Полный текст (825 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب تممه بمنك
اللهم بحمدك أستفتح، وبدعائك أستنجح، وبجودك أستمنح وبشكرك أستريح، وبرحمتك أستروح، وبنصحك أستنصح، وبهدايتك أستوضح، وبنورك أستصبح.
فلولا الهداية لما كانت الدراية، ولولا الزيادة في العناية، لما كانت الكفاية في النهاية، ولولا سطوع الأنوار على سطح الأفكار لما أطلع على الأسرار، وأشرف على الأغوار.
اللَّهُمَّ فلك الحمد، على ما اختصصت به من صفات الجلال، ونعوت الكمال، حمدًا تتضاءل بجنبه بلاغة البلغاء، وتقاصر عن إدراكه عقول العقلاء، ولك الشكر على ما أوليت من الإنعام الجميل، وأسديت من الإحسان الجزيل، شكرًا يليق بالعبيد، ويستدعي المزيد، ويرضي المجيد، منجز الوعد والوعيد، الفعال لما يريد، وهو أقرب من حبل الوريد.
والصلاة والسلام على الرسل الكرام، سادة الأنام، خصوصًا على المبعوث بالدين المتين، والمرسل بالشرع المبين، الهادي إلى الصراط المستقيم الداعي إلى النعيم المقيم، محمد خاتم الأنبياء، وسيد الأصفياء وعلى آله وصحبته، أئمة الأتقياء، وقادة الأولياء.
أما بعد:
فإنه لما كمل كتابنا المسمى: "نهاية الوصول في دراية الوصول" في أصول الفقه، مطولا، مبسوط العبارة مسحوب الاستعارة مشروح البيان، موضح التبيان، يصعب تحصيله على المحصلين، وتعلمه على المتعلمين، دون بحثه وتدبره على المتبحرين - رأيت أن أؤلفه مختصرًا فيه، يعم به النفع، وينتفع به الفذ والجمع، سهلًا حفظه، قريبا تناوله حاويًا لمسائله، واعيا لمباحثه، محيطا بأدلته شاملًا لأسئلته وأجوبته، إلا ما قل، مع زيادات لطيفة، وأنظار دقيقة، يظهر المعنى من لفظه، والفحوى من ظاهره، من غير تكلف ولا تعسف، لئلا يصعب على الفكر حله، والخاطر ذكره، وسميته: «الفائق» ليطابق الاسم المسمى، والكنية المكنى، لأنه يفوق المختصرات المصنفة في هذا الفن لغزارة الفوائد، وكثرة الفرائد، مع الإيجاز المتوسط بين طرفي التفريط والإفراط.
وقد قيل: "خَيْرُ الأمورِ الأوساط".
стр. 2
وأسأل الله العظيم أن يجعل فيه النفع العميم، بالنبي الكريم، وكما كمل على أحسن النظام إلى آخره.
وهذا أوان الشروع في المقصود ...
الكلام في المقدمات
الأولى: الفقه: الفهم. قيل هو أي الفهم جودة الذهن وفيه نظر.
لقبول ما يرد عليه.
لا فهم غرض المتكلم، إذ يوصف به حيث لا كلام، ولأنه أعم.
واصطلاحًا: العلم أو الظن بجملة من الأحكام الشرعية العملية، إذا حصل عن استدلال على أعيانها.
стр. 3
لا العلم بالأحكام، إذ لا يشترط فيه قطع، ولا عموم.
خرج بالأخير علم المقلد، وما علم منها ضرورة، إذ الضروري لا يكون استدلال على أعيانها.
وإنما قدم تعريفه لأنه مضاف إليه.
والأصل: ما منه الشيء، لا المحتاج إليه، وإن زيد في الوجود، إذ لم يطلق على الشروط وعدم المانع.
وعرفًا: الأدلة.
والإضافة للاختصاص، دفعًا للاشتراك ولمجاز.
وقيل: في أسماء الأعيان للملك، وقيل: فيهما لهما.
أصول الفقه: جمع أدلة الفقه، من حيث إنها أدلة على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال، وحال المستدل بها، ونعني بالأدلة ما يفيد القطع والظن.
وموضوعه: أحوال الأدلة الموصلة إلى الأحكام، من حيث إنها موصلة.
وعلته الغائية: معرفة الأحكام التي بها انتظام المصالح الدينية والدنيوية.
стр. 4
الدليل: فاعل ما به الدلالة، وذاكره، وما به الدلالة، وهو الأكثر في الاستعمال.
قيل: الأول حقيقة، وغيره مجاز، كالمخصص.
وعرفًا: ما يكون النظر الصحيح فيه موصلًا إلى العلم أو الظن بالمطلوب.
وقيل: هو الأول، والثاني: الأمارة، فيكون بينهما مباينة، وعلى الأوّل عموم وخصوص.
النظر: الانتظار، وتقليب الحدقة نحو المرئي، والرؤية والرحمة والتأمل.
وعرفًا: ترتيب تصورات أو تصديقات، في الذهن ليتوصل بها إلى غيرها فيه.
فإن كنت مطابقة لتعلقاتها، مع صحة الترتيب، فنظر صحيح وإلا ففاسد.
ومقدماته: إن كانت قطعية بأسرها فلازمه قطعي، وإلا فظني.
وعرف منه أن شرطه: العقل، وانتفاء منافيه كالغفلة، وأن لا يكون جاهلًا بالمطلوب.
стр. 5
ولا عالمًا به من كل الوجوه، ولا من وجه يطلبه.
الثانية: إدراك أمر من غير حكم عليه وبه، تصور، ومع أحدهما تصديق.
فإن كان جازمًا: غير مطابق فجهل، أو تقليد، أن يطابق، ولم يكن لموجب أوله فعلم، وهو:
إما عقلي: فإن كفى تصور ظرفية لحصوله، فعلم بديهي، وإلا فنظري.
أو حسي: فعلم به المحسات.
أو مركب: فالمتواترات إن كان الحس سمعًا، وإلا فبالمجربات والحدسيات.
وفرق بينهما: بأن الحدس: سرعة الانتقال، وأنه إنما يستعمل فيما ليس لأفعالنا مدخل فيه.
وإن لم يكن جازمًا: وتساوى طرفاه سمِّي شكًّا، وإلا.
فالراجح: ظنًّا صادقًا أو كاذبًا، والمرجوح: وهما.
стр. 6
وأورد: بأن الشك تردد لا حكم، فلم يجر إيراده في قسم الحكم.
وأجيب: بمنع انحصاره فيه، إذ تردد العقل بين حكمين لدليلين متساويين شك - أيضًا - لصحة وصف من شأنه ذلك به.
نعم: انحصاره فيه - كما أشعر به كلام الإمام خطأ.
قيل: العلم لا يعرف.
لأن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم، فلو علم العلم بغيره لزم الدور.
وأجيب: بأن توقف غير العلم عليه، من جهة أنه إدراك له، وتوقف العلم على غيره، من جهة أنه صفة مميزة له، فلا دور.
و-أيضًا-: أن توقف تصور غير العلم على حصوله، لا على تصوره، وتوقف تصور العلم على تصور غيره، فلا دور.
وقيل: إنه ضروري؛ إذ كل أحد يعلم ضرورة أنه عالم بنفسه وجوعه، وتصور الضروري ضروري.
стр. 7
وأجيب: بمنعه، لأن التصديق الضروري هو ما تصور طرفيه كاف في الجزم به، ولو كان كسببين.
وقيل: يعرف بالتقسيم والمثال فقط، وهو باطل، إذ ليس هو غير التعريف بالحد، والرسم وإن عنى به أنه يتعذر أو يتعسر ذلك، لعسر الاطلاع على ذاتيه وخارجيه، فلذلك غير مختص به وقيل: يمكن تعريفه بكل كغيره.
وأصح ما قيل: صفة توجب تمييزًا، لا يحتمل النقيض، فيعم الكلي والجزئي كإدراك الحواس، وعليه الأكثر، ومن خصه بالكلي فيزيد: في الأمور الكلية.
واعترض: بالعلوم العادية، فإنها تحتمل النقيض.
وأجيب: بمنعه عادة، واحتمالها عقلًا لا يضر، إذ جهة الاحتمال غير جهة القطع.
تنبيه:
الظن: هو الاعتقاد الراجح من اعتقادي الطرفين وكذا رجحان الاعتقاد، لا الاعتقاد الراجح، واعتقاد الرجحان، فقد لا يكون معهما اعتقاد آخر، وحينئذ: إما علم، أو جهل، أو تقليد.
وإن اعتبر القدر المشترك ففيه التقسيم، سوى الشك.
الثالثة: الحكم: جاء بمعنى المنع والصرف، ومنه الحكيم، والحَكَمة للحديدة التي
стр. 8
في اللجام.
وبمعنى: الأحكام، ومنه الحكيم في صفاته تعالى، وهو: فعيل بمعنى مفعل.
الحكم الشرعي: يحتمل أن يكون مأخوذًا من الأول؛ لأنه شرع زاجرًا قال الله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: آية ٤٥] ..
ومن الثاني؛ لأنه يدل على أحكام شارعة، حيث خص كل فعل بما ينبغي أن يخص به.
واختلف في العرف الشرعي:
١ - قيل: إنه خطاب الشارع، المتعلق بأفعال المكلفين، وهو غير مانع، لدخول مثل قوله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: آية ٩٦].
٢ - وقيل: "إنه خطاب الشارع، المفيد فائدة شرعية".
أي: لا تستفاد إلا منه، وهو مثله، إذ يشتمل الصفات السمعية.
٣ - وقيل: إن الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين، بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع.
٤ - قيل: لا حاجة إلى الوضع، لحصول فائدته مما سبقه، وهو تكلف.
٥ - وقيل: لأن ما يفيده ليس بحكم شرعي، وهو تعسف.
الخطاب: "الكلام الذي يفهم المستمع منه شيئًا مع قصد المتكلم إفهامه به"، وأريد بأو: أن ما يقع على أحد الوجوه المذكورة كان حكما، وما لا فلا.
стр. 9
ومعنى تعلق الضمان بفعل الصبي، وكون الفعل حلالًا، وقوله: حل بعد أن لم يحل، وكون الحكم معللا بحادث تكليف الولي بآدائه من مال الصبي.
وكونه مقولا فيه رفع الحرج عن فاعله، وتعلق الإحلال به، كونه معرفًا به، لا يقال: التعلق نسبي، فيتوقف على وجود المنتسبين، فيكون الحكم حادثًا، لأنا نقول بالصحة يسلم ذلك، لكن لا في الخارج، فلا يلزم حدوثه.
وقالت الحنفية: القائلون بقدم الحكم: "إنه عبارة عن تكوين الله الفعل على وصف حكمي نحو: كونه حسنًا أو قبيحًا".
وهو دور مستدرك.
والأولى: أن يقال - بناء على أصلهم -: إنه عبارة عن تكوين الله الفعل على وجه الاقتضاء، أو التخيير أو الوضع.
فالحكم: هو التكوين: المخصوص، وهو قديم عندهم، وكون الفعل على ذلك الوصف محكوما، لا حكمًا.
اللغات
فصل
الكلام: مشتق من الكلم.
стр. 10
والحروف المفهمة، إنما سميت به، لأنها تؤثر في القلب بالإفهام، أو لأن منه ما يجرح القلب.
ولهذا قيل: كلم الكلام أشد من كلم السهام.
فسمي الجنس باسم نوعه، كعلم الكلام، وهو حقيقة - عندنا - في المعنى القائم بالنفس، وفي العبارة الدالة عليه.
وقيل: في الأول.
وقيل: في الثاني.
وحدّه بالمعنى الثاني هو: المنتظم من الحروف المسموعة، المتواضع عليها، الصادرة عن قادر واحد.
والنظام: حقيقة في الجسم، مجاز هنا للتشبيه.
ونعني بالحروف: ما زاد على الواحد، ظاهرًا كان، أو في الأصل.
والحد: يدخل بعض الكلمة في الكلام، لا كلها، فلا يشكل بباء الإلصاق، ونحوه، والنحاة تخالف فيه.
فالأولى: أن يقال؛ الكلمة: لفظ دال بالاصطلاح على معنى مفرد، وفيه احتراز عن الكتابة، والإشارة، والحركات الإعرابية، والمهمل وعما دل عليه عقلًا، وطبعًا وعرفًا، وعن المركب.
والكلام هو: المركب الذي يحسن السكوت عليه، وفيه احتراز عن الكلمة، ونحو:
стр. 11
يا غلام زيد.
وإنما يحصل من اثنين، أو منه وفعل، وقيل: وحرف في النداء، وقيل: هو راجع إلى الثاني.
وأورده عليه: بأنه لو كان كذلك لاحتمل التصديق والتكذيب كأصله.
وأجيب: بمنعه، لنقله عنها معنى وصيغة.
وأنواعه أربعة: الاسمية، والفعلية، والشرطية، والظرفية، والأخيرتان ترجعان إليهما.
وأنواع الكلمة ثلاثة: لأنها إن دلّت على معنى في غيرها فحرف سميت بذلك لوقوعها طرفا، أو لأن منه ما هو على حرف واحد أو في نفسها، فإن دلت على زمان يوازنها ففعل سمي به لأن مدلوله فعل في الأكثر، تسمية الدال باسم مدلوله وإلا: فاسم، سمي به لسموه على قسيميه، أو لأنه علامة بمسماه وليس كل فعل كلمة عند الحكماء، إذ اتفقوا على أن: أفعل، وتفعل، ونفعل كلام، والماضي كلمة، واختلفوا في الغائب.
فذهب الشيخ: إلى أنه كلمة كالماضي، لكونه غير دال على موضع معين.
والباقون: إلى أنه كأخواته، لكونه محتملًا للتصديق والتكذيب، مع أن لجزئه دلالة على جزء المسمى.
وقيل: الغائب كلمة وفاقًا، والأول: أصح.
مسألة
دلالة اللفظ لو كانت لمناسبة، لما صحّ وضع لضدين، ولما اختلفت باختلاف الأمم والنواحي، لاهتدى إليها بالعقل، ولأنا نعلم ضرورة أن ما يخيل من المناسبة فيه غير آتٍ
стр. 12
في كله.
وخالف عباد، محتجًّا بأنها لو لم تكن لها، لزم التخصيص بلا مرجح.
وأجيب: بمنعه، إذ ليس الترجيح منحصرًا فيها، وبالنقض بتخصيص وجود العالم، وبالأعلام.
ثم قال الأشعري، والفقهاء والظاهرية: دلالته بالوضع مع الله تعالى، وسمى توقيفًا، والمعتزلة والبهشمية: من العبيد ويسمى اصطلاحًا.
والأستاذ: ابتداؤه منه تعالى، لا الباقي.
стр. 13
وقيل: بعكسه.
وتوقف جمع، كالقاضي، وإمام الحرمين والغزالي والإمام.
إذ الكل ممكن، فإنه يمكن أنه تعالى وضعها وعلمها بإلهام، أو بخلق علم ضروري، بأن واضعًا وضعها، وعرف غيره بإشارة، أو غيرها، كتعلم الولد لغة والدين، ويلزم منه إمكان الآخرين ولا يجزم بواحد، لضعف دليله، لما يأتي فوجب التوقف.
أدلة القائلين بالتوقف
التوقف:
قوله تعالى: ﴿وعلم ءادم الأسماء كلها﴾ [البقرة: آية ٣١] دلّ على أنها توقيفية، فكذا قسماه، لعدم الفصل، ولتعذر التكلم بها وحدها ولاندراجها تحتها، لكونها علامة أيضًا.
وأجيب: بمنع دلالته على توقيف الأسماء إذ التعميم: فعل ما يترتب عليه العلم، لا إيجاد العلم، إذ يقال: علمته فما تعلم، لا يقال: إنه للقرينة، لأن التعارض خلاف الأصل سلمناه لكن العلم الحاصل بعد الاصطلاح بخلقه تعالى، سلمناه لكن المراد منها الصفات، من صلاحية المخلوقات للمصالح، سلمناه لكن علم وضعه من سبقه، لا وضعه تعالى.
стр. 14
لا يقال: إنه خلاف الظاهر، قلنا: ممنوع، سلمناه لكن المراد منه ما يحتاج إليه في الابتداء، دون الدوام، لعلم بحدوث أسام في كل عصر، والألف واللام للعهد، سلمناه لكن لا يلزم منه توقيف هذه اللغة بل لغة ما.
وفيه نظر: لأنه ليس الكلام في لغة معينة، بل في أول اللغات فلم يتجه ما ذكره.
وقوله تعالى: ﴿واختلاف ألسنتكم﴾ [الروم: آية ٢٢].
والمراد: اختلاف اللغات بطريق الإضمار أو التجوز، لأن اختلافها أكثر، وأظهر من الجارحة المخصوصة، فكان الحمل عليها أولى، ولاتفاق المفسرين عليها.
وأجيب: أن الأقدار على وضعها أو تلفظها، كالتوقيف في كونه آية فلم يتعين ما ذكرتم.
وفيه نظر: إذ التوقيف أولى، لأنه مجاز، أو وإن كان إضمار، لكنه أقل مما في الأقدار.
وجوابه: منع دلالة الخلق، وكونه آية على التوقيف، لأن على الاصطلاح -أيضًا - كذلك على ما عرف ذلك من مذهبنا.
وقوله تعالى: ﴿إن هي إلا أسماء﴾ [النجم: آية ٢٣]. ذموا على التمسية فلم يكن غيرها منهم.
وأجيب: بأنه لخصوصية التسمية، لا لمطلقها.
سلمناه: لكنه لا يدل على التوقيف، بل على أن بعضها كذلك، ولأن الاصطلاح إن عرف: بمثله لزم التسلسل، أو الدور، أو بتوقيف، فهو الغرض.
وبه تمسك الأستاذ في الأول، دون الدوام، لإمكان تعريفه بالتوقيف، وقال: إنه معلوم الوقوع.
وأجيب بالنقض: بتعلم الولد لغة والديه، وبأن تكريره مع الإشارة إلى المسمى، طريق إليه، ولا توقيف ودور، وتسلسل، وبأنه لا يقتضي توقيف هذه اللغة، بل لغة ما.
وأيضًا: الاصطلاح يرفع الأمان عن الشرع لجواز تبدلها.
وأجيب: بأنه لو تبدل لاشتهر، وجواب نقضه يعرف بعد.
стр. 15
أدلة المعتزلة "القائلين بالاصطلاح "
الاصطلاح:
قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول﴾ [إبراهيم: آية ٤]، دل على تقدم اللغات، فلو كانت توقيفية لزم الدور.
وأجيب: أن التوقيف لا يتوقف على البعثة، فلا دور، ولأن آدم غير مبعوث بلسان أحد، وهو معلوم، فلا دور.
وأيضًا - وصول التوقيف بالوحي باطل، لما سبق.
الدليل العقلي المعتزلة:
وبخلق علم ضروري، بأنه تعالى وضعها في عاقل، يوجب العلم الضروري به تعالى، وأن يبطل التكليف بمعرفته، أو في غيره، وهو بعيد جدًّا أو بغيرهما، ولا تسلسل، بل ينتهي إلى الاصطلاح.
وأجيب: بأنه بخلق العلم الضروري، بأن واضعا وضع، لا أنه تعالى وضع، سلمناه، فلما لا يجوز أن يعلم المجنون - ضرورة - بعض الأحكام الدقيقة.
ومنها: يعرف دليل المذهبين الآخرين وجوابه.
وإذ قد ظهر الضعف الكل، وجب التوقف.
مسألة:
لا بد لكل إنسان من طريق يعرف به غيره ما في ضميره، لأنه مضطر إلى التعاون،
стр. 16
واختيرت العبارة، لأنها من كيفية التنفس الضروري، لوجودها وعدمها عند الحاجة، ولأنها عامة الإفادة، ولقلة لزوم الاشتراك فيها.
وليس الغرض من وضع المفردة إفادة معانيها المفردة للدور، بل الغرض أن يفاد بتركيبها معانيها المركبة، ويكفي في إفادتها لها العلم بها مفردة، ونسبها المطلقة، فلا دور
قيل: الألفاظ إنما تدل على الصور الذهنية، لا الخارجية.
أما المفردة: فاختلافها باختلاف الذهنية، واستمرار الخارجية.
وأما المركبة: فلأن الخبر لا يفيد وجود المخبر عنه، وإلا: لم يكن كذبًا، بل الحكم به، وإنما يستدل به على الوجود الخارجي إذا عرف براءته عن الخطأ، قطعًا أو ظنًّا.
واعترض عليه: بأن موافقة الذهنية للخارجية شرط دلالتها عليها، والشيء ينتفي بانتفاء شرطه، وبأنه إنما يلزم ذلك لو كانت دلالته قاطعة، ثم إنه يقتضي صدق الخبر مع عدم مطابقته، وكذبه معها، وهو خلاف الإجماع.
مسألة:
ليس لكل معنى لفظ، وإلا: لوجد لفظ موضوع لمعاني غير متناهية، إذ الألفاظ متناهية، دون المعاني، لكنه محال، إذ وضعه لها ومعرفته تقتضي تعقلها مفصلة، وهو - منا - محال، فما تمس الحاجة إليه يجب الوضع له، للقدرة والداعي، وما لا فلا، بل جاز أن يكون فيه الأمران.
واللفظ المشهور لا يكون موضوعًا للخفي، كلفظ الحركة للمعنى الموجب لكون الذات متحركة، على ما يقوله بعضهم، لأنه لو كان موضوعًا له ولغيره لزم الاشتراك،
стр. 17
أوله فقط لزم النقل، إذ المعنى المشهور: هو المتبادر إلى الفهم، وأنه آية الحقيقة، وليس هو بطريق الوضع الأصلي فيكون بالنقل.
مسألة
معرفة العربية واجبة، لتوقيف معرفة شرعنا عليها.
وهي بالنقل: متواترًا مفيدًا للعلم، أو أحادًا مفيدًا للظن، أو مركب منه والعقل، لا وحده.
كما يعلم أن المجموع للعموم: بنقل صحة الاستثناء عنها، وأنه إخراج ما لولاه لدخل.
وهو مفيد، إن لم يجز التناقض على الواضع، ولم يثبت ذلك، ثم هو نادر، فلا يعول عليه في الكل.
والتواتر: ممنوع، للاختلاف في أكثر الألفاظ دورانًا على الألسن، كلفظ "الله"، ولعدم العلم باستواء الطرفين والواسطة والاعتماد على أنه لو تغير لاشتهر - ضعيف، إذ ليس وضع لفظ لمعنى واقعة عظيمة، ثم اشتهر أخذها عن قوم، ولم يحصل التواتر بنقلهم، والقطع بعدم نقل الكل كذبًا لا يفيد.
والآحاد: لا يفيد إلا الظن، إن سلم عن الطعن والمعارضة، وهو غير حاصل، إذ جرح بعضهم بعضًا، وبتقدير سلامته وجب أن لا يقطع بشيء منه، والاجتماع فرع هذه القاعدة، فإثباتها به دور.
أجيب:
أنَّ المشهور منها، كالسماء والأرض، معلوم لا يقبل التشكيك كالضروريات، وغير
стр. 18
مظنون ووجب العمل به بالإجماع بما يفيد القطع.
فصل
دلالة اللفظ على مسماه المطابقة، وعلى جزئه التضمن، وعلى لازمه الالتزام، وكله مقيد بكونه كذلك، للاحتراز عن المشترك بين الشيء وجزئه أو لازمه، كالرحيم.
ولم يقيد الإمام الأولى به، لا بأنه لا حاجة إليه فيها، بل لعله لأن المحترز عنه لم يعرف بعد.
وهي تنفك عن التضمن، وعن الالتزام على رأي، وهي لازمة لها.
والدلالة: الحقيقة، والوضعية، واللفظية هي: "المطابقة"، والباقيتان: عقليتان ومجازيتان.
وقيل: دلالة التضمن لفظية - أيضًا -، وهو ضعيف لأنه يلزم مساواة الالتزام له، أو التحكم.
ودلالة اللفظ - بتوسط الوضع - منحصرة في الثلاثة، إذ لو فهم معنى منه بدونها، لزم الترجيح من غير مرجح، وإنما قيد بتوسط الوضع لتخرج دلالة العقل، والطبع والعرف.
ولمعتبر في الالتزام اللزوم الذهني ظاهرًا، إذ لا فهم دونه ولحصوله بدون القطع، لا الخارجي إلا: لما قيل: بأن لفظ الجوهر لم يستعمل في العرض.
стр. 19
وبالعكس مع تلازمهما فيه إذ لا يلزم من وجود ما يعتبر في وجود الشيء وجوده كالشرط، واللازم العام بل لحصول الفهم دونه، كما في الضدين.
والدال بالمطابقة:
إن قصد بجزئيه دلالة على جزئي المعنى - حين هو جزؤه - فمركب، وإلا: فمفرد كـ"ق" إذا جعل علما، وفرس وإنسان وعبد الله، والحيوان الناطق علمًا وما يقصد بجزء منه دون جزء - غير موجود.
والمؤلف كالمركب.
وقيل: ما لجزئه دلالة على جزء المعنى.
والمركب: ما يدل جزؤه على غير جزء المعنى، فمباينة، ولا بأس بجعله أعم منه.
وقيل: المفرد هو اللفظ لكلمة واحدة، فنحو: "عبد الله" مركب على هذا، وإن كان علما، ويضرب مفردًا، وهما على العكس على الأوّل.
وقيل: المفرد، غير الجملة.
وأيضًا: اللفظ جزئي إن منع نفس تصوره معناه عن قوع للشركة فيه، وإلا: فكلي وأقسامه تسعة، على ما ذكرناه في نهاية الوصول في دراية الأصول.
وهما بالذات للمعنى، وبالعرض للفظ.
والكلي: إما تمام الماهية، وهو المقول في جواب ما هو: إما بالشركة فقط، وهو ما
стр. 20
يجاب به حالة الجمع فقط، كالجنس بالنسبة إلى أنواعه - أو بالخصوصية فقط، وهو الذي يجاب به حالة الإفراد فقط، كالحد بالنسبة إلى محدود.
أو بهها، وهو الذي يجاب به فيهما معًا، كالنوع بالنسبة إلى أفراده.
أو جزؤها - وهو الذاتي:
وهو إتمام المشترك وهو الجنس قريبًا كان أو بعيدًا.
أو تمام المميز، وهو الفصل القريب.
وإن لم يكن تمام المشترك، كان بعضًا منه مساويًا له، دفعًا لتسلسل فكان فصلًا بعيدًا، لتميزه الماهية عن شيء ما في ذاته.
ولو فسر الفصل: بكمال المميز، لم يكن حصر الجزء في الجنس، والفصل، لإمكان جزء ليس كذلك، كفصل الجنس.
ومن لم يحصره فيهما، فعنده منحصر في الجنس والفصل وجنسهما وفصلهما.
والأجناس: تنتهي في الارتقاء إلى ما لا جنس فوقه، وهو جنس الأجناس.
стр. 21
والأنواع تنتهي في النزول إلى ما لا نوع تحته، وهو نوع الأنواع.
القسم الثالث من أقسام الكلي
أو خارجًا عنها، وهو العرض.
إما لازم لها، أو للشخصية، بين، أو لا، بوسط، أولا، أو غير لازم: بطيء زواله، أو لا.
وأيضًا إن اختص بنوع واحد فخاصة عم أفراده، أو لا، وإلا: فعرض عام.
قيل: الكلي: اسم جنس -في اصطلاح النحاة - إن دل على نفس الماهية.
ومشتق: إن دل على موصوفية أمر بصفة.
وهو باطل، لأنه قسم منه - عندهم - لا قسيمه، بل اسم الجنس ما هو اسم للجنس عندهم، وهو كل أمر عام، متناول للأنواع أو الأصناف أو الأفراد، ذاتيا كان أو غيره، فيعم المشتق وغيره.
التقسيم الثالث اللفظ
أيضا: إن العدد المفرد ومعناه: فمتباينة أو الأول فقط فمترادفة، أو الثاني فقط.
стр. 22
فإن وضع للمتعدد أولًا فمشترك بالنسبة إليه، ومجمل بالنسبة إلى كل واحد منهم.
أو لواحد ثم نقل إلى غيره: فإن لم يكن لمناسبة، قال الإمام: فمرتجل، وهو خلاف الاصطلاح.
أولهما:
فإن ترجح المنقول إليه، قال الإمام: فمنقول شرعيًّا كان أو عرفيًّا.
وفيه نظر، إذ لا يشترط المناسبة فيالنقل، على ما أشعر به كلامه أيضًا في تعارض الألفاظ.
وإلا: فمجاز بالنسبة إلى المنقول إليه، حقيقة، بالنسبة إلى المنقول عنه.
وإن اتحدا:
стр. 23
فإن كان نفس تصور المعنى يمنع من وقوع الشركة فيه فعلم وإلا: فمتواطئ إن كانت على السوية.
وإلا: فمشكك كالوجود للواجب والممكن.
التقسيم الرابع للفظ
وأيضًا: إن أفاد معنى لا يحتمل غيره فنص وإلا: فمجمل إن احتمله سواء، وإلا فبالنسبة إلى الراجح "ظاهر"، وبالنسبة إلى المرجوح "مأول".
والمشترك بين النص والظاهر "محكم"، وبين الآخرين "متشابه".
التقسيم الخامس للفظ
وأيضا: اللفظ: قد يدل على لفظ مفرد أو مركب، دال على معنى، أو غير دال، "ككلمة"، وخبر، وحرف التهجي.
стр. 24
ولم يوجد الرابع لعدم الفائدة.
وقيل: هو كلفظ "الهذيان".
مسألة: المركب التّام
إن أفاد طلب ذكر الشيء بصيغة خاصة فاستفهام أو تحصيله مع الاستعلاء فأمر، أو تركه فنهي، أو مع التساوي فالتماس، أو مع الخضوع فدعاء وسؤال.
وإلَّا: فإن احتمل التصديق والتكذيب فخبر
وإلَّا: فتنبيه.
وأقسامه: التمني، والترجي، وهو في الممكن مع تعاطي أسبابه، والتعجب والقسم، والنداء.
وغير التام: تقييدي، كالحيوان الناطق وغيره كمن زيد.
مسألة:
الدلالة الالتزامية
الدال بالالتزام:
أ- إما مفرد. ب- أو مركب.
ومعناه:
١ - إما شرطي للمطابقي فاقتضاء، أو لا.
стр. 25
٢ - وهو إما مكمل له: فمفهوم الموافقة، لتحريم التأفيف على تحريم الضرب، أو لا: وهو: إما ثبوتي: فـ"إشارة".
نحو: دلالة قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ [البقرة: آية ١٨٧]. على صحة صوم المصبح جنبًا.
أو عدمي: "فمفهوم المخالفة".
فصل
في الأسماء المشتقة
"حد المشتق"
قيل: المشتق: ما غير من أسماء المعاني عن شكله بزيادة أو نقصان، في الحروف أو الحركات، أو فيهما، وجعل دالا على ذلك المعنى، وعلى موضوع له، غير معين.
وهو غير جامع: لخروج التثنية والجمع، والأسماء المنسوبة من أسماء الأعيان، وأمثلة المضارع سوى الغائب عنه.
وقيل: "ما وافق أصلا بحروفه الأصول، ومعناه بتغير ما"، وهو دور إن عني به أصلا، وإلا فمنتقض بالأفعال المشتقة من المصادر، المتشاركة في الحروف الأصلية، مختلفة كانت حركاتها أو متحدة كجَن وجُن مع اتحاد مصدريهما.
قيل: "إن تنظيم الصيغتين فصاعدًا معنى واحد".
وهو غير مانع، إذ يدخل تحته نحو: الضارب والمضروب مع أنه لا اشتقاق بينهما هذا إن أريد الاشتقاق بينهما، وإن أراد ما هو أعم منه فيكون مختلا لأنه أخل بذكر المشتق منه، ولا بد منه.
стр. 26
وقيل: "هو أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب، فترد أحدهما إلى الآخر".
وهو -أيضًا-: مختل لجعله عبارة عن الوجدان، وربما تقدم، وإن عنى به ما له حيثية الرد فدور، واستعمال ظاهر في خلافه في الحد.
وأصحه: أن المشتق لفظ ناسب آخر في التركيب والمعنى، ومفهومه جزء من الأول.
ولا تخفى أركانه.
وقد يطرد كاسم الفاعل وقد يختص كـ"القارورة".
مسألة: لا يصدق المشتق بدون المشتق منه
لامتناع الكلي بدون الجزء.
وجوّزه أكثر المعتزلة، ضمنًا لا تصريحًا، إذ قالوا: الله تعالى عالم بلا علم، وهو اسم للمعنى، لا للعالمية الثابتة له تعالى، كرأي البصري، فلا يتحقق معه خلاف.
لهم: أنه لا معنى له إلا: أنه ذو المشتق منه، وهو لا يقتضي الإنصاف بطريق القيام به، فيصدق، ولو بدونه.
وأجيب: بمنع الأولى، إذ هو عندنا أخص منه.
стр. 27
مسألة
يشترط بقاؤه في صدقه حقيقة. وقيل: لا.
وقيل: إن أمكن، وإلا: فآخر جزئه.
الثبت: إنه يصح نفيه بعد انقضائه، لصدق الأخص منه، فلا يصدق هو.
وأجيب: بمنعه، فإنه سلب أخص، ولا سلبٌ أخص، وأسلم فيقتضي تحقق مطلق السلب، لا تحقق السلب مطلقا.
- وأيضًا -: قياس ما بعد الوجود على ما قبله.
وأجيب: بمنعه في اللغة، سلمناه، لكن إذا كان الضارب من ثبت له الضرب لم يلزم.
وأيضًا: لو صدق حقيقة لاطرد، فجاز تسمية الصحابة كفرة واليقظان نائما.
وأجيب: لمنع وجوب اطراد الحقيقة، سلمناه، لكن قد لا يطرد، لمانع من تعظيم أو عرف.
النافي: الضارب من ثبت له الضرب، وهو أعم من الحال والماضي.
وأجيب: بمنعه، وهو - عندنا - من ثبت له الضرب في الحال.
قالوا: الفرق معلوم بالضرورة بين الضارب، والضارب في الحال فيكون من أعم منه.
وأجيب: بأنه في اللفظ، وبأنه مصرح به، وفي الأوّل ضمنًا دون أصل الثبوت.
ولأن أهل العربية أجمعوا على صحة: ضارب أمس، والأصل هو الحقيقة.
وأجيب: بأنه مجاز كما في المستقبل بالاتفاق.
стр. 28
واعترض عليه: أنه تكثير للمجاز، وعلى ما ذكرنا تقليله فكان أولى.
وأيضًا - ترك مقتضى الدليل للإجماع، لا يوجب تركه حيث لا إجماع.
وأيضًا: صح مخبر ومتكلم، ولا وجود لمدلوله مجموعًا، فلا يتصور بقاؤه.
وأجيب: بأن اللغة لم تبن على مثل هذه المشاحة، بدليل صحة الحال، ولأن الدليل يقتضي أن لا يصدق حقيقة ترك العمل به للإجماع، والضرورة، فيبقى ما عداه على الأصل، سلمناه، لكن المعتبر في مثله وجود آخر الحروف، كما تقدم.
واعترض عليه: بأن الكلام في البقاء، لا في الوجود، فهو غير باق وإن وجد.
وأنه لو شرط: البقاء، لما صح عالم، ومؤمن للنائم.
وأجيب: بأنه مجاز، لعدم اطراد مثله، وبأن الكلام في البقاء، ولإمكان إحالته إلى المانع كما تقدم.
ويمكن أن يجاب عنه: أن إحالته إلى عدم المقتضى أولى لئلا يلزم التعارض.
مسألة:
يجب أن يشتق لمحل المعنى منه اسم، ويمتنع لغير محله.
أدلة القدرية:
خلافا للقدرية، إذا قالوا: الله تعالى متكلم بكلامه، يخلقه في جسم، ويمتنع وصفه به.
لنا: أن معنى المشتق: شيء قام به المشتق منه، فحيث حصل هذا المعنى وجب أن يصدق.
وفيه نظر: إذ الموجبة الكلية لا يجب أن تنعكس كلية، وأما في الثانية فلأنه بالنسبة إليه كالمعدوم، وقد بينا: أن المشتق لا يصدق بدون وجوده.
-وأيضًا-: الاستقراء، فإنه يحقق قولنا فيهما، والمطلوب في اللغة على الأغلب الظن، وهو يفيده.
стр. 29
لهم أن القتل قائم بالمقتول، وغيره قاتل، دونه.
وأجيب: بمنعه، إذ القتل هو التأثير القائم بالقاتل، دونه.
وقدح فيه: بأنه عين الأثر، وإلا لزم قدم الأثر، أو تقدم الأثر أو تقدم النسبة على المنتسبين، أو التسلسل.
وأجيب: بمنع لزوم التسلسل، لأنه عبارة عن تعلق القدرة بالمقدور، وهو لا يستدعي تعلقًا آخر، ثم بمنع امتناعه فيه إذ هو من الأمور الاعتبارية.
سلمناه: لكنه معارض بما أن العلم بمغايرتهما ضروري، إذ التأثير: نسبة وصفة للمؤثر، دون الأثر.
والأثر: جوهر وجسم وعرض، دونه لأنه معلل بالتأثير.
وأيضًا: الأسامي المنسوبة إلى البلدان والصنائع، مشتقة مع امتناع القيام به.
وأجيب: بأنه حائد عن صورة النزاع، إذ النزاع في المشتق مما يتصور قيامه بالغير.
مسألة
المشتق لا يدل على الخصوصية
لا لصحة: الأسود جسم، إذ يصح: الإنسان حيوان، مع دلالته عليه تضمنًا، لأن معناه أن أمرًا ما له المشتق منه، لكونه قدرًا مشتركًا في موارد استعماله، وأعم من غيره.
стр. 30
مسألة
جواز القياس في اللغة جمع
كالقاضي، وابن سُريج، والإمام، والمازني، والفارسي وابن جني، وكثير من الفقهاء.
خلافًا للحنفية، وإمام الحرمين، والغزالي، وبعض أهل العربية.
وليس الخلاف في مثل: رجل، وفاعل، ومفعول، واسم صفة، فإن كل ذلك معلوم الاطراد من كلامهم بالضرورة، ولا في الأعلام، إذ يمتنع اطرادها وفاقا.
بل في موضوع لمعين، يدور وجودًا وعدما مع وصف فيه كالخمر الموضوعة للمسكر،
стр. 31
المعتصر من العنب، الدائرة وجودًا وعدما، مع وصف الإسكار فيه، فهل يجوز تسمية النبيذ المسكر بها لعلة الإسكار فيه، أم لا، فيه الخلاف، وكذا في تسمية النباش سارقًا، واللائط زانيا للآخذ خفية، والإيلاج في محرم قطعًا، مشتهى طبعًا.
أدلة القائلين
بجواز القياس في اللغة
للمجوز: قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: آية ٢]. وهو متناول لكل الأقيسة.
وأجيب: بمنع عمومه، ولئن سلم، لكن خصص عنه البعض وفاقًا فلا يكون حجة، ولئن سلم، لكنه يقتضي الوجوب، ولا قائل به، سلمناه لكن خص عنه اللغات، لفقد العلة فيها، فإن للخصوصية فيها مدخلًا، إذ يقال للفرس المتلون بلونين: أبلق، والأسود منه أدهم، وما يغلب بياضه سواده: أشهب، ولا يقال لمثله من غيره ذلك.
والدوران: فإنه يفيد ظن العلية لما يأتي:
قالوا: دار - أيضًا - مع خصوص كونه من العنب، ومال الحي وقبلا، فلا يفيد، إذ شرطه خلوه عن المزاحم.
وأجيب: بأنه لو منع هذا المنع في الشرعيات، لا يخلو المزاحم.
قالوا: لا نسلم، فإن الخصوصية ملغاة فيها، لإجماع الصحابة على جواز القياس فيها، الدال على إلغاء الخصوصية، ولا يمكن ادعاء مثله في اللغة، لأنه ثبت بتصريح، إذ لم يقع من الصحابة بحث أنَّ القياس جائز في اللغة أم لا، فضلًا عن أن الشارع جعله علة، فإن ما جعله العبد علة لا يتعدى الحكم بتعديته، ولم يثبت ذلك، فلعل اللغات اصطلاحية.
стр. 32
قالوا: رفعوا كل فاعل، ونصبوا كل مفعول، إلا: لمانع، وأجمعوا على تعليل الأحكام الإعرابية، ولا ذلك إلا: بطريق القياس، إذ لا نص على القاعدة الكلية.
وأجيب: بمنعه، بل هو بالاستقراء، ولا نزاع فيه و -أيضًا-: حد شارب النبيذ، وقطع النباش، وجلد اللائط أو رجمه، ولا ذلك إلا: للاندراج تحت أدلة تلك الأحكام.
وأجيب: بمنعه، بل بالقياس الشرعي، فعم فعل ذلك من رأي القياس فيها، وأما من يرد ذلك فلا.
أدلة المانعين
للقياس في اللغة
وللمانع: ما تقدم في أن اللغات توقيفية، فلا يكون شيء منها قياسًا.
وأجيب: بمنع الأولى، وقد بان ضعف تلك الأدلة، وبمنع الثانية: فإن التوقيف لا يمنع القياس، كما في الشرعيات، وأيضا إنه إثبات للغة بالمحتمل.
وأجيب: بمنعه، بل بالظن الغالب، إذ الغالب الاطراد بحسب الوصف، والخصوصية نادرة، غير قادحة فيه، كما في الشرعيات.
و- أيضًا - اللغات، إن كانت اصطلاحية: امتنع فيها القياس لأن ما يجعله العبد علة لا يتعدى الحكم بتعديته، وإن صرح بالعلة والأمر بالقياس، فكيف إذا لم يوجد ذلك.
وإن كانت توقيفية: فيحتمل أن يجري القياس فيها، إذا حصل أركانه وشرائطه، ويحتمل أن لا يجري: إما لعدم العلة، أو لعدم التعدية، أو لوجود المانع، لفقد شرطه، أو لعدم ورود الإذن به، وما يحتمل وقوعه على طرق كثيرة، راجح على ما ليس كذلك.
و-أيضًا- إن نقل عنهم أن كل ما اتصف بذلك الوصف، سمي بذلك، كانت التسمية نصًّا لا قياسًا.
وإن نقل عنهم التخصيص، بذلك المحل الخاص، امتنع القياس، وإن لم ينقل واحد
стр. 33
منهما، ولم يوجد سوى الاستعمال فيه وجودًا وعدمًا، فيحتمل أن يكون: متعدية، أو غير متعدية، والثاني أظهر لاعتضاده بالأصل من وجهين: فيمتنع التعدية عملا بالاحتمال الراجح، ونقض هذا وما سبقه بالشرعيات.
وأجيب: بأنه ترك العمل بهما فيها للقاطع، فيبقى فيما عداه على الأصل.
-وأيضًا-: الاسم قد يكون معللا بوصف دائر معه وجودًا وعدما، في محل خاص، ثم إنه لا يجوز الإلحاق به وفاقًا، وذلك يدل على عدم جريان القياس فيها.
بيان الأوّل: أن الجن والجنين، إنما سميا بذلك لاستتارهما عن العيون، والملائكة والنفوس البشرية كذلك، مع أنها لا تسمى بذلك.
والملك مشتق من الألوكة، وهي الرسالة، مع أنها حاصلة في البشر، ولا يسمى بذلك.
بيان الثاني: أن اعتماد القياس على تعليل التسمية بالوصف ودورانه معه، وجودًا وعدمًا، فإذا لم يحصل تعدية العلة بهذا الطريق لم يصح القياس.
وأورد: بأن امتناعه في البعض لا يدل على امتناعه مطلقًا، كما في الأحكام الشرعية.
وأجيب: بأن ذلك في التعبدية، فأما مع ما يدل على العلية فلا.
فصل
المترادف
هو: (ألفاظ مفردة متغايرة، دالة على مسمى واحد).
ولا حاجة إلى زيادة اعتبار واحد، أو من غير تفاوت، لأن ما يخرج به، خرج بالأخير.
مسألة: في وقوع الترادف
وهو واقع.
стр. 34
وقيل: لا، في العربية، وإن ما يظن ذلك، فهو متباين: بالذات والصفة: كأسد، وليث، إذ تأتي باعتبار الصفة.
وهو: إما التوثب، إذ الليث: اسم لضرب من العناكب التي تصطاد الذباب بالتوثب، أو أنه يكون ويكثر الفساد، أو لصفتين: كإنسان وبشر، وخندريس، وعقار، إذ الأول باعتبار العتق، والثاني عقر الدن.
- أو بالصفة وصفة الصفة كأسود وأسحم، فإن الثاني: باعتبار ميلانه إلى الصفرة.
وهذا ممكن في بعض ما يظن كذلك، دون كله، وتكلفات الاشتقاقين لا يشهدها عقل ولا نقل.
مذهب الجمهور أن الترادف واقع
وجوازه ووقوعه في لغتين، معلوم بالضرورة، والأغلب وقوعه في العربية، للاستقراء: الصَّلْهب، شوذب، فضة، وحنطة وبر.
стр. 35
قالوا: تعريف للمعروف، فكان عبثا.
وأجيب: بمنعهما، وهذا لأنه علامة ثانية، والفائدة لم تنحصر في التعريف، حتى يكون الخالي عنه عبثًا.
وأنه يخل بالفهم، أو تحصيل المشقة الزائدة.
وأجيب: بالنقض باللغات المختلفة، وبفوائد الترادف، وأنه مشتمل على المفسدة الراجحة، وإلا: لما قل وجوده وحينئذ يجب أن لا يكون.
وأجيب: بأنه يقتضي قلة وجوده، لا عدمه بالكلية، ولأنه فاسد الوضع، لأنه استدلال بندرة الوجود على عدم الوجود بالكلية.
الترادف خلاف الأصل:
ثم هو خلاف الأصل، إذا الغالب خلافه.
وقد يكون أحدهما أجلى من الآخر، فيكون شرحًا له، ويختلف ذلك بالأمم.
الداعي إلى الترادف:
ثم الداعي إليه: التسهيل والتوسعة، وتيسير النظم، والنثر للروي والزنة والسجع، وتيسير المطابقة والتجنيس، وسائر أصناف البديع ووضع القبيلتين.
وفي صحة إقامة كل منهما مقام الآخر:
стр. 36
ثالثها: إن كان من لغة واحدة جاز، وإلا: فلا.
(أدلة) المانع: لو جاز، لجاز من لغتين.
وأجيب: بإلزامه، وبالفراق باختلاط اللغتين.
أدلة المجوز: أن معناهما واحد، ولا حجر في التركيب.
وأجيب: بمنع الثاني، وهذا لأن التركيب للإفهام، ولا فهم للعارف بلغة واحدة.
(أدلة المفصل)
للمفصل أن هذا المحذور غير حاصل في الواحدة، فيجوز.
وأجيب: بأن صحة الضم من عوارض الألفاظ، كما في اللغتين فجاز أن يختص أحدهما بصحة الضم إلى اللفظ، دون الآخر.
وأجيب: بأنه وإن جاز عقلا لكن الاستقراء ينفيه.
فصل التأكيد
(لفظ مستعمل لتقوية ما فهم من الآخر).
وهو: لفظي بإعادة الأوّل.
ومعنوي: غير مختص كالعين، والنفس، ومختص: بمثنى كـ "كلا وكلتا"، وبجمع أو ذي أجزاء كـ "كل" و"أجمعون" وتوابعهما.
стр. 37
الفرق بين الترادف والتأكيد
ويفارق الترادف بإفادة التقوية، واشتراط تقدم المؤكَّد، وتأخر المؤكِّد، وقد يكون عين المؤكد، وأن يكون من لغة واحدة.
الفرق بين التأكيد والتابع
ويفارق التابع: كـ"شَيْطانُ لَيْطانُ"، وعطشان نطشان.
في أنه على زنة المتبوع، وأنه لا يفيد، قال بعضهم حين سُئل عن معنى "بسن" وهو تابع "حسن": لا أدري ما هو؟
الفرق بين التأكيد والمترادف
ويفارق المترادف: في أنه يجوز أن يفرد بالذكر، والتأكيد في أنه قد يكون بتكرر الأول.
مسألة
جواز التأكيد بالضرورة:
ولأن تقوية المعنى، لإزالة اللبس والغلط: قد يكون غرضًا للمتكلم، والوضع يتبعه.
وهو واقع في كلام الله تعالى ورسوله والفصحاء للاستقراء.
وإذا أمكن الحمل على فائدة مستقلة، وكان أولى منه.
وخالف الملاحدة فيه: بأنه لا فائدة فيه، فكان الاشتغال به عبثًا.
стр. 38
وجوابه: منعه إن عني به مطلقًا، إذا التقوية فائدة، وإلا لم يفسد.
فصل المشترك
"لفظ واحد" موضوع لشيئين مختلفين أو أكثر، من حيث هما كذلك من غير نقل.
خرج عنه: ما ليس بلفظ، والمتباينة، والمترادفة والعلم المتواطئة، والمجاز، والمنقول.
مذاهب القائلين بوجوب المشترك وأدلتهم
وقولنا: لشيئين خير من قوله لحقيقتين، لتناوله المشترك بين فردين من نوع، ثم هو واجب، أو ممتنع، أو ممكن: واقع، أو غير واقع مذاهب أربعة:
الأوّل: الألفاظ متناهية، لأنها مركبة من الحروف المتناهية، والمعاني غير متناهية، لأن جملتها الأعداد، والمتناهي إذا وزع على غير المتناهي: لزم الاشتراك.
وأجيب: بمنع الأولى: إذ المركب من المتناهي، إن لم تكن وجوه التركيبات متناهية، لم يلزم التناهي، كما في الأعداد.
ويمنع الثانية: إن ادعاه مطلقًا، لأن الحاصل منها متناه، وإن ادعى غيره لم يفد، إذ لا نسلم دعوى الحاجة إلى الوضع له سلمنا عدم التناهي في الوجود الخارجي، لكن لا نسلم ذلك في المختلفة والمتضادة التي بحسبها يجب الاشتراك.
سلمناه، لكن الوضع لها مشروط بتعلقها مفصلا، وهو-هنا- محال، فيمتنع الوضع لها، سلمناه، لكن إنما يجب ذلك أن لو وجب أن يكون لكل معنى لفظ، وهو ممنوع، وهذا كأنواع الروائح والاعتمادات.
-وأيضا- اللفظ العام كالوجود واجب في اللغات، وقد تقرر: أن وجود كل شيء عين
стр. 39
ماهيته، فكأن الاشتراك واجبًا.
وأجيب: بمنع المقدمتين، وسلمناهما، لكن جاز وضعه لأمر عام، مشترك بين الموجودات.
مذهب القائلين بعدم وقوع المشترك وأدلتهم
للثاني: أن المخاطبة به عبث، أو تكليف ما لا يطاق، فوجب أن لا يكون.
وأجيب: بمنع لزومهما إياها، ثم بمنع انتفائهما.
-وأيضا- أنه يخل بالفهم التام، ويوقع في الجهل، فوجب أن لا يكون.
وأجيب: بأنه لا يوجب العدم، كما في أسماء الأجناس والمشتقات.
للثالث: أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال، فكان ممكنًا.
ولأن تعريف الشيء على سبيل الإجمال، قد يكون غرض المتكلم حيث لا يعلم التفصيل، أو يكون ذكره مفسدة، والوضع يتبع الغرض فأمكن الوضع له.
ولأن القبيلتين قد يضعان اللفظ لمعنيين، فحصل الاشتراك، من غير شعور بحصول مفاسده.
وأما الوقوع: فالاستقراء يدل عليه، فإنا إذا سمعنا "القرء" "الجون": بقى الذهن مترددًا بين مفهوميهما.
للرابع: أن التواطؤ والمجاز خير من الاشتراك، وكلما يظن أنه مشترك فيحتمل أن يكون حقيقة ومجازًا، أو متواطئًا وحينئذ لا يصار إلى الاشتراك.
стр. 40
وأجيب: بأنه محتمل، لكن الأغلب على الظن وقوعه، لما سبق.
مسألة حصول المشترك بين النقيضين
يجوز حصول المشترك بين النقيضين، إذ لا مانع منه بالأصل.
وقيل: لا، إذ فائدته التردد بين مفهوميه، وهو حاصل النقيضين قبل الوضع، فيكون عبثًا.
وأجيب: بمنع انحصار فائدته فيه، سلمناه: لكن لا ينفي وضع القبيلتين.
فعلى هذا مفهوماه: إما أن يصدق أحدهما على الآخر، صدق الكل على الكل كالممكن، أو صدق الصفة على الموصوف كالأسود إذا سمي به شخص أسود أو: لا، وهو: إما مختلفان كالعين أو ضدان كالقرء، والجون، أو نقيضان كإلى على رأى.
مسألة جواز وقوع المشترك في الكتاب والسنة
يجوز وقوعه في الكتاب والسنة لأنه وقع، قال الله تعالى:
﴿واليل إذا عسعس﴾ [التكوير: آية ١٧]. وقال: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: آية ٥٦] وقال ﵇: "دعي الصلاة أيام أقرائك".
следующие страницы →