Полный текст (825 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
لنقل واشتهر، فكان إجماعا.
فإن قلت: فقد نقل عنهم تولية المخالف في الدماء والفروج، ونمكنه من الفتوى فيها، وترك البراءة والتفسيق، وهو يدل على تصويبه.
قلت: التخطئة مصرح بها، والتصويب مستدل عليه لو سلم - فكان الأول أولى، ولأن الخطأ غير متعين، فلم يمكن المنع من ذلك. لا يقال. بالتوفيق أولى من الترجيح، لأنه يقتضي إعمال أحدهما. دون الآخر، بخلاف التوفيق، فتحمل التخطئة على ما إذا قصر في الاجتهاد أو لم يكن أهلا له، أو فيما نص قاطع لم يجده بعد البحث التام.
لأن التوفيق متعذر، لأن الحمل الخطأ على ما ذكرتم من الصور - خلاف الظاهر، إذ الظاهر فهم الاستقصاء فيه، حتى كان الواحد منهم يبقى فيه برهة من الزمان. وأما أهلية الاجتهاد: فقد كان ثابتا لهم بإجماع الأمة. وأما خفاء النص عليهم: فكذلك، لأنه نقلة الشريعة، والباحثون عنه، ثم عدم إظهارهم النص بعد التخطئة ينفيه.
فرع:
المصوبة: منهم من قال بالأشبه. والأشبه نفيه، لأنه إن كان هو العمل بأقوى الأمارات - وهو حاصل - كان الأمر بالعمل به واردا إجماعا، فكان الحكم معينا، وإن لم يكن حاصلا لم يكن العمل بالأشبه حاصلا.
وإلا: فإن كان مصلحة العبد - وقلنا بوجوب رعاية مصالحه. على الله تعالى - وجب أن ينص عليه، ليتمكن من الاستيفاء، فيكون الفعل وإن لم نقل به - جاز أن ينص على غيره فيبطل القول به. أو مفسدته - وهو باطل - إذ ليس في الأمة من يوجبها على الله تعالى، أو لا مصلحته ولا مفسدته: فهو كذلك، إذ القول بالوجوب على الله تعالى، مع أنه لا مصلحته ولا مفسدته باطل إجماعا.
وقدح فيه: أنه - وإن جاز أن ينص على غيره - لكنه لا ينص لا: على ما هو مصلحته،
стр. 772
ونظام العالم، تفضلا على ما أجرى عادته به، فلا يلزم بطلانه.
ولمن قال به:
(أ) حديث التخطئة، وإذ هي ليست بحسب الواقع، لما سبق، فهي لمقدر.
(ب) المجتهد طالب، فله مطلوب، وليس هو واقعا، لما سبق فهو مقدر.
وأجيب:
(أ) و (ب): بمنع أن ليس واقعا، أدلة المصوبة ظهر ضعفها. ثم إنه معارض: بأن التكليف بإصابة ما لا دليل عليه ولا أمارة - تكليف ما لا يطاق.
خاتمة:
لا ينقض حكم الحاكم في مجتهد فيه، وإلا: لبطلت فائدة نصب الحكام، بل إذا وقع على خلاف القاطع والقياس الجلي. إنما ينقض على خلاف الخبر الواحد في مسائل، لقوة أدلتها، وشهرة الخبر. وإن حكم حاكم على خلاف اجتهاده مقلدا لمجتهد آخر فهو باطل، إذ لا يجوز للمجتهد التقليد بعد الاجتهاد، وظهور مقتضاه وفاقا.
وإن مقلدا، وحكم على خلاف مذهبه مقلدا لآخر: لم يجز نقضه - إن جوز الحكم للمقلد، وجوز له تقليد غير إمامه، وإلا جاز. وإذا تغير اجتهاد المجتهد - بعد اتصاله بحكم الحاكم - لم ينقض، لما سبق، أو قبله - وهو مستديم عليه - لم يستمر حكمه في حقه، وفيمن عمل بفتواه، كما يجب التحول إذا تغير اجتهاد المتبوع، وفي الأخيرة وجه ضعف.
المفتي والمستفتي
مسألة
إذا أفتى مرة بعد اجتهاده، ثم سئل عنها أخرى: ثالثها: أنه يستأنف، إن لم يذكر طريق اجتهاده، ويعمل به وافق، أو خالف.
стр. 773
والأحسن: إعلام المستفتي به أولا، كما فعله ابن مسعود لئلا يبقى عمله عمله بغير موجب.
الموجب:
أنه يحتمل أن يتغير، ويطلع على ما لم يطلع عليه أولا.
للنافي:
كان الغالب على ظنه قوة ما تسمك به أولا، والأصل استمراره، والعمل بالظن واجب.
مسألة
في فتوى غير المجتهد عن المجتهد الميت:
ثالثها: يجوز إن عدم، كما في زماننا.
وقيل: إن كان الحاكي مجتهدا في مذهبه.
للمانع:
أنه لا قول للميت، لانعقاد الإجماع مع خلافه. وأيضا - لو جاز، لجاز لعامي، وهو خلاف العامي الإجماع.
وإنما صنفت كتب الفقه، لمعرفة المتفق والمختلف، واستفادة طرق الاجتهاد من تصرفهم.
وأورد:
بمنع انعقاد الإجماع مع خلاف، وقد سبق، وبالفرق بين العالم والعامي، وهو واضح.
ولمن جوز:
أن قول المجتهد بالنسبة إلى العامي كقول الرسول بالنسبة إلى المجتهد، فإذا نقله الثقة إليه -
стр. 774
وجب عليه اتباعه، كقول الرسول.
أورد:
بمنع الأولى، إذ يجوز العدول عنه إلى غيره، دون قول الرسول سلمناه، لكل في حياته، أما بعد موته: فممنوع، ثم المنقول إليه ليس له تمييز ما نقل إليه، بخلاف المجتهد في قول الرسول.
للمفصل:
الضرورة - عند عدم المجتهد. و - أيضا - الإجماع منعقد عليه في زماننا. وفيه نظر، إذ لا عبرة بإجماع غير المجتهدين.
للأخير:
أن المجتهد إذا كان عالما ثقة، والحاكي ثقة، فاهما معنى كلام المجتهد - حصل للعامي ظن أن ما حكاه حكم الله، والظن حجة.
وأورد:
بأن مطلقه غير معتبر، بل ما يحصل من طريق معتبرة شرعا، فلم قلتم: إنه كذلك؟
والأولى: التعويل على الحاجة والضرورة. وعن المجتهد إلى الجواز إن سمعه منه شفاها، أو أخبره ثقة، أو وجده في كتاب موثوق به إذ يجوز للمرأة أن تعمل في حيضها بنقل زوجها عن المفتي.
ورجع علي إلى الحكاية المقداد عن الرسول ﵇ في شأن المذي. وفيه نظر، لجواز أن يكون ذلك بطريق نقل الخبر. ثم لا يعتبر في الحاكي العلم، ورتبة الاجتهاد في مذهب من حكي عنه. وحيث يجوز الفتوى - جاز التحمل، وإلا: فلا.
مسألة
يجوز خلو الزمان عن المفتي مطلقا. وقيل: لا.
لنا:
(أ) قوله ﵇ "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا" الحديث، وهو صريح
стр. 775
في المطلوب.
(ب) أنه غير ممتنع لذاته، وهو ظاهر، ولا لأمر منفصل، إذ الأصل عدمه.
لهم:
(أ) قوله ﵇ "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله"، وقوله: "واشوقاه إلى لقاء إخواني، قالوا ألسنا إخوانك؟ فقال ﵇: أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون بعدي يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد الناس" التمسك بهما ظاهر.
(ب) تحصيل مرتبة الإفتاء فرض على كفاية، فيمتنع اتفاق الأمة على تركه.
(ج) تجويزه يفضي إلى تجويز اندراس الشريعة والدين، وهو ممتنع، للنصوص الدالة عليه.
وأجيب:
عن (أ) أنه لا دلالة فيهما على نفي الجواز المتنازع فيه، ثم المراد من الظهور بالنصر والتمكن والذب عن الدين، والمراد من الإصلاح إصلاح أحوال أنفسهم بجليات الدين، والأخذ بالاحتياط فيما اشتبه فيه الأمر، أو بطريق الفتيا ممن كان قبلهم.
وإن أريد منه: ما هو أعم منه، فلعل المراد: الإصلاح بالنص، والرغبة عن الدنيا، والامتناع عن المناهي. ثم بالمعارضة بما يدل على خلو الزمان من العلماء، والترجيح معنا، لكثرة وصراحة الدلالة.
وعن (ب): أنه قد يحصل بموت العلماء، ثم إنه إنما يجب إذا كان فيهم من صلاحية
стр. 776
تحصيله، فإن عمهم البلادة يمتنع حصوله منهم: فلا، فلعل عصرا يتف فيه ذلك.
وعن (ج) بمنع أنه يفضي إليه، إذ لا يفضي ذلك إلى اندراس جليات الدين، كالأركان، ثم يجوز أن تنقل إليهم الأحكام من أهل عصر قبلهم ثم يمتنع امتناع اللازم، والنصوص معارضة بما يقابلها.
مسألة
يجوز للعامي تقليد المجتهد في الفروع. خلافا لمعتزلة بغداد. وفرق الجبائي بين الاجتهادية وغيرها.
لنا:
(أ) قوله تعالى: ﴿فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: آية ٤٣] والأحكام غير معلومة للعامي ولا مظنونة، فجاز له التقليد أو وجب، إذ لا فائدة في السؤال بدون القبول.
وامتناع التعليل في الأصول ممنوع، وبتقدير تسليمه: فتخصيصه عنه لمنفصل لا يقتضي تخصيص غيره عنه، وحمل ذلك على السؤال عن أدلة الأحكام تقييد من غير الدليل.
(ب) الإجماع قبل حدوث المخالف، إذ العلماء في كل عصر يسوغون للعامة تقليدهم. وادعاء أن ذلك بعد بيان مأخذ اجتهادهم لهم: بهت صريح.
(ج) العامي إذا نزلت به واقعة فمأمور بشيء إجماعا، وليس هو البراءة الأصلية وفاقا، ولا الاستدلال بالسمعية، لأنه لا يمكن تحصيل رتبته في ذلك الوقت، ولا يلزم ذلك قبله، إذ السلف ما كانوا يوجبون على المكلفين بأسرهم تحصيل رتبة الاجتهاد والفتيا، بدليل عدم الذم ولأن إيجابه عليهم يخل بنظام العالم وبمعاشهم، فهو - إذا - التقليد.
لا يقال: نحن لا نوجب ذلك، وإنما نوجب أحد الأمرين، إما ذلك، أو السؤال عن الحكم ودليله ووجه دلالته، ولا محذور، وهو سهل لأن القائلين به لم يقولوا بحجية الإجماع، وخبر الواحد والقياس، والظواهر المحتملة، بل يقولوا: إن حكم العقل في المنافع: الإباحة، وفي المضار الحظر.
стр. 777
وإنما يترك هذا الأصل لنص قاطع المتن والدلالة. فإن وجد في الواقعة عرفه المفتي للسائل، وإلا: عرفه أنه مأمور بحكم العقل، فإن عرفه عمل به، وإلا: نبهه عليه. ثم إنه منقوض بالتكليف بمعرفة أدلة الأصول - لأنا نقول: إن إجماعهم على عدم ذمهم على ترك تحصيل رتبة الاستدلال، وترك السؤال عن الدليل، ووجه دلالته، وعلى عدم ذم المفتي إذا ترك ذلك عند عقله المستفتي عنه - ينفي ما ذكرتم، ومنع الإجماع عليه: منع مكابرة.
ومنع التقليد في الأصول: ممنوع، ثم الفرق: أن مطالب الأصول قليلة، غير متكرره، وأدلتها قاطعة، حاملة للطباع السليمة على الاعتراف بمقتضاها، فلم يمتنع فيه تحصيل رتبة الاستدلال على سبيل الجملة فيها. وعدم الفرق بين العلم الجملي والتفصيلي - ممنوع، وبيانه: أن الجملي بأدنى مناف يضطرب دونه. ولأن الفرق بين علم من علم متن الدليل ووجه دلالته، وبين علم من علم ذلك وعلم الجواب عن جميع قوادحه معلوم بالضرورة. ولأن من شرط العلم في الأصول: اكتفى بأصل الدليل، ولم يشترط العلم بالوجواب عن جميع الشبه والقوادح.
لهم:
(أ) قوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [البقرة: آية ١٦٩]، وآيات ذم التقليد.
(ب) قوله ﵇: "طلب العلم فريضة" - الحديث وقوله ﵇ -
стр. 778
"اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له"، وهما عامان في كل علم وشخص، فإن خصص منه شيء بقي الباقي على أصله.
(ج) أنه قد يقلد المخطئ، إذ لا تمييز بينه وبين غيره، وهو أمر باتباع الخطأز
(د) جوازه يقضي إلى عدمه، لأنه يقتضي جواز التقليد في المنع منه.
(هـ) لو جاز، لجاز في الأصول، بجامع العمل بالظن.
للجبائي:
بأن الحق في غير الاجتهادية متعين، فلم يؤمن في التقليد من الخطأ، بخلاف الاجتهادية، فإن كل مجتهد مصيب.
وأجيب:
عن (أ): المراد منه الأصول جمعا بين الأدلة، ولقياس الآية، ويخص نص ذم التقليد: بأنه حكاية حال الكفار.
والأول: أنه منقوض بجميع المظنونات، كالبراءة الأصلية، والقياس، وخبر الواحد، إن قالوا بها، وبالعمل بالظن في أمور الدنيا، كقيم المتلفات وأروش الجنايات، والفتوى والشهادات، وبما إذا بين له مستند، وإن كان قطعيا، إذ قوله ليس بمقطوع الصدق.
وعن (ب): المراد منه المعرفة والشعور، لا العم الاصطلاحي، ثم المراد منه العلم بالأركان ونحوها جمعا بين الأدلة، ثم إن تحصيل العلم في جميع الفروع غير واجب إجماعا، ولأنه متعذر، والأمر بالعلم أمر بالنظر المفضي إليه، دون الذي يفضي إلى الظن، فليس فيه دلالة على المطلوب، المراد من الاجتهاد: الاجتهاد اللغوي، لقرينة قوله: "فكل ميسر لما خلق له"، ثم إنه يحمل على الكفاية، جمعا بين الدليلين ثم إنه أمر لمن له أهلية الاجتهاد، دفعا
стр. 779
لتكليف ما لا يطاق، أو الإضمار.
وعن (ج): بمنع أنه أمر باتباع الخطأ، فإنه لما أمر باتباع من يغلب على ظنه صدقه - صار ذلك حكم الله في حقه، كالمجتهد، إذا أخطأ ثم إنه حاصل لو اجتهد فإنه لا يأمن من الخطأ.
وعن (د) مبنع بطلانه مطلقا، فإنه إذا كان شرط إثباته مخالفا لشرط نفيه جاز، كما في صورتنا، ثم إنه منقوض بوجوب العمل بالظن، فإنه قد يفضي إلى المنع منه، والجواب واحد.
وعن (هـ) ما تقدم من الفرق.
وعن حجة الجبائي: بمنع أن كل مجتهد مصيب، ثم إنه يجوز أن يقصر في الاجتهاد، ثم إنه لا يميز بينهما غير المجتهد، فيكون جواز التقليد مشروطا بحصول رتبة الاجتهاد.
فرع:
العامي إذ استفتى في حادثة فأفتى فيها بحكم معين، ثم عادت ونسى الحكم: وجب الاستفتاء ثانيا، وإلا: ففيه احتمالان.
مسألة
لا يجوز الاستفتاء إلا: عمن يغلب على ظنه كونه مجتهدا ورعا وفاقا. ويعلم ذلك بانتصابه للفتوى واجتماع الناس على سؤاله، وإنما وجب عليه ذلك، لأنه بمنزلة الأمارة بالنسبة إلى المجتهد، وهذا إن اتفق لغير الأهل لجاه اتفق لغير الأهل لجاه اتفق له، لكنه نادر، لا يخفى، ولا طريق للعامي إلى معروفة الأهلية إلا: ذلك.
والأصح: أنه لا يجوز الاستفتاء من مجهول الحال. وقياسه على الشهادة والرواية بعيد، إذ الإسلام وازع عن المعاصي ظاهرا، فربما يكتفي به ظاهرا، بخلاف العلم سيما رتبة الاجتهاد، فإن الإسلام غير محصل له ظاهرا، لجواز التقليد فيه، وإن كان فرض عين.
ثم إن احتمال العامية غالبة أصلية، بخلاف العالمية، نعم لو علم علمه، وتردد في عدالته، : اتجه الخلاف في جواز الاستفتاء منه. وإن تعدد المفتون واتفقوا: تعين عليه. وإن اختلفوا: فيجب عليه الاجتهادفي أعلمهم وأورعهم عند الإمام أحمد وأبي سريج والقفال، وجمع من
стр. 780
الفقهاء والأصوليين: لأن أقوالهم بالنسبة إلى العامي كالأمارات بالنسبة إليهم، ولأن النظر في تقليد الأعم، والأورع أكثر، ويعرف ذلك بالشهرة والتسامح، وبكثرة السؤال من أهل الخبرة، وتعظيم الناس له لعلمه وورعه، واشتغال الناس عليه، والاستفتاء منه، والتجربة: بأن يحفظ مسائل وأجوبتها، ويسألهم عنها، فمن أصاب أو كان أكثر إصابة فهو أعلم. وقال القاضي وجمع من الفقهاء والأصوليين: لا يجب لتعذره عليه، أو تعسره، لقوله ﵇ "أصحابي كالنجوم ... " الحديث، ولأن الصحابة والعلماء في كل عصر، لا ينكرون على العوام بتركهم النظر في أحوالهم، ولأن الخلفاء الأربعة، وكذا الأفاضل في كل عصر ما كانوا ينكرون على المستفتي، إذا ترك أقوالهم، وأخذ بقول المفضول، فإذا لم يجب ذلك مع العلم أو الظن بتحققه، فلأن لا يجب الاجتهاد بالطريق الأولى.
فإن لم يوجب، أو أوجب - لكن تخير - يخير، ولا يبعد التوقف إلى ظهور الرجحان في صورة التخيير إن لم يفت المقصود، وتخريجه على تعادل الأمارتين - بعيد، لإمكان حمله على التعادل الذهني.
وعند ظن التساوي في الدين، دون العلم: يجب الأخذ بقول الأعلم على الأصح، لكثرة الظن، وقياسا على تقديمه في الصلاة. وقيل: يتخير، وهو بعيد.
وفي عكسه: يجب الأخذ بقول الأدين وفاقا، والفرق عسر على فرق. وعند الاختلاف: الأظهر أنه يجب الأخذ بقول الأعلم. وقياس مذهب من خير: يقتضي رجحان قول الأدين.
مسألة
الأظهر: جواز الاستفتاء لعالم غير مجتهد، لأنه كالعامي بالنسبة إلى الحكم المطلوب.
стр. 781
وقيل: لا، لأن له صلاحية معرفة طرق الأحكام، فيجب عليه أن يعرف الحكم بدليله، ولو بالمراجعة إلى من يعرف ذلك.
والمجتهد: إذا اجتهد - ظن ذلك حكما - لم يجز له التقليد وفاقا. وإن لم يجتهد:
فثالثها: أنه يجوز تقليد الصحابي، إذا كان مترجحا على غيره في نظره.
الشافعي - قديما - أنه يجوز لغير الصحابي تقليدهم، وهو يشعر: أنه لا يجوز لهم تقليد غيرهم، ولا بعضهم بعضا.
محمد بن الحسن: يجوز تقليد الأعلم.
ابن سريج: بشرط التخيير، أو فوات الوقت.
وقيل: فيما يخصه دون ما يفتي فيه. وقيل: بشرط خوف فوات الوقت. ونسبا - أيضا - إليه.
للمانع:
(أ) ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: آية ٢]، والعامي غير مراد منه وفاقا لعجزه، فلو لم يكن المجتهد مرادا - لزم التعطيل.
(ب) القياس على الأصول، بجامع القدرة على الاحتراز عن الضرر المحتمل.
وفرق: بأن المطلوب في الفروع الظن، وأنه حاصل بالتقليد، فإن أريد به مطلقا: فممنوع، والمستند إلى الإمارة غير حاصل. ولا ينقضي: بقضاء القاضي، إذ لا يجوز خلافه، مع أنه تقليد، ويجوز السؤال عمن يخبر عن الرسول للقادر على سؤاله، لأنا نمنع أنه تقليد، إذ الدليل
стр. 782
لما دل على أن قضاء القاضي لا ينقض، كان ذلك لا بذلك الدليل.
ولا يقال: إنه يقتضي أن لا يكون قبول العامي قول المفتي تقليدا، لان العامي لا يعرف الدليل، ووجه دلالته على المطلوب، فكان تقليدا بخلاف المجتهد، وبمنع جوازه، ثم لما دل القاطع على وجوب العمل بخبر الواحد - كان ذلك قطعيا لا ظنيا.
(ج) لو جاز قبل الاجتهاد لجاز بعده، كالعامي إذا ظن الحكم من المستفتي - جاز له أن يستفتي من الآخر. وهو ضعيف، لخلوه عن الجامع.
ثم الفرق: أن الظن الحاصل من اجتهاده أقوى من اجتهاد غيره، فلا يجوز العمل به معه، بخلاف قول المفتي، فإنه ليس يلزم أن يكون الأول أقوى.
(د) لو جاز لغير الصحابي تقليده - لجاز تقليد بعضهم بعضا، و - حينئذ - يلزم أن لا يكون لمناظرتهم فيما بينهم فائدة. وهو كقبله، إذ الملازمة ممنوعة، لوضوح الفرق، ثم بمنع انتفاء اللازمن ثم بمنع أنه لا فائدة - حينئذ - في المناظرة.
(هـ) الدليل ينفي التقليد، ترك العمل به في العامي للضرورة فيبقى في غيره على الأصل.
(و) لا بد لجوازه من دليل، والأصل عدمه.
للمجوز:
(أ) قوله تعالى: ﴿فسئلوا أهل الذكر﴾ [الأنبياء: آية ٧].
(ب) قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ [التوبة: آية ١٢٢] أوجب الحذر بإنذار من تفقه في الدين من غير فرق، فيجب عموما.
(ج) قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: آية ٥٩]، والعلماء منهم لنفاذ أمرهم على غيرهم من غير عكس.
(د) قوله ﵇ "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ﵄ "، وقوله:
стр. 783
"عليكم بسنتي ... "، الحديث، وقوله "أصحابي كالنجوم ... "، الحديث وهو خاص بالصحابة.
(هـ) قال عبد الرحمن بن عوف لعثمان: (أبايعك على كتاب الله وسنة ورسوله، وسيرة الشيخين)، فقبل ولم ينكر عليه، فكان إجماعا، وعلي لم يقبله، لا أنه أنكره، ونحن لا نقول بوجوب قبوله، ويروى رجوع عمر إلى قول علي ومعاذ بن جبل ﵃ من غير نكير.
(و) اجتهاد نفسه لا يفيد إلا: الظن، واجتهاد غيره - أيضا - يفيده فكان جائز الاتباع، كاجتهاد نفسه.
(ز) إذا أفتاه المجتهد حصل له ظن أنه حكم الله تعالى، وأنه يقتضي ظن حصول العقاب عند عدم العمل به، فكان يجب العمل به دفعا للضرر المظنون.
(ح) أنه حكم يسوغ فيه الاجتهاد، فجاز لمن يكون ظانا له أن يتقلده كالعامي بجامع حصول الظن بقوله.
(ط) قياسه على قبول خبر الواحد، بل أولى، لأنه أخبر بعد استفراغ وسعه.
وأجيب:
عن (أ): بالنقض بما بعد الاجتهاد، فإنه - أيضا - غير عالم. ورد: بأنه خرج للإجماع، فيبقى ما عداه على الأصل، وبأن المراد منه: المقلد، إذ المجتهدون لا يصدق عليهم: ﴿إن كنتم لا تعلمون﴾ [الأنبياء: آية ٧]، فإن المعتبر في ذلك التمكين منه، لا العلم بالفعل. ولأن المجتهد من أهل الذكر، لكونه متأهلا له، فيكون مسئولا، لا سائلا.
ولأن ظاهره وجوب السؤال، وهو غير ثابت في حقه إجماعا، وإنما هو ثاب في حق العوام، فيختص بهم، لئلا يلزم الترك بالظاهر. ثم ما عنه السؤال غير مذكور، فيحمل على السؤال عن
стр. 784
الأخبار، أو عن وجه دلالة الدليل، والحمل على العموم، حتى يندرج تحته الحكم، غير جائز، إذ المقتضى لا عموم له.
وعن (ب) المراد منه الراية دون الفتوى، على ما سبق، ثم إنه يقتضي وجوب الحذر، وهو غير ثابت في حقه وفاقا، ثم إن ما بعد الاجتهاد مخصوص عنه، وكذا ما قبله، بجامع التمكن من معرفة الحكم بالنظر.
وعن (ج) أن المتبادر منه الأمراء والولاة، ثم المراد العوام لوجوب الطاعة عليهم، دون المجتهد، ثم المراد وجوبها في الأقضية.
وعن (د) أن قول الصحابي حجة والخطاب لغيرهم، ثم المخاطبون العوام، لقرينة الوجوب، ثم المراد الاقتداء بسيرتهم، على ما يأتي شرحها، ثم إنه مخصوص بهم.
وعن (هـ) المراد سيرتهم في العدل والإنصاف، وحسن الانقياد له. إذ هو المتبادر منها، سلمناه، لكنه يخص به جمعا بين الدليلين.
وعن (و) بالفرق، فإن ظن اجتهاده أقوى.
وعن (ز) أنه صرف عنه ما ذكرنا م الدليل السمعي، ثم الحذر من مخالفة ظن نفسه أولى.
وعن (ح) ما سبق من الفرق.
وعن (ط) أن احتمال الخطأ في تمسه بالخبر ابتداء أقل. لا يجوز للعامي تقليد غير مقلده، فما قلد فيه. وفي غيره:
ثالثها: يجوز قبل تقرر المذاهب، واختاره إمام الحرمين.
للمانع:
تجويزه يرفع التكاليف وفوائدها. وهو يقتضي وجوب انتحال مذهب معين ابتداء وفيه خلاف، مرتب على السابق، وأولى بعدم الوجوب.
للمجوز:
إجماع الصحابة والسلف الصالح، إذ ما كانوا يلزمون العوام بالانتحال بمذهب معين ابتداء ودواما.
стр. 785
للمفصل:
هذا قبل تقرر المذاهب، فأما بعده: فلا يجوز، للخبط عدم الضبط. وإذا التزم العامي مذهبا معينا: ففي جواز رجوعه إلى غيره في بعض الحوادث:
ثالثها: أنه يجوز أن لم يتصل العمل به.
مسألة
التقليد في الأصول جائز عند أكثر السلف والفقهاء وبعض المتكلمين كالعنبري والحشوية والتعليمية. واختص بعضهم بوجوبه. وأكثر المتكلمين على عدم جوازه.
(أ) لأن تحصيل العلم فيه واجب على الرسول، بقوله: ﴿فاعلم﴾ [محمد: آية ١٩]، فكذا علينا، لآية الاتباع. ولا يرد عليه ما قيل في امتناع العلم بالله، لأنه في الوحدانية.
(ب) ما في الكتاب والسنة في ذم التقليد، وفي وجوب النظر، والفكر، ولا يمكن صرفه عنه إلى الفروع، لأنه خلاف الإجماع.
(ج) الإجماع منعقد على وجوب معرفة الله وصفاته، وهي غير حاصلة بالتقليد، إذ المقلد غير معصوم عن الكذب، ولأنه لو أفاد العلم بقدم العالم وحدوثه، فيلزم كونه قديما وحادثا.
و- أيضا - لا يفيد علما ضروريا، وهو ضروري، ولا نظريا، لأنه لا بد له من دليل، وإلا: لم يكن نظريا، - حينئذ - يخرج عن كونه تقليدا.
وأورد:
أنه إن أريد به تحصيل اعتقاد مطابق لما هو الواقع في نفسه فمسلم، والتقليد يفيده، وما ذكرتم لا ينفيه، وإن عنى به غيره، فانعقاد الإجماع عليه - ممنوع.
(د) أن الواجب تقليد المحق، ولا تعرف حقيقته إلا: بالدليل، فيخرج عن كونه تقليدا.
وهو منقوض بالفرع على رأي المصوبة وغيرهم. لا يقال: الظن فيهما كاف، فإن أخطأ كان
стр. 786
الخطأ محطوطا عنه، لأنه يقال مثله في الأصول، بل أولى لغموض الأدلة، وكثر الشبه، وهو على رأي الجاحظ والعنبري، وأما على رأي الجماهير: فهو باطل، لما سبق.
للمجوز:
(أ) النظر غير واجب، لكونه منهيا عنه، لأنه يفضي إلى الجدل، وهو منهي عنه، لقوله تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ [غافر: آية ٤]، وقوله: ﴿إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ [الزخرف: آية ٥٨]، ولقوله ﵇: "إنما أهل من كان قبلكم بخوضهم في هذا"، قاله - حين سمع كلامهم في القدر، وقال: "عليكم بدين العجائز"، وهو للوجوب، فيكون ضده محرما، والمفضي إلى المحرم محرم، و - حينئذ - يلزم جواز التقليد فيها.
ورد:
بمنع أن النظر منهي عنه، وما ذكرتم من النصوص محمول على الجدال بالباطل، جمعا بينها وبين ما يدل على أنه مأمور به، وهو كثير، وقوله: "عليكم بدين العجائز" - ما صح، سلمناه، لكنه محمول على التسليم لقضاء الله وقدره.
(ب) وعليه التعويل: أنه ﵇ كان يحكم بالإسلام لمن تلفظ بكلمتي الشهادة من غير سؤال منه عن معرفة دليل وجود الصانع وتوحيده، وكونه مختارا - مع أن الظاهر عدم معرفتها. من أحلاف العرب والبدو.
(ج) أنه لم ينقل عن الصحابة خوضهم فيها لعدم النقل، ولو كانوا مأمورين لما أخلوا به.
وأورد عليهما:
بمنع أنهم ما كانوا يعلمون ذلك، لامتناع نسبة الجهل المنهي عنه، و - حينئذ - يلزم الدور.
стр. 787
ولا يمكن ادعاء كون العلم مركوزا في النفس بالنسبة إلى بقية المطالب، فيكون الإلزام، والاكتفاء بإخبار الرسول لا يمكن بالنسبة إليها، لأن صحة الرسالة فيها تتوقف على بضعها، فلو اكتفى فيه بإخبار الرسول لزم الدور.
(د) الصحابة ومن بعدهم إلى زماننا لم ينكروا على العوام تركهم النظر في المسائل الأصولية، مع أنه كان شائعا ذائعا، وكانوا يحكمون بصحة إسلام كل من تلفظ بكلمتي الشهادة من غير مسألة منهم عن معرفة الدلائل، وهو يدل على صحة التقليد فيها.
وفي ادعاء أن ذلك لمعرفتهم بمعرفتهم دلائل ما لابد منه في صحة الإيمان - جملة لا تفصيلا - نظر بين.
(هـ) النظر مظنة الوقوع في الشبهات، بخلاف التقليد، فكان أولى.
ورد:
بأنه لا بد وأن ينتهي إلى النظر، فالمحذور لازم لأصله مع زيادة تخصصه.
(و) قياسه على الفروع، بل أولى، لغموض أدلته، وكثرة شبهاته. وقد سبق ما بينهما من الفرق.
(ز) الأصول والفروع قد استويا في التكليف بهما، فتستويان في طريق حصولهما. وهو خال عن الجامع، ولو سلم فالفرق.
الأدلة التي اختلف فيها
مسألة
في أنه ﵇ هل كان متعبدا بشرع من كان قبله من الأنبياء، أم لا؟ اختلفوا فيه:
فذهب البصري وجمع إلى: نفيه: وجمع إلى: إثباته.
وثالثها: التوقف فيه، واختاره الغزالي وعبد الجبار. ثم المثبتون: منهم من قال: إنه كان
стр. 788
متعبدا بشرع نوح، قيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى ﵈.
النافي:
أنه لو كان متعبدا بشرع أحد: ولجب عليه الرجوع إلى علمائه في الوقائع، إذ من المعلوم أنه لم يكن عالما بذلك الشرع، لعدم اشتغاله بشيء من العلوم، ولو راجع، لنقل واشتهر، لتوفر الدواعي على نقل مثله.
ولافتخر علماء تلك الشريعة به، ولو وقع ذلك لنقل واشتهر، ولما لم ينقل علمنا أنه لم يوجد.
وأجيب:
عن الأول: بأن منها ما كان معلوما بالتواتر، لا يحتاج فيه إلى التواتر، وما ليس كذلك، فمراجعتهم غير مقيدة، لعدم الوثوق بهم، ولتطرق التبديل والتحريف إلى شرعهم. و - أيضا - لعل ما وقع فيه المراجعة قليل، فلذلك لم ينقل.
وعن (ب) أنهم إنما لم يفتخروا به لأنه يتضمن حقيته، وهو نقيض مقصودهم.
للمثبت:
(أ) أنه ﵇ كان قبل البعث يتحنث ويحج ويعتمر ويطوف، ويركب البهيمة، ويأكل اللحم، وذلك يدل على أنه كان متعبدا بشرع من قبله.
(ب) أن دعوة من تقدمه عامة، فيكون داخلا فيها.
وأجيب:
عن (أ) بمنع أن ذلك على وجه يتوقف فيه على التوقيف، بل لعله كان تضرعا وابتهالا إلى الله تعالى، وتوقيرا وتعظيما به.
وعن (ب) بمنع ذلك، ثم بمنع وصول تل الدعوة إليه على وجه تقوم الحجة به.
стр. 789
مسألة
في أنه ﵇ هل كان متعبدا بشرع أحد بعد الأنبياء؟ اختلفوا فيه: فنفاه الأشاعرة والمعتزلة وكثير من الفقهاء. وأثبته الحنفية وبعض الشافعية والإمام أحمد - في رواية - وتوقف فيه آخرون، كالغزالي وعبد الجبار.
والمثبون اختلفوا في أنه متعبد بشرع من؟ حسب اختلافهم في السابقة، وكون شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ مبني على هذا.
للمثبت:
قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة﴾ [المائدة: آية ٤٤] الآية، ترك العمل بها في الأنبياء الذي كانوا قبل موسى، فيبقى معمولا به في الذين بعده.
وأجيب: بأنه متروك الظاهر، إذ لم يحكم جميع النبيين بجميع ما فيها بل الكل، وعلى التقديرين لا تتم الحجة. وقوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتداه﴾ [الأنعام: آية ٩٠] وظاهره الأمر بمتابعهم، وهو يفيد المطلوب.
وأجيب:
بأن المراد أصول الدين، لأنه الذي يضاف إلى جميعهم، دون الفروع، فإنها مختلف فيها فيما بينهم، ولأن الهدى مطلقا - إنما تستعمل في أصول الديانات.
وقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك﴾ [النساء: آية ١٦٣].
وجوابه: أنه تشبيه للوحي بالوحي، لا تشبيه بالموحى به بالموحى به ولو سلم لما أفاد المطلوب، لأنه يدل على أنه يدل على أنه أوحى غليه بمثل تلك الأحكام، وهو لا يفيد المطلوب.
وقوله تعالى: ﴿أن اتبع ملة إبراهيم﴾ [النحل: آية ١٢٣].
стр. 790
وجوابه: المراد منه أصول الديانات كما يقال: أصحاب الملل، أي أصحاب الأديان، ولقرينة قوله تعالى بعده: ﴿وما كان من المشركين﴾ [البقرة: آية ١٣٥]، ولا يقال: أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة: ملتان مختلفتان، مع اختلافهم في الفروع، ولأن شريعة إبراهيم قد اندرست فيمتنع الأمر باتباعها. وقوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا﴾ [الشورى: آية ١٣].
وجوابه: بعض ما سبق، ولأنه يقتضي اتحادهما في الوصية بإقامة الدين، وعدم التفرق فيه، وهو لا يدل على مطلوبكم.
للنافي:
حديث معاذ، ووجه التمسك به ظاهر. وعدم مراجعته إليه في أحكام الحوادث، لعدم نقله، مع توفر الدواعي إليه، وانتظاره لنزول الوحي، فيما يسأل عنه من الأحكام، و - حينئذ - يكون مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة. وبأن القول به غض من منصبه ومناف لكون دعوته عامة، وكون شرعه ناسخا لما قبله من الشرائع.
ولأن تعبده بشرع من قبله من جميع الأحكام باطل قاطعا، أو بعض أحكامه، يعني أنه أوحي إليه، بمثل ما أوحي إلى من تقدمه، فهذا مسلم لكنه ينفي الملة، أو بمعنى أنه مأمور باتباع ما في شرعه، فهذا يقتضي أن لا يكون الشريعة منسوبة إليه على الإطلاق، بل بعضه، وهو خلاف الإجماع.
والمسألتان ظنيتان، والمختار في السابق: التوقف، وفي الثانية نفيه.
مسألة
الأصل في المنافع: الإذن، وفي المضار: الحظر، بعد ورود الشرع.
أما الأول: فلقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ [البقرة: آية ٢٩] واللام للاختصاص بجهة الانتفاع، لقوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة:
стр. 791
آية ٢٨٦]. وقال ﵇ "النظرة الأولى لك، والثانية عليك"، وقال: "له غنمه وعليه غرمه"، ويقال: هذا لك، وهذا عليك.
فإن قلت: جاءت لغيره، كقوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: آية ٧]، ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾ [البقرة: آية ٢٨٤]. ولأنه قيل: إنها للملك، أو للاحتصاص مطلقا، ثم لا عموم له فيحمل على الانتفاع بالاستدلال به على الصانع، ثم يعم النفع بالخلق، لأنه داخل عليه.
ولا نسلم أن الانتفاع بالخلق غير متصور، إذ يمكن الاستدلال به على وجود الصانع وكمال قدرته، وهو - وإن كان غير محسوس لكنه معقول. ثم إن حمل الخلق على المخلوق مجاز، ولا نسلم عدم مجاز آخر أولى منه.
ثم إنه قابل الجمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد. ثم في للظرفية، فتختص بالمعادن والركاز، وكونها متناولة لما على وجه الأرض - مجازا - في قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: آية ٣٠] للضرورة، لا يقتضي حملها عليه، حيث لا ضرورة.
ثم إنه يدل على حال الخلق، ولا يمكن استصحاب الاختصاص لأنه عرض، فلا يبقى.
ثم إنه خطاب مشافهة فاختص بالحاضرين. ثم إنه معارض بقوله: ﴿لله ما في السموات وما في
стр. 792
الأرض﴾ [يونس: آية ٥٥].
قلت:
إنه مجاز دفعا للاشتراك والترجيح، لكثرة الاستعمال فيما ذكرنا، ولأنا جعلناها حقيقة في الاختصاص النافع أمكن جعلها مجازا في مطلقه من غير عكس، أو - وإن أمكن - لكن عند التعارض الأول أولى. ودفع بأن جعلها حقيقة في مطلقه أولى، إذ التواطؤ خير من الاشتراك والمجاز، ثم هو موافق لكلام النحاة، وحمله على الاختصاص النافع: تقييد خلاف الأصل.
ولقائل أن يقول: لو جعلت لمطلقه فالعرض - أيضا - حاصل لأنه يقال: ثبت بالآية أن الخلق اختص بنا، وهو ليس على غير وجه الانتفاء إجماعا، فهو إذن به، و - حينئذ - يكون تقريره على ما ذكرناه مستدركا.
وعن (ب) أن جعلها حقيقة في الاختصاص أولى من الملك لأنه أعم، ولكثرة الاستعمال فيه.
وعن (ج) أنه يفيد المسمى، وهو لا يتحقق بدون فرد من أفراده، و - حينئذ - يعم، وإلا: لزم الفصل، وهو خلاف الإجماع، وحمله على غير الاستدلال أولى، لأنه حاصل بنفسه, واختلاف الانتفاع بسبب اختلافه - ممنوع - سلمناه، لكنه اختلاف غير نوعي، والحمل عليه أولى، لأنه أكثر فائدة.
وعن (د) أنه يجب حمل هلعيه، لتعذر حمله على حقيقته، كما سبق، والأصل عدم غيره.
وعن (هـ) بمنع أنه منه، بل هو كقولهم: الدار لزيد وعمرو، وذلك لا يقتضي اختصاص كل واحد بجزء معين، ثم إنه لما جاز الانتفاع بفرد منه جاز بغيره، وإلا: لزم خلاف
стр. 793
الإجماع.
وعن (و) بمنع أنه مجاز، سلمناه، لكن يجب حمله عليه تكثيرا للفائدة، ثم المطلوب حاصل منه، لما سبق من الإجماع.
وعن (ز) أن ذلك الاختصاص حكم شرعي، فهو واجب الدوام ثم إن الخلق لنا مطلقا، فيثبت الانتفاع كذلك، كما إذا قيل تثبت لك هذه الدار، ثم المطلوب حاصل، كما سبق، وعدم إمكان الاستصحاب - ممنوع - وسنده يعرف مما سبق.
وعن (ح) أنه لا قائل بالفصل، ولأن ما يقتضي تعميم كل خطاب مشافهة حاصل - هنا.
(ب) قوله تعالى: ﴿أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: آية ٤]، أي: المستلذات وإلا: لزم التكرير. أنه لا يعم، لجواز العهد، والعموم مشروط بعدمه.
(ج) قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله﴾ [الأعراف: آية ٣٢]، الآية، أنكر تحريم ذلك، ويلزم منه الإباحة، وهو مبني على أن المفرد - المضاف نعم، وأن الطيبات للعموم، ثم لا نسلم أنه يلزم من نفيه الإباحة.
(د) خلق الله الأعيان لحكمكة، لقوله تعالى: ﴿أفحسبتم﴾ [المؤمنون: آية ١١٥] وقوله: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الدخان: آية ٣٨]، لأن العبث غير لائق به، وتلك الحكمة عود النفع إلى العبد المحتاج، لامتناع عودها إلى الله تعالى، وامتناع أن يكون إضرارا وفاقا، فيلزم الإذن، لأن لازم المطلوب مطلوب.
(هـ) أنه انتفاع لا ضرر فيه على المالك - قطعا - ولا على المنتفع - ظاهرا - فيجوز كالاستضاءة بنار غيره، والاستظلال بحائطه، خرج عنه المنهيات، لاشتماله عليه ظاهرا، وهو: العذاب عندنا - والقبح النفسي عندهم. وجوابه في أول الكتاب، غير آت - هنا.
لا يقال: منع المالك من الاستضاءة والاستظلال - قبيح، ومنعه تعالى عن الانتفاع ليس
стр. 794
كذلك وفاقا، وهو يدل على افتراقهما في الحكمة، لأن ذلك بسبب الحكم لا المحكوم فيه، بدليل أن منع الله تعالى من الاستضاءة والاستظلال - غير قبيح، وأكثر ما ينتفع به مباح في الشرع، فكذا هذا الفرد، إلحاقا له بالأعم والأغلب.
وأما الأصل الثاني: فلقوله ﵇: "لا ضرر ولا إضرار في الإسلام". وهو: ألم القلب، يقال: أضر به، وأضره، إذا ضربه أو شتمه أو جرحه أو أهانه، أو فوت منفعته، فيجعل حقيقة في مشترك بينهما دفعا للاشتراك والمجاز، والألم مشترك، فيجعل حقيقة فيه، إذ الأصلعدم مشترك آخر.
ونعني بألم القلب: حالة تحصل عند الغم والحزن، فإنهما إذا حصلا انعصر دم القلب في الباطن بانعصاره، وانعصاره مؤلم.
فإن قلت: تفويت المنفعة مشترك - أيضا - وجعله حقيقة فيه أولى، لأنه مقابلة. ثم إنه معارض بما أن من خرق ثوب غيره، ولم يشعر به: يقال: أضر به، أضره، ولا غم ولا حزن.
وأيضا - أخبر الله تعالى أن عبادة الأصنام لا تضرهم، لقوله تعالى: ﴿أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم﴾ [الأنبياء: آية ٦٦]. مع أنها تؤلم قلوبهم يوم القيامة.
ولأنه غير متبادر إلى الفهم عند سماعه.
قلت:
بمنع ذلك، إذ لا يوجد في صورة الشتم والإهانة، ثم إنه حاصل في البيع والهبة. ولا يقال: أضر به، وتوقيفه على شرط خلاف الأصل، على أن ذلك الشرط، أو عدمه من قبيل الحال، فينتقض بالهبة، ومقابلته به لا يضرنا، إذ النفع: هو اللذة، أو ما يكون وسيلة إليها، والضرر مقابلة.
وعن (ب) أن ذلك نظرا إلى وجود المقتضى له، وإن لم يوجد شرطه، وهو الشعور.
وعن (ج) أن الذي سلب عنه النفع والضر إنما هو الأصنام، والمؤلم عبادتها، فلم تدل على المطلوب، أو المراد نفي المضرة في الدنيا والإيلام في الآخرة.
стр. 795
وعن (د) بمنعه، إذ يقال: أضره، ثم طيب خاطره وفرحه. وفيه نظر، إذ التبادر شيء، والفهم للقرينة شيء. والمراد منه: نفي الضرر في أحكامه، إذ لا يتصور الضرر في نفس الإسلام، حتى ينفي، أو أن ما ذكرناه أكثر فائدة، فيحمل عليه، أو أن تحمل في للسببية، فينفي الضرر بسببه، أو هو بمعنى النهي، كقوله: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ [البقرة: آية ١٩٧]، وعلى التقديرين: يقيد المطلوب.
مسألة
استصحاب الحال حجة عندنا، والصيرفي والمزني، وجميع النظار نفيا كان أو إثباتا. ونقل عن الحنفية وبعض المتكلمين كأبي الحسين: أنه يصح للدفع، لا للاستحقاق. ومنهم من نقل الخلاف عنهم في الوجودي، دون النفي. ومنهم من نقل الخلاف عنهم - مطلقا.
والأول: أصح. وهو يفيد القطع، حيث يقطع بعدم الناقل، كنفي وجوب صلاة سادسة والظن حيث يظن ذلك. ثم في الترجيح به خلاف عند عدم حجيته. ثم هو: استصحاب النفي الأصلي، وهو متفق عليه، على ما سبق. واستصحاب العموم والدوام إلى أن يوجد التخصيص والناسخ.
واستصحاب حكم الشارع، بعد أن ثبت لسبب، كالملك والدين بعد جريان سببهما.
واستصحاب حال الإجماع، على محل الخلاف، وهو كاستصحاب بطلان التيمم برؤية الماء قبل الدخول في الصلاة، على ما إذا رأى في أثنائها.
وهو معارض بمثله، بأن يقال: الصلاة صحيحة قبل رؤيته إجماعا، فكذا بعده استصحابا لحكمه. واختار ابن سريج والقفال والغزالي: عدم حجيته. خلافا لأصل الظاهر.
لنا:
(أ) الإجماع على جواز الصلاة، وأداء الشهادة على الملك إذا شك في انتقاض الطهارة،
стр. 796
وزواله، مع قوله ﵇: - "إذا علمت مثل الشمس فاشهد".
(ب) إطباق الكل م كل أمة على استصحاب ما عهدوه موجودا أو معدوما، إلى القطع بتغيره، أو ظنه، ولذلك ينقل المسافر الكتب إلى أهله ويعلم الأحوال ويستعملها، إن ترك خلفه ما يكرهه لم يرجع حتى يسمع بزواله، وحكمه في عكسه، وإذا كان في العرف كذلك، وجب أن يكون في الشرع كذلك، للحديث.
(ج) أن العلم بوجود أمر أو نفيه يقتضي ظن بقائه، لأنه لا يتوقف إلا على وجود الزمان الآتي، ومقارنته له، والتغير يتوقف عليه، وعلى تبدل الوجود بالعدم، أو عكسه، وهو يتوقف على وجود علله، وشرائطه، وارتفاع موانعه، والمتوقف على الأقل أغلب على الظن.
لأن الحادث مفتقر إلى المؤثر وفاقا، والباقي مستغن عنه، إلا: فأثره إن كان موجودا: لزم تحصيل الحاصل، بمعنى: أن ما صدق عليه انه حاصل قبل: يصدقعليه أنه حصل الآن، وإلا: لزم كونه مؤثرا في الحال، والمستغني راجح. لأنه يجب كون الوجود أولى به، وإلا: افتقر إلى المؤثر والمفقر ليس كذلك، وإلا: لم يكن مفتقرا. ولأنه لو لم يكن راجح الوجود لكان الشيء مع غيره كهو لا مع غيره.
ولأن عدم المستغني، للضد أو انتفاء شرط، أو إعدام معدم، وعدم المفتقر له، ولعدم المقتضى، وما ينعدم بطريق واحد راجح الوجود على ما ينعدم بطريقين، والعمل بالراجح واجب إجماعا. ولقوله ﵇: "أقضي بالظاهر"، و"نحن نحكم بالظاهر"، ولأن ترجيح المرجوح على الراجح ممتنع عقلا. وبالقياس على خبر الواحد، والعموم والقياس والشهادة والفتوى، بجامع ترجيح الأقوى على الأضعف.
فإن قيل: لو كان ذلك لظن البقاء، لا ينتقض بصورة النوم والإغماء إن لم يجعل النوم حدثا، وبما إذا غلب على ظنه الطهارة من غير استناده إلى القطع بتحققه، واستصحابهم لاحتمال البقاء. وما يحتمل التحصيل - ولا ضرر في فعله - فالعقلاء يباشرونهم، وما ذكروه. منه.
стр. 797
وكون ظن البقاء أغلب: ممنوع، ودليله معارض: بأن البقاء يتوقف على تجدد مثل السابق.
ثم المتوقف على أقل المقدمات إنما يكون أغلب إذا لم تكن المقدمة نادرة، ثم لا يلزم منه أن يكون أغلب على الظن، لجواز أن يكونا غير غالبين على الظن، وإن كان أحدهما أغلب من الآخر. واستغناء الباقي عن المؤثر - ممنوع إن عنى به في كونه باقيا، إذ هو حادث وإلا: فيبين. ثم نقول: أثر المنفي هو البقاء، وهو حادث.
لا يقال: يلزم أن يكون مؤثرا في الحادث، لا في النافي، ولأنه لا يحصل إلا: بعد تأثير المؤثر وهو بعد احتياجه غليه، فلو احتاج إليه في هذا المفهوم: لزم تقدم الشيء على نفسه بمراتب - لأن المراد من احتياجه إليه ذلك، فلا تضرر العبارة، والمعنى من النافي: الذي عرض له البقاء، فلا يلزم ما ذكرتم.
ثم لا نسلم امتناع تحصيل الحاصل، بمعنى: أن ما ترجح في الزمان الأول بالمرجح، وهو بعينه ترجح في الزمان الثاني به ثم هو معارض: بأن الباقي ممكن، إذ هو من لوازم الماهية الممكنة وهو المحوج إلى المؤثر، لا الحدوث لأنه كيفية الوجود، فيتأخر عن الوجود المتأخر عن تأثيرفيه، المتأخر عن احتياجه إليه، المتأخر عن علة الحاجة، وجوبها وشرطها.
ثم إن عنى بأولوية الوجود: امتناع العدم، فهو باطل قطعا. وإن عنى به أمرا متوسطا بين الإمكان والوجوب، فكذلك، لأنه غذا صح الوجود والعدم معه، فنرجح أحدهما على الآخر، لا لمرجح: ترجيح من غير مرجح، أوله، فلم تكن تلك الأولوية كافية في الرجحان. ولأن الكلام فيه كما في الأول.
وإنما يلزم أن يكون الشيء مع غيره، كهو لا مع غيره: أن لو لم يحصل بينهما امتياز بوجه آخر، وهو ممنوع. ثم لا نسلم أن تعدد طرق العدم يوجب المرجوحية فيه، ثم هو معارض:
بأن الحصول في الزمان الثاني حادث، والباقي يتوقف عليه فامتنع رجحانه عليه.
ثم معرفة رجحانه يتوقف على معرفة البقاء بالاستدلال برجحان الوجود على البقاء: دور.
ثم إنه في الوجود الخارجي، فلم قلت: إنه في الظن كذلك؟ . ثم لو وجب العمل بمطلق الظن: لزم النقض في شهادة العبيد والنسوة الصالحين، والفساق الذين يغلب على الظن
стр. 798
صدقهم. ثم تغليبه للظن بعد ورود الشرع: ممنوع. ثم إنه معارض:
(أ) بأن التسوية بين الزمانين في الحكم: إن كان لعلة فقياس، وإلا: فتسوية من غير دليل.
(ب) لو كان هو الأصل: لزم خلاف الأصل في حدوث جميع الحوادث، وهو خلاف الأصل.
(ج) بينة الإثبات تقدم إجماعا، وهو ينفي أصالته.
(د) لو كان أصلا لجاز عتق العبيد، الذين انقطع أخبارهم عن الكفارة.
(هـ) لو كان حجة لكان مقدما على كل مدرك ظني، كخبر الواحد لأنه يقيني.
(و) لو كان حجة لما جاز رفعه إلا: لمقطوع به، كالكتاب والسنة المتواترة، لأنه شرعي يقيني.
قلنا: أجيب:
عن (أ) بمنع الطهارة لوجود مظنة الحدث، وتعليق الشرع الأحكام بمظانها، والفرق بين الظنين ظاهر، على أنا نمنع اعتبار ذلك الظن.
وعن (ب) أن إقدامهم على ما فيه مشقة وضرر كما في رجوعهم إلى رؤية الأهل والأصحاب، وإن كانت المسافة شاسعة، وفيها خطر - ينفي ما ذكرتم وادعاء إقدامهم على الفعل مطلقا، بمجرد الاحتمال ظاهر الفساد.
وعن (ج) ما سبق من دليله، وتوقفه على تجدد الأمثال لا يتأتى فيما هو باق لذاته، ثم إنه يتأتى ليس كتبدل الوجود بالعدم، وبالعكس لأنه مطرد في كل زمن، احتماله دونه.
وعن (د) أنا نسلم ذلك، لكن ما نحن فيه ليس كذلك، لأن البقاء لا يتوقف إلا: على وجود الزمن المتسقبل ومقارنته له، وهو حاصل قطعا - عادة - وبه خرج الجواب عن (هـ)، فإن البقاء غالب الوجود.
وعن (و) أن المعنى منه أن الذات الحاصلة في الزمانين مستغن عن المؤثر في نفس ذاته في الثاني (ما لم يكن معها في الزمن الثاني و - حينئذ - نقول: إن حصل معها في الزمن الثاني ما لم يكن معها في الزمن الأول، فهو زائد على الذات لأنها حاصلة في الزمانين، والزائد ما كان حاصلا في الأول، فاحتياجه إلى المؤثر لا يقدح في استغناء الذات الباقية عنه، وإن لم يحصل لم يكن كونه باقيا حاثا.
وعن (ز) أنه ليس البقاء ثبوتا زائدا على الذات، وإلا: فإن كان باقيا لزم التسلسل، وإن كان حادثا كان تأثير المؤثر في الحادث لا في الباقي، ولأن المعدوم باق، فيلزم قيام الثبوتي بالمعدوم.
стр. 799
وعن (ح) أن لا ندعي امتناعه بذلك المعنى، بل المعنى المتعارف منه، ولا شك في امتناعه، ودليل لزومه - هنا - هو: أن الذات هي النافية الكافية متجددة، فلو كانت مستندة إلى المؤثر - الآن - في حصول وجودها، الذي كان حاصلا من قبل: لزم تحصيل الحاصل بالمعنى المتعارف منه.
وعن (ط) أن شرط افتقاره: كونه بحيث لو وقع بالمؤثر لكان حادثا، وهذه الحيثية سابقة.
وعن (د) أن الترجيح من غير مرجح إنما يمتنع بشرط الحدوث.
وعن (يا) أن الامتياز بغير الاستغناء، والاحتياج لما اقتضى المرجوحية اقتضى الاستغناء الرجحان.
وعن (يب) أن ما حصل بطريقين أغلب على الظن مما يحصل بطريق واحد. لتساويهما في الطريق الواحد، وامتيازه بالآخرة، والعلية مظنة الرجحان، ولأن العدم الحادث أكثر من عدم الباقي، لصدقه على ما لا نهاية له، دون الثاني، لتوقفه على الوجود المتناهي، الكثرة مظنة الظن وهو دليل المسألة ابتداء.
وعن (يج) أن البقاء ليس أمرا ثبوتيا زائدا، لما سبق، سلمناه لكن الحادث مرجوح من حيث الوجود، وكونه حصوله في الزمن الأول، والباقي مرجوح من حيث حصول الوجود له في الزمن الثاني.
وعن (يد) بمنعه، فإنه يعرف رجحان الوجود في الزمن الثاني بمجرد العلم بوجوده في الحال.
وعن (يه): أنه لم يكن مطابقا: كان جهلا أو ظنا كاذبا غير معتبر.
وعن (يو) أنا ندعي ذلك حيث لم يوجد شرعي يلغيه، ثم إنه يجب المصير إليه جمعا بين الدليلين.
وعن (يز) أنه كان مغلبا قبله، لمساعدة الخصم والدليل فكذا بعده، إذ التغير احتمال مرجوح، وهو لا يقدح في الراجح، سلمناه لكن لا نزاع في أنه يفيد الظن، وقد سبق: أن ما يفيده يجب العمل به، ما لم يوجد في الشرع ما يلغيه.
وعن (يج) أن التسوية بينهما للدليل الذي سبق.
وعن (يط) أنه لدليل دل على خلاف، وهو ليس ببدع.
وعن (ك) أنه لزايادة العلم.
وعن (كا) بمنع امتناع اللازم، وهذا لأنه يجوز على رأي - لنا - سلمناه، لكن لمعارضته
стр. 800
الظاهر للأصل، مع أن شغل الذمة يقيني.
وعن (كب) أنه يقيني عند القطع بعدم المغير، أما مع احتماله فلا، وهو الجواب عن (كج).
واعلم: أنه ضروري في أصل الشرع، لتوقف إثبات النبوة على خرق العادة، التي معناها: أنه لو وقع الشيء لما وقع إلا: على الوجه الذي عهد من قبل. وفي فروعه لتوقفها على عدم النسخ والتخصيص والمعارض الموقوف على الاستصحاب دفعا للتسلسل. وفي الأمور العادية وهو ظاهر.
مسألة
وفي وجوب الدليل على النافي:
ثالثها: أنه يجب في العقلي. والتحقيق ينفي الخلاف، لأنه إن أريد بهمن يدعي العلم أو الظن بالنفي، فهذا يجب عليه الدليل، لأن النفي إذا لم يكن معلوما. بالضرورة - إذ الكلام فيه - امتنع العلم والظن به من غير دليله. وإن أريد به من يدعي نفي العلم أو الظن: فهذا لا دليل عليه، لأن الجاهل غير مطالب بالدليل.، ولأنه لو طلب الجاهل أو الشاك بالدليل: لوجب ذكر الأدلة التي لا نهاية لها.
لهم:
(أ) أن من أنكر نبوة شخص، لعدم المعجزة لا يجب عليه الدليل على ذلك إجماعا، وكذا من نفي وجوب صلاة سادسة، وصوم شهر آخر.
(ب) أنه لا دليل على المدعى عليه إجماعا.
وأجيب:
عن (أ) بمنعه، فإن دليله اسصحاب العدم الأصلي، والقطع به، للقطع بعدم المغير.
وعن (ب) بمنعه، فإن يمينه كالدليل، سلمنا، لكن البراءة الأصلية، ثم إنه للنص، لا لكونه نافيا، ثم للضرورة، فلا يلزم مثله حيث لا ضرورة.
مسألة
مذهب الصحابي ليس بحجة على صحابي إجماعا. وعلى غيرهم عند الشافعي - جديدا - والأشاعرة المعتزلة، والإمام أحمد في رواية - والكرخي. وقال المالكية والحنفية - كالرازي
стр. 801
- والثوري وأحمد - في رواية - الشافعي - قديما: إنه حجة مقدم على القياس.
وقيل: إن خالف القياس. وقيل: قول الشيخين. وقيل: قول الخلفاء الأربعة.
والأشبه: أن هذين من قبيل الإجماع، وقد سبقا فيه.
لنا:
(أ) ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: آية ٢]، وهو ينفي التقليد.
وأورد:
بأنه ليس بتقليد، بل هو مدرك شرعي كغيره.
(ب) قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء﴾ [النساء: آية ٥٩] أوجب الرد عند الاختلاف إلى الله ورسوله، ولو كان مدركا لذكره، وإلا: لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولأن في الرد إلى الصحابي ترك الرد إلى الله ورسوله.
ورد:
بمنع الملازمة، وبمنع لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة، إذ لا يلزم من كونه مدركا أن يذكر عقيبهما كغيره لم يذكر، ولا يلزم من كونه وقت الذكر أن يكون وقت الحاجة، وإنما يرد إلى الصحابي عند عدم إمكان الرد إلى الله وإلى الرسول، فلا يلزم ما ذكر، ولأن قول الرسول: لمادل على وجوب الأخذ بقول الصحابي، كان الرد إليه ردا إلى قول الرسول.
(ج) إجماع الصحابة على جواز مخالفة كل واحد منهم، ولم ينكر الشيخان على مخالفيهما، ولا الأئمة الأربعة على مخالفيهم، ولا كل واحد منهم على صاحبة. وهو غير وارد على محل النزاع.
(د) الصحابي من أهل الاجتهاد، إلى الخطأ عليه جائز وفاقا، ولا يجب الأخذ به كغيره، وكما لا يجب على صحابي آخر. وهو - أيضا - ضعيف، فإن التفاوت فيها غير حاصلة، بخلاف ما نحن فيه، لكثرة علمه، وتأييده بالإصابة، وإحاطته بالناسخ والمنسوخ، والمخصص الحالي والمقالي، ومعرفة مقاصد الكلام، بسبب سياق الكلام، وسياقه والشأن والنزول.
стр. 802
(هـ) المجتهد متمكن من إدراك الحق بطريقه، فيحرم على التقليد، كما في الأصل، وهو كذلك لما سبق أنه ليس بتقليد.
(و) أنهم اختلفوا في مسائل اختلافا كثيرا، فلو كان حجة لزم تناقض الحجج، فلم يكن البعض أولى من البعض. وهو كما تقدم، لأن تنافي الشرعية الظنية ليس ببدع.
(ز) كونه حجة يستدعي دليلا عليه، والأصل عدمه، وسنجيب عما يذكره الخصم، وهذا مما لا بأس به.
لهم:
(أ) قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: آية ١١٠]، وهو خطاب مشافهة، فيختص بالصحابة، فما يأمرون به معروف، وما ينهون عنه منكر، فيجب الأخذ به.
(ب) قوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
(ج) قوله ﵇: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر".
(د) ولي عبد الرحمن بن عوف عثمان بشرط سيرة الشيخين، فقبل ولم ينكر عليه، فكان إجماعا.
(هـ) قوله ﵇ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي".
(و) أن قوله إذا انتشر، ولم ينكر عليه، كان حجة، فكان حجة وإن لم ينتشر كقول الرسول.
(ز) أن مخالفته للقياس لا يكون إلا: الخبر.
(ح) أن مستند مذهبه إن كان هو الخبر فظاهر، وإن كان هو الاجتهاد فكذلك، لأن اجتهاده أتم وأرجح.
وأجيب:
عن (أ) أنه لو اختص بهم فإنما يدل على حجية إجماعهم، كما سبق فيه.
وعن (ب) أنه خطاب مع العوام، لأنه ليس بحجة على صحابي مثله، ثم إنه لا دلالة له على عموم الاهتداء في كل ما يهتدي فيه، فيحمل على الرواية.
стр. 803
وفيه نظر، من حيث إن ترتيب الحكم على الوصف بالعلية، فيعم، لعموم علته.
وعن (ج) ما سبق، ويخصه أنه أمر للأئمة والولاة في الاقتداء بسيرتهما في العدل والإنصاف.
وعن (د) ما سبق، لما تقدمن ولأن حمله على ما ذكرتم يقتضي تخطئة أحدهما، ولأن قبوله معارض، برد علي ﵁.
وعن (هـ) ما سبق لما تقدم، ويخصه: أن السنة هي الطريقة وهي: ما تواطأت عليه، فلا تتناول ما يقوله الإنسان أو يفعله مرة أو مرتين، فيشمل على سيرتهم.
وعن (و) بمنع الأولى، سلمناه، لكن لكونه إجماعا، ولذلك تختلف الحال فيه بينهم وبين غيرهم من المجتهدين. ثم بمنع الثانية، والقياس خال عن الجامع، ثم إنه منقوض بقول غيرهم من المجتهدين.
وعن (ز) لعله لخبر ظنه دليلا، ثم إنه منقوضبقول غيرهم من المجتهدين.
وعن (ج) بمنع ظهور حصول المقوصد منهن لما سبق. ثم الظاهر أنه ليس بطريق النقل, وإلا: لأظهره، كما هو دأبهم في المسائل التي وجد النقل فيها، سيما مع وجود المخالف، ولأن عدم إظهاره كتم له، وهو منهي عنه للحديث. ثم بمنعه على الثاني، لأنه لا يجب أن يقلد المجتهد مجتهدا آخر، وإن كان اجتهاده أتم، بل لا يجوز. ثم إنه منقوض بقول التابعي بالنسبة إلى ما بعده.
فرع:
إن لم يجب الاتباع ففي جواز تقليدهم خلاف، وهو مرتب على جواز تقليد غيرهم.
واختلف قول الشافعي - القديم - فيه: فنص في موضع على جوازه مطلقا، وفي موضع بشرط انتشاره، وعدم مخالفته، وفي موضع بشرط مخالفته للقياس.
стр. 804
والحق: أنه لا يجوز كغيرهم، وثناء الله تعالى عليهم بقوله، ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ [الفتح: آية ١٨] و ﴿السابقون الأولون﴾ [التوبة: آية ١٠٠] ونحوهما، وثناء وميوله بقوله: "خير القرون قرني" الحديث، وقوله: "أصحابي كالنجوم"، ونحوها، يوجب حسن الاعتقاد فيهم وتعظيمهم، والقطع بحسن حالهم عند الله تعالى.
فأما وجوب تقليدهم أو جوازه: فلا، يؤكده: أنه ورد مثله في آحاد الصحابة مع القطع أنه لا يجب على غيرهم من الصحابة تقليدهم، بل لا يجوز.
مسألة
في تفاريع القديم:
(أ) قال الشافعي ﵁ نقل عن علي ﵁ أنه صلى في ليلة ست ركعات، في كل ركعة ست سجدات، وقال: لو ثبت ذلك عنه لقلت به، لأن الظاهر أنه فعله توقيعا.
واعترض الشيخ الغزالي عليه: بأنه لم ينقل فيه حديثا، حتى يتأمل لفظه ومورده، وقرائنه وفحواه، وما يدل عليه، ولم يتعبد إلا: بخبر يروى مكشوفا يمكن النظر فيه، وما كانت الحصابة يكتفون بمثله في صحة الخبر، من غير تصريح به. وهو ضعيف، إذ لا يستدعي ذلك خبرا بلفظ الرسول، أو بلفظ الراوي، حتى يتأتى فيه ما ذكر، لجواز أنه شاهد ذلك منه، ولأن ذلك تفريعا على القديم، فلا يذكر فيه ما ينافيه.
(ب) قال في موضع: (قول الصحابي إذا انتشر ولم يخالف حجة)، ولعله تفريع على القديم، الذي يقتضي وجوب الأخذ بمذهبه، لا الذي يقتضي جوازه، فلا يحسن إيراده - هنا -.
قال الغزالي: السكوت ليس بقول، فأي فرق بين الانتشار وعدمه قال الإمام: والعجب منه أنه تمسك بمثله في حجية خبر الواحد والقياس. ولا يرد عليه أن حجيته ليس بطريق
стр. 805
الإجماع.
(ج) نص: أنهم إن اختلفوا فقول الأئمة الأربعة أولى، فإن اختلفوا فقول الشيخين، لما سبق من الخبرين.
(د) نص في موضع: أنه يجب الترجيح بقول الأعلم والأكثر قياسا على كثرة الرواة، وزيادة علمه توجب زيادة ظن صحة اجتهاده.
(هـ) إذا اختلف الحكم والفتوى: رجح مرة - الحكم، إذ الاعتناء به أشد، وأخرى الفتوى، إذ السكوت عن الحكم للطاعة.
(و) يرجح القياس بقوله بزيادة الظن به.
وقيل: به، بقول الذي شاهد واقعة أصل القياس، لأنه أدرى بتخصيصه وتعميمه، وعلة حكمه. قيل: بمنعه مطلقا.
(ز) إذا حمل الصحابي الخبر على أحد معنييه رجح به مطلقا. وقال القاضي: إن قال علمت ذلك من قصد الرسول لقرينة.
مسألة
ما شهد الشرع باعتباره حدة إجماعا. وما شهد بإلغائه رد، لذلك.
وما لا يوجد فيه الأمران يسمى بـ (المصالح المرسلة): ليس بحجة عند الأكثرين.
خلافا لمالك على المشهور.
وأنكره بعض أصحابه، ولا يكون كذلك، لعموم كونه وصفا مصلحيا فإن ذلك معتبر، بل لخصوصه.
стр. 806
قال الغزالي: الواقعة في محل الحاجة والزينة: لا يجوز التمسك بها، لأنه يجري مجرى وضع الشرع، والواقعة في محل الضرورة: لا يبعد التمسك بها إذا كانت قطعية كلية، ولعله محل الخلاف. وهو كما إذا تترس الكفار بالمسلمين حيث يقطع باستيلائهم، عند عدم قتالهم فيحتمل الأمران، فإنا لو امتنعنا عنه لقتلونا وقتلوا الترس، ولو قتلنا الترس لقتلنا مسلما بريئا، وهو غير معهود في الشرع، لكن نعلم أن حفظ كل المسلمين أقرب إلى المقصود الشارع من حفظ مسلم واحد.
وهذا فيما اجتمع فيه القيود الثلاثة، فلو اختل واحد منها لم يجز، كما لو قاتلوا كذلك دافعين، أو في قلعة، أو كان جماعة في مخمصة لو أكلوا واحدا منهم عاشوا، ولو امتنعوا ماتوا. وفيه نظر، إذ القول بالمصالح المرسلة، إنما هو عن الإمام مالك - رحمه الله تعالى - والمسألة المفروضة مما يوافق عليه غيره، بل لو صح النقل عنه، فهو مجرى على إطلاقه.
لنا:
أنه لم يعتبر هالشرع، فلا تكون حجة، إذ هي به.
المثبت:
الحكم إن اشتمل على المصلحة الخالصة أو الراجحة. وجبت شرعيته، لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل - شر كثير، وإلاك وجب عدمه دفعا للمفسدة الراجحة، أو العبث، وهو كالمعلوم بالضرورة من دين الأنبياء - (صلوات الله عليهم) - بعد استقراء الأحكام. و- حينئذ - يكون حجة لما سبق من المنقول والمعقول في القياس والإجماع. إذ يعلم بعد استقراء مباحث الصحابة أنهم ما كانوا يراعون إلا: تحصيل المصالح، ودفع المفاسد، وما كانوا يلتفتون إلى الشرائط التي أحدثها المتأخرون.
لا يقال: لو كان عموم كونه وصفا مصلحيا يوجب الاعتبار لكونه مفسرا في نظره، لكان ذلك يوجب الإلغاء، لكونه ملغي - أيضا - فيلزم أن يكون الوصف الواحد معتبرا وملغي - لأنا نمنع أن المشتمل على الخالصة أو الراجحة ملغي، وإلغاء غيره لا يضر.
стр. 807
وأجيب:
بأن تخصيص العلة جائز. وإن كان لمانع - وهو يقتضي ذلك.
مسألة
قالت الحنفية والحنابلة بالاستحسان. وأنكره الباقون: قال الشافعي: (من استحسن فقد شرع). ولا بد من فهمه قبل الخوض. فنقول: إن عنى به الحكم بما يستحسنه عقل المجتهد، أو بهواه - وهو المتبادر إلى الفهم منه - فبطلانه ظاهر، وإلا: فيبين لننظر فيه.
فقيل: (هو دليل ينقدح في نفس المجتهد، لا يقدر على التعبير عنه، لعدم مساعدة العبارة)، كالمقوم، فإنه قد لا يقدر على تعبير ما يفيده ظن زيادة القيمة.
وزيف: أن المدارك معينة بتعيين الشارع، وهو لا يتصور فيما لا يمكن أن يعبر عنه، ولأن كل معنى محقق يمكن التعبير عنه بحقيقة أو مجاز أو مركب، بخلاف التقويم، فإن ما يفيد ظن زيادة القيمة غير معين من جهته، ولا هو معنى محقق، ولأنه إ تقطع بكونه دليلا جاز التمسك به وفاقا، وإلا: فهو رد وفاقا، فالنزاع - حينئذ - لفظي.
وقيل: (هو العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه)، وهذا لا خلاف فيه، ولا يجوز تفسير الاستحسان المختلف فيه به. ثم إنه غير جامع، إذ نصوا على أن القياس في قوله: "مالي صدقة" أن يتصدق بجميع ماله، فالاستحسان أن يختص بمال الزكاة، لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: آية ١٠٣]، وليس هو بقياس، وكذا استحسانهم عدم وجوب القضاء على من كان ناسيا. وقيل: (هو تخصيص) قياس بأقوى منه. وهو راجع إلى تخصيص العلة، وقد عرف ما فيه من الخلاف ولأنه يكون لفقد شرط، أو وجود مانع، ودليلهما قد يكون أضعف من القياس.
الكرخي: (هو العدول عن الحكم في مسألة بمثل حكمه في نظائرهما إلى خلاف، لوجه
стр. 808
أقوى). وهو ضعيف - أيضا - لما سبق، ولأنه يوجب كون العدول عن العموم إلى الخصوص، والمنسوخ إلى الناسخ استحسانا. وقيل: هو العدول عن حكم الدليل إلى العادة المطردة للمصلحة. كدخول الحمام وشرب الماء من السقاء، من غير تقدير الماء واللبث والأجرة.
وهو كذلك، لأنها إن كانت معتبر، فلا خلاف فيه، وإلا: فمردودة، ولأنهم نصوا عليه، حيث لا عادة، كما سبق.
أبو الحسين: (هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ بوجه أقوى منه، وهو كالطارئ على الأول). خرج بالأول: النسخ والتخصيص، وبالثاني: الحكم بأقوى القياسين، لأنه ليس في حكم الطارئ، ولو كان لكان استحسانا. وقيل: احترز به عن استحسان ترك القياس.
لا يقال: نص محمد بن الحسن في غير موضع: تركت الاستحسان بالقياس، كما لو قرأ آية السجدة في آخر السورة، فالقياس: الاكتفاء بالركوع والاستحسان أن يسجد ثم يركع.
ثم إنه قال بالقياس دونه لأنه انضم إلى القياس شيء آخر، وترجح المجموع عليه، وهو: أنه تعالى أقام الركوع مقام السجود في قوله: ﴿وخر راكعا وأناب﴾ [ص: آية ٢٤].
وقيل: احترز بقوله: (في حكم الطارئ عن الاستحسان الذي ترك بالقياس، الذي ليس في حكم الطارئ، فإنه ليس استحسانا، لعدم طريانه عليه، وهذا يقتضي أن يكون القياس الطارئ أقوى من الاستحسان.
والمشهور عندهم: أن الاستحسان أقوى مدركا من القياس مطلقا، وحيث يترك القياس، فإنما يترك لاعتضاده بشيء آخر، ودلالة الفعل على الحكم آيلة إلى اللفظ، فلا ينتقض
стр. 809
بما نسخ منه. وهو يقتضي أن تكون الشريعة كلها استحسانا، فلو زيد في الحد: (غير البراءة الأصلية) - سقط.
وأجيب عنه:
بأن قوله: ترك وجه من وجوه الاجتهاد، ينبئ عنه، فإن البراءة الأصلية ليست من وجوه الاجتهاد، لكن يحترز في الحد عن إرادة مثل هذه الأدلةز
والنزاع في التسمية غير لائق بذي التحقيق، ولو سلم فلا ينبغي فيه، إذ ورد في الكتاب: قال الله تعالى: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله﴾ [فصلت: آية ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ [الزمر: آية ١٨]، و ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم﴾ [الزمر: آية ٥٥]، ﴿وأمر قومك يأخذوا بأحسنها﴾ [الأعراف: آية ١٤٥].
وفي السنة: كقوله ﵇ "ما رآه المسلمون" الحديث. وفي الفاظ المجتهدين: كقول الشافعي ﵁ في المتعة: (أستحسن أن يكون ثلاثون درهما)، وفي الشفعة: (أستحسن أن تثبت إلى ثلاث أيام)، وفي الكتابة: (أستحسن أن يترك على المكاتب شيء).
ونقل عن الأئمة استحسان دخول الحمام من غير تقير الماء، واللبث، والثمن والأجرة، واستحسنوا شرب الماء من السقاء من غير تقديره، وتقدير ثمنه. وحمل الإمام النزاع فيه على تخصيص العلة - بعيد، إذ هو مشهور بالخلاف من كثيرين، بخلاف الاستحسان، فإنه مختص بخلاف الحنفية، ولأن تخصيص القياس بالاستحسان يستدعي معرفته، فتعريفه به دور.
وقيل: النزاع في إطلاقهم الاستحسان على العدول عن حكم الدليل إلى العادة. وهو ضعيف لما سبق. فلم يتلخص استحسان مختلف فيه. ولنذكر ما ذكر فيه جريا على العادة.
المثبت:
(أ) قوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ [الزمر: آية ١٨]، والاستحسان
стр. 810
اتباع الأحسن، فيكون مأمورا به، ولأنه إذا جاز اتباعه، وجب اتباعهن لئلا يلزم خلاف.
(ب) قوله تعالى: ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم﴾ [الزمر: آية ٥٥]، ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ [الأعراف: آية ١٤٥]، فيجب اتباعه.
(ج) وقوله ﵇ " ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن"، ولو لم يكن حجة لم يكن حسنا.
وأجيب:
عن (أ) و (ب) أنه دور، لأنه إنما يكون مأمورا به لو كان أحسن في نفس الأمر، أو في ظن المكلف بطريق شرعي، فإثبات كونه كذلك يكون مأمورا به - دور، وتخص الآية الثالثة: أنه شرع من قبلنا.
وعن (ج) أنه يفيد حسن ما رآه جميع المسلمين حسنا. ونحن نقول به. ثم إنه خبر واحد. ثم إن كان المراد منه ما يكون ذلك بناء على دليل: لزم الدور المذكور، وإلا: فالحكم بمجرد ما يتسحسنه الإنسان ويميل إليه طبعه باطل بإجماع الصحابة والتابعين بالضرورة من الدين، ويؤكده: حديث معاذ.
وأنه لم ينقل عن أحد منهم الرجوع إليه عند حدوث الوقائع. والمراد من قوله: "أجتهد رأيي": القياس وفاقا، فلا يكون متناولا لغيره.
واستحسانهم دخول الحمام من غير تقدير الماء واللبث والأجرة وشرب الماء من السقاء، من غير تقديره وعوضه - لا يدل عليه، لجواز أن يكون ذلك للعادة المطردة في زمانه ﵇ ولما سبق من الإجماع.
مسألة
وفي تجيوز قوله تعالى لنبي أو ولي: (احكم فإنك لا تحكم إلا بالحق). ثالثها: أنه يجوز
следующие страницы →