Полный текст (756 стр.). Показаны 736–756 · переход к 741.
стр. 736
أنه قد بان من تمام قدرته وكمالها أنه يعدم النار التعذيب لأجساد ذات أرواح في بعض الحيوان، كالنعام والسمندل. فالجسد والروح مجتمعان، وقد أعد ما ألم النار. من يعدم ألم النار لأجساد ذات أرواح، لا يغرب عليه إيصال إيلام النار إلى أجساد لا أرواح فيها.
ألا تراه في اطراد العادة لو اختل شيء من أدوات النطق لم يتحصل كلام صحيح مع اختلال أدواته. ثم تنطق الأعضاء فتشهد ولا أجزاء لها من أدوات النطق. وكم يفعل أشياء عند وجود أشياء في اطراد العادة، ثم يخرج عن تلك القوانين ويأتي بتلك الأشياء؟ فإنه لا ينطق إلا بعد السنين، وأنطق عيسى في المهد. وادخر في السفينة من كل زوجين اثنين، وكلٌ يظن أنه لا يصح منه الابتداء للخلق، ولا يدخل تحت مقدوره إلا بالتولد والتسلسل. ثم خلق آدم، لا من ذكر وأنثى، وخلق عيسى من أنثى، بغير ذكر، وخلق حواء من عظم، لا ذكر ولا أنثى. فلا ينبغي أن نجحد مقدوره لأجل أنسنا إلى اطراد العادات. وكم خرق ليزول هذا الاستشعار عنا! وكم مضى على نمط واحد حتى يظن أنه لا يقدر على سواه!
٧٢٠ - كانت دعوة أمير المؤمنين علي عم إذا رأى الهلال: اللهم اجعلنا أهدى من نظر إليه، وأزكى من اطلع عليه.
стр. 737
٧٢١ - قال أبو سعيد الخياط يقول سمعت أبا زيد.
٧٢٢ - قال حنبلي: من أدب الخوف من الله أن تخاف من عدله فيك. فإن خفت الحيف، فبئس الخوف. وإياك أن تخاف مما وراء العدل، فإن ذلك تجوير لله. ولهذا لو فصح بذلك فقال: ((ما أخاف إلا مما وراء عدل الله)) فكأنه يقول: ((إني أخاف الحيف وهو.)) والخوف من غير عدله سح هو سوء الظن به.
٧٢٣ - لخالد الكاتب:
خيالٌ من المسك والعنبر ... سباني بطرفٍ له أحور
وكم ذقت من ريقه خمرةً ... جرت بين سمطين من جوهر
٧٢٤ - قال حنبلي يعرف طرفًا من الأصول، ويحقق فيما يورده من خاطره أجود من محفوظة: قلت لمن فاح منه رائحة استبعاد البعث: أكبر شبهة يتعلق بها جاحدو البعث ما هي؟ أوردها لي حتى أجيب عنها بعون الله ومنه.
فقال: أما استحالة الأجساد فتردها وتبطلها البدأة مع الأحوال المختلفة
стр. 738
على القطعة. وأما كثرة الحيوان، وما الذي يسعه من المكان، مع كثرته مع تطاول الزمان، فالأبعاد الخالية مما يحتمل أمثال ذلك من الحيوان. وإنما الأصعب، فهي أن الصور المتقلبة على هذه الكرات المحصورة لا تتسع لما تقلب عليها من الصور أن تعاد منها. فإنها ربما أوفت عليها عدة دفعات مع تطاول السنين. بل أقول ربما يكون قد تجدد على الكثرة من الصور ما لا يفي بها أن تعاد من تلك الكثرة. فهي في المثال ككتلة شمع معلومة المقدار عمل منها ألوف صور حيوانات لا يتأتى أن يعاد منها إلا البعض، فالباقي والماضي أكثر.
فيقال: إنما يغرب ذلك على من يقدر على إحداث مواد، ومن ثبت بدلائل العقول أنه نحت من العدم وجودًا، لا يغرب عليه أن يعيد الجواهر التي تبددت من الأجساد أشجارًا ونباتًا وأواني، ويمحق بنيانًا فيعيدها أجسادًا للآدميين خاصة، لأنهم هم المجازون عندنا دون سائر الحيوانات غير المكلفة.
ولا بدع أن يحدث جواهر أخر إن أعوزت كرة الأرض على ما قررت. لأنه قد ثبت في الخبر الصحيح، من عدة أسانيد، أن الأرواح تجعل في أطيار. وإذا ثبت ذلك، مع كون أجسادهم في الأرض باليةً خاليةً من الأرواح، ثبت أن ينعم ويعذب الأرواح في غير أجسادها الأول، كما جعل أجساد الأرواح أطيارًا ليست تلك الأجساد. وهذا نوع تناسخ. وعلى
стр. 739
القول بالتناسخ مذاهب عدة من مذاهب الأوائل، ومذاهب أرباب الأديان. لكن المعول على ما ورد به النقل من نقل الأرواح إلى الأطيار، مع تحققنا أن جواهر أجسادهم التي عملوا بها الأعمال بالية في الأرض. ونحن إنما نمنع التناسخ بالآراء، فأما بالروايات، فلا.
ومما يشهد لذلك ما نعلمه ونشاهده من زوائد الأجساد، كالسمن مع تطاول الأعمار، على ممر السنين، ويمضي بالمرض، ويعود أمثالها، لا أعيانها، لاسيما من الشعور والأظفار والشحوم التي تذوب، وتعود أمثالها من المآكل والمشارب. ولم يثبت أن الله تع يعيد ذلك كله إلى أجسادهم يوم معادهم. وتلك الزوائد، من السمن والعبالة التي مضت أولًا فأولًا، قد عصت وأطاعت، وما أعادها وجعلها أجسادًا للمكلفين ليعاقبها على معاصيها وينعمها على طاعاتها. جاز، إذا قامت دلالة العقل بما ذكرتم على ضيق كرة الأرض عن أن تتسع لأرواح المكلفين أن يحدث جواهر وزوائد وينعم الأرواح في تلك الزوائد ويعذبها، ولا فرق.- والله أعلم بكيفية ذلك.
٧٢٥ - استدل بعض الحنفية في مسألة كفار العرب، وأنهم على مذهبه لا يسترقون، بل يتعين قتلهم، فقال: إن كفار العرب بالغوا في أذية النبي صلعم، والعجم لم يبالغوا. فلذلك أوجبنا قتل كفار العرب، وجوزنا استرقاق العجم.
стр. 740
فاعترض حنبلي، فقال: أنا أذهب إلى أنه لا يسترق من لا كتاب له، ولا شبهة كتاب، عربيًا كان أو عجميًا. فالعبد عندي في هذا الباب. على أنه من لا يقر بالجزية لا يقر بالاسترقاق. فأعترض على ذلك بأن أقول: إن تثبت الأمر على الأذية، فاليهود بالغت في أذيته صلع، حتى إنهم قتلوه بالسم، حتى إنه كان ينتقض عليه في كل سنة. فقال عند مرض موته صلع: ما زالت أكلة خيبر تعتادني، فهذا أوان قطعت فيه أبهري. ثم مع هذه الأذية العظيمة لم يتعين قتلهم، بل أقررتهم بالجزية تارة وبالاسترقاق أخرى. ولأن المبالغين في أذيته من العرب قريش دون غيرهم، فكان يجب أن نخصهم بالقتل دون غيرهم ممن لم يؤذه.
قال الحنبلي: ولأن هذا التعليل منك قد بطل. وإن علل في ذلك بشيء، فأحسن التعليل ما ذهب إليه صاحبي أحمد رضه، حيث جعل عقد الباب في تعين القتل ومنع الاسترقاق، في أصح الروايتين عنه، الكفر الذي لا كتاب لأهله، ولا شبهة كتاب، عربًا كانوا أو عجما. لأن عبادة الأوثان لم تكن دينًا لله تع، فهي الغاية في الكفر. فالتعلق بالغاية في الكفر لتعين القتل والتعليل به أحسن من التعلق بأذية النبي صلع. فاستئصال عبدة الأوثان بالقتل وإخلاء الأرض منهم أبلغ في التعليل من أذية كانت في حق النبي وزالت. وعبادة الأوثان في بلاد الإسلام لا يجوز العفو عنها، ولا استدامتها بإبقاء أهلها. ولذلك لم
стр. 741
يقروا بالجزية، ولا أقروا على عباداتهم لها، كما أقررنا البيع والكنائس لأهل الكتابين، بل لا نمكن أحدًا يعبد صنمًا في بلاد الإسلام. فكان الاعتبار بضرر يدوم في تعيين القتل. والمنع من الرق أحسن من أذية زالت في حق النبي صلع.
على أنا قد أبطلنا عليك، وصاروا أشبه شبهًا بالمرتدين، لما لم تكن الردة دينًا لله، لا جرم لم يقروا بالرق كما لم يقروا بالجزية. ولا يلزمنا نحن ما ألزمتموه للشافعي. لأن الشافعي جوز استرقاقهم وجعل الرق كعقوبة القتل. ونحن لا نفرقهم برق ولا جزية استئصالًا لهم. ولنا رواية: يجوز استرقاقهم كما جاز استرقاق نسائهم وصبيانهم، وافقنا فيها الشافعي. وغلبنا فيها أن الرق آكد عقوبة، لأنه تمليك للرقاب ومنع للتمليك. فيملكون كما تملك البهائم، ولا يملكون. ولعل الرق أصعب من القتل، حيث كان من آكد نغص للأحياء، ولا فخر في حياة مكدرة بالذل، والرق غاية الإذلال.- والله أعلم.
٧٢٦ - قال وكيع بن الجراح: رأيت في المنام رجلًا بجناحين: فقلت: من أنت؟ فقال: مالك بن دينار. فقلت: ما اسم الله الأعظم؟ فقال: الله. قلت: وما الدليل على ذلك؟ قال: قوله- جل وعز- لموسى: ﴿إني أنا الله﴾، ولو كان له اسم أعظم منه قال- ﵎: ((أنا))، وتسمى بذلك الاسم.
стр. 742
٧٢٧ - قيل لجعفر بن محمد: إنا ندعو الله، فلا نرى الإجابة. قال: لأنكم تدعون من لا تعرفون.
٧٢٨ - قيل لزياد النميري: ما منتهى الخوف؟ قال: إجلال الله عن مقام السؤال. قيل له: فما منتهى الرجاء؟ قال: تأميل الله على كل حال.
٧٢٩ - وصفت أعرابية قومًا بالبخل، فقال: القائمون إلى الصلاة بلا أذان، مخافة أن تسمعه آذان الضيفان. فأخذه بعض الشعراء، فقال:
أقاموا الديدبان على يفاعٍ ... وقالوا لا تمر للديدبان
فإن آنست شخصًا من بعيدٍ ... فصفق بالبنان على البنان
تراهم خشية الأضياف خرسًا ... يقيمون الصلاة بلا أذان
٧٣٠ - قال حنبلي له فهم واطلاع على مناسبة المعاني: يمحو هذا كله قوله تع في أصحاب الجنة: ﴿فانطلقوا وهم يتخافتون﴾، ﴿أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكينٌ﴾. وكان جوابهم من المنعم على كتمهم النعم عن المؤاساة للمحاويج قوله: ﴿فطاف عليها طائفٌ من ربك وهم نائمون﴾. سبق والله حرمانه إياهم حرمان المساكين. وكان سبقه أيضًا بذلك خفية عنهم حال منامهم، لإضمارهم الحرمان وعزمهم على إخفاء النعم تركًا للإحسان،
стр. 743
فـ ﴿مكروا مكرا ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون﴾، ﴿فأصبحت كالصريم﴾.
قال الخادم: فمن ههنا طاب إظهار النعم لأرباب الحاجات إيقاظًا لهم للطب بشكر المنعم عليهم. يشهد لذلك قوله سح: ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾، ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾، ليسمع السائل فيطلب، فتشكر نعمة ربك بالعطاء. فإنه لا يجوز أن يحمل إلا على هذا الوجه. لأن الحديث بالنعمة بين المسلوبين من غير مؤاساة بها وفيها تعريضًا لإسخاطهم على المنعم، حيث حرمهم ما أعطاه غيرهم. ومن ههنا أخذت الصوفية، إن كانت فطنت بمذهبها، في حق من قال ((طبخنا البارحة كذا، )) و ((حشونا كذا، )) و ((عقدنا كذا، )) وذكر القطائف والخبائص، فزعقوا ((وجب، )) وادرعوه مذهبًا. فكان معنى قولهم: ((وجب أن تجبر قلوب الفقراء حين كسرتها بإنهاض الشهوة لما ذكرت مع عدم الجدة لهم. فلا جبر إلا بالمؤاساة لهم بجميع ما ذكرت وإليه شوقت.)).
٧٣١ - حادثة جاءت في رجب سنة عشر وخمس مائة
ما يقال في رجل اشترى سلعة من رجل. وكان ظاهر المشتري العدالة، بثمن دفعه إليه. فكان الثمن مغصوبًا، ولم يعلم البائع للسلعة بحال الثمن واستمتع به وأنفقه في أغراضه وأسبابه. فهل إن مات على ذلك مع عدم علمه تكون عليه تبعة مع عدم علمه، أم لا؟ فأجاب قوم بأن لا تبعة عليه, وأطلقوا ذلك إطلاقًا.
стр. 744
فأجاب حنبلي يسلك التحقيق، ويصدق في التأمل، فقال: إن أردتم بالتبعة مأثمًا وعقوبة من الله تع، فلا. وإن أردتم بالتبعة ضمان المال، فنعم. لأن حقوق الآدميين المالية والدموية لا تسقط بالجهل، كما لا تسقط بعدم التكليف. فإن المجانين والأطفال يضمنون الأموال بما يتلفونه بأكل، أو شرب، أو جناية. وكذلك النائم المتقلب على إناء لغيره، إذا أتلفه كان الكل ضامنين مع عدم تكليف الله تع لهم. وكل ضامن لمال أو دم في الدنيا موازن عليه في الآخرة بحسب ما ورد في السنة من المقاصة بالأعمال. وأما الغاصب فمؤاخذ بالغصب، معاقب عليه من جهة الله سح وتع ومرجوع عليه بسلعة البائع التي أخذها بغير ثمن يملكه.
٧٣٢ - يقال: لا يستجاب الدعاء بسرعة إلا لمخلص أو مظلوم.
٧٣٣ - قال حنبلي: ننتخب الفضائل من أفواه الرجال، وبطون صحائف العلماء، وما يسنح به الخاطر من الله تع فنسطره.
نقلت مما علقه الوزير أبو القاسم الحسين بن علي المغربي رحه وانتخبه من كتب علي بن عبيدة الريحاني. فمن ذلك: كل امرئ على شيئين: قصده وشاكلته، تورده وتصدره. إنما نكص على عقبيه من خانه فهمه،
стр. 745
وخذله عقله، وضيع ما استودعته الأيام. فكأنه ابن يومه ونتيج ساعته.
٧٣٤ - ومن ذلك قوله: الأيام مراقٍ إلى الأدب ودرجات إلى العلم الأكبر. فمن فهم عنها لم يفتقر إلى غير نفسه.
٧٣٥ - ومن ذلك قوله: في الحسد اثنتان: كمد يثلم القلب، وكدر يحدث في العيش، يكاد الباغي أن يكون بمعزل من حفظ الله تع.
٧٣٦ - ومن كلامه الذي اختاره: كذب ظنك إن ضمن لك الوفاء عن الناس. وسئل عن الوفاء، فقال: رأيت رجلًا يبكي على أيام خالية، ويحن إلى عهود عشرة ماضية، ويتوجع لفقد ألافه، حتى كاد يمنعه ذلك من طعامه وشرابه. فكأنه إنما فارق ما مضى عنه في ساعته التي هو بها. فوجدته عند نائبةٍ حلت بنا أبذل الناس لجهده، وأحسنها مؤاساة بنفسه، وأحرصهم على وقايتنا بمهجته، حتى كشف الله البلوى، فدلني قديم حنينه على حادث وفي به، وجعلته قياسًا، ولم أحتمه يقينًا.
٧٣٧ - وقال بعض الناس: كنت عنده ببغداد، وأتاه رجل من أهل القطيعة، فأنشأ يعاتبه، ثم قال: أنا أعاتبك وأعلم أنك من أهل القطيعة.
стр. 746
٧٣٨ - وقال: الحلف في أوائل الأحاديث سخف، وهو قوله: ((والله لقد وجدته كذا))، ((الله لقد كان كذا.)) فاحذر ذلك.
٧٣٩ - وقيل إن علي بن عبيدة الريحاني كان جالسًا عند جواري القيان منفردًا بإحداهن. فحضرت الصلاة. قال أحمد بن أبي طاهر: فقلت ((يا أبا الحسن! ألا تصلي؟ )) فقال: ((حتى تزول الشمس.)) [ ... ]
٧٤٠ - [ ... ]
إذا شئت عادتني دهاقين قريةٍ ... ورقاصةٌ تحدو على كل مبسم
فإن كنت ساقي فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا في الجوسق المتهدم
فلما بلغ عمر ذلك، قال: أجل والله إن ذلك ليسوءني! فمن لقيه فليخبره أني قد عزلته. فقدم وحلف أنه لم يفعل شيئًا مما قال. وإنما هو الشعر يجري على لسان الرجل. فلما حلف أنه لم يفعل، قال له عمر: كذا الظن بك، ارجع إلى عملك.
стр. 747
قال إسحاق بن إبراهيم: أنشدني الواثق من شعري واستحسنته:
إن الظباء ظباءٌ همها السحر ... ترعى القلوب وفي قلبي لها عشب
أفدى الظباء التي لا قرون لها ... حلتها الدر والياقوت والذهب
لا يغترين ولا يسكن باديةً ... ولسن يدرين ما مصرٌ وما حلب
وفي الدين غدوا نفسي الفداء لهم ... شمسٌ تبرقع أحيانًا وتنتقب
إذ يدٌ سرقت فالحد يلزمها ... والحد في سرق العينين لا يجب
٧٤٢ - قول كعب بن زهير:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلًا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل
قالوا: عرقوب رجل من الخزرج وعد رجلًا بثمرة نخلة. فقال الرجل: ((أريد أن آخذها بلحا.)) قال: ((دعها تبسر.)) فلما أبسرت، أراد أخذها، فقال: ((دعها ترطب.)) فلما أرطبت، أراد قطعها، فقال: ((دعها تتمر.)) فلما أتمرت، جذها عرقوب ليلًا. فضربت العرب به مثلًا.
٧٤٣ - قال الواثق يومًا لابن أبي داود تضجرًا بكثرة حوائجه ورغبات الناس
стр. 748
إليه: ((يا أحمد! قد أخلت بيوت الأموال طلبات اللائذين بك المتوسلين إليك.)) فقال: ((يا أمير المؤمنين! نتائج شكرها متصلة بك، وذخائر أجور مكتوبة لك، ما لي من ذلك إلا عشق اتصال الألسن بخلود المدح فيك.)) فقال: ((يا أبا عبد الله! والله لا منعناك ما يزيد في عشقك، ويقوي من همتك، إذ كان مالنا دونك.)) وأمر بإخراج ثلاثين ألف دينار إليه ليفرقها في زائر ومنقطع، جبرًا لقلبه من تلك الضجرة.
٧٤٤ - نهى النبي صلعم أن يسب أسعد الحميري، وهو تبع، وقال: إنه أول من كسا الكعبة.
٧٤٥ - صعد عبيد الله بن موسى بن الحسين بن الحسن منبر الكوفة. وكان قد هم بالخروج، فبلغه أن رجلًا من أصحابه لعب بغلام، فقال، بعد حمد الله، والصلاة على النبي صلع: إنه لا يزال يبلغني أن القائل يقول: إن بني العباس في لنا، نرتع في أموالهم، ونخوض دماءهم، عزم بلا علم، وحكم بلا روية، وحطه الغاوون. عجبًا لمن أطلق بذاك لسانه، وبسط به يده في ميلي معه وبسط يدي بالجور له. هيهات! هيهات! ... ذو الحق بما يهوى، وأخطأ الظالم بما تمنى، حق كل ذي حق في يده، وكل ذي دعوى على حجته، لم يخطئ المنصف حظه، ولم يبق الظالم على نفسه
стр. 749
حقًا لمن أمر بالمعروف أن ينهي عن المنكر، ومن سلك سبيل الحق أن يصبر على مرار العدل. كل نفس تسمو إلى همتها، ونعم الصاحب القناعة.
٧٤٦ - وحج عبد الملك بن مروان، فخطب بمكة. فلما انتهى إلى موضع العظة من خطبته، قام إليه رجل من الصوحان فقال: مهلًا، مهلًا! إنكم تأمرون، ولا تأتمرون، وتنهون، ولا تتناهون، وتعظون ولا تتعظون. أفنقتدي بسيرتكم في أنفسكم أم نطيع أمركم بألسنتكم؟ فإن قلتم ((اقتدوا [ ... ]
٧٤٧ - [ ... ] قال: ((يتعرض من البلاء لما لا يطيق.)) وعن ابن عمر قال: هو طلاق العرب.
٧٤٨ - للصاحب ابن عباد:
يا أبا بشرنا تأخرت عنا ... قد أسأنا ببعد عهدك ظنا
كم تمنيت لي صديقًا صدوقًا ... فإذا أنت ذلك المتمنى
стр. 750
فبغضن الشباب لما تثنى ... وبعهد الصبا وإن بان عنا
كن جوابي لكي ترد شبابي ... لا تقل للرسول كان وكنا
٧٤٩ - قيل: الرجال ثلاثة: فارس، وشجاع، وبطل. فالفارس الذي يشد إذا شدوا، والشجاع الداعي إلى البراز والجيب داعيه، والبطل الحامي لظهورهم إذا انهزموا. والأسباب المشجعة سبعة: الغضب، ونشوة السراب، والغيرة، والحمية، والفخر، والهوج، والعزازة.
٧٥٠ - قال رجال الحرب: كن بحيلتك أوثق منك بشدتك، وبحذرك أفرج منك بنجدتك. وحازمٌ واحدٌ في الحرب أمثل من ألف فارس، لأن الفارس يقتل العشرة والعشرين، والحازم قد يقتل جيشًا بحزمه وتدبيره.
٧٥١ - قال أمير المؤمنين علي عم: لا تدعون أحدًا إلى البراز، ولا يدعونك أحدًا إلا أجبته. فإن الداعي باغٍ، والباغي مصروع.
٧٥٢ - قال الأصمعي: سمعت أعرابيًا يدعو في فلاة من الأرض، وهو يقول في دعائه: ((اللهم إن استغفاري إياك مع كثرة ذنوبي للومٌ، وإن تركي الاستغفار مع علمي بسعة رحمتك لعي. اللهم كم تتحبب إلي
стр. 751
بنعمتك وأنت غني عني، وأتبغض إليك بالذنوب وأنا فقير إليك. سبحان من إذا وعد وفى، وإذا تواعد عفا.))
٧٥٣ - كتب معاوية إلى مروان لما ورد عليه قتل عثمان: ((إذا قرأت كتابي هذا، فكن لا تصطاد إلا بغيلة، ولا تبارز إلا عن حيلة، وكالثعلب لا تغلب إلا روغانًا. وأخف نفسك بينهم إخفاء القنفذ رأسه عند لمس الأكف. وامتهن نفسك امتهان من يئس اليوم من نصرة. وابحث عن أخبارهم بحث الدجاجة عن حب الدخن عند نفاسها.))
٧٥٤ - أنشد ثعلب:
[و] إني على ما كان من ألم الهوى ... وإن ذرفت عينٌ وحن ضمير
لراضيٍ بما جرت على يد الهوى ... وكم غيةٍ ترضيك وهي تضير
وإن فؤدًا قادني لصبابةٍ ... إليك على طول الهوى لصبور
٧٥٥ - لأعرابي يرثي أخًا له:
سقى الله قبرًا لست ناسي أهله ... بتثليث أمسي أدركته المقابر
تضمن خرقًا للهلال ولم يكن ... بأول خرقٍ غيبته المقابر
стр. 752
٧٥٦ - ذكر أهل اللغة أن الحكم والحكمة واحد كالعز والعزة، والرشد والرشدة، والعذر والعذرة، والخبر والخبرة، والقل والقلة، - كل هذا سواء عندهم.
٧٥٧ - روي عن النبي صلعم: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطته على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها.
٧٥٨ - نبذة من أخبار الحسن البصري رضه
ذكر رجل من أهل العلم أنه كان الحسن بن أبي الحسن في مستثنى الغاية. فكان يقال: ((أزهد الناس إلا الحسن، )) و ((أفقه الناس إلا الحسن، )) و ((أبين الناس إلا الحسن.)) وقال بعضهم: ((إن الحسن جزر لأهل البصرة)) من المد والجزر، والمد هو حياتهم. ثم إنه جعله لهم خيرًا من المد. يأتيهم فيقف على أبوابهم. إن شاءوا حجبوه، وإن شاءوا أذنوا له. وكان يتزوج نساء رهطه وعشيرته وهو مولاهم. وكان قد جاوز قدر كل ذي قدر. وكان يصلي على كل جنازة ويشهدها. وكانت الولاة تصلي على الجنائز. وإذ علم الوالي أن الحسن في الجنازة تجافى عنها، حتى إذا صلى، أقبل يعزي أهلها إكبارًا للحسن. وقد صلى الحسن على أم عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، وهو يومئذ سيد أهل البصرة. فسمع صراخًا.
стр. 753
فالتفت كالمنكر لذلك. فعاد إليه عبد الأعلى وقال: جعلت فداك! والله ما علمت به، ولا استهبته حتى سمعته.
ومن جملة أخباره أنه أتاه الفرزدق، فسأله أن يصلي على النوار امرأته، فأبى واعتل عليه، فقال: يا أبا سعيد إذًا تجللني وإياها عارًا وخزي الأبد. فأجابه إلى ذلك. ولما طلعا من الدرب، قال الفرزدق للحسن: ((ألا تدري ما يقول الناس الساعة، يا أبا سعيد؟ )) قال: ((وما عساهم يقولون؟ )) قال: ((يقولون هذا الحسن خير الناس، وهذا الفرزدق شر الناس.)) فقال الحسن: ((ما أنا بخير الناس، ولا أنت بشر الناس.)) فصلى عليها.
٧٥٩ - لبعضهم:
إن الليالي لم تحسن إلى أحدٍ ... إلا أساءت إليه بعد إحسان
لا تغبطن أخا الدنيا بمقدرةٍ ... فيها وإن كان ذا عزٍ وسلطان
يكفيك من غير الأيام ما صنعت ... حوادث الدهر بالفضل بن مروان
ألعيش حلوٌ ولكن لا بقاء له ... جميع ما الناس فيه زائلٌ فان
٧٦٠ - سئل أبو العباس بن عطاء: ما العبودية؟ فقال: ترك الاختيار وملازمة الافتقار. قال حنبلي: نجز كلامهم. أراد: ترك الاختيار مع
стр. 754
الله، أو على الله، فإنه الوبال، لأن مثار هذه الرذيلة رؤية النفس، والجهل بحكمة الحكيم. وملازمة الافتقار معناه أن لا يفقد من ناب الطلب رغبة ورهبة. ومتى لم يكن كذا، سلبت مواد الخير.
٧٦١ - وأنشد ابن عطاء:
بالله أبلغ ما أبقي وأدركه ... لا بي ولا بشفيعٍ لي إلى الناس
إذا يئست يكاد اليأس يقلقني ... جاء الغنى عجبًا من جانب الياس
٧٦٢ - روى الأصمعي قال حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي مخزوم بن سقفل، رواية الفرزدق، أن الفرزدق أتى الحسن البصري في حلقته فقال: أشهدكم أن امرأتي النوار طالق مني ثلاثًا: فلما أصبح، ندم وقال:
ندمت ندامة الكسعى لما ... غدت مني مطلقةً نوار
وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار
стр. 755
[ ... ]
٧٦٣ - [ ... ] فأشبه إذا ترك النية رأسًا.
اعترض عليه إمام من أصحاب الشافعي، وهو الشيخ أبو الفتح بن برهان، فقال: لا أسلم أنه عدل عن نية صوم رمضان، حيث نوى الصوم وما حصل الانصراف. لأنه لم يصم نفلًا. فحصل بصومه النافلة منصرفًا عن الفريضة. بل ما صح عندك الصوم الذي صرف النية إليه. والنية لصوم قد حصلت لأزمان تعين لصوم رمضان. فانصرفت نية الصوم إليه لمكان تعيين الشرع له بهذا الزمان. فلا يحتاج إلى تعيينه هو. وصار بمثابة واحد من الرجال في دار اسمه زيد. إن ناداه باسمه الخاص العلم، فقال: ((يا زيدًا! )) كان نداء له، وإن قال: ((يا رجل! )) كان نداء له أيضًا. لأنه يقع عليه الاسم الأعم. إذ ليس معه رجل آخر فيحتاج إلى اقتطاعه بالنداء باسمه الخاص، وهو زيد. وكذلك إذا قال لزوجته ((أنت يا حفصة، طالق، )) واسمها زينب، فإنه لا يقدح صرف غير اسمها إليها في الطلاق مع قوله أنت، وهو الأخص الذي لا يصلح إلا لمواجهتها ولها خاصة.
стр. 756
قال الحنبلي: صرف النية يكفي بمجرد القصد واللفظ بذكر النفل. ولا يحتاج الصرف إلى وقوعه نفلًا. لأني لا أدعي صرف الصوم، إنما ادعيت صرف نية الصوم من الفرض إلى النفل. وأما إذا نادى زيدًا بـ ((يا رجل)) فإنه يكون نداء له بالاسم الأعم، وهو واقع عليه. فوزانه أن يقول ههنا: ((أنا صائم، )) ووزان قوله نفلًا أن يقول ((يا عمرو)) فلا يكون نداء لزيد.
٧٦٤ - عن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت أبي في المنام في حديقة حسنة. فناولني تفاحة، وتأولتها ولدًا، فقلت له: أي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: الاستغفار، يا بني!
والحمد لله وصلواته على سيدنا محمد والنبي وآله وسلم