Полный текст (380 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
«والكسرة تكون في جمع المؤنث السالم». مثل رأيت الهندات, وأكرمت الزينبات. علامة النصب كسرة التاء, وهي محمولة على حركة الجر, وهي فرع, على ما قلناه. ولا تزول هذه التاء في إضافة ولا غيرها.
«وحذف النون يكون في تثنية فاعل الفعل وجمعه والواحدة المؤنثة». مثل: لن تفعلا, ولن تفعلوا, ولن تفعلي. علامة النصب حذف النون. وكذلك إذا دخلت المضمرات التي هي مفعولات, مثل: لن يضرباك, ولن يضربوك, ولن يضرباه, ولن يضربوه, ولن تضربيه. كله منصوب, وعلامة نصبه حذف النون. فإن كان المفعول ضمير المتكلم دخلت نون الوقاية. فقلت: لن تضرباني, ولن تضربوني, ولن تضربيني. علامة النصب حذف النون الأولى. أصله «تضربيني» , فالأولى علامة الرفع ذهبت لأجل الناصب, والثانية نون الوقاية التي تقع عليها كسرة الياء. ولا يجوز حذف هذه النون بغير ناصب, لو قلت: أنت تضربينني, لم يجز. وكذا: هما يضرباني, لأنك حذفت النون التي هي علامة الرفع, ولا يجوز حذف علامة الرفع بغير عامل. فأما قراءة من قرأ: (أتحاجوني) , بتخفيف النون, فإن المحذوف هي النون الثانية. ولا يجوز أن تكون المحذوفة [هي النون] الأولى, لأن [النون] الأولى
стр. 212
علامة الرفع لا تزول إلا بعامل, أو ما يوجب زوالها.
***
وأما قولنا: «وجملة المنصوبات التي تكون فيها إحدى هذه العلامات المذكورة أحد عشر». فإنه لما حصر فيما تقدم علامات الرفع والمرفوعات حصر في هذا الفصل أيضًا علامات النصب والمنصوبات. فعلامات النصب خمس, وقد ذكرت, والمنصوبات في أنفسها أحد عشر:
«المفعول المطلق, والمفعول به, والمفعول فيه, والمفعول له, والمفعول معه, والحال, والتمييز, والاستثناء, وخبر كان وأخواتها, واسم إن وأخواتها والفعل المستقبل إذا كان معه ناصب. فالخمسة الأول هي الحقيقية, والستة التي بعدها مشبهة بالمفعول الحقيقي».
[وإنما كانت الأول حقيقية] لأن في الفعل على كل واحد منها دلالةً قوية, فهي تدل على المفعول المطلق بلفظه, مثل: ضربت ضربًا. وعلى المفعول به بمعناه واقتضائه له, مثل: ضربت زيدًا. وعلى المفعول فيه - وهو ظرف الزمان والمكان - بمحله, إذ لا يفعل فعل إلا في زمان أو مكان مثل: فعلت كذا وكذا في وقت كذا وكذا في مكان كذا وكذا. وتدل على المفعول له بعلته إذ لا يفعل الفاعل فعلًا إلا لعلة - ما لم يكن ساهيًا أو مجنونًا -, مثل: جئتك ابتغاء الخير, ونحوه. والمفعول معه يدل على ما يصاحبه بحكم القرينة والصحبة, مثل:
стр. 213
استوى الماء والخشبة. فلما كانت هذه الخمسة يدل عليها الفعل دلالة قوية كانت هي المفعولة الحقيقة, والستة التي بعدها مشبهة بالمفعول على ما يأتي بيانه, [إن شاء الله تعالى].
***
قال الشيخ ﵀: فالأول يذكر للبيان عن تأكيد الفعل أو عدد مراته أو بيان نوعه. فالتأكيد مثل: ضربت ضربًا, وأكلت أكلًا. وعدد المرات [مثل]: أكلت أكلةً وضربت ضربةً. وبيان النوع مثل: ضربت ضربًا شديدًا. فشديدًا نعت وبيان للضرب الذي / هو مصدر. وجميع هذه [٥١] الأقسام منصوبة بالفعل المذكور انتصاب المفعول المطلق . وإنما سمي مفعولًا مطلقًا لأن الفعل أطلق عليه من غير تقييد بحرف, لا في اللفظ ولا في المعنى, ولا في اللفظ ظاهر ولا في المعنى مقدر. لأنه لو قيل [لك]: من فعل الضرب؟ . لقلت: فعله فلان, بخلاف المفعول به وما عداه من المفعولات, لأنه يقال فيما عداه «بمن فعل الضرب»؟ , فتأتي بالياء, و «في أي زمانٍ
стр. 214
فعل الفعل»؟ , فتأتي بفي, و «في أي مكان فعل الفعل»؟ , فتأتي بفي. و «لأي أمر فعل [الفعل]» , فتأتي باللام, «ومع أي شيء فعل [الفعل» , فتأتي بمع]. فتجد هذه المعاني كلها مقيدة بحرف, خلاف المصدر الذي أطلق الفعل عليه بنفسه, فلذلك سمي مفعولًا مطلقًا.
***
والثاني هو المفعول به يذكر للبيان عن من وقع به الفعل. ولما كان الفعل يقع على واحد, ويقع على اثنين مختلفين, ويقع على اثنين متفقين, ويقع على ثلاثة مختلفين ومتفقين, ويقع على شيء بواسطة, وعلى شيء بلا واسطة, احتجنا إلى أن نمثل في هذه المقدمة من كل بمثال لتقيس عليها سائر المثل. فمثال ما يتعدى إلى واحد «ضربت زيدًا» , لأن «ضربت» يقتضي مضروبًا فنصبته. وكذلك جميع أفعال الحواس الخمس, وهي نظرت وشممت وذقت ولمست وسمعت, لأن النظر يقتضي منظورًا والشم يقتضي مشمومًا,
стр. 215
والذوق يقتضي مذوقًا واللمس يقتضي ملموسًا, والسمع يقتضي مسموعًا. فنصبت جميع ذلك فقلت: نظرت الشخص, وشممت الطيب, وذقت الطعام, ولمست الثوب, وسمعت الصوت وتفصيلات هذه العمومات تجري مجراها, فقس عليها نظائرها. وكذلك ما كان في معاني هذه الأفعال, وإن لم تكن بلفظها فإنها تجري في التعدي مجراها.
ومثال ما يتعدى إلى اثنين مختلفين: «أعطيت زيدًا درهمًا» , و «كسون عبد الله ثوبًا» , ونحوه مما ليس المفعول الأول هو الثاني, ولا الثاني هو الأول. والأول فاعل بالثاني في المعنى, لأنك أعطيت زيدًا الدرهم فأخذه منك. وكذلك كوته ثوبًا, لأنك الكاسي وهو المكسو. فكل ما كان من هذا النوع جاز أن تأتي بالمفعولين جميعًا, [تقول: أعطيت زيدًا درهمًا] , وهو غاية البيان في مثلهما, وأن لا تأتي بهما [جميعًا] , وهو غاية الإبهام في مثلهما, فتقول: أعطيت, وجاز أن تقتصر على أحدهما, وهو التوسط في البيان, مثل: أعطيت زيدًا, ولا تذكر ما أعطيته, وأعطيت درهمًا, ولا تذكر من أعطيته. وأكثر ما تترك هذه الأشياء اختصارًا, وإلا فالكلام موضوع للبيان, ومن هما يختلف المفسرون في تفسير الجملة الواحدة اختلافًا كثيرًا عند حذف مفعولاتها ومعمولاتها التي تقتضيها فيفسر كل منهم بما يوضحه له الدليل الشرعي أو العقلي.
стр. 216
ومثال ما يتعدى إلى المفعولين المتفقين ظننت زيدًا عاقلًا, وما كان من بابه مثل: حسبت وخلت وعلمت ورأيت ووجدت وزعمت ونبئت وأنبئت وأريت وأعلمت وخبرت وأخبرت وحدثت. فهذه الأربعة عشر إذا ذكرت أحد المفعولين لم يكن بد من ذكر الآخر معه, لأن الأصل هو الابتداء والخبر قيل دخول هذا الفعل. فكما أن المبتدأ لابد له من الخبر, والخبر لابد له من المبتدأ, كذلك إذا ذكرت أحد المفعولين لم يكن يد من [ذكر] الآخر. فإن حذفتهما معًا جاز, وكان بمثابة من لم يذكر مبتدأ وخبرًا بالجملة, واقتصر بالإخبار على الظن, ولم يذكر من ظن ولا ما ظن.
ومثال ما يتعدى إلى ثلاثة [مفعولين]: أعلمت زيدًا قائمًا, وأخواتها من أريت وأنبأت وأخبرت وخبرت وحدثت, كلها تتعدى إلى ثلاثة
стр. 217
[مفعولين]. وكان أصلها قبل الهمزة والتضعيف أن تتعدى إلى اثنين على ما تقدم, وكسبت الهمزة والتضعيف مفعولًا ثالثًا. والمفعول الثالث الذي نشير إليه هو [الفاعل] من قولك: علم زيد عمرًا منطلقًا, ثم تقول: أعلمت زيد عمرًا منطلقًا. فزيد الذي كان فاعلًا في الفعل الثلاثي صار ها هنا مفعولًا أولًا مع الفعل الرباعي. ولهذا اختلفوا في المفعول الأول هل يجوز حذفه أولا يجوز حذفه على قولين, ولم يختلفوا في المفعول الثاني أنه لا يجوز حذفه, ولا في المفعول الثالث/, لأن أصل الاثنين الآخرين من المبتدأ والخبر, فقد عاد إلى حكم [٥٢] الأصل. فقس على ذلك.
ومثال ما يتعدى بواسطة: مررت بزيدٍ, ونزلت على عمروٍ, لأن هذا الفعل لا يدل على ممرور به بنفسه, ولا منزول عليه بنفسه. فلذلك احتاج إلى واسطة. ولو أردت أن تعديه بالهمزة لم تجمع بينها وبين حرف الجر, لأن القصد تعدية الفعل, فبأي شيء حصل أغنى عن غيره, ولم تجمع بينه وبينها.
стр. 218
فمن ها هنا تقول: أدخلت زيدًا الدار, ودخلت بزيدٍ الدار, ولا يجوز «أدخلت بزيد الدار» فتجمع بين الهمزة والباء.
ومثال ما يتعدى بنفسه تارة وتارة بحرف جر, وهي أفعال قليلة تحفظ ولا يقاس عليها, مثل: شكرت زيدًا, وشكرت لزيدٍ, ونصحت زيدًا, ونصحت لزيدٍ, وكلت زيدًا, وكلت لزيدٍ, ووزنته ووزنت له. وإنما كان هذا مسموعًا غير مقيس لأنه ينبغي أن تكون دلالة الفعل [على المفعول] دلالة متفقة غير مختلفة, ودلالة المتعدي دلالة المتسلط بنفسه, ودلالة المتعدي بحرف جر دلالة المتسلط بغيره. فلذلك وقف [هذا] على المسموع.
***
[قال الشيخ ﵀]: والمتعجب منه يلحق بالمفعول به مثل: ما أحسن زيدًا. وإنما كان ملحقًا به لأن أصله «حسن زيد» فلما دخلت الهمزة عدته ولزم طريقة واحدة. وجعلناه لاحقًا بالمفعول به ولم نجعله حقيقيًا في بابه لأنه قد عرضت أشياء تمنع من التصرف فيه بالتقديم والتأخير.
قال الشيخ ﵀: والمنادى المضاف والمشبه به يلحق به أيضا مثل: يا عبد الله, ويا رفيقًا بالعباد. لأن حرف النداء ناب مناب الفعل, فكأنه قال: أنادي عبد الله, وأدعو رفيقًا بالعباد, فناب الحرف عن الفعل, فكان ملحقًا ولم يكن حقيقيًا في كونه مفعولًا به.
***
«والثالث يذكر للبيان عن أي زمان وأي مكان وقع فيهما الفعل, مثل: قمت يوم الجمعة أمام فلان, ونحوه. وشرطه أن يكون مضمنًا معنى (في)».
стр. 219
فهذا [هو] المفعول فيه, وهو ظرف الزمان والمكان. لأن ظرف الزمان ما تقضت عليه الليالي والأيام. وظرف المكان ما استقر فيه وتصرف عليه, لكن ظرف الزمان يتعدى إليه الفعل بنفسه, مبهمًا كان أو مختصًا, مثل: قمت يوم الجمعة, ويومًا من الأيام. لأنه يدل عليه دلالة قوية, وهي دلالة الصيغة. وليس كذلك مع المكان, لأنه يتعدى إلى المبهم منه بنفسه, وهي الأقطار السته, مثل: قمت أمام فلان وخلفه ويمينه وشماله وفوقه وتحته, إذ لا يخلو فعل من الأفعال أن يكون في أحد هذه الأقطار, فهو يقتضيه, فلذلك تعدى إليه. وليس كذلك الأمكنة المخصوصة التي لها أقطار تحصرها ونهايات تحيط بها, مثل [الدار] والبلد والمسجد والسوق وما أشبه ذلك, لأنه ليس في الفعل دلالة عليه, بل يصلح لها ولغيرها, فجرت مجرى «مررت» الذي لا يتعدى إلى «زيد» إلا بحر جر, فلذلك تقول: قمت في الدار, وفي البلد, وفي السوق, وفي المسجد. ولا يجوز حذف حرف الجر. فاعرف الفرق بين المبهم والمختص فإنه أصل كبير.
فأما قولهم: دخلت البيت, وذهبت الشام, ففعلان موقوفان على السماع, وأصلهما أن يتعديا بحرف الجر وأن تقول: دخلت إلى البيت, وذهبت إلى الشام. ولكنه اتسع في حذف الجار مع هذين الفعلين لكثرة الاستعمال. ومن الناس من يجعل «دخلت» متعديًا بنفسه لما رأى استمرار ذلك وانتشاره. وليس بصحيح عند المحققين. لأن ضد دخلت «خرجت» , ونظيره «عبرت» كلاهما لا يتعدى إلا بحر فالجر, مثل: خرجت من الدار, وعبرت في الدار, وكذلك ينبغي أن تكون دخلت. ولأن مصدر دخلت الدخول,
стр. 220
والغالب على وزن الفعول أن لا يتعدى فعله, مثل: قعد قعودًا, ومضى مضيًا, وما أشبه ذلك.
ومتى كنيت عن ظرف الزمان والمكان وأنت تريد الظرفية أعدت فيه ذكر الجار, لأنه ليس في المضمر دلالة على الظرفية. فلذلك تقول: «قمت فيه» , وأنت تعني زمانًا, و «قمت فيه» , وأنت تعني [مكانًا] , خلقًا, أو أمامًا, لأن المضمر يرد الأشياء إلى أصولها, والأًل في الظرفين من الزمان واةلمكان أن يكونا متضمنين لـ «في» , لأن «في» حرف معناه الوعاء.
***
«والربع يذكر للبيان عن علة الفعل وعذره, مثل: جئته قضاء حقه, وكلمته طمعا في بره». فهذا هو المفعول له . «وشرطه أن يكون مصدرًا من غير لفظ الأول, مقدرًا باللام, عذرًا لفعلك, وجوابًا لقائل قال: لم فعلت».
وهذا كله موجود في قولك: «جئته قضاء حقه» , لأن القضاء مصدر ليس من لفظ «جئت». وتقديره باللام, أي لقضاء حقه. وهو عذر لمجيئك, [٥٣] لأنك لم تجيء إلا لقضاء الحق. وهو جواب القائل قال: / لم جئت؟ . فقلت: قضاء حقه. وكذلك «كلمته طمعًا في بره» , الشرائط الخمس موجودة.
وكذلك كل مفعول له كان مصدرا مثل قوله تعالى: (يجعلون أصابهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) , فحذر الموت مصدر فيه الشرائط كلها.
стр. 221
وقد يأتي بغير مصدر فلا يكون بد من اللام, كقولك: جئتك لزيدٍ, أي لأجل زيدٍ. فهذا فيه أربع شرائط, ولزمت اللام لتدل على المفعول له, لأن المختص بهذا الباب هو اللام, كما أن المختص بالظرف هو «في».
***
والخامس يذكر للبيان عن مصاحبة الفعل ومقارنته مثل: استوى الماء والخشبة, وخلا زيد ورأيه. فهذا مفعول معه. وإنما سمي مفعولًا معه لأنه يقدر بمع, والأصل: استوى الماء مع الخشبة. فعملت ثلاثة أشياء: حذفت «مع» , وأقمت «الواو» مقامها, ونقلت إعراب «الخشبة» من الجر إلى النصب. فقد عملت ثلاثة أشياء. ومثله: «خلا زيد ورأيه» في العمل. ومثله كل مفعول معه, مثل قوله تعالى: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) , أي مع شركائكم. وإنما لم يكن «الشركاء» معطوفين على «الأمر» لأن العرب تقول: أجمعت أمري وجمعت شركائي, فلو كان معطوفًا على «الأمر» لصار التقدير «أجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم» , وهذا خلاف اللغة المستقرة فأما من قرأ (وشركاؤكم) بالرفع, فإنه معطوف على الضمير في «أجمعوا» , وهو الواو, ولم يحتج إلى تأكيد لأن طول الكلام قد سد مسد التأكيد.
стр. 222
فأما قوله تعالى: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك) فإنه يحتمل تأويلين, أن يكون مفعولًا معه, أي «فاستقم مع من تاب معك كما أمرت» , فتكون «من» في موضع نصب. ويجوز أن تكون معطوفة على ضمير الفاعل في «استقم» , فتكون «من» في موضع رفع, أي «فاستقم أنت ومن تاب معك كما أمرت» , وسد طول الكلام مسد التأكيد. ولا يحسن أن يكون معطوفًا على التاء من «أمرت» لأن الضمير المرفوع في مثل هذا لا يحسن العطف عليه إلا بعد تأكيده.
والعامل أبدًا في المفعول معه يكون فعلًا لا معنى فعل. فالفعل مثل: استوى الماء والخشبة, ونحوه. والمعنى الذي لا يجوز أن تقول: زيد في الدار وعمرًا, لأن العامل معنى وليس بفعل. فإن صرحت بـ «مع» جاز أن تقول: زيد في الدار مع عمروٍ, لأنك إن اعتقدت في «مع» أنها حال, فالأحوال تعمل فيها المعاني. وإن اعتقدت أنها ظرف, فالظروف تعمل فيها المعاني فلذلك جازت المسألة مع «مع» , ولم تجز مع «الواو».
***
والسادس يذكر للبيان عن هيئة الفاعل والمفعول, منتقلًا, أو مقدرًا, أو موطئًا, أو مؤكدًا. مثل: جاء زيد ضاحكًا, وهذا زيد صائدًا غدًا, وهذا كتاب مصدق لسانًا عربيًا, وهو الحق مصدقًا».
فهذا أول المفعولات الخمسة المشبهة بالمفعول به وهو الحال . وإنما كانت
стр. 223
الحال مشبهة ولم تكن حقيقية لأنها تعمل فيها المعاني, ولأنها صفة الفاعل والمفعول في المعنى. وإنما الفرق بينهما وبين الصفة أن الصفة ثابتة مستمرة مع الموصوف, والحال منتقلة. فإذا قلت: جاء زيد الضاحك, فالضاحك صفة له في حال مجيئه, وفي غير حال مجيئه. فإذا قلت: جاء زيد ضاحكًا, فالضحك حال له في حال مجيئة, بخلاف الصفة, ولذلك كانت منتقلة, ومقدرة بالمنتقل وموطئة للمنتقل. فالمنتقل مثل: جاء زيد ضاحكًا. والمقدر بالمنتقل: هذا زيد صائدًا غدًا, لأن تعليق «غدًا» بصائد دليل على أنه ليس بصائد في حال الإشارة إليه, وإذا لم يكن صائدًا في حال الإشارة إليه وجب أن يقدر بما ثنتقل, وهو قولك «مقدرًا» , كأنك قلت هذا زيد مقدرًا الصيد غدًا, أو ناويًا الصيد, أو معتقدًا. وكل هذه تنتقل وهي الحال في الحقيقة. والحال من المشار إليه وهو «ذا». والعامل في الحال ما يظهر في «ذا» من معنى الإشارة, أو ما في «ها» من معنى التنبيه.
(وهذا كتاب مصدق لسانًا عربيًا). فـ «هذا» مبتدأ, و «كتاب» خبره, و «مصدق» نعته, و «لسانًا» حال - في أحد الوجهين, لأنك لما نعت اللسان بعربي - والصفة والموصوف كالشيء الواحد - صارت الحال بالمشتق, وصار «عربيًا» هو الموطيء لكون اللسان حالًا, وليس حقيقة اللسان أن يكون حالًا لكونه جامدًا لولا ما ذكر من الصفة.
وقوله تعالى (وهو الحق مصدقًا) حال من «الحق) مؤكدة, فـ «هو»
стр. 224
مبتدأ, و «الحق» الخبر. ومعلوم أن الحق مصدق, فلم تفد هذه الحال إلا التأكيد لأنها لا تنتقل, والعامل فيها معنى الجملة التي دل عليها «هو الحق» , فلم يجز تقديمها على «الحق» , ولا على ما قبله, لأن العامل معنى فلم يتقدم معموله عليه فاعرف ذلك.
«وشرطه أن يكون نكرةً, مشتقةً, تأتي بعد معرفة, قد تم الكلام / [٥٤] دونها, مقدرةً بفي, منتقلة». فالعلة في كونها نكرة أنها فضلة في الخبر, وأصل الخبر أن يكون نكرة وكذلك يجب في فضلته. ولأنها مشبهة للتمييز في البيان فوجب أن تكون نكرة كالتمييز.
فإن قيل: فما تصنع بقولهم: رجع عوده على بدئه, وطلبته طاقتك وجهدك ودخلوا الأول فالأول, ونحوه, وهذه أحوال كلها معارف؟ قيل: ليست بأحوال على الحقيقة وإنما هي معمولة للأحوال, والتقدير: رجع يعود عوده, أي عائدًا عوده. وطلبته تجتهد جهدك, أي مجتهدًا جهدك. ودخلوا الأول فالأول, أي دخلوا متفرقين الأول فالأول. فحذفت هذه الأحوال وأقيمت معمولاتها مقامها. فالحال باقية على تنكيرها.
والعلة في كونها مشتقة كما ذكر أنها صفة في المعنى, وأصل الصفات أن
стр. 225
تكون بالمشتقات.
فإن قيل: فما تصنع بقوله سبحانه (هذه ناقة الله لكم آية) فآية حال وليست بمشتقة؟ . قيل: هي في معنى المشتق لأن الآية العلامة, والعلامة اسم واقع موقع المصدر, والمصدر مشتق, فهو يعود إلى الاشتقاق.
والعلة في كونها تأتي بعد المعرفة أنها فضلة في الخبر, وأصل الخبر أن يكون بعد المعرفة.
فإن قيل: فما تصنع بقوله (فيها يفرق كل أمرٍ حكيم. أمرًا من عندنا) فهذه حال من نكرة لأنها حال من «كل أمر»؟ . قيل: صاحب الحال وإن كان نكرة فقد وصف, والصفة تقرب النكرة من المعرفة, فجاز لذلك.
والعلة في مجيئها بعد تمام الكلام أنها زائدة في الخبر, فينبغي أن تكون لا تأتي زائدة إلا بعد شيء قد تم.
فإن قيل: «فما تصنع بقولهم: ضربي زيدًا قائمًا, ونحوه من الأحوال التي جاءت ولم يتمم الكلام على ما قبلها؟ . قيل: هذا وشبهه مقدر بالتمام لأن «ضربي زيدًا» في معنى «ضربت زيدًا» , أو في معنى «ضربي زيدًا إذا كان قائمًا». فحذف الخبر وسد الحال مسد الخبر.
والعلة في كونها مقدرة بفي أنها مشبهة بالظرف, فقدرت بفي كما تقدر
стр. 226
الظروف
والعلة في كونها منتقلة أنها هيئة الفاعل والمفعول, والهيئات متغيرات لكونها معاني حادثات, متصرفات أحوالها, غير لازمات.
«ومتى كان عامل الحال فعلًا متصرفًا جاز تقديمها على العامل. ومتى كان معنى فعل لم يجز. مثال المتصرف: جاء زيد ضاحكًا, ونحوه. ومثال معنى الفعل: هذا زيد ضاحكًا, ونحوه». فإنما نعني أنه يجوز في حال «جاز يد ضاحكًا» وشبهه ثلاثة أوجه, هذا الذي وقعت حاله أخيرًا «جاء زيد ضاحكًا» , «وجاء ضاحكًا زيد» , «وضاحكًا جاء زيد» , لأن العامل إذا تصرف في نفسه تصرف في معموله كالمفعول به, وليس كذلك إذا كان العامل معنى فعل مثل: هذا زيد ضاحكًا, لا يجوز تقديم «ضاحكًا» على «هذا» بحال, لأن «هذا» عامل معنوي, والعامل المعنوي يضعف عن رتبة العامل اللفظي القوي. بل يجوز «هذا ضاحكًا زيد» بالتوسط, لأنه على كل حال بعد العامل, وهو «ذا» أو «ها». وكذلك يجوز «ها ضاحكًا ذا زيد» , إن كان العامل «ها» جاز, لأنه قبله. وإن كان العامل «ذا» لم يجز. فقس على ذلك.
وتجري مجرى اسم الإشارة الظروف وحروف الجر إذا وقعت أخبارًا, كقولك:
стр. 227
زيد في الدار ضاحكا, فضاحكا حال, والعامل فيه «في الدار» النائب عن الاستقرار, ولا يجوز بحال «ضاحكًا زيد في الدار». فإن قلت: زيد ضاحكًا في الدار, فوسطت الحال فالأخفش يجيزها, وسيبويه لا يجيزها. وعلة سيبويه ظاهرة, وهو أنه قد تقدمت الحال على عاملها المعنوي. وعلة الأخفش أن تقديم الحال على أحد الجزأين كلا تقدم, لأن زيدًا مبتدأ فهو مطالب بخبره, وخبره في نية التقديم إلى جانبه, وإذا كان في نية التقديم إلى جانبه صارت الحال كأنها بعده. فاعرف ذلك.
فإن قلت: إن في الدار قائمًا زيدًا, اتفق الكل على إجازته وإن كانت متوسطة, لأنها على المذهبين بعد العامل - وهو الظرف - وإن كان المذهبان مختلفين. وبالله التوفيق.
***
ثم قال [الشيخ ﵀]: والسابع يذكر للبيان والتفسير والتبيين للجنس. وشرطه أن يكون نكرة, جنسًا, مفردًا, مقدرًا بمن. مفسرًا لمعدود أو موزونٍ أو مكيلٍ أو ممسوحٍ أو مقدر بالمسوح, أو لشيء مبهم. وهو يقع بعد الفاعل في مثل: تفقأ زيد شحمًا, وبعد النون في مثل: عشرون
стр. 228
درهما, وبعد التنوين في مثل: رطل زيتا, وبعد المضاف إليه في مثل: لله دره فارسًا, وبعد المقدر بالتنوين في مثل: أحد عشر درهمًا».
[٥٥] فإن العلة في المجيء بالتمييز إنما هو للبيان. والبيان/ يسمى تفسيرًا وتبيينًا. فإذا قلت: عشرون درهمًا, فإن شئت قلت ينتصب على التبيين. وإن شئت قلت على التفسير, أو على التمييز, كله بمعنى واحد.
والعلة في كونه نكرة شبهه بالحال لأنه مبين كتبيين الحال, وإن اختلفت الطريقان. فالحال لتبيين هيئة الفاعل والمفعول. والتمييز لتبيين جنس الشيء المفسر في نفسه.
والعلة في كونه جنسًا أنه مقدر بمن, و «من» تدخل على الأجناس. والعلة في كونه مفردًا استغناؤه بالمفرد عن الجمع.
ومثال كونه مفسرًا لمعدود قولك: هؤلاء عشرون رجلًا, وثلاثون امرأة, وكذلك في جميع الأعداء كان أصله «عشرون» من الرجال» , فحذفت «من» والتعريف ولفظ الجمع, واستغنى بواحد عن جميع ذلك.
ومثال كونه مفسرًا لموزون: هذا رطل زيتًا, وأوقيه ذهبًا.
ومثال تفسيره للمكيل: هذا إردب قمحًا, وويبة برًا, [وشبهه].
стр. 229
ومثال تفسيره للممسوح: ما في السماء قدر راحةٍ سحابًا, وما في الأرض قدر قبضة نباتًا.
ومثال المقدر بالمسوح: على التمرة مثلها زبدًا, وعلى الرغيف مثله دهنًا, [وعلى الرقعة مثلها ذهبًا].
ومثال التفسير لشيء مبهم: عليه شعر كلبين دينا. فجميع هذه المنصوبات [منصوبة] على التمييز والتفسير للاسم الأول, لا يجوز تقديمها على شيء من مفسراتها.
فأما وقوع التمييز بعد الفاعل مثل: تفقأ زيد شحمًا, وتصبب عرقًا, فإن في تقديم [هذا] التمييز على عامله خلافًا. فمذهب سيبويه أنه لا يجوز تقديمه على عامله, وهو الصحيح. لا يجيز: شحمًا تفقأ زيد, ولا: عرقًا تصيب فلان. لأن هذا التمييز فاعل في المعنى, والفاعل لا يتقدم على فعله.
فإن قيل: كيف كان فاعلًا في المعنى, ومن أين صار منصوبًا بعد أن كان مرفوعًا؟ قيل: الأصل في «تفقأ زيد شحمًا» تفقأ شحم زيد, فالشحم مرفوع يتفقأ, لأن التفقؤ منسوب إليه, ثم اتسع في هذا الكلام بأن قدم المضاف إليه على
стр. 230
المضاف, وهو «زيد» الذي كان مجرورًا بالإضافة, فارتفع بتفقأ فصار «تفقأ زيد شحم» , والفعل لا يكون له فاعلان على غير جهة الاشتراك. فخرج الشحم مميزًا منصوبًا, لبطلان رفعه وجره, فلم يبق إلا صحة نصبه. وأبو العباس المبرد يجيز تقديم المميز في هذا على عامله ولا يمنع [منه] , بل يقول: شحمًا تفقأ زيد, وينشد:
[أتهجر ليلى للفراق حبيبها] ... وما كان نفسًا بالفرق تطيب
وليس في البيت دليل, لأن الشعر تأويلًا لا يحتمل في غيره, ولأن الرواية:
стр. 231
* وما كان نفسي بالفرق تطيب *
فاعرف مذهب سيبويه وتمسك به فإن المعتمد عليه.
وأما وقوعه بعد النون في مثل عشرين درهمًا, وبعد التنوين في مثل رطل زيتًا, فإن هذا وشبهه لا يجوز تقديم التمييز فيه بوجه, لأن العامل فيه اسم غير متصرف, وإنما هو عمل شبهي. ولذلك قلنا إن التمييز ينتصب على الشبه بالمفعول به, وكان الأصل أن يكون مجرورًا بحرف أو بإضافة. فالحرف مثل: عشرون من الدراهم, والإضافة مثل: رطل زيتٍ, فلما دخل التنوين بطلت الإضافة. وكذلك بعد المضاف إليه من قوله: لله درك فارسًا, كان الأصل «لله در فارس» فلما حجزت الإضافة إلى الكاف بين الدر وفارسٍ خرج منصوبًا بعد المضاف إليه, كما خرج بعد التنوين.
وكونه بعد المقدر بالتنوين في الأعداد المركبة وغيرها في مثل: أحد عشر, إلى تسعة عشر, لأن تنوين هذا مقدر, وأصله: واحد وعشرة, وتسعة وعشرة. فضمن معنى الحرف الذي هو الواو فبني, وخص بالبناء على الحركة لأن له أصلا في التمكن, وخص بالفتحة [طلبًا] للخفة لأنها ثلاثة أشياء جعلت شيئًا واحدًا. ولا يجوز بحال: أحد عشر الرجل, لأن التمييز لا يكون معرفة, وكذلك جميع المميزات.
فإن قيل فما تصنع بقوله تعالى (إلا من سفه نفسه) , و (بطرت معيشتها) , ونحوه.
قيل: ليس هذا منتصبًا على التمييز عند المحققين لتعريفه. وانتصابه من
стр. 232
وجوه غير ذلك. إما لأن البطر في معنى الجهل, كأنه قال «جهلت معيشتها» , فانتصابه على هذا انتصاب المفعول به. وكذلك السفه كالجهل, فكأنه قال: «إلا من جهل نفسه». وقيل: إنه على حذف الجار, فإن الأصل: سفه في نفسه, وبطرت في معيشتها, فلما سقط الجار تعدى الفعل فنصب على حد (واختار موسى قومه سبعين رجلا). وغير ذلك, فاعرفه, [وقس عليه. وفقك الله تعالى].
[٥٦] «والثامن / يذكر للبيان عن إخراج بعض من كل بإلا أو بكلمة في معنى إلا, مثل: قام القوم إلا زيدًا, و (فشربوا منه إلا قليلًا منهم) [وشبه ذلك]. وشرطه أنه متى كان الاستثناء في موجب أو ما هو في تأويل الموجب, أو كان مقدمًا, أو منقطعًا, أو بعد تمام الكلام, كان منصوبًا في هذه المواضع الأربعة. مثالها: قام القوم إلا زيدًا, وما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدًا.
стр. 233
وما لي إلا الله راحم. وما بالدار أحد إلا حمارًا. و (ما فعلوه إلا قليلًا منهم) , في قراءة ابن عامر. فالثلاثة الأول تلزم النصب, ومتى كان الكلام غير موجب, من استفهام أو نهي أو نفي, كان ما بعد «إلا» تابعًا لما قبلها في الإعراب غالبًا, مثل: هل قام أحد إلا زيد. ولم يقم أحد إلا زيد, [ولا يقم أحد إلا زيد].
وجملة ما يستثنى به إلا وحاشا وغير وسوى وسوى وسواء وليس ولا يكون وما خلا وما عدا.
فالأربعة الأخيرة ينتصب ما بعدها أبدًا. والأربعة التي قبلها يجر ما بعدها أبدًا. و «حاشا» تجر عند سيبويه وتنصب عند غيره. و «إلا» قد ذكرت. وإعراب «غير» على حد إعراب الاسم الواقع بعد «إلا» في جميع أحكامها».
قال الشيخ ﵀: شرح هذا الفصل الثامن أن تعرف الاستثناء [والمستثنى] والمستثنى منه والمستثنى به, وقد دخل هذا تحت قولنا: «الاستثناء إخراج بعض من كل بإلا أو بكلمة في معنى إلا». فإذا قلت: قام القوم إلا زيدًا, فـ «زيد» بعض مخرج من كل - الذين هم القوم - بلفظ «إلا» وبما جرى مجراها. وكذلك (فشربوا منه إلا قليلًا منهم) فإلا وهي الحرف أخرجت البعض وهو «قليل» من الكل وهو الضمير في قوله «فشربوا» فالمستثنى هو الاسم الواقع بعد «قليل» من الكل وهو الضمير في قوله «فشربوا» فالمستثنى هو الاسم الواقع بعد «إلا». والمستثنى منه هو الاسم الواقع قبل «إلا». والاستثناء هو ما دل عليه معنى «إلا» , لأنها إن دخلت على موجب أخرجت ما بعدها إلى معنى النفي, مثل ما مثلنا. وإن
стр. 234
دخلت على منفي أخرجت ما بعدها إلى معنى الموجب. مثل: ما قام أحد إلا زيد, و (ما فعلوه إلا قليل منهم). فالموجب لهم الفعل هو «القليل».
فأما الناصب للمستثنى في الموجب إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا, و (فشربوا منه إلا قليلًا منهم) فهو الفعل المتقدم بتوسط «إلا». لأن الفعل لما لم يكن متعديًا إلى ما استثنى قوي بالحرف فصار متعديًا. وهو أشبه الأبواب بباب المفعول معه من قولك: استوى الماء والخشبة, في كون الواو مقوية للفعل. فكما قوت «الواو» الفعل حتى نصب المفعول معه كذلك قوت «إلا» الفعل حتى نصب زيدًا. هذا مذهب صاحب الكتاب في كل ما يجري هذا المجرى. وخالفه أبو العباس [المبرد] فقال: الناصب للمستثنى معنى «إلا». ومعنى «إلا»: استثنى, فكأنه قال: قام القوم استثنى زيدًا. وهذا غير صحيح, لأن معاني الحروف لا تعمل شيئًا في المفعول به. ألا ترى أن حروف الاستفهام لا يعمل ما فيها من معنى «استفهم» , وأن حروف النفي لا يعمل ما فيها من معنى «أنفي» , وأن حروف الشرط لا يعمل ما فيها من معنى «أشرط» , وأن حروف العطف لا يعمل ما فيها من معنى «عطفت» , أو «جمعت». فالقول بما قال أبو العباس يؤدي إلى خرقٍ عظيم لا رقع له. ولو كان هذا المعنى صحيحًا لوجب أن ينصب في النفي أيضًا, إذا قال: ما قام أحد إلا زيدًا, لأن «إلا» عنده
стр. 235
بمعنى استثني. وفي عدم القول بنصب ذلك دليل على فساد [هذا] المذهب.
فإن قيل: ما جملة المواضع التي يكون [فيها] ما بعد إلا من الاسم منصوبًا على هذه القضية؟ .
قيل: جملة المواضع الأربعة المذكورة وما كان في معناها. مثال الموجب: قام القوم إلا زيدًا. وتجري مجراه الأوامر كلها مثل: قوموا إلا زيدًا. ومثال ما هو في تأويل الموجب: ما أكل أحد إلا الخبر إلا زيدًا. فتأويل «ما أكل أحد إلا الخبز» كل أحد أكل الخبز. وإذا كان تأويله تأويل الموجب كان ما بعد «إلا» منصوبًا. ومثال الاستثناء المقدم. ما لي إلا الله راحم, وما لي إلا العمل شراب. كان أصله: ما لي راحم إلا الله, بالرفع, وكان رفعه على البدل, فلما تقدم بطل أن يكون بدلًا, لأن البدل لا يتقدم على المبدل منه, ولما بطل نصب, لأن الأصل في الاستثناء / أن يكون منصوبًا في الموجب فحمل على [٥٧] الأصل. وقد يجوز النصب وإن كان متأخرًا, ألا تراك تجيز: ما لي راحم إلا الله, والله, وما لي شراب إلا العسل, والعسل, بالوجهين الرفع والنصب. فلما قدمت وقد بطل البدل قوى الوجه الضعيف, وهو النصب, ولا يجوز غيره. ومثله الحال من النكرة ضعيفة إلا إذا تقدمت قويت, مثل: جاءني رجل ضاحك, ولا يحسن: جاءني رجل ضاحكًا, وإن قدمت نصبته لا غير فقلت: جاءني ضاحكًا رجل.
و* لمية موحشًا طلل *
стр. 236
فصار الوجه الضعيف قويًا لا يجوز غيره. وكذلك مسألتنا في الاستثناء. ومثال الاستثناء المنقطع: ما بالدار أحد إلا حمارًا. وفرقوا بين الاستثناء من الجنس وبين الاستثناء من غير الجنس. فما كان جنسًا جاز فيه البدل مثل: ما في الدار أحد إلا زيد. وما كان غير جنس كالحمار وشبهه لم يجز البدل. وإذا لم يجز البدل نصبت واعتقدت أن إلا بمعنى «لكن» فقلت: ما بالدار أحد إلا حمارًا. هذا مذهب الحجازيين. ومذهب بني تميم في هذا الذي ليس من الجنس أنه على قسمين, ما كان منقطعًا بالكلية ليس من الأحدين ولا ما يصحب الأحدين فلا يجوز إلا النصب, مثل ما بالدار أحد إلا حوضًا, وإلا ثوبًا, فالنصب لا غير. وما كان مما يتبع الأحدين مثل الدواب والآلات جاز عند بني تميم الرفع على البدل, فيقولون: ما بالدار أحد إلا حمار, أبدلوا الحمار من الأحدين المقدرين لما كان يتبعهم, كأنه قال: ما بالدار أحد ولا ما يتبع الأحدين إلا حمار.
ومثال ما يأتي بعد تمام الكلام: ما قام أحد إلا زيدًا, فالكلام قد تم بقولك «ما قام أحد» فجاز نصب زيد, والأجود رفعه, ومثاله قراءة الأكثر (ما فعلوه إلا قليل منهم) , بالرفع على البدل من الواو. وابن عامر ﵀ نصب لأن الكلام قد تم بالفعل والفاعل قبل الاستثناء فجرى مجرى قولك: «ما قام أحد إلا زيدًا» في الجواز. ولو سقط «أحد» والضمير من «فعلوه» لم يجز إلا الرفع إجماعًا, مثل: ما قام إلا زيد, وما فعله إلا قليل, لأن النصب هنا يخلي
стр. 237
الكلام من فاعل الفعل, والفعل لابد له من فاعل وخاصًا إذا كان الفعل مفرغًا ومهيأ لاستدعائه.
فهذه وجوه المواضع التي يكون فيها ما بعد «إلا» منصوبًا قد كشفتها لك. ثم ما عدا ذلك يكون محمولًا على قضية البدل والعامل الذي قبله. وهو أنه متى كان الكلام غير موجب من استفهام أو نهي أو نفي كان ما بعد «إلا» تابعًا لما قبلها في الإعراب غالبًا. مثال الاستفهام: هل قام أحد إلا زيد, فزيد بدل من أحد ولذلك رفع. ومثال النفي: ما قام أحد إلا زيد, فزيد بدل أيضًا [من أحد]. ومثال النهي: لا يقم أحد إلا زيد, فزيد بدل من أحد. ولو كان العامل الذي قبل هذه المسألة ناصبًا لكان ما بعد «إلا» منصوبًا, أيضا على البدل, مثل: هل ضربت أحدًا إلا زيدًا, وما ضربت أحدًا إلا زيدًا, ولا تضرب أحدًا إلا زيدًا. وكذلك تبدل في الجر, مثل: هل مررت بأحد إلا زيد, وما مررت بأحد إلا زيد, ولا تمرر بأحد إلا زيد. وإنما قلنا «غالبا» لأنه يجوز النصب فيما تم الكلام قبله في جميع هذه المسائل, لأنه يجوز وهو ضعيف: هل قام أحد إلا زيدًا, بالنصب على أصل الاستثناء فاحترز من هذا القدر. فإذا ثبت هذا فجملة ما يستثنى به ما عدد في هذه المقدمة من الآلات العشرة المذكورة فيها.
فالعلة في انتصاب ما بعد «ليس ولا يكون وما خلا وما عدا» أنها أفعال فيها ضمائر فاعلين, وما بعد الفعل والفاعل يكون منصوبًا, فلذلك تقول: قام القوم ليس زيدًا, أي ليس بعضهم زيدًا, فذلك البعض المقدر اسم «ليس» لا يظهر بحال في باب الاستثناء. وكذلك: قام القوم لا يكون زيدًا, أي لا يكون
стр. 238
بعضهم زيدًا فذلك البعض المقدر لا يظهر أيضًا بحال في باب الاستثناء. وكذلك: قام القوم ما خلا زيدًا, وما عدا عمرًا. لأن الاستثناء بهذه الأفعال ناب مناب إلا فلم يقع بعدها إلا اسم واحد, كما لم يقع بعد «إلا» إلا ذلك.
[٥٨] / والعلة في جر ما بعد غير وسوى وسوى وسواء أنها أسماء وظروف, وما بعد الأسماء والظروف في مثل هذه يكون جرًا بالإضافة. إلا أن غيرًا يكون إعرابها أبدًا في الاستثناء على حد إعراب الاسم الواقع بعد «إلا». فانظر كل موضع ينتصب فيه ما بعد إلا فانصب غيرًا فيه, وكل موضع يرتفع فيه ما بعد إلا فارفع غيرًا فيه, وكل موضع ينجر فيه ما بعد إلا فجر فيه غيرًا. مثال ذلك: قام القوم إلا زيدًا, وقام القوم غير زيدٍ, وما قام أحد إلا زيد, وما قام أحد غير زيدٍ.
وما مررت بأحدٍ إلا زيدٍ, وما مررت بأحد غير زيدٍ, فإن استعملت غيرًا صفة لا استثناء كانت جارية على إعراب ما قبلها, مثل قوله تعالى (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم) , جررته لأنه صفة «الذين» المجرور بصراط جر الإضافة. ومثل: عندي درهم غير جيد, على النعت. وأخذت درهمًا غير جيد, على النعت. وبرثت من درهم غير جيد [على النعت]. فغير أصل في الصفة, ومشبهة بإلا في الاستثناء. و «إلا» أصل في الاستثناء ومشبهة بغير في الصفة, لأن كل واحد منهما مخالف ما بعده لما قبله في المعنى, فجاز أن يحمل كل واحد منهما على صاحبه فيما ذكرناه, فهذا تفسير قولنا في إعراب هذه المسائل المذكورة.
فأما «حاشا» ففعل عند أبي العباس, ينصب بها, لأنه اشتقها من حاشى يحاشي. وعند سيبويه حرف يجر بها, ومن حجته (حاش لله ما علمنا عليه من
стр. 239
سوء). وغير ذلك من لأدلة التي لو ذكرت لطال ذكرها في هذه المقدمة.
وبالله التوفيق.
***
قال الشيخ ﵀: «والتاسع والعاشر والحادي عشر قد ذكرت». نعني بالتاسع خبر كان وأخواتها لأنه من المنصوبات المشبهة بالمفعول. ونعني بالعاشر اسم إن وأخواتها, لأن أسماء إن وأخواتها مشبهة بالمفعول أيضًا. وإنما كانا مشبهين بالمفعول ولم يكونا مفعولين على الحقيقة لأن كل واحد منهما هو المرفوع المذكور معه في المعنى, وليس حقيقة الفاعل أن يكون هو المفعول, ولا المفعول أن يكون هو الفاعل, وإنما كل واحد منهما غير الآخر مثل: ضرب زيدٍ عمرًا, وضرب عمرًا زيد. فلما خالف منصوب كان وأخواتها ومنصوب إن وأخواتها المفعولات كان مشبهًا بالمفعول.
والحادي عشر هو الفعل المستقبل إذا كان معه ناصب مثل: أريد أن تفعل, ولن تفعل. وقد ذكر هذا في باب الحروف الناصبة للفعل المستقبل.
فهذه جملة المنصوبات التي عليها مدار الكلام اسمًا كان أو فعلًا. وما عدا هذا مما لم يعمل فيه عامل - مما أشبه الحرف أو تضمن معنى الحرف أو وقع موقع الفعل المبني - فهو مفتوح لا منصوب, كما قلنا في فصل الرفع والضم. وذلك مثل: أين وكيف والآن. والأسماء المركبة من أحد عشر إلى تسعة عشر, كلها
стр. 240
مبنية على الفتح طلبًا للخفة. وكذلك الحروف المبنية على الفتح مثل: إن وأخواتها. فيقال لجميعها مفتوح ولا يقال له منصوب. وكذلك كل حرف مبني على الفتح, مثل واو العطف, وفائه وثم. وكذلك كل فعل ماض مبني على الفتح للخفة يقال له مفتوح, ولا يقال له منصوب, ليفرق بين حركات الإعراب وحركات البناء.
[فاعرفه إن شاء الله تعالى, وبالله التوفيق].
***
стр. 241
الفصل السادس: فصل الجر
قال الشيخ ﵀: أما قولنا: «الجر ما جلبه عامل الجر».
فإن تفسيره على حد ما ذكرنا في الرفع والنصب قصدًا لإرادة الفرق بين حركة الإعراب وحركة البناء. فما كان جره بعامل من حرف أو اسم مثل: مررت بزيد, وغلام عمروٍ, فكسرته يقال لها جر, لأنها بعامل جالب لها. وما كان بغير عامل مثل: هؤلاء وأمس ونزال وتراك, وما أشبه ذلك من جميع المبنيات على الكسر, فإنه يقال له كسر ولا يقال له جر. ... [٥٩]
[ثم قال]: وله ثلاث علامات/, الكسرة والياء والفتحة. فبدأنا بالكسرة لأنها الحقيقة في الجر إذ كانت من الياء, أو الياء منها على الخلاف. وليست الفتحة في هذا الباب بحقيقة في الجر, بل هي محمولة على النصب فيما لا ينصرف في قولك: مررت بأحمد, وبابه, كما تقول: رأيت أحمد.
ثم قال: فالكسرة تكون في الاسم السالم المنصرف, مثل: مررت بزيدٍ وعمروٍ. وإنما خص ذلك بالاسم المنصرف لأنه إذا كان سالمًا من حروف العلة لم تثقل الكسرة عليه, مثل: زيد وعمرو. وإذا لم يكن مشبهًا للفعل كان
стр. 242
منصرفًا, وإذا كان منصرفًا دخل مع الجر التنوين. فلذلك احترزنا بالاسم المنصرف, لأن غير المنصرف لا يدخله جر, مثل: مررت بابراهيم واسماعيل.
وأم الياء فإنها تكون علامة الجر في أشياء ثمانية, الأسماء الستة المعتلة المضافة, والتثنية, والجمع. مثل: مررت بأبية وأخيه وحميه وفيه وهنيه وذي مال والزيدين والزيدين.
***
[ثم قال]: «و جملة المجرورات ستة» . لأنا لما حصرنا المرفوعات والمنصوبات حصرنا أيضًا في هذا الفصل المجرورات وقلنا: مجرورات ملكٍ وملابسة, ومجرورات نوع وجنس, ومجرورات لفظ وتخفيف, ومجرورات تشبيه, ومجرورات وصف وحذف, ومجرورات تعدية».
فالأول مثل: غلام زيدٍ, ونحوه من إضافة الملك. ومثل: سرج الدابة وأخي زيد, ونحوه من إضافة الملابسة. وكله مقدر باللام, والأصل: غلام لزيدٍ, وسرج للدابة, وأخ لزيد, فحذفت اللام إيجازًا لما أريد من التعريف أو الاختصاص. لأنه كان الاسم الأول مع وجود حرف الجر نكرة ومبهمًا, فلما زال صار الأول معرفًا بالثاني إذا أضيف إلى المعرفة مثل: غلام زيدٍ, أو مختصا إذا أضيف إلى نكرة مثل: غلام رجلٍ, وسرج دابةٍ, وغلام أخٍ,
стр. 243
ونحوه. فلهذه العلة أضيف. ولهذه العلة لم يجز في الاسم الثاني غير الجر, سواء ظهر حرف الجر أولم يظهر. فإذا أظهرته كان الجر بحرف الجر. وإذا لم تظهره وأضيف كان الجر بالإضافة التي هي نائبة عن الحرف, فعملت عمله.
***
والثاني مثل: ثوب خز وباب ساج وخاتم ذهبٍ, ونحوه من مجرورات النوع والجنس. فهذا ونحوه مقدر بمن, وأصله ثوب من خزٍ, وباب من ساج, وخاتم من ذهب. فعمل به مثل ما تقدم, من حذف الجار والجر بالإضافة. لكن هذا النوع يجوز في الاسم الثاني منه أبدًا ثلاثة أوجه, الإضافة بحكم الاسمية. والنصب مع التنوين على التمييز, مثل قولك: ثوب خزًا وبابٌ ساجًا, وخاتم ذهبًا. وقد ذكر أصل هذا في التمييز. والثالث إتباع الاسم الثاني الأول في إعرابه من رفع أو نصب أو جر, فتقول: هذا ثوب خز, ورأيت ثوبًا خزًا, ومررت بثوبٍ خزٍ. ولهذا تفسيران, أحدهما: أن يكون الأخير نعتًا. والآخر: أن يكون بدلًا. فإذا جعلته نعتًا قدرت فيه الاشتقاق, لأن النعت يكون بالمشتق. كأنك قلت: هذا ثوب لين, أو ناعم, ونحوه. وإذا جعلته بدلًا بقيته على الجنسية مبينًا للأول تبيين الأبدال كلها. والأحسن إذا أبدلت نكرة من نكرة أن تنعت النكرة الثانية ليكون فيها زيادة فائدة.
***
والثالث من المجرورات مثل: هذا ضارب زيدٍ اليوم, وآكل خبزٍ غدًا,
стр. 244
ونحوه من مجرورات اللفظ والتخفيف. لأن الأصل في اسم الفاعل إذا كان للحال أو الاستقبال أن يكون منونًا عاملًا فيما بعده لجريانه على الفعل العامل. فلذلك جاز في هذا النوع أبدًا وجهان إثبات التنوين والنصب, فتقول: هذا ضارب زيدًا اليوم, وآكل خبزًا غدًا. والوجه الآخر حذف التنوين تخفيفًا والجر, فتقول هذا ضارب زيد اليوم, وآكل خبر الساعة. فهذه إضافة لفظية لا حقيقية, لأنها لم تفد [الاسم] الأول تعريفًا, بل الاسم نكرة على حاله, فلذلك جرى نعتًا للنكرة, مثل قوله سبحانه (هذا عارض ممطرنا). ولهذا جاز أن تدخل عليه «رب» كما قال الشاعر:
يا رب غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدةً منكم وحرمانا
[٦٠] / ولو كان اسم الفاعل في جميع هذا للماضي كانت إضافته حقيقية, ولكان اسم الفاعل متعرفًا بما يضاف إليه من معرفة ولم يجز أن يقع حالًا. مثل ذلك:
стр. 245
هذا زيد مكلمنا أمس. فمكلمنا نعت لزيد, ولا يجوز نصبه على الحال. فإن قلت: «مكلمنا غدًا» لم يكن نعتًا, وكان منصوبًا على الحال.
فاعرف الفرق بين اسم الفاعل إذا كان لما مضى وإذا كان للحال والاستقبال. فليس فيه إذا كان لما مضى إلا وجه واحد, وهو الإضافة. وإذا كان للحال والاستقبال فوجهان, التنوين تارة, والإضافة أخرى, على ما بيناه.
***
والربع من المجرورات مثل: حسن وجهٍ, وكريم أبٍ, وطاهر ذيل, وعفيف يدٍ, ونحوه من مجرورات المشبهة, وهي الصفات المشبهة بأسماء الفاعلين. فهذه ونحوها يجوز فيها أبدًا ثلاثة أوجه [من الإعراب] , الرفع, والنصب, والجر. مثال الرفع: هذا رجل عفيفة يده. فهذا مبتدأ, ورجل خبره, وعفيفة نعت للرجل, وقد جرى على غير من هوله وهو في الحقيقة لليد, ويده مرفوعة بعفيفة ارتفاع المرفوع المسبب بالصفة. والعائد من الصفة إلى الموصوف الهاء في «يده». فإن أسقطت الهاء من «يده» ومن «عفيفة» , ونسبت العفة إلى الرجل في الجملة قلت: هذا رجل عفيف يدًا, أو عفيف يدٍ, فأشعت العفة في جملته ثم بينها بعد ذلك بجارحة من جوارحه. وإذا أتيت بالهاء رفعت من أول وهلة, فقد قصرت العفة على الجارحه المذكورة. وكذلك: حسن وجهه,
стр. 246
وكريم أبوه, وطاهر ذيله, كله جار هذا المجرى. فالنصب على التمييز, وقد قيل على التشبيه بالمفعول به. والأحسن قولك «تمييز» , لأنه يجرى مجرى باب «تفقأ زيد شحمًا» و «تصبب عرقًا» , فكما تسمي ذلك تمييزًا لما كان منصوبه فاعلًا في المعنى كذلك تسمى منصوب هذا الباب تمييزًا لكونه فاعلًا في المعنى.
فأما إن أدخلت الألف واللام على «الوجه» ونصبته فإن لا يحسن أن تقول «تمييز» , لأن التمييز لا يكون بالمعرفة. وكذلك يجوز أيضًا مع الألف واللام في الثاني ثلاثة أوجه فتقول: هذا رجل عفيف اليد, وعفيف اليد, وعفيف اليد, وكذلك البقية. فهذه ستة أوجه.
فإن أدخلت الألف واللام على الأول جاز ثلاثة أوجه أخر, فقلت: هذا الرجل العفيف اليد, واليد, واليد, فصارت تسعة. فإن أدخلت الألف واللام على الأول وأسقطتها من الثاني جاز وجهان, ويسقط وجه آخر, وهو الجر. لا يجوز: هذا الرجل العفيف يدٍ, فتجمع بين صريح المعرفة وصريح النكرة. ويجوز الوجهان الآخران, أغني رفع «وجه» ونصبه, فصار أحد عشر وجهًا.
فأما «عفيف يده» , بجر اليد مع المضمر, فمذهب سيبويه [﵀] أنه جائز عنده كما جاز مع الألف واللام في قولك: هذا رجل عفيف اليد, لأن الألف واللام عاقبت الإضافة إلى المضمر. وليس احتجاج من احتج عليه بأنه قد أضاف الشيء إلى نفسه حجة, لأن هذه إضافة لفظية لا حقيقية. وعليها أنشد سيبويه [﵀]:
أمن دمنتين عرج الركب فيهما ... بحقل الرخامى قد عفا طللاهما
стр. 247
أقامت على ربعيهما جارتا صفًا ... كميتا الأعالي جونتا ممصطلاهما
فموضع الشاهد أنه وصف قوله «جارتا صفًا» بقوله «كميتا الأعالي» , ثم وصفه بقوله «جونتا مصطلاهما» , وقد أضاف «الجونتين» إلى «المصطلى» المضاف إلى الضمير, فهو وزان مسألته في الجواز. فاعرف ذلك.
***
والخامس من المجرورات مثل: مسجد الجامع, وصلاة الأولى وجانب الغربي, وحق اليقين, ودار الآخرة, ونحوه من مجرورات الوصف والحذف . فهذا النوع الخامس كان أصله: صلاة الساعة الأولى, فالأولى من نعت الساعة. ومسجد الجامع, أصله: مسجد المكان الجامع. وجانب الغربي, أي: جانب
стр. 248
المكان الغربي, وحق اليقين, أي: حق الشيء اليقين أو النبأ اليقين. ودار [٦١] الآخرة, أي: / دار الكرة الآخرة, حذفت الموصوف من هذا كله وأقمت صفته مقامه. وإنما اعتقدت هذا الاعتقاد لأنه لا يصح إضافة الشيء إلى صفته. لا يجوز أن تقول: جاءني زيد العاقل, لأن زيدًا هو العاقل, والشيء لا يضاف إلى نفسه. وكذلك «مسجد الجامع» , لا يصح أن يكون المسجد مضافًا إلى الجامع لكونه صفته في الأصل, ووجب أن يقدر الحذف المذكور.
فإن أتيت بالألف واللام فيهما بطلت الإضافة وصار الثاني نعتًا لا غير, فقلت: هذا المسجد الجامع, ولا يجوز: هذا المسجد الجامع. وكذلك «الصلاة الأولى» في موضع النعت لا في موضع الإضافة. وكذلك «الجانب الغربي» و «الحق اليقين» و «الدار الآخرة». ولهذا قرأ من قرأ: (وللدار الآخرة) , ولم يقرأ أحد «وللدار الآخرة». فاعرف ذلك وقس عليه تصب إن شاء الله تعالى.
***
[قال الشيخ ﵀]: والسادس من المجرورات مثل: مررت بزيدٍ, ونزلت على عمرو. فهذا ونحوه من مجرورات التعدية إنما دخل حرف الجر فيه للتعدية وإيصال معنى الفعل إلى الاسم, فلا يجوز فيه إلا وجه واحد وهو الجر, إلا أن يكون الحرف زائدًا فيسقط ويرجع إلى الأصل, مثل: ليس زيد بقائم, وليس زيد قائمًا. فكل جار ومجرور وقع مفعولًا فإن لفظه لفظ الجر وموضعه نصب. فلذلك يجوز في العطف عليه وجهان, مثل: مررت بزيدٍ
стр. 249
وعمروٍ, وعمرا. فالجر على اللفظ, والنصب على الموضع. لأن حرف الجر بمنزلة الجزء من الاسم تارة, وبمنزلة الجزء من الفعل تارة, فلذلك يجوز الوجهان.
***
قال الشيخ ﵀: فأما قولنا: «فهذه جملة المجرورات, وما عداها فمبني على الكسر, مثل: نزال وتراك وحذام وقطام وبداد وفساق وغدار وفجار. ومثل: هؤلاء وأمس. ومثل: سيبويه وعمرويه ونفطويه, ونحوه من الأسماء المركبة مع الأصوات».
فإنما أوردنا هذا الفصل آخر المجرورات ليحكم على حركاتها بأنها حركات بناء, لا حركات إعراب. لأنها كلها مبنيات.
وباب «فعال» يأتي على أربعة أقسام. اسماء للفعل كنزال وتراك. وهذا اسم للفعل. وفعله انزل واترك, أتي به للاختصار على ما تقدم من الكلام عليه في صهٍ ومهٍ.
وحذام وقطام اسمان علمان مبنيان كبناء أسماء الأفعال. وإنما بنيا - وليس أصلهما فعلًا - لأحد أمرين, احدهما علة أبي العباس أنه كان فيه التعريف والتأنيث, فلما اجتمع إلى ذلك العدل عن حاذمة وقاطمة بني, لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء.
والعلة الصحيحة أنه بني لتضمنه معنى الحرف الذي هو تاء التأنيث من
стр. 250
«حاذمة» و «قاطمة». لأن الاسم إذا تضمن معنى الحرف بني. وليس كثرة العلل موجبة للبناء. ألا ترى أن في «أذربيجان» ونحوه التعريف والتأنيث والتركيب والعجمة والألف والنون, فهذه خمس علل ومع هذا فلم يبن. فليس كثرة العلل موجبة للبناء.
وبداد وفجار اسمان للمصدر الذي هو البدة والفجرة, كأنه بني المصدر في هذا الوزن كما بني في الأعلام في حذام وقطام, وفي أسماء الأفعال في نزال وتراك, والعلة كالعلة.
وأما فساق وغدار فصفة معدولة عن فاسقة وغادرة, تستعمل في النداء, فيقال: يا فساق ويا غدار, كما يقال للمذكر: يا فسق ويا غدر.
فهذه أربعة أقسام كلها مبنية لما ذكرنا. وبنيت على حركة لالتقاء الساكنين, الحرف الأخير والألف الذي قبله. وخص بالكسر على أصل التقاء الساكنين.
следующие страницы →