← Джавами‘

Джавами‘ · id 18285

كتاب الفنون لابن عقيل

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (756 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكذلك المصباح الكاشف عما سترته الظلمة: هو تابع لما يظهره، حسنًا كان أو قبيحًا. اعترض عليه معترض فقال: هذا لا يحسن لأجل ما ذكرت. ألا ترى أن إنسانًا لو هوى في بئر، فعلم من خارج البئر أنه إذا دلى إليه حبلًا خنق به نفسه، فدلى إليه الحبل فخنق نفسه، لم يكن مدلي الحبل على الصفة المذكورة محسنًا، بل كان مسيئًا. فالحبل كالشرع، والخنق كالكفر. قال المستدل: فهذا قد كان في الشرع. فإن كنت متكلمًا على الشرع فلا وجه لكلامنا في هذا الفرع. بل تعال نتكلم في أصل الشرع. لأن من خالف في أصل الشرع لا يحسن أن يتكلم في هذه المسألة. على أن العالم -جلت عظمته -إنما يفعل بقدرة وعن إرادة. فإذا قلت بأنه لا يحسن الأمر بما علم بخلافه، لأنه إذا وجب المعلوم بوجوب العلم فلا أثر للقدرة الإرادة، فهذا ليس بصحيح. لأنا لو قدرنا رفع العلم لم يتعطل لما ارتفع الفعل مع وجود مصححه وهو القدرة والإرادة. على أنه ينقلب هذا في الباري سح لأنه إذا أوجب ما علم كونه لم يدخل تحت قدرتنا فيصير العلم هو المؤثر دون الله تع ودوننا. قال المعترض: والعلم مؤثر؛ بدليل أن الفعل المحكم إنما يصدر عنه ولا حكمة. ولولا العلم لصدرت الأفعال مثبطة.

стр. 37

٣٨ - من كلام أمير المؤمنين علي عم: كم من مستدرج بالإحسان إليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه. وما ابتلى الله أحداً بمبلٍ إلا ملاكه. ٣٩ - أنشدونا لبعض المحدثين: ضحكت وكانت قبل غير ضحوك ... وتعجبت من أشيبٍ صعلوك ? لا تعجبي من شيب رأسي إنه ... عظة السفيه وعصمة المهتوك من عاش مات ومن تشيب أصداعه ... يلقى القيان بذلة المملوك ٤٠ - أنشد النعيمي لبعضهم في ثقل الردف: من رأى مثل حبتي ... تشبه البدر إن بدا تدخل اليوم ثم تد ... خل أردافها غدا ٤١ - وأنشد النعيمي لنفسه في غلام نصراني: لما رأيت معذبي ... تشقى بهجرته القلوب ناديت بين صحابتي ... يا قوم قد غلب الصليب

стр. 38

٤٢ - أنشد أبو طاهر أحمد بن محمد بن جعفر بن الخضير الحراني المعروف بابن جعفر الرسول من ساحى الكرخ: ولي صديقٌ ما مسني عدمٌ ... مذ وقعت عينه على عدمي قام بأمري لما قعدت به ... ونمت عن حاجتي ولم ينم أغنى وأفنى ولم يكلفني ... تقبيل كفٍّ له ولا قدم ٤٣ - قال أكثم بن صيفي: السؤال وإن قل، يهون له كل نوال وإن جل. ٤٤ - لبعضهم: ليس في كل ساعةٍ وأوان ... تتهيا صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذراً من تعذر الإمكان ٤٥ - روى ابن دريد قال: أخبرنا السكن بن سعد الجرموزي قال: أخبرنا علي بن نصر الجهضمي عن أشياخ من الأزد، ممن أدرك من شهد الجمل، قال: لما رجع ابن الزبير من البصرة إلى المدينة مر بمنازل بني مجاشع

стр. 39

من بني تميم ليلاً. فبينا هو يسير، ومعه مولى يقال له زيد، إذ سمع صهيل البسام، فرس الزبير. فقال له مولاه: أشهد بالله أنه لصهيل البسام! وكان ابن جرموز قد أخذه؛ فقال له ابن الزبير: ويحك! والله إنه لصهيل الأشقر. والله لا أرجع الليلة حتى آخذه، أو تعيقني دونه? العوائق! فقال له مولاه: أذكرك الله لما إن تركته وانطلقت بنا فإني أخاف أن تقتل. والله ما نجوت من الموت إلا بما بقي من أجلك، وقد عاينته عياناً. فقال عبد الله لمولاه: اثبت لي مكانك، ويحك، ما بينك وبين نصف الليل. فإن جئتك فسبيل ذلك، وإلا فانطلق وانعني إلى أسماء. ثم ترجل واشتمل سيفه وصمد لصوت الفرس. فعرض له رجل من الحي في جنح الليل حتى انتهى إلى الفرس. فضربه ابن الزبير فقتله، وأخذ الفرس من رباطه، فجاء به يقوده حتى انتهى إلى مولاه، فانطلقا جميعاً. فقال ابن الزبير رضه في ذاك: يذكرني الزبير صهيل طرفٍ ... تناوله ابن جرموز بغدر فقلت لصاحبي أرود قليلاً ... لأقضي حاجتي ووفاء نذري فإن أرجع فذاك رجوع جنحي ... وإلا فانعني أو بح بسري فجئت أقوده والنجم عالٍ ... وما هي من أبي بكرٍ بنكر وقد كان الزبير فتى معدٍّ ... إذا فزعوا وفارس حي فهر وأجودهم على العلات كفاًّ ... وأعودهم على عسرٍ بيسر

стр. 40

وأقومهم ممر الحق فيهم ... وأتركهم لشبهة كل أمر وقالوا قد هوت لأبيك أمٌّ ... فقلت لهم ألا لا لست أدري أرى أمرين في عرفٍ ونكر ... ولست بعاذرٍ إلا بعذر فإن تكن المنية أقصدته ... فكل فتى إلى الغابات يجري ٤٦ - روى ابن الأنباري قال: أخبرني أبي قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عمران الضبي قال: لما أكثر أصحاب الحديث على شريك، قالوا له: يا عبد الله! حدثنا بحديث رسول الله صلعم: ((تقتل عماراً الفئة الباغية)). فغضب وقال: أترون فخراً لعلي أن يقتل عمار معه؟ إنما الفخر لعمار في أن يقتل مع علي رضهما. ٤٧ - قال ابن الأنباري: ? وحدثني أبي عن شيخ له قال: دخل صالح المري إلى عبيد الله بن الحسن العنبري، وكان قاضي البصرة وأميرها، يعزيه عن أمه. فقال له: إن كانت مصيبتك بأمك ما أحدثت لك عبرة في نفسك، فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك بأمك. ثم نهض. فقيل لعبيد الله: من هذا؟ فقال: طبيب من أطباء الآخرة. وحضر مجلسه سفيان الثوري، فقال، لما سئل عنه: ما هذا قاص، هذا نذير من النذر.

стр. 41

٤٨ - وروي عن ابن عباس أن عمرو بن العاص قال يوماً لمعاوية: رأيت فيما يرى النائم أبا بكر رضه كئيباً حزيناً، قد أخذ بضبعيه رجلان، فقلت: ((بأبي أنت وأمي، يا أمير المؤمنين! ما لي أراك كئيباً حزيناً؟ )) قال: ((وكل بي رجلان ليحاسباني. وإذا صحف ليست بالكثيرة)). ورأيت عمر بن الخطاب كئيباً حزيناً، قد أخذ بضبعيه رجلان، فقلت: ((بأبي أنت وأمي، يا أمير المؤمنين! ما لي أراك كئيباً حزيناً؟ )) قال: ((وكل بي هذان رجلان ليحاسباني. وإذا صحف مثل الجزوزة.)) ثم رأيت عثمان ابن عفان كئيباً حزيناً، وقد أخذ بضبعيه رجلان، فقلت: ((بأبي أنت وأمي، يا أمير المؤمنين! ما لي أراك كئيباً حزيناً؟ )) فقال: ((وكل بي هذان ليحاسباني بما ترى. وإذا صحف مثل الخندمة جبل، إذا دخلت الطول على يسارك. ورأيتك يا معاوية، وقد اخذ بضبعيك رجلان، وقد ألجمك العرق، فقلت: ((ما لي أراك حزيناً؟ )) فقلت: ((وكل بي هذان ليحاسباني بما ترى. وإذا صحف مثل أحد وثبير.)) فقال معاوية: ((أما رأيت ثم دنانير مصرية؟ )) ٤٩ - لابن الحجاج في شريف آذاه، فقال: رأيتم قط أحمق من شريف ... يصير على أذى رجلٍ سخيف فكان كمثل عطارٍ تدلى ... فنكس رأسه جوف الكنيف

стр. 42

٥٠ - روى أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال: حدثنا محمد ابن داذ الكاتب قال: لما ولى أبو جعفر المنصور الفنجر الساني عملاً، فألزم مالاً فمنعه. فأمر المنصور أن يحبس. فحبس في دار العذاب؛ وكانت إلى جانب المطبق. قال: فعذب؛ فلم يقر بشيء. فلما طال ذلك، كلم معي فيه? المنصور فقال: ((إني عزمت أن لا يخرج من حبسه وهو مقيم على هذه المراغمة، ولكن لأجل شفاعتك أنفذ إليه بمال يؤديه وأطلقه.)) فبعث إليه بمقدار ذلك، وهو مائة ألف درهم، وهو القدر الذي كان يطالب به. فلما صار ذلك إليه حمله إلى منزله. وقال له المستخرج: ((احمل الآن المال.)) فقال: ((أي مال؟ )) وجحد ما حمل إليه. فأعيد عليه العذاب. فلم يقر بشيء. فبلغ ذلك المنصور، فقال: ((هذا شيطان! أردنا أن نأخذ منه مالنا، فأخذ مالاً ثانياً وجحده.)) فخلى سبيله، ولم يوله شيئاً. فكان يضرب به المثل، ويقال: أصبر من الفنجر. ٥١ - روي أنه قدم عقيل بن أبي طالب على علي أخيه وهو بالكوفة يسأله مالاً. فقال للحسن: ((اكس عمك.)) فكساه قميصاً من قمصانه، ورداء من أرديته. فلما حضر العشاء، دعا علي العشاء. فإذا كسر تتقعقع يبوسة، فقال عقيل: ((أوليس عندك إلا ما أرى؟ )) قال علي: ((أوليس هذا من نعمة الله كثيراً؟ فله الحمد والشكر.)) فقال عقيل: ((يا أمير المؤمنين! لا

стр. 43

ضير إذ كان هذا، أعطني ما أقضي ديني، وعجل سراحي لأرحل عنك.)) فقال علي: ((فكم دينك؟ )) فقال: ((أربع مائة ألف درهم.)) فقال علي: ((فما هي عندي، ولا أملكها، ولكن تصبر حتى يخرج عطائي فأقاسمك.)) فقال عقيل: ((بيت المال في يدك، وأنت تسوفني؟ )) قال: ((والله يا أخي ما أنا وأنت في هذا المال إلا بمنزلة رجل من المسلمين.)) وجعلا يتكالمان في هذا وهما فوق قصر الإمارة مشرفين على صناديق أهل السوق. فقال علي: ((إذا أبيت ما أقول، فانزل إلى بعض هذه الصناديق، فاكسرها وخذ ما فيها.)) قال عقيل: ((أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكلوا على الله وجعلوا أموالهم فيها واتكلوا عليها؟ )) قال: ((أفتأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين وقد توكلوا على الله، وهم يرجون قبضها، وأنا متقلد أحدها من وجوهها ووضعها في حقوقها؟ فإن أبيت ما أقول أخذت سيفاً، ثم أخذت سيفاً، ثم انطلقنا إلى الجير، فإن فيها تجاراً مياسير، فدخلنا على بعضهم وأخذنا أموالهم.)) قال عقيل: ((أسارقاً جئت؟ )) قال علي: ((فلئن تسرق من واحد خير من أن تسرق من كافة المسلمين.)) قال عقيل: ((فائذن لي أن آتي هذا الرجل? - يعني معاوية- غير متهم لي أني إليه هجرت، ولا عنك صدرت، ولا به انتصرت.)) قال: ((قد أذنت لك.)) قال: ((فاعني على سفري إليه.)) قال: ((يا حسن! أعط عمك أربع مائة درهم.)) فأعطاه إياها. فخرج من عنده، وهو يقول: سيغنيني الذي أغنى علياًّ ... فيدركه إلى الرحم الطلوب

стр. 44

ويغنيني الذي أغناه عني ... ويغني ربنا ربٌّ قريب ثم وصل إلى معاوية. فوصله بأربع مائة ألف لقضاء دينه، ثم [وصـ]ـله بمثلها. قال حنبليٌ: فكيف استحل أن يأذن لأخيه في الأخذ من مال يعتقده مسروقاً أيضاً؟ لأن معاوية أخذه عنده وفي اعتقاده بغير حق. فأجاب بأنه اعتقد أن الذي بيد معاوية مال بيت المال. وأنه ليس بإمام، ولا متصرفاً بإذن الإمام. فأذن لأخيه بحكم أنه المتصرف بحق أن يأخذه بإذنه. فيصير أخذاً بحق- والله أعلم. ٥٢ - عن كثير بن مرة قال: رأيت كأني أدخلت الجنة. فأدخلت درجة عالية. فجعلت أطوف بها وأتعجب منها. وإذا بنسيات من نساء المسجد في ناحيتها. فذهبت إليهن، فسلمت عليهن، ثم قلت: بم تلقين هذه الدرجة؟ قلن: بسجدات وكسيرات. ٥٣ - قيل للحسن: ما الإيمان؟ قال: الصبر عن معاصي الله، والسماحة بفرائض الله. ٥٤ - قال بعضهم: من استغفر لمن ظلمه أمن من عذاب الله.

стр. 45

٥٥ - جرى في صول الفحل أن قال حنبلي: إن هذا صار في حال صياله كالسبع في حال دوامه. فهو كالصيد في الحرم والإحرام في إسقاط الضمان، وكالسبع في الحرم والإحرام. وصار الصيد في أمده كالسبع في أبده. ومثل هذا ما قلناه في حق الذمي مع المستأمن، لا يقتل بواحد منهما المؤمن. اعترض عليه حنبلي آخر فقال: هذا ليس يستقيم. لأن السبعية الخلقية تخالف الصيال الطارئ على ما خلق? لا على طريق السبعية. بدليل أن هذا في حال صياله لو قتله غير المصول عليه، لا لدفع، ضمنه. ولو صال ثم ترك الصيال وخاس، حتى يقتله المصول عليه الذي صال عليه ثم كف عنه، ضمنه. والسبع في خيسه، إذا قتل، لم يضمن. واستشهادك بالذمي مع المستأمن دعوى على دعوى. والفساد هناك باعتبارك كفساد هذا، ولا فرق. ٥٦ - قال أبو الحسن محمد بن عمر الأنباري في ابن بقية الوزير لما صلب: لم يلحقوا بك عاراً إذ صلبت بلى ... باءوا بعارك ثم استرجعوا ندماً وأيقنوا أنهم في فعلهم غلطوا ... وأنهم نصبوا من سؤددٍ علما فاستدركوه وواروا منك طور على ... بدفنه دفنوا الأفضال والكرما

стр. 46

لئن بليت فما يبلى نداك ولا ... تنسى وكم هالكٍ ينسى إذا قدما تقاسم الخلق حسن الذكر منك كما ... ما زال مالك بين الخلق مقتسما بقية الجود فينا كنت فانقرضت ... فليس نعدم مذ فارقتنا العدما وكنت لله فينا أنعماً سلبت ... ولو بقيت لنا لم نسلب النعما وكيف ينساك حرٌّ لم يجد عوضاً ... مذ مت عنك ولا يبكي عليك دماً ٥٧ - وجدت هذه الأبيات بخط ابن الأنباري وقد رواها بالإسناد عن أبي نواس: أيا من بين باطيةٍ وزقٍ ... وعودٍ في يدي علقٍ مغني إذا لم تنه نفسك عن هواها ... وتحسن صونها فإليك عني فإني قد سئمت من المعاصي ... ومن إدمانها وسئمن مني ومن أسوأ وأقبح من لبيبٍ ... يرى متطرباً في مثل سني ٥٨ - جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلعم: خمسة لهم أجران. رجل كان مؤمناً بالكتب كلها، ثم أدرك الإسلام

стр. 47

فدخل فيه؛ فله أجران: أجر الكتاب الأول، وأجر? الكتاب الآخر. ورجل اشترى جارية فأدبها وعلمها، ثم أعتقها وتزوجها؛ فله أجران اثنان. ورجل أمر بصدقة في ذوي قرابته؛ فله أجر الصدقة، وأجر ما وصل قرابته. ورجل علمه الله علماً فعمل به وعلمه الناس؛ فله أجران اثنان. ورجل مملوك أدى إلى الله- ما افترض عليه، وأدى إلى مواليه الحق مما أفاء الله عليه؛ فله أجران اثنان. ٥٩ - من كلام بزرجمهر: لم أر ظهيراً على تنقل الدول كالصبر، ولا مذلاً للحساد كالتجمل؛ ولا مجلبة للإجلال كتوقي المزاح؛ ولا مجلبة للمقت كالكبر والعجب؛ ولا مخلقة للمروءة كاستعمال الهزل في مواطن الجد. ٦٠ - وقال غيره من ال حكم اء: التجني رسول القطيعة، وداعي الغل، وسالب السلو؛ وهو أول منازل الهجران. ٦١ - قد ورد: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وورد المنع من اليقين أو الظن بما يوجب الشك ليبقى على حكم الأصل. فإن قوله صلع لما سألوا

стр. 48

الراعي عن الماء، هل ورد عليه ما ينجسه: لا تعلمهم. وقال عمر للسائل عن الميزاب: يا صاحب الميزاب! لا تعلمهم. وأمر بأخذ كف من الماء للميزر عقيب الاستنجاء. كل ذلك دفع للظن، أو العلم، بما يوجب البقاء على الأصل. فكيف الجمع. قال حنبلي: يحمل قوله الأول على الاستحباب؛ أو في المأكول والمشروب والمنكوح، دون الطهارات والتعبدات التي طريقها المسامحة. ٦٢ - سئل الشافعي رحته عن معنى قول النبي صلعم: ليس الغنى من كثرة العرض؛ إنما الغنى غنى النفس. فقال: كان النبي صلعم يتعوذ من نفس لا تشبع. فمعنى غنى النفس أنها إذا كانت شاكرة لأنعم الله فهو غناها. وإذا كانت غير قانعة، فكثرة العرض لا يغنيها أبداً. ولهذا كان من دعاء? النبي صلعم: اللهم قنعني بما رزقتني. فإذا من الله بالقناعة، فهو غني النفس. قال الشافعي رحته: وابن آدم الذي قال النبي فيه ((لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً)) هو الذي حرم غنى النفس. ٦٣ - قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه: الفتنة من ثلاثة وجوه: حب النساء، وهن سيف إبليس المرهف؛ وحب الأشربة، وهو فخ إبليس الصيود؛ وحب الدنيا والدرهم، وهو سهم إبليس المسموم.

стр. 49

فمن أحب النساء لم يمتع بمعاشه؛ ومن أحب الأشربة خرج من الدنيا والآخرة؛ ومن أحب الدنيا والدرهم عبد الدنيا. ٦٤ - فصل في توديع وقد استعجلت الاستيحاش له، وتسلفت الاشتياق إليه، والركاب مناخة، والدار بعد جامعة. فكيف حالي إذا نسا الفراس، وانقطعت العلائق، فضربت النوى بيننا سياجها، وزحمت بعضاً على بعض بمناكبها. وتعللنا بعد العين بالأثر، وبعد اللقاء بالخبر. وإلى الله أرغب في أن يفيض عليك جلباب السلامة راحلاً ونازلاً، ويجعلك في ضمان الكفاية مقيماً وظاعناً، ويوردك المقصد الذي تقصده، والمرمى الذي ترمى نحوه، محفوظاً بيده الطولي، ملحوظاً بعينه اليقظي، إنه سميع الدعاء سابغ النعماء. ٦٥ - كان أبو الهذيل العلاف، شيخ وقته في المعتزلة، يرى أن ليس فعل مباح؛ بل الأعمال الواقعة منا لا تخلوا أن تقع طاعة أو معصية. فقال له رجل كوفي: ألست تقول إن أفعالك لا تخلوا من طاعة أو معصية؟ قال: بلى. قال: فلبسك ثيابك هذه الجدد طاعة لله أو معصية له؟ فقال: إن كنت لبستها لأظهر بها نعمة الله علي، وأؤدي فيها فرائضه،

стр. 50

فذلك داخل تحت قوله: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجدٍ﴾، ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾؛ فذلك طاعة الله. وإن كنت لبستها لأباهي? بها الأغنياء، ولأغايظ بها الفقراء، فهي معصية. ولا يمكنني أن أقول مفصحاً ((إني لبستها أريد بلبسي لها الجهة المحمودة))، فأكون مزكياً لنفسي؛ والله تع يقول: ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾. ولا أقول ((لبستها للجهة المذمومة))، فأكون قد فضحت نفسي، وقد نهاني الله عن ذلك بقوله: لا يزال العبد في ستري ما ستر على نفسه؛ وقال النبي صلعم: من أتى من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله. قال حنبلي: قد أخل أبو الهذيل في تقسيمه بقسم يخلو من طاعة ومعصية. وهو أن يلبسها للذة نفسه: إما لدفع البرد، أو الحر؛ من غير أن يخطر بباله ستر عورة، أو قصد زينة لمسجد، أو إظهار نعمة الله، أو مباهاةً لأحدٍ، أو قصداً لمغايظة أحد. ولا يمكنه أن يقول إنه ليس لنا فيما يقع من أفعالنا حالة ذهول عن الأمرين اللذين ذكرهما؛ مثلك حالة الطلاق. اللهم إلا أن يقول لا يجوز له أن يلبس إلا بنية، وأن لا يخلو من قصد المباهاة. فذلك مكاثرة لما نجده من نفوسنا من الحال الثالثة: وهي حال غفلتنا عن القسمين اللذين ذكرهما. ٦٦ - أخبرنا شيخنا القاضي الإمام أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء بالإجازة، وهي عندي عظة مع سماعي منه كثير ما عنده، قال: أخبرنا عيسى

стр. 51

ابن علي قال: حدثنا أبو عبد القاسم بن إسماعيل المحاملي قال: حدثنا محمد بن الوليد القرشي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمان بن أبزي قال: ٦٧ - كان داود عم يقول: كن لليتيم كالأب الرحيم. واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد. وأن الخطيب الحمق في نادي القوم كالمغني عند الميت. ولا تعد أخاك ثم لا تنجز له فيورث بينكما العداوة. وأن المرأة السوء عند الرجل كالشيخ الكبير على ظهره الحمل الثقيل، والمرأة الصالحة الذلول كالملك الشاب على رأسه التاج المخوص بالذهب. وسل الله [ ... ] ٦٨ - [ ... ] وأومأ إليها- يعني حتى تقوم الجارية. قال الحنبلي: استعارة تليق بالحال. ٦٩ - ومن كلامه المختار: مع كل منظر حسنٍ رقيبٌ ينقص بهجته وينغص لذته. ٧٠ - ومن كلامه في صفة الدنيا: لا يسوغ خلافتها، تزرع الهيبة في القلوب.

стр. 52

كم من يوم أغر، كبير الأهلة، قد أصبحت سماؤه وامتدت علي أفياؤه. ٧١ - جرى في الجزية هل تسقط بالإسلام قال حنبلي: عقوبة تجب بالكفر. فسقطت بالإسلام، كالقتل. قال الشيخ الإمام جمال الإسلام أسعد: إن أردت أنها في الأصل عقوبة، مسلم؛ وأما إن أردت أنها تستوفي عقوبة، فلا. وكيف تكون عقوبة وهي قد جعلت الذمي محقون الدم، مبسطاً في دارنا، وثبوت عبادته في دارنا وهو محمي الجانب بنا. حتى لو قصد قريته أو حلته قوم من أهل الحرب جهزنا إليهم عساكر الإسلام حامية له، ذابة عنه، مخاطرة بأنفسها، منفقة لأموالها في ضمانته. فهذه من أكبر الكرامات. فكيف يدعيها عقوبة وقد جلبت هذه الكرامة؟ فإن نظرت إلى أنها تخسير في المال، فانظر إلى من بذل الأيمان الخطيرة الكثيرة في ثمار يأكلها، وثياب يلبسها، وسمى الأيمان عقوبة. فأجاب الحنبلي المحقق عن هذه الجملة، فقال: أنا أرثي له من هذه الكرامة. فإنك إذا خلفت إقامته في دار الإسلام، رأيته مذلة لا كرامة. فأقول: نصراني جاء من بلاد الروم، من دار الحرب، وهو حرب، فأعطي الأمان. وكان معه تجارة. وله قريب ذمي في دارنا. فقال: ((كيف أنت

стр. 53

ههنا؟ حتى إن كان مقامك كريماً عقدت معهم الذمة وأقمت عندك.)) وأنا أوازن بما ذكرت من ومن ومن ما أذكره، هل هو مخرج لما ذكرت عن كونه كرامة أو لا. فقال: ((حدثني، أنا رجل أتجر هناك في الخمر والخنازير وأنجر الصلبان. هل ههنا سوق أبيع فيها هذا؟ )) قال: ((لا؛ ومتى أظهرتها ... لتتجر فيها? أهرقت، وقتلت الخنازير، وكسرت الصلبان، [و] صفعت الصفع الوجيع.)) قال: ((هذه واحدة في المال. حدثني، فإن أردت أن أقعد على دكاني لبيع البقالة، لا الخمر، أتلو الإنجيل بصوتي، أقر على ذلك؟ )) قال له: ((في نية الذمي لا، بل تصفع الصفع الوجيع.)) قال: ((أردت أن أخرج من فواضل أموالي ما أبني إلى جنب بيعتكم هذه بيعة أخرى، أو في محلة أخرى، أمكن من ذلك؟ )) قال: ((بل تصفع وتضرب ويهدم ما بنيت.)) قال: ((أنا رجل أضرب بالناقوس هناك. فهل إن ضربت به ههنا، أمكن من ذلك؟ )) قال: ((بل تصفع وتضرب ويكسر الناقوس على رأسك.)) قال: ((فإن مات لي صديق فأخرج جنازته بالقرابين والشموع نهاراً، أمنع من ذلك؟ )) قال: ((وأي منع! صفع، وضرب، وتكسير الشموع، وتفريق الجموع، وصفع القرابين.)) قال: ((فإن كنت على دكاني، فأردت أن أتناول قدحاً من خمر كما أتناول قدح سكنجبين، أمنع من

стр. 54

ذلك؟ )) قال له: ((وتصفع ويكسر قدحك على رأسك.)) قال: ((فإن أردت أدفن ميتي في مقبرة من مقابرهم، أو أبني قبة في تلك المقبرة، أمنع من ذلك؟ )) قال: ((وأي منع! ينبش ميتك فيرمى به عليك، وتصفع أنت وتضرب.)) قال: ((فإن دخلت إلى دار كتبهم فوجدت قوماً يتفاوضون ويتناظرون في المذاهب، فأفضت في نصرة التثليث، أمكن من ذلك؟ )) قال: ((تصفع. وربما رأى بعض المسلمين قتلك، وبعضهم نفيك إلى دار الحرب.)) فإنه إذا كان صحيح العقل قال: ((هذه الكرامة التي أشرت إليها، إما أنك ضعف عقلك فتمنيت الحبس والحصر والذل والإهانة كرامة، أو أنك رجل رأيت نفسك قد سلت من السيف، يسهل عندك ضنك العيش. وإلا فجميع ما ذكرت مما سألتك عنه فهو الحصر والكمد ونغصة العيش. والله لقد ضيقت أنفاسي، فضاق علي المقام إلى حين خروجي، بهذا العيش الذي وصفته.)) ٧٢ - عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلعم قال: المؤمن لا يذل نفسه. وروي: لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه. قيل: ((يا رسول الله فكيف يذل نفسه؟ )) [ ... ] ٧٣ - ? ولو أنس ملكت يدي وقلبي ... لكان علي للقدر الخيار

стр. 55

ثم قال الأصمعي: قال لي المعتمر بن سليمان معتذراً: إنما روى هذا الخبر لهذا البيت الأخير: ولو أني ملكت يدي وقلبي ... لكان علي للقدر الخيار ٧٤ - قال سفيان بن عيينة: الناس كلهم جميعاً يحبون أن يموتوا فجأة ولا يدرون. ألا تراهم كلهم يعلم أنه يموت ولا يحب أن يمرض. قال حنبلي: صدق؛ لأن الموت بغير مرض هو الفجاءة ٧٥ - قال الشاعر: وكل مصيبات الزمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب ٧٦ - فصل قال حنبلي: من فتح عينه على هذا الفضاء الفسيح، ورأى هذه الدار الواسعة العريضة، ذات الجبال الراسية، والبحار الزاخرة، والأشجار الباسقة، والأودية العميقة، والأنهار العذبة الجارية، والرياح الناشبة، والسحب الثائرة وفي خلالها البروق اللامعة؛ وسمع زمجرة الرعود الزاجرة،

стр. 56

السائقة للعموم إلى القيعان الداثرة، المنشئة للأزهار المتنوعة؛ ورأى المعادن المعدة للحوائج العارضة؛ ورفع رأسه إلى الأفلاك الدائرة، والنجوم الزاهرة؛ ثم لا يمعن النظر ويحقق الفكر في هذه الأمور المشحونة بدلائل العبر؛ ثم لا يخرج من [هذه] الدار إلى الأخرى وما علم ولا خبر؛ - هذا بمثابة طين عمل لبناء، ثم سال عائداً إلى المقلع بصوت المطر. إذ لم يستفد بالوجود فائدة، بل ذاق مرارة الموت التي لم تقاومها حلاوة الوجود. غاية ما حصل من الدار ما عبلت به بنيته من الطعام والشراب، واستعادته إليها مع تطاول الأعصار والأحقاب. ٧٧ - سأل سائل حنبلياً له قدم في التحقيق: ? ما بال الملائكة شغلوا بالتسبيح والتقديس؟ وهل هم مع ذلك أفضل من الآدميين أم لا؟ فقال الحنبلي: أما علة تسبيحهم واستدامة تقديسهم فإنهم أمة لا شغل لهم يقطعهم، ولا حاجات تمنعهم؛ قد كفوا مؤونة الأغذية والأدوية والتكسب لتحصيلها. والآدميون مغموسون في الاشتغال بالصنائع والأعمال التي يكتسبون بها الأموال لتحصيل الأقوات التي لا قوام لهم إلا بها، والأدوية لما يعرض من الأمراض والأعلال، وغير ذلك مما لا يستغنى فيه عن الأدوية التي لا يظفرون بها إلا بالأموال المحصلة لهم بالكد والاجتهاد. ثم في تناولها أكد شغل وأطول زمان. ثم طلب الراحة بعد ذلك التعب بالاستطراح للمنام.

стр. 57

ومع ذلك كله فلا يخلون بالطاعات في أوقاتها، ووظائف الأعمال والمناسك، وإخراج الأموال في وجوه الإخراج. والملائكة مع خلوهم من الأعمال، وتعطلهم من الأشغال، يشهدون من جلال الله وعظمته وملكوت السماوات ما يوجب لهم التهليل والتسبيح والتقديس. والآدميون مع ما ذكرنا من انقطاع أزمانهم بأشغالهم، لو لمع برق، أو دمدم رعد، أو عصف ريح، أو تحركت أرض، أو انقض كوكب، أو خسف قمر، أو كسفت شمس، فزعوا إلى التهليل والتسبيح والصلاة والتوبة عن الذنوب. ثم ما يعانونه من المصائب بفقد الأولاد، بعد تمكن محبتهم من القلوب والأكباد، ومجاهدة الأعداء في ذات الله ولإعلاء كلمة الله، وهجران ما تتوق إليه النفوس لأجل نهي الله، ولما امتحن بعضهم بما سلط على بني آدم من تكليف بترك ما تميل إليه الطباع في حق هاروت وماروت، أفلسوا عما صمخ عليه بنو آدم. فقد تضمن هذا الجواب بيان علة دوام تسبيحهم وأن أفضل الآدميين عليهم.- والله أعلم. ٧٨ - لعلي بن محمد بن نصر: ? بعانة والحديثة أو بهيت ... دساكر للصبوح وللمبيت

стр. 58

وراح كالشعاع إذا دبرت ... شممت روائح المسك القنيت معتقة يفر الهم منها ... كما فر الطريف من المقيت يطوف بها أغر غضيض طرفٍ ... سباك بحسن سالفه وليت وأسود فأحمر وبياض ثغرٍ ... نقي اللون لماع شتيت أعيذك أن تلين إلى ملامٍ ... فإن الخير مجتمع بهيت ألا يا ليتني فيها مقيماً ... وإن لم ألف فيها غير قوتي ٧٩ - لعلي بن هشام بن إبراهيم صاحب المأمون؛ كان على حرسه: يعرض للنزاع الوجه حتى ... لصفحة خده منه تذوب طوى الدنيا ولذتها وأضحى ... وهمته نزول أو ركوب إذا الأبطال في خمسٍ تداعوا ... لحربٍ كان أول من يجيب وما شابت ذوائبه لسنٍ ... ولكن شيبتهن الحروب ٨٠ - وليس يجهل العبد أن أوقات الموقف الأشرف المقدس- دام جلاله- كلها مصروفة إلى برد غلة ظمآن، أو سد خلة لهفان؛ فلا جرم أن عنايات الله تع بها تامة.

стр. 59

٨١ - فصل قال حنبلي: إني لأعجب من قوم ينتمون إلى مذهب تسميةً، ثم يخرجون منه معنىً، فيدعون السنة والظاهر، فيقولون: ((نحن لا نتخطى النطق إلى تأويل ولا تفسير.)) حتى إنهم? تحرجوا من تسميته سح سخياً، ولغن سمى نفسه سح كريماً؛ من حيث علموا أن العرب عنوا بالسخاء والرخاوة، من قولهم: ((أرض سخية كالسبخة)) فإنها لا تتمسك بما يقع فيها من الماء، وتحرج بعضهم من تسميته ذاتاً. وقالوا: ((هو اسم تأنيث))؛ بل يسميه ((ذو)) وإن كان قد جاء بمعنى ((الذي)). قال الفراء لرجل سأل عنه في مجمع فقال: ((أين الفراء؟ )) فقال الفراء: ((أنا الفراء ذو سمعتَ.)) ولا يحسن إبداله بـ ((ذات))، بأن يقول: ((أنا الفراء ذات سمعت بي.)) وأثر ما يجيء ((ذو)) مضافاً مثل قوله سح: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش﴾، ﴿ذو العرش المجيد﴾، أنا الله ذو ثلة خلقت الخير والشر وطوبي لمن جعلت الخير على يديه والويل لمن جعلت الشر على يديه، وقوة ﴿ذو القوة المتين﴾. ولم تجيء ((ذات)) كذا إلا في الأنثى. فقولهم ((أسماء ذات النطاقين)) أضيفت إليها المكرمتين وهي إعانة النبي صلع بخيطين شد بهما مزوده. فأضيفت إلى ذلك لا لمحل الخيط في نفسه لكن لمحل الإعانة على الكربة

стр. 60

العظيمة. وكان الإسكندر يخاطب أمه بـ ((ذات الحلم)). فلما مرِض مرَض الموت كتب إليها: ((يا ذات الحلم! إذا وصل كتابي هذا فاعملي طعاماً واستدعي إليه من النساء من لم تصبها مصيبة.)) فتأملت ذلك فقالت: ((نعي والله إلى نفسه.)) وإذا كان يقال ((ذو)) في المذكر ((وذات)) في المؤنث لا يحسن أن نقول في الباري ((ذات)) لأنه لاسم ناقص، واسم التأنيث بالإضافة إلى اسم التذكير اسم ناقص. ولهذا تأول ابن عباس قوله سح وتع: ﴿تعلم ما في نفسي﴾، قال: في علمي. وقد اعترض على هذا الحنبلي الذي أنشأ هذا الفصل فقال: من دخل على هذا يجب عليه أن لا يقول ((لله صفة هي قدرة وحياة)) لأنهما مؤنثان. كما أنه لا يجوز عليه نقص، لا يجوز على صفاته نقص. قال الحنبلي: وهذا الفصل أخرجته مخرجاً يخرج القوم عن التوسع في الأسماء. وإنما عرض لي في الكلام? في ((ذات)) و ((ذو)) فلم أغفل عن سطر لئلا يشذ عني. فإذا ثبت هذا، كيف يحسن بهذه الطائفة أن تتوسع في قوله سح: ﴿ثم استوى على العرش﴾ ((استقر)) أو ((جلس)) فقالت: ((استواء استقرارٍ))؟ وهذا يصرف من أخذ الاستواء في حقه ما اعتقده من استواء الملك على السرير، ونوح على سفينته، واستواء السفينة على الجودي، والراكب على مطيته وسرجه. وهذا بعينه هو التشبيه الذي لا يليق بمذهب من تجعد عن التصرف في الأسماء بالمعنى.

стр. 61

وحيث تجاسروا هذا التجاسر كان يجب ألا يتجعدوا عن تصريفهم لقوله تع ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾ أن يقولوا: ((نفخ بفيه إلى ذات آدم المجوفة صفته التي هي الروح. وكذلك نفخ في فرج مريم إذ لا يعقل من النفخ إلا ذلك. بدليل نفخ عيسى في الطائر حيث قال: ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير﴾، فينفخ فيه فيكون طيراً. فلما وجب أن لا ينصرف في النفخ المضاف إليه، ولا الروح التي أضافها إليه، أنه إخراج هواء وبعثه من فم إلى مجوف، ولا أن الروح المنفوخ منها أو المنفوخة صفة لله أولجها بذلك النفخ في جثة آدم ولا فرج مريم؛ لكن تفسير هذا ما جمعه الباري في كلمة تليق به فقال: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾. ثم ذكر المماثلة في المادة التي خلقه منها وهي التراب، ثم ذكر معنى الخلق وما خلقه عنده أو به فقال: ﴿ثم قال له كن فيكون﴾، ﴿الحق من ربك﴾، أي هذا هو الحق من ربك، ﴿فلا تكن من الممترين﴾ في أن بيني وبين عيسى الوصلة التي توهمتها النصارى من أن كلمتي حلت، أو صفتي ولجت، أو أنه تولد عن كلمتي، أو أنه متعلق علي تعلقاً يزيد على آدم. فوجب على من سلك طريقة التحرج وفهم ما تحت قوله ﴿استوى على العرش﴾ ((استقر)) ولا ﴿لما خلقت بيدي﴾ ((عجنت طينة بجارحتين ذات أصابع فانسل الطين من بين أصابعي))، على ما توسعوا به. وتوسع الهروي? الأنصاري في قوله، ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾، ﴿في كتابٍ مكنونٍ﴾، أنه حال في الصدور والصحف. وكان هذا من أعظم التجرؤ على القديم سح.

стр. 62

وإنني لأعجب من هؤلاء القوم المدعين أنهم أهل سنة، لا يتعدون من اسم إلى غيره مما هو مثله في المعنى، ثم ينبسطون في وصف الله تع بما يوجب إضافة الحوادث إليه، ويتنصلون من التشبيه. وهم بهذه المقالة مضاهين للنصارى ومربين عليهم حيث جعلوا كلمة الله حالة في كل أعمى وكل جلد ورق وكاغد. والنصارى كفروا بالقول بحلول كلمته في مريم وعيسى. ٨٢ - جاءت مسألة رجل له خان، في وسطه بئر هي مصب جميع مياه الخان من سطحه وأرضه. وإلى جنب الخان حجرة لآخر. وإجراء ما سطح الحجرة، بحق ورسم قديم، إلى سطح الخان. وتجري إلى تلك البئر التي في وسط الخان. وقد تفنت بطول السنين، واحتاجت في هذه السنة إلى تنقية. فقال صاحب الخان لصاحب الحجرة: ((عليك تنقية البئر وحدك، ولا أساعدك فيها.)) فكيف الحكم في ذلك؟ فأجاب الحنبلي له فهم وإصابة في غالب أحواله: إن جميع مؤونة التنقية على صاحب الخان؛ ليس على صاحب الحجرة من ذلك شيء. قال: ورأيت أن ما يتجدد من شعث سطح الخان من جري ماء الحجرة بالحق والرسم إما بأن يحفر السطح أو؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ أو يعلو بما تمتع ماء الحجرة من كدر كل ذلك على صاحب الخان. فكذلك تفن البالوعة ولا فرق بينهما. من

стр. 63

جهة أن كل واحد منهما شعث يحدث من جري مائه.- والله أعلم. ٨٣ - ? روي أنه كان أنصاري شارك وحشياً في قتل حمزة. فقال الأنصاري في ذلك: يسائلني الناس عن قتله ... فقلت ضربت هذا وطعن فنحن شريكان في قتله ... كما شارك الروح هذا البدن قالي وحشي: فلما قدمت المدينة، وقد ولي أبو بكر، سألني: ((كيف قتلت حمزة؟ )) فأخبرته؛ فقال لي: ((غيب وجهك عني.)) فكنت أخالفه الطريق، فإذا سلك طريقاً سلكت طريقاً أخرى؛ حتى توفي وولي ابن حنتمة- يعني عمر بن الخطاب.- قال حنبلي: وقوله ((ابن حنتمة)) يدل على ما يدل عند العقلاء.- فأرسل إلي فدعاني، فقال: ((كيف قتلت حمزة؟ )) فأخبرته؛ فقال لي: ((لا تساكني في المدينة)) فخرجت إلى الشام. فلما ولي أمير المؤمنين معاوية، أنزلني داراً وأجرى علي رزقاً من بيت المال.)) قال حنبلي: فافتقد الناس على معاوية ذلك، كما افتقدوا على عثمان رد طريد رسول الله، وهو الحكم الذي كان سيحلف النبي صلع يحكي مسبته،

стр. 64

فنفاه. فكان رده له من بعض ما أخذوه عليه من الذنوب. فهذه الفلتات من بني أمية معدودة عند أقوام من نفاق كان متخمراً معهم. قال الحنبلي: وهي عندي من غلبات الطباع التي لا تمنع صحة العقائد. فقد كانت تغلب على الأنبياء- صلوات الله عليهم. فمن ذلك أن النبي صلع قبل إيمان هند. وكا يكره أن ينظر إليها حتى عاتبه الله فيها وشهد لها بالإيمان. ولم يغلب علمه بإيمانها على طباعه صلع في كراهية نظره إلى وجهها حيث يراها وقد أكلت كبد عمه وبذلت حليتها في قتله. وكان عمه أبو طالب على ما كان وطبعه يغلب رقة عليه وميلاً إليه حتى يكاد يستغفر له. فعوتب في ذلك بغلبات الطباع لا ينكرها إلا من لا يتأمل? حقائق الأحوال. فهذا رق عليه مع الكفر، وهذه يقسو عيها مع الإيمان. فلا ينبغي للعاقل أن يأخذ من فلتات الكلام الصادر عن الطباع نفي الإيمان ولا إثبات النفاق، لاسيما مع شواهد الوحي بإيمان القوم. قال الحنبلي: فهذا قدر تأويلي وجهدي.- والله أعلم؛ وهو الطريق الأسلم. ٨٤ - عن هشام بن الكلبي قال: قال لي أبي: حفظت ما لم يحفظه أحد، ونسيت ما لم ينسه أحد. كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن. فدخلت بيتاً وحلفت ألا أخرج منه حتى أحفظه. فحفظت في ثلاثة أيام. فأما

стр. 65

نسياني الذي لا ينسى مثله أحد، فإني نظرت يوماً وجهي في المرآة. فأردت أن آخذ ما ... القبضة. فأخذت ما فوق القبضة، فصرت مثله. قال حنبلي: وهذا بعيد عندي. وكأنه من خرق العادات. ٨٥ - لماني الموسوس: عجبت لبرق لاح في فحمة الدجى ... فذكرني الأحباب والمنزل الرحبا فلما رأت عيني التي كاد حبها ... يتيمني شرقاً ويقتلني غرباَ طرحت عناني في يد الشوق مطلقاً ... وفتشت عن قلبي فلم أجد القلبا يغني به. ٨٦ - يقال إن أول من قال الشعر، من ولد آدم، يعقوب، حين فقد يوسف، قال: فصبر جميل في الذي جئتم به ... وحسبي إلهي في الملمات كافيا [ ... ] ٨٧ - [ ... ]? من الحكماء. فإن الصبي بطبعه، والأب يمنعه عما طلب،

стр. 66

ويعطيه ما يراه، لا ما طلبه. فكذلك الطبيب؛ وكذلك المؤدب. وما كان ذلك إلا لمرتبة المعرفة من الطبيب، والأدب من المؤدب، والإشفاق من الأب. فحكمة الله جامعة لما يفرق في هؤلاء. وهو الممد لهؤلاء بالإشفاق والآداب والحكم. فهو أحق بالتسليم وترك التمني عليه والتجني. فمن عاش مع الله كذا تعجل الراحة في الدنيا، وسلمت عاقبته في الأخرى. ٨٨ - روي أن رسول الله صلعم سأل وفد عبد القيس: ((ما المروءة فيكم؟ )) قالوا: العفة والحرفة. فقال صلعم: ((خير الكسب كسب اليد لمن نصح.)) ثم قال: ((إن من الكف لأمان من الفقر.)) ٨٩ - بعث زياد إلى معاوية رجلاً من بني تميم يقال له أنجد بن قيس. وكان له غناء يوم صفين مع أمير المؤمنين علي عم. فقال له معاوية: ((أنت القائم في الفتنة علينا والمكثر عدونا.)) فقال: ((يا أمير المؤمنين! إنها كانت فتنة عمياء نزل فيها الرضيع، وخف الرفيع؛ فاحتدمت، وأكلت علينا ثم شربت؛ حتى إذا حسرت ظلماؤها، وكشف غطاؤها، وآل الأمر إلى مآله، وصرح الحق عن محضه، عرفنا خليفتنا، وتركنا فتنتنا، ولزمنا عصمتنا؛ ومن يحدث متاباً، لم يرد الله به عقاباً.)) فقربه معاوية وأحسن إليه.

стр. 67

٩٠ - ذكر الشيخ أبو بكر الخطيب رضه في تاريخه في ترجمة محمد أن [جمعت الرحلة بين] محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني، بمصر. ولم ينكشف اجتماعهم لأحد. فأصر بهم الجوع. فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه. فاتفق رأيهم على أن يستهموا فيضربوا بالقرعة؛ فمن خرج اسمه سأل لأصحابه طعاماً. فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق؛ فقال لأصحابه: أمهلوني حتى أصلي? صلاة الخير. قال: فاندفع في الصلاة. فإذا هي بالشموع، وخصي من قبل وإلى مصر، فدق الباب، ففتحوا الباب، فنزل عن دابته، فقال: ((أيكم محمد بن نصر؟ )) فقيل: ((هذا.)) فأخرج إليه صرة فيها خمسون ديناراً، فدفعها إليه، ثم قال: ((أيكم محمد بن جرير؟ )) فقالوا: ((هذا.)) فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً، فدفعها إليه، ثم قال: ((أيكم محمد بن هارون؟ )) فقالوا: ((هذا.)) فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً، فدفعها إليه، ثم قال: ((أيكم محمد بن إسحاق؟ )) فقالوا: ((هذا، يصلي.)) فلما فرغ، دفع إليه الصرة وفيها خمسون ديناراً. ثم قال: ((إن الأمير كان نائماً بالأمس، فرأى في المنام خيالاً قال: ((إن المحامد طووا كشحهم جياعاً)) فأنفد إليكم هذه الصرار، وأقسم عليكم ((إذا نفدت فأبعثوا إلى أمدكم))

стр. 68

٩١ - سأل سائل حنبلياً: ما بالنا نجد للمنام روعة وحشمة ليست لليقظة؟ حتى إن أحدنا يقطع بأن اليقظة أوفى، ويجد من المنام ما يوفي على اليقظة. قال الحنبلي: للمنامات روعة؛ إذ كان فيها ما هو إشعار من جهة الله تع، وجزء من الوحي والنبوة؛ وفيها رموز وإشارات مضمرات. ولهذا يعبر عنها بغير ما يرى. وفي اليقظة لا يعبر بالبقرة السمينة عن سنة خصبة، ولا بالبقرة العجفاء عن سنة جدبة. ولا بأكل الطير من حامل خبز على رأسه بأنه مصلوب يأكل الطير من رأسه. وعلى هذا أبداً لا يعبر عما يشاهد بأنه خلاف ما شاهد. فاعترض السائل على الحنبلي المجيب بأن الاقتضاء الصريح من نص الكتاب المقطوع بأنه كلام الله يقول: ﴿لا تقربوا الزنا﴾، ﴿لا تأكلوا الربا﴾، ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر﴾. والناس على ذلك مصرون، وللمخالفة مرتكبون، لا يتوبون ولا يقلعون. فإذا رأى أحدهم مناماً كأن خيال النبي يعتبه، أو ملكاً يوبخه، أو شخصاً يقول له ((ما هذا الإصرار على هذه الذنوب الكبار؟ )) أصبح متوجعاً متفزعاً، ونهض إلى جاره الصالح أو العالم بالتوبة على يده مسرعاً، ولازم المحراب، وتخشن بعد التنعم، واجتمع بعد التبسط، وخشع بعد البطر والأشر. أليس هذا من عظيم المحن أن لا تعمل فيه القطعيات، وتعمل فيه النخيلات، مع توحد

стр. 69

القرآن بالحق الذي لا يشوبه تبديل ولا تغيير، ولا يعتريه شك؟ والمنام يدخله التخاليط بين وقوعه عن سوداء ومرة وبلاغم، وبين شياطين تخيل إليه. والنجوى من الشيطان! فأجاب بأن الخطاب العام يهون على كثير من الناس؛ كالواحد في الزحام. والمنام تخصيص للرأي. وللتخصيص من التأثير والواقع ما ليس للخطاب العام. ولهذا كثير من الصحابة لما أخبرهم النبي صلعم بذكر من جهة الله تع كالداهش: أو قد ذكرت هناك. وقد علم أن الخطاب قد تناوله حيث قيل ﴿يا أيها الناس﴾ الخطاب الجملي الذي يدخل فيه المسلم والكافر. والخطاب الذي تحته ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. فإذا جاء خاص في شخص بعينه ارتاع حتى قال: أو قد ذكرت هناك. وأيضاً فإنه يكون مسوفاً نفسه بالتوبة والاعتذار. فإذا جاء المنام استشعر الإزعاج والإزهاق والتخويف من سرعة اللقاء وقرب الأجل. ٩٢ - وجد بخط نطاحة أن معاوية قال لعمرو بن العاص رحمتهما: إن رأس الناس، ? مع علي، ابن عباس. فلو كتبت ترفقه؛ فإن علياً لا يخرج عما يراه ابن عباس. قال له عمرو: إن ابن عباس لا يخدع، ولو ظننت فيه ذلك ظننت في علي، وأنا أكتب. فكتب: ((أما بعد، فإن الذي نحن وأنتم فيه ليس

стр. 70

بأول أمر قاده البلاء وساقته العافية. وأنت رأس هذا الجمع مع علي. فانظر فيما بقى غير نظرك فيما مضى. فما أبقت الحروب لنا ولكم جلداً ولا صبراً. ولن تهلك الشام إلا بهلاك العراق؛ ولن تهلك العراق إلا بهلاك الشام. فما خبرنا بعد عذاركم، وما خبركم بعد عذارنا؟ وفينا من يكره الفناء، ويحب الحياة؛ وفيكم مثل ذلك. وإنما هو أمير مطاوع ومشاور مأمون وهو أنت. فأما السفيه فلا يؤمن على الشر، ولا يرجى للنصيحة.)) وكتب في أسفل كتابه: طال البلاء فما يرجى لمبغضةٍ ... بعد الإله سوى رفق ابن عباس قولاً له قول مستعفٍ بحظوته ... لا تنس حظك إن التارك الناسي يا ابن الذي زمزم يسقى الحجيج له ... أحظى بذلك في فخرٍ على الناس لسنا بأصبر من أهل العراق ولا ... أهل العراق بدون القوم في البأس كل لصاحبه قرب معادله ... أسد لقين أسوداً بين أخياس ? لو قيس بينهم في الحرب لاعتدلوا ... العجز بالعجز ثم الرأس بالرأس فانظر فداؤك نفسي قبل قاصمة ... للظهر ليس لها راقٍ ولا آس فلما وصل الكتاب عرضه ابن العباس على أمير المؤمنين علي: ما أغر عمراً بك؟ أجبه وأرد الفصل عن الشعر. فكتب إليه: ((إنك بعت دينك باليسير، وخبطت خبط عشواء. وليس معاوية في هذه الحرب كعلي: علي

стр. 71

بدأ فيها بالحق وانتهى إلى الغدر؛ ومعاوية بدأ بالبغي وانتهى إلى الشرف. وليس أهل الشام كأهل العراق: علي بايع أهل العراق وهو خير منهم؛ ومعاوية بايع أهل الشام وهم خير منه. ولست أنا وأنت سواء: أنا أريد الدين، وأنت تريد الدنيا؛ وقد عرفت الشيء الذي باعدك مني ولا أعرف الشيء الذي قربك. فإن كنت أردت شراً لم تنشأ به وإن كنت أردت خيراً لم تسبقنا إليه. وأجابه الفصل عن الشعر: يا عمرو حسبك من خدعٍ ووسواس ... واذهب فمالك في ترك الهدى آس ولأقكم عن طعنٍ في نحوركم ... تسخي النفوس في ضرب إبلاس ? بالسمهري وضرب في سراتكم ... نلقى الرقاب ونذري فروة الرأس هذا لدينا الذي يشفي جماجمكم ... حتى تطيعوا علياً وابن عباس إن تغفلوا الحرب نغفلها مخلسةً ... أو تبعثوها فإنا غير أنكاس قتلى العراق بقتلى الشام كافية ... هذا بهذا وما بالحق من باس ٩٣ - روي أنه دخل الفرزدق على بلال بن برد وجلساؤه يرفعون من شأن اليمن ويضعون من بني تميم. فأفاض معهم الفرزدق، فقال: ((لو لم يكن لليمن إلا واحدة، التي كانت لأبي موسى، ما احتاجوا إلى غيرها.)) قال بلال: ((إن مناقب أبي موسى كثيرة، فما الواحدة التي ذكرت؟ )) قال: ((ما

стр. 72

ولي من رسول الله ىلخي حمل. فقال: أفتراني أرفع أبا موسى عن أن يحج رسول الله صلعم؟ أجل، فقد فعل ذلك به، ولم يفعله بمن قبله ولا بعده. قال القرزدق: كان الشيخ أتقى لله من أن يقدم على نبيه بغير حذق، وأعقل من أن يجرب على رسول الله.)) وكان هذا من الفرزدق مدحاً، وهو الغاية في القدح؛ لأن بلالاً كان قد جعلها فعلة واحدة، لا قبلها ولا بعدها، ليزيل عنه بذلك وصمة صناعة الحجامة، وأنها بدرت منه لرسول الله خاصة. والفرزدق? يقصد بقوله ما كان للشيخ أن يقدم على رسول الله بغير إدمان ولا صناعة، وأن يجرب على رسول الله، كل ذلك ليقرر عليه أنه كان حجاماً، فيضع منه بالصناعة؛ فيزول حكم فضله بحجمه رسول الله صلعم. فإن صناعة الحجامة رذيلة عند العرب والعجم. فانظر هذه الفطنة. ٩٤ - وفد ابن الأحنف على معاوية فوصله. فلما انصرف إلى أبيه قال له: ((ما صنعت؟ )) قال: ((وصلني بكذا.)) قال له: ((ما أطبت إذا قللت ولا اجتنبت إذا أكثرت.)) ٩٥ - قال أعرابي لضيف نزل عليه: ((نزلت بوادٍ ممطور، وفناء معمور؛ فحط رجلك، صادفت أهلك.))

стр. 73

٩٦ - قال الحسن بن علي بن أبي طالب لحبيب بن مسلم الفهري: "لرب مسير لك في غير طاعة الله." قال: "أما مسيري إلى أبيك فلا." قال: "بلى؛ ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة. فلئن كان قام بك في دنياك، لقد قعد بك في آخرتك. فلو كنت إذ فعلت شرًا قلت خيرًا، كنت كما قال الله تع: ﴿خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا﴾. ولكنك كما قال الله تع: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾. ٩٧ - يقال: الغبن غبنان: غبن الغلاء، وغبن الرداءة. فإذا اشتريت فاستجد، تزح أحد الغبنين. ٩٨ - روي أنه أبطأ كتاب معاوية عن عتبة وهو والي مصر. فأرجف أهل مصر بموت معاوية. ثم ورد كتابه. فصعد عتبة المنبر والكتاب في يده، فقال: "يا أهل مصر! قد طالت معاتبتنا أياكم بأطراف الرماح وطبات السيوف. فأصبحنا سحا في لهاكم ما تسيغها حلوقكم، وأقذاء في أعينكم ما تطرف عليها جفونكم. أفحينما اشتدت عرى الحق عليكم عقدًا، واسترخت عقد الباطل فيكم حلا، أرجفتم بالخليفة وأردتم توهين الخلافة، وخضتم الحق إلى الباطل وأقدم عهدكم به حديثًا، فاربحوا أنفسكم إذا

стр. 74

خسرتم دينكم. فهذا كتاب أمير المؤمنين بالخبر السار عنه والعهد القريب منه. واعلموا أن سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم. فأصلحوا لنا ما ظهر، نكلكم إلى الله فيما بطن؛ وأظهروا خيرًا وإن أسررتم شرًا؛ فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون. وبالله أستعين وعليه أتوكل." ٩٩ - وخطبهم يومًا فقال: "يا أهل! إن لله فيكم ذبحًا أرجو أن يوليني الله نسكه. إن الله جمعكم بأمير المؤمنين بعد الفرقة؛ فأعطى كل ذي حق حقه. فكان أذكركم إذا ذكر سخطه، وأصفحكم بعد المقدرة عن حقه، نعمة من الله عليكم بحقه. وقد بلغنا كم قول منكم أظهره عفو تقدم منا. فلا تصيروا إلى وحشة الباطل بعد أنس الحق بإحياء الفتن وإماتة السنن، فأطاكم، والله، وطأة لا رفق معها، حتى تنكروا مني ما كنتم تعرفون، ويغلظ عليكم ما كنتم تستلينون. فلا تكونوا للسيف حصيدًا. وأنا أشهد عليكم الذي يعلم خافية الأعين وما تخفي الصدور." ١٠٠ - جرت مذاكرة في صفات الله قال معتزلي لسني: أتقول، حيث أثبت لله علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، هذه الصفات في جهات من ذاته كما في حقنا؟ قال: بالبادرة لا؛ لكن أقول كل ذاته قادرة عالمة سميعة بصيرة.

стр. 75

قال حنبلي لهما: الكلام في الله وصفاته صعب. فقد جاء في كلامكما "كل؛ " والله لا يوصف بكل، كما لا يوصف بالبعض. ولا توصف ذاته بالجهات. فهذه كلها ألفاظ هي مخاطرة. ١٠١ - عن محمد بن إسحاق قال: أنبئت أن عدي بن نضلة بن عبد العزى ممن هاجر إلى أرض الحبشة ومات بها؛ وهو الذي استعمله عمر على ميسان. فقال أبياتًا من الشعر، فعزله لأجلها، وهي: [الطويل] ألا هل أتى الحسناء أن خليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم [ ... ] ١٠٢ - [ ... ] وأولى من بذل العين. قال له معترض في أثناء الكلام: إن النماء من عين ملك الراهن؛ فإنه أحق بأن يبيع ملكه دون حبس من له حبس. قال الحنبلي: النماء منبعث من عينٍ الملك أخص بها وبالانتفاع. والرهن أخص بها حبسًا واستيثاقًا. فإذا تجدد النماء، كان للمالك ملكه وعينه. وإذا جاء النماء تجدد لكل منهما بحبسه. فكان النماء للمالك ملكًا، وللمرتهن توثقًا وحبسًا. وأما الجائفة فإنها لا يشارك فيها من لم
следующие страницы →