ومن الصابون ستة قناطير وستون رطلا.
ومن الفحم خمسمائة قنطار وسبعة أرطال.
ومن الحطب خمسمائة حمل وأربع وخمسون.
ومن السكر تسعون قالبا.
ومن الأتاى تسع وعشرون رطلا.
ومن الشمع خمس وعشرون ابرة.
ومن الفلفل الأسود ست وأربعون رطلا.
ومن الفلفل الأحمر أحد عشر رطلا.
ومن الكمون أربعة عشر رطلا.
ومن القرفة خمسة أرطال.
ومن أثمان الزعفران مائة وسبعة عشر ثمنا.
ومن الزيت خمسمائة وثمانية عشر رطلا.
ومن الملح أربعون مدا.
ومن الشطاطيب ثلاثمائة وخمس وخمسون شطابة.
ومن الشرابيل (نعال النساء) تسعة وتسعون شربيلا.
ومن البلاغى (نعال الرجال) اثنا عشر.
ومن الدراهم نحو الخمسة عشر مائة فرنك.
ومن الخليع مسانهة مائة وثلاث وعشرون ثورا وثمانية عشر قنطارا وخمس وأربعون عنها ثمانية وعشرون ثورا.
стр. 1157
ومن الشحم ثمانية عشر قنطارا وخمس وأربعون رطلا.
ومن الزيت لتقلية الخليع مائتا قلة واثنان وثمانون قلة كل قلة كيلها عشرون ليتر وما يكفى لذلك من الثوم والكمون وزريعة القزبور.
ومن رءوس الضأن للأضحية في عيد الأضحى نحو الثلاثة آلاف، وفى أول خميس من رجب خمسة عشر قنطارا وخمسة أرطال من الحلواء، وخمسة عشر مائة طير من الدجاج، ونيف وكذلك في النصف، وفى السابع وعشرين من الشهر المذكور، ومثل ذلك في منتصف شعبان، ومنتصف رمضان والسابع والعشرين منه، وفى يوم عاشوراء، ويزاد في هذا اليوم على ما ذكر خمسون حملا من أنواع آلات اللعب والطرب للصبيان والنساء، ومن القمح لزكاة عيد الفطر أربعة أوسق.
ومن الشعير لعلف إناث الخيل التي بأجدال بقصد الإنتاج وعددها خمسمائة وسبعون فرسة من أعتق موجود وفحولها وعددها ستة وعشرون أوسق تسعة وأربعون وستة وعشرون مدا مشاهرة.
ومن شعير علف النعم ثلاثة أمداد مياومة.
ومن شعير علف ذكور الضأن المعدة للشواء للجناب السلطانى عندما تكون جلالته بالعاصمة المكناسية ستة عشر مدا في كل يوم.
وفى أيام الشتاء ينفذ للدار العالية بالله عدد وافر من الشكلاط وقدور السكنجبير المرقد في السكر والعسل ومعاجين التفاح والإِجَّاص (١) والسَّفَرْجَل (٢)، ويخص الأعيان من الشرفاء والشريفات بالعنبر.
стр. 1158
وفى كل عاشوراء يوجد عدد وافر من الدراهم لا يقل عن ثلاثين ألف فرنك، يوزع على من بالدار العالية حتَّى وخش الرقيق صلة.
كما تنفذ للدار العالية ومن في حكمها الكسوة النسوية صيفاء وشتاء الطبقة الأولى تقاصيص خمس من الملف الرفيع في كل تقصيصة أربعة أذرع ونصف، وخمسة أطراف من رفيع الكتان، وعشرة شقق من ثياب الحرير والقطن، ومائة وخمسون فرنكا.
الطبقة الثانية ثلاثة تقاصيص ملفا، وثلاثة أطراف كتان، وستة دفائن من القطن ومائة فرنك.
الطبقة الثالثة تقصيصة من الملف وطرف من الكتان وطرف من الشيت (كتان غليظ مزوق بالألوان) وكلما ورد السلطان من أسفاره ينفذ لمن ذكر الصلة بقدر صلة الزكاة المذكورة عادة محكمة لا تتخلف.
وليس ما بين قاصرًا على مكناس بل يعم سائر الدور السلطانية وما هو مضاف إليها ومحسوب عليها بفاس ومراكش وتافيلالت، ولم يكن لهذا القدر حد ممدود بَلْ من طلب شيئًا من السبانى أو حزم الزردخان أو الفلوس أو الكسوة ينفذ له.
أما باقى العائلة من الشرفاء القاطنين بالدار الكبرى والستينية فقد كان لهم من الخبز في كل يوم مائتان يقتسمونها بينهم، وفى كل عاشوراء ألف ريال، ومثلها في عيدى الفطر والأضحى، وكذلك في عيد المولد النبوى.
وكذلك ثلاثمائة رأس من ذكور الضأن أضحية لهم في كل عيد أضحى، والكسوة للأرامل والأيتام، ودار مولاى عبد الله، وحزابة الضريح الإسماعيلى ومن في حكمهم كل سنة.
стр. 1159
ومن أراد أن يتزوج أو يزوج أو يعق أو يجعل ختانا ينفذ له مأ يكفيه في وليمته مع الكسوة لعائلته.
ولم يزل العمل جاريا بجميع ما سطرناه إلى آخر نفس من الدولة العزيزية، أما الآن فإن مُؤنْةَ الدور السلطانية والعائلات الملوكية صارت تدفع نقودا، كما أن الخليع والكسوة السنوية والصلات الاعتيادية قد أبطل العمل بها، كما عطل استعراض السلطان جيوشه بنفسه، وكذلك جميع الجيش السلطانى لم يبق منه اليوم عدا نحو المائتين والخمسين بضميمة الإضافات والملحقات كما أنَّه لم يبق اليوم سوى (طابور العبيد) المسمى بالحرس الملوكى.
وليس مستندنا في ذلك مجرد السماع بل المشاهدة والعيان والحيازة للواجب من ذلك من الصنف الأول وبمكتبتنا من الأوراق الرسمية التي هي أكبر دليل وأوضح برهان عليه ما لو تتبعنا بعضه من جلب النصوص لاحتجنا إلى مجلدات، ولكن ما لا يمكن كله لا يترك كله، وما عندنا بالنسبة لما غاب عنا قل من كثر، فإن الكنانيش المعدة لتقييد ذلك وضبطه من العصر الإسماعيلي إلى آخر الدولة العزيزية فرقته أيدى سَبَأ، كم أوقدت به من فرن وسخنت به من حمامات الشيء الَّذي تخر له الجبال هَدًّا.
وقد ألم محبنا وابن محبنا ومحب سلفنا القائد المصطفى بن يعيش رئيس مشور الخليفة السلطانى بتطاوين ببعض هذه الفصول في كناشته المتفرعة من كناشتى والده وجده، وهما ممن كانت له رياسة قيادة المشور وتربى في الخدمات السلطانية منذ نعومة الأظفار إلى أن شب وشاب.
مشيخته: منهم صاحب شكاياته أبو الحسن على المسفيوى وستأتى ترجمته، وأبو العباس أحمد بن الحاج السلمي الفاسى محشى المكودى والأزهرى على الآجرومية، ومؤلف التاريخ المسمى بالدر المنتخب المستحسن، وأبو عبد الله محمد ابن عزوز الرباطى الأصل المراكشى الدار.
стр. 1160
بناءاته: قد أتينا على ماله من المآثر بالعاصمة المكناسية عند تعرضنا لما للملوك فيها من الآثار، وقد أنفق في ذلك أموالًا كثيرة حسبما يدل لذلك كناش قوس مكناس المحفوظ بخزانتنا، كما قدمنا قريبا ذكر ما شيد وجدد من الأبراج والحصون بثغرى طنجة والرباط، ومن آثاره أيضًا بالرباط بناؤه مرساها وتجديد ديوانتيها والزيادة في رصيفها قبل إصلاحها الحادث بعد، وكذلك بنى قصبة الحاجب بحبوحة برابرة بنى مطير وقصبة تيزنيت، ومن تأسيساته باب قبيبة السمن كما يدل لذلك ما هو مكتوب باعلى الباب المذكور في نقش زليج أسود بخط بارع ولفظه:
باب السعادة أشرقت أنوارها ... لما ارتقت أوج العلا أسوارها
أضحى على الفتح المبين بناؤها ... فلذاك جلت جملة أخطارها
قامت بسعد مليكنا الحسن الرضى ... فعلا به فوق السهى مقدارها
لازال نصر الله منها داخلا ... لجناب من عزت به أنصارها
والعز والتمكين يغشاه بها ... حتَّى تتم لنفسه أوطارها
ما قال سعد تمامها تاريخها ... "كملت مبان بابها آثارها"
ما خلفه من الأولاد ﵀
مولانا محمد -فتحا- الخليفة بمراكش سابقا، وهو أكبر المذكور وشقيقاه مولاى زين العابدين الخليفة السلطانى بتزنيت حينه، ولال أمينة أمهم الشريفة المصونة مولاتنا زينب بنت العلامة مولاى العباس بن عبد الرحمن بن هشام.
стр. 1161
مولاى عبد الحفيظ السلطان السابق، وشقيقاه مولاى بو بكر خليفته بمراكش سابقا، ولال حبيبة أمهم الحرة المكنونة السيدة العالية بنت صالح بن الغازى الشاوى الشهير.
مولاى إسماعيل وشقيقته لال خديجة المدعوه لال سيدى أمهما الشريفة لال هنية بنت ابن عمنا النقيب مولاى أحمد بن زيدان.
مولاى المصطفى وشقيقته السيدة نزهة أمهما الشريفة لال أم الغيث بنت مولاى الأمين بن عبد الرحمن بن هشام.
مولاى الكبير وشقيقته لال شريف أمهما ميمونة.
مولاى عبد العزيز السلطان من بعده وشقيقه سيدى محمد المهدى أمهما المولاة رقية تركية.
السلطان مولانا يوسف والسيدة زينب أمهما الصينة المولاة آمنة تركية توفيت في عهد ولدها سنة ١٣٣٦ وقال الشعراء في رثائها.
مولاى المأمون الخليفة السلطانى حينه بفاس. أمه المولاة الياسمين صرغينية.
مولاى عثمان وشقيقته السيدة ربيعة أمهما المولاة طويمو.
مولاى جعفر أمه المولاة عويشة.
مولاى بلغيث وشقيقته السيدة أسماء أمهما المولاة زهراء بوزكرى شاوية.
مولاى الطاهر وأشقاؤه، مولاى أحمد، ومولاى التهامى وسمى جده سيدى محمد دعى المكناسى، والسيدة لبابة ولال مليكة أمهما المولاة حسن الملك تركية.
مولاى موسى، وشقيقه مولاى الأمين أمهما المولاة طويمو السيد موسى.
مولاى العباس وشقيقته السيدة سكينة أمهما المولاة كنزة.
стр. 1162
مولاى إدريس أمه المولاة حبيقة.
مولاى الطيب أمه المولاة فائدة الشركية.
مولاى على أمه المولاة جمعة.
مولاى عبد الله وشقيقه المولى الحسن أمهما المولاة فتح الزهر مولاى عمر الخليفة السلطانى بفاس سالفا وشقيقته لال أم الخير أمهما المولاة خويرة عبد الكامل.
السيدة حفصة وشقيقتها السيدة أم هانى أمهما المولاة عبلة.
السيدة أم كلثوم أمها المولاة عائشة التركية.
السيدة كنزة أمها المولاة الدامى عبدية.
السيدة فخيتة أمها لبيبة تركية.
السيدة الباتول والسيدة عائشة والسيدة فاطمة الزهراء أمهن الضاوية شلحة.
السيدة السعدية أمها زهرة شيظمية.
السيدة صفية والسيدة جمالة أمهما المولاة فتح الزهر الصغيرة.
السيدة فضيلة أمها المولاة بحر الزين.
السيدة زهور أمها المولاة نضار تركية.
السيدة فاطمة وهي أكبر أولاده ذكورًا وإناثا أمها زهوة شيظمية.
السيدة مريم والسيدة عتيكة أمهن المولاة فتح الزهر عبد الكامل.
السيدة ستى أمها المولاة خديجة تركية.
стр. 1163
الشريفات من نسائه
الشريفة السيدة زينب المذكورة، والشريفة السيدة هنية المذكورة، والشريفة السيدة حليمة بنت مولاى العباس بن عبد الرحمن، والشريفة السيدة مليكة، والشريفة السيدة أم الغيث بنت مولاى الأمين، والشريفة السيدة ستى بنت مولاى على بن عبد الرحمن بن هشام.
الحرائر منهن
السيدة العالية المذكورة، والسيدة خديجة بنت الكبير بن المدني الشاويتين والمذكورات من الشريفات.
المطلقات منهن
١ الزيدانية، ٢ والسيدة زينب، ٣ والسيدة العالية، ٤ وبنت ابن المدني: والباقيات ٤ مات وهن في عصمته وما عداهن من المذكورات مستولدات.
وفاته: توفى أثناء طريقه لدا منقلبه من مراكش لمكناس وفاس عقب أوبته من الحركة الفيلالية المارة الذكر بالمحل المعروف بدار ولد زيدوح من قبيلة بنى موسى من الصقع التادلى في الساعة الحادية عشرة من ليلة يوم الخميس ثانى ذى الحجة الحرام متم عام أحد عشر وثلاثمائة وألف، وكتم ذلك عن الخاصة والعامة داهية الحجاب والوزراء أحمد بن موسى مار الترجمة، ولم يفش الأمر لأحد وأمر الحرم بالتجلد والصبر، وإلا فإنهن يوقعن أنفسهن في الفضيحة والعار لعدم أمن غائلة تلك القبيلة، وصار يصدر الأوامر والنواهى للوزراء وغيرهم على لسان المترجم وأمر من يناديه كل آونة ليكلم السلطان ولم يزل يرتكب وجوه التدبير والسياسة حتَّى قطعت المحال المهامة المخوفة وخيمت بالمحل المعروف بالبروج من بلاد بنى مسكين، فعند ذلك باح للناس بما كتم، وأبرز المقدور المحتم، فتسارع الناس لبيعة
стр. 1164
ولى عهده المولى عبد العزيز وغسل المترجم وكفن وجعل في تابوت، وحمل إنى رباط الفتح حيث مضجعه الآن بضريح جده السلطان سيدى محمد بن عبد الله، وطير الإعلام بذلك للحواضر والبوادى، فوصل الخبر لمكناس وفاس يوم الثلاثاء سابع الشهر، وفى الساعة الحادية عشرة من يوم عرفة دفن حيث أشير، ﵀ رحمة واسعة آمين
* * *
стр. 1165
إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس
تأليف
ابن زيدان: عبد الرحمن بن محمد السجلماسي
(١٢٩٠ هـ - ١٣٦٥ هـ)
تحقيق
الدكتور علي عمر
بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية
بجامعة المنيا والإمام بالرياض
ومن الباحثين بمركز تحقيق التراث «سابقا»
[الجزء الثالث]
стр. 1166
الطبعة الأولى
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للناشر
الناشر
مكتبة الثقافة الدِّينِيَّة
٥٢٦ شَارِع بورسعيد - الْقَاهِرَة
ت: ٢٥٩٢٢٦٢٠ - ٢٥٩٣٨٤١١ - فاكس: ٢٥٩٣٦٢٧٧
E-mail: alsakafa_aldinay@hotmail.com
بطاقة الفهرسة
إعداد الْهَيْئَة المصرية الْعَامَّة لدار الْكتب والوثائق القومية
إدارة الشئون الفنية
إتحاف أَعْلَام النَّاس بِجَمَال أَخْبَار حَاضِرَة مكناس ج ٣
تأليف: ابْن زَيْدَانَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد المكناسي, تَحْقِيق: عَليّ عمر، ط ١، الْقَاهِرَة: مكتبة الثقافة الدِّينِيَّة ٢٠٠٨ م
٥ مج: ٢٤ سم
تدمك: ٨ - ٣٩١ - ٣٤١ - ٩٧٧
١ - الْفُقَهَاء - معاجم
أ - عمر، عَليّ (مُحَقّق)
ب - العنوان
ديوى: ٩٢٢.٥٨
رقم الْإِيدَاع: ٧٦٦٨/ ٢٠٠٨
стр. 1167
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1168
[صورة]
كان المؤلف قد أهدى لجلالة الملك فؤاد ملك مصر نسخة مما طبع من التاريخ فورد عليه الرد من حضرة صاحب الدولة محمد توفيق نسيم باشا رئيس الوزارة المصرية سابقًا ورئيس الديوان الملوكى حالا
стр. 1169
إتحاف أعلام الناس
بجمال أخبار محاضِرَة مِكناس
لابن زيدان
стр. 1170
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
* * *
١٢٤ - الحسن بن عثمان بن عَطِيَّة التجانى المكناسى المعروف بالوَنْشَرِيسى أبو على .
حاله: فقيه عدل متقن نقاد، مفت مدرس نفاع، صالح فرضى حيسوبى، له عناية بفروع الفقه ومعرفة بقرض الشعر، والأدب.
وهو من جملة من لقيه لسان الدين ابن الخطيب من أئمة مكناسة وجلة أعلامها وقد قال في حقه: وكان فقيها عدلا من أهل الحساب والقيام على الفرائض والعناية بفروع الفقه ومن ذوى السذاجة والفضل ويقرض الشعر، وله أرجوزة في الفرائض مبسوطة العبارة مستوفية المعنى هـ.
وقال ابن الأحمر في حقه: شيخنا الفقيه المفتى المدرس القاضي الفرضى الأديب الحاج أبو على بن الفقيه الصالح أبي سعيد عثمان التجانى المنعوت بالونشريسى أجازنى عامة (١) هـ.
ذكر له صاحب المعيار فتاوى عدة في غاية الإتقان تبرهن على تبحره وتضلعه.
стр. 1171
مشيخته: منهم الفقيه الإمام النظار أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل بن الصباغ الخزرجى المكناسى.
الآخذون عنه: منهم ابن الأحمر أجازه موطأ مالك برواية يحيى بن يحيى [ولد في حدود أربع وعشرين وسبعمائة، وكان حيا في حدود التسعين] (١).
١٢٥ - الحسن بن عطية (٢) أوردهما معا ابن فازى في روضه.
حاله: فقيه جليل. علامة أصيل. عدل رضى من عدول مكناسة المبرزين ومدرسى جامعها الأعظم، له مهارة تامة ويد طولى وعناية كاملة بفروع الفقه وتضلع في الحساب والفرائض وقرض الشعر ولى القضاء أظنه بفاس ثم رحل إلى الحج في خلق ورجع لفاس وهم أن يتخلى عن القضاء ويتفرغ للعبادة حتَّى يأتيه أمر الله فقالت له امرأته: إما أن ترجع للقضاء دراما أن تطلقنى فإنى استأنست أن يخدمنى النساء فرجع إلى القضاء ثم مات بعد خمسة عشر يوما.
مشيخته: منهم الفقيه الراوية الحافظ خاتمة محدثى المغرب أبو البركات بن الحاج البلفيقى (٣).
стр. 1172
الآخذون عنه: منهم ابن الأحمر، وجماعة. قال ابن الأحمر: وأجازنى عامة (١) هـ.
مؤلفاته: منها رجز في الفرائض مبسوط العبارة مستوفى المعنى. قال في نفح الطيب: وله شرح عليه هـ.
وفتاوى عدة نقل منها صاحب المعيار جملة وافرة وحلاه عند التعرض لذكره بالقاضى العلامة.
ومن ذلك قوله في القضية التي وقعت له مع عدول مكناسة لما عينه السلطان أبو عنان في جملة من وقع عليه اختياره حين أمر بالاقتصار على عشرة من الشهود بالمدينة المذكورة وأنف شيوخ عدولها من ذلك لحداثة سن المترجم:
نبدأ أولا بحمد الله ... ونستعينه على الدواهى (٢)
ثم نوالى بالصلاة والسلام ... على النبي دونه كل الأنام
وبعد ذا نسأل رب العالمين ... أن يهب النصر أمير المؤمنين
خليفة الله أبا عنان ... لا زال في عز مع الأمان
ملكه الله من البلاد ... من سوس الأقصى إلى بغداد
ويسر الحجار والجهادا ... وجعل الكل له مهادا
يا أيها الخليفة المظفر ... دونك أمرى إنه مفسر
عبدكم نجل عطية الحسن ... قد قيل لا يشهد إلا إن أسن
стр. 1173
وهو في أمركم المعهود ... من جملة العشرة الشهود
نص عليه أمركم تعيينا ... وسنه قارب أربعينا
مع الَّذي ينتسب العبد إليه ... من طلب العلم وبحثه عليه
على الفرائض له أُجورة ... أبرز في نظامها إبريزه
ومجلس له على الرسالة ... فكيف يرجو حاسد زواله
حاشا أمير المؤمنين ذاكا ... وعدله قد بلغ السماكا
وعلمه قد طبق الآفاقا ... وحلمه قد جاوز العراقا
وجوده مشتهر في كل حى ... قَصَّرَ عن إدراكه حاتم طىّ
ويقال إنه لما وصلت الأبيات للسلطان أمر بإقراره على ذلك.
ولادته: ولد في حدود أربع وعشرين وسبعمائة وكان حيا قرب التسعين وسبعمائة.
١٢٦ - الحسن أبو الطيب بن محمد السهلى الشهير بآمكراز .
دفين خارج باب أبي العمائر أحد أبواب مكناسة الزيتون، وضريحه هنالك شهير كان عليه بناء حافل أخنى عليه الدهر اليوم فَهُدّ ومزقت بهجته كل ممزق بعد حلول الدولة الحامية ..
ولعبت بضريحه أيدى الحدثان تارة يكون مقيلا للفاسقين، وتارة مرحاضا للمتغوطين، وآونة لربط الدواب وأخرى لطرح القاذورات والأوساخ.
حاله: شيخ جليل القدر. شهير الذكر. حسن السيرة. منور السريرة. طريقه راجعة إلى الشيخ أبي عبد الله الجزولى.
стр. 1174
الآخذون عنه: يقال منهم السيد عياد والد أبي زيد عبد الرحمن المجذوب.
وفاته: توفى سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة.
١٢٧ - الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن حرزوز المكناسى أبو على .
من ذرية أبي على منصور.
حاله: كان ﵀ فقيها جليلا علامة فهامة إماما عارفا محدثا ماهرًا، متقنا مشاركا متضلعا، أديبا كاتبا، خطيبا فصيحا بليغا، لم ير بالمغرب خطيب أفصح منه، ولم يكرر خطبة قط.
رحل إلى المشرق ولقى به المشايخ وأخذ عنهم، وكان يروى كتب السنة الستة والموطأ لإمامنا مالك بأسانيدها إلى مؤلفيها بالإجازة العامة، وقد كان بلغ الغاية القصوى من الحظوة والوجاهة عند ملوك عصره، وكانت له نية صالحة في طريق القوم.
امتحنه السلطان أبو عبد الله محمد الشيخ السعدى لكلام بلغه عنه وأنه كان يعرض في خطبه به ويحذر الناس من اتباعه والانقياد إليه ويقول على المنبر: جاءكم أهل السوس الأقصى البعاد، ثم يذكر الشيخ ويقول: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد في كلام غير هذا.
فقتله هو وولده صبرا، وعلقهما على باب دارهما، وكان قد أخبر الممتحن بذلك الشيخ أبو الرواين الآتى في حرف الميم في قصة تأتى هناك بحول الله، ولما أُشخص مع ولده لمصرعهما قال لولده: اصبر يا ولدى هي والله شهادة كشهادة شهيد الدار يعنى ابن عفان ﵁.
стр. 1175
مشيخته: أخذ عن أبي عبد الله محمد الوقاد حسبما أفصح بذلك هو نفسه في فتواه بالموافقة على جوار اعتمار الممنون عليهم بالإسلام من الذميين بأسواق المسلمين، وهي من جملة مشمولات نصيحة المغترين وكفاية المضطرين في التفريق بين المسلمين بما لم ينزله رب العالمين، ولا أخبر به الصادق الأمين، ولا ثبت عن الخلفاء المهتدين.
وأخذ عن أبي حفص عمر بن نور الدين أبي الحسن على بن علم الدين الربيع سليمان الجزائرى مسكنا التونسى موطنا وألبسه الخرقة، وذلك يوم الأربعاء ثامن عشر حجة الحرام سنة اثنتين وتسعمائة، وقد لبسها هو من يد شيخه أبي إسحاق إبراهيم التازى عن المراغى بسنده الشهير كما ذلك بفهرسة المترجم، وصافحه وشابكه وأضافه بالأسودين، وسمع منه حديث الرحمة وهو أول حديث سمعه منه وأجازه، بجميع ما ذكر، وأبو حفص هذا يروى عن التازى المذكور عن الزواوى بأسانيده.
وأخذ أيضًا عن الحافظ فخر الدين عثمان الديمى المصري بمنزله بالديار المصرية وأجازه بالكتب الستة، وموطأ إمام دار الهجرة إمامنا مالك بن أنس رضى الله عنه.
وعثمان هذا يروى صحيح مسلم وسنن ابن ماجة عن عز الدين عبد الرحيم ابن محمد بن الفرات، وصحيح البخاري عن أبي إسحاق إبراهيم بن صدقة الصالحى الحنبلى، ويروى موطأ مالك برواية يحيى بن يحيى وسنن الترمذي وشمائله وسنن النسائي، وسق أبي داود قراءة وسماع قراءة لبعضه عن الشيخ عز الدين المذكور حسبما وقفت على ذلك في إجازات شيوخه له بخطوطهم رحم الله الجميع بمنه.
стр. 1176
الآخذون عنه: سمع منه أبو عبد الله محمد بن عسكر صاحب الدوحة وغيره.
وفاته: توفى شهيدا في ذى القعدة عام ستين وقيل واحد وستين وتسعمائة.
١٢٨ - حسن نور الدين بن أحمد بن العباس بن أبي سعيد المكناسى .
حاله: فقيه علامة له مشاركة في سائر العلوم دخل مصر سنة أربع وسبعين وألف ورحل إلى الحج واجتمع على السيد عبد الرحمن المحجوب المكناسى بمكة.
مشيخته: أخذ عن أبي عبد الله محمد بن أحمد الفاسى نزيل مكناس وحضر دروس سيدى عبد القادر الفاسى ودروس الشبراملسى ومنصور الطوخى وأحمد البشبيشى ويحيى الشهاوى وغيرهم.
ولادته: ولد بمكناس سنة إحدى ومائة وألف.
وفاته: توفى بمصر سنة إحدى ومائة وألف.
١٢٩ - الحسن بن رحال بن أحمد بن على التدلاوى ثم المعدانى -كذا قرأته فيما كتبه بخطه منه نقلت- الإمام الكبير أبو على .
حاله: كان نادرة الزمان، وأعجوبة الأوان، حافظا لافظا متضلعا ماهرًا، له ملكة واقتدار في سائر الفنون حتَّى كان يدعى بصاعقة العلوم والتدريس، له عارضة كبيرة في الفقه، واتساع زائد في النوازل والأحكام، وملكة عجيبة في الفتوى، وصبر هائل في مجلس الإقراء، متسع الصَّدر والعارضة لما يلقى عليه في مجلس درسه من الأبحاث، يجلس للدرس عند طلوع الشمس ويتمادى إلى الزوال من غير ملل ولا ضجر، وهذا لا ريب تأييد إلهى.
وكان لا يعجز عن الجواب مع استحضار النصوص المحيطة بالمرام، كثير المطالعة والتقييد، مرجوعا إليه في الفتاوى، مستحضرًا للفروع، كثير الإنصاف
стр. 1177
والتواضع، سليم الصدر، كريم الأخلاق، حلو المداعبة، بعيدًا عن التصنع، مطنبا في الكلام، مفضالا جوادًا.
ولى قضاء فاس العليا ثم أُخر عنه وأكب على التدريس والتأليف، ثم ولى في آخر أمره قضاء مكناسة وبها توفى قاضيا.
وكان كثير العيال، كثير التزوج مطلاقا، ولد عدة أولاد، أفنى الموت الكثير منهم، وكان أكولا، قال بعضهم: بات عنده ضيف فأتى بطعام كثير في إناء كبير يشبع جماعة من الناس فكل الضيف مثل عادته، وأكل المترجم جميع الطعام الَّذي بقى، وشرب ما يناسبه من اللبن العقيد، وبقى الضيف متعجبا.
وبات يطالع إلى أن طلع الفجر فصلى الفجر والصبح، ثم جلس للمطالعة إلى أن خرج للتدريس فجلس يدرس إلى الزوال على عادته، وكان قليل النوم كلما أدام الأكل زادت قواه في المطالعة، وذلك أمر عجيب لمخالفته للعادة، فقد اتفق الأطباء على أن كثرة الأكل تورث النوم والعكس بالعكس، والله على كل شيء قدير، ومستند ما اتفق عليه الأطباء هو العادة؛ لأن كثرة الأكل ينشأ عنها السمن وكثرة الدم وهما يقتضيان كثرة النوم.
مشيخته: منهم الشيخ الإمام الحسن بن مسعود اليوسى، وسيدى عبد السلام القادرى ونظراؤهم.
الآخذون عنه: جم غفير، منهم المحدث الكبير الإمام القدوة ذو القدر الخطير سيدى الكبير السرغينى، ومنهم العلامة الصالح المتبحر سيدى أحمد بن مبارك السلجماسى، وأبو الحجاج يوسف المجيلدى، وأبو عبد الله محمد بن البكرى الشاذلى الدلائى، وأبو عبد الله محمد بن عبد الصادق الدكالى، وغيرهم من الفحول.
مؤلفاته: له شرح جليل المقدار على المختصر الخليلى من باب النِّكَاح إلى آخره، وقفت عليه بالخزانة السلطانية في نحو خمسة عشر جزءا ضخما، وحاشية
стр. 1178
عجيبة المثال على شرح الخرشى وقفت عليها في أربع مجلدات ضخام بالخزانة المذكورة وعلى الربع الأول منها في غيرها، وغالب ظنى أن ذلك الربع من مبيضة المؤلف، وحاشية على شرح الشيخ ميارة على التحفة مطبوعة متداولة بأيدى الناس، وتأليف سماه الإرفاق في مسائل الاستحقاق وغير ذلك، وبالجملة فقد كان حافظ مذهب مالك في زمانه.
شعره: من ذلك قوله:
إياك والتفريط في الأقوات ... فهي قوام الدين والحياة
مع فتنة ومحنة قد عظمت ... في ظاهر وباطن كما ثبت
سيما في مغربنا وشبهه ... فاجهد لما ذكرته وانتبه
فالقوت روح الجسم والحياة ... وفقده طبعا هو الممات
وفاته: توفى بمكناس ثالث رجب عام أربعين ومائة وألف ودفن بضريح أبي عثمان سعيد المَشَنْزَائى (١) خارج باب وجه العروس من مكناس، وتوفى وهو يقرأ كتاب الشفا للقاضي عياض ابتدأ قراءته وهو مريض والطلبة يدخلون عليه للقراءة بداره ﵀، وإلى الرمز لوفاته أشار أبو العباس أحمد المنصورى بقوله كل مشكل من قوله:
إن ابن رحال تفرد بالعلا ... وأوضح في فتح لدا (كل مشكل)
١٣٠ - حمادى أبو المواهب بن عبد الواحد الحمادى نسبة لفخذ من قبيلة برابرة بنى مطير الشهيرة الشهير بالمكناسى .
حاله: فقيه ناسك، دين ورع سالك، ولى شهير، عارف كبير، ممن يشار إليه بالخير والصلاح، والبركة والنجاح، موسوما بالولاية، ملحوظا بعين الرعاية
стр. 1179
والعناية، يذكر أنَّه كان في أول أمر ذا سياحة فاشتد عليه الأمر وطال به الفتح فأنشد مستغيثا بالنبى الطاهر:
بما يوجهك من حسن ومن بهج ... وما بغرتك الغراء من بلج
وما بعينك من سِرٍّ وَمِنْ دعج ... وما بثغرك من در ومن فلج
أغثنا يا خير خلق الله عن زعج ... فإننا يا رسول الله في حرج
فأتاه الفتح والفلاح. ونال ما يرجوه من مولاه الفتاح. فأنشد لسان المقال منه من غير خوف لوم ولا جناح:
أبشر هنيئا لقد ظفرت بالفرج ... ولن ترى بعد هذا اليوم من حرج
علاك طالع صبح الوصل في وهج ... فقل لبارقة الأيام ايت تج
فالسعد في شرف والذكر في هرج ... وليس بعد قوام الأمر من عوج
وقد كان يزوره الولى الصالح الشريف مولاى عبد القادر العلمي، والشيخ التاودى بن سودة، وقد تحدث الناس عنه بكرامات، وأمور خارقات، وكان ورده الَّذي يلقن أصحابه لقد جاءكم رسول من أنفسكم الآية إلى السورة مائة مرة في كل يوم وعقب كل مرة: اللهم إنى توكلت عليك لأعلى غيرك، اللهم اكفنى ما أهمنى، وما لم يهمنى، مما علمته وما لم أعلمه من أمور الدنيا والآخرة، إنك على كل شئ قدير.
وكانت له معرفة بعلوم الأسماء والجدول، محبا في آل البيت معظما لهم وله أحزاب وصلوات على النبي ﷺ .
وفاته: توفى أواسط المائة الثالثة بعد الألف بمحروسة فاس، ودفن قريبا من وادى الزيتون، وقبره هنالك مشهور مزار متبرك به، إلى الآن.
стр. 1180
١٣١ - الحسن بن مبارك السوسى المكناسى الوفاة الولى الصالح المجذوب المكاشف .
حاله: كان في أول أمره قاطنا بحانوت حجام قرب سيدى عمرو بوعوادة من حومة حمام الحرة يتكلم بكلام كالمخاطب لشخص، وهو يقصد غيره، يرى في بعض الأحيان كالأسد لا يقدر أحد أن يكلمه، وكانت تفد لزيارته الوفود من الحواضر والبوادى، وكان ذا أحوال ومكاشفات ولا يتكلم إلا باللسان البربرى، وقل ما يؤمه أحد وفى نفسه حاجة إلا وكاشفه بمراده وما يئول إليه أمره تصريحا.
وحكى عنه صاحب سلوك الطريق حكايات من هذا الباب وقعت له معه أعرب له فيها عما في ضميره، وحكى أن الحاجب ابن الرضى المراكشى جاءه وقد كان سلطان الوقت مرض مرضا مخوفا، فقال له: يا سيدى إن السلطان مريض وإنا نخاف عليه الموت، فقال له لا تخف إلا على نفسك، فكان من قضاء الله وقدره أن السلطان برئ وقتل الحاجب المذكور، بعد أن عظم مكانه عنده.
وحكى أن بعض أهل مكناسة عزم على الحج فقال لولده: اشتر خبزة ولحما واذهب لسيدى الحسن واسمع منه ما يقول في شأن الحج، ففعل الولد، فجعل سيدى الحسن يقول: يذهب للحج يذهب للحج من يأخذه عزرائيل، قال: فكرهت أن أقول ذلك لأبي وقلت تكلم بالبربرية فلم أفهمه فيما سافر الركب حتَّى كان الوالد في قبره ويتحدث الناس عنه من هذا النوع بكل غريب باهر.
وفاته: توفى سنة خمس وسبعين ومائة وألف، ودفن ترب ضريح سيدى عمرو بوعوادة، وبنى عليه مقام ومسجد وصارت له عمارة أكثر من عمارة سيدى عمرو المذكور.
стр. 1181
١٣٢ - الحارث بن المفضل الحسناوى السهلى أصلا المكناسى دارا .
حاله: فقيه علامة من أعيان مهرة محققى عصره، وأوحد فضلاء مصره، كان معاصرًا للشيخ الرهونى محشى الزرقانى وبنانى، وربما كان في عداد شيوخه.
وهو من جملة أعيان العلماء الذين وافقوا على تأليف له نقله في حاشيته المذكورة عند قول المتن، وقدمت بينة الملك من باب الشهادات وقد صرح بأن الموافقين له عليه من محققى أعيان علماء عصره، وأثبت تقاريظهم ثمة وهم أي المقرظون الموافقون: الشيخ الطيب بن عبد المجيد بن كيران، والشيخ محمد بن أحمد بن محمد بنيس، والشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الحائك المصمودى التطوانى، والشيخ المترجم، والشيخ سيدى محمد بن الخضر النجار الحسنى السماتى، والشيخ سيدى محمد بن محمد الجنوبى الحسنى، والشيخ سيدى محمد بن الصادق بن أحمد بن الحسين بن ريسون الحسنى العلمي هكذا ذكر نصوص موافقاتهم له على هذا الترتيب، ولم أقف على تاريخ وفاته.
١٣٣ - الحسن بن مولاى المهدى بن مولاى أحمد بن مولاى المهدى بن سميه أيضًا نجل تاج مفرق الدولة العلوية أبى النصر مولانا إسماعيل.
قدس الله سره الشريف الأصيل. البركة الجليل. الصالح الأنزه.
حاله: بركة صالح، ذاكر ناسك صبور مقبل على الله، دال عليه بحاله ومقاله، معرض عن سائر الخطط والمناصب العلمية، وربما تعاطى بعض أسباب المعاش من بيع وشراء إذا ضاق به الأمر في تحصيل ضروريات عياله، قنوع باليسير، مكتف بأدنى بلغة.
رحل لطلب العلم بمحروسة فاس وتلقاه من أفواه جلسة حملته وجد واجتهد حتَّى حصل ما قسم الله له، ثم قفل لمسقط رأسه زاوية زرهون، وصار حامل راية
стр. 1182
دروسها فانتفع به كل طالب للعلم وقتئذ بها، ثم انتخبه السيد عبد الله بن أحمد لإقراء ولده السيد عبد السلام العلم بفاس مدة مديدة، وبعد موت المذكور رجع للزاوية وانكب على تدريس العلم وإفادته، ثم انتقل لمكناس وأقبل على نشر العلم وبثه في صدور الرجال راض بالقليل من الطعام والدون من الثياب، مقبل على الله في سره ونجواه، ولوع بمحبة الصالحين ومجالسة أهل الخير، والأنس بحديثهم.
ولم يزل هذا شأنه وديدنه إلى أن ألبسه المولى سبحانه حلة مرض مزمن أقعده بل أضجعه، فتلقى ذلك بكمال الرضا، بحيث صار لا يتمنى زواله، ولا يبحث عن طريق التخلص منه.
ولم تزل أسراره القلبية تنمو، ومرضه يتزايد حتَّى صار نصفه الأسفل لا يتحرك إلا بمشقة، وقلبه مع ذلك ممتلئ بالأسرار طافح بالأنوار، فكان وهو بهذه الحالة يفيض على زائريه مما هو فيه فيجدون في ذلك من الرقة والإنابة والخشية ما كانوا قبله بُعَدَاء عنه، وقد لازمه المرض الموصوف وهو معه على هذا الحال المعروف مدة سنين إلى أن لبى داعى مولاه وانتقل لما اختير له ﵀.
مشيخته: أخذ عن مختصر الرهونى الشيخ سيدى محمد بن المدني جنون وهو عمدته ومن في طبقته من أعلام ذلك الزمان.
الآخذون عنه: منهم إمام وخطيب مسجد الضريح الأنور الإدريسى العلامة سيدى الفاطمى بن الفضيل ومنهم سيدى محمد بن الفاطمى الإدريسى ومنهم ابن عمنا العلامة الأقعد ابن أخي المترجم سيدى محمد بن أحمد وخلق وستأتى تراجم هؤلاء فيما بعد بحول الله.
стр. 1183
وفاته: توفى بمحروسة مكناس صبيحة يوم الجمعة ثانى شوال عام ثلاثين وثلاثمائة وألف ودفن بضريح سيدى عبد الله الدراوى المدعو الضاوى ضجيعا له قرب ضريح سيدى أحمد بن خضراء المتقدم الترجمة.
١٣٤ - الحسين بن الحسن بن حفيد بن محمد -فتحا- بن زين العابدين بن فخر الملوك مولانا إسماعيل الحسنى .
المكناسى النشأة والدار والإقبار.
حاله: فقيه أستاذ مجود، كان يحفظ قراءات السبع ويؤدب الصبيان بمسجد الشاوية المعروف اليوم بجامع الستينية، نسخ كتبا عديدة وكانت طريقته تيجانية، وكان مقدما فيها وله الإذن الخاص في تلقين أورادها وأسرارها، ولم يزل متمسكا بذلك العهد إلى أن لبى داعى مولاه وانتقل لما اختير له ﵀.
مشيخته: أخذ عن سيدنا الجد دنية مولاى عبد الرحمن بن على بن زيدان، والسيد فضول بن عزوز، وابن الجيلالى (١) السقاط وغيرهم.
الآخذون عنه: أخذ عنه القرآن غير واحد، وتخرج على يده من حملة القرآن عدد وافر من الأشراف وغيرهم.
* * *
стр. 1184
حرف الخاء
* * *
١٣٥ - الخياط الزرهونى .
حاله: ولد بمدشر العامة من جبل زرهون، ثم رحل لفاس فقرأ القرآن بالروايات العشر وأتقن حفظها، وقرأ الخزرجية والقلصادى والمنية، ومهر في الحساب والفرائض والتاريخ وأيام الناس وسياسة الملوك، ثم اتخذ مكتبا لتعليم الصبيان بحومة زقاق الحجر من مدينة فاس، ثم رشحه جارى الحومة المذكورة لمباشرة زمام ما يقبضه من اللوازم، ثم صار يباشر زمامات سائر المكلفين بقبض الأداءات البلدية بسائر حومات فاس، وعددها إذ ذاك أربعة وعشرون حومة وبجميع حسابات ذلك.
فقريه واصطفاه إليه عامل فاس إذ ذاك من قبل السلطان سيدنا الجد مولانا إسماعيل وهو أبو على الروسى، فولاه على الجميع حتَّى لم يبق لأحد معه في تلك الجهة من الأمر شيء، حتَّى صار يضرب المغارم على من يستمع للوعاظ والقصاص بمسجد القرويين، ويوقع القبض على من لم يؤد ما وظف عليه من المغرم، فترك الناس لذلك الإتيان للمسجد والاستماع للوراقين.
ثم لما أراد الله أفول طالع ظلمه، وإراحة المسلمين من بغيه، اتفق أن قدم لفاس اسى المؤذن مسامر مولانا الجد السلطان مولانا إسماعيل لزيارة ابنته في مرض أصابها، فدخل لمسجد القرويين بقصد سماع كتاب الحلية من القلص، فوجد المسجد فارغا لا يسمع من الوعاظ إلا النزر القليل من الناس، فبحث عن السبب فأخبر بفعل المترجم فأسرها في نفسه.
ولما رجع لمكناس وجلس مع السلطان على عادته سأله عن أحوال الناس
стр. 1185
وعن الأسعار والرخاء وتأمين البلاد والطرق وعمارة المساجد وقراءة العلم وأهل الدين والخير وسيرة عماله فيهم، فأخبره عن ذلك، إلى أن بلغ لخبر القرويين فأخبره بفعل الخياط المذكور مترجما فيها.
فاغتاظ لذلك الفعل السيئ الشنيع وأصدر أمره حالا لعامله أبي على الروسى مضمنه: وليتك أمر المسلمين لتنظر إليهم بعين الشفقة والرحمة وتسعى في المصالح فإذا بك أطلقت عليهم في كل حومة سفيها ابن زنا يكل لحومهم ويمص دماءهم ومن سلمه الله منه يتبعه للمسجد الأعظم ويقبض عليه فيه ويسجنه، فإن كان هذا في علمك فسترى إن شاء الله منى ما تكره، وان لم يكن عن إذنك فعلى بهؤلاء، فإن تركت منهم أحدا فإنك مكانه وكلكم راع والكل مسئول عن رعيته. فقبض القائد المذكور على جميعهم امتثالا للأمر العالى وجعل لهم الأغلال والسلاسل إلا المترجم تفلت واستجار بحرم مولانا إدريس ﵁، فكلف العسس بالقبض عليه عندما يخرج لقضاء حاجة الإنسان، فقبض عليه بالكنف، وفتحوا في أحد جدرانه نقبا أخرجوه منه فغل وقيد ولحق بإخوانه، وسار بالجميع العامل المذكور، فلما مثلوا بين يديه أمر بضرب أعناقهم ردعا لأمثالهم وإراحة للمسلمين منهم، وضمت أموالهم لبيت مال المسلمين، وأمر السلطان العامل أبا على بأن لا يزيد على جاريين أحدهما على اللمطيين والآخر على الأندلسيين، وأمر السلطان أن لا يعطى للجارى سوى موزونتين، ولجارى الحبس سوى موزونة، ولعون الشرع سوى نصف موزونة، فمن زاد على ذلك ضربت عنقه، وبسبب ذلك اطمأنت البلاد والعباد، وانطفأت نيران ذوى الجور والفساد.
وفاته: قتل بمكناس صبرا عام خمسة أو أربعة وعشرين ومائة وألف.
стр. 1186
١٣٦ - الخياط الخياطى من عقب الولى الصالح سيدى عبد الله الخياط، دفين جبل زرهون .
حاله: من أهل الخير والصلاح والعناية والنجاح. والرعاية والفلاح. مشار إليه بالولاية والفضل، متبرك به معتقد أظهر الله على يده كرامات وخوارق عادات.
الآخذون عنه: منهم أبو حفص الشريف سيدى عمر بن أحمد العراقى المتوفى سنة اثنتين وأربعين ومائتين وألف.
وفاته: توفى أوائل القرن الثالث عشر بفاس، ودفن بإزاء سيدى عبد السلام التواتى بمقابلة من درب أهل تادلا.
١٣٧ - خناثة بنت الشيخ الأكبر الأشهر بكار بن على بن عبد الله المغافرى السيدة المباركة زوج سيدنا الجد الأعظم مولانا إسماعيل سلطان المغرب .
حالها: فقيهة عالمة أدبية دينة من أصرح العرب نسبا وأجلهم حسبا وأعرقهم مجدا وفخرا، وأعزهم جانبا، وأرفعهم قدرا من صميم قبائل المغافرة، وهم من ظهر حسان من عرب اليمن وأصل اليمانية من قحطان على ما تقرر عند علماء الأنساب النقاد.
قال في حقها الشيخ محمد بن على بن فضل الحسينى الشافعي الطبرى إمام المقام الإبراهيمى ما لفظه: ثمرة الشيوخ المعتبرين المنتخبين من أكرم سلالة. وأفلاذ أكباد العلماء المتغذين بلبان الجلالة. مغارس طابت في ربى المجد فألقت على الخلف معدن السودد وكيمياء السعادة. وعنصر الحمد ومفرق السيادة. الملكة خناثة بنت المرحوم المبرور الشيخ بكار المغفرى زوجة المرحوم المقدس مولانا السلطان
стр. 1187
إسماعيل أعلى الله مقامه في الجنان ورفع لهذه الملكة أعلام السيادة على مر الزمان.
وقال أبو عبد الله الوزير الشرقى الأسحاقى في رحلته التي ألفها بمناسبة سفره إلى الحج في معية صاحبة الترجمة ما نصه: فما نعلم واحدة من الحرائر التي دخلت دار الخلافة من أزواج مولانا السلطان مولانا إسماعيل ﵀ تشبه هذه السيدة ولا تدانيها همة وصيانة، وعفافا ورزانة، وحصانة عقل ومتانة دين، فهي من المسلمات المؤمنات القانتات المستجمعات للأوصاف التي أعبد الله لهن عليها مغفرة وأجرا عظيما.
وكان لها كلام ورأى وتدبير مع مولانا أمير المؤمنين ﵀ ومشاورة في بعض أمور الرعية، وكانت له وزيرة صدق وبطانة خير، تأمره بالخير وتحرضه عليه وتتوسط في حوائج الناس ويقصد بابها أهل الحياء والحشمة وذوو الحاجات وكانت في ذلك ركنا من الأركان جزاها الله بالخير.
رحلت إلى الحج وزيارة خير الأنام مع حفيدها سيدى محمد بن عبد الله وكان خروجها من دار الخلافة بمكناسة الزيتون بعد صلاة الجمعة الحادية عشرة جمادى الثانية عام ثلاثة وأربعين ومائة وألف، وهي السنة الرابعة من إمارة ولدها السلطان مولاى عبد الله، وقد بلغ عدد ما زودها به ولدها المذكور من الدراهم بقصد التوسعة على أهل الحرمين الشريفين مائة ألف دينار كما قاله حفيدها العلامة الثبت أبو محمد عبد السلام بن محمد بن عبد الله في مؤلفه، درة السلوك وريحانة العلماء والملوك.
وكان خروجها للحج في أُبهة من أبهات الملك كبيرة. وأسباب من أسبابه أثيرة. وكان مبيتها على الربوة المشرفة على وادى ويسلين حيث ضربت لها هنالك القباب الملونة، التي جللت الأرض وملأت الأعين منظرا وبهاء وكثرة أمتعة
стр. 1188
[صورة]
كتاب السيدة خناثة بنت بكار لأهل وجدة وعليه طابعها
стр. 1189
وأكداش ودواب وعبيد وخدم وطواشية، وهم الذين يلون القباب ونصبها ومباشرتها والحاشية أهل الحرس من وراء ذلك على بعد، ومن الغد نهضت نهوض يمن وإجلال وواصلت المسير إلى أن خيمت على ضفة وادى النجا فباتت هنالك والعناية تقدمها. والرعاية تخدمها.
ومن الغد حلت بدار الملك من فاس، وذلك قرب الظهر فأقامت بها في انتظار اجتماع وفد الحاج، وفى يوم الخميس خامس عشرى جمادى الثانية بارحت فاسا على أحسن حال. وأجمل احتفال.
وكان مخيمها بولجة العسال على عدوة وادى سبو من العدوة الشرقية، جرت العادة بنزول ركب الحجاج بها يوم انفصاله عن فاس، وأقامت به يوم الجمعة لانتظار اجتماع بقية الركب.
وفى عشية الجمعة نفسها خرج ولد صاحبة الترجمة السلطان مولانا عبد الله في أعيان جيشه وذوى الحيثيات من وجهاء دولته لوداعها، وبعد أدائه ما يناسب من مناسك البرور رجع لحضرته الفاسية، وكان شيخ الركب إذ ذاك الحاج عبد الخالق عديل، وعند إسفار يوم السبت أقلع الركب مرتحلا والمترجمة في مقدمته مع خاصتها وحاشيتها وواصلوا السير يومهم إلى أن خيموا عشيته بضفة وادى اناون من بلاد الحياينة بالمحل المعد لنزول الركب كل سنة المعروف بسبت بوجابر، وهنالك تلقتهم قواد القبيلة المذكورة بكل حفاوة وإجلال، وقاموا بواجب الضيافة كما يلزم أتم قيام، فباتوا في اطمئنان وأمان، ومن الغد ارتحلوا وواصلوا السير إلى أن وصلوا المحل المعروف بالملاعب، فخيموا به وضربت قباب صاحبة الترجمة مع حفيديها على عقبة بنى فكاره.
ومن الغد خيموا بتازا وكان وصولهم إليها وقت الزوال وأقاموا بها يومين كاملين ثم ارتحلوا ثانى رجب وعبروا وادى بوالاجراف ومروا بالبلد المسمى
стр. 1190
بالفحامة، واتصل مسيرهم إلى أن وصلوا وادى القطف فنزلوا به، ثم وادى ملوية، ثم تافراطه من قبيلة الأحلاف، ثم فم بزور، ثم المريجات، ثم وادى الشارف، ثم المنقوب، ثم أبيار السلطان، ثم بوالدروس، ثم جنان لصطم وهو شجرات مجتمعات كهيئة الجنان وليست به، ثم بالغفر عن يمين حبل عنتر، ثم بوهاد الظهرا، ثم أصبحوا بعين الحسينى فأقاموا بها يومهم حتَّى استقى الناس ما يكفيهم من الماء لمرحلتين.
ثم ارتحلوا وباتوا قرب القصيعات، ثم نزلوا بعين الحجر ثم المشرية آخر منازل الظهرا، ثم النخيل، ثم الأمشط الأحمر، ثم عين ماضى، ثم الحميضة، ثم على مقربة من عبد المجيد، ثم التوميات، ثم سيدى خالد، ثم أسفل الغيث، ثم بأطراف الزاب ملجأ ملوك بنى زيان ومعتصمهم حين يضايقهم بنو مرين عن دار مملكتهم تلمسان، ثم بسكرة بظاهر البلد وأقاموا بها يومين، ثم وادى الناموس، ثم غمران، ثم توز، ثم الحامه، ثم قابس ومنها الجرف المقابل لجزيرة جربة، ثم حمادة بن قردمان، ثم شوشة، ثم الزوارات الغربية، ثم زواغة، ثم قردادش، ثم طرابلس.
قال الوزير الشرقى الإسحاقى في رحلته: لما حلوا بطرابلس خرج ولد صاحب البلد وحاكمه أحمد باشا في لمة من أصحابه مع أهل البلد رجالا ونساء حفاة في الطريق، وعلى السطوح مظهرين الفرح والسرور بولد سيدنا نصره الله وأمه وبوفد الحجاج، وأخرج مدافع كبارا سلاما على ولد السلطان نصره الله على عادة أهل البحر في التسليم والتوديع بالمدافع.
واحتفل ولد سيدنا نصره الله سيدى محمد أصلحه الله للدخول لهذا البلد فيمن معه من الوصفان عبيد البخاري نفع الله به فتناولوا من لباسهم ومراكبهم؛ وحسن زيهم ما كانوا أعدوه لذلك، ولعبوا بالبارود لعبا قضى منه الترك وغيرهم العجب، واعترفوا بأنهم لا قدرة لهم على ذلك اللعب ولا معهم من الفروسية ما يقاوم ذلك.
стр. 1191
وأهل البلاد المشرقية كلهم يتعجبون من زى مخزن سلاطين المغرب مولانا إسماعيل وولده هذا مولاى عبد الله نصره الله وأدام وجوده، فقد تقرر عندهم من فروسيته وشهامته وحزمه وعزمه وضبطه وجوده ما أوجب تعظيمه في نفوسهم كل التعظيم، ويقول منهم من علم من يشابه أباه فما ظلم، واحتفل الباشا بضيافة ولد السلطان مع أمه غاية الاحتفال، فما تركوا شيئًا قدروا عليه إلا وقدموه وداموا على ذلك مدة إقامتهم بطرابلس وكذلك فعلوا حال الأوبة.
قال: فقد قام بالحقوق. قيام الحر لا المرقوق. وقد قامت المترجمة بمكافأته على حسن صنيعه بأضعاف مضاعفة مما يستغرب وجوده في تلك الديار من الطرف والتحف الملوكية، ولم تقصر في إسداء الخير وأنواع التبرعات التي أوجبت استلفات الأنظار إليها في تلك الفلوات سيان في ذلك الغنى والفقير. والجليل والحقير. تقبل الله منها أعمالها. وأنالها من الخير آمالها هـ. بعضه باللفظ وبعضه بالمعنى.
ثم قال: خرجنا من طرابلس يوم السبت الثامن من شهر رمضان من السنة ونزلنا بقرية تاجورى، ثم من تاجورى للمسيل، ثم النقيرة، ثم لبدة، ثم الدفينة، ثم مصراته حيث مدفن أبي العباس أحمد زروق، ثم بوشعيب، ثم سرت، وهي كما قال البكرى في مسالكه (١): مدينة كبيرة على ساحل البحر لها نخيل وبساتين وفيها يقول:
يا سرت لا سرّت بك الأنفس ... لسان مدحى فيكم أخرس
ألبستم القبح فلا منظر ... يروق منكم لا ولا ملبس (٢)
стр. 1192
بخستم في كل أكرومة ... وفى الخنا واللوم لم تبخسوا (١)
ومن سرت هذه لشرف حسان، ثم التنعيم، ثم وادى مسعود، ثم مقطع الكبريت فوغبة، فبرقة المدينة الأزلية المسماة قديما أنطابلس -أي خمس مدن كما للبكرى، ثم من برقة للزجيحيفية، فكلود، فالنخيلى، فالتميمى، فعين الغزالة، فالنبعة، فالدفنة فظهرة عزيز، فمطعن مقرة، ثم أبي المطامر، ثم الأخصاص، فأنْبَابة (٢) وهي مدينة على ساحل النيل في الجانب الغربى ثم مصر القاهرة.
وكان دخولهم مصر يوم الخميس التاسع عشر من شوال عامه ولم يبيتوا بمصر بل خيموا بالمحل المعروف بالبركة -بالراء المرققة- على عشرة أميال من مصر يجتمع فيه الركب المصري، ومن بركة للدار الحمراء، ثم عجرود، ثم رءوس النواظر، ثم وادى التيه المحل الَّذي تاه فيه بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر، ثم النخيل، فبئر الزعالك، فسطح العقبة عقبة أيلة القرية التي كانت حاضرة البحر وهي معدودة من كور مصر.
قال العبدرى: وقد ذكرها القاضي عياض في مشارقه وغلط فيها، فحكى عن أبي عبيدة أنها مدينة على شاطئ البحر من بلاد الشام، وهي نصف الطريق من فسطاط مصر إلى مكة هـ، ثم ظهر الحمار ثم شراجة ابن عطية، فمعابر شعيب، فعيون القصب، فالبندر، فبيار السلطان، فالأزلام، فالإصطبل، ثم وادى لكره، فالحوراء، فالنبط، فالينبوع.
وبه قدم على السيدة المباركة صاحبة الترجمة الشرفاء أهل الينبع لأداء مراسم التهنئة والتحية بسلامة القدوم، فأكرمت وفادتهم وأحسنت إليهم كعادتها المألوفة
стр. 1193
وبالأخص مع الأشراف آل البيت المصطفى، وأهدت لهم كساوى من أرفع طرز، وأدت لهم مائتى مثقال ذهبا مطبوعة كانت توجه لهم أيام زوجها السلطان الأعظم مولانا إسماعيل، ومائة مثقال ذهبا منحة من عندها شطرها للشرفاء والشطر الأخر للشريفات.
ثم من الينبع، لبدر، فبروة القاع، فرابغ، فقديد -سميت قديد لتقدد السيول بها- ومن قديد لعسفان، فوادى فاطمة.
ومن الغد نهضت المترجمة قبل الركب وواصلت السير إلى أن أناخت بذى طوى وصلت به المغرب واغتسلت وتهيأت لدخول مكة شرفها الله تعالى وعظمها، ودخلتها عشاء وذلك ليلة السابع من ذى الحجة الحرام، دخول جلالة ووقار في محفل من الأجناد، وطافت طواف القدوم وبعد أيام التشريق نفرت إلى مكة وأتت بعمرتها.
وكانت مدة إقامتها بمكة تنزل كل يوم في جنح الظلام. وتطوف بالبيت الحرام. وتبذل بغير حصر. وتعطى عطاء من لا يخشى الفقر. ودخلت جوف الكعبة. وأفاضت في سدنتها ما علا للمغرب كعبه. وخلدت بمكة المشرفة ذكرا جميلا. وبذلت عطاء جزيلا.
وأوقفت أوقافا ذات بال منها دار اشترتها من أولاد العلامة أبي محمد عبد الله بن سالم البصري بباب العمرة أحد أبواب المسجد الحرام بما يقرب من ألف مثقال ذهب مطبوعة وحبستها على طلبة يختمون كل يوم ختمة من القرآن، وعلى من يدرس صحيح أبي عبد الله البخاري وعينت ناظرا على الدار المذكورة.
وبعد أن قضت من الحرم المكي وطرها، وأدت من المناسك سنتها وفرضها، تاقت نفسها لطيبة الطيبة، وزيارة قبر خير العالمين فنهضت والسعادة تحرسها وعيون
стр. 1194
الحفظ ترمقها، وكان خروجها من مكة المشرفة زادها الله شرفا ورفعة ضحوة يوم الجمعة السابع عشر من ذى الحجة والمبيت بوادى فاطمة، ومن الغد ارتحل الركب ووجهته المدينة المنورة على الطريق التي جاء عليها دارًا دارًا إلى بدر ومنه أخذ طريق الصفراء.
فكان المبيت بالموضع المسمى بالجديدة، فقبور الشهداء، فبير على، فوادى العقيق، فمهد الفضائل المشهورة ومقعد ألوية الدين المنشورة، مدينة المظهر الأعلى، والبرزخ الأسنى، مشرق الأنوار، ومعدن الأسرار، من له الفتح والختام، الحائز للمقامات العلية بالتمام، رسول رب العالمين، وسيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد ﷺ تسليما كثيرا وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكان مقامها بالمدينة ثلاثة أيام بدار مفتى الشافعية بها أبي الفخرزين العابدين المنوفى، وبعد بلوغها الوطر من تلك البقاع الطاهرة عجلت الأوبة لدار مملكتها والكل لحسن الصنيع شاكر، ولها في كل حين ذاكر.
بعض ما قيل فيها من الأمداح: من ذلك قول أبي عبد الله محمد بن على الحسينى الشافعي الطبرى إمام المقام الخليلى:
غنى على عود السعود هزارى ... وشدا على الأوتار بالأوطار
والأنس طاب لنا بأوقات الهنا ... بسلامة الحجاج والزوار
لا سيما بسلامة الست التي ... حظيت ببيت الله والأستار
فلها المنى بوصال من قد جاورت ... والأكرمون يرون حق الجار
فاحت بها أرجاء مكة رغبة ... ومحبة من سائر الأدوار
وهي الحقيقة بالجلالة في الورى ... فجلالة الأضياف ليس بعار
стр. 1195
والله قد ألقى عليها دائما ... حسن القبول كسيمة الأخيار
وهي الحليمة والكريمة ما لها ... في الجود ثان مثل غيث جار
ولها كمال وافر في عفة ... ولها حياء فاق في المقدار
فالله يحملها بحسن رعاية ... منه إلى مكناس بالأوطار
ويحفها بسعادة وسيادة ... من كل سوء ماضى أوطار
وعلى النبي وآله وصحابه ... صلى وسلم ذو الجلال الباري
ما غردت ورق الرياض بدوحها ... وترنمت في سائر الأسحار
وفاتها: توفيت رحمة الله علينا وعليها بفاس في جمادى الأولى عام تسعة وخمسين ومائة وألف، ودفنت بروضة الأشراف من المدينة البيضاء فاس الجديد.
١٣٨ - خليل بن الخالدى .
قاضى مكناسة الحشمى، نسبة إلى الحشم إحدى قبائل عرب تلماس، نشأ بتلمسان ثم استوطن فاسا.
حاله: كان فقيها نحويا آية في صناعة التدريس، وبالأخص ألفية ابن مالك، ذا تؤدة لا يتزحزح ولا يتحرك حالة إلقائه الدروس، فصيح اللسان، حلو العبارة، يحصل ما ألقاه في درسه تحصيلا عجيبا، مجلسه بالقرويين حفيل يحضره نجباء أعيان طلبة وقته.
تولى نيابة القضاء بمقصورة القرويين عن قاضيها العلامة المشاور السيد عبد الله بن خضراء السلوى، ووقعت له ﵀ في مدة نيابته نوادر عجيبة يسخر