← Джавами‘

Джавами‘ · id 18285

كتاب الفنون لابن عقيل

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (756 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والحمـ[ـد لله حق] حمده وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلم. أما بعد، فإن خير ما قطع به الوقت، وشغلت به النفس، فتقرب به إلى الرب -جلت عظمته - طلب علم أخرج من ظلمة الجهل إلى نور الشرع، واطلع به على عاقبة محمودة يعمل لها، وغائلة مذمومة يتجنب ما يوصل إليها. وليس ذلك إلا العلم الذي يصلح الاعتقاد ويخصله من الأهواء، ويصلح الأعمال ويصفيها من الأدواء. وهما علمان: علم الأصول، ومبناه على التأمل والاعتبار؛ وعلم الفقه، ومبناه على استخراج معاني الألفاظ الشرعية وأخذ الأحكام من المنطوق به للمسكوت عنه. وذلك الذي شغلت به نفسي وقطعت به وقتي. فما أزال أعلق ما استفيده من ألفاظ العلماء، ومن بطون الصحائف، ومن صيد الخواطر التي تنثرها المناظرات والمقابسات في مجالس العلماء ومجامع الفضلاء، طمعًا في أن يعلق بي طرف من الفضل أبعد به عن الجهل، لعلي أصل إلى بعض ما وصل [إليه] الرجال قبلي؛ ولو لم يك من فائدته عاجلًا إلى تنظيف الوقت عن الاشتغال برعونات الطباع التي تنقطع بها أوقات الرعاع. وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 2

١ - شذرة وعظية ما أشد شؤم المعاصي! بينا يسمع قول الله لملائكته ﴿اسجدوا لآدم﴾، حتى سمع النداء ﴿اهبطوا منها جميعًا﴾! بينا يرفل في حلل من السندس والإستبرق، حتى طفق يخصف على عورته من الورق! وإذا أردت أن تتلمح القدر السابق، فانظر إلى قوله السابق: ﴿إني جاعلٌ في الأرض خليفة﴾؛ -خليفة في الأرض، ما يصنع في الجنة؟ ساقته الكلمة السابقة والعلم السابق إلى المستقر: ﴿ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾. ٢ - جرى في مسألة عتق الكافر في كفارة الظهار قال ... المصرف مواعا: ومعلوم أن الكافر فيه سبب الرق وهو مصر عليه. وليس ((تملك المال بالكتابة بإجماع، ومن غير كتابة على أكثر المذاهب قول للشافعي وراوية عن أحمد. وذلك يزول بالعتق كما يزول حبس النكاح ورقه بالطلاق. وهو فك حجر مبني على التغلب والسراية. فمن هذا الوجه يصح أن يستعد له. قال: الطلاق حل لقيد. فهو كحل القيد المحسوس، لا يكون أخذًا بالقوة، بل القدرة مع القيد موجودة. ولذلك لا يقال للمقيد عاجز، بل مقيد. وهنا العتق إحداث قوة. لأن الرق جعل محله كسائر الأملاك. ولذلك جمع جزاء عن اكتساب إنشاء الأب للابن.

стр. 3

٣ - جرى بمجلس نور الهدى ذي الشرفين الزينبي مسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب استدل فيها حنبلي فقال: الأمر بالمجمل والعموم مفيد قبل البيان فائدة مستقلة. وهي ما يحصل للمكلف من تلقي أمر الله سح بالتصديق والاعتقاد والالتزام وتوطين النفس على أداء الحق قل أو كثر. حتى إنه يعتقد أنه لو كان الحق إخراج تسعة أعشار المال، لأخرج؛ ولو كان الأمر بالذبح بذبح ولده، لذبح. فإذا وطن نفسه على ذلك، حصل له ثواب توطين النفس بعد الاعتقاد. فكان سبق هذا الاعتقاد وهذا العزم على الأشد يوفي على ثواب ما يحصل به البيان، ولعله يسير وقليل. فإذا جاء البيان بعد ذلك بالمراد، حصل ثواب الامتثال. وإذا لم يخل من مثل هذه الفائدة، جاز واستقل به عن أن يتبع بالبيان. اعترض عليه معترض فقال: إن ما ذكرت من الاعتقاد والعزم وتوطين النفس على الامتثال ليس من خصائص الأمر؛ لكنه من موجبات الإيمان الذي هو أصل. بدليل أنه متى آمن فلابد أن يكون معتقدًا أنه مهما أمر به امتثله واعتقده وعزم عليه. وإنما الذي يختص الأمر، فإنما هو الفعل المأمور به المستدعى من المكلف. فأما الاعتقاد والعزم، فذلك ((سابق للأمر؛ فلا يكون من موجباته وخصائصه. الثاني أنه يورث المكلف جهلًا، والجهل قبيح؛ فلا يعرض الحكم بالقبيح. وهو خطر أيضًا. فإنه قد

стр. 4

يجوز أن يكون الحق كبيرًا فيقول في نفسه: إن أطعت الحق وسهل، أخرجته وأتيت به؛ وإلا تركته. والتعريض بالمخاطرة في الدين ليس بأصلح ولا حسن. ولأنه لو صح ما ذكرت، لحسن تأخيره عن وقت الحاجة. فلما لم يحسن، بطل به جميع ما عولت عليه. ولأن التخصيص والتفسير كالاستثناء. ثم الاستثناء لا يجوز تأخيره عن المستثنى منه؛ كذلك البيان مع المتبين. أجاب الحنبلي عن الاعتراضات، فقال: أما قولك إن الاعتقاد والعزم وتوطين النفس ليس من خصائص الأمر، ليس كذاك. لأن اعتقاد الحق المأمور به الخاص لم يستفد إلا بهذا الأمر. وذاك الأول الذي أوجبه التصديق فإنه اعتقاد معلق؛ إن ورد أمر بشيء، اعتقد به. وورود الأمر بعد ذلك أوجب اعتقاد ما ورد به. فليس هذا الاعتقاد ذاك الاعتقاد، بل هو اعتقاد يخص الأمر. وينتزل الاعتقاد ثلاث منازل. الأول: وهو الذي ألزمتني اعتقاده بالإيمان، أنه متى أمر بشيء التزمه وامتثله. والثاني: لما ورد الأمر بحق فحمل أنه اعتقد وجوب حق والتزمه، وأنه أي شيء كان مما يثقل أو يخف امتثله. الثالث: بعد البيان، أنه اعتقد والتزم عين الحق الذي فسره الشرع وبينه. فقد بان بهذا أن الأمر أفاد فائدة مجددة. وأما قولك إنه يورث المكلف جهلًا، والتعريض بالجهل قبيح لأن الجهل قبيح، فهذا لا يصح لوجوه. أحدها أن الجهل قبيح؛ وهو

стр. 5

أن يقصد إلى من حصل له العلم بشيء فيجهله. وأما في مسألتنا فإنه فتح له باب العلم بأن ذمته قد اشتغلت بحق في ماله، وأنه قد أوجب عليه وكلف ما لم يك قد كلفه. فهذا نوع إعلام وإفادة لما لم يكن عنده، ولا أحاط به علمًا، وإنما لم يستقص في ((جميع الذمة. ٤ - وجرت مسألة العارية قال حنفي: إن قبض العارية كان بإذن، والاستعمال بإذن. ثم إن الاستعمال إذا تلفت به العارية جزءًا بعد جزء، لم يوجب ضمانًا. فالتلف مع دوام الحفظ؛ والكون الذي في يده يكون لأجل الاستعمال. فإذا كان الاستعمال لا يوجب ضمانًا لكونه استعمالًا بإذن، فكذلك القبض إذا كان قبضًا بإذن. فلا وجه للضمان. قال حنبلي: إن الاستعمال إذا تلف به الأجزاء كان إتلافًا حصل بالمقصود من العارية. وذلك مقصود المعير والمستعير. فأما الكون في يده والقبض للاستعمال، فهو قبل الاستعمال قابض لمنفعة نفسه منفردًا بها. ومروره إلى الاستعمال قبل الاستعمال كإخراجه من يده بالرد بعد الاستعمال. ومعلوم أن المالك، حيث أعاره، إما أن يكون حمله متبرعًا بالنقل إلى المستعير، أو أخذه المستعير من يد المعير بإذن المعير. فحيث حصل في يده وانتقل بإذنه، لم يك ذلك مؤذنًا بقطع المسافة في رده من ضمان المعير،

стр. 6

بل كان من ضمان المستعير خارجًا عن حكم ما كان عليه حين كونه مستعملًا له، وفي يده، عندك. فإذا جاز أن يكون هذا حاله في حال الرد، ويجعل الإذن الأول كالمنعدم، كذلك يجعل الإمساك قبل الاستعمال عدمًا في حق الإذن؛ إذا لم يتحقق الاستعمال، وقلت في يده، لا بما أذن أو قصد به. ولم يقل للمالك: أنت أذنت في حصوله بالبصرة، من حيث أغرق السفينة لركوبها إلى البصرة، فرجوعها إلى بغداد من هناك والتبعيد لها بإذنك، لكن في منافع وشغل المستعير، فنظرنا إلى ذلك. وإن كان بإذنك، فلم يقل ترجع بمالك ومؤونتك حيث بعدت بإذنك، بل ترجع إليك بمال المستعير ومؤونته. وكذلك مؤونة الأجزاء إذًا ((باقية، وإن كانت بتلفها في الاستعمال لا يكون على المستعير. ٥ - وجرت مسألة الوديعة هل يملك المسافرة بها قال حنبلي: يملك السفر بها. لأن قوله ((احفظها)) نص على الحفظ به؛ وقوله يتضمن إطلاق الحفظ بكل حال. وإذا سافر بها، فقد حفظها بإذن المالك ونصه وعموم لفظه. وإذا حفظها في البلد لا بنفسه، عمل ببعض العموم؛ وترك النص يعم. وليس يملك المسافرة به إلا إذا كان الغالب من السفر السلامة. فلا يبقى شيء يعول عليه. إلا أن الحضر في الغالب أحفظ؛ فيخير المفاضلة بكون يده عليها، وكونه بنفسه حافظًا

стр. 7

لها. فيكون الحضر الذي هو أحفظ مع عدم مدة أنقص. والسفر الأنقص حفظًا في الغالب مع كون يده عليها أحفظ، فصارا سواء. وليس يمكن أن يقال أن الغالب السفر التلف والعطب. لأن السفر إذا كان مأمونًا [يكون مأمونًا] في الغالب بحشمة السلطان وقلة القطاع للطريق واتصال القوافل وكثرة الخفراء. وانتشار الخلل [ ... ] فلا يبقى إلا أن السفر أقل حفظًا بالإضافة إلى الحضر لكثرة الغوث. فيصير كإخراجها من داره إلى دار أخرى لتحويله ونقله. وكان صاحبها أطلق للإيداع، ولم ينهه عن الإخراج ولا عن المنفعة. فإن في حال إخراجها إلى الطريق جعلها في مكان ليس بحرز. ولهذا لا يقطع بالأخذ منه السراق. ثم لا يجعل ذلك تفريطًا ولا تضييعًا. كذلك السفر بالإضافة إلى الحضر. ٦ - وجرت مسألة السلم في الحيوان قال حنبلي فيها: ما ثبت في الذمة مهرًا ثبت في الذمة سلمًا؛ كالمكيل والموزون. اعترض عليه حنفي فقال: إن المال في عقد النكاح تابع، والبضع متبوع. والصفات في السلم والمالية التي تحصل بكثرة الصفات متبوعة، والأعيان تابعة. وقرر ذلك بأنه إن بالغ في صفات الحيوان، ((اقتطعه الاستقصاء عن النظائر. فلم يك وجوده سائغًا يؤمن مع التعذر. فيصير

стр. 8

كالمعين من الصنجة والمكيال. والشجرة والنخلة لا يصح السلم [فيها] لسرعة التعذر بهلاكها وعدم الشياع واتساع محل السلم فيه للتضييق بالتعيين في ذلك المحل المعين. وإن قصر في الوصف على المقصود من الحيوان الذي به يجعل اختلاف المالية من الجواهر الكامنة الغامضة فيه؛ مثل الثقة والأمانة والفراهة والذكاء والفطنة والهملجة والقوى والصبر والحمل، وما شاكل ذلك. فإن تعطل هذا النوع عن السلم فيه، فليس بأول متعطل لعدم الإحاطة بمقاصده؛ كما في الجواهر والقسي والغالية، وما شاكل ذلك من المركبات. ٧ - وجرت مسألة البيع بشرط الخيار هل ينقل الملك قال شافعي: سبب لنقل الملك، فوجب أن ينقل الملك، كالمطلق. قالوا له: ولم إذا كان ناقلًا مع إطلاقه، نقل مع تقييده؟ ونحن نعلم أن العتق والطلاق مطلقه يزيل، ومقيده لا يزيل. وينقل التصرف مطلق هذا، ولا ينقل التصرف مقيده. فأين الإطلاق من التقييد؟ قال: إذا أمكن الإطلاق بحسب اللفظ والتقييد بحسب اللفظ، فلفظ التمليك يقتضي نقل الملك، فنقلناه. والخيار يقتضي تملك الفسخ والتأثير في لزوم العقد، فأزلنا اللزوم وأجزناه، وهذا جمع بين مقتضى اللفظين. قال الحنفي: إن الخيار يعود إلى العقد، لأنه هو المنطوق به. فإذا

стр. 9

عاد إليه، أعاقه. وقد كان ينبغي أن يمنع انعقاده. لكن الإجماع أوجب أنه ينعقد مع الخيار. فصرفنا التأثير إلى حكمه، وهو نقل الملك. فأعاقه عن نقل الملك به. ٨ - جرت مسألة الجدة أم الأب هل ترث مع وجوده ((فاستدل فيها شافعي فقال: كل شخص أدلى بالأب لم يرث معه من فوق، كالجد؛ ومن أسفل، كالأخ. وعلى هذا كل من أدلى بشخص؛ كالجدات مع الأم، وبنات الابن مع الابن، وبني الإخوة مع الأخ. فهذا هو الأصل في الفروض. اعترض حنبلي فقال: إن الجدة أم الأب أدخلها الشرع في قبيل الأمومة بدليل شيئين. أحدهما أنها دخلت في قبيل الجدات من الأم فهي كواحدة منهن وسقطت بالأم كما تسقط جدات الأم ولو لم تجعل من قبيل الأمومة ما أسقطها من هو أقرب في الأمومة. وما ادعيته في الأصل فما يستمر ولا يطرد. فإن أولاد الأم بها يدلون ومعها يرثون ويحجبونها من الثلث إلى السدس. وأما الجد والأخ فإنهما يرثون بالتعصب مع الأب. والعصبة أبدًا تحجب من هو مدلٍ به ومن هو أبعد منه. فأما الجدة أم الأب فإنها ذات فرض خاصة بخلاف بنت الابن فإنها تتعصب بابن الابن أخيها وابن أخيها. وكذلك الأخوات للأب تتعصب. فأما الجدة فلا تتعصب.

стр. 10

فهي بذكر الأم أشبه. لما كانوا على محض فرض بغير تعصب ورثوا مع من يدلون به. فلما كان فيها معنى العصوبة سقطت بمن تدلي به. وكذلك الأخوات للأب. قال الشافعي: أما كونها تدلي بالأب فأصل مستقر. ولذلك متى كانت الجدة تدلي بأب لا تعصيبًا لم ترث ولم تدخل مع أمهات الأم في قبيل الجدات. وذلك مثل أم أبي أم أو تكون الجدة أم أبي أم أب، فإنها لا ترث. فلما وقف ميراث الجدة ... على أن تكون أم أب أو أم أبي أب أو أم أم أو أم أم أم. ومتى دخل الجد بين أمين لم ترث الجدة التي تدلي به علم أن المغلب في حقها، والأصل الإدلاء بالأب. وإذا كان كذلك كان إدخالها في قبيل الأمهات عارضًا، ((وكان عارضًا يضعفها؛ لأنه عارض أوجب الإسقاط بالأم، وليست من تدلي بها. فكان سقوطها بمن تدلي بها أحق. قال الحنبلي: إذا كان معدولًا به عن قرابة الأب شرعًا بخلاف الجد والأخ عولنا على إرثها بحسب ما ألحقت به وأدخلت فيه دون الأصل الذي عدل بها عنه. وسقوطها بغير من تدلي به، وإرثها مع الجدات اللواتي لا يدلين بمن تدلي به، لا يوجب ضعفًا؛ لكن يوجب أن يكون حكمها حكم الأمهات. ألا ترى أن أولاد الأم أسقطهم من لا يدلون به، وهو الجد والأب والبنات، ولم يورثهن ذلك ضعفًا بحيث تسقطهم الأم التي بها يدلون وعنها ينزعون.

стр. 11

٩ - جرت مسألة ذوي القربى قال مالكي: إن أحدهم مع الغناء لا يشبه قانون شريعتنا. فإن الشريعة جعلت كل مال لله مصروفًا إلى من يحتاج إليه أو نحتاج نحن إليه. فالمحاويج كالمساكين والفقراء والأيتام، ومن حاجتنا نحن إليه كالفقهاء والقراء والمجاهدين والأئمة والقضاة. فإذا كان الأغنياء من ذوي القربى لا حاجة بنا إليهم، ولا حاجة بهم إلى المال، فإن الملة على هذا. وإلا متى كانوا يبلون في الحرب أو العلم أو غير ذلك من الأمور التي تسد في المصالح مسدًا استحقوا. وإلا صار الدفع إليهم صولة دولة. وقد نهي الله عن ذلك فقال: ﴿كي لا تكون دولة بين الأغنياء منكم﴾. وقال على سبيل الذم لقومه: واتخذوا مال الله دولًا وعند الله حولًا. والأشبه بقرابة رسول الله أن لا يحصون مع الغناء فيكون ذلك موجبًا للتهمة، وإن طلب للغنائم لأهله وعشيرته. وهو ممن تجنب كل أسباب التهمة حتى إنه لما طلبت منه فاطمة وعلي ﵉ -عبدًا يرفههما عن العمل الذي أثر في كيفهما طحنًا واستقاء للماء قال: ألا أدلكم على ما هو خير لكم من ذلك: تسبحون الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمدانه ((ثلاثًا وثلاثين، وتكبرانه أربعًا وثلاثين. اعترض عليه حنبلي فقال: إن أهل بيت رسول الله صلعم من أعلام الدين وإليهم قصد المسير مدون وفيهم الخلافة. ومن كان كذلك لا يخص بالمال لأجل الفقر لكن لأجل الإعانة على التجمل وتجمل المكلف ونزول

стр. 12

الأضياف والوفود. فلا يكفي في حقهم الإغناء عن الناس بل يجب أن يصرف إليهم من يستغني به الناس. قالوا له: فكان يجب أن يجعلهم له وارثين. قال: إنما لم يورث لئلا يتمنى متمن من أقاربه فيهلك بذلك في دينه وينحبط عمله. ١٠ - وجرت مسألة من أقر على نفسه بالقتل فكذبته شواهد دلت على كذبه مثل أن قال ((أنا قتلت فلانًا أمس)) فشهدت البينة أن فلانًا مات منذ شهر. فإنه لا يؤخذ بقوله وإقراره على نفسه ولا يقتل. ويصير رفض قوله على نفسه كرفض قوله على غيره. لأن قول على نفسه يقبل مما لا يقبل على غيره لنفي التهمة. فإذا تحقق كذبه فلا وجه لتصديقه. ألا ترى أن مدعيًا لو ادعى عليه الزنا بأمته فقال ((صدق)) وكان مجبوبًا كان في بطلان الإقرار بمثابة قوله ((أنا قتلت زيدًا منذ عشر سنين)) وعمر زيد خمس سنين. ولذلك قرر النبي صلع على ما عز تحقيق قوله ((زنيت)) بمراجعته من تأويل إلى تأويل. اعترض عليه فقيل: هلا قطعت قوله ((أمس)) عن قوله ((قتلت)) لأنه محال، وجعلته كأنه قال ((قتلت)) فقط؛ كما إذا قال ((أنت طالق أمس))؟

стр. 13

قيل: لا وجه لذلك في الإقرار كما لو قال ((قتلته خطأ)) أو قال ((قتلته صائلًا علي فدفعته)). ١١ - وجرت في مسألة المأذون له في بعض التجائر هل يقضي ذلك إطلاقه في سائر التجائر قال حنفي: إنه يتصرف في ((الأصل لأنه حي. وكل حي تقع تصرفاته باختياره. وهو حر تقع باختياره. وهو حر في باب النفس، بدليل أنه يملك الإقرار عليها بالقتل العمد ولا يملكه السيد. ويتحمل في ذمته ما يزيد على أضعاف قيمته. ولا يملك السيد إشغال ذمة العبد بحبة واحدة. وهذا يشهد لما ذكرنا. فإذا ثبت أنه كذلك كان إطلاق السيد له في التصرف مطلقًا له. فيتصرف في التجارة بحكم أنه حر. وذلك يفيد التصرف المطلق. ١٢ - فصل قال حنبلي: اعلم أنه سح قد نبهك على حفظ حرمك، وإلغاء الثقة عليهم بمن طالت صحبته وحسنت تربيته وسيرته؛ حيث أعلمك أن كريمًا من أولاد خيار الأنبياء كان بين عزيز رباه، وسيدة كريمة أكرمت مثواه، حانت منه معها خلوة، ثارت بينهما همة، قارب بها حصول المحنة والفتنة، لولا تدارك الباري له بالعصمة وإقامة البرهان لصرف الهمة. من أين لك اليوم مثل ذلك الكريم؟ ومن أين لمن يخلو بأهلك عصمة تطرد الهمة،

стр. 14

وبرهان يحول بينه وبين الفتنة؟ فالله الله على الثقة بإنسان مع نصح القرآن بهذا البيان! أما رأيت صاحب شريعتك كيف قال لزوجتين كريمتين خليا بأعمى من كرام الصحابة، فقال لهما في ذلك. فقالا: يا رسول الله! إنه أعمى. فقال: أفعمياوان أنتما، لا تبصرانه؟ وأمر الغلام الوضيء الوجه أن يدور من ورائه. فإذا كان الشرع على هذا الاحتياط، فما هذا الاسترسال منكم والانبساط؟ يقول الواحد منكم في الركابي والفراش إن كان شيخًا: ((هذا ربى أهلي))، وإن كان حدثًا ((هذا رباه أهلي)). كذا يكون الفطناء. هل قصد الباري الإزراء على أولاد الأنبياء، حيث قص لك قصصهم في المكر والعداوة وإطلاق القول بما كان الباطن خلافه؟ لا! ولكن قصد بذلك إيقاظك عن الإصغاء والاسترسال إلى قول بالبادرة لحسن الثقة، وأمرك بالتوقف عند كل شبهة، والتحرز عن حسد الحاسدين، وكتم النعم عن السعاة في إزالتها من المفسدين. ١٣ - وجرت شذرة في ذوي القربى هل يعتبر في استحقاقهم الفقر فقال حنفي: إن النبي صلعم حرم قرابة دون قرابة مع المساواة. حيث قال له عثمان وجبير بن مطعم: ((لم أعطيتهم وحرمتنا؟ )) وأشارا إلى بني المطلب. فقال: ((إنهم لم يفارقونا في جاهلة ولا إسلام.)) وعنى كونهم معه في الشغب. وهذا إشارة إلى التعليل بالنصر.

стр. 15

قال حنبلي: فهذا لا يضرني. لأنه يجوز أن يكون إنما أبعدهم مع القرابة لحق له. وقد يحرم الإنسان حقًا له لأجل إساءة؛ كما حرم القاتل الإرث والمفارقة وقت قصد الأعداء خذله والإغراء به. وهذا لا يمنع كون القرابة علة. ولهذا لم يعط من كان معه من تيم وزهرة، وإن كانوا لم يفارقوه. فأبو بكر ما فارقه؛ لكن لما عدمت القرابة لم يعطه. وذكر فيها مالكي أيضًا، فإنه يوافق الحنفي في اشتراط الفقر: إن النبي صلعم قال للفضل حيث طلب العمالة على الصدقات: ((أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس؟ )) فجعل الخمس إغناء. فالظاهر أنه للقرابة كالزكاة للأجانب. ثم الزكاة جعلت لإغناء الفقراء. كذلك الخمس المأخوذ من الخمس جعل إغناء على سبيل البدل عن الإغناء بالزكاة. ١٤ - قال قائل: لو أن الله سح عذب الأنبياء وأدخل الكفار النار، لكان منه حسنًا. قال له معترض عليه: يا هذا! ما تعرف عوار ما تقول ومقدار الكفر الذي تحته! فإن القرآن كلامه. ومن حيث كان كلامه يستحيل عليه الكذب. وقد يضمن الخبر عن نعيم أقوال معينين وتخليدهم الجنة. وتجويز إخلاف الوعد تجويز للكذب. وحاشا كلامه من الكذب، لا محاشاة مدح

стр. 16

مسعان، بل محاشاة إحالة. كما يستحيل على علمه الجهل، وحياته الموت، ((وقدرته العجز، كذلك يستحيل على صفته، التي هي الكلام، الكذب. فكما أنه لا يجوز على كلامه الكذب، كذلك لا يجوز إدخال النار من أخبر أنه سيدخله الجنة. فبهت المتكلم بذلك. وجعل أقوام يحتجون بذكر الأقدار على مبالغ في الوعظ والإزعاج بذكر آي الوعيد. وكان الواعظ حنبليًا محققًا في الفروع والأصول يدري ما يقول. فقالوا له: كلامك كلام قدري، لا حنبلي! فقال: أنا لا أدري من القدر ما يقيم لكم الحجة، ويقطع لساني عن خطابكم وعتبكم على إهمال الأعمال. والذي قدر القدر هو الذي أمر الأنبياء بالبلاغ؛ ويهدد على تركه، حتى قال: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت﴾. وقال: تركتم علمًا نافعًا ألجمه الله بلجام من نار. فلما جاء إلى القدر قال: إذا ذكر القدر فأمسكوا. فدل على أنه ليس من العلم النافع. ولما قالوا له: ((ألا نتكلم؟ )) قال: ((لا! اعملوا وسددوا وقاربوا.)) ثم تلا: ﴿فأما من أعطى واتقى﴾ ﴿وصدق بالحسنى﴾ ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾، وتلا إلى آخر الآيات. ١٥ - جرى بمجلس نور الهدى ذي الشرفين الزينبي مسألة الأب إذا زوج ابنته بدون مهر مثلها فاستدل فيها حنبلي بأن النكاح ليس المال فيه أصليًا في القصد، بل تابع، والأصل إنما هو طلب الكفاءة والحظ الأكبر ذلك. والأب هو الغاية في الإشفاق، فلا تذهب نحوه تهمة. فإذا نقصها من الصداق،

стр. 17

علم أنه رفع ذلك وسد الخلل فيه بزيادة في الجمال والكمال الذي تدوم به العشرة، وتصفو به الألفة، من أخلاق تنضم إلى كرم الأصل وشرف النسب. فلا يعيرها ولا يؤذيها ولا ينقصها حقًا من حقوقها. والثقة بهذه الخلال والحظوة بتحصيلها أنفع لها من التوثق بالمهر الذي غاية ما فيه ارتهانه به وخوفه من نقله والمطالبة به؛ وبخوفه من الطلاق خوفًا من كثرة نصفه ((قبل الدخول، ومن ثقل حملته بعد الدخول. فإن التوثق بكرم الطباع أحرى من التوثق بالخوف من المطالبة بالمال. اعترض عليه شافعي فقال: لا أسلم أن المهر تابع، بل أصل ومقصود قصد الأعواض في سائر المعاوضات. يفسخ العقد عند أبي حنيفة لأجل الجب والعنة لعدم استقراره وتعذر ما يقرره. ويفسخ عندنا وعندك، يا حنبلي، لأجل الإعسار به وبالنفقة. ويثبت شرعًا وتسميةً ويرد بالعيب ويحبس عليه الزوج وتحبس الزوجة نفسها عن التسليم إلى الزوج لأجله. وأما قولك إن الأب كامل الشفقة، لكنه غير معصوم في نظره. فإذا تحققنا بحبسه لحظها من المال تردد الأمر عندنا بين ما ذكرت من الخير وبين الخطأ والزلل في حقها. وكم ممن لا يدهى من جهة الإشفاق لكن يدهى من الخطأ في النظر، كالأب الفاسق أو المبذر! ولأن هذا لو صح، فهلا جعلته في المال علة إذا جاء بأموالها في الأشربة والبياعات، وحملت ذلك على أنه طلب؟ فالمحاباة تحصيل حظ إما من جهة سلطان بقصد حمايته وحراسته

стр. 18

لأموالها، أو إفاضة جاهه عليها. ولعله اشترى لها المعيب محصلًا لقيمة فيه توفي على العيب. فلا توجب عليه فسخ العقد لأجل العيب وتجعل عقده على المعيب الذي ابتاعه لها لازمًا في شرى الأب. ولا تملك به الرد ثقة بنظره لها. قال الحنبلي: أما جحدك أن المهر تابع، ودعواك أنه متبوع وأصل ومقابل، لا يصح. لأن فساده لا يفسد العقد، وترك ذكره وإخلاء العقد من تسميته أيضًا لا يمنع انعقاد العقد، وامتهان حبسه وقدره لا يعترض به على المرأة، وامتهان جانب الزوج بين مفسد أو معترض. فلو رضيت بحب القطن وقشور الجوز وكسار الزجاج وخلقان النعال كل ذلك حبس يزرى. وقلة القدر أيضًا يزرى. ولا يعترض عليه فيه. ولو أراد الأب الاعتراض عليها فيه، إذا كانت ((بالغًا، ما ملك؛ ولا ولاية للأب مع بلوغها ورشدها وحسم أمر الزوج في حقها. حتى إنها لو تلفظت بتزويج نفسها لم يصح. وذلك خوفًا من تزوجها من بعض من نسبها. ولو عدم في جانب الزوج الشرف ووجد فيه خساسة الحسب أو النسب أو الدين أو الصناعة، كان ذلك بين اعتراض يفسخ لأجله أو إبطال للعقد من أصله. فبان أن المهر بهذه الجملة تابع، لا مقصود أصل. والمسامحة به ممدوحة، والمسامحة بالكفاءة مذمومة. وقد بعد العوض فيه عنه، حتى قيل إنه كالعقد المنفرد بنفسه. فأين حكم العوضية فيه؟ وأما الخطأ الذي

стр. 19

تعلقت به فإنه وإن كان مجوزًا، إلا أن الأمر لا يحمل إلا على الظاهر. وليس النكاح مما يعقد عن بادرة كبادرة البياعات في الأسواق. ولا هو كبيع السلع التي تتعاطى السوقة. بل هو عقد تجمع له الآراء وتحمد، وتجتمع له العشيرة، وتبسط فيه المشاورة؛ ويجمع الأب رأيه في بغاية الجهد مع كمال إشفاقه. فأين الخطأ مع هذا الاحتياط؟ وجرت عادة الناس أن لا يعقد إلا بعد الإطالة والمراجعة. ولهذا لم يدخله الخيار المتأخر عنه. لأنه لا يؤخر رأيه عن عقده، بخلاف سائر المعاوضات. ويخالف ما ذكرته من محاباته في عقود الأموال. لأن تلك لا يلحقه بها عار في نفسه، ولا يتحصل بها نفع في نفس مقصود العقد. ومتى كان في العين المبتاعة غرض جاز بذل المال في مقابلته، كمسألتنا. ١٦ - تجارى قوم فتوى وردت في طائر يطير ويعود إلى برجه. باعه مالكه ممن رآه في برجه وجره. وكان بيعه له حال كونه في الجو فقال الجماعة: يصح بيعه؛ لأنه بعوده إلى برجه على اطراد العادة لا يخرج بطيرانه عن القدرة على تسليمه؛ ويصير بمثابة الشاة التي في القطيع ترعى وتعود. وأنكر من لم يحقق ذلك فقال: ((هذا طائر في الهواء.

стр. 20

قيل له: لا تنظر إلى الصورة. فإن العبد في الصحراء في صورة الآبق. لكن إذا أنس منه الرجوع في العادة انقاد أن كان صورته في الصحراء صورة الآبق. وكذلك الجمل في العريب والمرعى صورته صورة الشارد. لكن إذا كانت عادته مستمرة بالرعي، ثم يأويه الليل إلى معاطن الإبل، جاز بيعه ممن شاهده وإن وقع البيع عليه قبل رجوعه إلى المربد. كذلك هذا ولا فرق. ١٧ - شذرة جرت في مسألة المرتد هل يرثه أقاربه من المسلمين ما كسبه حال إسلامه قال حنفي: الردة كالموت. فبقدر إرثه منه في آخر جزء من أجزاء إسلامه طولب بكونه كالموت من أي وجه، فقال: موقع للفرقة، مزيل لملك الأبضاع، والأموال مانعة من تملكه للبضع بكل حال. وإن كان امرأة لا يملك بضعها، لا مساويها ولا مخالفها. فلا مسلم ولا كافر يملك بضعها. فصارت الردة كالموت. وإذا صارت كالموت، كان من حين ارتد على ما كان كسبه حال الإسلام كالمتوفى عما كسبه حال الحياة. فكان لوارثه المسلم. قال له شافعي: لو كان مقدرًا موته في آخر أجزاء إسلامه، لكان إذا كان له ابن في تلك الحال وأخ، فمات الابن ثم مات المرتد، أن لا يرثه أخوه، لأن المال انتقل إلى ابنه.

стр. 21

وقال فيها شافعي: لما لم يرث أحدًا من أقاربه المسلمين إذا مات بعد ردته بما كان فيه من استمام، لم يرثه المسلم ما كسبه حال إسلامه. لأنه لما لم يتوزع حاله فيرث بحال إسلامه في حال ردته، لم يتوزع حاله فيورث ما كان اكتسبه حال إسلامه. على أن المال المكتسب لا عبرة به، بل العبرة بالملك للمال. وقد تغيرت حال فصار ممن لا يرث. ولا عبرة بالمال مع ((تغير حال ذي المال بحيث صار على حال لا يملك المال بالإرث. فما الذي يبقى من حكم المال مع تغير حال مالكه إلى هذا الحد الذي خرج به من كونه وارثًا إلى كونه لا يرث من أحد بحال؟ فقال: وهذا دل على أنه لا يرثه أحد بحال. ١٨ - جرى بجامع القصر مسألة الكنايات هل تثبت معها الرجعة قال حنبلي: لفظ البينونة يقتضي من طريق الوضع القطع في الحسيات من طريق المشاهدة. فينبغي إذا أضيف إلى الحكميات [أن] يقتضي قطعًا حقيقة. وليس مع الرجعة قطع. لأن الرجعية زوجة يملك الزوج استدامة نكاحها بلفظ يخصه من غير رضا الزوجة ولا عوض. ويقع طلاقه عليها، ويرثها وترثه. وهذا كله من خصائص الوصلة وقطع حقيقة لا تبقى معه وصلة ولا صلة. قالوا له أصحاب الشافعي: فلفظ موضوع على زعمك لمعنى. فلماذا

стр. 22

اعتبرت النية؟ ألا ترى أن لفظ الطلاق لما كان موضوعًا للإطلاق من حبس الزوجة كيف لم يفتقر إلى النية؟ وعلى أن هذا باطل بلفظ الطلاق فإنه يقتضيا لإطلاق على الإطلاق من غير بقاء وصلة وعلقة يكون معها نوع حبس. ومع ذلك فإنه تثبت معه رجعة. ولأنه يبطل بمن قال لزوجته ((أنت طالق لا رجعة لي عليك)) فإنه يقتضي بصريح لفظه نفي الرجعة. ثم لا ينبغي الرجعة. أجاب الحنبلي بأن قال: أما اعتبار النية فلم يكن لكون البينونة قاطعة، بل ذاك مستفاد من اللفظ، لكن ليقطع ((بينونة عن بينونة. وذلك أنها مشتركة بين ((بان)) انقطع من الخير والشر والنكاح، و ((بان)) بمعنى انكشف، و ((بان)) بعدما بان الخليط. فالنية يحتاج إليها ليبين أنها منقطعة من النكاح، لا أنه يحتاج إليها ليجعل الكلمة ويخصها بالقطع، بل ليميز قطعًا عن قطع. وأما لفظ الطلاق فإنه غير مشترك. ولم يوضع إلا للزوجة. فلا يرد في لفظه ولا معناه. وأما قولك إن لفظ الطلاق يقتضي الانطلاق بالكلية، فكذلك نقول. ولذلك الطلقة قبل الدخول والثلاث تمنع بقية حبس، بل تنطلق به الزوجة كل الانطلاق. وأما الطلقة الواحدة بعد الدخول فإن الرجعة جاءت من قبل الشرع تحكمًا. فإن التقييد عن الانطلاق بالشرع مخرجًا لها عن حكم الأصل. وأما قوله ((أنت طالق لا رجعة لي عليك)) فيقع بها طلقة بائن، أو ثلاثًا على خلاف الروايتين. لأن هذا صفة وصف بها الطلقة، كما لو قال ((أنت بائن)).

стр. 23

لأن معنى وصف الطلقة بأنه لا رجعة معها هو أنها بائن. وأما إذا قال ((ولا رجعة لي عليك)) فإنه عطف بالواو، فلم يلحق. كما قلنا إذا قال في حق غير المدخول بها ((أنت طالق طلقة معها طلقة)) وقع طلقتان. ولو قال ((طلقة وطلقة)) لم تقع الثانية. لأن الواو جعلتها جملة أخرى. هذا هو الصحيح عندي، خلاف أصحابنا. وإلى هذا ذهب أصحاب الشافعي، وأنه لا يقع المعطوفة بالواو. ١٩ - وجرت مسألة تصرفات الصبي قال حنفي: يعقل البيع؛ فصح بيعه، كالعبد البالغ. اعترض شافعي فقال: إلا أنه عقل لا عبرة به. ولذلك لم يعلق عليه التكليف، ولا لزم به البيع، بل وقف على مشارفة الولي. ولذلك لم يصح جميع ما يصدر عنه من الأقوال. ((فأجاب الحنفي بجواب الفقهاء، فقال: أعطيت أصل العقل حقه، وهو الصحة للعقد، وسلبت وصف العقد بفقد وصف هو كمال العقل. وحقق حنبلي ساعده لأجل موافقته له وخلافهما للشافعي، فقال: إذا قلت ((إلا أنه من عقل من حاله كذا)) كان ذلك تسليمًا منك أنه عاقل وأن له عقلًا. والعقل، على مذهب المحققين -وهم أهل السنة والفقهاء، لا يقبل النقص، كما لا يقبل التزايد، لأنهم عندهم ضرب من العلوم

стр. 24

الضرورية؛ والعلم لا يقبل التزايد ولا التناقص. وإنما لم يعلق الباري التكليف على صاحبه لطفًا كما رأى وحكم. ألا ترى أنه لم يكلف بدنه الصلاة والطهارة والصوم لأن ابن خمسة عشر سنة يقصر عن قواة في بدنه ابن أربعة عشر سنة وتسعة أشهر. ولا ماله يقصر عن مال البالغ. ولربما أربت قوى بدنه على قوة الشيخ الهرم. فليس الضعف على لإسقاط التكليف حتى يصح قولك إن عقله مقصر عن عقل التكليف. ٢٠ - وجرت مسألة قتل الصبي لغيره هل يوجب في ماله كفارة القتل قال حنفي: الكفارة جزاء عن الفعل، وفعل الصبي لا يجازى عليه. ولهذا لا يجب عليه مأثم في الآخرة، ولا عقوبة في الدنيا، ولا يجب بقتله القتل. اعترض عليه حنبلي فقال: هو من أهل الغرامة. فإن وافقت أن الغرامة جزاء، وإلا كفاني أنه من أهل الغرامة. والكفارة فيها معنى الغرامة؛ بدليل أن كفارة صيد الحرم تجب ويقوم الصيد فيها على الصبي إذا قتله. وفي حق البالغ، إذا قتل صيدًا مملوكًا، وجب عليه قيمتان. فعلى حد ما وجبت القيمة للآدمي وجبت لله. وإنما وجبت للآدمي غرامةً، فكذلك لله سح. قال الحنفي: ليس الغرامة من الجزاء بشيء. لأن الغرامة لا يجب

стр. 25

إلا جبرًا لمن فوت عليه ((ملكه. والله سح وتع لا يقدر أحد على تفويته شيئًا من أملاكه. فلا يقع ما يجب له إلا عبادة أو جزاء. فأما غرامة فلا. وأما قيمة الصيد، فإنما يجب حقًا للصيد، لا الله تع. وقد وجبت الدية غرامة عن جميع المتلف؛ فلا وجه لغرامة أخرى. ولو كانت غرامة لما وجب في حق كل واحد من المشتركين في القتل الخطأ كفارة كاملة؛ كما لم يجب قيمة عن العبد كاملة، ولا دية عن الحر كاملة. قال الحنبلي: ولم لا يقع التفويت من العبد على الله، وهو يقتل عباده المسبحين له، ويهلك الصيود في حرم الله، ويخرب بيوت العبادات لله، ويتلف أموال الزكوات والغنائم التي هي الله؟ فإن نزهت الله سح عن إتلاف الآدمي وتفويته عليه، نزهته عن معصيته له وتمرده وعتوه عن أمره. وليس يقف التفويت على الإعجاز والغلبة، بل إذا أخرج الشيء المملوك عن منافعه أو عن صفاته أو ماليته فقد فوت ذلك منه وفيه. والقدرة على إعادته لا يخرج الفعل الأول أن يكون إفسادًا. كما لو خرب جدارًا على بناء، وسلمًا على نجار، وكسر سكينًا على حداد، فإنه لا يخرج أن يكون فعله ذلك تفويتًا، وإن كان المالك قادرًا بصناعته وجدته أن يعيده إلى ما كان منه. وقولك إن الصيد مضمون لنفسه وغرامته لعينه، لا الله، كلام بعيد. فإن الله سح حرمه لحرمة حرمه، لا لأجله في نفسه. ولهذا نفسه معه خارج الحرم، وحرمه حيوانيته معه؛ ولا يضمن،

стр. 26

بل يباح قتله وأكله. وداخل الحريم ينشؤ فيه الضمان والغرامة. وليس ذلك إلا لأجل حرم الله. فكان ما يجب من الغرامة لله سح. ثم قال الحنبلي: إن استبعدت أن يكون العبد قادرًا على التفويت على الله سح، فاستبعد أن يكون محصلًا لله سح. وإذا جاز أن يكون بيده والتزامه في ذمته لله هدى وصدقة، ثم إنه يشرع في الاكتساب [ ... ] ٢١ - [ ... ] ((العقلي. ودليل العقل يوجب القطع بلا خلاف بين من قال بتحسينه وتقبيحه، ومن لم يقل. لأن بدليله ثبت حدث العالم والصانع. وجاءت أخبار الآحاد بإيجاب الأحكام. فانتقلنا إلى العمل بها عن ذلك الأصل القطعي، وسوينا بينهما وبين الإعجاز، حيث كان الأصل أن لا يقبل قول أحد على الله. ثم لو جاءنا مدعي النبوة، لم نقبل قوله؛ فإذا جاء المعجز، قبلنا. فقد صار خبر الواحد في وجوب الانتقال إليه عن الأصل الذي أوجبه العقل سواء. على أن تشريع الأحكام أخف من إثبات أعيان الأحكام. وقد قبلنا أخبار الآحاد نحن على الاقتناع بالعدالة؛ وأنت تقول ((إذا عملت به الصحابة، وإذا كان الرواة فقهاء.)) ونفس الحد أكبر من تشريع الحد. ثم قبلنا فيه الآحاد تارة أربعة وتارة اثنين. وأما

стр. 27

اعتبار عمل الصحابة، فأين ثبوت الزنا حتى يعمل به؟ والذي ثبت حد، أو حدان، ما عروا العامل به وقد عملوا به. فاما فهات كثرة وحد عملا. وقد أبعد الشرع إثبات الحد حيث اعتبر الإقرار الذي لا ينزع عنه إلى حين إقامة الحد. وزدنا أنا وأنت باعتبار التكرار أربعًا. والمقر على نفسه يقول [((قتلت))]، والنبي يعترض ويقول: ((لعلك قتلت؛ إنك خبل، استنكهوه. انكتها والأربعة بغير أن يشهدوا بأنهم رأوا ذاك منه في ذلك منها؛ كالمرود في المكحلة، والرشاء في البئر. وأين من ينشط لذلك؟ لاسيما مع قول النبي: ((هلا سبرته نبوتك؟ )) ويقول: ((من أتى من هذه القاذورات شيئًا، فليستتر بستر الله.)) فمتى أقيم حد بإقرار أو بشهادة حتى تطالب أنت بعمل الصحابة به؟ فقال الشيخ الإمام أسعد: أما الآي التي تلوتها فلا تعطي أن التعويل في التصديق على أولئك. وإنما عول على ما أوحي إليه. وكيف يحال بإثبات النبوة على أخبار أحبار اليهود وإن أسلموا؟ وأما الشهادة فآحاد. ولكن الأصل يقتضي أن لا تقبل. لكن لو وقف ذلك على التواتر وطريق قطعي لا يسع ذو الدين. واستهانوا بالإقدام على الفساد حيث اطمأنوا أنه لا طريق مقطوع يكشف عن سخائفهم، فشاع الفساد. وأما تعويلك على أن الأصل ((الذي هو براءة الذمة قطعي، وجاز أن ينتقل عنه إلى شغل

стр. 28

الذمم وإباحة الفروج وإراقة الدم، فهذا لا يدل على أنه قطع بدليل القياس. فإنه ينتقل بالقياس عنه، وإن كان غير موجب للقطع ولا العلم. أجاب الحنبلي عن هذا فقال: أما الآي التي ذكرتها، وإن لم تكن موجبة إثبات أصل النبوة، فإنه يكفي أن يحال عليها بتصديق النبي صلع في خبر من أخباره. ودلالة صدقه في ذكره في التوراة وشعبة من شعب الأصل. القطع لا يثبت إلا بدليل قطعي. وأما القول بأنه إنما ثبت عند صدقهم بالوحي بما ذكروه عن التوراة فهذا تعبد. لأن النبي صلعم لو كان تعويله على غير سؤالهم لبينه، لئلا يقطع هذا النظر الفاسد عندك. وهو أن خبرهم عما سئلوا عنه هو المعول عليه. وأما قولك إن خبر الواحد كالقياس فليس كذلك. لأن القياس يترك لخبر الواحد؛ وخبر الواحد لا يترك للقياس. ولأن القياس إنما هو استنباط، وهو عرضة الخطأ؛ والخبر نطق المعصوم. وأما قولك على الشهادة إن القياس يقتضي أن لا تقبل لكن قبلناها لئلا ينفتح باب السخائف والفجور، فهذا منك يعطي أنك احتطت بقبولها. والشرع لا يحتاط في شيء. ثم تبنيه على الدرء والإسقاط؛ وقد بينا ما بني عليه الحد، وأنه على غاية ما يكون من الإسقاط بعد الوجوب، والإغفال عنه قبل الوجوب. ومن بنى شيئًا على الإسقاط لا يعتمد فيه على الاحتياط؛ لأن هذا مناقض لا يليق بالشرع.

стр. 29

٢٢ - جرى بالمدرسة النظامية مسألة المرتدة فعول على من نصر مذهب أبي حنيفة على أن القتل إفساد لبنية الآدمي، وهو الغاية في العقوبة؛ فلا يقابل الإفساد إذًا إلا نادرًا. وإفساد الاعتقاد الصحيح بعد ثبوته وترسخه في القلب لا يكاد يقع إلا [نا] درًا. وإنما الذي يدوم به الفساد الحراب والمرأة؛ وليست صالحة ((لهذا النوع. فاعترض شافعي فقال: لا شك أن هذا يعطي تعظيم شأن الاعتقاد الإسلامي لوضوح دلائله وبراهينه. والعادل عنه لنوع شبهة مرتكب للعناد، وهو الغاية في الفساد. والفساد العظيم، وإن لم يدم، يستحق به الإفساد. والدليل عليه الزنا؛ وإن كان فيما أوسع الله من النكاح وملك اليمين ما لا يبقى لطلبه إلا النوادر الذين هم العادون. كما قال الله تع ﴿فمن ابتغى وراء ذلك﴾ -يعني وراء النكاح وملك اليمين. ومع ذلك وجب به إفساد البنية بالرجم. قال من نصر مذهب أبي حنيفة: ذاك يفسد الأنساب والفرش بخلط المياه؛ فما وقف على كونه جريمة بالفرج. قال الشافعي المعترض: فالكفر هو الغاية في الفساد. ومضرته بإفساد الدين توفي على إفساد الحراب. والنساء سريعات الانخداع للشبهة. فلو قلنا لا يقتلن لما احدسهن إلى الشبهة. وكفى بإفساد الدين مخزية لا تحتاج

стр. 30

إلى انضمام الحرب. ثم هذا يجوز أن يقال في الكفر الأصلي قبل الالتزام. فأما في الكفر جاء على التزام إيمان فكلا، بدليل العميان والشيوخ العتاة والرهبان كففنا عن قتلهم لا نكفافهم. ولو ارتد عن الإسلام أمثال هؤلاء قتلوا. ولو وقع في الأسر أحد هؤلاء لم يقتلوا. ولا تحبس المرأة من أهل الحرب على الإسلام. ولو ارتدت حبست. والحبس عذاب إلى أن تسلم. فأين كفر الأصل من كفر الردة؟ وهذا لأنه كفر بعد التزام؛ والكفر الأصلي قبل الالتزام. على أن جميع ما أشرت إليه يعطي أن القتل يحصل لأجل الفساد، وأن الأصل في بني آدم أنهم خلقوا للعبادة لا للإفساد لذواتهم ولا لقتلهم، إلا أن يفسدوا. والرجال أهل للإفساد بالحراب، والنساء بخلاف ذلك. وهذا ليس بصحيح لأن أكبر الفساد والإفساد الكفر. ونحن لا نقتل الرجال لأجل قتالهم، بل لأجل كفرهم. والله تع صرح بذلك ونص عليه؛ فقال في المنع من القتال والقتل في الحرم: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين﴾. ثم ((قال: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾. والفتنة هنا الكفر. وقال: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾؛ ولأن الكفر إفساد للدين والقتال إفساد للدنيا والعقوبة تعلو أكبر الجريمتين ولا تعلق على أدناهما إذا اجتمعا. قال حنبلي يساعد مذهب أبي حنيفة: فقط أسقط القتل لما عاد بمصلحة الدنيا وهو بذل الجزية. وليس في بذل الجزية صلاح للدين ولا

стр. 31

كف عن الكفر. وإذا أسقط القتل والقتال مع الإصرار على الكفر لأجل الجزية، وليس فيها إلا صلاح الدنيا، جاز أن تضاف عقوبة القتل والقتال إلى إفساد أمر الدنيا دون مجرد الكفر. وإذا تأمل المنصف وضع الشرع في القتال والقتل، لاح [له] صحة ما قاله أبو حنيفة. وذلك أن الكفر يعم الأطفال والنساء والرجال. جعل النساء والصبيان عبيدًا وآماء. وذلك نوع تمول ومصلحة لأمر الدنيا. وكف عن الرهبان والمشايخ لقصورهم عن القتال الذي هو إفساد. وإذا بذل الرجال الجزية كف عنهم القتل والقتال، لكونها من مصالح الدنيا، مع قيام عين الكفر فيهم. ٢٣ - روى أبو بكر الصديق عن النبي صلعم قال: لا يدخل الجنة بخيل ولا خائن ولا سيء الملكة؛ يعني -والله أعلم -المسيء إلى رقيقه وبهائمه بمنع ما يجب لهم أو تأديبهم بما لا يطيقونه من الجذم. ويدل على هذا اهتمامه صلعم عند الموت: الصلاة! الصلاة! أوصيكم بما ملكت أيمانكم خيرًا. ٢٤ - ركب أبو عبيد الله كاتب المهدي الدين يصاف مرتعيا بباب الطاق التي فيها مولدي، فعرض له في طريقه معاذ بن مسلم وخالد بن برمك، فترجل له معاذ، ولم يفعل ذلك خالد؛ فحقدها أبو عبيد الله في نفسه.

стр. 32

فلما نزل أقبل على معاذ وأكرمه، وجفا خالدًا. فلما سخط المهدي على أبي عبيد الله قعد عنه معاذ وأتاه خالد. فبذل له مالًا جليلًا، وأعانه بنفسه وماله وجاهه كل المعونة. فلما رأى خالد أبا عبيد الله قد عجب من ذلك، مع ما ستر من جفائه، قال له: يا أبا عبيد [الله]: إن النفس التي منعتني من ((النزول لك [ذلك] اليوم هي التي بعثتني على ما ترى من وفائي لك في هذا الوقت؛ وإن النفس التي بعثت معاذًا على نزوله لك هي التي أقعدته عنك الآن. قال حنبلي: هذه -والله -المكارم التي عاش الناس في بحبوحتها قديمًا وعدمناها في أواخر أعمارنا، لموت الكرماء، حاشى ظهير الدولة خازن إمامنا. ٢٥ - قيل لأمير المؤمنين علي عم: لم لا تلبس الجديد وأنت تقدر عليه؟ قال: هو أخشع لقلبي. وقيل له: لم لا تجعل لدرعك ظهرًا؟ قال: لأني لم أدخل الحرب فأحدث نفسي بالفرار والتولي. يقال: من ذل للعلم طالبًا عز مطلوبًا. ٢٦ - قال أبو زيد: قلت للخليل: لم قالوا في تصغير واصل ((أويصل)) ولم يقولوا ((أوويصل))؟ قال: كرهوا أن يشبه كلامهم نبح الكلاب.

стр. 33

٢٧ - قال الأحنف لابنه: يا بني! ثمانية إن أهينوا فلا يلاموا إلا أنفسهم: من أتى مائدة لم يدع إليها؛ والمتأمر على أهل البيت في بيته؛ ومن جلس مجلسًا لا يستحقه؛ والداخل بين اثنين في شيء -أو قال: في أمر -لم يدخلاه فيه؛ وطالب الخير من اللئام؛ وطالب الفضل من أعدائه؛ والمقدم بالدالة على السلطان. ٢٨ - سأل سليمان بن علي أبا عمرو بن العلاء عن شيء، فصدقه عما سأله. فلم يرضه الصدق فيما سأله، فغضب. فخرج أبو عمر وهو يقول: [المتقارب] أنفت من العار عند الملوك ... وإن أكرموني وإن قربوا إذا ما صدقتهم خفتهم ... ويرضون مني أن يكذبوا ٢٩ - قال الحسن يومًا: اعتبروا المنافق بثلاث خلال: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. فبلغ قوله عطاء بن أبي رياح، فقال: قد كانت هذه الثلاث خلال قد كملت ((في ولد يعقوب: حدثوه فكذبوه، ووعدوه فأخلفوه، وائتمنهم فخانوه. فأعقبهم الله التوبة. فبلغ ذلك الحسن، فقال: وفوق كل ذي علم عليم.

стр. 34

٣٠ - وقال رجل لولده: تعلم الأدب فإنه زيادة في العقل، وعون على المروءة، وصلة في المجلس وصاحبه في الغربة. ٣١ - قال بعض أهل الحكمة: أدخلنا الدنيا جاهلين، وعمرنا فيها غافلين، ونحن مفارقون لها كارهون. قال الشاعر: [الوافر] دخلنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا كارهين ٣٢ - قالوا: إساءة المحسن مع جدواه، وإحسان المسيء كف أذاه. ٣٣ - قيل للحسن: ما التوكل؟ قال: أن لا يكون شيء أوثق من قلب العبد من ربه. ٣٤ - خرج قوم الشام فرأوا في طريقهم قليبًا. فأنزلوا أحدهم ليفجر الماء. فوجد صخرة مكتوب عليها: يا ابن آدم! تصبح ناعسًا ولم تقم، وتمسي جائعًا ولم تصم؛ تنوي التوبة بطول الأمل، [ ... ]؛ تحب المحسنين ولست منهم، وتبغض المسيئين وأنت منهم.

стр. 35

٣٥ - كان لأبي بكر الصديق عم أربع خصال لا يشاركه فيها أحد: ثاني اثنين في الغا [ر]؛ وثاني اثنين في الدار؛ وثاني اثنين في المشورة؛ وثاني اثنين في العريش. ٣٦ - كانت لأم كلثوم بنت علي عم ثلاثة أشياء. زوجها أبوها من عمر رضه ولم يستأمرها. واستشهد عمر رضه، فلم ينقلها أبوها من منزله الليلة التي أصيب فيها، وقال: ((الدار للمسلمين وليست لعمر، ولو كانت ملكًا له لنقلتها.)) وتوفيت وابنها زيد بن عمر في ليلة؛ فصلى عليها ابن عمر؛ فجعل الابن مما يليه، وجعلها مما وراء الابن. وعرف بذلك كيف السنة في الصلاة على المرأة إذا اتفق معها رجل. قال الحنبلي: فما أجهل من يقول لم يكن من فقهائهم! ٣٧ - جرى في مسألة هل يحسن في العقل تكليف من يعلم أنه يخالف ولا يطيع قال متكلم محقق: أنه يحسن. لأن المعلوم تابع للعلم، فبحسب المعلوم يدرك العلم. فأما أن يقع المعلوم بحسب العلم فلا. وما العلم في المثال إلا بمثابة المرآة لإظهار صورة الوجه. إن كان حسنًا أظهرته ((حسنًا، وإن كان قبيحًا ظهر فيها قبيحًا. فأما أن يقع الحسن والقبل لأجلها فلا.

стр. 36

وكذلك المصباح الكاشف عما سترته الظلمة: هو تابع لما يظهره، حسنًا كان أو قبيحًا. اعترض عليه معترض فقال: هذا لا يحسن لأجل ما ذكرت. ألا ترى أن إنسانًا لو هوى في بئر، فعلم من خارج البئر أنه إذا دلى إليه حبلًا خنق به نفسه، فدلى إليه الحبل فخنق نفسه، لم يكن مدلي الحبل على الصفة المذكورة محسنًا، بل كان مسيئًا. فالحبل كالشرع، والخنق كالكفر. قال المستدل: فهذا قد كان في الشرع. فإن كنت متكلمًا على الشرع فلا وجه لكلامنا في هذا الفرع. بل تعال نتكلم في أصل الشرع. لأن من خالف في أصل الشرع لا يحسن أن يتكلم في هذه المسألة. على أن العالم -جلت عظمته -إنما يفعل بقدرة وعن إرادة. فإذا قلت بأنه لا يحسن الأمر بما علم بخلافه، لأنه إذا وجب المعلوم بوجوب العلم فلا أثر للقدرة الإرادة، فهذا ليس بصحيح. لأنا لو قدرنا رفع العلم لم يتعطل لما ارتفع الفعل مع وجود مصححه وهو القدرة والإرادة. على أنه ينقلب هذا في الباري سح لأنه إذا أوجب ما علم كونه لم يدخل تحت قدرتنا فيصير العلم هو المؤثر دون الله تع ودوننا. قال المعترض: والعلم مؤثر؛ بدليل أن الفعل المحكم إنما يصدر عنه ولا حكمة. ولولا العلم لصدرت الأفعال مثبطة.

стр. 37

٣٨ - من كلام أمير المؤمنين علي عم: كم من مستدرج بالإحسان إليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه. وما ابتلى الله أحداً بمبلٍ إلا ملاكه. ٣٩ - أنشدونا لبعض المحدثين: ضحكت وكانت قبل غير ضحوك ... وتعجبت من أشيبٍ صعلوك ? لا تعجبي من شيب رأسي إنه ... عظة السفيه وعصمة المهتوك من عاش مات ومن تشيب أصداعه ... يلقى القيان بذلة المملوك ٤٠ - أنشد النعيمي لبعضهم في ثقل الردف: من رأى مثل حبتي ... تشبه البدر إن بدا تدخل اليوم ثم تد ... خل أردافها غدا ٤١ - وأنشد النعيمي لنفسه في غلام نصراني: لما رأيت معذبي ... تشقى بهجرته القلوب ناديت بين صحابتي ... يا قوم قد غلب الصليب

стр. 38

٤٢ - أنشد أبو طاهر أحمد بن محمد بن جعفر بن الخضير الحراني المعروف بابن جعفر الرسول من ساحى الكرخ: ولي صديقٌ ما مسني عدمٌ ... مذ وقعت عينه على عدمي قام بأمري لما قعدت به ... ونمت عن حاجتي ولم ينم أغنى وأفنى ولم يكلفني ... تقبيل كفٍّ له ولا قدم ٤٣ - قال أكثم بن صيفي: السؤال وإن قل، يهون له كل نوال وإن جل. ٤٤ - لبعضهم: ليس في كل ساعةٍ وأوان ... تتهيا صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذراً من تعذر الإمكان ٤٥ - روى ابن دريد قال: أخبرنا السكن بن سعد الجرموزي قال: أخبرنا علي بن نصر الجهضمي عن أشياخ من الأزد، ممن أدرك من شهد الجمل، قال: لما رجع ابن الزبير من البصرة إلى المدينة مر بمنازل بني مجاشع

стр. 39

من بني تميم ليلاً. فبينا هو يسير، ومعه مولى يقال له زيد، إذ سمع صهيل البسام، فرس الزبير. فقال له مولاه: أشهد بالله أنه لصهيل البسام! وكان ابن جرموز قد أخذه؛ فقال له ابن الزبير: ويحك! والله إنه لصهيل الأشقر. والله لا أرجع الليلة حتى آخذه، أو تعيقني دونه? العوائق! فقال له مولاه: أذكرك الله لما إن تركته وانطلقت بنا فإني أخاف أن تقتل. والله ما نجوت من الموت إلا بما بقي من أجلك، وقد عاينته عياناً. فقال عبد الله لمولاه: اثبت لي مكانك، ويحك، ما بينك وبين نصف الليل. فإن جئتك فسبيل ذلك، وإلا فانطلق وانعني إلى أسماء. ثم ترجل واشتمل سيفه وصمد لصوت الفرس. فعرض له رجل من الحي في جنح الليل حتى انتهى إلى الفرس. فضربه ابن الزبير فقتله، وأخذ الفرس من رباطه، فجاء به يقوده حتى انتهى إلى مولاه، فانطلقا جميعاً. فقال ابن الزبير رضه في ذاك: يذكرني الزبير صهيل طرفٍ ... تناوله ابن جرموز بغدر فقلت لصاحبي أرود قليلاً ... لأقضي حاجتي ووفاء نذري فإن أرجع فذاك رجوع جنحي ... وإلا فانعني أو بح بسري فجئت أقوده والنجم عالٍ ... وما هي من أبي بكرٍ بنكر وقد كان الزبير فتى معدٍّ ... إذا فزعوا وفارس حي فهر وأجودهم على العلات كفاًّ ... وأعودهم على عسرٍ بيسر

стр. 40

وأقومهم ممر الحق فيهم ... وأتركهم لشبهة كل أمر وقالوا قد هوت لأبيك أمٌّ ... فقلت لهم ألا لا لست أدري أرى أمرين في عرفٍ ونكر ... ولست بعاذرٍ إلا بعذر فإن تكن المنية أقصدته ... فكل فتى إلى الغابات يجري ٤٦ - روى ابن الأنباري قال: أخبرني أبي قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عمران الضبي قال: لما أكثر أصحاب الحديث على شريك، قالوا له: يا عبد الله! حدثنا بحديث رسول الله صلعم: ((تقتل عماراً الفئة الباغية)). فغضب وقال: أترون فخراً لعلي أن يقتل عمار معه؟ إنما الفخر لعمار في أن يقتل مع علي رضهما. ٤٧ - قال ابن الأنباري: ? وحدثني أبي عن شيخ له قال: دخل صالح المري إلى عبيد الله بن الحسن العنبري، وكان قاضي البصرة وأميرها، يعزيه عن أمه. فقال له: إن كانت مصيبتك بأمك ما أحدثت لك عبرة في نفسك، فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك بأمك. ثم نهض. فقيل لعبيد الله: من هذا؟ فقال: طبيب من أطباء الآخرة. وحضر مجلسه سفيان الثوري، فقال، لما سئل عنه: ما هذا قاص، هذا نذير من النذر.
следующие страницы →