Полный текст (825 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ثالثها: إن كان من لغة واحدة جاز، وإلا: فلا.
(أدلة) المانع: لو جاز، لجاز من لغتين.
وأجيب: بإلزامه، وبالفراق باختلاط اللغتين.
أدلة المجوز: أن معناهما واحد، ولا حجر في التركيب.
وأجيب: بمنع الثاني، وهذا لأن التركيب للإفهام، ولا فهم للعارف بلغة واحدة.
(أدلة المفصل)
للمفصل أن هذا المحذور غير حاصل في الواحدة، فيجوز.
وأجيب: بأن صحة الضم من عوارض الألفاظ، كما في اللغتين فجاز أن يختص أحدهما بصحة الضم إلى اللفظ، دون الآخر.
وأجيب: بأنه وإن جاز عقلا لكن الاستقراء ينفيه.
فصل التأكيد
(لفظ مستعمل لتقوية ما فهم من الآخر).
وهو: لفظي بإعادة الأوّل.
ومعنوي: غير مختص كالعين، والنفس، ومختص: بمثنى كـ "كلا وكلتا"، وبجمع أو ذي أجزاء كـ "كل" و"أجمعون" وتوابعهما.
стр. 37
الفرق بين الترادف والتأكيد
ويفارق الترادف بإفادة التقوية، واشتراط تقدم المؤكَّد، وتأخر المؤكِّد، وقد يكون عين المؤكد، وأن يكون من لغة واحدة.
الفرق بين التأكيد والتابع
ويفارق التابع: كـ"شَيْطانُ لَيْطانُ"، وعطشان نطشان.
في أنه على زنة المتبوع، وأنه لا يفيد، قال بعضهم حين سُئل عن معنى "بسن" وهو تابع "حسن": لا أدري ما هو؟
الفرق بين التأكيد والمترادف
ويفارق المترادف: في أنه يجوز أن يفرد بالذكر، والتأكيد في أنه قد يكون بتكرر الأول.
مسألة
جواز التأكيد بالضرورة:
ولأن تقوية المعنى، لإزالة اللبس والغلط: قد يكون غرضًا للمتكلم، والوضع يتبعه.
وهو واقع في كلام الله تعالى ورسوله والفصحاء للاستقراء.
وإذا أمكن الحمل على فائدة مستقلة، وكان أولى منه.
وخالف الملاحدة فيه: بأنه لا فائدة فيه، فكان الاشتغال به عبثًا.
стр. 38
وجوابه: منعه إن عني به مطلقًا، إذا التقوية فائدة، وإلا لم يفسد.
فصل المشترك
"لفظ واحد" موضوع لشيئين مختلفين أو أكثر، من حيث هما كذلك من غير نقل.
خرج عنه: ما ليس بلفظ، والمتباينة، والمترادفة والعلم المتواطئة، والمجاز، والمنقول.
مذاهب القائلين بوجوب المشترك وأدلتهم
وقولنا: لشيئين خير من قوله لحقيقتين، لتناوله المشترك بين فردين من نوع، ثم هو واجب، أو ممتنع، أو ممكن: واقع، أو غير واقع مذاهب أربعة:
الأوّل: الألفاظ متناهية، لأنها مركبة من الحروف المتناهية، والمعاني غير متناهية، لأن جملتها الأعداد، والمتناهي إذا وزع على غير المتناهي: لزم الاشتراك.
وأجيب: بمنع الأولى: إذ المركب من المتناهي، إن لم تكن وجوه التركيبات متناهية، لم يلزم التناهي، كما في الأعداد.
ويمنع الثانية: إن ادعاه مطلقًا، لأن الحاصل منها متناه، وإن ادعى غيره لم يفد، إذ لا نسلم دعوى الحاجة إلى الوضع له سلمنا عدم التناهي في الوجود الخارجي، لكن لا نسلم ذلك في المختلفة والمتضادة التي بحسبها يجب الاشتراك.
سلمناه، لكن الوضع لها مشروط بتعلقها مفصلا، وهو-هنا- محال، فيمتنع الوضع لها، سلمناه، لكن إنما يجب ذلك أن لو وجب أن يكون لكل معنى لفظ، وهو ممنوع، وهذا كأنواع الروائح والاعتمادات.
-وأيضا- اللفظ العام كالوجود واجب في اللغات، وقد تقرر: أن وجود كل شيء عين
стр. 39
ماهيته، فكأن الاشتراك واجبًا.
وأجيب: بمنع المقدمتين، وسلمناهما، لكن جاز وضعه لأمر عام، مشترك بين الموجودات.
مذهب القائلين بعدم وقوع المشترك وأدلتهم
للثاني: أن المخاطبة به عبث، أو تكليف ما لا يطاق، فوجب أن لا يكون.
وأجيب: بمنع لزومهما إياها، ثم بمنع انتفائهما.
-وأيضا- أنه يخل بالفهم التام، ويوقع في الجهل، فوجب أن لا يكون.
وأجيب: بأنه لا يوجب العدم، كما في أسماء الأجناس والمشتقات.
للثالث: أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال، فكان ممكنًا.
ولأن تعريف الشيء على سبيل الإجمال، قد يكون غرض المتكلم حيث لا يعلم التفصيل، أو يكون ذكره مفسدة، والوضع يتبع الغرض فأمكن الوضع له.
ولأن القبيلتين قد يضعان اللفظ لمعنيين، فحصل الاشتراك، من غير شعور بحصول مفاسده.
وأما الوقوع: فالاستقراء يدل عليه، فإنا إذا سمعنا "القرء" "الجون": بقى الذهن مترددًا بين مفهوميهما.
للرابع: أن التواطؤ والمجاز خير من الاشتراك، وكلما يظن أنه مشترك فيحتمل أن يكون حقيقة ومجازًا، أو متواطئًا وحينئذ لا يصار إلى الاشتراك.
стр. 40
وأجيب: بأنه محتمل، لكن الأغلب على الظن وقوعه، لما سبق.
مسألة حصول المشترك بين النقيضين
يجوز حصول المشترك بين النقيضين، إذ لا مانع منه بالأصل.
وقيل: لا، إذ فائدته التردد بين مفهوميه، وهو حاصل النقيضين قبل الوضع، فيكون عبثًا.
وأجيب: بمنع انحصار فائدته فيه، سلمناه: لكن لا ينفي وضع القبيلتين.
فعلى هذا مفهوماه: إما أن يصدق أحدهما على الآخر، صدق الكل على الكل كالممكن، أو صدق الصفة على الموصوف كالأسود إذا سمي به شخص أسود أو: لا، وهو: إما مختلفان كالعين أو ضدان كالقرء، والجون، أو نقيضان كإلى على رأى.
مسألة جواز وقوع المشترك في الكتاب والسنة
يجوز وقوعه في الكتاب والسنة لأنه وقع، قال الله تعالى:
﴿واليل إذا عسعس﴾ [التكوير: آية ١٧]. وقال: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: آية ٥٦] وقال ﵇: "دعي الصلاة أيام أقرائك".
стр. 41
وقيل: لا، لأنه لم يقصد به الإفهام، أو قصده بدون القرينة لزم العبث، أو تكليف ما لا يطاق أو معها متصلة: لزم التطويل من غير فائدة أو منفصلة، فأمكن أن لا يصل إليه، فيتعطل الخطاب وأجيب: بمنع امتناع اللوازم على رأينا وبمنع كونه تطويلا من غير فائدة على رأي الكل.
مسألة فيما يعرف به المشترك
يعرف المشترك: بتصريح أهل اللسان به وبكونه حقيقة في هذين، أو وضع لهذين من غير نقل، أو إذا استتممتموه مني فلا تحملوا على هذين المفهومين عينا، إلا: لقرينة وبكون الذهن يبقى مترددا في مفهوميه، وبأنه إذا أراد إفهام أحدهما مبهما اقتصروا على مجرد اللفظ، أو عينا ضموا إليه قرينة، وبكونه مستعملا فيهما، مع أنه لا يصح سلبه عن كل منهما. وأما مجرد الاستعمال، وحسن الاستفهام، فلا.
مسألة الأصل عدم الاشتراك
لأن الانفراد أكثر للاستقراء، وأنه آية الرجحان, ولا يقال: الاشتراك أكثر، إذ الحروف والأفعال بأسرها مشتركة وفي الأسماء -أيضا- اشتراك كثير، فإذا انضم إليها، صار الاشتراك أكثر
لأنا نمنع المقدمات أو لا، ثم نمنع كون الاشتراك أكثر حينئذ وإنما يلزم ذلك: أن لو لم تكون الأسماء المنفردة أكثر، وهو ممنوع و-أيضا- احتمال كون اللفظ منفردا، راجع إلى احتمال كونه مشتركا، وإلا: لما حصل الفهم عن شيء من الألفاظ على مجردها، واللازم ممتنع فالملزوم مثله، فاحتمال الانفراد راجح.
واعترض عليه: بمنع الملازمة، وهذا لأن ظن وضعه للمعنى كاف في حصول الفهم، وإن احتمل وضع لغيره احتمالا سواء.
стр. 42
وأجيب بأن الفهم على هذا يعتمد على ظن وضع اللفظ للمعنى على الانفراد، وأنه حاصل بأكثر الألفاظ، لحصول الفهم في أكثرها، ولا نعني بكونه خلاف الأصل.
إلا: أن احتمال الانفراد راجح، أو وضعه على الانفراد غالب. و- أيضا - الاشتراك يخل بالفهم، ويوقع في الجهل، ويضر بالقائل، وذلك يوجب ظن مرجوحيته.
وأيضا الحاجة إلى الانفراد ضوررية، دون الاشتراك لحصول مقصوده بالترديد، فكان الأول أغلب على الظن.
مسألة في المشترك المفرد المثبت إذا صدر مرة مجردا عن القرينة قيل:
يحمل على جميع معانيه بطريق الحقيقة
عند الشافعي، والقاضي، والجبائي، وجمع من الفريقين إذا لم يمنع مانع من الجميع، كالمتنافيين، نحو "أفعل في الأمر بالشيء، والتهديد عليه".
مذهب المخالف
خلافا للحنفية، وإمام الحرمين والغزالي، والإمام وأبي هاشم، والبصريين ثم المانع يرجع إلى الوضع، وهو الأصح، وقيل: القصد، وقيل: مطلقًا.
стр. 43
أدلة من قال: لا يحمل على جميع معانيه
لنا: أنه إن وضع لأحد المعنيين على البدن فقط، لم يجز استعماله فيهما معا، وإن وضع لهما فقط باعتبار المجموع كالقوم أو باعتبار كل واحد منهما كالعام، لم يكن اللفظ مشتركا.
أما أولا: فلاتفاق أكثرهم عليه.
وأما ثانيًا: فلأن المتبادر إلى الفهم منه أحدهما، لا بعينه. ولو سلم ذلك، لكنه يقتضي أن يكون استعماله في أحدهما على البدلية - مجازا، وهو باطل بالاتفاق عليه، وحينئذ لم يكن ذلك استعمالا له في جميع معانيه، بل في بعضها، وإن وضع لهما ولأحدهما على البدلية: فإن استعمل فيهما بأي اعتبار كان من الاعتبارين المذكورين، كان ذلك استعمالًا له لا بعض معانيه، لا كلها، وإن استعمل فيهما أو في أحدهما على البدلية فباطل، لأن بين المفهومين تنافيا، فالجمع بينهما محال.
ولأن المعنى من استعمال اللفظ في حقيقته: أن يحصل الاكتفاء به، فلو استعمل فيهما حقيقة، لزم أن يحصل الاكتفاء بأحدهما، وأن لا يحصل وهو متناقض.
وعلى هذا لا يرد ما أورد على تقدير الإمام.
أدلة المجوز لحمله على جميع معانيه
للمجوز:
قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: آية ٥٦]. والصلاة من الله الرحمة. ومن الملائكة الاستغفار، وقد أريدا من الآية، وقوله: ﴿ألم تر أن الله يسجد له﴾ والسجود من الناس: وضع الجبهة على الأرض، لأنه السابق إلى الفهم عندما يضاف إليه، ولتخصيص كثير من الناس بذلك، إذ السجود بمعنى الخشوع يعمهم.
والسجود من غير من يعقل: هو الخشوع، لأنه المتصور منه.
وقد أريد من السجود المذكور في الآية. وأجيب: بأنه متعدد في المعنى، لتعدد فاعليه فكان كالمتعدد لفظا سلمناه، لكنه يجوز أن يكون موضوعا للمجموع، كما هو للآحاد، سلمناه، لكنه بطريق التجوز.
стр. 44
وقد أجيب أيضا: بمنع أنه بالاشتراك اللفظي بل المعنوي وبأنه ربما نقل بعرف الشرع إلى المجموع، فلا يكون اللفظ مشتركا وفيهما نظر، نظر: من حيث إن اللفظ لا يطرد، حيث يوجد ذلك المشترك، وأن النقل خلاف الأصل، وأنه يجب اشتهاره، ولو لم يوجد وأيضا: أريد بالقرء في آية العدة مفهوماه، لوجوب الاعتداد على المجتهدة بكل منهما، إذا أدى اجتهادها إليه.
وأجيب: ببعض ما سبق، وبمنع دلالة وجوب العمل به على الإرادة، إذا العمل بالظن واجب، كيف ما كان وأيضا قال سيبويه: "الويل لك، دعاء وخبر" وأجيب: ببعض ما سبق، وبأنه بيان كونه مشتركا.
الدليل العقلي للمجوزين
ولأنه: لا يمتنع إرادة ذينك المعنيين، قبل التلفظ به، مرة واحدة، لأن وجود اللفظ، وإيجاده، لا يحيل ما كان ممكنا وأجيب: بأنه غير وارد على من منع نظرا إلى الوضع وهو المختار ولو سلم: فالمحيل ليس هو التلفظ، بل الدليل المذكور.
فروع
أولها: استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معًا.
أو في مجازاته على الخلاف السابق ونقل عن القاضي أبي بكر: إحالته.
стр. 45
أدلة النافي:
للنافي أن استعماله فيهما يقتضي أنه مستعمل له فيما وضع له، وغير مستعمل له فيه، وهو متناقض.
وأجيب: بمنع اقتضائه ذلك، بل مقتضاه أنه مستعمل له فيما وضع له، وفي غير ما وضع له، ولا تناقض فيه.
وأن استعماله في المجازي يقتضي إضمار كاف التشبيه وفي حقيقته يقتضي عدمه، وهو جمع بين النقيضين وأجيب: بمنع امتناعه بالنسبة إلى الشيئين.
وثانيها: القائلون بجواز حمل المشترك على مفهوميه، اختلفوا في وجوبه:
فالأكثرون على نفيه، لئلا يلزم ترجيح من غير مرجح وذهب الشافعي، والقاضي -منا- إليه، تكثيرا للفائدة، ودفعا للإجمال، ومصيرا إلى الاحتياط.
وثالثها: النافون لاستعمال المشترك المفرد في جميع مفهوماته -اختلفوا في تثنيته وجمعه، في الإثبات.
فالأكثرون: على النفي، لأن التثنية والجمع تعديد المفرد، فإذا لم يجز.
وذهب الباقون: إلى الجواز، لأن الأقراء: قرء وقرء وقرء فإذا جاز، جاز.
وأجيب: بأنه كذلك باعتبار معنى واحد، لا معنيين.
ورابعا: منكرو التعميم في الإثبات، اختلفوا في تعميمه نفيا مفردا أو جمعا.
ونحو: لا تعتدي بقرء، أو لا تعتدي بالأقراء. فالأكثرون: سووا بينهما، لأن النفي إنما يرفع الإثبات، ولو أريد منه نفي المسمى عم، لكنه يصير متواطائا.
стр. 46
وذهب الأقلون: إلى أنه يعم دون الإثبات، لأنه نفي مطلق، وهو ينفي جميع مفهوماته، ولا يلزم من عدم التعميم في الإثبات: عدمه في النفي، كالنكرة، في سياق النفي. وتعميم نفي المفرد أولى من الجمع، لأن نفيه لا يقتضي نفي المفرد، فلا يعم.
مسألة
المشترك: إن تجرد عن القرينة بقي مجملا، عند من لم يوجب حمله على العموم.
وإلا: فإن عنيت واحدًا ابتداء، أو بإلغاء غيره زال الإجمال، وأكثر منه بقى مجملا بينهما.
أو كل واحد منهم، وهي متنافية- بقى مجملا، كما كان قبله أو غير متنافية.
قيل: بتعارضها، والمانع من حمله على جميع معانيه، وهو باطل إذ الجمع ممكن، بأن يقال: إنه تكلم به مرتين أو وإن كان مرة لكنه أراده تجوزًا لا بأنه موضوع للكل أيضا لأن ما يعين الكل حينئذ- يعين كل واحد أيضا، وإلا: لم يكن معينا لكل مدلوله، و-حينئذ- يتعذر الجمع إذ المانع يمنع من حمله عليهما والقرينة تعينهما.
ويخص الظني بأنه لا يعارض القطعي.
وإن ألغت الجميع بقي مجملا في مجازاتها، وإن تساوت الحقائق ومجازاتها، وإلا: فإن ترجحت إحداهما، فيحمل على المجاز الراجح أو مجاز الراجحة، أو كل منهما، فإن ترجح مجاز الراجحة: تعين، وإلا: فمجمل، ويمكن ترجيح المجاز الراجح على مجاز الراجحة.
فصل الحقيقة والمجاز
الحقيقة: "لفظ مستعمل فيما وضع له أولا، في اصطلاح به التخاطب" والمجاز: "لفظ مستعمل في غير ما وضع له أولًا، في اصطلاح به التخاطب، لعلاقة بينهما".
стр. 47
ومن شرط الوضع في المجاز يزاد فيه: "معنى متواضع عليه". وهذان يتناولان الحقائق الثلاث ومجازاتها.
ولفظتهما الحقيقة والمجاز: في معناهما حقيقتان عرفيتان للتبادر، مجازان لغويان
إذ الحقيقة: فعلية، من الحق، وهو الثابت، إذ يذكر في مقابلة الباطل الذي هو المعدوم، والفعيل: بمعنى الفاعل، والمفعول فيكون معناهما: الثابتة، أو المثبتة، والياء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، فلا يقال: شاة أكيلة ونطيحة، ثم نقل إلى الاعتقاد المطابق، ثم إلى القول المطابق، لأنهما بالوجود أولى من ضده، ثم إلى اللفظ المستعمل في موضعه، لأن استعماله فيه تحقيق لذلك الوضع.
والمجاز: مفعل من الجواز، بمعنى: التعدي المختص بالجسم، واستعماله في اللفظ مجاز، للتشبيه، ولأن بناءه للمصدر.
أو الوضع فاستعماله في الفاعل، أو المشابه له مجاز، والجواز بمعنى: الإمكان، وإن أمكن حصوله في اللفظ، لكنه راجع إلى الأول، فيكون التجوز لازما.
مسألة
الحقيقة اللغوية: واقعة إجماعًا.
ولأن نعلم بالضرورة: أن كل لفظ ليس مستعملا في غير موضعه، وأيضا: لا نعمل لها موضوعات غير ما استعملت فيه، فلم يمكن جعلها مجازات فيه، لفقد العلم بالمناسبة الخاصة. والاستدلال بفرعية المجاز لها: ضعيف إذ هو فرع الوضع لا الحقيقة، لتوقفها على الاستعمال بعده.
стр. 48
الحقيقة العرفية
وكذا العرفية: وهي اللفظة التي نقلت عن موضعها الأصلي، إلى غيره بعرف الاستعمال. وهي خاصة إن اختصت بقوم، وإلا فعامة ولا نزاع في الأولى.
والأصح وقوع الثانية -أيضا- في مثل: "الدابة والرواية والغائط".
الحقيقة الشرعية
وكذا الشرعية وهي: التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع أقسامها: وأقسامها الممكنة أربعة وأنكره القاضي -منا- مطلقا.
تفصيل الأئمة للحقيقة الشرعية
وفصل إمام الحرمين، والغزالي، والإمام: فأثبتوا منها ما كان مجازًا لغويًّا خاصة، وما نقل إلى الدين وأصوله يخص بالدينية.
وقيل: ما أجري على الفاعلين.
стр. 49
أدلة الجمهور
الجمهور: علامة الحقيقة حاصلة فيها كالمتبادر، وإذ ليست لغوية وعرفية وفاقا، فهي شرعية.
واستدل بالقطع للاستقراء. إذ الصلاة للركعات، والزكاة والصوم والحج لنقص، وإمساك، وقصد مخصوص، وهي لغة: داء ونماء. وإمساك مطلقًا، وقصد كذلك. قيل: باقية، والزيادات شروط اعتدادها رد: بأنه لا دعاء، ولا ابتاع، في صلاة الأخرس قيل: مجاز، فإن أريد به من جهة الشارع فهو الدعاء، أو من جهة أهل اللغة فخلاف الظاهر، إذ لم يعرفوها.
ورد: بأنه بحسب خصوصيته، لا كليته، نحو: كونه إطلاق اسم الجزئي على الكل.
دليل القطع بالاستقراء
واعترض: بأن الاستقراء بتصفح الجزئيات لا يفيد القطع، وبأنه لا يدل عليها مطلقا، بل ما كان منها مجازا لغويا.
وأيضا: الإيمان التصديق، وفي الشرع: فعل الواجبات: -
(أ) لأنه الدين، لقوله تعالى: ﴿وذلك دين القيمة﴾ [البينة: آية ٥]. وهو: الإيمان، وإلا: لما كان مقبولا من مبتغيه، للنص، ولاستثناء المسلمين من المؤمنين. في قوله تعالى: ﴿فأخرجنا﴾ [الذاريات: آية ٣٥]. وأجيب: بمنع عود ذلك إلى المذكورة، لأنها أمور كثيرة، وهو للواحد المذكور، وعوده إليها باعتبار كل واحد: ظاهر البطلان، وباعتبارها أمرًا تم خلاف الأصل سلمناه، لكن جاز عوده إلى الإخلاص -أيضا- فلم يتعين، ثم هو أولى، لأنه مذكور تصمنا، وتقرير لغة دون ما ذكرتم وبمنع أن الإسلام: الإيمان.
إذ الأول: معارض بقوله تعالى ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾ [الحجرات: آية ١٤]. ثم الترجيح
стр. 50
معنًى، إذ الأصل عدم التفسير، وتعدد المسميات عند تعدد الأسماء.
والثاني: لا دلالة فيه، إذ لا يلزم من عدم الاتحاد أن يكون الاستثناء منقطعا، ولو سلم أن الإيمان في الشرع: فعل الواجبات، لكن من جملة تلك الواجبات التصديق وفاقا، فيكون الإطلاق بطريق التجوز، ولا يلزم النقل بالكلية.
(ب) ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: آية ١٤٢]. أي: صلاتكم نحو: بيت المقدس.
وأجيب: بمنعه، بل المراد منه التصديق بها، إذ الإضمار خير من النقل.
(ج) قاطع الطريق يخزى، والمؤمن لا يخزى وأجيب: بمنع الثاني، والنص مختص بالرسول ﵊ وما بعده مستأنف، أو مختص به، وبأصحابه، لقرينة ﴿ءامنوا معه﴾ [التحريم: آية ٨].
(د) الإيمان يجامع الشرك، للنص، والتصديق لا يجامعه، فهو غيره.
وأجيب: أنه لا يجامعه على كل مذهب، ولا بد من تأويله، وهو أنه أريد به: الإيمان قولا، والشرك جنانا.
(هـ): الإيمان شرعا ليس هو التصديق، بل تصديق خاص فيكون مجازا لغويا، سلمنا دلالة ما ذكرتم عليه لكنه معارض: - بما يدل على أنه محله القلب، كقوله تعالى: ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾ [المجادلة: آية ٢٢]. ﴿وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: آية ١٠٦]. ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾ [الزمر: آية ٢٢].
وبما "يدل على" مجامعة الإيمان والفسق والمعاصي كقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان﴾ [الحجرات: آية ٩]. ﴿الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: آية ٨٢].
стр. 51
واستدل من المعقول: بأن المعاني الشرعية حدث تعقلها، فوجب أن يوضع لها اسم.
أدلة القاضي
للقاضي لو كانت، لما كانت عربية، إذ يضعونها لها، فلا يكون القرآن عربيًّا، ضرورة اشتماله عليها، لكنه باطل، لآيات.
وأجيب: بمنع الأولى: إذا المجاز عربي، وإن لم يكن بوضع منهم، إن أراد به الوضع المختص بالحقيقة، وإلا: فممنوع فإن قلت: شرط التجوز التنصيص، قلت: بمنعه على رأي، سلمناه لكنه كلي أو جزئي، والأول: مسلم، لكنه حاصل، والثاني: ممنوع، لا يقال: لا نسلم حصوله، وهذا لأنه لا يجوز تسمية كل شيء باسم كل جزء؛ إذ لا يجوز تسمية: المائة بخمسين، ولا الرغيف بالدقيق، ولا الدار بالجدار، ولا الجدار باللبنة.
بل غاية ما علم بالاستقراء: تسمية بعض الأشياء باسم جزئها، فلما قلتم: إن ما نحن فيه منه، لأنا نقول: المعلوم بالاستقراء تسمية كل شيء باسم جزئه الأشرف أو الغالب، إلا أن يمنع منه مانع، من عرف أو غيره لكن الأصل عدمه فيما نحن فيه منه، ويمنع الثانية: إذ هي نادرة، فلا يقدح في كونه عربيا، بناء على الغالب كالأسود الزنجي، والثور الذي فيه نقط بيض فإن قلت: ذلك مجاز، بدليل صحة النفي.
قلت: ليس حمل صحة النفي على الحقيقة، وذاك على التجوز أولى، وعليكم الترجيح، سلمناه، لكنه لا يلزم من عربية القرآن: عربية كله، إذ هو مشترك بين الكل والبعض، لفظا أو معنى: - لأنه مأخوذ من القرء، أو من القراءة.
وعلى التقديرين: يصدق على الجزء صدقه على الكل، والخارج من الكتاب -وإن وجد فيه المعنى- لا يسمى به للعرف.
ولأنه لو حلف أن لا يقرأه، حنث ببعضه، و-أيضا- يقال: هذا كله القرآن، وهذا بعضه، من غير نقص وتكرار.
و-أيضا- أجمعت الأمة على أنه لا يجوز للجنب قراءة القرآن وهو غير مختص بالكل إجماعا، والأصل في الإطلاق الحقيقة ولأن قوله: ﴿إنا جعلناه﴾ [الزخرف: آية ٣]. ضمير
стр. 52
السورة، وصحة قوله: لم ينزل إلا: قرآن واحد، وهذا بعض القرآن - لا يدل على أنه اسم للكل فقط، بل على أنه اسم له مطلقا، سلمناه لكن لا نسلم بطلان اللازم.
وما ذكر من الدلالة عليه، فمنقوص باشتماله على الحروف المعجمة و"المِشْكَاةُ" و"القسْطَاسُ"، و"السِّجِّيلُ"، و"الإستَبرقُ" فإنها ليست عربية.
وما يقال: إن الحروف في أوائلها أسماؤها، والبواقي من قبيل توافق اللغتين - فغير مفيد، إذ دلالتها عليها غير مستفادة من جهتهم لا حقيقة ولا مجازا، فكانت غير عربية.
التوافق، وإن كان محتملا، لكنه خلاف الغالب، وإلحاق الفرد بالغالب أولى.
стр. 53
و-أيضا- لو كانت، لعرفها، وإلا: لكان ملغزا، وعابثا، ولو عرفها لنقل متواترا، إذ النقل آحادا لا يفيد في مثله، لكنه غير حاصل، وإلا لعرفه الكل فلم يبق فيه خلاف وأجيب: بأنه يكفي فيه الاستعمال مع القرائن كما في الابتداء.
فروع
(أ) النقل خلاف الأصل .
إذ المجاز كذلك، فهو أولى، ولأنه مختلف فيه، دون الحقيقة اللغوية، ولأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، ولأنه يتوقف على نسخ الوضع الأول، ووضع الآخر، وإطباق الخلق عليه، وهو متعذر أو متعسر، ثم هو نادر، فكان الأغلب على الظن عدمه.
(ب) لا شك في وقوع المتباينة، والمتواطئة فيها.
والمشترك والمشكك والمترادف كذلك على الأظهر لا كلفظ الصلاة بالنسبة إلى صلاة الأخرس والعاري والقاعد والمومي بالطرف، ومن تجري أفعال الصلاة على قلبه، على مذهبنا، والجنازة. فإن ذلك بالتواطؤ.
بل كالطهور على الماء والتراب، وعلى ما يدبغ به وكالفاسق على فعل الكبيرة والكبائر، وكالواجب والفرض والتزويج والإنكاح.
(ج) لم يوجد فعل شرعي دون مصدره، للاستقراء.
واستدل عليه أن الفعل يتبع المصدر، فيكون: كونه شرعيًّا تبعًا لمصدره، لا مستقلا وفيه نظر: لإمكان تصرف الشارع في الجزء الخاص به
(د) صيغ العقود المستعملة في استحداث الأحكام إنشاءات على الأظهر
стр. 54
إذ لو كانت إخبارات لتطرق إليها التصديق والتكذيب، إذ هو من لوازمه، لكنه باطل، فالملزوم مثله.
ولكان: إما أن تكون أخبارا عن الماضي، أو الحال، وهو باطل، وإلا: لما قبل التعليق، ولما وقع الطلاق على الرجعية. وعن الاستقبال، وهو - أيضا - باطل، وإلا: لوقع الطلاق بالتصريح به. ولكان: إما كاذبة، وهو باطل، إذ لا عبرة بها في الشرع، ولأن الكذب حرام، فما يتوقف عليه حرام، فالتطليق حرام أو صادقة، فهو باطل، لاستلزامه الدور.
مسألة
المجاز واقع في اللغة العربية، للقطع بالاستقراء
كإطلاق الأسد، والحمار على الشجاع والبليد، وشابت لُمة الفيل وقامت الحرب على ساق ودارت رحاها أنكره الأستاذ.
محتجا: بأنه لا يفيد بدون القرينة وفاقا، ومعها لا يفيد غيره، فيكون المجموع، حقيقة فيه وأجيب: بأن القرينة قد تكون عقلية أو حالية و- حينئذ - لا يمكن جعله معها حقيقة فيه، لأنه من عوارض الألفاظ، ولو سلم لكن المعنى من المجاز: ما تكون دلالته بقرينة، وإن كانت لفظا، فإن لم يَعْنِ هو ذلك، كان النزاع لفظيا، وأيضا - المجاز فيه تطويل من غير فائدة، إذ لا ينبني بدون القرينة، والتعبير عنه بالحقيقة ممكن، فيمتنع صدوره من الواضع الحكيم.
وأجيب: بمنع الثانية، لما يأتي من فوائده.
مسألة
وقوع المجاز في كلام الله تعالى والسنة
ثم هو واقع في كلام الله تعالى والسنة.
стр. 55
واستدل عليه بقول: ﴿ليس كمثله شيء﴾ فإنه أريد به نفي المثل، هو مجاز فيه بالزيادة، لا حقيقة، لكونه كفرًا، وبقوله ﴿جدارا يريد أن ينقض﴾ ﴿وسئل القرية التي كنا فيها والعير﴾ وفيه نظر إذ الأولى: محمولة على حقيقته، دلالة على نفي المثل، وكذا.
الثانية: لإمكان خلق الحياة والإرادة فيه، والزمن زمن النبوة، وكذا.
الثالثة: إن سلم أنها اسم للبيان، وتتأكد بإمكان جعله معجزة للسائل.
والأولى: أن يعدل إلى ما هو أوضح منها:
كقوله: ﴿واخفض لهما جناح الذل﴾ [الإسراء: آية ٢٤].
﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [التحريم: آية ٨].
﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه﴾ [الأنبياء: آية ١٨].
﴿واشتعل الرأس شيبا﴾ [مريم: آية ٤].
﴿وءاية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ [يس: آية ٣٧].
﴿لهدمت صوامع وبيع صلوات﴾ [الحج: آية ٤٠].
﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة: آية ١٧٩].
﴿أحاط بهم سرادقها﴾ [الكهف: آية ٢٩].
﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها﴾ [المائدة: آية ٦٤].
ومن السنة قوله: "حَتَّى تذُوقي عُسيلَتهُ، ويَذُوقُ عُسَيلَتكِ". وأمثالها كثيرة.
أدلة الظاهرية والرافضة على عدم وقوع المجاز
وأنكره الظاهرية، والرافضة، محتجين: - بأنه ركيك من الكلام، لا يصار إليه
стр. 56
إلا: عند العجز عن الحقيقة، وهو على الله محال.
وأجيب: بمنعه، بل قد يكون أفصح وأبلغ من الحقيقة، ويصار إليه لأغراض أخر.
وبأنه يصح وصف من صدر عنه: بالمتجوز والمستعير.
وأجيب: أنه يشترط عدم المانع، وأسماء الله توقيفية، ولو سلم أنها قياسية: فإنما يجوز إطلاق ما لا يوهم الباطل، وما نحن فيه ليس كذلك.
وبأن كلامه حق، فله حقيقة، ولا شيء منها بمجاز.
وأجيب: بأنه بمعنى الصدق، لا بمعنى ما نحن فيه.
وبأن تجويزه يوجب أن لا يقطع بشيء من مدلولات كلامه لاحتماله إرادة المجاز، وعدم وجدان القرينة الصارفة: لا يدل على العدم.
وأجيب: بأنا لا نقطع بشيء منه بهذا الطريق، بل بالقرائن المعينة، والدلالة المانعة من حمله على غير ظاهره.
وبأنه: لا يبني بدون القرينة، وهي قد تخفى، فيقع السامع في الجهل، ولم يحصل مقصود المتكلم، والحكيم لا يسلك ما قد يؤدي إلى نقيض مقصوده، مع القدرة على سلوك ما لا يفضي إليه.
وأجيب: بأنه مبني على التحسين والتقبيح، وهو باطل سلمناه لكن اختفاءها احتمال مرجوح، ولمثله لا يقبح الشيء، وإلا: لفتح إبدال المتشابهات.
مسألة هل في القرآن معرّب ؟
لا نعرف خلافا في اشتمال العربية على غيرها من المعرب وغيره وإنما الخلاف في اشتمال القرآن عليه:
стр. 57
فأثبته ابن عباس، وعكرمة ونفاه الباقون قيل: الإمام الشافعي منهم.
وهذا الخلاف يجب أن يكون في غير الأعلام، فأما فيها فلا يتجه.
أدلة المثبتين للمعرب
واحتج المثبت باشتماله على: السجيل، والإستبرق، والمشكاة، والقسطاس.
ولأنه لو لم يجز، فإنما هو لعدم الفهم، وهو غير منكر فيه، فإن الحروف في أوائل السور كذلك، وكذا الزقوم، والأب وكذا المتشابهات، إذ الأصح الوقف على قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران: آية ٧]. ولأن: المعرب من جملة كلامهم، ولذلك اعتور عليه أحكامه من دخول الألف واللام والتنوين، والجمع والتثنية، فجاز أن يكون فيه كغيره.
وأجيب عن الأول: بمنع كونها غير عربية، فإن التوافق ليس بدعًا، ولا يفيد، كما في التنور والصابون وعن الثاني: بمنع أن فيه غير المفهم، أما أوائل السور فقد مر جوابه.
وعدم علم الواحد منهم والاثنين بمعنى اللفظ، لا يدل على أنه ليس من لغتهم.
ولا نسلم: أن الأصح الوقف على ما ذكرتم، وهذا لأن التخصيص أهون من التكلم بما لا يفيد.
стр. 58
وعن الثالث: أنه يدل على الجواز، لا على الوقوع، وفيه النزاع للمنكر.
قوله: ﴿قرءانا عربيا﴾ [يوسف: آية ٢]. ﴿بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: آية ١٩٥]. وقوله: ﴿ولو جعلناه قرءانا أعجميا﴾ [فصلت: آية ٤٤].
ووجه الاستدلال به: أنه استفهام إنكار عن تنويعه، وهو إنما يصح إذا لم يكن فيه غير نوعه.
وأجيب: عن الأولين: بما سبق في الشريعة.
وعن الثالثة: منع كونها استفهاما عما ذكرتم، بل عن غيره على ما عرف ذلك في التفسير، سلمناه، لكن المراد منه: أعجمي لا يفهم.
مسألة
أقسام المجاز
المجاز إما في المفرد، وهو لغوي، ويسمى بالمجاز المثبت وقد تقدم.
وإما في المركب، وهو عقلي، كقوله تعالى: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [الزلزلة: آية ٢]، ﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس﴾ [إبراهيم: آية ٣٦]. وكقول الشاعر:
أَشَابَ الصَّغيرَ وأَفْنَى الكبيرَ ... كَرُّ الغداةِ ومَرُّ الْعَشيّ
وكقولهم: أنبت الربيع البقل، وفعل النور، ويسمى بالمجاز الحكمي والإسنادي، والإثباتي، والمركب وأما فيهما: كقوله: "أحياني اكتحالي بطلعتك" وضابط الأول: معلوم من حد المجاز.
وضابط الثاني: أنه متى نسب الشيء إلى غير ما نسب إليه في نفسه، لضرب من
стр. 59
الملاحظة بين الإسنادين، فهو المجاز العقلي، فبالأخير، خرج قول الدهري أنبت الربيع البقل وأسعد الفلك، عن أن يكون مجازا عقليا.
والملاحظة قد تكون بالدوران الوجودي، والعدمي، كما في أنبت البقل، أو الوجودي كقولهم قتله السم. وبأن يكون الأثر صادرا عنه حسًّا كما في: -
﴿وأخرجت الأرض﴾ [الزلزلة: آية ٢].
و﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ [إبراهيم: آية ٢٥].
وبأن يكون الشيء سبب السبب؛ كقوله: "أعطى الأمير الجبة"، "وكسى الخليفة الكعبة".
وأنكر بعض الشاذين المجاز العقلي:
إما لزعمه: أن صيغ الأفعال موضوعة لصدور مدلولها عن المختار، فإذا أسندت إلى غيره كانت مجازات لغوية.
ربما استدل عليه: بأن علامة المجاز صحة النفي، وهي حاصلة فيه كما في المفرد، إذ يصح أن يقال: ما أخرجت الأرض أثقالها بل أخرجها الله منها، وما أتت النخلة أكلها، ولكن أتى الله منها الأكل.
قال الله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن اله رمى﴾ [الأنفال: آية ١٧] وهو على رأينا ظاهر وإما لزعمه: أن صيغ الأفعال موضوعة لصدور مدلولها عمن أسندت إليه، مختارا كان أو موجبًا. ومعنى أحدهما ليس منها، وإذا أسند فعل إلى فاعل، مختارا كان أو موجبا-كان مستعملا في مدلوله حقيقة إذ لو كان مجازا في الموجب، لكان له جهة الحقيقة، كما في المفرد ولما لم يكن كذلك علمنا أنه ليس بمجاز وهو باطل.
أما الأول: فلأن صيغة الفعل لو كانت دالة على صدور مدلوله من المختار، لكان: أخرج كأخرج القادر، وهو لازم على المستدل أيضا إذ لا نزاع في دلالته على فاعل ما، والجواب مشترك ولأنها تارة تفيد صدور الفعل، وتارة تفيد اتصافه، وتارة تفيد المعنيين
стр. 60
كضرب وفرض وقام فلو كان دالا على صدوره منه، لما كان حقيقة في الثلاثة.
ولأنه يصح أن يقال: السواد يضاد البياض، والجسم الجمادي يشغل الحيز وينتقل إلى المكان الطبيعي، ويقبل العرض، والأصل في الاستعمال الحقيقة الواحدة. ولأن: أخرج القادر ليس تكرارًا، وغيره نقصا.
ولأنها: لو دلت على القادر، لكنها لا تدل على خصوصيته، وإلا: لزم الاشتراك بحسب القادرين، وهو خلاف الأصل.
فإذا أسند إلى غير ذلك الذي صدر عنه، لم يكن مجازا لغويا، بل عقليا، لأنه حصل التعبير في الحكم العقلي لا اللغوي.
وجواب الاستدلال: يمنع أن صحة النفي من خواص المجاز اللغوي.
وأما الثاني: فلأن كون الفعل حقيقة لغوية فيها، لا ينافي أن يكون مجازا عقليا، فيمن لم تصدر عنه، ولا نسلم اتحاد الجهة وهذا لأن جهة الحقيقة العقلية أن يكون مسندا إلى من صدر منه الفعل، وجهة التجوز أن يكون مستندا إلى غيره.
مسألة
وجوه المجاز اللغوي
المجاز اللغوي على وجوه:
أحدهما: إطلاق اسم السبب على المسبب.
سواء كان السبب فعليا حقيقيا، كإطلاق اسم الفاعل على المفعول. كقوله تعالى: ﴿عيشة راضية﴾ [القارعة: آية ٧].
أو وهميا كإطلاق اسم السماء على المطر، وقابليا كقولهم: سال الوادي، أو صوريا كتسمية القدرة باليد، والعقل والفهم بالقلب أو غائيا كتسمية العنب بالخمر.
وعكسه كقوله تعالى: ﴿حجابا مستورا﴾ [الإسراء: آية ٤٥] أي ساترًا.
وكتسمية المرض الشديد بالموت وإذا وقع التعارض بين هذين: فالأول أولى، لأن العلم بها عينا يفيد بعينه، ولمسببه، من غير عكس وإذا وقع التعارض بين العلل الأربعة؛
стр. 61
كانت العلل الغائية أولى لوجود جهتي العلية والمعلولية فيها، فإنه مشترك بين كلها، ضوررة أن العلية والمعلولية متلازمة، بل لعليتها في الذهن، مع أن دلالة اللفظ على ما في الذهن بالذات، وعلى غيره بالعرض.
وثانيها: إطلاق اسم اللازم على الملزوم.
كإطلاق المس على الجماع، وخصه قوم بالكتابة، إذ عدوا كثير الرماد للمضياف، وطويل النجاد، لطول القامة- منها وهو منه.
وعكسه: كقوله تعالى: ﴿أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون﴾ [الروم: آية ٣٥].
أي: يدل، وخصه قوم بالاستعارة، والصحيح: أنها غيره. وإذا وقع التعارض بينهما كان الثاني أولى، لاستلزامه إياه من غير عكس، فلو تساويا، وفيه نظر.
وثالثها: تسمية الشيء باسم ما يشابهه صورة أو معنى كالفرس، على المصور بصورته، والأسد على الشجاع، ويخص بالاستعارة. وعند التعارض بينه وبين ما سبق: الثلاثة التي فيها اللزوم أولى منه، وهو أولى من الرابع، لكونه أكثر.
ورابعها: إطلاق اسم الكل على الجزء.
وعكسه: كالزنجي أسود، واليد على الكوع، والرأس على الشخص وعند التعارض: الأول أولى، وإن كان الجزء مساويا له لأن التزامه له النفس الكلية ودلالته بالتضمن دونه، ويقرب منها: المقيد والمطلق.
وخامسها: تسمية الشيء باسم ضده.
كقوله تعالى: ﴿وجزاؤ سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: آية ٤٠].
стр. 62
وعند التعارض بينه وبين ما سبق: فكل ما فيه اللزوم والاستعارة راجع عليه، وما ليس به ذلك ففيه نظر.
وسادسها: تسمية ما بالقوة باسم ما بالفعل، سواء كان بالقوة القريبة إلى الفعل، كتسمية الخمر في الدن بالمسكر، والعالم بالكتابة مع عدم مباشرتها بالكاتب، أو البعيدة عنه، كتسمية الصبي به، والعنب بالخمر، وهو أولى من تسمية الضد بضده، لأنه أكثر.
وسابعها: تسمية الشيء باسم ما يجاوره.
كالمزادة بـ"الراوية" والشراب بالكأس إذا جعل الكأس اسم الوعاء وتسمية ما بالقوة بالفعل أولى منه، عند التعارض، لأنه يصير حقيقة عند وجوده.
وثامنها: تمسية الشيء باسم ما كان عليه.
وعكسه: كالمعتق بالعبد، والضارب لمن يوجد منه عند البعض أو وإن يكن كذلك لكنه كان حقيقة فيه.
وتاسعها: المجاز بالزيادة والنقصان، وقد سبقا.
والثاني راجع على الأول عند التعارض، لكونه من باب الفصاحة.
وعاشرها: تسمية المتعلق باسم المتعلق كتسمية المعلوم علمًا.
وعكسه: كقوله ﵇: "تحيضي في علم الله ستا أو سبعا".
стр. 63
معناه: تحيضي ستا أو سبعًا، وهو معلوم الله تعالى، وأريد: فيما أعلم الله، فأطلق المتعلق وأراد به المتعلِّق. وإذا تعارضا: كان الأول أولى، لأنه مستلزم، وأكثر، وهو مرجوح بالنسبة إلى أكثر ما سبق.
وحادي عشرها: تسمية الحالي باسم المحلى.
وعكسه: كتسمية الخارج المستقذر بالغائط، ومنه: لا فض فوك، أي: أسنانك، وتسمية الجنة بالرحمة في قوله تعالى: ﴿وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون﴾ [آل عمران: آية ١٠٧].
ومنه ما يقال في العرف: في سخط الله أي في النار وعند التعارض: الثاني أولى، لأن الحال يستلزم المحل من غير عكس.
وثاني عشرها: تسمية البدل باسم مبدله.
وعكسه: كتسمية الدية بالدم في قولهم: أكل فلان دم فلان، أي: ديته.
ومنه قوله: "يَأكُلنَ كُلَّ ليلةٍ أَكافا".
أي: ثمنه، وكتسميته الأداء بالقضاء. كقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ [النساء: آية ١٠٣] أي. أديتم.
والأول: راجح عند التعارض، للاستلزام والكثرة.
وثالث عشرها: إطلاق المنكر وإرادة المعين.
وعكسه: كقوله: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: آية ٦٧] عند من يقول بتعينها و ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ [النساء: أية ١٥٤]، عند من لا يقول بتعينها وإبذا تعارضا: كان الثاني أولى، لأنه كالكل، وهو كالجزء، وفيه نظر.
ورابع عشرها: إطلاق النكرة وإرادة الجنس.
стр. 64
كقوله تعالى: ﴿علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾ [الانفطار: أية ٥].
وخامس عشرها: إطلاق المعرف وإرادة الجنس.
كقوله: "الرجلُ خَيْرٌ مِنَ المرأةِ" "الدينارُ خيرٌ من الدِّرهمِ".
والحاصل: أن المجاز يرجع بالغلبة، والاستلام القطعي الذاتي، والعرضي، والظاهري، والمشابهة المعنوية، والصورية، والاختصار، والكفاية، والغلبة، والكثرة، وكونه حقيقة، ومختلفا فيها، وسيصير حقيقة، والملاصقة والمجاورة، والحالية، والمحلية، والتضاد، والتعلق فهذه ما حضرنا من جهات الترجيح.
مسألة:
يشترط السمع في التجوز
وقيل: تكفي العلاقة المستفادة منهم، ولو بالاستقراء.
أدلة الشارط
للشارط أنه استعير الأسد للشجاع، دون الأبخر، والنخلة للإنسان الطويل، دون غيره، والتخلف خلاف الأصل، على أن الأصل عدمه.
واعترض عليه: بأن المعتبر المشابهة في أشهر الصفات، وأخصها. وأجيب: بأن الاشتهار بين الكلي متعذر، أو متعسر، وبين أهل الخبرة، والعلم منهم حاصل، وعن الثاني: بأنهم يستعبرون بأدنى ملابسة ومجاورة.
ولأنه لو لم يشترط، لجاز تسمية الخمسة بالعشرة، والبيت بالحائط، والصيد بالشبكة، والأب بالابن، والثمرة بالشجرة، وبالعكس لوجود العلاقة المستفادة من كلامهم، وجواب التخلف لمانع: ما سبق.
стр. 65
أدلة النافي
أنه يتوقف على نظر دقيق، وبحث عميق، والنقل لا يكون كذلك، ولأنه لو كان نقليا لتوقف أهل اللغة العربية عليه، ولما احتاج إلى العلاقة والمناسبة كالوضع الأول.
ولأنه تابع لإعارة المعنى، وهي حاصلة بمجرد القصد، وتوهم وجوده. وأجيب عنها. بأن التوقف جهات حسنة لا نقيضة.
وبمنع انتفاء اللازم والملازمة، فإنه لولا العلاقة لما كان المجاز. ويمنع أن إعارة اللفظ تابعة لإعارة المعنى، وكون المقصود، لا يحصل بدون إعارة المعنى لا يدل عليه، فإن هذا شأن كل شرط مع مشروطه.
سلمناه، لكنه جاز أن يكون التابع مشروطًا بالسماع.
ولا يجاب عنه: بأن الإعارة أمر تقديري، فيجوز أن يمنع منه الواضع في ببعض الصور.
فإن الأصل عدمه، وبتقدير تحققه فهو غير صورة النزاع.
مسألة
الداعي إلى المجاز
أن لا يكون للمعنى المعبر عنه لفظ حقيقي أولا يعرفه المتكلم أو السامع، أو غيرهما، والمقصود: اطلاع الكل أو الحقيقي معلوم للكل، والمجاز معلوم لهما فقط، والمقصود: أن لا يطلع عليه غيرهما.
وكونه أفصح، أو أبلغ، أو أوجز، أو عذوبة لفظ أو صلاحيته للشعر، والسجع، والتجنيس، وسائر أصناف البديع واختصاص معناه بالتعظيم أوالتحقير، أو زيادة
стр. 66
البيان أو لأن التعبير به ألذ، ولفظ الحقيقة يوقف على المقصود بتمامه فلا يبقى إليه شوق، والمجاز الذي هو ذكر اللازم يوقف عليه من وجه دون وجه، فيتعاقب بسبب الشعور والحرمان، لذات وآلام فيحصل حاله كالدغدغة النفسانية، فلأجله كان التعبير بالمجاز ألذ.
مسألة
الأصح: أن الغالب في الاستعمال المجاز للاستقراء.
إذ أكثر كلام الفصحاء نظما ونثرًا- تشبيهات واستعارات للمدح والذم، وكتابات، وإسناد قول، وفعل إلى من لا يصح أن يكون فاعلا له كالحيوانات، والدهر، والأطلال والدمن، وما أشبهها، وكل بذلك مجاز وكذا كلام غيرهم، إذا يقول الرجل: سافرت البلاد، ورأيت العباد، ولبست الثياب وملكت العبيد، مع عدم التعميم. وكذا قوله: "ضربت زيدا" وضربت رأسه، إذاضرب بعضه وبعض رأسه.
واعترض ابن متويه: بين السقوط وهو مجاز من وجه آخر، إذ هو: عبارة عن جميع الأجزاء الباقية من أول عمره إلى آخره، وربما لم يمس شيئا منها. وكذا: رأيت زيدًا.
فإن الأخرى الكامنة غير مرئية، وهو: عبارة عن المجموع وكذا طاب الهواء، وبرد الماء. بل إسناد الأفعال الاختيارية إلى الحيوانات مجاز -عندنا- إذ فاعلها هو الله تعالى، وإسنادها إلى غيره تعالى مجاز عقلي.
قول ابن جني: "قام زيد ... " مجاز، إذ يفيد المصدر المتناول لكل الأفراد الممتنع
стр. 67
صدورها منه باطل إذ المصدر لا يفيد إلا: الماهية، فلم يكن متناولا لكل الأفراد، نعم له صلاحيته على البدلية، ثم هذه الغلبة إنما هي بالنسبة إلى مجموع المجازين.
أما بالنسبة إلى اللغوي وحده فلا، إذ المجاز خلاف الأصل وفاقا وهو مفسر بخلاف الغالب على رأي.
مسألة
المجاز خلاف الأصل
"بمعنى الغالب أو الدليل".
إذ اللفظ عند تجرده عن القرينة يجب حمله على حقيقته، لفساد الأقسام الثلاثة.
أما الأول والثاني: فلاستحالة وجود المشروط بدون شرطه، وكون المجاز حقيقيًّا.
وأما الثالث: فبالإجماع، ولا نعني بكونه خلاف الأصل إلا ذلك ولأنه وضع معرفًا لما في الضمير، فكأن الواضع قال: إذا تكلمت بهذا اللفظ، فاعلموا أني أردت به المعنى الفلاني، فكل من تكلم بكلامه وجب أن يعني به ذلك المعنى، فيجب حمله عليه.
ولأنه استدل بالاستعمال على الحقيقة، فلولا أنها الأصل لما صحَّ.
قال ابن عباس: ما كنت أعرف معنى الفاطر حتى اختصم إليَّ شخصان في بئر فقال أحدهما: فطرها أبي، أي اخترعها وعن الأصمعي، أنه قال: "ما كنت
стр. 68
أعرف معنى الدهاق".
حتى سمعت جارية بدوية تقول: اسقني دهاقا، أي ملآنا. ولأن الحقيقة لا تتوقف إلا: على الوضع والاستعمال، والمجاز يتوقف بعد الوضع على النقل وعلته، والاستعمال فيه، على رأي، والقرينة الصارفة، وهي وإن كانت شرط الحمل، لكن الفائدة لا تحصل بدونها، فكأنه أندر.
ولأن الحقيقة لو لم تكن هي الأصل، لما فهم المراد بدون الاستفهام، إذ الأصل ليس هو المجاز وفاقًا.
مسألة
إن لم يكن للفظ معنى غير اللغو حمل عليه
وإن كان، فإن دلَّ عليه بحيث لم يهجر الأول، كان كالمشترك، وإن هجر وجب حمله عليه إن تعين، وإلا: فعلى الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي، ثم المجازي -إن صدر من الشارع، وإلا فالعرفي أو اللغوي- إن صدر من أهل العرف أو اللغة، إذ الظاهر من حال المتكلم أن يتكلم بكلامه.
стр. 69
وقال القاضي - تفريعًا على النقل هو مجمل، إذ يحتمل الشرعي واللغوي، فإن الشارع كان يناطقهم بكلامهم وهو ضعيف.
إذ الغالب إرادة اصطلاحه.
ولأنه كان مبعوثا لبيان الشرع، وقد صلح اللفظ أن يكون بيانا له، فيجب حمله عليه. ثم ليعلم أن اللغوي إنما يقدم على المجاز الغير الراجح، أما إذا كان راجحا، ولم يتنبه إلى أن يكون حقيقة فيه فرجح أبو حنيفة: الحقيقة، وأبو يوسف: المجاز.
وتوقف فيه الشافعي، لتقادم الجهتين.
مسألة:
إذا تعذر حمل اللفظ على حقيقته حمل على مجازه
المتعين بنفسه أو بغير ابتداء، أو ينتفي غيره، أو الراجح نوعًا أو شخصا.
أو على البدل، إن جوز الحمل على مفهومين مختلفين وانحصرت وجوه المجاز، وإلا: فلا بد من دلالة معينة
هذا ما نقل، وفيهما نظر: إذ قاعدتهم تقتضي الحمل على الشمول في الصورتين،
стр. 70
أعني: المنحصر وغير المنحصر، وإن لم يكن اللفظ عامًا، كما في اللفظ العام سلمناه، لكن يمكن الحمل على البدل في غير المنحصر، كما في المنحصر، نعم: يليق ذلك ممن لا يرى الحمل على مختلفين، إذ اللفظ عنده فيمجازه عند تعذر الحقيقة، كما هو في حقيقته، ولا حمل على البدلية في الحقيقتين المختلفتين.
وكذا في المجاز، وهذا يؤكد الحمل على الشمول، فإن اللفظ محمول على الشمول في الحقيقتين المختلفتين على رأي القائلين به، وكذا ينبغي أن يكون في المجاز عندهم واعلم أن هذه الأقسام يتقدمها في اللفظ العام - قسم، وهو تعين بعض ما يتناوله بنفي الدليل غيره، وأن الدلالة المعينة لا بد منها فيه مهما تردد المراد بين ما يتناوله لامتناع اجتماعهما.
فرع
يحمل اللفظ على ظاهره، وغير ظاهره.
إذا دل دليل على إرادتهما منه، وحمل على أنه موضع لهما، وتكلم به مرتين.
مسألة:
وسائل التفريق بين الحقيقة والمجاز
يفرق بين الحقيقة والمجاز بالنص عليهما، أو على أحدهما، أو خوصهما، أو خواص أحدهما.
وبتبادر المعنى إلى الفهم، وعكسه المجاز وينقض بالمنقول.
وأجيب: بأنه حقيقة. بالمجاز الراجح.
وأجيب: بأنه نادر، فلا يقدح في الدليل الظاهري.
وأورد: على عكسه المشترك.
وأجيب: بأنه يتبادر أحدهما، لا بعينه، وهو حقيقة فيه.
стр. 71
وفيه نظر: إذ يقتضى أنه مجاز في إفادة واحد بعينه، وأنه متواطئ لأن هذا المفهوم مشترك بينهما. وبإفهام أهل اللسان المعنى بلا قرينة، وعكسه المجاز، ومنه: "رأيت أسدًا يرمى".
وبصحة النفي، في نفسن واحترز به عن نفي الظان، فإنه لا يدل عليه، كقوله للبليد: إنه ليس بحمار، وامتناع أنه ليس بإنسان، وعكسه الحقيقة.
وأورد بأنه دور.
وأجيب: بمنعه، فإن الحمار لما كان حقيقة في الناهق صح نفيه عن غيره وإلا: لزم الاشتراك، فيصح النفي، وإن لم يعلم بعدم وضعه له.
وأورد على عكسه: أنه يصح في قليل المروءة، العقل: أنه ليس بإنسان.
وأجيب: بأنه لظن أنه موضوع لذي المروءة والعقل، ولهذا يقال للإنسان في الحقيقة: من اتصف بكيت وكيت. وبتعليق اللفظ بما يمتنع تعلقه به، ولا عكس، كقوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾ [يوسف: آية ٨٢] وأورد: بأن المجاز العقلي كذلك: مع أنه حقيقة لغوية.
وأجيب: بأن استحالته نظري، بخلاف ﴿وسئل القرية﴾ [يوسف: آية ٨٢] فإن السؤال عنها ممتنع بالبديهة فيمتنع الوضع بإزاء ما يندرج فيه المستحيل بالبديهة. وبوجود الاطراد مع عدم المانع، وعكسه المجاز، ولا يرد المجاز المطرد، والحقيقة الغير المطردة، كالسخى، والفاضل بالنسبة إلى الله تعالى، لأنه وإن اطرد لكنه لا يجب، وإن لم يطرد لكنه لمانع.
ولا دور، إذ معرفة عدم الاطراد للمانع، لا تتوقف على كون اللفظ حقيقة.
وظن من ظن: أن عدم الاطراد دليل على التجوز - من غير عكس للمجاز المطرد الضعيف، لما سبق.
стр. 72
واعترض عليه.
بأنه أريد به اطرادها في موارد نص الواضع، فالمجاز كذلك، وإلا فهو قياس في اللغة، وقائله لا يقول به.
وأجيب: بمنعه، إذ لا يلزم من عدم قول بعضهم بذلك: عدم قول الكل به، سلمناه لكن لعله ذكره تفريعا عليه، سلمناه، لكن لا نسلم أنه بطريق القياس، بل هو كاطراد الصفات. وباختلاف الجمع بحسب المعنيين كالأمر.
واعترض عليه.
أنه كان مبنيا على أن الأصل عدم الاشتراك - فمستدرك إذ هو مستقل بإفادته، وإن كان بدونه - فباطل، إذ لا إشعار لاختلاف الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولأنه يجوز أن يكون بحسب كل معنى حقيقي جمع للمسلمين وما قيل: إن الجمع إنما هو الاسم، لا للمسمى، فاختلافه لا يكون مؤثرًا في اختلاف الجمع، لا يصلح جوابًا عنه، ثم هو منقوض بالنسبة إلى لحقيقي والمجازي.
وباستعمال ما معناه الحقيقي متعلق بشيء فيما لا يتعلق به كالقدرة في حسن الصورة، وإنما يتم بعدم الاشتراك، وإلا: فيجوز أن يكون له بحسب حقيقته دون الأخرى.
ويعرف المجاز: -
بتوقف استعماله على المسمى الآخر، كقوله تعالى: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: آية ٥٤].
وبالتزام تقييده، مثل: جناح الذل، ونار الحرب وباشتقاق اسم الفاعل ونحوه، مع الإمكان، فلا ترد الرائحة، إذ لا إمكان لعدم معنى الحدث، وعكسه المجاز من غير مانع، كلفظ الأمر، فإنه في الفعل لما كان مجازًا: لا يشتق منه.
стр. 73
واعترض: بمنع أن عدمه دليل التجوز، إذ يجوز أن يشتق منه بحسب حقيقته دون الأخرى.
وأجيب: بأن الأصل عدم الاشتراك، وبأن التجوز مناسب لعدم الاشتقاق، فغلب ظن عكسه له.
مسألة:
اللفظ قبل استعماله لا حقيقة ولا مجازًا
إذ شرطهما الاستعمال، والأعلام المنقولة، والمخترعة ممن ليس له الوضع، واستعمال لفظ الأرض في السماء، وبالعكس كذلك، لعدم الوضع والنقل لمناسبة خاصة.
والحقيقة لا تستلزم المجاز، وكذا العكس، على الأصح، لإمكان الاستعمال في غير ما وضع له مناسبة.
قيل: الاستعمال فيه الملزوم: لو لم يستلزم لعرى الوضع عن الفائدة.
وأجيب: بمنعه، إذ هي غير منحصرة في استعماله فيما وضع له، نعم: المقصود الأصلي من الوضع ذلك، لكنه قد يتفق ذلك بعد استعماله. في غير ما وضع له، فلم يخل عنه - أيضا -.
وغيرها لا تخلو عن كونها حقيقة، أو مجازًا.
واللفظ الواحد: قد يكون حقيقة، ومجازًا، باعتبار وضعين أو معنيين، أما لغيرهما فلا.
стр. 74
فصل
في الحروف في العاطفة
مسألة
[١] الواو لمطلق الجمع
وقيل: للترتيب، ونسب ذلك إلى الشافعي ﵀ بلا ثبت.
وإلى الفراء وعنه - أيضًا - أنها للترتيب حيث يتعذر الجمع. وقيل: للجميع بصفة المعية.
لنا:
النقل، إذ نصّ سيبويه عليه في مواضع من كتابه.
стр. 75
ولأنها لو كانت للترتيب لما صحَّ: تقاتل زيد وعمرو، مطلقًا، كالفاء بجامع كونها لترتيب أو حقيقة، والتزام التجوز والاشتراك، خلاف الأصل وتناقض قوله تعالى: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ [البقرة: آية ٥٨]، ﴿وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا﴾ [الأعراف: آية ١٦١] لاتحاد القصة.
ولكن: جاء زيد وعمرو قبله. متناقضا. ويعد تكرارًا.
ولكان: مجازًا في مثل قوله تعالى: ﴿واسجدي واركعي﴾ [آل عمرن: آية ٤٣].
و﴿فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة﴾ [النساء: آية ٩٢] و ﴿السارق والسارقة﴾ [المائدة: آية ٣٨]. ﴿أو تقطع أيديهم وأرجلهم﴾ [المائدة: آية ٣٣] لكنه خلاف الأصل.
ولعدم "ذم" العبد إذا اشترى اللحم أولا، إذا قال له السيد: اشتر الخبز واللحم.
ولما حسن الاستفسار من السامع إذا سمع: جاء زيد وعمر عن التقدم والمعية. ولما سئل: عما نبدأ في السعي، لأنهم أهل اللسان.
لا يقال: لو كان لمطلق الجمع لما سئل عنه -تعين ما ذكرتم، لأنا نقول: السؤال مع وجود المقتضى قبيح، بخلاف السؤال عما يتعرض له اللفظ لا نفيا ولا إثباتا، وإن كان مقتضاه الخروج عن عهدة التكليف بأي طريق كان دفعًا للتجوز والإضمار.
ولما كان كالواو الجمع، ضرورة أنها لا تفيد الترتيب، لكنها "كهي"، لتضم أن الواو في المختلفات كالواو الجمع في.
قيل: التشبيه لا يقتضى التساوي من كل الوجوه.
وأجيب: بأنهم نصوا: بأن فائدة أحدهما عين الأخرى، ولأنه لا يكفي فيه الاشتراك في أمر عام، وإلا: لم يكن في التخصيص فائدة ومطلق الاشتراك في الحكم حاصل في "الفاء" و"ثم".
ولصح دخولها في جواب الشرط، لأنه لا يقتضي إلا: الترتيب عليه، والواو تفيده حينئذ فوجب أن يصح كالفاء وغيرها.
وبجلاء ما الحاجة إلى الوضع له أمس، إذ الجمع أعم من الترتيب.
следующие страницы →