Полный текст (756 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
والأسماع في الاستبصار الذي به غرض المدارك ألموضوعه للانتفاع. فإذا لم ينتفع بها، صار عدم الانتفاع بها كعدمها.
٦٧٦ - جرى بجامع القصر بحلقة الشيخ الإمام أبي بكر بن الدينوري- أبقاه الله-
لما تتقدم له من الدار العزيزة بحلقة الشيخ الإمام أبي الخطاب رضه
ثلاث مسائل: الأولى ومسألة من لم تبلغه الدعوة، إذا قتل، هل يضمن قاتله؛
والثانية الواجب بقتل العمد، هل يتعين أو ينجز؛
والثالثة مسألة التحري في الأواني بعضها نجس أو ينتقل إلى التيمم
أما الأولى فاستدل فيها حنبلي على مذهبه الموافق لمذهب أبي حنيفة، وأنه لا يجب ضمانه، فقال: كافر ليس له أمان، فلا يجب بقتله الضمان كالذي بلغته الدعوة.
فاعترض عليه حنبلي يحقق لنصره مذهب الشافعي، فقال: قولك لا أسلمه؛ ولا يصح على أصلك. فإن الكفر تغطيه الحق بعد وضوحه، ورد شرع الله بعد البلاغ. وهذا رجل ولد في جزيرة في البحر، ونشأ فيها، وما وصلته دعوة نبي. وعندك أن العقل لا يوجب عليه شيئا من نظر ولا استدلال على حدث محدث ولا على إثبات صانع. وأنت تزعق بالآيات الدالة على هذا الأصل، ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾، ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولًا﴾، ﴿ولو أنا أهلكناهم
стр. 702
بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا﴾. ومن كان هذا مذهبه، وهذا الشخص ما ورد إليه سمع، يكفر بماذا؟ وما هو عند عدم السمع في وجوب نفي الكفر إلا بمثابة من عدم العقل عند من قال بأن العقل هو الموجب. فإنه لا يكفر عند تلك الطائفة، لما بيننا. وإن الموجب ما بلغه. وأنت قد نفيت إسقاط الضمان على حصول الكفر، ولا كفر.
أخذ الحنبلي المستدل يقول: أنني فرضت الكلام في نصراني ويهودي ومجوسي. وهؤلاء بعد بعثة رسولنا صلعن صارت أديانهم باطلة، ومعتقدها كافر، فكل من لم يصر إلى شريعة محمد صلم، فهو كافر.
وأخذ يشبع في ذلك ويقول شيئًا يخرج به عن المسألة، فيقول: ولا شك أنهم بين مبدل ومغير لكتابه الذي فيه أعلام نبوة نبينا، كما أخبر الله عنهم: ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾، ويكتمون الحق وهم يعلمون، ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾. والمعاند كافر.
فأجابه المعترض المحقق، فقال: فرضك من أهل الأديان بعد النسخ ما لم تصل البعثة إليهم ولا نسخ شرائعهم بمثابة من لم يسمع بشريعة شيء قط. لأن الحجة إنما ثبتت عليهم بعد السمع. ولهذا كان لا يقابل قومًا إلا بعد أن يدعوهم. ونحن اليوم لا نحتاج أن نقدم على الجهاد دعوة لانتشارها.
وأما قولك قد بدلوا وغيروا وعاندوا، فمتى فرضت في قتال هؤلاء زال الخلاف. لأن هؤلاء كفار؛ ولا ضمان في قتلهم بالإجماع. من كان
стр. 703
متمسكًا بالنصرانية، مارًا على سنن أحبار ورهبان، لا يعلم أنهم كذبوا. وتليت عليه التوراة أو الإنجيل، وقيل له ((هذان كتابان أنزلهما الله على من أحيا الميت وأبرأ الأكمه والأبرص، ومن قلب العصا ثعبانًا؛ )) فآمن بذلك. ولم يبلغه وما وقف على معالم محمد صلع في التوراة. فهذا في عدم بلاغ ذلك إليه كمن لم تصل إليه دعوة نبي رأسًا. ففرضك يخرج المسألة عن وضعها. وأنت تثبت إسقاط الضمان على أنه كافر وما ثبت له ذلك الأصل؛ بل خالفت بفرضك أصلك؛ فلا زوال عصمة، ولا سقوط ضمان.
٦٧٧ - وأما المسألة الثانية، فاستدل فيها شيخ الحلقة، فقال: إن النبي صلعم قال في قتيل خزاعة: فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية. وهذا يثبت إيجاب أحداهما، وإثبات الخيار إلى أهل القتيل.
اعترض عليه الشيخ الإمام أسعد، فقال: هذا خبر واحد تريد أن تغير به ما أوجبه نص الكتاب من تأكيد موجب قتل العمد وتخرجه عن التأكيد والتعين إلى التخيير المخرج له عن التعيين، وهو قوله تع: ﴿النفس بالنفس﴾. وليس في قوى خبر الواحد عندي، مع كونه موجبًا للظن، أن يغير نص كتاب الله من التعيين إلى التخيير بين ما عينه وما لم يعينه يخرجه عن التعيين.
стр. 704
السؤال الثاني أنه خبر واحد قد عارضه خبر مثله، فأوقفه. فخرج وانحط إلى الوقف. وخبر واقف لا يعرض على نص كتاب الله تع.
السؤال الثالث أنه يعترضه القياس الظاهر والمعنى الناصع. وهو أن القود هو المثل. وهو مثل لما وقع من الفعل. وإذا كان واحدًا، لم يوجب بدلين، بل يجب إيجاد البدل كما اتخذت الدية في قتل الخطأ. وهذا الذي يليق بالنفس؛ وأن لا يكون المال من سائر أنواع الأموال بدلًا عن النفس لولا أن الخطأ عن رتبة العمد.
قال المستدل: أما الآية فهي ظاهرة في وجوب القود متعينًا. وهي نص في أصل القود. وظاهر القرآن عندي يجوز أن يسقط بخبر الواحد المصرح بالحكم. وخبري صرح بالتخيير. والتخيير نص في حكمي ومذهبي. وتعيين القود ليس بنص، بل ظاهر. فقضي صريح ما أوجبه خبري على ظاهر الآية، كما يقضي خبر الواحد على العموم بالتخصيص.
وأما المعارضة، يقول النبي صلعم: العمد قود. فأنا قائل وخبري يثبت ما أثبته حديثك، ويتضمن زيادة ليست في حديثك ولا يعطلها، وهي التخيير. وأما المعني، فقد أجمعنا على أنه ليس بتخصيص بالمثل. بدليل ما إذا كان رأس الشاج أصغر، ويد القاطع أنقص بأصبع، فإنه يتخير بين أخذ القدر الذي وجد، ولا شيء له عندي مع ذاك، وبين الرجوع
стр. 705
إلى الدية. ولو لم يكن بدلًا. لما جاز الأخذ لها؛ بل كان يتعين القود بحسب ما وجد.
٦٧٨ - وأما مسألة الاشتباه في الأواني، فاستدل فيها شافعي بأنه واجد لطريقٍ إلى استعمال الماء الطاهر، فلا يجزئه التيمم كما لو تحري.
قال له معترض حنبلي: لا أسلم أن الاجتهاد طريق ولا التحري.
قال المستدل: إن الله سح رضي بالاستدلالات بالإمارات طريقًا للقبلة وللحوادث في استخراج أحكامها من إباحة وحظر وإيجاب وندب. ولا يرضي به في ماء الوضوء المشتبه. ومعلوم أنه إذا خرج كلب من دار، كنا سمعنا صوت ولوغه، وفيها أواني، فقطعنا على أنا لا نعلم من أيها شرب. ولنا عقول رضي الله بها أن تكون دلائل على حدث العالم، وإثبات الصائغ، وأنه واحد، سلطناها على النظر في هذا. فرأينا تنقيط الماء أقرب إلى أخذها/ وما ذلك الإناء متحرك، وأثر أربعة الكلب إلى أحدها دون الباقية، غلب على ظننا بهذا الأثر، الذي هو أمارة صالحة لحصول غلبة الظن، بأن الذي شرب الكلب منه، هو ذاك الإناء الذي وجدت الأمارات بقربه. وبقى الباقي على حكم الأصل، وهو الطهارة.
أخذ الحنبلي المعترض يقول: لا يدل ما ذكرت أن النفط يجوز أن تكون لأجل مغترف أغترف منه، والنقصان لرشح، أو نشافة لشمس أو حر، أو سنور شربت منه فنقص، أو طوافه من طوافات البيوت، وتحركه
стр. 706
لربح، أو لمدرة وقعت فيه فتحرك بها، وإذا تقابلت أمارة توجب النجاسة وأمارة تنفي النجاسة، فقد تيقنا حصول نجاسة في أحدهما. واستعمال الماء النجس في الطهارة لا تنتجه الضرورة. وكذلك المساليخ والأطعمة كلها. وكان إلحاقه بالإبضاع والدماء أشبه من إلحاقه بالمأكولات والمشروبات والقبلة التي تبيح الضرورة العدول عنها؛ بل الحاجة التي هي دون الضرورة وهي الصلاة على الراحلة نافلة.
قال الشافعي المستدل: أما ترك الأخذ بالأمارة التي ذكرناها، فهي الغلبة على الظن كون الكلب شرب من ذلك الإناء. وأما التجويزات المطلقة، فلا تقابل الظنيات الحاصلة عن الأمارة. وهل حكمنا بنجاسة الماء يجيز العدل إلا بإمارة وهي تضرعه بخلال الخير وتظاهره بها؟ وهل حكمنا بأن زيدًا مات لأجل صراخ سمع من داره وتخريق جيوب أهله إلا لظن حصل بتلك الأمارات؟ لا يندفع ذلك بأن يقول قائل ((كم من إغماء ظن أهله أنه موت، ولم يكن موتًا؟ )) ولعل تخريق الغلمان لملاكمة وخصومة حصل بينهم، وكان الصراخ لأجل ذلك. فلا تسقط الإمارات المغلبة على الظن لأجل هذه التجويزات المستبعدة غالبًا. ومتى طلب في تجويز الإقدام على استعمال الماء الأقصى الاحتياط؟ والنبي صلع يقطع لسان الإعلام عند الاستعلام؛ فيقول للراعي، لما سأل أصحابه عن الماء ورده سبع، ((لا تعلمهم)) وقال عمر لما سألوا عن ماء الميزاب: ((يا صاحب
стр. 707
الميزاب! لا تعلمهم)) وأبلغ من هذا أمر النبي صلع لمن استنجى أن يرش في مئزره نبذة من ماء حتى أن قطر، أو شك هل قطر، أو استشعر ذلك، فيسد هذا الباب رطوبة الكف من الماء، فيقول: ((هذا من ذاك)) وإذا سهل صاحب الشرع ودحرج هذه دحرجة تمنع من التطلع، تجيء أنت وتقول: ((أريق المياه وأتيمم)) ومعلوم أن التيمم طهور مشرط بعدم الماء، أو عدم وجدانه. ومهما كان لنا سبيل إلى وجدانه، لم يصلح التراب طهورًا.
٦٧٩ - وجرى بمجلس الأجل المرتضى نقيب النقباء بداره الشاطئية
عمرها الله ببقائه ودوام ظل الإمام المستظهر بالله
الجلد مع الرجم في حق الثيب
فاستدل فيها شافعي بأن الرجم عقوبة بلغت النهاية، فلا تحتما الزيادة؛ كما لا تعزيز مع القتيل بالردة.
اعترض عليه حنبلي فقال: مثل هذا الاستدلال لا ثبات له مع الحديث المشهور المتلقي بالقبول، حديث عبادة بن الصامت، وان النبي صلع خرج قائلًا ((قد جعل [الله] لهن سبيلًا. وكان الحد الحبس حتى يتوفاهن الموت، ويجعل الله لهن سبيلًا. فقال: ((خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا؛ البكر بالبكر، جلد مائة، وتغريب عام، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم)) وأي ثبات لدليلك مع هذا النص؟ على أن
стр. 708
دليلك باطل بالصلب في حق المحارب بعد القتل. والصلب عقوبة بعد الغاية، وهو القتل.
قال: بعد الموت لا عقوبة. إنما ذاك مثلة وشهرة رادعة لغير المصلوب.
قال حنبلي يحقق: بل هو عقوبة، حيث يعلم أنه إذا قتل صلب.
فيكون علمه بذلك عقوبة لقلبه، كما جعل القصاص حياة لعلم الإنسان أنه إذا قتل قتل. فكان العلم بذلك رادعًا عن إيقاع القتل، ونفس القتل رادعًا لمن شهد القود عقوبة عن القتل. وكان جواب أهل الجنة، لما طلبوا منهم إفاضة الماء، أو مما رزقهم الله: ﴿إن الله حرمهما على الكافرين﴾. فتركوا الوسائط ودعوا الحق سح؛ قالوا: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾. كان جوابه الإبعاد: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾. فانطبقت الشفاه، ولم يسمع لهم بعد ذلك إلا الزفير والشهيق، سد عليهم رواج التروح وروح الشكوى، ولم يترك لهم وجه يخفف عنهم البلوى. فمن يكون عذابه كذا لأفعال، ليس يليق به أن يضم إلى القتل جلدًا.
ثم قال الحنبلي: وحق للعقلاء أن لا يوسعوا الرجاء حتى يكاد أن يستحيل طمعًا إذا كان عذابه سح كذا، لا سيما وليس رحمته.
٦٨٠ - وجرت مسألة الملتجئ إلى الحرم
استدل فيها حنبلي بالحديث: إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض. ثم بين التحريم، فقال: لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها،
стр. 709
ولا ينفر صيدها، ولا يسفك فيها دم؛ لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحدد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من النهار.
اعترض عليه شافعي فقال: هذا محتمل؛ لأنه لا يدري ما التحريم: السكنى فيها، أو القلع من ترابها، أو إظهار السلاح فيها، أو الأكل والشرب فيها. فهو كقوله تع: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، لا يعلم من لفظه ولا الحق، لا جنسًا ولا قدرًا. بخلاف قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾، ﴿حرمت عليكم الميتة﴾؛ لأنه بان في الأمر نكاحًا، والميتة أكلاً. فأما ما ههنا، فما بان من لفظه ما الذي حرم.
قال الحنبلي: نعوذ بالله ممن يغرب عنه الفهم مع هذا الاستقصاء والكشف! فإنه صلعم أبان بهذا شرف الموضع. ثم أبان أنه مع شرفه أحل له بكرمه ((لي ساعة من نهار.)) ونبه، بما ذكر على التحريم، إلى ماذا رجع؛ لأنه أوقف وقصر التحريم على مراعيها، وهي الخلى والكلأ؛ ومعاقل الطيور، وهي الأشجار. وصرح بتحريم تنفير الصيود. فعلم أنه عظم فيها حرية كل حيوان يلتجئ، وحفظ عليه قوته ومعقله. قال بعد ذلك: لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي. وأبان عن تغطية عليها حيث أسقطت حرمتها لأجل حرمة ساعة من نهار.
قال له الشافعي: فأنا قابل بموجبه. لكن الذي أحل له الدخول بالمعفر
стр. 710
بغير إحرام، لا ما ذكرت أنت من إراقة الدم. يوضح هذا أنه يباح دم من قتل في الحرم لكل أحد. فلم تكن الخصيصة إلا ما ذكرنا.
قال الحنبلي المستدل: ما ذكرته لا يجعل له ميزة. لأن الإمام اليوم يباح له دخولها بالمعفر إذا خاف من فيها من الأعداء، ولو ظفر المشركون بها، والعياذ بالله، لحين دخولها على كل وجه. فلا تبقى ميزة يمتاز بها الحرم إلا منع القتل الواجب في غيره من الحدود والقصاص. ويمتاز بها النبي صلع على غيره تلك الساعة، ينقطع بها عمن قبله وعمن بعده.
-والله أعلم.
٦٨١ - سأل سائل حنبليًا، فقال: يأتي في التوراة مثل ما أتى في أحاديثكم من ظواهر توهم التجوير في أفعال الله وأحكامه والتشبيه في أوصافه. وهو أكثر من أن يتعدد. لكن مثاله وأنموذجه يكفي. وليس مما يتهم فيه متدين بدين آية مختلفة؛ لأن ظاهره ينفر عن الدين الذي ورد فيه. فمثاله من التجوير في الأفعال قوله في التوراة: أنا التنين الذي يخرج من مناخري النيران. أخذ الأبناء بذنوب الآباء، وهو إلى سبع بطون. وقوله: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. وهذا تصريح بما ظاهره التجوير. وأما التشبيعه فمثل قوله: جاء الله من القديس، وأشرق من جبال ساعير، واستعلن من جبال فاران. ومثل قوله في إسرائيل: صارعني عند الصخرة
стр. 711
فصرعني فسميته إسرائيل، بمعنى آسر الرب، لأن ((الإيل)) هو الرب في اللغة. لا يرقبون في مؤمن إلا. وقول إبي بكر فيما حكي عن مسيلمة من قوله عن الله ((يا ضفيدع بنت ضفدعين نقي لا تنقي)) والله ما خرج هذا من إل قط. وأما في كتابنا: ﴿وجاء ربك والملك﴾، ﴿يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه﴾، ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾. في الأخبار: أين كان ربنا قبل أن خلق السماوات والأرض؟ كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء. فكيف المخلص من هذه الظواهر؟
فأجاب حنبلي وقال: إن الله ابتلى بالتكليف للأبدان ما تطيقه، وإن ثقل عليها، من الأعمال الشاقة صوتًا، وصلاةً، وأغسالاً، وتحشيرًا في الأموال بما فرضه من الصدقات والكفارات، وإتعابًا للأجساد بالحج والعمرة، ومخاطرةً بالنفوس، واحتمالاً لوقع الأسلحة في جهاد الأعداء. كل ذلك طاعة لله، وإعلاءً لكلمة الله. ثم كلف العقول تخليص الاعتقاد من هذه المشكلات التي بددها في كتبه، وعلى ألفاظ رسله، بصرفها عن التجوير والتشبيه، بما وضع في العقول من وجوب تنزيهه عن التجوير في أفعاله والتشبيه في أوصافه. وما قنع لنا بمجرد ما توجبه العقول حتى جاء في كتبه بما يوجب حمل المشتبه بالتأويل على ما أوجبه من ذلك بالتنزيل. فقال: ﴿ليس كمثله شيء﴾، ﴿ولم يكن له كفوًا أحد﴾. فنحى من توهمات الضعفاء ما حصل من التشبيه. وقال: ﴿وتلك حجتنا آتيناها
стр. 712
إبراهيم على قومه﴾ تمرسا وقضية عند الاستقراء والنظر والاستدلال: ﴿فلما جن عليه اليل رأى كوكبًا قال هذا ربي﴾ إلى قوله ﴿فلما أفل قال لا أحب الآفلين﴾. وكرر ذلك في الطوالع كلها، وعقب أفولها بإخراجها عن القدم بأفولها وانتقالها. فدلت هذه الآيات على أن ما ذكره من المجئ الذي أضافه إليه ليس بنقلة ولا حركة. وأزال الشبهة في نفي التجوير بقوله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، ﴿وما الله يريد ظلمًا للعباد﴾، و ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾، ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾. فإذا لقى استجانه من مؤاخذة الجاني بزيادة على فعله، يخبر عن نفسه بأنه يأخذ الجاني بجناية غيره. وإذا أخبر بالتبري من خيار رسله بعبادة المسلات من خلقه، يخبر عن نفسه بالنقلة. فلا مخلص إلا بدفع المشتبه بالنص الذي لا اشتباه فيه، وبالتأويل الذي تحتمله اللغة، وصرفه عن ظاهره الذي لا يليق بالقديم، إلى ما يجوز عليه، أو إضافته إلى بعض ملائكته ورسله. فيكون مجيئه من الجبال والبقاع مجيء رسله وكتبه. وهذا سائغ في اللغة بلا خفاء: ((ينزل الأمير ببلد كذا)) إذا نزل عسكره وأجناده. وكذلك ((جاء)) ((وسار)) و ((ترك)). وكذلك المصارعة إما لملك، أو لمكافحة، بلا به بصره، فغلب صبره البلاء، فسماه صارعًا وآسرًا. -والله أعلم.
٦٨٢ - استدل حنبلي يحقق في مسألة مطلق الخطاب لا تدخل فيه النساء،
стр. 713
بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. فقال: للواحدة منهن اسم يخصها ويقال ((هي)) و ((هذه)) ((وامرأة)) و ((قامت)) و ((دخلت)). هذا في الخبز. وفي الأمر: ((قومي)) و ((ادخلي)) و ((اخرجي)). وفي التثنية: ((قامتا)) و ((دخلتا.)) وفي الجمع: ((قمن)) و ((دخلن)) و ((خرجن.)) فإذا ثبت هذا، علم أن دخولهن في الجمع المذكر ليس هو الوضع الأصلي والحقيقة؛ إنما هو استعمال غلب لا ب حكم الوضع، كما غلب اسم السواد في التمر، فاقتصر على الماء، فقيل: ((؟ ؟ ؟ ؟ على الأسودين)) والأسود أحدهما؛ ((ولنا قمراها)) والقمر أحدهما، والأخرى شمس. وقالوا: ((عندك العمرين.)) وأحدهما عمر، والآخر أبو بكر. فكذلك في تغليب التذكير عند اجتماعها بالمذكر.
٦٨٣ - يقال: الجزع من إخوان الزمان؛ والخوف حارس الأعراض؛ قد خاطر من استغنى برأيه؛ التدبير قبل العمل يؤمن الندامة؛ أشرف الغنى ترك المنى؛ الصبر جنة الفاقة؛ المودة قرابة مستفادة؛ الطمأنينة قبل التجربة ضد الحزم؛ مبدأ القطيعة التجني.
٦٨٤ - روى الحسن بن صالح عن أبي العباس المكفوف، قال: لما ولي أبو البختري وهب بن وهب الزمعي المدينة، وعزل أبو بكر عبد الله بن
стр. 714
مصعب، كتب إليه أبو بكر يهنئه بالولاية: أما بعد، فإن الحظ الذي حصل به أمير المؤمنين ورآك أهله نحن به معترفون، وعلى الإحسان منك فيه معولون. فتول من عرف حقك بعين كلاءتك ترده الحياطة اعترافًا بواجبك. والسلام.
فكتب إليه أبو البختري: أما بعد، فما كان الله ليرانا متفاوتين فيما ذكرت. وما كان الله ليجدني غافلاً عن حق رجل من المسلمين. فثبت الله عزمك وأعاننا على ما فيه رشدنا وصلاحكم. والسلام.
٦٨٥ - وروى أنه لما عزل علي بن عيسى بن ماهان عن خراسان، وولى هرثمة ابن أعين، كتب إليه علي: أنت -أكرمك الله -أحق نظرائك بخصوص الكرامة وعموم النعمة التي رآك أمير المؤمنين لها أهلاً. ولم يزل مكاني عن قواعد العمل إذ كنت أنت رب الولاية. فخصني بإيراد أمورك علي، فإني غير قاطع عنك ما يتبنى قربة المودة، وتتأكد بإدامته الأخوة -إن شاء الله.
فكتب إليه هرثمة: شاهداك عندي -أعزك الله -بما قلت معدلان، وإن لرعيتي فيما عليه عزمك دليلاً يبعثه الحرص على ما أومأت إليه وحببت عليه. فكن بذلك واثقًا -إن شاء الله. [ ... ]
стр. 715
٦٨٦ - [ ... ] إعلامه XXX لعلمه المقدار، ومن سلك به مسلك التعليم أو الإعلام. لم قلت إنه لا بد أن يقع جملة واحدة، ولا يقع المكلف فيه متدرجًا؟ وأحوال المكلف مع الشرع كلها على التدريج. ولذلك لم يوقع له العلم ضرورة به وبصفاته وبصحة الرسالة؛ بل أوجب عليه سلوك النظر والاستدلال والاستقراء؛ حتى أوقف إبراهيم نبيه وخليله يقول في النجم حيال استقرائه: ﴿هذا ربي﴾؛ وتدرج إلى القمر، ثم الشمس، ثم قال: ﴿وجهت﴾. وكذلك جاء بالحكم والأمر الذي يعلم أنه مؤقت لا مؤبد، فأطلق الأمر به إطلاقًا. ثم لم يكشف عاقبة النسخ للمكلف، وتركه على جهل من زمان الأمر ووقته ومقدار مدته. ولم يمنع ذلك تأخير بيان المدة والوقت، وهو ورود النطق الناسخ. وهذا أصلح للمكلف وأحسن لإظهار جوهره. والعرب افتخرت باعتناق الأمر والكلفة من غير بيان مقدارها وكيفيتها؛ فقال قائلهم:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... للنائبات على ما قال برهانا
لا يسألون عن السواد المقبل: ((هل هو ضيف، أم عدو؟ )) لأنهم قد أعدوا للأمور صدورًا واسعة. إن يكن الضيف، فالبذل والقرى؛ وإن يكن العدو، فالحرب طعنًا وضربًا عند اللقاء. فمدحوا نفوسهم بتوطينها على الأمور، سهلت أم صعبت.
стр. 716
وأما قولك، فيه حظر، وهذا التكليف من الله سح [لا يكون] إلا على الحظر، شبه بين الحجج وفتن يوم المعجزات يوم المكلفون بتخليص بعضها عن بعض. ولا يقال ((إن خوار العجل، وإحياء الميت على يد عيسى، والدجال وإلقاء الشيطان في بلاوات الأنبياء، لم كانت؟ )) وهي تعريض بالشرك. ولهذا قال سح: ﴿ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض﴾؛ وقال: ﴿إنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري﴾. وإنما كان تكليفًا لهم أن يخلصوا المعجزات والحجج من المتوهمات والتلبيسات والشبه والفتن، فيحصل للنكلف ثواب ذلك. فعلى هذا بنى التكليف.
وأما قولك إنه مع المبين، كالاستثناء مع المستثنى منه، فليس كذاك. لأن الاستثناء مع المستثنى منه لغة؛ ولغة القوم أنه جملة واحدة. فأما البيان مع المبين، فإنه تفسير. فوزانه من مسألتنا التفسير للأقارير.
وليس من شرط الإقرار أن يقع مبينًا، بل يقع بجملة ثم يفسر. ولأنا لو جوزنا تأخير الاستثناء، لكان فسادًا ضد ما ذكرنا في تأخير البيان.
لأن من طبع المقر بالجملة أن يلحقه الندم أو الاستدراك والبداء. فإذا جعلنا الاستثناء بالمستثنى منه لاحقًا، أفسدنا على الناس أموالهم وحقوقهم. وقد بينا في مسألتنا موقع الإجمال في باب التكليف وتوفير ثواب المكلف.
стр. 717
٦٨٧ - وجرت مسألة الخلع هل هو فسخ
قال حنبلي ينصر إحدى روايتي صاحبه: خصيصة الطلاق معدومة فيه. وهي تخصيصه بزمان الطهر عن المجامع فيه. والخلع لا يختص ذلك الزمان. بل يجوز على الإطلاق. ويصح مع الأجنبي والأجنبية؛ كاللعان مع الزوجة.
اعترض عليه شافعي، فقال: ليس فقد بعض الخصائص لمعنى ينفي المخصوص. بدليل أن الطلاق في الأصل إلى الزوج، ويقع عند امتناع المولى بعد انقضاء المدة من الحاكم. وهو أجنبي من العقد. وما ذاك إلا لأن حالاً تجددت، أوجبت إزالة الإضرار بإنفاع غير الزوج. وههنا تجددت حال وهي الشقاق، وخوف أن لا يقيم حدود الله. فعفي عن تطويل العدة المضرة بها لأجل ما يلحقها من التخلص بالخلع من ضنك ضررها بنكاحه.
٦٨٨ - فصل جرى في مسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب. فقال حنبلي: [ ... ]
٦٨٩ - [ ... ] غيره:
[يا] رب لا تلجئني إلى زمن ... أكون فيه كلاً على أحد
خذ بيدي قبل أن أقول لمن ... أراه عند النهوض ((خذ بيدي))
стр. 718
٦٩٠ - روى الأصمعي عن أعين بن لبطة بن الفرزدق عن أبيه عن جده عن غالب قال: دخلت على الحارث بن كلدة، وكان طب العرب، وهو يجود بنفسه، وحوله جماعة، قيل له: أوصنا بشيء نأخذ به بعد وفاتك. فقال: لا يتزوجن أحد منكم إلا الشابة؛ ولا يأكلن من اللحم إلا؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؛ ولا تأكلوا من الفاكهة إلا عند أوان نضجها؛ ولا تتعبوا أبدانكم، فإن ذلك يدعو إلى نقص أعماركم؛ ولا يتعالجن أحدكم من دائه ما احتمل بدنه.
٦٩١ - يقال: ((ردفت الرجل)) إذا ركبت خلفه، وأردفته إذا أركبته خلفي. ((ألرطب)) بفتح الراء، من كل شيء، و ((الرطب)) بضم الراء، في الحشيش خاصة. ويقال: ((مذى الرجل)) و ((أمذى))، وطرح الألف أجود؛ و ((منى)) و ((أمنى))، وإثبات الألف في ((أمنى)) أجود.
٦٩٢ - لبعض العرب:
لم أقض من صحبة زيد أربي ... فتًى إذا أغضبته لم يغضب
مؤهل الهم بحفظ الغيب ... أقصى رفيقيه له كالأقرب
стр. 719
٦٩٣ - روى أبو ذر عن النبي صلعم أنه قال: أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية. قال: وأول من خط بالقلم إدريس عم.
٦٩٤ - روى أبو ذر صاحب رسول الله صلع، قال: قال رسول الله صلعم: أول من خط بالقلم إدريس. وأول من يغير سنتي رجل من بني أمية
٦٩٥ - واختلفوا في سنة عشر من الهجرة في التاريخ من أين يقع. فأشار علي عم أن يكون من الهجرة. وقال غيره: من النبوة. وقال قوم: من الوفاة. ثم أجمع رأيهم على وقوعه من الهجرة؛ فاتفقوا عليه.
٦٩٦ - قال كعب الأحبار: أول حائط بني بعد الطوفان سور حران. ثم سور بابل؛ ثم سور دمشق. وأول قرية بنيت قرية بناحية الموصل، يقال لها ((ثمانين.)) وإليها نسب الثمانيني النحوي.
٦٩٧ - روى جماعة من الصحابة أن رسول الله صلع قال: أريت الجنة، ورأيت النار. فإذا فيها عمرو بن لحي يتأذى أهل النار بريحه. فقلت: ما شأنه؟ قالوا: هو أول من غير دين إبراهيم. وأشبه من رأيت به
стр. 720
من ولده أكثم بن أبي الجون الكعبي. فقال أكثم: أبحسبي يا رسول الله أن يضرني شبهه. فقال رسول الله: لا؛ أنت مسلم، وهو كافر.
٦٩٨ - أول من سمي يحيى، ابن زكريا؛ بدليل قوله تع ﴿لم نجعل له من قبل سميًا﴾.
٦٩٩ - روي أن أعرابيًا شكا إلى رسول الله صلعم النسيان. فقال له عم: لعلك كنت اعتدت القائلة فتركتها؟ قال: أجل. قال له: فعد، يرجع حفظك. ففعل، فعاد حفظه إلى ما كان.
٧٠٠ - لأمير المؤمنين علي ﵁ وأرضاه:
إخشوشن الناس علي جدا ... إلا أداريهم بقيت فردا
وما أرى لي من أناس بدا
٧٠١ - روي أن عمر قال للعباس: هذا علي يريد أن يحاصد في السقاية. قال العباس: وما وجد علي رسولاً غيرك؟ لعل الليلة كانت ليلة أم كلثوم.
стр. 721
٧٠٢ - فصل
قال بعض الحنابلة المحققين: أنا أرى أن أكبر الكبائر، بعد الكفر بالله، السكر. قال له جماعة عجبوا من كلامه: نسمع منك غرائب. قال: أنتم الغرباء عن الفهم. ليس كلامي غريبًا. ولئن كان غريبًا، عرفه الدليل والبرهان. وما زال الحق غريبًا بين المبطلين، والعلم غريبًا بين الجهال. فاسمعوا برهان ما أقول.
إن السكر يعمل عمل الجنون فيما يضر. وهو يغطي الحق. وعدم العلم الصالح للعاجلة من سياسات الدنيا وذخائر الآخرة. ولا يخفف عن العبد، كما يخفف الجنون من إسقاط الحساب ودخول الجنة مجانًا من غير عمل. فيعدم منافع العقل؛ ولا يقيم العذر في ركوب الجنايات؛ بل يبقى عليه تكليف العقلاء، حيث كان مكسبًا لتغطية العقل، ولو لم يكن من شؤم السكر إلا انقطاع ما بين صاحبه وبين ربه، وعدم معرفته بدينه. فالسكران لا يعرف دينه فيعتذر منه، ولا ربه فيعتذر ويتوب إليه. فهل في المعاصي ما يبلغ بصاحبه هذا المبلغ؟
٧٠٣ - فصل
ثم قال الحنبلي بعد ذلك: المطالب مبثوثة في هذا العالم الواسعة أقطاره. وهي بين ظاهرة مشهورة، وخافية مستورة؛ والدواعي في الطباع
стр. 722
طالبة، والعقول عن المطالب باحثة. والوجدان متفاوت بين واجد بعسر وتعب، وبين مفاض عليه مطلوبه، فوجدانه بغير تعب ولا نصب. والمراد يسيل سيلاً من جهة الممد، المفيض جوده عن قدرة مطلقة، القاسم بحكمة تامة. فعطاؤه عن غنى وقدرة مطلقة، وقسمته من خلقه بحكمة. والطالبون بحكم دواعيهم وطباعهم كالصبيان، دأبهم طلب ما يشهيهم فقط، لجهلهم بما يصلح وما يفسد. وليس عطاء الحق بحسب قدرته المطلقة، ولا بحسب جوده الفائض، ولا بحسب دواعي الطباع الشرهة. لكن عطاؤه بحسب حكمته القاسمة على قدر المصالح.
فهذا أصل يجب إتقانه. والخلق فيه طبقات. فطبقة تتناول المطلوب بحسب دواعيها الشهوية، إذا كانت غير مربوبة؛ كالأيتام العادمين للآباء والأمهات والحواضن والدايات والأطباء والمعلمين. فهم كالسوائم بغير راع يجنبها المراتع الوخيمة ويتحرى لها المراعي السليمة. فناشئة هؤلاء هم الهمج الرعاع. فإذا تبسطوا في مطالبهم بحسب ما نشأوا عليه من تخليهم، أدبهم أرباب التسلط. فهم بين مصفوع بدرة المحتسب فيما صغر من الذنوب، وبين مضروب بسياط الشروط، وبين محصود بسيف السلطان. وذلك غب التخلية وعدم التربية. ومن رأى جنايات التشرد، فاستيقظ لنفسه من جانب فطنته وتلمحه ومزيته بعقله، ورأى فساد أحوال المتشردين فتحرى يلقط الآداب من المتميزين بالعقول والتجارب والصنائع، فهو أبدًا يستشير المشايخ، ويتعلم من أرباب
стр. 723
الصنائع، ويحتمي بقول الأطباء، ويتوقف عن الإقدام على ما يجهل مغبته بما يستفيده من آراء الألباء. فإذا سلك هذا المسلك السليم، انتقل به إلى ما هو أعلى وأوفى، وهو تأدية الشرائع الصادرة عن الخالق الصانع. فسلمت له العواقب، وبلغ بذلك الرغائب، وعلت طبقته. فسلم لله سح أفعاله فيه من جميع ما يتشاوش، كما انخرط في سلك أحكامه، استطرح بالتسليم والتفويض لمختلفات أقداره، ورضي بأقسامه، واعتمد في مطالبه على الدعاء، وتأدب في الدعاء بأن لا يطلب الإجابة بنفس ما طلب وعين ما سأل، بل يثق بالإجابة بحسب ما يصلحه، لا ما يصلح له، وحسب ما يرى له، لا بحسب ما يراه لنفسه، ويكون على يقين بأن المنع لعين ما سأل إجابة. فكم من منع هو عين العطاء! ويأخذ ذلك الأولاد مع المشفقين من الآباء والمتعلمين من المعلمين والمطبوبين. [ ... ]
٧٠٤ - [ ... ] بسيرتنا.)) فأنى، وكيف، وما الحجة، ومن النصير من الله في الاحتذاء بسيرة الظلمة الجورة الفسقة الخونة الذين أكلوا مال الله دولاً، وجعلوا عبيد الله خولاً؟ وإن قلتم ((أطيعوا أمرنا واقبلوا نصيحتنا، )) فكيف ينصح غيره من غش نفسه؟ أم كيف تجب الطاعة لمن لم تثبت عدالته ولا تجوز في الإسلام شهادته؟ وإن قلتم ((خذوا الحكمة حيث وجدتموها،
стр. 724
واقبلوا العظة ممن سمعتموها، )) فعلام قلدناكم أزمة أمورنا، وحكمناكم في أموالنا ودمائنا؟ أوما تعلمون أن فينا من هو أفصح بصنوف العظات، وأعرف بوجوه اللغات منكم؟ فإن كانت الإمامة تستحق بذلك، فتحلحلوا عنها، أو أطلقوا أعقالها وخلوا سبيلها، يبتدرها أهلها الذين شردتموهم في البلاد وقيتلتموهم بكل واد. أما لو ثبتت في أيديكم باستيفاء المدة وبلوغ الغاية وعظم. إذ لكل قائم منكم يومًا لا يعدوه، وكتابًا بعده يتلوه، ﴿لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها﴾، ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾.
قال حنبلي: وهذا إن لم يكن للإمساك عنه علة؛ وإلا فهو بعيد عندي أن يتم في أيام عبد الملك، لا سيما إن كان في صحبته الحجاج؛ وإلا فالسياسة مع القدرة تمنع من سماع هذه المقالة الشنيعة مع إبلاع قائلها ريقه. فإن كانت صحيحة، وإلا فهي موعظة صحيحة، واعتراضات على بني مروان لازمة - ﴿والله يقضي بالحق﴾ يوم ﴿تجزى كل نفس بما كسبت﴾.
٧٠٥ - وخطب أبو جعفر المنصور يومًا. فلما قال ((أشهد أن لا إله إلا الله))، قام إليه رجل من أخريات الناس، فقال: أذكرك من تذكره. فإن أحق الناس أن لا ينسى الله من خطب بذكره، وأن لا يدع طاعته من حض عليها. فقال المنصور: سمعًا لمن فهم عن الله. وذكرته، وأعوذ
стр. 725
بالله أن أكون جبارًا شقيًا، وأن تأخذني العزة بالإثم، لقد ﴿ضللت إذًا وما أنا من المهتدين﴾. وأنت، أيها القائل، فما الله أردت بها؛ ولكن التمست أن يقال: ((قام، فقال، فعوقب، فصبر. فأهون بقائلها لو هممت، واهتبلها إذا غفرت. وإياك، وإياكم أيها الناس، وأختها! فإن الموعظة علينا أنزلت، ومن عندنا أثبتت. فردوا الأمر إلى أهله، تصدروه كما أوردوه. -وعاد إلى خطبته كأنما يقرأها من صحيفة: ((وأن محمدًا عبده ورسوله صلعم.))
٧٠٦ - قال بعض حكماء الفرس: لا ينبغي للعاقل أن يغتر بمال وإن كثر، ولا بامرأة وإن أعجبته، ولا يتشاغل بما لا ينتفع به، ولا يحمل على نفسه ما لا يطيق.
٧٠٧ - كتب رجل إلى بعض الأمراء: الأمل والحاجة أقدماني عليك. وقلة المادة تمنع من إطالة المقام على بابك. والرجوع بلا فائدة شماتة الأعداء. فإما ((لا)) مريحة، وإما ((نعم)) مريحة.
٧٠٨ - ذكر الرواة أنه لما ارتفعت الألسن باللغط يوم الجمل، قالت عائشة رضها: يا أيها الناس، انصتوا! فكأنها قطعت الألسن. ثم إنها حمدت
стр. 726
الله وأثنت عليه، ثم قالت: إن لي حق الأمومة وحرمة النصيحة. لا يتهمني منكم إلا من عصى ربه. قبض رسول الله صلعم وهو بين سحري ونحري. وأنا من إحدى نسائه في الجنة. ادحرني الله وحصنني من كل مضيع. وبي ميز الله مؤمنكم ومنافقكم. وأبي ثاني اثنين، إذ هما في الغار.
وقبض رسول الله وهو عنه راض. قد طوقه طوق الإمامة حين اضطرب حبل الإسلام. فأخذ بطرفيه، ورتق لكم؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؛ فرتق الله به الثاا، وأوكى به السقاء، وأطفى به نيران أهل الشرك، حتى قبضه الله واطيا على هاضه الشقاق، يقظان الليل في نصرة المسلمين، صفوحًا عن الجاهلين. ألا وإني قدمت في طلب دم الخليفة المظلوم، المركوبة منه الفقر الأربع: حرمة الإسلام، وحرمة الخلافة، وحرمة النبوة، وحرمة الشهر الحرام.
فمن ردنا بحق قبلناه، ومن خالفنا بباطل قاتلناه. أقول قولي هذا، وربما ظهر الظالم على المظلوم، ﴿والعاقبة للمتقين﴾.
٧٠٩ - وبلغ عائشة رضها أن قومًا نالوا من أبي بكر ﵁ وأرضاه -فأرسلت إلى أرقلة من الناس. فلما حضروا، يدلت ستارها، وحمدت الله تع، وأثنت عليه، ثم قالت: أبي وما أبيه لا تعطوه الأيدي. ذاك والله ظل مديد، وكهف منيف؛ هيهات كذبت الظنون الحج والله إذ كذبتم، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد، إذا استولى على الأمد فتى قريش ناشئًا وكهفها
стр. 727
كهلاً يراب شعثها ويريش مملقها ويفك عاينها حتى حلته قلوبها. ثم استسر في دينه، فما برحت سليمته حتى اتخذ بفنائه مسجدًا يحيي فيه ما أماته المبطلون. وكان رحه غزير الدمعة، وقيد الجوانح، شجي النشيج. فانصبت إليه نسوان أهل مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزئون به - ﴿والله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾. فأكبرت ذلك رجالات قريش، وحنت له نسيها، واتخذوه غرضًا. فما فلوا له صفاة، ولا فضوا إليه قناة. ومر على سساه؛ حتى إذا ضرب الدين بجرانه، وألقى بركه، ورست أوفاده، ودخل الناس فيه من كل فرقة أفواجًا، ومن كل شيعة أرسالاً، اختار الله لنبيه صلع دارًا ينتابه، فقام حاسرًا مشمرًا قد جمع قطريه، ورفع حاشيتيه؛ فرد نشر الإسلام على غره، ولم شعثه، وقام أوده بقيامه؛ فانذعر النفاق بوطأته، وابتأس الدين فنعشه، حتى إذا أراح الحق على أهله، وقرر الرؤوس على كواهلها، وحقن الدماء في أهبها، حضرت منيته، فسد ثلمته بشقيقه في السيرة ونظيره في المعدلة: ذاك ابن الخطاب. له أم حفلت به ودرت عليه؛ لقد أوجدت به؛ ففتح الكفرة وديخها، وبعج الأرض وبخعها، فقاءت أكلها ولفظت خبيئها؛ مر أمره ويتصدف عنها وتتصدى له، ويزهد فيها ويتركها كما صحبها.
стр. 728
فأروني ماذا ترتأون؛ وأي يومي، أي تنعمون؟ أيوم إقامته إذ عدل فيكم، أم يوم ظعنه وقد نظر لكم؟
٧١٠ - قال بعض الحكماء: الظنون مفاتيح العقول، وبالظن يفتتح اليقين.
٧١١ - قال العباس: رب بادرة غضب وغامرة ذرب أورثا جائحة عطب بأيسر سبب.
٧١٢ - وقيل: غرة الغضب تورث ذل الاعتذار.
٧١٣ - خطب عتبة أهل مصر آخر خطبة خطبها، فقال: يا أهل مصر! إنه لا غنى عن الرب، ولا مبرأ من ذنب. فقد تقدمت مني إليكم عقوبات كنت أرجو الأجر يومئذ فيها؛ وأنا أخاف اليوم الوزر منها. فليتني لا أكون اخترت دنياي على معادي، فأصلحتكم بفسادي. وأنا أستغفر الله منكم، وأتوب إليه فيكي. فقد خفت ما كنت أرجو، ورجوت ما كنت أخاف اغتباطًا به. وقد شقي من ملك بين عفو الله وعقوبته. والسلام عليكم سلام من لا أراه عائدًا إليكم.
стр. 729
٧١٤ - قال عمرو بن معاوية بن عتبة: جاءت الفتنة وأنا حديث السن، منتشر الضياع، كثير الحرم. فجعلت لا آتي حيا من أحياء العرب إلا شهرت فيه. فلما رأيت ذلك فديتهن بنفسي؛ فاستأذنت على سليمان بن علي، فأذن لي، فقلت: أصلح الله الأمير! لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك. فإما قتلتني غانمًا، وإما رددتني سالمًا. قال: ومن أنت؟ قلت: عمرو بن معاوية بن عتبة بن أبي سفيان. قال: اقعد، فتكلم آمنًا غانمًا. فقلت: أصلح الله الأمير! إن الحرم التي أنت أقرب الناس إليهن معنا، وأولى الناس بهن بعدنا، قد خفن بخوفنا؛ ومن خاف، خيف عليه. فقال: يحقن الله دمك، ويحفظ حرمك، ولو أمكنني ذلك من أهلك كلهم، فعلت به.
٧١٥ - قرأ قارى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم﴾. فقال حنبلي: عظمت والله عقوبة الاستبدال، وأربت على العذاب، لأن الاستبدال صرف مؤيس من الرد إلى الاستخدام. والله لا خرجت مرارة قول الباري للأب الأول ﴿اهبطوا منها جميعًا﴾، ﴿بعضكم لبعض عدو﴾، لولا مزجها بقوله: ﴿ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾، كأنه عقل من قوله ﴿إلى حين﴾ إضمار وكمين: وهو ثم تعادون إلى المسكن الأول، بعد إذاقة مرارات الإبعاد. وخفت مصيبة آدم وحواء بالإضافة إلى مصيبة سليمان. سلب الخاتم والكرسي وبلي بالاستبدال:
стр. 730
﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب﴾. الأب الأول أخرج من الجنة ولم يبدل بمكانه غيره. ومزج لفظ إبعاده بلفظ رجائه بقوله: ﴿ومتاعٌ إلى حين﴾. فكان في ذكر الغاية كمين. فإن كل عذاب مؤجل يمزجه رجاء ما بعد الأجل. وإنما قاصمة الظهر الإبعاد، ثم الاستبدال. فإذا لم يصل، تعاقب بما شئت. ولا يجعل العقوبة هجرًا عن العبيد التعلق ولو في حبوس ساداتهم. انظر كيف قالت المشفقة في طي الإغراء: ﴿وما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن﴾، ولم تقل ((يقتل)) لأن في السجن يرجى إطلاق.
حكي أن زمنًا زحف مع النفير، فقيل له: ((إلى أين؟ )) قال: ((سمعته يقول: ﴿إلا تنفروا أو يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم﴾.)) لو كان العذاب بغير استبدال، هان. ولكن عذاب الاستبدال لا صبر عليه. ما أذل العبيد على غير أبواب الموالي! واست على نعمة زالت وقربة ما دامت. والله إن الزبانية يدفعون أرباب المواخير إلى النيران وقلوبهم متلفتة إلى المعذب بالآمال بعد سماع قوله: ﴿ورحمتي وسعت كل شيءٍ﴾. وإن قال ساكنوها للذين ينفون فقد سمعوه يقول: ﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت﴾. وقد فطن عمر لهذا، فقال: ((إن كنت كتبتني شقيًا، فامنحني واكتبني في جملة السعداء.)) لما سمع حصول المحو بعد الكتب بالمشيئة المطلقة طلب والله لا جانب الآمال منه ولو ردنا إلى العدم. لأن له في الكلام رموزًا، وفي الوعيد أسرارًا، وفي العسوف ألطافًا. هو
стр. 731
الذي روع الخليل بذبح إسحاق وإسماعيل، وأدرج في هواجم البلاء عواقب النعماء، كتومه للعواقب يقوي آمالنا فيه مع تعاظم النوائب وأليم المصائب. من عرفه حق المعرفة، لم ييأس من لطفه، ولم يأمن من وقوع بطشه وهجوم عسفه. السلطان لا يؤنس إليه، ولا يعول في الشدائد إلا عليه. والله ما يتبذل بك إلا إذا تبذلت. ومعنى ((تبذلت)) خرجت من حكم العبودية إلى طرائق الخوارج عليه. ليس معنى الخروج أن تدعي الإلهية، لأن عجزك يمنعك من تلك الدعوى. لكن خرجت بحسب ما أمكنك، أو أمره إياك يملأ الآفاق، ونواهيه ووعيده يزعج السبع الطباق: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾، ﴿لا تأكلوا الربا﴾، ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشةً وساء سبيلًا﴾، ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾، ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحربٍ﴾، ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر﴾، ﴿فهل أنتم منتهون﴾.
فإذا صعد الملكان بأعمالك وعرضت فقالت الملائكة السماوية للحفظة: ((أين كان صاحبكم اليوم؟ وما الذي رفعتم من أعماله؟ )) قالا: ((كان في السوق يربي، وفي الزنقات يزني، وفي الخانات يشرب ويسقي، وعن المساجد يلفت ويلوي، وفي المساطب يغتاب، وفي مجامع الدعوات لعاب، وعلى الضعفاء من الخلق بطاش، وفي المكيال والميزان بخاس.)) هذا غاية جهدك
стр. 732
في المخالفة. فهل ينتهي الخارجي على سلطانه إلى أكثر من هذا؟ فأما دعوى أنك ثانيه في الربوبية، فالعجز أقعدك عنه. فقد خرجت عليه بحسب وسعك. ليس في قواك أن ترخي السحاب، ولا تحيي الأموات، ولا تقول للمعدوم ((كن! )) ولو أمكنك، لزاحمت، بدليل أنك بالسحر قد وهمت أنك تقلب الصور، وتفرق بين الزوجين بدقيق الحيل. وتتلهى بنفسك، فتقول: ((أنا عبدٌ.)) متى كنت عبدًا بفعلك، لا طاعةً ولا استجابة؟ ولولا أنك مسحب صنائعه، لأنكرت العبودية رأسًا، لكن شواهد صنعته فيك تمنع جحود رقك. يا مسكين! أنت تتشرد علي بحبك من العدم هذا التشرد، ثم تتعبد لأقل عبيدي بلقمة، بخرقة، بدينار، بدرهم. ترى لا تأنف لنفسك وأنت ترى على عبد من عبيدي تعبده يطعمك، وتحب جارية حسناء تعبدها لفرط شهوتك، وتريد مع هذا التشرد والتبدد أن تتبسط غدًا في داري، وتتشرف بجواري؟ هذا هو الطمع المردي، لا الأمل. يا سيئ الأدب بكل معنى، كيف تطمع في التبسط في داري، وتجاور السادات من أحبائي، الذين قطعوا الكل في، وهجروا كل قاطع يقطعهم عني؟ إن تلي كتابي، اقشعرت منهم الجلود، وإن جرى ذكري، وجلت منهم القلوب، وإن ذكر وعيدي،
стр. 733
استعرت فيهم نيران القلوب بالخوف المزعج، وإن سمعوا آي وعدي هيجهم الشوق إلى لقائي. حوشيت أن أجمع بين أوليائي وأعدائي في دار كرامتي! وامتازوا اليوم، أيها المجرمون! فضرب بينهم بسور له باب. غدًا تبين المقادير. وعنوان منزلتك غدًا عندي منزلة أوامري ونواهي اليوم في دار التكليف. اترك الأماني الكاذبة، ﴿من يعمل سوءًا يجز به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا﴾.
٧١٦ - لبشار:
هموم أناسٍ في أمورٍ كثيرةٍ ... وهمي من الدنيا صديقٌ مساعد
يكون كروحٍ بين جسمين فرقا ... فجسماننا جسمان والروح واحد
٧١٧ - لآخر:
خرجت أسائل من قد لقيت ... من الناس هل [من] صديقٍ صدوق
فقالوا عزيزان أن يوجدا ... صديقٌ صدوق وبيض الأنوق
٧١٨ - أوصى عتبة معلم أولاده، فقال: ليكن إصلاحك بني إصلاحك
стр. 734
نفسك. فإن عيوبهم معقودة بعيبك. فالحسن عندهم ما فعلت، والقبيح عندهم ما تركت. علمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه، فيملوه، ولا تدعهم منه، فيهجروه. ووهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا تخرجهم إلى غيره حتى يحكموه. فإن ازدحام الكلام على السمع مضلة للفهم. وتهددهم بي، وعاقبهم دوني. وامنعهم من محادثة النساء، وأشغلهم بسير الحكماء. ولا تتكل على عذر مني حقه اتكلت على كفائه. واستزدني بزيادتهم، أزدك.
قال حنبلي: هذا قد علم المعلم كيف يعلم.
٧١٩ - كان قد سئل حنبلي عن حديث رواه بعض العلماء الوعاظ المحققين في علوم شتى، وأن الله يلقي الموت على قوم من العصاة في النار. فأنكره الحنبلي من طريق الاستدلال لا من طريق أنه علم طعنًا في رواته، وردًا له من جهة أئمة أصحاب الحديث. فقال مستدلًا: إنما يدخل النار للتعذيب، فإذا أماتهم، فلا تعذيب. واستدل على عدم التعذيب بالإماتة بقوله تع: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها﴾. وأجمع أهل العلم على أنه لم يرد جلودًا أخرى غير الجلود التي عصته، لكن أراد بذكر الغيرية أنه يبدلهم جلودًا غير نضيجة. ثم علل التبديل بغير النضيجة،
стр. 735
فقال: ﴿ليذوقوا العذاب﴾. فدل على أن النضج الذي هو إحراق الجلد الذي خرجت من الروح يمتنع منه الحس الذي سماه الذوق. ولا حس مع موت. وإذا عدم الحس، خرجت النار عن أن تكون معذبة لهم، وخرجوا عن أن يكونوا معذبين. وكذلك الأخبار الصحاح في الموطأ وغيره، أن أرواح المؤمنين- وروي: أرواح الشهداء- في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة، وتروح إلى قناديل معلقة بالعرش. ولو كانت الأجساد على انفرادها عن الأرواح تتألم وتتنعم، والأرواح على حدتها، لما جعلها منسوخة في طائر. وقد روى: وإن الأرواح في طائر أسود في برهوت، ومن عذب الأموات، لا معنى في جعل الأرواح في غير أجسادهم. فهذه الأدلة امتنع معها صحة ذلك الخبر. فلما وجد الخبر في صحيح مسلم، لم يكن لرد الخبر وجه، وعدل إلى متنه.
فقال الحنبلي المعترض عليه: يجوز أن تكون إضافة الموت إليهم عند استيفاء العذاب، وعند أوان إخراجهم منها. وقد انتهى واستوفى المستحق من عذابهم، وهم عصاة المسلمين. ولهذا روي: يخرجون كضبائر الفحم، فيغمسون في بحر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. ويحتمل أن يكون ذكر الموت أنه يجعلهم في عذاب دون عذاب. وهذا يجئ على مذهب أهل السنة القائلين بعذاب القبر. والميت يعذب في قبره، كذلك جاز أن يعذب الميت في النار. ولا يبعد من قدرة الله إيصال العذاب إلى أجساد لا أرواح فيها، وإلى أرواح لا في أجساد، كما
стр. 736
أنه قد بان من تمام قدرته وكمالها أنه يعدم النار التعذيب لأجساد ذات أرواح في بعض الحيوان، كالنعام والسمندل. فالجسد والروح مجتمعان، وقد أعد ما ألم النار. من يعدم ألم النار لأجساد ذات أرواح، لا يغرب عليه إيصال إيلام النار إلى أجساد لا أرواح فيها.
ألا تراه في اطراد العادة لو اختل شيء من أدوات النطق لم يتحصل كلام صحيح مع اختلال أدواته. ثم تنطق الأعضاء فتشهد ولا أجزاء لها من أدوات النطق. وكم يفعل أشياء عند وجود أشياء في اطراد العادة، ثم يخرج عن تلك القوانين ويأتي بتلك الأشياء؟ فإنه لا ينطق إلا بعد السنين، وأنطق عيسى في المهد. وادخر في السفينة من كل زوجين اثنين، وكلٌ يظن أنه لا يصح منه الابتداء للخلق، ولا يدخل تحت مقدوره إلا بالتولد والتسلسل. ثم خلق آدم، لا من ذكر وأنثى، وخلق عيسى من أنثى، بغير ذكر، وخلق حواء من عظم، لا ذكر ولا أنثى. فلا ينبغي أن نجحد مقدوره لأجل أنسنا إلى اطراد العادات. وكم خرق ليزول هذا الاستشعار عنا! وكم مضى على نمط واحد حتى يظن أنه لا يقدر على سواه!
٧٢٠ - كانت دعوة أمير المؤمنين علي عم إذا رأى الهلال: اللهم اجعلنا أهدى من نظر إليه، وأزكى من اطلع عليه.
стр. 737
٧٢١ - قال أبو سعيد الخياط يقول سمعت أبا زيد.
٧٢٢ - قال حنبلي: من أدب الخوف من الله أن تخاف من عدله فيك. فإن خفت الحيف، فبئس الخوف. وإياك أن تخاف مما وراء العدل، فإن ذلك تجوير لله. ولهذا لو فصح بذلك فقال: ((ما أخاف إلا مما وراء عدل الله)) فكأنه يقول: ((إني أخاف الحيف وهو.)) والخوف من غير عدله سح هو سوء الظن به.
٧٢٣ - لخالد الكاتب:
خيالٌ من المسك والعنبر ... سباني بطرفٍ له أحور
وكم ذقت من ريقه خمرةً ... جرت بين سمطين من جوهر
٧٢٤ - قال حنبلي يعرف طرفًا من الأصول، ويحقق فيما يورده من خاطره أجود من محفوظة: قلت لمن فاح منه رائحة استبعاد البعث: أكبر شبهة يتعلق بها جاحدو البعث ما هي؟ أوردها لي حتى أجيب عنها بعون الله ومنه.
فقال: أما استحالة الأجساد فتردها وتبطلها البدأة مع الأحوال المختلفة
стр. 738
على القطعة. وأما كثرة الحيوان، وما الذي يسعه من المكان، مع كثرته مع تطاول الزمان، فالأبعاد الخالية مما يحتمل أمثال ذلك من الحيوان. وإنما الأصعب، فهي أن الصور المتقلبة على هذه الكرات المحصورة لا تتسع لما تقلب عليها من الصور أن تعاد منها. فإنها ربما أوفت عليها عدة دفعات مع تطاول السنين. بل أقول ربما يكون قد تجدد على الكثرة من الصور ما لا يفي بها أن تعاد من تلك الكثرة. فهي في المثال ككتلة شمع معلومة المقدار عمل منها ألوف صور حيوانات لا يتأتى أن يعاد منها إلا البعض، فالباقي والماضي أكثر.
فيقال: إنما يغرب ذلك على من يقدر على إحداث مواد، ومن ثبت بدلائل العقول أنه نحت من العدم وجودًا، لا يغرب عليه أن يعيد الجواهر التي تبددت من الأجساد أشجارًا ونباتًا وأواني، ويمحق بنيانًا فيعيدها أجسادًا للآدميين خاصة، لأنهم هم المجازون عندنا دون سائر الحيوانات غير المكلفة.
ولا بدع أن يحدث جواهر أخر إن أعوزت كرة الأرض على ما قررت. لأنه قد ثبت في الخبر الصحيح، من عدة أسانيد، أن الأرواح تجعل في أطيار. وإذا ثبت ذلك، مع كون أجسادهم في الأرض باليةً خاليةً من الأرواح، ثبت أن ينعم ويعذب الأرواح في غير أجسادها الأول، كما جعل أجساد الأرواح أطيارًا ليست تلك الأجساد. وهذا نوع تناسخ. وعلى
стр. 739
القول بالتناسخ مذاهب عدة من مذاهب الأوائل، ومذاهب أرباب الأديان. لكن المعول على ما ورد به النقل من نقل الأرواح إلى الأطيار، مع تحققنا أن جواهر أجسادهم التي عملوا بها الأعمال بالية في الأرض. ونحن إنما نمنع التناسخ بالآراء، فأما بالروايات، فلا.
ومما يشهد لذلك ما نعلمه ونشاهده من زوائد الأجساد، كالسمن مع تطاول الأعمار، على ممر السنين، ويمضي بالمرض، ويعود أمثالها، لا أعيانها، لاسيما من الشعور والأظفار والشحوم التي تذوب، وتعود أمثالها من المآكل والمشارب. ولم يثبت أن الله تع يعيد ذلك كله إلى أجسادهم يوم معادهم. وتلك الزوائد، من السمن والعبالة التي مضت أولًا فأولًا، قد عصت وأطاعت، وما أعادها وجعلها أجسادًا للمكلفين ليعاقبها على معاصيها وينعمها على طاعاتها. جاز، إذا قامت دلالة العقل بما ذكرتم على ضيق كرة الأرض عن أن تتسع لأرواح المكلفين أن يحدث جواهر وزوائد وينعم الأرواح في تلك الزوائد ويعذبها، ولا فرق.- والله أعلم بكيفية ذلك.
٧٢٥ - استدل بعض الحنفية في مسألة كفار العرب، وأنهم على مذهبه لا يسترقون، بل يتعين قتلهم، فقال: إن كفار العرب بالغوا في أذية النبي صلعم، والعجم لم يبالغوا. فلذلك أوجبنا قتل كفار العرب، وجوزنا استرقاق العجم.
стр. 740
فاعترض حنبلي، فقال: أنا أذهب إلى أنه لا يسترق من لا كتاب له، ولا شبهة كتاب، عربيًا كان أو عجميًا. فالعبد عندي في هذا الباب. على أنه من لا يقر بالجزية لا يقر بالاسترقاق. فأعترض على ذلك بأن أقول: إن تثبت الأمر على الأذية، فاليهود بالغت في أذيته صلع، حتى إنهم قتلوه بالسم، حتى إنه كان ينتقض عليه في كل سنة. فقال عند مرض موته صلع: ما زالت أكلة خيبر تعتادني، فهذا أوان قطعت فيه أبهري. ثم مع هذه الأذية العظيمة لم يتعين قتلهم، بل أقررتهم بالجزية تارة وبالاسترقاق أخرى. ولأن المبالغين في أذيته من العرب قريش دون غيرهم، فكان يجب أن نخصهم بالقتل دون غيرهم ممن لم يؤذه.
قال الحنبلي: ولأن هذا التعليل منك قد بطل. وإن علل في ذلك بشيء، فأحسن التعليل ما ذهب إليه صاحبي أحمد رضه، حيث جعل عقد الباب في تعين القتل ومنع الاسترقاق، في أصح الروايتين عنه، الكفر الذي لا كتاب لأهله، ولا شبهة كتاب، عربًا كانوا أو عجما. لأن عبادة الأوثان لم تكن دينًا لله تع، فهي الغاية في الكفر. فالتعلق بالغاية في الكفر لتعين القتل والتعليل به أحسن من التعلق بأذية النبي صلع. فاستئصال عبدة الأوثان بالقتل وإخلاء الأرض منهم أبلغ في التعليل من أذية كانت في حق النبي وزالت. وعبادة الأوثان في بلاد الإسلام لا يجوز العفو عنها، ولا استدامتها بإبقاء أهلها. ولذلك لم
следующие страницы →