم الأول منها له ثلاثة أحكام. يضم في الرفع, ويفتح في النصب, ويسكن في الجزم [وذلك كل فعل صحيح اللام] مثل قولك: هو يضرب, ولن يضرب, ولم يضرب. فهذه ثلاثة أحكام في هذا, وفي كل ما آخره حرف صحيح. والقسم الثاني له ثلاثة أحكام [أيضًا]. يسكن في الرفع, ويفتح في النصب, ويحذف [آخره] في الجزم. وذلك كل فعل معتل بالياء أو الواو. مثل: هو يغزو, ويدعو, ويرمي. فهذا رفع مقدر. ولا يقال السكون علامة الرفع, لأن السكون لا يكون رفعًا ولا حركة. وفي النصب: لن يدعو, ولن

стр. 254

يرمي. فهذا نصب مظهر لا مقدر. وفي الجزم: لم يغز, ولم يرم, [ولم يدع]. فهذا جزم, أيضًا مظهر لفظًا لا مقدر, لأنك حذفت الحرف المعتل كما تحذف الحركة. فهذه ثلاثة أحكام. القسم الثالث له حكمان. وهو كل ما آخره ألف في اللفظ, مثل: يخشى ويرضى وما أشبهه. فهذا يسكن في حال الرفع والنصب جميعًا. فتقول في الرفع: هو يخشى ويرضى, الرفع مقدر. وفي النصب: لن يخشى ولن يرضى, النصب مقدر أيضًا, لأن الألف لا تتحرك ولا تتغير. وفي الجزم: لم يخش ولم يرض. فهذا حذف ظاهر. القسم الرابع له حكمان [أيضا]. وهو كل ما كان على تفعلان ويفعلون وتفعلين وأخواتها, تثبت نونه أبدًا في الرفع, وتنحذف في الجزم. والنصب محمول على الجزم. مثال الرفع: هما يفعلان, بإثبات النون. ومثال الجزم: لم يفعلا, بحذف النون. وكذلك مثال النصب: لن تفعلا, بحذف النون أيضا. وإنما يقع الفرق بالعامل. فـ «لن» وأمثالها من حروف النصب يعلم أنه منصوب وبـ «لم» وأمثالها من حروف الجزم يعلم أنه مجزوم. قال رحمها لله: «وما عدا ما ذكرناه فمبني على السكون وموقوف وليس بمجزوم». وإنما ذكرنا هذا للفرق بين السكون الحادث بعامل والسكون الحادث بغير عامل. فلما أن ذكرنا الأول وهو المعرب, أشرنا إلى الثاني وهو المبني, كما فعلنا في المرفوعات والمنصوبات والمجرورات. وقد جاء السكون في الأسماء والأفعال والحروف. فمجيئه في الأسماء مثل: من وكم, ونحوهما من الأسماء

стр. 255

المبنية على السكون. ومجيئه في الأفعال مثل: قم وكل, ونحوهما من الأمر بالفعل الذي ليس فيه حرف مضارعة. ومجيئه في الحروف مثل: من وعن, ونحوهما من الحروف. / وجميع هذا يقال له سكون ووقف, ولا يقال له جزم, [٦٣] للفرق بين المعرب والمبني على ما تقدم. ****

стр. 256

الفصل الثامن: فصل العامل قال الشيخ ﵀: «العامل هو ما عمل في غيره شيئًا من رفع, أو نصب, أو جر, أو جزم, على حسب اختلاف العوامل». وإنما كان كذلك لأن العامل لما وجد مؤثرًا في المعمول عملًا سمي عاملا. كما أن الفاعل لما وجد مؤثرًا في المفعول أثرًا سمي فاعلًا. ألا ترى أنك إذا قلت «قام زيد» , كان «قام» هو الرافع العامل للرفع. وإذا قلت «رأيت زيدًا» , كان «رأيت» هو الناصب العامل للنصب. وإذا قلت: «مررت بزيدٍ» , كانت الباء هي الجارة العاملة للجر. وإذا قلت: «لم يضرب» , كانت «لم» هي الجازمة العاملة للجزم. فلذلك سميت العوامل عوامل. فلا تجد مرفوعًا إلا برافع, ولا منصوبًا إلا بناصب, ولا مجرورًا إلا بجار, ولا مجزومًا إلا بجازم. كما لا يكون محدث إلا بمحدث, ولا مؤثر إلا بمؤثر. فالله تعالى فاعل كل شيء وخالقه تعالى علوًا كبيرًا. فإذا ثبت هذا فجملة العوامل أربعة أشياء. معنى, وفعل, وحرف, واسم. ثلاثة لفظية, وهي الأخيرة. وواحد معنوي وهو الأول. والمعنوي ضربان. أحدهما

стр. 257

عامل الرفع في المبتدأ. والآخر عامل الرفع في الفعل المضارع. فالمبتدأ قولك: زيد قائم, وعبد الله منطلق. فزيد ونحوه مرفوع, لابد له من رافع. وليس في اللفظ ما يرفعه من شيء قبله ولا بعده. فوجب أن يكون العامل معنويًا لا لفظيًا, وذلك المعنوي هو الابتداء, وذلك الابتداء هو الاهتمام, وذلك الاهتمام هو جعلك الشيء أولًا لثانٍ, يكون الثاني حديثًا عن الأول المجرد من العوامل اللفظية. فإذا قلت: زيد قائم, فزيد أول لثان, وذلك الثاني هو خبر عن الأول, وهو «زيد» المجرد عن العوامل اللفظية. فعلى هذا فقس كل مبتدأ. وهذا هو العامل المعنوي. وقد دقت معرفته على قوم من البصريين والكوفيين فعبروا عنه بغير هذه العبارة. فقال أبو العباس المبرد: الرافع للمبتدأ هو التجرد من العوامل. فجعل التجرد هو الرافع. وهذا فيه بعض ما فيه, لأن التجرد من العوامل عدم العوامل, ولا يكون عدم الشيء موجبًا لعمله. وقال الكوفيون إن الرفع للمبتدأ هو الخبر, والرافع للخبر هو المبتدأ. وهذا أيضًا أعجب من الأول, لأنه لا يكون الشيء عاملًا ومعمولًا من جهة واحدة لما فيه من التضاد. والصحيح ما قدمنا ذكره. فاعتمد عليه في كل مبتدأ وخبر إذا طالبت نفسك بمعرفة الرافع تصب إن شاء الله تعالى. وفقك الله للصواب. وجملته أربع صفات. أول لثانٍ محدث به عن الأول, مجرد عن العوامل اللفظية. والعوامل اللفظية أربعة. باب كان وأخواتها. وباب إن وأخواتها. وباب

стр. 258

ظننت وأخواتها. وباب ما [الحجازية]. لأنه متى دخل واحد من هذه ارتفع حكم الابتداء. وصار الحكم والعمل لأحد هذه الأشياء الأربعة اللفظية. فأما الرافع للخبر ففيه أقوال. أصحها أن الابتداء والمبتدأ جميعًا رفعا الخبر, فإذا قلت: زيد قائم, فزيد يرتفع بالابتداء, والابتداء وزيد جميعًا رفعا الخبر. والقول الثاني أن الابتداء وحده رفع المبتدأ والخبر جميعا. والقول الثالث أن الابتداء رفع المبتدأ وحده, والمبتدأ وحده رفع الخبر. والقول الرابع أن كلًا منهما رفع صاحبه. والأصح القولان الأولان. ومثل هذا ما تقوله في الشرط والجزاء من قولك: إن تقم أقم. قال قوم: إن «إن» جزمت فعل الشرط وجواب الشرط جميعًا بنفسها. وقال آخرون: إن «إن» جزمت فعل الشرط, وإن فعل الشرط جزم الجواب. وقال آخرون: إن «إن» وفعل الشرط جميعًا جزما الجواب. فهذه معرفة أحد العاملين المعنويين, وهو عامل المبتدأ. والعامل الآخر المعنوي هو عامل الفعل المستقبل, الذي يعمل الرفع فيه أبدًا ما لم يكن معه ناصب أو جازم. وذلك قولك: هذا رجل يضحك, ورأيت رجلًا يضحك, ومررت برجل يضحك. فيضحك فعل مستقبل مرفوع ليس معه رافع قبله ولا بعده. فوجب أن يكون الرافع معنويًا, وذلك المعنوي هو وقوعه موقع الاسم, وذلك الاسم هو «ضاحك» / إذا قلت: هذا رجل ضاحك, [٦٤] ورأيت رجلًا ضاحكًا, ومررت برجلٍ ضاحكٍ.

стр. 259

وكان ابن درستويه يقول في هذا وأشباهه إنه يرتفع لوقوعه بنفسه موقع الاسم, وينتصب لوقوعه مع غيره موقع الاسم, وينجزم إذا لم يقع بنفسه ولا مع غيره موقع الاسم. وكان الكسائي يقول: الرافع للفعل المستقبل هو حرف المضارعة. وليس هذا بشيء, لأن حرف المضارعة يوجد في الفعل وهو منصوب بالناصب ومجزوم بالجازم. وكان بعض الكوفيين يقول: هو مرفوع لتجرده من الناصب والجازم. وهذا يجعل عدم العامل عاملًا, وهذا ليس بشيء. وقال قوم من الكوفيين إن الرافع هو المضارعة. وهذا ليس بشيء. لأن المضارعة أوجبت له جملة الإعراب, لا إعرابًا مخصوصًا. وإنما اختص بنوع دون نوع بحسب العامل. فهذه أقوال في الرافع للفعل المستقبل. فإن قيل: ما العلة التي لأجلها كان الفعل المستقبل معربًا؟ . قيل: المضارعة للاسم. فإن قيل: فمن أين ضارع الاسم؟ . فقل: بالنقل من العموم إلى الخصوص. فإن قيل: فكيف هذا النقل من العموم إلى الخصوص؟ . فقل: لأنك تقول: «زيد يقوم» فيصلح للزمانين, الحال والاستقبال, وهذا عموم. فإذا أردت إخلاصه للاستقبال أدخلت عليه السين أو سوف, فقلت سيقوم, أو سوف يقوم. كما تقول «رجل, أو غلام» , فيصلح لرجل معروف ولرجل مجهول,

стр. 260

فإذا أردت إخلاصه لمعروف أدخلت الألف واللام للتعريف, فخلصته من الشركة بالحرف, كما خلصت الفعل من الشركة والإبهام بالحرف. فاعرف ذلك. وقد قيل إن المضارعة بين الاسم والفعل إنما هي بدخول لام الابتداء عليه كدخولها على الاسم, فتقول: إن زيدًا ليقوم, كما تقول: إن زيدًا لقائم, ولا تقول: إن زيدًا لقام. وقد قيل إن المضارعة بالجريان على اسم الفاعل في الحركات والسكنات وعدد الحروف. فإذا قلت: زيد يضرب, فهو بزنة ضارب - الذي هو اسم - في عدد حروفه وحركاته وسكناته. بخلاف الماضي الذي هو ضرب. فمن حيث أعمل اسم الفاعل لشبهه بالفعل, كذلك أعرب الفعل المستقبل لشبهه باسم الفاعل المعرب. وكل هذه مشابهات ومضارعات. وبالله التوفيق. فإن قيل: فهل في العوامل عامل معنوي غير هذين الأصلين؟ . فقل: ليس هناك عامل معنوي يعمل رفعًا غير ما ذكرناه, وقد ذكرنا الخلاف فيه, فاعرفه. وبالله التوفيق. *** فصل وأما العوامل اللفظية فثلاثة. الأفعال والحروف والأسماء. فأما الأفعال فكلها عاملة, لأنها إنما وضعت لذلك, لرفع فاعل لابد لها

стр. 261

منه, وتنصب مفعولًا إن اقتضته, على حسب ما يأتي بيانه, [إن شاء الله تعالى]. وجملتها ثمانية أنواع. منها نوع يرفع الاسم وينصب الخبر. وذلك ثلاثة عشر فعلًا مع ما حمل عليها. وهي: كان وأصبح وأمسى وأضحى وظل وبات وصار وما زال وما انفك وما فتيء وما دام وما برح وليس. وإنما كانت هذه عاملة لأنها أفعال, متصرفة بالوجوه الخمسة, كان ويكون وسيكون وكن ولا تكن. فعملت كما تعمل الأفعال الحقيقية. وإنما قدمناها على الأفعال الحقيقية لأنها من العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر. والمبتدأ أول, فكما يجب أن يبتدأ به فكذلك يجب أن يبتدأ بذكر عامله. فإذا قلت: كان زيد قائمًا, فزيد اسم مرفوع بكان ارتفاع المسند إليه, وقائمًا منصوب بكان في موضع الخبر للك الاسم الذي عمل فيه «كان». وقول الناس «اسم كان وخبر كان» اتساع, لأن الفعل لا يخبر عنه, وإنما هو خبر عن الاسم المرفوع بها. والاسم ليس هو اسمًا لها في الحقيقة, وإنما نسب إليها من حيث كان مرتفعًا بها. فهذا مجاز, والحقيقة ما ذكرناه. و«كان» هي أم الأفعال, لأن كل شيء داخل تحت الكون. وإنما أتي بكان لما أريد من الدلالة على الزمان دون الحدث, لأن الحدث مستفاد من خبرها. وإنما قولك: كان زيد قائمًا, بمنزلة قولك: زيد قائم أمس, فهي

стр. 262

[٦٥] مجردة من الحدث دالة على الزمان حسب. ولهذا لم / يستعمل لها مصدر ما دامت [ناقصة] ناصبة للخبر, لا يجوز: كان زيد قائمًا كونًا, لأن خبرها قد أغنى عن مصدرها. فلذلك كانت ناقصة. وإنما يستعمل هذا المصدر في التامة التي بمعنى وقع وحدث, فتقول: كان زيد كونًا, كما تقول: حدث حدوثًا, ووقع وقوعًا. وأخوات كان متواخية على ما رتبت في المقدمة. فأصبح وأمسى أختان, لأنهما لطرفي النهار. وأضحى وظل أختان, لأنهما لصدر النهار. وبات وصار أختان, لاعتلال أعينهما. وما زال وما انفك وما فتئ وما برح وما دام أخوات, للزوم «ما» لها. و «ليس» منفردة لأنها لا تتصرف. وقد ذكرت مع الأفعال التي لا تنصرف وهو فعل مشكل. قال أبو بكر [رحمها لله]: أقمت أربعين سنة أقول إن «ليس» فعل تقليدًا. وكان أبو علي يعتقد فيها الفعلية تارة, والحرفية أخرى. ومذهب سيبويه [﵀] الفعلية للأدلة المعروفة, من اتصال الضمير بها, واستتاره فيها, وتفسيرها للفعل في مثل: أزيدًا لست مثله, فزيدًا منصوب باضمار فعل دل عليه «ليس» , كأنه قال: أخالفت زيدًا لست مثله. فلولا أنها فعل لما فسرت فعلًا.

стр. 263

والذي حمل عليها: جعل وطفق وكرب وأخذ وكاد وعسى. يحكم أبدًا على مواضع أخبار أسماء هذه الأفعال بالنصب وإن لم يكن في لفظه غالبًا. أعني أنك تقول: جعل زيد يتحدث, وطفق يتحدث, وكرب يتحدث, وأخذ يتحدث, وكاد يتحدث. فيتحدث في جميع هذا في موضع نصب, كما كان إذا وقع بعد كان وأخواتها, لأن هذه الأفعال مشبهة بها. لأنها إنما أتي بها لمقاربة الفعل, فإذا دخلت على مبتدأ وخبر لزم خبرها الفعلية كما قال سبحانه (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجن) , أي طفقا خاصفين عليهما من ورق الجنة, إلا أن النصب لا يظهر في الغالب. وإنما قلنا في الغالب احترازًا من مثل: * ... وما كدت آيبا * وأصله وما كدت أؤوب. وكذا: «عسى الغوبر أبؤسا» , أي عسى الغوير

стр. 264

أن يبأس. و«عسى» من بين هذه الأفعال تدخل على خبرها «أن» مثل قوله سبحانه: (فعسى الله أن يأتي بالفتح). و (عسى ربكم أن يرحمكم). وإنما خالفت أخواتها لأن معناها الطمع والترجي, وهذا المعنى يكون فيما يستقبل, و «أن» تصرف الفعل إلى معنى الاستقبال. وليس كذلك معنى «كاد» وأخواتها لأنها بمعنى الحال ومقاربة الفعل فلم يحتج في أخبارها إلى أن. وعليه قولهم: «كاد النعام يطير». فإن رأيت «أن» في أخبار هذه الأفعال فإنما هي مشبهة بعسى. وإذا رأيتها محذوفة من خبر عسى فإن عسى مشبهة بكاد وأخواتها للتقارب الذي بينهما. فمثال مجيء «أن» في «كاد» قول الشاعر: * قد كاد من طول البلى أن يمصحا * ومثال الحذف من «عسى» قول الآخر:

стр. 265

عسى الكرب الذي أمست فيه ... يكون وراءه فرج قريب فهذا وجه مخالفة هذه الأفعال لكان وأخواتها. لأن كان وأخواتها لا تدخل أن في أخبارها, لا يجوز: كان زيد أن يقوم. وكذلك أصبح وباقي أخواتها الثلاثة عشر. لأن هذه الثلاثة عشر تكون أخبارها مفردة, وهو الأصل, فيظهر النصب, مثل: كان زيدٌ قائمًا. وتكون جملة وشرطًا وظرفًا فيكون النصب مقدرًا. فمثال الخبر بالجملة من المبتدأ وخبره: كان زيد وجهه حسن. ومثال الفعل والفاعل: كان زيد يحسن وجهه. ومثال الشرط: كان زيدٌ إن وصيته قبل. ومثال الظرف: كان زيد في الدار, أي مستقرًا في الدار. وجميع ذلك يجوز في كان وأخواتها كيفما تصرفت, مثل كان زيد قائمًا, ويكون قائمًا, وسيكون قائمًا, وكن قائمًا, ولا تكن قائمًا. وكذلك الباقي في الأكثر تتصرف هذا التصرف إلا «ليس». وقد ذكرت. فإن قدر في جميع هذه الأفعال ضمير الشأن والقصة كان الخبر جملة لا مفردًا, مثل: كان زيد قائم, تقديره كان الأمر زيد قائم. فموضع هذه الجملة نصب, ولا عائد فيها, لأنها هي ضمير الشأن والقصة في المعنى فلا تحتاج إلى عائد.

стр. 266

وأكثر ما يستعمل ضمير الشأن [والقصة] عند تفخيم الأخبار وتعظيمها مثل قوله: إذا مت كان الناس صنفان, شامت ... وآخر مثنٍ بالذي كنت أصنع ومثل قوله: هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداء مبذول / فشفاء الداء مبتدأ, ومبذول خبر الابتداء, و «منها» متعلق بمبذول تعلق المعمول, والجملة في موضع نصب خبر اسم ليس المقدر بالشأن والأمر ونحوه. ولأخبار هذه الأفعال أحكام كثيرة. منها أنه يجوز تأخيرها وتوسيطها, وتقديمها إلا ما لزم أوله ما. مثال الأول: أصبح زيد مسرورًا, ومسرورًا أصبح زيد, وأصبح مسرورًا زيد. ومثال ما لا يجوز ما لزم أوله «ما» في مثل ما دام, لا يجوز قولك: قائمًا ما دام زيد, لأن «ما» قد لزمت صدر الكلام, وهي مشبهة بما النافية التي لها صدر الكلام. ومنها أن أخبارها إذا كانت استفهامًا لم تكن إلا مقدمة, مثل: كيف كان زيد, لأن الاستفهام له صدر الكلام, فموضع «كيف» نصب, ولا يجوز:

стр. 267

كان زيد كيف. وكذلك: من كان زيد, وما كان زيد, وأين كان زيد, ونحوه من جميع أسماء الاستفهام. فأما تقديم خبر ليس عليها فلا يجوز, لأنها لا تتصرف. وقد أجاز بعضهم ذلك, وهو ضعيف. ولا خلاف في جواز تقديم خبرها على اسمها مثل: ليس قائمًا زيد, إلا أنه لا يتقدم عليها في نفسها. *** وأما قولنا: «ومنها نوع ثان ينصب المبتدأ والخبر جميعًا, ولا يجوز الاقتصار على أحد المفعولين. وذلك أربعة عشر فعلًا [وهي]: علمت, ورأيت, ووجدت, وظننت, وحسبت, وخلت, وزعمت, ونبئت, وأنبئت, وأريت, وأعلمت, وحدثت, وأخبرت, وخبرت. كل هذه إذا وقعت أولًا وليس بعدها حرف استفهام, ولا لام ابتداء, ولا شيء يمنع من العمل في اللفظ, فإنها تنصب الاسمين, هي وما تصرف منها, نحو: علمت زيدًا قائمًا. وإن وقعت وسطًا بين الاسمين جاز وجهان, الإعمال والإلغاء, والإعمال أجود. تقول: زيدًا علمت قائمًا, وزيد علمت قائم. وإن وقعت أخيرًا جاز أيضًا وجهان, أجودهما الإلغاء. تقول: زيد قائم علمت, وزيدًا قائمًا علمت. وكذلك الباقي.

стр. 268

وكل ما جاز أن يقع خبرًا لكان وأخواتها من مفرد وجملة وشرط وظرف جاز أن يقع مفعولًا ثانيًا لهذه الأفعال. وكلها لا يجوز الاقتصار فيها على أحد المفعولين, ويجوز تركهما جميعًا, ولا يجوز ترك أحدهما. قال الشيخ: وجملة الأمر أن هذه الأربعة عشر فعلًا متواخية. ثلاثة للعلم, وهي: علمت ورأيت ووجدت. وثلاثة للشك, وهي: ظننت وحسبت وخلت. وواحد متردد بينهما, وهو زعمت. والسبعة الباقية مبنية لما لم يسم فاعله, لأنها كانت متعدية إلى ثلاثة لما كانت مبنية للفاعل من نحو: نبأت وأنبأت, فلما نقلت إلى ما لم يسم فاعله صار المفعول الأول فاعلًا, فبقي المفعولان الباقيان على أصلهما منصوبين. وإذا كان كذلك, فكل هذه الأفعال إذا وقعت أولًا وليس بعدها حرف استفهام, ولا لام ابتداء, فإنها تنصب الاسمين جميعًا هي وما تصرف منها, مثل: علمت زيدًا قائمًا. وإنما نصبتهما لأنه ليس بعد الفعل والفاعل إلا المفعول المنصوب, وهي تقتضي مفعولين فتنصبهما إذا لم يمنعها من ذلك مانع [من ألف استفهام أو لام ابتداء]. فإن دخل عليها مانع من حرف استفهام أو لام ابتداء بطل عملها لفظًا وثبت تقديرًا. مثاله مع الاستفهام: قد علمت أزيد قائم. ولا يجوز: قد علمت أزيدًا قائمًا, لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ومثال لام الابتداء: قد علمت لزيد قائم. ولا يجوز: قد علمت لزيدًا قائمًا, لأن لام الابتداء لا يعمل فيها ما قبلها. وكذلك لو دخل عليها ضمير الشأن والقصة ارتفعت الجملة, فقلت: قد علمته زيد قائم. ولا يجوز: قد علمته زيدًا قائمًا, والهاء هاء الشأن. لأن ضمير الشأن والقصة لا يفسر إلا بجملة. فإن جعلت الهاء ضمير مصدر أو ضمير زمان أو مكان فلا إشكال في نصب

стр. 269

الجملة. كأنك قلت: قد علمت علمًا زيدًا قائمًا. وكذلك بقية هذه الأفعال حكمها هذا الحكم. فإن توسطت هذه الأفعال كلها بين هذين الاسمين كنت مخيرًا بين نصبهما ورفعهما. ونصبهما أجود لقرب الفعل من رتبته. مثال نصبهما: زيدًا علمت قائمًا. فزيد مفعول أول, وقائم مفعول ثان, وعلمت عمل فيهما. ومثال رفعهما: زيد علمت قائم. فزيد مبتدأ, وقائم الخبر, وعلمت ملغي. وإنما ألغي لأنه جعل في تأويل الظرف, كأنه قال: زيد في علمي قائم. وكذلك إذا قلت: زيد ظننت منطلق, أي زيد في ظني منطلق. فكما أن الظرف هنا لا يعمل / شيئًا فكذلك الجملة الواقعة موقعه في هذا, وفي [٦٧] جميع هذه الأفعال. فإن وقعت هذه الأفعال كلها أخيرًا جاز أيضًا وجهان, أجودهما الإلغاء لبعد الفعل عن رتبته. مثال الإلغاء: زيد منطلق علمت, أي زيد منطلق في علمي. ومثال الأعمال: زيدًا منطلقًا علمت. وكذلك الباقي. ولما كان أصل هذين المفعولين من المبتدأ والخبر لم يجز حذف أحدهما والاقتصار على الآخر. كما لا يجوز الاقتصار على المبتدأ دون الآخر, ولا على الخبر دون المبتدأ, كذلك لا يجوز في علمت زيدًا منطلقًا «علمت زيدًا» , ولا «علمت منطلقًا» وأنت تريد علم القلب. فإن أردت علم المعرفة جاز, لأن علم المعرفة يتعدي إلى مفعول واحد, قال الله سبحانه (لا تعلمونهم الله يعلمهم) أي لا تعرفونهم الله يعرفهم. وكذلك الظن إن كان بمعنى الشك تعدى إلى مفعولين, ولم يجز الاقتصار على أحدهما كفعل العلم, لأن الظن تغليب القلب على أحد مجوزين ظاهري

стр. 270

التجويز, فكان حكمه كحكمه في التعدي. وإن كان بمعنى التهمة تعدى إلى [مفعول] واحد, تقول: ظننت زيدًا, بمعنى اتهمت زيدًا. وعلى هذا قوله سبحانه (وما هو على الغيب بظنين) , فيمن قرأ بالظاء, أي بمتهم, فعيل بمعنى مفعول. وفيه ضمير مستتر قام مقام ما لم يسم فاعله. ومن قرأ بالضاد فظاهره ومعناه سواء, لأن معناه «ببخيل». ولا يصح أن يكون بمعنى مفعول كقراءة من قرأ بالظاء, لأن فعله لا يتعدى بنفسه, تقول: ضننت بالشيء, إذا بخلت به. فاعرفه [والله أعلم]. وكذلك «رأيت» إن كانت من رؤية القلب تعدت إلى اثنين, وإن كانت من رؤية العين تعدت إلى واحد. فمن الأول قوله سبحانه (إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا). ومن الثاني قوله [تعالى]: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون). فينظرون في موضع الحال. وكذلك ما جاء من هذه الأفعال يحتمل معنيين وفيت كل معنى ما يستحقه ولما كانت هذه الأفعال كلها داخلة على المبتدأ والخبر جاز أن يكون المفعول

стр. 271

الثاني مفردًا وجملة وظرفًا, كما يكون خبر المبتدأ مفردًا وجملة وظرفًا. فإذا كان مفردًا كان الإعراب ظاهرًا. وإذا كان جملة وظرفًا كان الإعراب مقدرًا مثال المفرد: ظننت زيدًا قائمًا. ومثال الجملة من المبتدأ والخبر: ظننت زيدًا أبوه عالم. فأبوه مبتدأ, وعالم خبره والجملة في موضع نصب مفعولًا ثانيًا لظننت. وكذلك الجملة من الفعل والفاعل, مثل: ظننت زيدًا يعلم. وكذلك الجملة من الشرط والجزاء, مثل: ظننت زيدًا إن يعلم يتقدم. ومثال الظروف: ظننت زيدًا عندك, أو: في دارك. فهذا الظرف وشبهه يتعلق باستقرار محذوف على ما أصلنا. وكذلك الحكم في باقي هذه الأفعال. ومتى أدخلت «أن» على هذه الأفعال فتحتها وسدت مسد المفعولين, مثل: ظننت أن عمرًا قائم, وعلمت أن زيدًا قائم. فإن أدخلت اللام في الخبر كسرت «إن» فقلت: علمت إن زيدًا لقائم. لأن لام الابتداء لو كانت أولًا لمنعت الفعل أن يعمل فيما بعدها. وكذلك إذا دخلت في خبر إن منعت الفعل من أن يعمل في إن وعلقته عن العمل إلا في التقدير. فإن أدخلت «ان» في المفعول الثاني نظرت, فإن كان المفعول الأول عينًا كسرت «ان» , وإن كان معنى فتحت «ان». فمثال العين: ظننت زيدًا إنه قائم. ومثال المعنى: ظننت أمر زيد أنه قائم. لأن المفتوحة منسبكة انسباك المصدر, والمعنى ظننت أمر زيدٍ قيامًا, فلو فتحتها مع العين لفسد المعنى.

стр. 272

فإن أدخلت اللام كسرت مع العين وغير العين. فاعرف ذلك. *** [ثم قال الشيخ: ] وأما قولنا: «ومنها نوع ثالث يتعدى إلى اثنين أيضًا فينصبهما. ويجوز الاقتصار على أحدهما. وهو كل ما ما كان المفعول الثاني فيه غير الأول, مثل أعطيت زيدًا درهمًا, وكسوت خالدًا ثوبًا, وآتيت عمرًا مالًا, وأوليته خيرًا. ويلحق بهذا استغفرت الله ذنبًا, واخترت الرجال زيدًا. ولا تلغى هذه الأفعال عن العمل تقدمت معمولاتها أو توسطت أو تأخرت». قال الشيخ ﵀: فإن جملة الأمر أن هذا النوع لا يخلو من ثلاثة أقسام. إما أن يكون في أصله متعديًا إلى اثنين, مثل: كسوت زيدًا جبة. أو يكون في أصله متعديًا إلى واحد ثم دخلت الهمزة فعدته إلى آخر, مثل: أعطيت زيدًا [٦٨] درهمًا, أصله من عطوت زيدًا, يقال عطوت / إذا تناولت, وعطوته, إذا ناولته, ثم أدخلت الهمزة فعديته إلى مفعول آخر على حد ضربت زيدًا, وأضربت زيدًا عمرًا, أي جعلته يضربه. وكذلك أعطيت زيدًا درهمًا, زيد معطى, وهو آخذ للدرهم. ومنها ما يتعدى إلى واحد وإلى آخر بحرف جر, ثم اتسع في حرف الجر بالحذف فتسلط الفعل على ذلك المفعول فنصبه, مثل: استغفرت الله ذنبًا, واخترت الرجال عمرًا, أي من الرجال, ومن ذنب. قال الله تعالى (واختار موسى قومه سبعين رجلًا). وقال الشاعر:

стр. 273

استغفر الله ذنبًا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل وقال الآخر: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب أي أمرتك بالخير. وأما قول الشاعر: أستغفر الله غفار الذنوب لما ... قدمت من عمل لم يرضه الله فإن المفعول الثاني «من عمل» في موضع نصب متعلق باستغفر تعلق المفعول به. وإن جعلت «من» متعلقة بقدمت لا باستغفر كان «لما قدمت» في موضع المفعول الثاني. فإذا كان كذلك فكل هذه الأقسام تتساوى في عمل الفعل في المفعولين. وإذا تساوت في العمل فيهما فإنها تعمل فيهما على كل وجه, متقدمة عليهما, أو متوسطة بينهما, أو متأخرة عنهما. مثل الأول: أعطيت زيدًا درهمًا. ومثال الثاني: زيدًا أعطيت درهمًا. ومثال الثالث: زيدًا درهمًا أعطيت. وإنما لم يجز الإلغاء في هذا كله كما جاز فيما تقدم لأنه ليس يبقى بعد الإلغاء كلام تام, لأن زيدًا ليس بالدرهم, ولا الدرهم بزيدٍ. وإنما تلغى إذا بقي ماله معنى, وليس

стр. 274

لهذا معنى, [فلذلك لم يجز]. ومن ها هنا ساغ الاقتصار على أحد المفعولين. أما على الأول فتقول: أعطيت زيدًا, وأما على الثاني فتقول: أعطيت درهمًا, لأنه لما لم يلزم الجمع بينهما قبل دخول العامل عليهما لم يلزم الجمع بينهما بعد دخول العامل عليهما لزوم ما أصله المبتدأ والخبر. وقد يجوز حذفهما جميعًا, فتقول: أعطيت. فمتى حذفتهما جميعًا فهو غاية في الإبهام. ومتى ذكرتهما جميعًا فهو غاية في البيان. ومتى اقتصرت على أحدهما فهو توسط في البيان. وذلك كله بحسب ما تدل عليه القرائن. وفي كتاب الله سبحانه (إنا أعطيناك الكوثر) , فالمفعولان مذكوران. وفيه (وآتينا داود زبورا) , فالمفعولان أيضا مذكوران. وفيه (وارزقوهم فيها واكسوهم). فاحد مفعولي الكسوة والرزق محذوف, أي اكسوهم مما تلبسون وارزقوهم مما تتناولون. وفيه (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا) فأحد المفعولين محذوف تقديره استغفروه ذنوبكم. وفيه (واستغفره إنه كان توابًا) , على هذا الحكم أيضًا. فأما قوله تعالى (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا) , فيؤت ههنا فيه ذكر مفعوليه جميعًا, لأن المفعول الأول كان منصوبًا ولكنه قام مقام الفاعل

стр. 275

فارتفع واستتر, والأصل: ومن آتاه الله الحكمة فقد آتاه خيرًا كثيرًا. فاعرف ذلك وقس عليه [النظير] فإنه باب كثير المقال. *** [ثم قال الشيخ]: «ومنها نوع رابع, يتعدى إلى ثلاثة [مفعولين] فينصبهما, وهي سبعة أفعال: أعلم, وأرى, ونبأ, وأنبأ, وأخبر, وخبر, وحدث. تقول: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا, وكذلك الباقي. وهي عاملة أبدًا تقدمت مفعولاتها أو توسطت أو تأخرت. ويقع موقع المفعول الثالث كل ما جاز أن يقع موقع المفعول الثاني من مفعولي «ظننت وأخواتها» , مثل أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا, وأعلمت زيدًا عمرًا قام أبوه, وأعلمت زيدًا عمرًا أبوه قائم, وأعلمت زيدًا عمرًا في الدار. وكذلك الباقي». قال الشيخ ﵀: وجملة الأمر أن هذه السبعة أصلها مما يتعدى إلى اثنين. فلما دخلت الهمزة في أعلم وأنبأ وأرى وأخبر والتضعيف في نبأ وخبر وحدث عدته إلى آخر فصار يتعدى إلى ثلاثة, ولما تعدى إلى ثلاثة لم يجز أن تلغى هذه الأفعال عن العمل, لأنه لو ألغيت عن العمل في حال توسطها أو تأخرها لبقيت الأسماء لا معنى لذكرها, ولا فائدة في اجتماعها. ألا ترى أنك لو قلت / [٦٩] «زيد عمرو قائم» لم يكن كلامًا, لأن الأول ليس بالثاني, ولا الثاني بالأول.

стр. 276

وشرط الفعل الملغي عن العمل أن يكون للأسماء بعد إلغائه معنى يتحصل, وهذا معدوم [ههنا] , فلذلك وجب إعمال هذه الأفعال على كل حال تقدمت أو توسطت أو تأخرت. فأما المفعولان الأخيران فعلى أحكام المفعولين الأولين في باب «ظننت» , لأنهما اللذان كانا مفعولين لباب «علمت» , ولا يجوز الاقتصار على الثالث دون الثاني, ولا على الثاني دون الثالث. فأما الأول ففيه خلاف, فمن الناس من يجيز الاقتصار عليه ويحذف المفعولين جميعًا كما جاز حذفهما جميعًا في باب «علمت». ومن الناس من لا يجيز الاقتصار عليه ويوجب الإتيان بالمفعولين الباقيين معه, وهو المذهب [الصحيح]. وعليه قولهم: أعلم الله النبي الصلاة خمسًا, فأعلم يقتضي معلما ومعلما وشيئًا أعلم. فالفائدة متعلقة بالجملة الثانية. فلذلك كان الأجود الإتيان بالمفعولات الثلاثة. فإما «أن» فلا تدخل في هذا الباب على المفعول الأول, لا يجوز أعلمت أن زيدًا عمرو قائم, لأنها لا تسد مسد الثلاثة المفعولات, ولأن الأسماء التي في خبره غير مؤتلفة المعنى, ألا ترى أن خبر «أن» هو اسمها في المعنى. فإذا لم يجز أن تدخل على المفعول الأول جاز أن تدخل على المفعول الثاني. وإذا

стр. 277

دخلت كانت مفتوحة كقولك: أعلمت زيدًا أن عمرًا قائم, فسدت باسمها وخبرها مسد المفعولين الباقيين. فإن دخلت على المفعول الثالث كانت مكسورة مثل: أعلمت زيدًا عمرًا إنه قائم, كما كانت في باب «علمت». لأنه موضع يقع فيه المفرد والجملة. والكلام في باقي هذه الأفعال كالكلام في «أعلمت» لاشتراك الكل في التعدي إلى ثلاثة مفعولين. ويجوز أن تعديها إلى مصادرها المخصوصة بها مثل: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا إعلامًا, فلا خلاف أن «إعلامًا» مصدر منصوب بأعلم. فإن قلت: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا علمًا. ففيه خلاف. منهم من يقول انتصابه باضمار فعل آخر كأنه قال: فعلم علمًا, لأن العلم مصدر لفعل ثلاثي, والإعلام مصدر لفعل رباعي, فلم يجر مجراه. ومنهم من يقول: تجريه في النصب مجراه وتجعله مصدرًا قد حذفت زوائده, كما قال الشاعر: [أكفرًا بعد رد الموت عني] ... وبعد عطائك المائة الرتاعا أي بعد إعطائك. *** [ثم قال الشيخ ﵀] وأما قولنا: «ومنها نوع خامس يتعدى إلى مفعول واحد فينصبه, وهي أفعال الحواس الخمس وما جرى مجراها, مثل: أبصرت زيدًا, وشممت الريحان. وذقت الطعام, ولمست الثوب, وسمعت القراءة, ولا تلغى [هذه الأفعال] عن العمل تقدم معمولها أو تأخر». فجملة الأمر أن هذا النوع الخامس المتعدي إلى واحد إنما تعدى إلى واحد

стр. 278

لأن معناه لا يقتضي إلا واحدًا. ألا ترى أن الإبصار يقتضي مبصرًا, والشم يقتضي مشمومًا, والذوق يقتضي مذوقًا, واللمس يقتضي ملموسًا, والسمع يقتضي مسموعًا. ولما اقتضى مسموعًا لم يجز أن يقال سمعت زيدًا, لأن زيدًا ليس مما يسمع فتحتاج أن تقول: سمعت قراءة زيدٍ, لأن القراءة مسموعة. فإن قيل: فإن الله تعالى يقول: (هل يسمعونكم إذ تدعون) , فقد عداه إلى الكاف والميم التي هي للمخاطبين, وليسوا بمسموعين. قيل: فيه وجهان, أحدهما أنه على حذف مضاف, كأنه قال: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعون, فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والوجه الثاني: أن الظرف من قوله «إذ تدعون» لما كان مضافًا إلى «تدعون» كان فيه ما يسد ذلك المسد من المفعول المسموع. وأما قوله سبحانه (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم). فلا إشكال فيه, لأن مفعول «لا يسمعوا» هو «دعاءكم» , ومفعول «لو سمعوا» محذوف, أي: ولو سمعوا دعاءكم ما استجابوا لكم. لأن هذه الأفعال كلها تتعدى إلى مفعول واحد ويجوز أن يحذف ذلك المفعول اختصارًا, وخاصة إذا دل الدليل عليه. وهذه الأفعال مع جوار حذف مفعولاتها لا يجوز إلغاؤها عن العمل لأنه لا يستقل بالمفرد كلام. ولو قلت: الطعام ذقت, على طريق الإلغاء لم يجز حتى تبرز/ الضمير فتقول «ذقته». فإن جعلته خبر الابتداء وقدرت الهاء فقلت: [٧٠] الطعام ذقت, فما ألغيت [ذقت] لأنك قد أعملته في ضمير الطعام. فإن

стр. 279

قلت الطعام ذيق, فليس هناك مفعول منصوب, إنما هناك ضمير مفعول قام مقام الفاعل, مرفوع, كأنك قلت: «الطعام ذيق هو» , بمنزلة الطعام مذوق. ولو أتيت باسم الفاعل عوض «ذقت» خبرًا عن «الطعام» لم يجز أن تقول: الطعام ذائقه, حتى تبرز الضمير فتقول: الطعام ذائقه أنا, لأن اسم الفاعل قد جرى على غير من هو له فصار خبرًا عن الطعام, والفعل للمتكلم فوجب إبراز الضمير, وأن تقول: الطعام ذائقه أنا. وكذلك بقية [هذه] المسائل إذا رتبتها هذا الترتيب كان حكمها هذا الحكم, مثل: زيد أبصرته, وزيد مبصره أنا, [وزيد أبصر] , وزيد مبصر. والريحان شممته, والريحان شامه أنا, والريحان شم, لمالم يسم فاعله, والريحان مشموم. والثوب لمسته, والثوب لامسه أنا, والثوب ملموس, والثوب لمس. والقراءة سمعتها, والقراءة سامعها أنا, والقراءة مسموعة, والقراءة سمعت. فاعرفه. وكل ما يأتي من معاني هذه الأفعال [التي] للحواس الخمس يجري مجراها إذا كان في معناها. *** فأما قولنا: «ومنها نوع سادس يتعدى بواسطة من حرف جر أو غيره,

стр. 280

مثل: مررت بزيد, ونزلت على عمرو. فهذا مفعول مجرور في لفظه, منصوب في تقديره. يدلك على ذلك أنه يجوز أن تعطف عليه بالمنصوب والمجرور فتقول: مررت بزيد وعمرو وعمرًا. ويلحق بهذا ما يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف جر, مثل: شكرت زيدًا, وشكرت له. وكلته, وكلت له. ووزنته, ووزنت له. ورجعته ورجعت إليه». قال الشيخ ﵀: وجملة الأمر أن الفعل يتعدى تارة بنفسه, وتارة بغيره, بحسب قوته وضعفه ودلالة وضعه. فالمتعدي بنفسه قد تقدم ذكره. والذي يتعدى بواسطة, فجملة الوسائط ثلاث. واسطة مقدمة في أول الفعل كالهمزة من قولك: قام زيد, وأقمت زيدًا, وخرج عمرو, وأخرجته. وواسطة في وسط [الفعل] , وهو التضعيف, مثل فرح زيد, وفرحته أنا, وحزن زيد, وحزنته. وواسطة من بعده كحروف الجر. نحو مررت بزيد, ونزلت على عمرو. كل واحد من هذه يعدي الفعل, إلا أن تعديته بحرف جر تعدية إضافة, فلذلك كان مجرورًا. وتعديته بالهمزة أو التضعيف تعدية بنية, فلذلك كان كان المعمول منصوبًا. ولذلك لا يجوز أن تجمع بين الهمزة وحرف الجر, لا يجوز: أمررت بزيد, ولا: أنزلت على عمرو, إلا أن تأتي بكلام يقتضيه فتقول: أمررت فلانًا بزيدٍ, وأنزلت فلانًا على عمرو. فإن حذفت ذلك وأنت تريده لم يمتنع. وكذلك إذا حذفت الجار والمجرور, وبقيت المنصوب لم يمتنع, فقلت: أمررت زيدًا. فأما الجمع بين الهمزة والتضعيف فلا يجوز بحال لأن الهمزة تقتضي وزن «أفعل» , والتضعيف يقتضي وزن «فعل» فلا يجتمعان لاختلاف البناءين: فقد ظهر لك بهذا أن الجار والمجرور في «مررت بزيد» في موضع نصب

стр. 281

لأنه في مقابلة «أمررت زيدًا» , أي جعلته يمر بغيره. وإذا كان في مقابلته فقد صارت حروف الجر بمنزلة الجزء من الاسم تارة بحكم الإضافة, وبمنزلة الجزء من الفعل تارة بحكم النصب مع الهمزة. فلذلك جاز الجر والنصب في قولك: مررت بزيدٍ وعمروٍ, وعمرًا. فإن بنيت الفعل لما لم يسم فاعله قلت: مر بزيد وعمرو, وإن شئت نصبت فقلت: مر بزيد وعمرًا, لأن المرفوع في بناء ما لم يسم فاعله منصوب في المعنى إذ كان أصله أن يكون مفعولًا. ومثله: نزلت على عمرو وخالدٍ وخالدًا, ونزل على عمروٍ وخالدٍ وخالدًا. فأما الفعل الملحق بهذا وهو شكرت زيدًا وشكرت له فموقوف على السماع وفيه مذهبان. من الناس من يقول إن الأصل الجر, ثم حذف الجار فتعدى الفعل فنصب. ومنهم من يقول: هما لغتان بمعنى واحد, لغة قوم يعدون هذا الفعل بواسطة, ولغة لآخرين يعدونه بنفسه. وفي كتاب الله تعالى الأمران. [قال الله تعالى]: (أن اشكر لي ولوالديك) , وقال في موضع آخر: (واشكروا لي ولا تكفرون) , وقال تعالى: (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) , أي كالوا لهم, ووزنوا لهم. فأما قوله [ ]: (فأوف لنا الكيل) , فلا يصح أن يكون «لنا» متعلقًا بالكيل, على حد «كل لنا» لأن الكيل مصدر, والمصدر لا يتقدم عليه ما كان في صلته. وإنما «لنا» متعلق بأوف تعلق المفعول به, أو تعلق الصفة بموصوف محذوف, أي: أوف إيفاءً لنا, أو تعلق الأحوال,

стр. 282

أي: متممًا لنا. أو تكون اللام زائدة على حد (ردف لكم). فاعرف ذلك. وأما قولنا: «ومنها نوع سابع يبنى لما لم يسم فاعله, وهو ما كان من صحيح الأفعال أوله مضمومًا, وما قبل آخره مكسورًا مع الماضي ومفتوحًا مع المستقبل, مثل: قد علم زيد قائمًا, وأعطي زيد درهمًا, وأعلم زيد عمرًا قائمًا, وأبصر زيد, ونزل على عمرو». [قال الشيخ ﵀]: لجملة الأمر أن الأصل في هذا الباب أن يكون مبنيًا للفاعل لأنه البيان التام, وإنما يعدل عنه إلى هذا الباب لأحد خمسة أشياء. إما للمخافة من ذكر الفاعل, وإما لجلالته, وإما لخساسته, وإما للجهالة به, وإما للاختصار والإيجاز. فالمخافة من مثل قولك: قتل فلان, فلا تذكر قاتله مخافة أن تؤخذ عليك بذلك شهادة أو لطخة أو غير ذلك. والجلالة من مثل قولك: قتل الجليل, وقاتله خسيس. أو قتل الخسيس, وقاتله جليل. أو قتل فلان, وأنت غير عارف بمن قتله. أو لا يكون قصدك شيئًا من ذلك كله وإنما هو اختصار, كما تقول: قيل كذا وكذا, وأنت تعلم قائله. وهذا الاختصار يشتمل على ثلاثة أشياء. حذف الفاعل, وإقامة المفعول مقامه, ونقل الفاعل من صيغة إلى صيغة. فلما حذفت الفاعل وأقمت المفعول مقامه فقد وجب أن تكون مفعولات هذا الباب أنقص رتبة مما يتعدى إليه الفعل المتعدي, لأنه قد قام المفعول مقام الفاعل. فيصير باب «ضرب» المتعدى في باب «ضرب» غير متعد. ويصير باب «أعطيت» يتعدى إلى مفعول واحد, وباب «أعلمت» يتعدى إلى اثنين. وباب ما لا يتعدى لا يجوز دخوله في هذا الباب من نحو «قام» و «قعد» لأنه لم يبق معه ما يقوم مقام الفاعل. فإن عديته

стр. 283

بحرف جر جاز. وقد ذكر. وصيغة هذا الفعل, لا يخلو من أن يكون ثلاثيًا, أو زائدًا على الثلاثي. فإن كان ثلاثيًا صحيحًا ضم أوله وكسر ما قبل آخره, مثل: ضرب. وإن زاد على الثلاثة - من رباعي أو خماسي بزيادة, أو سداسي بزيادة - ضم الأول وكسر ما قبل الآخر, مثل: أعطي, وانطلق به, واستخرج المال. وهكذا الفعل إذا كان مضاعفًا إلا أن الكسرة تزول لأجل الإدغام, مثل: قد شد ومد, وقد كان أصله شدد ومدد. وقد اشتد عليه, أصله: اشتدد [عليه]. وإذا كان معتلًا لم يخل الاعتلال أن يكون من أوله أو من وسطه أو من آخره. فإن كان من أوله مثل: وعد ووزن, جاز فيه وجهان: وعد وأعد, ووزن وأزن. وقد قرئ بالأمرين جميعًا (وإذا الرسل أقتت) و (وقتت). فحجة من قرأ بالواو تمسكه بالأصل, وحجة من همز استثقال الضمة على الواو فقلبها همزة. والمعتل العين مثل قال وباع, ونحو شاء وجاء وخاف وطاب وغاض, فهذا في بنات الواو منه ثلاثة أعمال, حذف الضمة من أوله, ونقل الكسرة من عينه إلى فائه, وقلب الواو ياء لانكسار ما قبلها. وذلك قولك: قيل, وسيء. أصله قول, حذفت الضمة من القاف, ونقلت إليها كسرة الواو, ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها, فصار قيل. وفي هذه الحركة ثلاث لغات. إخلاص الكسرة كقراءة الجماعة. وأما الكسائي ومن تابعه فإنهم يشمون الكسرة صوت الضمة

стр. 284

حرصًا على البيان. واللغة الثالثة إخلاص الضم, وهو أن يقول القائل: قول القول, وبوع المتاع, وأنشد ابن الأعرابي: ليت وما ينفع ليت ليت ... ليت زمانًا بوع فاشتريت [ويروي: ليت وما بنفع نفسًا ليت ... ليت شبابًا بوع فاشتريت] وهذا ترجع فيه الياء من «قيل» إلى أصلها, وترجع الياء من «بيع» إلى غير أصلها. فإن قيل: فهل الضم فيمن أشم مدخل على الكسر أم الكسر مدخل على الضم؟ قيل: الضم مدخل على الكسر, لأن الضم الأصل وقد ذهب بالجملة وخلفته الكسرة حتى صار بوزن فيل وديك / ونحوه من الأسماء, وبطل حكم الضم. فمن أشم فإنما أشم الكسرة الضم الذي كان حذف ليدل على بيان الأصل الذي كان قبل دخول الكسرة.

стр. 285

وإن كان الفعل معتل اللام مثل: دعا وغزا, فليس فيه إذا بني لما لم يسم فاعله إلا قلب الألف ياء لانكسار ما قبلها, فتقول: دعي وغزي, [وكان أصله دعو وغزو] ولكنها انقلبت ياء لانكسار ما قبلها, فكان فيه عملان, إعادة الألف إلى الواو, ثم قلب الواو ياء. ولو كان من ذوات الياء مثل: رمى وجرى لكان فيه عمل واحد, وهو إعادة الألف إلى الياء لانكسار ما قبلها. فهذا كلام في تغيير أفعال هذا الباب. وكل ما كان منه مضاعفًا فإنه يبقى حاله مضاعفًا, مثل: قد شد الثوب, ومد الحبل. أصله مدد وشدد, ولكنه سكن فأدغم لاجتماع المثلين. وجملة الأشياء التي تقوم مقام الفاعل عند عدم المفعول أربعة. المفعول بحرف جر, والظرف المتمكن من الزمان, والظرف المتمكن من المكان, والمصدر المخصص. مثال المفعول بحرف الجر: سير بزيد, وحير على عمرو, ووشيء به. الجار والمجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل, ولذلك لا يجوز تقديمه على الفعل, لا تقول: بزيد سير, وأنت قد أقمته مقام الفاعل لأن الفاعل لا يتقدم على فعله. فإن قلت: بزيد سير السير, جاز تقديمه لأنه هنا في موضع نصب. وإذا كان في موضع نصب كان مفعولًا والمفعول يجوز تقديمه. ومثال الظرف المتمكن من الزمان: سير يومان, وليلتان, وشهران, وسنتان. وما أشبه ذلك. ومثال الظرف المتمكن من المكان سير فرسخان, وبريدان, وميلان ونحوه
следующие страницы →