Полный текст (825 стр.). Показаны 806–825 · переход к 811.
стр. 806
قال الغزالي: الواقعة في محل الحاجة والزينة: لا يجوز التمسك بها، لأنه يجري مجرى وضع الشرع، والواقعة في محل الضرورة: لا يبعد التمسك بها إذا كانت قطعية كلية، ولعله محل الخلاف. وهو كما إذا تترس الكفار بالمسلمين حيث يقطع باستيلائهم، عند عدم قتالهم فيحتمل الأمران، فإنا لو امتنعنا عنه لقتلونا وقتلوا الترس، ولو قتلنا الترس لقتلنا مسلما بريئا، وهو غير معهود في الشرع، لكن نعلم أن حفظ كل المسلمين أقرب إلى المقصود الشارع من حفظ مسلم واحد.
وهذا فيما اجتمع فيه القيود الثلاثة، فلو اختل واحد منها لم يجز، كما لو قاتلوا كذلك دافعين، أو في قلعة، أو كان جماعة في مخمصة لو أكلوا واحدا منهم عاشوا، ولو امتنعوا ماتوا. وفيه نظر، إذ القول بالمصالح المرسلة، إنما هو عن الإمام مالك - رحمه الله تعالى - والمسألة المفروضة مما يوافق عليه غيره، بل لو صح النقل عنه، فهو مجرى على إطلاقه.
لنا:
أنه لم يعتبر هالشرع، فلا تكون حجة، إذ هي به.
المثبت:
الحكم إن اشتمل على المصلحة الخالصة أو الراجحة. وجبت شرعيته، لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل - شر كثير، وإلاك وجب عدمه دفعا للمفسدة الراجحة، أو العبث، وهو كالمعلوم بالضرورة من دين الأنبياء - (صلوات الله عليهم) - بعد استقراء الأحكام. و- حينئذ - يكون حجة لما سبق من المنقول والمعقول في القياس والإجماع. إذ يعلم بعد استقراء مباحث الصحابة أنهم ما كانوا يراعون إلا: تحصيل المصالح، ودفع المفاسد، وما كانوا يلتفتون إلى الشرائط التي أحدثها المتأخرون.
لا يقال: لو كان عموم كونه وصفا مصلحيا يوجب الاعتبار لكونه مفسرا في نظره، لكان ذلك يوجب الإلغاء، لكونه ملغي - أيضا - فيلزم أن يكون الوصف الواحد معتبرا وملغي - لأنا نمنع أن المشتمل على الخالصة أو الراجحة ملغي، وإلغاء غيره لا يضر.
стр. 807
وأجيب:
بأن تخصيص العلة جائز. وإن كان لمانع - وهو يقتضي ذلك.
مسألة
قالت الحنفية والحنابلة بالاستحسان. وأنكره الباقون: قال الشافعي: (من استحسن فقد شرع). ولا بد من فهمه قبل الخوض. فنقول: إن عنى به الحكم بما يستحسنه عقل المجتهد، أو بهواه - وهو المتبادر إلى الفهم منه - فبطلانه ظاهر، وإلا: فيبين لننظر فيه.
فقيل: (هو دليل ينقدح في نفس المجتهد، لا يقدر على التعبير عنه، لعدم مساعدة العبارة)، كالمقوم، فإنه قد لا يقدر على تعبير ما يفيده ظن زيادة القيمة.
وزيف: أن المدارك معينة بتعيين الشارع، وهو لا يتصور فيما لا يمكن أن يعبر عنه، ولأن كل معنى محقق يمكن التعبير عنه بحقيقة أو مجاز أو مركب، بخلاف التقويم، فإن ما يفيد ظن زيادة القيمة غير معين من جهته، ولا هو معنى محقق، ولأنه إ تقطع بكونه دليلا جاز التمسك به وفاقا، وإلا: فهو رد وفاقا، فالنزاع - حينئذ - لفظي.
وقيل: (هو العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه)، وهذا لا خلاف فيه، ولا يجوز تفسير الاستحسان المختلف فيه به. ثم إنه غير جامع، إذ نصوا على أن القياس في قوله: "مالي صدقة" أن يتصدق بجميع ماله، فالاستحسان أن يختص بمال الزكاة، لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: آية ١٠٣]، وليس هو بقياس، وكذا استحسانهم عدم وجوب القضاء على من كان ناسيا. وقيل: (هو تخصيص) قياس بأقوى منه. وهو راجع إلى تخصيص العلة، وقد عرف ما فيه من الخلاف ولأنه يكون لفقد شرط، أو وجود مانع، ودليلهما قد يكون أضعف من القياس.
الكرخي: (هو العدول عن الحكم في مسألة بمثل حكمه في نظائرهما إلى خلاف، لوجه
стр. 808
أقوى). وهو ضعيف - أيضا - لما سبق، ولأنه يوجب كون العدول عن العموم إلى الخصوص، والمنسوخ إلى الناسخ استحسانا. وقيل: هو العدول عن حكم الدليل إلى العادة المطردة للمصلحة. كدخول الحمام وشرب الماء من السقاء، من غير تقدير الماء واللبث والأجرة.
وهو كذلك، لأنها إن كانت معتبر، فلا خلاف فيه، وإلا: فمردودة، ولأنهم نصوا عليه، حيث لا عادة، كما سبق.
أبو الحسين: (هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ بوجه أقوى منه، وهو كالطارئ على الأول). خرج بالأول: النسخ والتخصيص، وبالثاني: الحكم بأقوى القياسين، لأنه ليس في حكم الطارئ، ولو كان لكان استحسانا. وقيل: احترز به عن استحسان ترك القياس.
لا يقال: نص محمد بن الحسن في غير موضع: تركت الاستحسان بالقياس، كما لو قرأ آية السجدة في آخر السورة، فالقياس: الاكتفاء بالركوع والاستحسان أن يسجد ثم يركع.
ثم إنه قال بالقياس دونه لأنه انضم إلى القياس شيء آخر، وترجح المجموع عليه، وهو: أنه تعالى أقام الركوع مقام السجود في قوله: ﴿وخر راكعا وأناب﴾ [ص: آية ٢٤].
وقيل: احترز بقوله: (في حكم الطارئ عن الاستحسان الذي ترك بالقياس، الذي ليس في حكم الطارئ، فإنه ليس استحسانا، لعدم طريانه عليه، وهذا يقتضي أن يكون القياس الطارئ أقوى من الاستحسان.
والمشهور عندهم: أن الاستحسان أقوى مدركا من القياس مطلقا، وحيث يترك القياس، فإنما يترك لاعتضاده بشيء آخر، ودلالة الفعل على الحكم آيلة إلى اللفظ، فلا ينتقض
стр. 809
بما نسخ منه. وهو يقتضي أن تكون الشريعة كلها استحسانا، فلو زيد في الحد: (غير البراءة الأصلية) - سقط.
وأجيب عنه:
بأن قوله: ترك وجه من وجوه الاجتهاد، ينبئ عنه، فإن البراءة الأصلية ليست من وجوه الاجتهاد، لكن يحترز في الحد عن إرادة مثل هذه الأدلةز
والنزاع في التسمية غير لائق بذي التحقيق، ولو سلم فلا ينبغي فيه، إذ ورد في الكتاب: قال الله تعالى: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله﴾ [فصلت: آية ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ [الزمر: آية ١٨]، و ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم﴾ [الزمر: آية ٥٥]، ﴿وأمر قومك يأخذوا بأحسنها﴾ [الأعراف: آية ١٤٥].
وفي السنة: كقوله ﵇ "ما رآه المسلمون" الحديث. وفي الفاظ المجتهدين: كقول الشافعي ﵁ في المتعة: (أستحسن أن يكون ثلاثون درهما)، وفي الشفعة: (أستحسن أن تثبت إلى ثلاث أيام)، وفي الكتابة: (أستحسن أن يترك على المكاتب شيء).
ونقل عن الأئمة استحسان دخول الحمام من غير تقير الماء، واللبث، والثمن والأجرة، واستحسنوا شرب الماء من السقاء من غير تقديره، وتقدير ثمنه. وحمل الإمام النزاع فيه على تخصيص العلة - بعيد، إذ هو مشهور بالخلاف من كثيرين، بخلاف الاستحسان، فإنه مختص بخلاف الحنفية، ولأن تخصيص القياس بالاستحسان يستدعي معرفته، فتعريفه به دور.
وقيل: النزاع في إطلاقهم الاستحسان على العدول عن حكم الدليل إلى العادة. وهو ضعيف لما سبق. فلم يتلخص استحسان مختلف فيه. ولنذكر ما ذكر فيه جريا على العادة.
المثبت:
(أ) قوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ [الزمر: آية ١٨]، والاستحسان
стр. 810
اتباع الأحسن، فيكون مأمورا به، ولأنه إذا جاز اتباعه، وجب اتباعهن لئلا يلزم خلاف.
(ب) قوله تعالى: ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم﴾ [الزمر: آية ٥٥]، ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ [الأعراف: آية ١٤٥]، فيجب اتباعه.
(ج) وقوله ﵇ " ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن"، ولو لم يكن حجة لم يكن حسنا.
وأجيب:
عن (أ) و (ب) أنه دور، لأنه إنما يكون مأمورا به لو كان أحسن في نفس الأمر، أو في ظن المكلف بطريق شرعي، فإثبات كونه كذلك يكون مأمورا به - دور، وتخص الآية الثالثة: أنه شرع من قبلنا.
وعن (ج) أنه يفيد حسن ما رآه جميع المسلمين حسنا. ونحن نقول به. ثم إنه خبر واحد. ثم إن كان المراد منه ما يكون ذلك بناء على دليل: لزم الدور المذكور، وإلا: فالحكم بمجرد ما يتسحسنه الإنسان ويميل إليه طبعه باطل بإجماع الصحابة والتابعين بالضرورة من الدين، ويؤكده: حديث معاذ.
وأنه لم ينقل عن أحد منهم الرجوع إليه عند حدوث الوقائع. والمراد من قوله: "أجتهد رأيي": القياس وفاقا، فلا يكون متناولا لغيره.
واستحسانهم دخول الحمام من غير تقدير الماء واللبث والأجرة وشرب الماء من السقاء، من غير تقديره وعوضه - لا يدل عليه، لجواز أن يكون ذلك للعادة المطردة في زمانه ﵇ ولما سبق من الإجماع.
مسألة
وفي تجيوز قوله تعالى لنبي أو ولي: (احكم فإنك لا تحكم إلا بالحق). ثالثها: أنه يجوز
стр. 811
للنبي. وقيل: لم يقع. وتوقف فيه الشافعي ﵁.
الممتنع:
(أ) أنه لم يؤمن من اختيار العبد المفسدة، والأحكام للمصالح.
(ب) أنه إن كان مصلحة قبل اختيار المكلف: لزم أن يصيب بالاتفاق في الأمور الكثيرة، إذ لا فرق بين القليل والكثير إجماعا، لكنه غير جائز، وإلا: لجاز أن يقال للأمي: (اكتب المصحف فإنك لا تكتب إلا: ما طابق خطه) وللجاهل: (أخبر ما شئت فإنك لا تخبر إلا: بالصدق)، ولبطل دلالة الاتفاق على علم فاعله. ولكان تكليفا بالفعل قبل العلم أو الظن بحسنه، وهو ممتنع، إذ قصد الفعل إنما يحسن إذا حصل ذلك، وقوله افعل فإنك لا تفعل إلا الحسن)، يقتضي أن يكون المميز بين الحسن والقبيح فعله، وبعده بسقط التكليف.
ولجاز في أصول الدين وتبليغ الأحكام بلا وحي وفي تصديق الأنبياء وتكذيب المتنبئ ولجاز في حق العامي، بجامع الأمن من الوقوع في الخطأ. وإلا: فإن حصلت المصلحة باختياره - لم يكن ذلك تكليفا، إذ يصير معناه: إن شئت افعل، وإن شئت لا تفعل، ولأنه لا يمكنه الانفكاك عن الفعل والترك، والتكليف بما لا ينفك عنه غير جائز، وإلا فالتكليف به:
تكليف بما لا مصلحة فيه، ولا مفسدة، وهو غير جائز، لما سبق.
وأجيب:
عن (أ) بمنع وجوب تعليل الأحكام بالمصالح، ثم بمنع جواز الخطأ عليه، لما قيل له ذلك.
وعن (ب) ما سبق، ثم بمنع أن الاتفاقي لا يكون أكثريا، وهذا لأن جوازه مرة يفيد جوازه مرارا، لأن حكم الشيء حكم مثله. وما ذكر من الأمثلة - إن لم يكن بينها وبين المنازع فرق - منعنا الحكم فيها، وإلا: امتنع القياس، على أنه لا يفيد اليقين. ثم لا نسلم امتناع ما يكون اتفاقيا من وجه دون وجه، كما هو هنا، فإنه اتفاقي من حيث المصلحة، ومعلوم السبب من حيث إنه لا يتأتى إلا بالمصلحة، على إن الإجماع على عدم الفرق بين القليل والكثير - ممنوع.
وبه خرج الجواب عن الملازمة الثانية، فإنه اتفاقي بجميع جهاته ولأنا لا نجوز اتفاقه، ولو مرة
стр. 812
واحدة.
وعن الملازمة الثالثة: بمنعها، لأن معناه: أنك إن اخترت الفعل أو الترك فحكم به على الأمة.
ثم بالنقض: بما إذا أفتى مفتيان متساويان، أحدهما: بالحظر، والآخر، بالإباحة.
وفيه نظر، إذ العامي يجب عليه العمل بما أفتى به المفتي، وإن لم يظن حسنه، مستندا إلى دليل، بخلاف المجتهد. وجوابه ظاهر، بأدنى تأمل. ثم إنما يجب تقديم المميز بين الحسن والقبيح، ليأمن فعل القبيح، وأنه حاصل - هنا - قطعا، بخلاف ما يكون مستندا إلى اجتهاده، فإنه يتبين خلافه.
وعن الملازمة الرابعة: بمنع امتناع اللوازم، ثم بالفرق إذ المطلوب في الفروع الظن، ولذلك جاز الاجتهاد فيها، بناء على الأمارات والتقليد، بخلاف الأصول، الاختلاف في الحكم يدل على الاختلاف في الحكمة.
وتخص مسألة التبليغ: بأنه لرفع إيهام الباطل، وهو الشك فيما يبلغونه.
وعن الخامسة:
بمنعها، والإجماع على عدم الفرق: ممنوع، ثم بالفرق، بأنه غير لائق بحاله، لأنه مقلد تابع، فلا يجوز أن يكون مقلدا متبوعا.
ثم بمنع القسم الثاني، ولا نسلم أنه ليس بتكليف، وسنده ما سبق، وبه خرج جواب الوجه الثاني، ثم بالنقض المذكور.
المجوز:
(أ) أنه لا يمتنع لذاته، ولا لأمر خارجي، لما سبق غير مرة.
(ب) الواجب من خصال الكفارة واحد، لما سبق في مسألة، ثم إنه تعالى فوضه إلى المكلف، لما علم أنه لا يختار إلا: ذلك الواحد، فكذا ما نحن فيه قياسا عليه.
(ج) القياس على ما إذا أفتى مفتيان متساويان، أحدهما: بالحظر، والآخر: بالإباحة، فإن المكلف يختار أيهما شاء، إذ لا فرق بين أن يقال: (اعمل ما شئت، فإنك لا تعمل إلا: الصواب) وبين أن يقال: (اعمل بأيهما شئت، فإنك لا تعمل إلا: الصواب).
(د) يعتمد في صحة التكليف: تمكنه من الخروج عن عهدته وهو حاصل في هذا التكليف.
(هـ) إذا جاز الحكم بالأمارة الظنية، مع جواز الخطأ فيها - جاز الحكم بما يختاره المكلف
стр. 813
من غير دليل، مع عدم جوازه بالطريق الأولى.
وأجيب:
عن (أ) أنه تمسك بالأصل، لا يفيد اليقين، سلمناه، لكنه يمتنع لكونه يتضمن النفرة، أو لإخلاله بمقصود الاجتهاد، ثم يفيد إمكانه عقلا، وهو: النافي امتناعه عادة، أو شرعا.
وعن (ب) أنه قد مر بطلان أن الواجب واحد معين فيها، ثم لا يلزم من جوازه جوازه، وإلا: لجاز في حق العامي، ضرورة جوازه في حقه، على أن الفرق بينهما قائم.
وعن (ج) بمنع عدم الفرق، فإن القولين مبنيان على الدليل بخلاف ما نحن فيه، ثم إنه ينتقض بالعامي، ثم إنه قياس يفيد الظن.
وعن (د) بعض ماسبق، ثم المعتمد في صحة التكليف تمكنه من الخروج عن عهدته، بناء على الدليل ليأمن من فعل القبيح قبل الفعل.
وعن (هـ) بعض ما سبق، ويخصه: منع عدم جواز الخطأ عليه، بل الخطأ في الطريق لازم، ثم لا يلزم من جواز العمل بالظن المستند إلى الدليل جوازه به من غير استناده إليه.
ولمن قال بعدم وقوعه
(أ) أنه لو أمر به لما نهى عن اتباع هواه، إذ لا معنى له إلا: الحكم على وفق إرادته.
ولا يقال: لما أمر ﵇ بذلك، لم يكن ذلك ابتاعا للهوى - لأنه - حينئذ - لا يتصور ذلك في حقه، فيمتنع نهيه عنه.
(ب) ولما قيل له: ﴿لم أذنت لهم﴾ [التوبة: آية ٣٤].
وأجيب:
عن (أ) أنه لو دل فإنما يدل في حقه ﵇ فقط، والدعوى عامة، ثم بمنع امتناع النهي عن غير المتصور، ثم لعله قبل أن يقال له ذلك. وبه خرج الجواب عن (ب)، ويخصه: أنه ليس عتابا على ترك الحق، بل على ترك الأحق.
واحتج على وقوعه:
(أ) بقوله تعالى: ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل﴾ [آل عمران: آية ٩٣]، أضاف
стр. 814
التحريم إليه، وهو يدل على أنه من جهته.
(ب) نادى منادي الرسول يوم فتح مكة: "أن اقتلوا مقبس بن حبابة وابن أبي سرح، وإن وجدا متعلقين بأستار الكعبة"، ثم عفى عن ابن أبي سرح بشفاعة عثمان ﵁.
(ج) قال يوم الفتح: "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، لا يختلي خلاها، ولا يعضد شجرها"، فقال العباس ﵁: إلا: الإذخر، فقال: "إلا الإذخر"، ولم يكن بالوحي، لعدم ظهور علامته.
لا يقال: إنه متروك الظاهر، إذ الاستثناء المنفصل غير جائز، وليس بعض التأويل أولىمن البعض فيكون مجملا - لأن الاستدلال ليس من جهة دلالة اللفظ على المعنى، حتى يتجه ما ذكرتم، بل من جهة أنه شرع الحكم من غير وحي، لعدم علامته، فلا يقدح فيه ما ذكرتم، على أنا نمنع كونه متروك الظاهر، لأن السكوت اليسير لا يقدح فيه، فلعله ﵇ سكت في تلك الساعة اللطيفة، فلما قال العباس ذلك أوصله ﵇ بما قبله.
(د) نادى مناديه يوم الفتح: "لا هجرة بعد الفتح"، فأقبل مجاشع بن مسعود بالعباس شفيعا، ليجعله مهاجرا، فقال: "أشفع عمي، ولا هجرة بعد الفتح".
(هـ) لما قتل النضر، أنشدت ابنته:
стр. 815
أمحمد ولانت ضنؤ بخيبة
في قومه والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما
من الفتى وهو المغيظ المحنق
فقال ﵇: "أما إني لو كنت سمعت شعرها ما قتلته".
(و) قوله ﵇: "عفوت لكم عن الخيل والرقيق".
(ز) قال ﵇: "يا أيها الناس كتب عليكم الحج"، فقال الأقرع بن حابس: أكل عام؟ فسكت، فلما أعاد، قال: "والذي نفسي بيده لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لما قمتم بها، دعوني ما ودعتكم".
(ج) أخر رسول الله ﷺ العشاء ذات ليلة، فخرج ورأسه يقطر، فقال: "لولا أشق على أمتي جعلت وقت هذه الصلاة هذا الحين"، وكذا قوله: "لأمرتهم بالسواك عند كل
стр. 816
صلاة".
وقال في حق ماعز - لما سمع أنه رجم - "هلا تركتموه حتى أنظر في أمره".
(ط) قوله ﵇ "كنت نهيتكم ... " الحديث.
(ي) "وإن عشت - إن شاء الله تعالى - أن أنهى أمتي أن تسمو نافعا وأفلح وبركة".
(يا) قوله ﵇: "لقد هممت أن أنهي عن الغيلة، حتى رأيت فارس والروم تفعل ذلك، فلا يضر أولادها شيئا".
стр. 817
وأجيب:
عن (أ) بأنه مختص بإسرائيل، والدعوى عامة، والإجماع على عدم الفصل ظني، ثم يجوز ان يكون بالنذر والتحريم واليمين - على رأي بعضهم أو الاجتهاد.
وعن البواقي: بمنع دلالتها على المطلوب، لجواز أن يكون بالوحي. ووجوب ظهور علاماته في كل مرة ممنوع، بل ذلك في الغالب. ثم يجوز تقديم وحي شرطي، كقوله: إن استثنى أحد فاستثن ذلك، ولو قلت في كل عام لوجبت فيه.
ثم يجوز أن يكون بالإلهام، وظهور علامته غير واجب وفاقا، يؤكده: قوله: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾، ثم يجوز أن يكون بالاجتهاد.
وإذ قد ظهر ضعف مأخذ الجازمين، وجب التوقف كما هو مذهب الشافعي ﵁.
مسألة
يجب الأخذ بأقل ما قيل. خلافا للكثيرين. هو بشرط: أن يكون قولا لكل الأمة، ولم يوجد سمعي على الأكثر.
وهو: تمسك بالإجماع على الأقل، وبالبراءة الأصلية على نفي الزائد. وهو كدية اليهودي، فإن الثلث أقل ما قيل فيه، فلو فرض أن بعضهم لم يوجب شيئا، لم يكن ذلك قولا بأقل ما قيل.
وخرج بالثاني: وجوب غسل ولوغ الكلب سبعا، واشتراط الأربعين في انعقاد صلاة
стр. 818
الجمعة، لوجود السمعي على الأكثر ولا يشترط عدم ورود السمعي فيه على ما أشعر به كلام بعضهم. إذ لا امتناع في توارد دليلين على مدلول واحد، ولأن هذا الاحتمال قائم في كل اجتماع، مع أنه لا يقدح حجيته.
فإن قلت: لما اشتغلت الذمة بشيء لم تحصل البراءة الأصلية يقينا، إلا: بالأكثر، فيجب، ليحصل الخروج عن العهدة يقينا.
وأجيب:
بأن احتمال شغل الذمة بالأكثر عند عدم السمعي: ممنوع، وإلا: لزم تلكيف ما لا يطاق، و - حينئذ - يخرج عن العهدة بالأقل. ولأنا لما تعبدنا بالبراءة الأصلية عنده - عرفنا البراءة عن الزائد عنده.
مسألة
قيل: يجب الأخذ بأخف القولين.
للنافي:
(أ) للعسر والحرج والضرر، وبقوله: "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة".
وأورد:
بأن نفي الحرج عما شرع لا يقتضي نفي المشروعية عما فيه الحرج، لعدم لزوم العكس كليا.
وفيه نظر. ولأن الله تعالى غني كريم، والعبد بخلافه فالتحامل عليه أولى. ومنع ذلك إذا كان في التحامل عليه مصلحة له، يؤكده: أن الشرعيات كلها لمصلحة العباد، وإلا: فالله تعالى غني عنها. وهو يرجع إلى: أن الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع.
(ب) الأخذ بالأخف أخذ بالأقل، وقد ثبت وجوبه.
ورد:
بمنعه، إذ ليس من شرط الأخف أن يكون جزءا من الأثقل وإنما يجب الأخذ بالأقل إذا
стр. 819
كان جزءا كما سبق.
وقيل: يجب الأخذ بالأثقل. لقوله: "الحق ثقيل قوي، والباطل خفيف وبي". ولأنه أكثر ثوابا، فيجب المصير إليه، لقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: آية ١٤٨].
وأورد:
بأنه لو صح فالمهملة لا تفيد بالكلية، ولو أفاد لم تنعكس كلية، وكذا كلام في الأخرى.
ولا نسلم أن الأثقل أكثر ثوابا مطلقا، فإن الأخف الواجب أكثر ثوابا من الأثقل الغير الواجب، و - حينئذ - لو بين به لزم الدور. ثم الأخف - أيضا - من الخيرات، فلم يكن للنص دلالة على وجوب الأثقل خاصة.
وقيل: لا يجب الأخذ بشيء منها، إذ ظهر ضعف دلالتهما على الوجوب.
تنبيه:
يجب الأخذ بطريقة الاحتياط، لقوله ﵇ "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وهي غير خارجة عن الأخذ بأكثر ما قيل أو أثقل ما قيل، فلا تفرد بالذكر.
مسألة
الاستدلال: طلب دلالة الدليل، كالاستنطاق.
واصحطلاحا: (ذكر الدليل غير النص والإجماع والقياس)، وهو المطلوب بيانه، وهو أنواع:
(أ) ما يتعلق بالسبب: وطريق إيراده أن يقال: وجد السبب، فيجب وجود الحكم، وإلا لزم التخلف. لا يقال: وجوده وحده غير كاف، بل لا بد من التعرض لوجود الشرط وانتفاء المانع، لأن تخصيص العلة غير جائز، سلمناه، لكن توقيفه على ذلك خلاف الأصل، فلا يجب التعرض لذلك، كما لا يجب التعرض لدفع المجاز والتخصيص.
ويقال في العدم: انتفى فينتفي، أو انتفى شرطه، أو جد مانعه فينتفي. لا يقال: عدم الدليل
стр. 820
ليس بدليل - لانا نمنع ذلك مطلقا، بل إذا كان عدم الدليل مطلقا، أما إذا كان عدم دليل خاص فلا، وهذا، لأن المعنى منه ما لو جرد النظر إليه أفاد علما أو ظنا، وما نحن فيه كذلك، فيكون دليلا.
لا يقال: الاستدلال بالسبب أو انتفائه راجع إلى القياس - لأنا نمنع ذلك، وسنده بين.
(ب) الاستدلال على عدم الحكم بعد ما يدل على الحكم.
وطريقه أن يقال: الحكم الشرعي لا بد له من دليل وإلا: لزم أن لا يكون حكما، أو تكليف ما لا يطاق، وهو: إما نص، أو إجماع، أو قياس.
(أ) لقصة معاذ، خولف في الإجماع لمنفصل، فيبقى فيما عداه على الأصل.
(ب) الاستدلال على عدم الحكم بعدم ما يدل على الحكم.
وطريقه أن يقال: الحكم الشرعي لا بد له من دليل وإلا: لزم أن لا يكون حكما، أو تكليف ما لا يطاق، وهو: إما نص، أو إجماع، أو قياس.
(أ) لقصة معاذ، خولف في الإجماع لمنفصل، فيبقى فيما عداه على الأصل.
(ب) التمسك بالأصل، وهو على نحو ما سبق تقريره.
(ج) أنه لو حصل شيء من الأدلة غير الثلاثة، لنقل نقلا متواترا، لتوفر الدواعي على نقله، لمسيس الحاجة إليه، ولو كان كذلك لعرفناه، سيما بعد البحث والطلب الشديد.
(د) لو حصل شيء من الأدلة غير الثلاثة: فإن كان من القطعية لوجب أن ينقل نقلا متواترا، وإلا: لم يكن قطعيا، أو الظنية: فلم يجز التمسك به، للنافي العمل به، ترك العمل به في خبر الواحد، والقياس لمنفصل، فيبقى فيما عداه على الأصل.
ولا نص:
لأنا لم نجده بعد طلبه، وهو يكفي للمجتهد، والمناظر تلوه. ولأنه لو وجد لعرفه الخصم ظاهرا، ولما حكم بخلافه ظاهرا. ولأن الأصل بقاء ما كان على ما كان. ولا إجماع، لوجود الخلاف، وللإجماع عليه، ولأن الأصل عدمه.
ولا قياس:
لبعض ما سبق. ولأنا لم نجده بعد الطلب إلا: الأصل الفلاني، لكن الفرق الفلاني حاصل، ومعه لا يصح القياس، وهو عذر في حق المجتهد، وكذا في حق المناظر، لأنه تلوه.
стр. 821
وأورد:
(أ) أنه مستدرك، إذ بعض مقدماته كاف في حصول المطلوب.
(ب) ثم إنه يقتضي أن لا يكون الدليل المذكور دليلا، أو عدم انحصار الأدلة فيما ذكره، وعلى التقديرين يلزم القدح فيه، فإنه إذا بطل بعض مقدمات الدليل بطل الدليل. لا يقال: المدعي حصر أدلة الحكم الشرعي، فيما ذكر، وعدم الصحة مثلا ليس حكما شرعيا، لحصلوه قبله، ثم هو راجع إلى الإجماع - لأنه يلزم من عدم الصحة البطلان، وهو شرعي، ولا نسلم رجوعه إليه، وهذا لأن الإجماع لا يدل على عدم الصحة، بل على دلالة عدم الثلاثة عليه.
(ج) لو كان عدم دليل الوجود دليل العدم، لكان عدم دليل العدم دليل الوجود، لاستواء النسبتين، وأنه يبطل الحصر، ويقتضي أن يلزم انتفاء الوجود إلا: ببيان انتفاء عدم دليل العدم، وعدم العدم وجود، فلا يلزم انتفاء الوجود إلا: بوجود دليل العدم، وهو يغني عما ذكرتم.
(د) أنه اقتصر في نفي النص على عدم الوجدان، دون القياس، وهو إن صح آت فيه، كما في النص، والخصم كما يعتقد قياسا معينا دليلا، فقد يعتقد نصا معينا دليلا.
(هـ) ثم الفرق إنما ينفي صحته إذا لم يجوز التعليل بمختلفين، وهو ممنوع.
(و) ثم إنه مقلوب أبدا، فإنه كما ينفي صحة البيع ينفي حرمة أخذ المبيع من البائع، والثمن من المشتري.
وأجيب:
عن (أ) بمنعه، فإن ما ذكرناه أكثر إفادة للظن، ضرورة أن النفي تفصيلا بعد الحصر آكد من النفي إجمالا.
وعن (ب) أن المدعى حصر المغير عن مقتضى الأصل، وما ذكرناه مقرر وفيه تغيير الدعوى، إذ الحكم الشرعي أعم من المغير، فإن ما قرره الشارع على الأصلي حكم شرعي.
فالأول: أن يقال: الأصل بقاء ما كان على ما كان، إلا: لدلالة شرعية مغيرة، ولا مغير
стр. 822
سوى الثلاثة، ولم يوجد واحد منها، لما سبق.
وإنما لم يكتف بذكر الأصل، لأن المجتهد لا يجوز له التمسك به إلا: بعد الطلب، الذي يغلب ظن عدمه، والمناظر تلوه، إذ لا معنى لها إلا: بيان وجه الاجتهاد.
وعن (ج) بمنع الملازمة، إذ الاستدلال بعدم دليل الوجود على العدم أولى منه.
(أ) إذ لا يلزم منه إثبات ما لا نهاية، ولا امتناع في عدم ما لا نهاية له.
(ب) ولأن عدم ظهور المعجز دليل عدم النبوة، وليس عدم دليل النبوة دليل النبوة.
(ج) يصح تعليل عدم جواز التصرف في ملك الغير بعدم إذنه، ولا يصح تعليل جوزه بعدم المنع.
(د) دليل كل شيء ما يليق به، فدليل العدم العدم، ودليل الوجود الوجود، سلمنا تساوي النسبتين، لكن ما ذكرناه معتضد بالأصل، فكان أولى، سلمناه، لكن لا يعتبر لمضادته: أن الأصل هو العدم، فإنه يستدل به على عدم دليل العدم، فيلزم الوجود، وهو دليل العدم.
وعن (د) أنه يتعلق بالاصطلاح، ثم لعله إنما لم يذكر لأنه علم إتيانه فيه فذكر ما يختص به، وإنما لم يذكر ما يقدح في متن النص ودلالته، لأنه يطول، والفرق كلفته قليلة.
وعن (هـ) أنه سبق امتناعه عن المستنبطين.
وعن (و) بمنعه، فإن الأصل لا يجب أن يكون مشتركا بين كل دعوتين، على أنا نمنع إمكان نفي النص والإجماع فيه وأمثاله، إذ الإجماع منعقد على تحريم الأخذ منه، على تقدير عدم صحة البيع.
(ج) الاستقراء. تام، وهو إثبات الحكم في جزئي، لثبوته في الكلي، وهو القياس المنطقي المقيد للطقع، وهو حجة جزما. وناقض، وهو عكسه، وهو المسمى في اصطلاح المشرعين بـ (إلحاق الفرد بالأعم الأغلب)، ويختلف فيه الظن في القوة والضعف، بحسب كثرة الجزئيات وقلتها.
والأظهر: أنه حجة، لأنه يفيد الظن، كقولنا: الوتر ليس بواجب، لأنه يؤدي على الراحلة، ولا شيء من الواجب يؤدى عليها، للاستقراء.
فإن قلت: القياس التمثيلي حجة باتفاق الفقهاء القائلين بالقياس، وأنه أقل رتبة من
стр. 823
الاستقراء، لأنه حكم على جزئي، لثبوته في أكثرها، فكان أولى بالحجية. قلت: لو سلم ما ذكرتم مع أن فيه نظرا، لكن ذلك بسبب علية المشترك، وهو غير حاصل فيما نحن فيه.
مسألة
الحكم إن كان عدميا يمكن إثباته بوجوه:
(أ) الحكم كان معدوما في الأزل، إذ الحكم بدون المحكوم عبث، والمعنى من الحكم كون الشخص مقولا له: إن لم تفعل في هذه الساعة عاتبتك، والأصل: بقاء ما كان على ما كان، وهذا إنما يتم إذا قيل بحدوث الحكم، أو بأن يعني منه، ما ذكرناه - هنا - أو نحوه. أما على ما ذكر في صدر الكتاب: فلا.
(ب) لو ثبت الحكم لثبت لمصلحة عائدة على العبد، لامتناع العبث، وعود النفع إلى الله تعالى، والله تعالى قادر على إيصال جميع المنافع إلى العبد ابتداء، فتوسط الحكم عبث، ترك العمل به فيما اتفق عليه، فبقي في المختلف فيه على أصله، وهو مبني على وجوب تعليل أفعاله وأحكامه بالمصالح.
(ج) ثبوته لا لدلالة، ولا لأمارة، أو لدلالة باطل، لتكليف ما لا يطاق، وللإجماع، وكذا الأمارة، للنافي لاتباع الظن، ترك العمل به في القياس وخبر الواحد للإجماع، فيبقى ما عداه على الأصل.
(د) هذه الصورة تفارق تلك الصورة في مناسب، فنفارقها في الحكم، وإلا لزم إلغاء المناسب، او تعلي الحكمين المتماثلين بمختلفين وهو بالط، لأن إسناد أحدهما إلى علته: إن كان لذاته، أو لوازم ذاته، لزم ذلك في الآخر، وإلا: امتنع إسناده إليها، لكونه مستغنيا في ذاته عنها.
ورد:
بمنع الملازمة، لجواز احتياج المعلول إلى مطلق العلة بما ذكرتم، وتعينها لبس منه، بل لما تعينت العلة لأسبابها تعين المعلول.
(هـ) لو ثبت - هنا - لتثبت في كذا، للمناسبة أو غيرها من الطرق السالمة عن التخلف، لأنه - حينئذ - ثابت في جميع صور النقض.
стр. 824
ورد:
بمنع الملازمة، وأسند إلى المانع.
وأجيب:
بأن الاستدلال بالمقتضى أولى من المانع، لأن التعارض خلاف الأصل.
(و) الحكم كان منتفيا في أوقات متعددة غير متناهية، ضرورة أنه كان منتفيا في الأزل، والكثرة مظنة الظن.
(ز) أن هذا الحكم مفضي إلى الضرر، لأنه إذا دعاه الداعي إلى خلافه، فإن تبع عوقب، وإلا: وقع في مشقة مخالفة النفس، فيكون منفيا، للنافي له، وهو غير مختص بالوجوب والتحريم، بل يعم كل حكم تكليفي.
(ح) إثبات الحكم بلا دليل، أو بدليل قديم - تكليف ما لا يطاق، أو عبث، أو نقض، وبدليل حادث يقتضي أن يكون مسبوقا بالعدم، والأصل في مثله بقاؤه على العدم، ولأن كونه دليلا يتوقف على حدوث ذاته، ووصف كونه دليلا، وما يتوقف على أمرين مرجوح بالنسبة إلى ما يتوقف على حدوث ذاته، ووصف كونه دليلا، وما يتوقف على أمرين مرجوح بالنسبة إلى ما يتوقف على واحد، فكونه دليلا مرجوح بالنسبة إلى عدمه.
(ط) لو كان ثابتا لاشتهر دليله، لأنه مما يعم به البلوى، ومسيس الحاجة إليه.
(ي) يثبوته يقتضي مخالفة الأصل، والنصوص النافية والقياس، إذ لو ثبت لثبت في صورة النقص، لما سبق.
مسألة
في الاستدلال على ثبوته، وهو من وجوه:
(أ) أن المجتهد الفلاني قال به، بناء على الظن أو العلم، وإلا: لما جاز له أن يقول به إجماعا، فوجب أن يكون حقا، لقوله ﵇: "ظن المؤمن لا يخطئ". ترك العمل في العدمي، لعدم استناد ظنه إلى الدليل. ولا يعارض بقول النافي، لأن المثبت راجح على النافي، لما سبق، ولأن المثبت معه زيادة علم، وظن النافي، بجوز أن يكون الاستصحاب، فكان أولى.
стр. 825
(ب) ثبت الحكم في كذا، فيثبت - هنا - لقوله: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: آية ٢]، وقوله: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل: آية ٩٠].
(ج) إثبات الحكم في صورة النزاع، بجامع مشترك بينه وبين محل الوفاق. اتباع الرسول، لأن الرسول فعل مثله، لحديث قبلة الصائم، والخثعمية، فكان واجبا، لقوله: ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: آية ١٥٣].
(د) الصديق (شبه العقد بالعهد)، وعمر: (أمر أبا موسى بالقياس)، فكان واجبا، بوجوب الاقتداء بهما للحديث.
(هـ) الحكم في وصورة كذا ثبت لمصلحة كذا، للمناسبة، وهي حاصلة - هنا - وحكم ما ثابت لمصلحة إجماعا.
(و) هذا الحكم يحصل محصلحة، فيعلل بالمشترك.
(ز) هذا الحكم يتضمن مصلحة المكلف، ودفع حاجته، وأنه ادعى إلى شرعية أولا، ولا يخرج الداعي عن كونه كذلك، إلا: لمعارض، لكن الأصل عدمه.
(ح) أن إثبات الحكم لا يقتضي نقض العلة الفلانية، بخلاف النفي فإنه يقتضي ذلك، ضرورة ثبوته في محل الوفاق، فكان أولى.
(ي) لو لم يثبت الحكم - هنا - لما ثبت في محل الوفاق بالنافي له، السالم عن معارضته عليه المشترك بينهما، واللازم باطل، فالملزوم مثله. وإذ قد أتينا بالمقصود.
فلنختم الكتاب حامدين ومصلين على أنبيائه ورسله، خصوصا محمدا وآله وصحبه أجمعين، اللهم أسعف السؤال، وحقق الأمل، وادفع الخوف والوجل، واذهب الخزي والخجل، واختم بالخير الأجل، وصل على محمد المبجل، قائد العز المحجل، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.