← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

يحصل الشرف بها في الدين والدنيا وينجو بسببها في الآخرة الإنسان. قال في مطلعها: أكلف جفن العين أن ينثر الدرا ... فيأبى ويعتاض العقيق به جمرا وأسأله أن يكتم الوجد ساعة ... فيشقى وإن اللوم آونة إغرا وقد كنت أستصحيه حين توقدت ... جذى الوجد فاستسقيته يطفئ الجمرا على أن دمع العين فضل حشاشة ... تذاب فماذا ينفع الدمع أن يجرا وكانت سروح الهم عنى عوازبا ... وبعد النوى أضحت مراتعها الصدرا وكانت عيون الحادثات غوافلا ... زمانا وخطب الدهر كان بنا غرا ليالى كان البين عن جيرة الحمى ... صدودا ونظم الشمل لم يستحل نثرا وكانت رياض الحسن تزهو نضيرة ... فكاهتهم أضحت بأرجائها زهرا ومجنية منها طرائق تجتلى ... إذا تجتنى في كل مظلمة بدرا وكانت مدامات الوصال مدامة ... على القوم صرفا لا مزيجا ولا نزوا تجاذب أخدان الصفاء كئوسها ... فلا تختشى منها خمارا ولا سكرا فبينا ليال الوصل بيض وروضه ... يفيض الندى كانت مرابعه خضرا عدت عدوة أيدى الحوادث فاختلت ... خلاها فعادت بعد نضرتها غبرا وأبدلن مانوس الديار وأهلها ... بوحش وحولن الأهيل بها قفرا وبين جموع الحى كالراح شبتها ... بماء فما تخشى جفاء ولانفرا وكالفرقدين الطالعين تآلفا ... وصاحبى الملك الَّذي نادم الشعرى أصابتهم عين الكمال فغادرت ... أكفهم من كل ما جمعت صفرا

стр. 1227

وردتهم مثل الثريا إذا رأت ... سهيلا بشحط البين أو واصل والرا فأصبح في أرجائها البوم منشدا ... يردد مما قال من قد خلا شعرا: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس بلى لكن هوى جدهم عثرا فلا جفن إلا وهو مغض على القذا ... ولا عين إلَّا مِنْ نجيع الشجا حمرا ولا وجد إلا وهو مرخ سدوله ... ولا هم إلا وهو يكتشف الفكرا صبرت فؤادى للخطوب فلم يزل ... به رشقها حتَّى تقضى فلا صبرا وأزمعت نهر الدمع عنى تعزيا ... فلما جرى كالنهر لم أملك النهرا ووجهت نحو الحى أعرب عن هوى ... ضميرى فما ألفيت زيدا ولا عمرا وأحسب ما قد كنت أحسب دائما ... فخطت بنان البين في راحتى صفرًا إلى أن قال: هو الدهر لا يبقى على متخشع ... ذليل ولا ذى نخوة مزده كبرا حسام إذا ما صمم الدهر في امرئ ... غدا دمه بين الورى خضرا مضرا ورح سموم حيث ما هب مرة ... تعفت معافيه وإن بعدت مرا وسيل إذا ما يمم الأرض أصبحت ... أخاديد وانفلت كرادسها كسر وليث هصور ما تغشى حظيرة ... فيسطو إلا أنعم العض والعقرا غشوم فما يرتاع من بأس خادر ... لحى ولا من حسن ساكنة خدرا فليس عجيبا ما أتى من عجائب ... ولو أطلع الغبراء واستنزل الخضرا إلى أن قال: ألم تر أن الدهر حبلى أنينة ... ولادتها يوما وإن لم تكن تدرا

стр. 1228

فمن منح تسلى ومن محن تسى ... نتائجها صغرى على المرء أو كبرى ولا تأمنن أبناءه أن تحببوا ... إليك فمن يشبه أباه فقد برا وكل بنى دهر فأشباه دهرهم ... على ما قضى الله الكريم وما أجرى إلى أن قال: ومن لم يكن مستغنيا بقناعة ... فليس بمنفك عن الناس معترا ومن لم يكن يسترغد العيش بالرضا ... بقسمته لم يبرح الدهر مضطرا ومن لم يكن بالحزم محتزما فقد ... فرى حبله عن نجحه قبل أن يفرا ومن لا يبادر صيده وهو معرض ... ليرميه كان العناء له قصرا ومن يشر بخسا نوقه وهي شول ... عجاف تمناها لدا غيره شكرا ومن يحتسب يهمل كما الغيث وابلا ... فلا الحقل يجفو بالعباد ولا الصبرا ومن لا يثقف متنه الدين والحجا ... ويرم الورى يلق المثقفة السمرا ومن لا يجنب قوله دنس الخنا ... فلا يمتعض يوما إذا أسمع الهجرا ومن يبغ نذلا بالسباب وبالنوى ... يكن بنضار جيد يشترى الصفرا ومن يصحب الأمجاد تنظف ثيابه ... ومن يصحب الأرذال يكسى بها العرا ومن لا يجالس من يجانس لم يدم ... له أحد فالأسد ما ترأم الحمرا ومن لا يجاوز بالصديق ويلحه ... يجد لبه نغلا إذا نزع القشرا ومن يرم بالبغض الودود معنفا ... ليصفو يورث قلبه البغض والغمرا وهي أطول من هذا تشتمل على مائة بيت واثنين وستين بيتا، وقد شرحها غير واحد من فطاحل العلماء والأدباء ما بين موجز ومسهب.

стр. 1229

وقد رثى أهل هذه الزاوية غير واحد من جلة العلم، وقد ألم بجملة وافرة أبو الربيع سليمان الحوات في البدور الضاوية تركنا جلب ذلك روما للاختصار. هذا وإن المترجم قدس سره، قد نقل علماء هذه الزاوية المباركة لفاس لنشر العلم، ومن جملتهم الإمام اليوسى، قال في تحفة المعاصر: إن الشيخ اليوسى لما أمره الرشيد بالرحيل من الزاوية البكرية وألزمه النزول بمدينة فاس والتصدير للتدريس بها امتثل أمره ودخل مدينة فاس، وأقام متصدرًا للتدريس فأخذ عنه ملأ كثير، وجم غفير، ولزمه أهل الاعتناء المنصفون، وانتفع به أهل المغرب انتفاعا ظاهرا، وكان الرشيد يحب إقامته بفاس ويأبى هو إلا البادية فعاتبه في ذلك، فاعتذر له بأنه رجل بدوى المولد والمنشأ وحنينه أبدًا لأول منزل هـ بنقل البدور لأبي الربيع سليمان بن محمد الحوات الحسنى المتوفى عام واحد وثلاثين ومائتين وألف. وفى النشر: أن الرشيد لما فرغ من إخلاء الزاوية في الثانى والعشرين من صفر قصد مراكش فأخذها وقتل رئيسها عبد الكريم المدعو كروم الحاج الشبانى مع جماعة من حزبه (١) وقرابته وبعد موته بشهر رجع مولاى رشيد من حركته تلك يوم الجمعة تاسع عشرين ربيع الثانى. وخرج صاحب تافلالت ابن أخيه مولاى محمد بن الشريف مع أتباعه وخلى سبيل البلد وكذلك الخضر غيلان ذهب في البحر إلى الجزائر، وخلى سبيل آصيلا. وعزل القاضي المزوار، والمفتى محمد بن أحمد الفاسى زوال الأربعاء التاسع والعشرين من جمادى الثانية، وولى محمد بن الحسن المجاصى القضاء يوم الجمعة بعد عزل المزوار المتقدم والفقيه سيدى محمد البوعنانى خطبة القرويين بعد عزل سيدى محمد بن أحمد الفاسى، ثم أخرج مولاى الرشيد للشاوية عصر يوم السبت سابع عشر رجب ورجع سابع رمضان، فأمر بإخراج أهل الزاوية من فاس

стр. 1230

ثم سمح للبعض منهم وبقى البعض بضريح سيدى على بن حرزهم (١) إلى آخر العام ثم سمح فردهم جميعا (٢). ثم أخرج لحركة آيت عياش ظهر يوم السبت سابع عشر ذى الحجة، وأحدثت السكة الرشيدية ثانى وعشرى الحجة وأقرض التجار من فاس وغيرها اثنين وخمسين قنطارًا مدة من سنة حتَّى ردوها وبها بنى قنطرة سبو وفى يوم السبت رابع عشر ذى القعدة أخذ في أهبة بنائها (٣). قال: ومن حوادث عام ثمانين وألف بدء أساس قنطرة سبو، وفى خامس عشر جمادى الثانية بدأ البناء فيها بالآجر (٤)، وخرج المولى الرشيد لحركة الأبيض يوم الاثنين الثانى والعشرين من رجب ورجع يوم الخميس ثامن رمضان، ومات أولاد أخ الأبيض من الغد قبضهم هنالك وقُتلوا بعد وصولهم لتازا، ثم مرض السلطان مولانا الرشيد مرضا أشرف على الهلاك، وأخرج جميع من كان بالسجن يوم السبت السابع عشر وبرئ من الغد، وفى يوم الأحد خامس عشر ذى القعدة عمل عرس مولاى إسماعيل أخي السلطان وفى شوال (٥) جددت قنطرة الرصيف (٦).

стр. 1231

قال: ومن حوادث عام واحد وثمانين وألف استولى مولاى رشيد على تارودانت وهي مدينة في أقصى سوس بها أنهار جارية وبساتين مشتبكة وفواكه مختلفة، وأسعار رخيصة، والطريق منها إلى أغمات وريكة في أسفل جبل ليس بالأرض مثله إلا القليل في العلو وطول المسافة واتصال العمارة وكثرة الأنهار والفواكه، وبأعلى هذا الجبل أكثر من سبعين (١) حصنا وقلعة، منها حصن منيع هو عمارة محمد بن تومرت ملك المغرب، إذا أراد أربعة من الناس أن يحفظوه من أهل الدنيا حفظوه لمنعته (٢). فوقع فتح المدينة رابع صفر واستولى على هشتوكة يوم الأحد ثامن عشر صفر وقتل منهم نحو الألف ونصف فيما قيل، واستولى على أهل الساحل ومات منهم أزيد من أربعة آلاف على ما قيل يوم الأحد خامس عشر صفر، وفى مهل ربيع الأول أخذ أهل إيليغ دار ملك سيدى على بن حسُّون، ومات منهم بسفح الجبل نحو ألفين على ما قيل، وفى سابع ربيع الأول قتل بفاس خليفة السلطان نحو ستين من أولاد جامع، وعلقوا بالبرج الجديد لأجل قطع الطريق هـ (٣). قال الأسير مويت: ولما تم الأمر للرشيد على الشبانة عام تسعة وستين وستمائة وألف [ميلادية]، توجه إلى مراكش، ثم بعد ذلك وردت عليه كبراء الشبانات ببيعتهم فأمنهم، ثم جند الجنود منهم ومن غيرهم وتوجه إلى حاحة فكان لا يمر بقبيلة إلا بايعه أهلها لما يعلمونه من شدة بأسه، وكان وما معه من الجنود يبلغ ٦٣ ألفا منهم ٢٥ ألفا من الفرسان. ولما قرب من سوس أراد أهل الجبال أن يمنعوه من المرور إلى تارودانت فحاربهم وقهرهم، ولما قرب من أكادير تلقاه أهلها وبايعوه، ثم توجه نحو إليغ

стр. 1232

بأولاد سيدى أحمد وموسى فحاصر القصبة حتَّى أضر الجوع بأهلها فطلبوا من أميرهم أن يسلم نفسه للسلطان فأبى، ولما جن الليل خرج من باب سِرْبِه (١) وهرب، ثم إن أهل إليغ لما علموا بفرار أميرها خرجوا إلى السلطان وبايعوه ثم بعد ذلك، رجع السلطان إلى فاس سنة سبعين وستمائة وكتب لجميع الولاة باستئصال شأفة قطاع الطريق، وإقامة الحدود على الزناة وشراب الخمر (٢) هـ. وفى نزهة الحادى لما تمت البيعة له يعنى للمترجم أفاض المال على العلماء وغمرهم بجزيل العطايا وبسط جناح الشفقة على أهلها يعنى فاسا، وأظهر إحياء السنة ونشر الشريعة فحل من قلوبهم المكان الأرفع، وتمكنت محبته من قلوب الخاصة والعامة هـ الغرض. قال في النشر: وفى جمادى الأخيرة خرجت سكة الفلوس الجديدة المدورة، وجعل أربعة وعشرين منها في الموزونة الرشيدية بعد أن كان في كل موزونة ثمانية وأربعون، وبطلت الفلوس الأشقوبية المربعة، وفى يوم الاثنين ثالث رجب رجع مولانا الرشيد من حركة سوس. وفى أوائل شعبان ابتدأ بناء المدرسة التي بالشراطين من فاس المنسوبة لمولانا الرشيد بموضع دار عزوز، وفى أوائل شعبان أمر المولى الرشيد ببناء قصبة بعرصة ابن صالح وديار لمتون والدكاكين، وأعطى ألف مثقال لبناء سورها وأمر قواده ببناء الدور فيها، وأمر شراكة (٣) ببناء قصبة

стр. 1233

الخميس وأعطى ألف دينار لبناء سورها، وخرج لزيارة سيدى أبي يعزى رابع رمضان ثم إلى سلا، ورجع لفاس ثامن وعشرين من رمضان (١). وقال في حوادث عام اثنين وثمانين: بعث المترجم خيلا للجهاد نحو طنجة أول صفر، وبعث خيلا لسوس وقائدها عبد الله أعَرَّاص وذلك يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى، وسافر لتافراطة للصيد يوم الاثنين قرب الزوال فسمع قيام ابن أخيه [بمراكش] (٢) فدخل فاسا يوم السبت حادى عشر رمضان وخرج من يومه عصرًا، فلقيه محبوسا بيد خدامه عند فزارة (٣) فبعثه إلى تافيلالت وسافر إلى مراكش وبعث قائده زيدان لفاس يوم الأربعاء تاسع ذى القعدة ليأتى بالجيش، فأتاه أهل سوس وغيرهم طائعين ولم يبق للحركة موضع بعد أن خرجت الأخبية لوادى فاس (٤) هـ. قال أبو محمد عبد السلام بن السلطان الأعدل أبي عبد الله محمد بن عبد الله إسماعيل السلطان الأعظم في درة السلوك، وريحانة العلماء والملوك ما لفظه: كان مولانا الرشيد يقسم أيامه بين المقام بمراكش والمقام بفاس، وكان إذا ارتحل لفاس يترك بمراكش خليفته ابن أخيه مولاى أحمد بن محرز، وإذا رجع يترك أخاه مولاى إسماعيل بالغرب.

стр. 1234

وكانت أيام مولانا الرشيد أيام راحة ودعة وسكون جامعة للمحاسن وأشتات الفنون، وكان محبا في العلماء مطالعا لكتب الأقدمين فقيها متضلعا، إلا أن أيامه لم تطل وكانت مدة خلافته سبع سنين، وكان مختصا به الفقيه الأديب السيد عبد المالك التجموعتى، والفقيه الأديب السيد سعيد التلمسانى، والفقيه الأجل السيد محمد بن عبد الرحمن الفاسى، وله مع فقهاء المغرب وأدبائه أخبار حسان يطول ذكرها هـ. ومن مفاخر المترجم شدة اعتنائه بتحقيق الشرف والنسبة للبيت النبوى حتَّى قال في السر الظاهر: إنه كان مثلا مضروبا في ذلك، وكان يسند ذلك لأهل العلم والدين، ويزجر أهل الإفك والزور في ذلك بما يليق بهم من الزواجر البالغة، قال: وجرى في أمرهم على طريقة ملوك الفرس، فإنها كانت تضبط أهل بيتها بضوابط أسلافها، حتَّى كانت تمنعهم من مناكحة من لا يليق بهم هـ. قلت هو إشارة لتوجيه ما كان عليه المترجم وملوك آل بيته بعده من التحجير في مناكح آل بيتهم بأن لا تكون إلا في أبناء عمهم، أما النساء منهم فعلى سبيل الإطلاق والشمول والاستغراق من غير استثناء، وأما الرجال فكذلك إلا إذا اقتضى الحال في بعض الخواص تسريحه له بإذن خاص، ولكن تخريج صاحب السر الظاهر ذلك على التأسى بملوك الفرس ليس على ما ينبغي، فإن اعتبار النسب في الكفاءة في النِّكَاح هو القول الخامس في المذهب حكاه ابن عرفة وغيره. وقال الحفيد ابن رشد في بدايته: إن قول أبي حنيفة وأصحابه إن القرشية لا تزوج إلا من القرشي ولا العربية إلا من العربى، وأن قول الثورى وأحمد: إن العربية لا تزوج من مولى، وكذا نقل ابن العربى في الأحكام أن أبا حنيفة والشافعى يعتبر أن في كفاءة النِّكَاح الحسب.

стр. 1235

ونقل ابن جزى في قوانينه أن أبا حنيفة والشافعى يعتبران فيها الحسب والنسب ونبه في البداية على أن مستند هذا القول هو الحديث الصحيح تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها وحسبها، قال: فلا يخرج من الاعتبار في الكفاءة من هذه الأوصاف المذكورة في الحديث إلا ما أخرجه الإجماع وهو الجمال، فانظره، وعليه فلا ملام على ملوكنا الفخام. فيما اختاروه لمناكح آل بيتهم الكرام. إذ لا اتفاق في المذاهب على خلافه وكذا خارج المذهب كما تراه. * * * علائقه السياسية لما كان عام ستة وستين وستمائة وألف ميلادية ورد التاجر (رولان افرجس) الفرنسى على المترجم وهو إذ ذاك بتازا يطلب منه الإذن ببناء محل للتجارة بالريف بنواحى وادى انكور، وكان قبل وصوله لصاحب الترجمة وجه له كتابا يطلب منه الأمان والإذن له في القدوم لحضرته، وذكر أن بيده كتابا من ملك فرنسا كلفه بتقديمه إليه، وإليك ملخص ترجمة ما كتب به: إلى الشريف العظيم القوى مولاى رشيد حرسه الله، لما كان سبب مجيئى لهذه البلاد مهما جدا ومفيدا لدولتكم أطلب من جلالتكم الإذن لى في القدوم على أعتابكم وأن تسمحوا لى باللقى بكم لأتشرف بشرح أسباب مجيئى لإِيالتكم، ولأسلم لكم كتابا من ملك فرنسا من مرسى البوزيم ٥ أفريل عام ١٦٦٦. ولما اتصل هذا الرقيم بالمترجم أجابه بالإذن بالقدوم والأمن على نفسه وماله، وعين له ستين بعيرًا لحمل أثقاله ودونك ترجمة جوابه له: بسم الله، من التقى المرضى عبد الله القائم بالله المنصور بالله أمير المؤمنين الشريف الملك بمعونة الله مولاى الرشيد حفظه الله بمنه إلى القبطان (رولان

стр. 1236

افرجس) توصلنا بكتابك طالبا الإذن في الدنو من حضرتنا، فلك أن تدنو وقد أعطيناك تمام الأمان في قضاء ما أتيت من أجله، وإذا دنوت فلا تجد بحول الله إلَّا الأمن التام والاطمئنان، والسلام على من اتبع الهدى، كتب في أوائل شوال عام ١٠٧٦. ولما ورد السفير على حضرة المترجم اعتنى به وأكرم وفادته، ثم لما مثل بين يديه وذلك بالقصر الفاخر المشيد بفاس فاتح إبريل سنة ١٦٧١ أملى خطبة إليك ملخص ترجمتها: أيها الشريف الجليل جئت بإذن مولاى ملك فرنسا لأقدم لجلالتكم فائق احتراماته وأؤكد لكم أنَّه راغب كثيرًا في صداقتكم ومستعد لقضاء ما يهمكم في مملكته، وتصديقا لما أقوله هأنا أسلم لجنابكم رسالة كلفنى مولاى بتسليمها إليكم وأنتظر الجواب بما يظهر لكم، وإني أعد نفسى أسعد الخلق حيث كلفنى أميرى بهذه المهمة، وسأكون أول من يحمل إلى فرنسا خبر هذا اللقى الحسن الَّذي اقتبلتنى به جلالتكم، وأسأل الله أن يطيل بقاءكم وأن يمتعكم بدوام السعادة ويبلغكم ما تتمنون هـ. ثم قدم لصاحب الترجمة كتاب ملك فرنسا الَّذي جاء متأبطا له وإليك فحواه: إلى الشريف العظيم مولاى رشيد، فإن ما نسمعه عن جلالتكم من أنها تقتبل اقتبالا حسنا كل من تشرف بالوصول إلى أعتابكم حقق لنا ستقبلون بفرح التاجر (رولان افرجس) الَّذي أوفدناه إليكم سعيا في ربط علائق الصداقة معكم، وقد كلفناه أن يعرض عليكم قضاء كل ما يخصكم من مملكتنا وأن يكلمكم في شان أمور أُخر وفى فتح باب التجارة بين رعيتكم ورعيتنا، وقد أذنا للتاجرين (ميشيل) و (رولان افرجس) أن يؤسسوا شركة من أعيان دولتنا فنطلب منكم أن تساعدوهما على ذلك، وإننا مستعدون لإعطاء دلائل المحبة والاحترام اللذين

стр. 1237

نضمرهما لجلالتكم، وهذا ما نريده منكم، ونسأل الله أن يديم عزكم وأن يجعلكم سعداء أولا وآخرًا، وكتب بباريز في ١٩ نونبر سنة ١٦٦٥ هـ. ثم إن السفير طلب من جلالة الأمير المترجم أن يأذن له يجعل شركة فرنسية بفاس بقصد التجارة في الجلود والشمع والنحاس والصوف فلم يجبه لذلك، وبعد انتهاء حفلة الاستقبال وجه المترجم للسفير جواب كتاب أميره الَّذي أتى به وها نصّ ترجمته: الحمد لله ولا غالب إلا الله المنصور بالله أمير المؤمنين المجاهد في سبيل رب العالمين رشيد إلى عظيم النصارى لويز، السلام على من اتبع الهدى، وبعد: فقد بُلغنا كتابك وقرأناه وفهمنا ما فيه من طلبك إلا من لمن أراد من رعاياك التجارة في بلادنا فقد أعطينا الأمان كل من أتى إلى بلادنا ومن سيأتى بقصد التجارة وفى ٢٦ شوال عام ١٠٧٦ (١) كتبه كاتب عن أذنه حرسه الله بمنه (٢) وأمر السفير بالرجوع من حيث أتى، ولما رأى أن حيلته بارت ومساعيه لم تنجح أخذ في بيع ما أتى به من السلع، ثم بعد مدة حدث له شنئان مع بعض التجار قضى عليه برفع الشكوى به لحضرة المترجم فسار إليه لأجل ذلك، والحال أن المترجم كان يعتقد أن هذا السفير رجع إلى بلده وأدى مأموريته التي أتى من أجلها، ولما رآه وعلم أنَّه لا زال بالديار المغربية لم يبق له أدنى ريب في أنَّه مفتر فيما ادعاه من

стр. 1238

السفارة محتال في جر النار لقرصه فنزع منه ما كان دفعه إليه من الأجوبة، وألزمه مغادرة المملكة المغربية من حينه ولم يسمح له بملاقاة ثانية. وقد فند الكنت دو كاسترى كون ذلك الكتاب الَّذي جاء متأبطا له هذا السفير صدر من ملك فرنسا للمترجم قائلا: لأن مولاى الرشيد إذ ذاك لا زال لم يظهر أمره حتَّى يعلم به ملكهم، وإنما كان الملك دفع لزاعم السفارة كتابا للشيخ عراس لكونه كان مشهورًا مسموعا به ولما جاء التاجر رولان المذكور للديار المغربية وعلم بسلطنة مولاى الرشيد زور ذلك الكتاب ليتوصل به لغرضه. وانظر تفنيده هذا مع ما جاء في صحيفة ١٩٦ كتاب من ينابيع التاريخ له نفسه من رسالة لويز الرابع عشر التي كاتب بها المترجم من (سان جرمان) بتاريخ ٨ دجنبر سنة ١٦٦٦ وإليك ترجمتها: "من الملك إلى مولاى رشيد ملك فاس الأمير المعظم الأفخم، صديقنا الأعز، لقد بعث إلينا بكتابكم التاجر رولان فرجس الَّذي كنا أوفدناه عليكم بقصد إنشاء محلات للتجارة بين أهل رعيتنا ورعيتكم لما في ذلك من الفائدة للجانبين، فجاء ذلك الكتاب جوابا للرسالة التي كنا كلفناه حملها إليكم، وقد سرنا قبولكم لطلبنا بفتح أبواب المتاجر قبولا حسنا كما يستفاد ذلك من جوابكم ومما أخبرنا به هو نفسه، كما سررنا بإكرامكم لوفادته فشكرا لكم على اعتباركم لجانبنا، ونرجو أن تدوم هذه العلائق الحسنة بيننا وأن تزيد الروابط متانة بين أهل دولتنا ودولتكم، لذلك فإنا نكتب إليكم مرة أخرى طالبين منكم أن تعضدوا التاجر (فرجس) المذكور مع أخيه وشريكه (مالبنى) وأحسن برهان تبدونه على محبتكم إلينا هو إعانة الشركة المذكورة وإجابتها إلى كل طلب تقدمه إليكم. هذا ونؤكد لكم بأننا أخذنا حظًا وافرًا من فرحكم بعد انتصاركم على المرابط (الخضر غيلان) الَّذي كان

стр. 1239

قام عليكم، وختاما نسأل الله أن يحرسكم أيها الملك المعظم الأفخم، وكتب في قصر (سان جرمان) في اليوم الثامن من دجنبر سنة ١٦٦٦" هـ. ويوجد هذا الكتاب بسجلات وزارة الأمور الخارجية الفرنسوية ضمن ما يتعلق بالمغرب من المكاتبات القنصلية وهو مسجل بصحيفة ٨٧ من الجزء الأول. وفى سابع شتنبر ١٦٦٦ كتب الملك لويز من "فان سين" بالأمر لسفيره الَّذي كان بالجزائر المسمى (اطروبر) أن يذهب برًا أو بحرًا إلى ملك تافلالت مولاى رشيد ليطلب منه الإعانة على حصار طنجة التي كانت بيد الإنجليز، ويكون حصاره لها برا وحصار الأسطول الفرنسى بحرا، ولكن السفير لم يجد سبيلا للذهاب لمولاى رشيد انظر صحيفة ١٨٩ من الجزء الأول من ينابيع التاريخ المذكور للكنت دوكاسترى. وكتب الملك لويز للمترجم كتابا من باريز ٢٣ يبراير سنة ١٦٧٢ يوصيه فيه بشامويل ازو الَّذي كلف بالمفاوضة في شأن بعض الأسارى، وإليك فحوى ذلك الكتاب: إلى الملك الأكبر الأفضل المقتدر حبيبنا الأعز، لقد طبق خبر انتصاراتكم جميع أنحاء أوروبا، ويسرنا بهذه المناسبة أن نؤكد لكم بأننا أخذنا حظا وافرًا من فرحكم وإننا نتمنى لكم النجاح والفلاح في جميع أعمالكم، هذا وبما أن ما بيننا من الصداقة وحسن المعاملة يقضى علينا أن نرأف برعايا بعضنا بعضا فلا ريب أنكم ستعتبرون اقتراح التاجر شمويل دورد الَّذي أوفدناه عليكم ليخاطبكم في شأن معاوضة الأسارى الذين أخذتهم السفن المعدة لحماية تجارتنا بالأسارى الذين أخذهم منا أهل سلا، وقد كلفناه أن يسلم لكم عشرة من رعاياكم بعد أن تسلموا له مثل ذلك العدد من أهل رعيتنا الذين قد اتخذتموهم عبيدًا بقطركم، واعتمادًا على ما أبديتموه لهم من دلائل العدل كلما سنحت لكم الفرصة فلا نشك أنكم

стр. 1240

ستلبون هذا الطلب، وبذلك نكون مدينين لكم بحسن الاعتراف، ولنا اليقين بأنكم ستصدرون أوامركم لقوادكم ولأهل رعيتكم بتأمين تجارنا الذين يفدون على مملكتكم حتَّى لا يلقى عليهم قبض ولا يسجنون، وهذا ما نؤمله من حسن التفاتكم الَّذي يمتن علائقنا، ونطلب الله المتعال أن يزيد في عزكم يا أيها الملك الهمام المعظم وأن يختم عليكم بالسعادة وكتب بعاصمة باريز في ٢١ فبراير ١٦٧٢ حبيبك المخلص لويز. وتحته توقيع "كولبير وزير التجارة" هـ من صحيفة ٤١٤ من الجزء الأول من ينابيع التاريخ. وقال مؤلفه الكنت دو كاسترى فيما علقه على هذا المكتوب إن هذا الكتاب لم يبلغ لمولاى رشيد لأنه توفى بمراكش في ١١ حجة سنة ١٠٨٧ موافق ٩ إبريل سنة ١٦٧٢، ولما لم يصل هذا الكتاب طلب فرمون أحد وزراء لويز من الوزير الأعظم كولبير كتابا آخر مثله لمولاى إسماعيل هـ. وفى سنة ١٦٧٠ وجه ملك الإنجليز وهو يومئذ كرلوس ٢ [هارى هوراس] سفيرا للمترجم يهنئه بالانتصار ومعه هدايا فاخرة من جملتها رماح طوال وستة مدافع من النحاس وعربة مزخرفة يجرها اثنا عشر فرسا وثياب. ولما وصل السفير إلى طنجة وجه إلى صاحب الترجمة بالرماح فسر بها وأصدر أوامره لعمال القصر وتطاوين بإمداد السفير بسائر ما يحتاج إليه من لوازم السفر الكافية لوصوله للحضرة السلطانية، وبينما السفر يتهيأ من طنجة إذ ورد عليه الأمر السلطانى بتأخير سفره نحو الخمسة عشر يوما حيث عرض له ما أقلق راحة الرعية، وكدر صفو الأمن العام بسببها، ورأى أنَّه لابد له من النهوض لحسم مادة ذلك الفساد بنفسه قبل اتساع خرقه فأجاب السفير بالسمع والطاعة.

стр. 1241

ولما سكن المترجم هيعة البلاد، وقطع جرثومة العناد، وجه للسفير بأمره بالقدوم لحضرته، ثم بدا لصاحب الترجمة أن يكون مجئ السفير بحرا من طنجة إلى سلا، فلم يرض بذلك واغتاظ وطلب الإذن له في أخذ ما أتى به هدية وقدمه أمامه لسلا والرجوع من حيث أتى، فساعده المترجم على ذلك فأخذ الهدية وانقلب إلى وطنه. * * * بناءاته وآثاره من ذلك مدرسة الشراطين المتقدمة الذكر، وكان ابتداء العمل فيها أول شعبان عام واحد وثمانين وألف، وجدد ما اندثر من قنطرة سبو، وكان صدور أمره ببنائها يوم السبت الرابع عشر من ذى القعدة والشروع فيها في منتصف جمادى الثانية عام ثمانين وألف، وجدد القنطرة التي بخارج باب الجديد من فاس، وقنطرة وادى فاس، والقنطرة التي بخارج باب البوجات من فاس المرينية المعروفة اليوم بالقنطرة الطويلة، وقنطرة وادى النجا، وقنطرة وادى ويسلن، وقنطرة وادى أم الربيع، وآبار السلطان المشار لها فيما مر المعروفة إلى الحين الحالى بآبار السلطان الواقعة بالوضع المعروف بالشط من بلاد الظهراء، وقنطرة الرصيف داخل فاس الإدريسية، وكان تجديده لها في شوال، والذي في الروضة أنها في ذى القعدة سنة ١٠٨٠، وبنى القصبة الجديدة المارة الذكر بعرصة أحمد بن صالح المرينى الأندلسى وديار لمتونة بالموضع المعروف بالدكاكين، وأدار السور على الموضع المعروف بدور كرواية من جيش السعديين حيث بنى شراكة دورهم، وقبة ضريح جده المولى على الشريف دفين مراكش. وفاته: توفى وهو ابن اثنتين وأربعين سنة بحضرة مراكش يوم الخمس التاسع من ذى الحجة المذكور، وسبب وفاته أنَّه كان بجنان المسرة في اليوم المذكور لابسا

стр. 1242

زينته وأراد أن يركب فرسًا لم يركب قط ورديا في لونه وحضر من حضر من أصحابه فنهاه عن ركوبه قائلا له: إنه فرخ شرير لم يركب قط وما تعلم ما يصدر منه فأبى، وقال ما عسى أن يصدر منه! كم ركبت من فرس جموح فغلبته وأذعن تحتى، وأمر به فأسرج وركبه داخل الرياض فما استوى على ظهره حتَّى شرد به وجمح فمر به على عود من ليمونة به أثر قطع الحديد محرفا فدخل العود في عنقه ما بين الودج والترقوة من الظهر فتركه معلقا به وزاد الفرس في جموحه وشروده، وكان أمر الله قدرا مقدورا، وأنشأ الشعراء في موته على الحالة المذكورة قطعًا وقصائد مضمنها أن عود الليمون غار عليه فقبضه ولم يفلته وقد رمز لوفاته صاحب الدر السنى بقوله (فشب) ١٠٨٢ من قصيدة فقال: وأما الرشيد بن الشريف إمامهم ... (فشب) له نصر بملك مكمل ١٠٨٢ ١٤١ - راشد بن منصة الأوربى خديم آل بين الرسول المخلص مولى الإمام الأكبر ﵀ ورضى عنه . حاله: صرح غير واحد من ثقات المؤرخين ومحققيهم بأنه كان له إلمام بالعلوم ومعرفة تامة بالسياسة والأخبار وأيام العرب ووقائعها والفروسية والرماية ومكايد الحرب، ذا قوة وحزم ونجدة وإقدام ودهاء ونباهة ودين متين، وثبات ورسوخ وأمانة، وصلاح وورع وزهد وتقى وإخلاص حب ونصيحة في آل بيت الرسول، يوالى بموالاتهم ويعادى بمعاداتهم، وكفاه فخرا وشرفا أنَّه من أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالفضل على لسان من لا ينطق عن الهوى، وما أبداه من صدق الولاء والقيام بسائر الشئون والخدمات اللازمة لجناب بضعة الرسول الغضة الطرية شمس اليمن والفلاح المشرقة بالديار المغربية، مولانا إدريس بن عبد الله الكامل، وبذل نفسه النفيسة ابتغاء مرضاته، خرج معه خديما ودليلا وحارسا

стр. 1243

ومعززا ونديما، ولم يزل تحت أوامره يصافيه ويصطفيه ظعنا وإقامة إلى أن نقله الله إليه شهيدا. وبالغ جهده وطاقته في الأخذ بثأره من المارق الممقوت اللعين سليمان بن جرير المعروف بالشماخ، فاقتفى أثره إلى أن لحقه بوادى ملوية فضربه بسيفه ضربات قطع بإحداهن يده وأثخنه بالباقى جراحا، ومع ذلك عبر الوادى فأعجز المترجم لحاقه فرجع وجهز مولانا إدريس ودفنه، ثم ألح القوم عليه بالقيام بأمرهم كما كان مولاه من قبله إلى أن تضع جاريته كنزة حملها، فإن وضعت ذكرا بايعوه، وإن وضعت أنثى لم يعدلوا عنه، لأنه أحقّ بالإمامة من غيره لعلمه وفضله ودينه وشهامته ونصحه لملة الإسلام. فقام بالأمر أحسن قيام، وجعل في حكمه بينهم الكتاب والسنة إمام، وحفظ حرمة مولانا إدريس في أهله وولده من بعده حملا ورضيعا إلى أن شب على هدى سلفه في صيانة وعفاف، وتحلى بأشرف الأوصاف، وتجلى على منصة الجلال والكمال، حفظ القرآن وهو ابن ثمانية أعوام وتفهمه وتعلم السنة والسياسة وحفظ أشعار العرب واستطلع على سياستها وأمثالها وحكمها ووقائعها وحروبها ودربه على الرماية بالسهام وركوب الخيل وخدع الحرب والمكر والفر، ولما بلغ من السن إحدى عشرة سنة أخذ له البيعة العامة على المنشط والمكره من سائر القبائل. وأصل راشد هذا قيل من المغرب وبه نشأ أوربى من القبيلة الشهيرة وهو ابن منصة، سبى مع أبيه في غزوة موسى بن نصير، وقفل معه إلى المشرق، وقيل: من المولدين، وقيل: من العرب من موالى العلويين، وقيل: غير ذلك والله أعلم بحقيقة الأمر، وأيا كان فله يد بيضاء في الإسلام وفضل لا ينكر، وأثيل مجد يجب أن يذكر به ما طلع نجم ويشكر.

стр. 1244

وفاته: توفى ﵀ شهيدا سنة ست وثمانين ومائة بإغراء من ابن الأغلب عليه، ودفن قريبا من ضريح مولانا إدريس في الجهة الجنوبية يمين الخارج للمزارة العليا من المسجد الأعظم هناك وضريحه ثم مزارة شهيرة تفد إليها الزوار من كل صوب وصقع، حتَّى إن زوار الضريح الإدريسى وخصوصا الأمراء والملوك يبدءون بزيارة المترجم ثم ينقلبون لزيارة الضريح الإدريسى ﵄. ١٤٢ - رحمة بنت الجنان زوجة أبي عبد الله محمد بن عزوز الصنهاجى المعروف بالحاج عزوز، آتى الترجمة في حرف الميم. حالها: كانت حافظة لأحاديث كثيرة من الصحاح، وكادت أن تحيط حفظا بالأدعية الواردة في الصحاح، وكانت ملازمة لدرس القرآن العظيم في المصحف، عالمة بكثير من تفسير قصصه وأخباره، وتزوجت بعد وفاته بأحمد بن محمد والد الإمام ابن غازى، ورزقت (١) الإمام محمد بن غازى صاحب الروض الهتون وغيره المترجم فيما يأتى: مشيختها: أخذت عن زوجها المذكور. الآخذون عنها: منهم الإمام ابن غازى، قال: حفظت منها كثيرا من أيام الصغر فلم أتعب كثيرا في حفظه في الكبر وقال فنفعتنا بذلك في الصغر غاية برد الله ضريحها. ١٤٣ - روان المدعو أبا الروائن ابن محمد بو مدين بن عبد السلام بن على ابن الولى سيدى عيسى بن الشيخ محمد بن عيسى بن عامر دفين مكناس. حاله: قال الزبادى في سلوك الطريق لدى تعداده لشيوخه الذين أخذ عنهم

стр. 1245

الطريق العيساوية في حق المترجم: الفقير المسن الصالح المتمسك الناسك، أخذنا عنه ورد سيدى بن عيسى لقيناه في غرفة داره ببراكة من مكناسة الزيتون بعد امتناعه من ذلك. وفاته: توفى عام الزلازل سنة تسع وستين ومائة وألف. * * *

стр. 1246

حرف الزاي * * * ١٤٤ - زيدان أبو المعالى ابن السلطان أبي العباس أحمد المنصور الذهبي فخر الملوك السعديين . حاله: فقيه علامة مشارك متضلع نقاد شهم، أديب بارع، شجاع عالم بمكايد الحروب وخدعها، ذو مروءة ومتانة، دين جامع لخصال الفضل والكمال، ولكنه غير محظوظ ولا متوقف في الدماء ولا مبال بالعظائم، كثير المراء والمجادلة استخلفه والده على مكناس وتدلا وأحوازها فأحسن السيرة قال ابن القاضي في الدرة: "ولاه والده أبقاه الله تعالى مكناسة وهو أميرها في هذا العصر أعنى بعصر تسع وتسعين وتسعمائة" (١). ولما توفى والده اجتمع أهل الحل والربط من أعيان فاس والجمهور من جيوش والده على بيعته محتجين بأن والده استخلفه قيد حياته ومات في حجره، وكان ممن تصدى لبيعته قاضى الجماعة بلقاسم بن أبي النعيم، والقاضى أبو الحسن على بن عمران السلاسى، والأستاذ أبو محمد الشاوى، والإمام النظار أبو عبد الله محمد بن قاسم القصار، وكان الَّذي قام خطيبا في القوم القاضي ابن أبي النعيم قال فيما ألقاه: أما بعد السلام عليكم، فإن رسول الله ﷺ لما مات اجتمع الناس على أبي بكر، ونحن قد مات مولانا أحمد وهذا ولده مولانا زيدان أولى بالملك من إخوته، فبايعه الحاضرون وذلك يوم الاثنين سادس عشر ربيع الأول سنة اثتتى عشرة وألف.

стр. 1247

ولما اتصل بأهل مراكش وفاة المنصور وكتب إليهم أهل فاس بمبايعتهم للمترجم امتنعوا وبايعوا أخاه أبا فارس وذلك يوم الجمعة أواخر ربيع الأول من السنة المذكورة. ثم لما تمت البيعة الشرعية للمترجم بفاس بارحها ووجهته البلاد الحوزية لعلمه بما صدر من أهلها من شق عصا الطاعة، وإباية الدخول فيما دخلت فيه الجماعة. ولما علم أبو فارس بذلك جهز لقتاله جيشا عرمرمًا جرارًا وألقى زمام رياسته لأخيه المأمون هكذا قال بعضهم، والذي في نزهة الحادى أن أبا فارس أمر على الجيش ولده عبد المالك مع الباشا جؤذر، ثم إن بعض أهل الرأى من حاشيته أشار عليه بتسريح أخيه الشيخ وإسناد قيادة الجيوش إليه لمحبة الرعية فيه ولميلها له فلا يقاومونه ولا يقابلونه إلا بالسمع والطاعة، لأنه كان الخليفة عندهم. فاستحسن الإشارة، وسرح الشيخ وأخذ عليه العهود والمواثيق على إبداء النصح وعدم شق العصا، ثم أوعز أبو فارس لخاصته من رؤساء الجيوش بالقبض على الشيخ إذا وقعت الكرة على المترجم، وانهزمت جيوشه، والشيخ لا يعلم بما دس له، فخرج يزحف في جيوشه إلى أن التقى الجمعان بوادى أم الربيع بالموضع المعروف بحواتة، فكان النصر لجيوش أبي فارس وانهزم المترجم بسبب ما لحقه وجنوده من الحنو والحنان رعيا لسالف عهده ووثوق رابطة إخائه وإخلاص وداده القديم، ورجع القهقرى إلى فاس وتحصن بها فاقتفى أثره الشيخ إذ لم يقدر أحد من أصحاب أبي فارس له على شيء. ولما اتصل الخبر بالمترجم راود أهل فاس على القيام معه في الحصار فأبوا وشقوا عصا الطاعة في وجهه، وأعلنوا بنصر الشيخ والبيعة له، فخرج المترجم في جيشه وأثقاله إلى تلمسان فأقام بها مدة، وبعث لترك الجزائر يستنصر بهم على

стр. 1248

إخوته، ولما يئس من نصرتهم ذهب لسجلماسة فدخلها من غير قتال، ثم انتقل منها إلى درعة، ثم لسوس فكتب إليه أهل مراكش يستقدمونه ولو وحده فقدم عليهم ليلا فأعلنوا بنصره، وقتلوا عبد الله أعراس عامل الشيخ وشبت حروب. ثم لما اتصل الخبر بالشيخ بفاس اهتم لذلك واغتاظ، وصار يضرب الأخماس في الأسداس، وأخذت الأنفة والحمية أهل فاس لما وقع بإخوانهم الذين كانوا بمراكش، فتعصبوا للشيخ وتحزبوا وتطوعوا بالمقاتلة، ولما رأى ذلك الشيخ هيا ولده عبد الله وعقد له على جيش لا يستهان به، فخرج قاصدًا مراكش. ولما بلغ الخبر زيدان وجه الباشا مصطفى بجيوش جرارة، ولما التقى الجمعان وقعت الكرة عليه، وقتل من جيشه نحو التسعة آلاف، وذلك بموضع يقال له تفلفلت على طريق سلا. ثم توجه عبد الله في جيشه لمراكش منصورًا، فخرج إليه أهلها في ستة وثلاثين ألف مقاتل فالتقى الجمعان أيضًا بموضع يقال له رأس العين فهزم أهل مراكش، ودخل البلد عنوة، ففر المترجم إلى المعاقل وشواهق الجبال وفعل عبد الله في مراكش أفعالا فظيعة، أنتجت له حنق الأمة عليه، وشق عصا الطاعة في وجهه فخرج من مراكش مهزوما مكسور الشوكة، وكتب أهل مراكش للمترجم يستقدمونه فقدم عليهم وقابل المسيئين بالإحسان وذلك آخر شوال عام ثمانية عشر وألف. ثم بعث الباشا مصطفى لفاس وخيمت محلته بظاهر الزاوية واستولى على زروع أصحاب المأمون وفرقها في أصحابه. وفى عام تسعة عشر وألف انتهز صاحب الترجمة الفرصة فاحتل مدينة تازا، وبعث قائده عبد الصمد لتسكين روعة أهل فاس والإعلان بنصره، ولما أمر بالنداء

стр. 1249

بذلك قام في وجهه بعض لصوص العدوة وجرحه فكثر الهرج والمرج وخاب مسعاه، ولما بلغ المترجم الخبر اشتد غيظه ونهض من تازا، وخيم على ضفة وادى فاس واستولى عليها وسَبَى (١) أهلها وجذع بل همّ بقتلهم ولكن الله عصم دماءهم. وفى حادى عشر رجب من العام نزل عبد الله برأس المال، فخرج إليه صاحب الترجمة فهزم ومات من جنده نحو الخمسمائة، ولحق بمحلة كانت له بالدلاء، ودخل عبد الله فاسا. ثم ثار أبو العباس أحمد بن أبي على الساورى وكان في أول أمره فقيها صرفا ثم انتحل التصوف، وصار يصرح بأنه المهدى المنتظر، ثم دعا لنفسه وزعم أن السبب الداعى له لذلك تفاقم البدع وتكاثر المناكر وأنه بصدد الجهاد شأن كل ثائر فتان، فاستخف أفئدة العوام، إلى أن كان من أمره ما هو مسطور في بطون التواريخ، فخرج على عامل المترجم على سجلماسة الحاج المير فهزمه ودخل سجلماسة. ولما بلغت الهزيمة صاحب الترجمة عقد لأخيه عبد الله المدعو الزبدة على جيش جرار فلما علم به أبو على سار لدرعة وبها لحق به عبد الله، ولما التقى الجمعان كانت الهزيمة على جيوش صاحب الترجمة، وقويت شوكة أبي محل وملأت مهابته القلوب، وشاركت في طاعته سجلماسة ودرعة ثم تشوفت نفسه لاحتلال مراكش فتوجه إليها. ولما اتصل الخبر بصاحب الترجمة وجه جيشا للقائه فهزم الجيش وفر زيدان لآسفى، وهم بالعبور لبلاد العدوة ودخل أبو على مراكش.

стр. 1250

ولما رأى المترجم من فشل ريحه ما أرى وعلم أنَّه لا طاقة له بمقاومة أبي على كتب للفقيه أبي زكرياء يحيى بن عبد الله بن سعيد الحاجى ثم الداودى يستغيث به وهو بزاوية أبيه من جبل درن، وكان في جملة ما كتب له: إن بيعتى في أعناقكم وأنا بين أظهركم فيجب عليكم الذب عنى ومقاتلة من ناوأنى، فلبى أبو زكرياء نداءه وكانت له شهرة عظيمة بالقطر السوسى، فحشد الجنود من كل فوج، وخرج يؤم مراكش وذلك في ثامن رمضان عام اثنين وعشرين وألف، ولما بلغ يمين فم تنت موضع على مرحلتين من مراكش كتب إليه أبو على ما نصه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من أحمد بن عبد الله إلى يحيى بن عبد الله بلغنى أنك جندت وبندت، وفى يمين تنوت نزلت، اهبط إلى الوطا لينكشف بينى وبينك الغطا، فالذيب ختال، والأسد جوال، والأيام لا تستقام، إلا بضرب القنا وقطع الحسام والسلام". فأجابه بما نصه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من يحيى بن عبد الله إلى أحمد بن عبد الله، أما بعد: فليست الأيام لى ولك إنما هي للملك العلام، وقد أتيت لك بأهل البنادق الأحرار، من الشبانة ومن انتمى إليهم إلى بنى جرار، وأهل الشرور والبؤس، من هشتوكة إلى بنى كنسوس، فالوعد بينى وبينك جائز هناك حيث ينتقم الله من الظالم، ويتبين الذليل من العزيز والسلام". ثم زحف يحيى لمراكش إلى أن نزل قرب جبل جليز المطل على مراكش فشب القتال وكانت أول رصاصة في نحر أبي على فمزقت جنوده كل ممزق، ونهيت محلته وقطع رأسه وعلق في رءوس من أصحابه على سور المدينة نحوا من

стр. 1251

اثنتى عشرة سنة، وحملت جئته فدفنت بروضة أبي العباس السبتى تحت المكتب المعلق هنالك على المسجد الجامع، وقد رمز لقتل أبي على وموته أبو العباس أحمد المديد المراكشى بقوله: (أقام طيشا، ومات كبشا) وهو من بديع التلميح وحسن التورية. قال صاحب نزهة الحادى: زعم أصحابه أنَّه لم يمت، وحدثني من أثق به أن أهل وادى الساورة إلى الآن فيهم من هو على هذا الاعتقاد. ولما قتل أبو على دخل يحيى مراكش واستقر بدار الخلافة وألقى بها عصا تسياره، ورام أن يتخذها دار قراره، فكتب له المترجم قائلا: إن كنت جئت لنصرتى وكف يد ذلك الثائر عنى فقد أبلغت المراد، وشفيت الفؤاد، وإن كنت رمت جر النار لقرصك، وتجعل الملك من قنصك، فأقر الله عينك به، فتجهز يحيى للرجوع لوطنه وأظهر العفة عن الملك، وأنه إنما جاء ليدافع عن الملك الَّذي بيعته في عنقه، وانقلب لبلاده ورجع صاحب الترجمة لمراكش: مؤلفاته: منها تفسير القرآن المجيد اعتمد فيه على ابن عطية والكشاف. شعره: من ذلك قوله: أهلكلتنا سوالف وخدود ... وعيون مدعجات رقود ووجوه يبارك الله فيها ... وشعور على المناكب سود أهلكتنا الظبا ونحن أذلة ... وخضعنا لها ونحن أسود وقوله: مررت بقبر رائق وسط روضة ... عليه من النوار مثل النمارق فقلت لمن هذا فقالوا بذلة ... ترحم عليه إنه قبر عاشق

стр. 1252

وفاته: توفى في المحرم فتح سنة سبع وثلاثين وألف ودفن بجنب قبر أبيه بروضتهم الشهيرة بالحاضرة المراكشية، قرأت في نقش رخامة قبره ﵀ ما لفظه: هذا ضريح من به تفتخر المفاخر ... زيدان سبط أحمد مبتكر المآثر حامى حمى الدين بكل ذابل وباتر ... أجل من خاض الوغى وللأعادى باهر لازال صوب رحمة الله عليه ماطر ... ومن شذا رضوانه نفحة كل عاطر أرخ وفاة من غدا جارا لرب غافر ... بمقعد الصدق علا أبو المعالى الناصر ١٤٥ - زين العابدين السلطان بن السلطان مولانا إسماعيل الجد الأعظم . حاله: فاضل زكى صبور حليم، راضى بما قدره الرحمن له، قال عنه رفيقه الإمام الثبت أبو العلاء إدريس بن محمد فتحا العراقى لما آب من رحلته معه لأداء فريضة الحج فيما تلقاه منه ونقله عنه ابن عمه الشريف العلامة مولاى الوليد بن العربى العراقى في مؤلف له ونصه: كان لمولاى زين العابدين، عقل رصين وكان معتنيا بدينه محافظا على الصلاة في وقتها، وأنه منذ خرج من هنا إلى أن رجع ما تيمم قط، بل يتوضأ لكل صلاة من السفر، وشدة الحر والقر، وكان ذا خلق حسن، وسمت مستحسن، محبا لجانب الله تعالى، ومعظما لحرمته ذا همة علية، ونفس أبية. اشترى جنانا بالمدينة المنورة على منورها الصلاة والسلام وحبسه، وهو من نخبة أولاد مولانا إسماعيل ﵀، فلذلك اختاره للبعث لذلك المقام الشريف، قال: وإن السلطان مولانا إسماعيل وجه العراقى المذكور برفقة ولده يعنى المترجم للحج بعد أن آخى بينهما وعاهدهما وقال لوالده: هات يدك وللشريف كذلك، وشبكهما وجعل يده فوق يديهما وقال هذا عهدك، وهذا

стр. 1253

ولدى، وأنت ولدى وأوصاهما بما يجب من حسن المعاشرة والقيام بالحقوق، ودفع للمولى إدريس ياقوتة عظيمة يبلغها للروضة الكريمة على صاحبها الصلاة والسلام لتعلق هناك، وقد رأيتها فما رأيت مثلها في الصفاء والكبر وزنها رطل وست أواقى، وعليها شباك من ذهب مرصع باليواقيت، وجعل لها سلسلة لعلاقتها، وجعلت في صندوق من الذهب سترة لها أهديت إليه من بلاد النصارى، وقد قومت بأربعة وعشرين قنطارا من المال فوصلت وعلقت هنالك. وكان لما سافر مرة أخرى قيل أعطاه ياقوتة وهي أصغر من الأولى قومت بأربعة عشر قنطارًا في كل قنطار ألف مثقال، وهما للآن معلقتان بالروضة المباركة هـ ملفقا. وقد كان المترجم عند موت والده مستقرا بسجلماسة، ثم لما قامت الفوضى بين العبيد وإخوته وامتدت أطنابها واشتدت شوكة العبيد وكثر الهرج والمرج، ولاسيما بين الإخوة المولى عبد الله والمولى المستضئ، وأبى عبد الله محمد بن عريبة على ما سيمر بك في تراجمهم إن شاء الله قدم المترجم لمكناسة من سجلماسة زائرًا لا طامعا في الرياسة فلما حل بمكناسة اتفق أن كان الدور للمستضئ، فألقى عليه القبض وأودعه السجن ثمانية أشهر على ما في الدر المنتخب، ثم أخرجه للمشور وأوجعه ضربا أشرف به على التلف فصبر واحتسب ولم ينطق ببنت شفة، ثم رده للسجن ثم أمر بإخراجه وتوجيهه مقيدًا لسجلماسة مع بعض المساجين من الأشراف للسجن بها. فلما بلغ الخبر العبيد وجهوا من اقتفى أثره ليرده، فلحق به لصفرو فأزال قيده ووجه به لبنى يازغة للجلوس عند القائد أحمد القعيدى، وأوصاه به خيرًا فأكرم وفادته وأنزله منزلا رحبا ولم يزل عنده محل إجلال وتكريم إلى أن أعزل المستضئ، وبويع المولى عبد الله بيعته الثانية ففرح المترجم وابتهج بخلع الأول

стр. 1254

وبيعة الثانى، وذهب من بنى يازغة لفاس وبقى به مدة ثم في ثالث عشرى قعدة عام اثنين وخمسين ومائة وألف ذهب لمكناسة وبقى بها مدة، ثم ذهب إلى طنجة، وأقام عند الباشا أحمد الريفى في شفوف مكانة. وكان الباشا أحمد يعلم أن ذلك لا يستقر له وأنه لا بد له من شريف يستند إليه، وكان لا يحب مولاى عبد الله لسابق منافرة تقدمت بينهما أدت إلى قتل مولاى عبد الله من أتاه من أصحاب القائد المذكورة فسارع الريفى إلى نصر المترجم، وبايعه العبيد الذين كانوا معه على وفاق واتفقوا على قبض السلطان مولاى عبد الله وقتله فأوعز إليه بعضهم ما وقع تظافرهم عليه، فوجه لأمه خناثة بنت بكار فهربت لفاس الجديد ولما أصبح تبعها هو إلى أن نزل برأس الماء ثم إن العبيد كتبوا للباشا أحمد ووجهوا له جريدة من الخيل لتشييع المترجم وخفارته إلى أن يحل بدار ملك أبيه ويتسنم أريكته، فأحضر الباشا المذكور القضاة من مدينة تطوان وطنجة والعرايش والقصر وشفشاون والعلماء وأعيان القبائل الفحصية والحياينة في يوم مشهود، وعرض عليهم بيعة المترجم فبايعوه، وذلك في أول يوم من ربيع الأول عام ثمانية وخمسين ومائة وألف ووصل الباشا الأشراف والعلماء والأيتام والأرامل الضعاف والجيوش بصلات سنية، ووجه لعبيد مكناسة أهل الديوان حظهم من ذلك بمناسبة بيعة المترجم ثم توجه قاصدًا مكناسة دار ملك أبيه فيمن جاء لخفارته وغيرهم من فرسان العبيد. ولما دخلها حضر القاضي والفقهاء والأشراف وأهل الحل والابرام في العبيد وبايعوه البيعة العامة وكتبوا ببيعته للآفاق ووفدت إليه الوفود من الحواضر والبوادى ما عدا الودايا وأهل فاس فإنهم كانوا شيعة مولاى عبد الله وكان دخوله لمكناس وجلوسه على أريكة الملك بها يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الثانى أحد شهور العام المذكور، ثم لما اتصل الخبر بذلك لمولاى عبد الله فر من رأس الماء إلى الجبال

стр. 1255

البربرية وذلك يوم الثلاثاء تاسع جمادى الثانية، وأقام عندهم، أما صاحب الترجمة فقد أمر قواده ورءوس ديوانه بجمع الحركة لفاس في تأخرهم عن بيعته هم والودايا، فامتئلوا أوامره وهيئوا الحركة وخيموا بها على مكناسة الزيتون يترقبون ما يصدر لهم من الأوامر، وفى منتصف جمادى الأولى خرج المترجم من مكناسة قاصدًا حصار فاس فنزل بسيدى عميرة في جيوش جرارة، وذلك يوم الثلاثاء الَّذي فر فيه أخوه مولاى عبد الله للبربر. ومن الغد خيم بظاهر فاس ووقع الحرب على باب المسافرين بقنطرة ابن طاطوا، ودام القتال من الضحى إلى الزوال، واشتد الحال وعظمت الأهوال، وبقى الودايا وأهل فاس يموج بعضهم في بعض، وبات الناس في شدة عظيمة. ومن الغد اختلفت كلمة العبيد ووقع بينهم التنازع الَّذي هو أصل الفشل والسبب في ذهاب ريح النجح والفلاح، ورجعوا بالمترجم لمكناس بعد ان أحرقوا نوادر الودايا بالخميس، ولما حلت محلتهم بمكناسة عاثت ونهبت الأجنة وأكلت الثمار، وسعت في الأرض الفساد، وفى ضحوة يوم الخميس خامس عشرى، جمادى المذكور رجع مولاى عبد الله من البربر، ودخل فاسا الجديد، فتلقاه أهلها والودايا بالترحاب والفرح المزيد، ومن يومه خرج لدار الدبيبغ وأقام بها، أما العبيد فقد ذهبوا لمشرع الرملة، وأقام المترجم بمكناسة ألعوبة بين يدى عبيدها تعبث به كيف شاءت لا حول له ولا قوة ولا قدرة على حل أو إبرام دون مشورتهم، والوقوف عند تنفيذ أوامرهم. ولما جاءوا على ما كان بيده من المال بالخزائن ولم يبق لهم مال ينهبونه صمموا على عزله ومبايعة أخيه لما كان لديه من الأموال وألفوه منه من البذل إليهم، وفى ثالث عشر رمضان عام أربعة وخمسين ومائة وألف صرحوا بعزله

стр. 1256

فبارح البلاد ناجيا بنفسه، وكانت مدة دولته نحو الخمسة أشهر نظرًا لكون بيعته لم تتم إلا بعد حلوله مكناسة مستقر عرش مملكة أبيه. بناءاته: لم يحفظ التاريخ منها غير الباب الواقع في جنوب بطحاء الهديم مشهور النسبة إليه لحد الآن، لا يعرف بغير باب رين العابدين اتصل بهذا الباب بين البطحاء المذكورة ومدينة الرياض العنبرى السالفة الذكر فيما قدمناه من البناءات الإسماعيلية تلك المدينة العظيمة الشأن التي كان أسسها والده لصدور دولته وعظماء مملكته التي أحدث فيها الآن بناء دور اليهود وأعطى اسم الملاح. ١٤٦ - زكرياء الفران أبو يحيى: حاله: فقيه صابر، منور الظاهر والباطن، مواظب على تلاوة القرآن، من رجال مكناسة الزيتون، وفضلاء خيار عبادها، حسن اللقاء، كثير البشاشة، مسترسل الطلاقة والبشر، دائم القبول، متصل اللهجة، جميل التعطف، واسع الصدر على سجية أهل الفضل والدين أمثاله، يحدث عن سيره في عبادته واجتهاداته وتصرفه وورعه في كسبه وتحفظه على أمر دينه من باشره ما تقر به أعين الأولياء، ويعز وجوده في زمانه، وكذلك كثر التحدث على إيثاره غيره على نفسه بما يكون لديه، وعن اشتغاله بطهارة قلبه وعما ظهر على محله من علامة توفيقه، والله تعالى يمن على من يشاء من عباده بفضله ورحمته. قال الحضرمي في غالب الظن: إنه من أهل القرن الثامن من العشرة السابعة منه. ١٤٧ - زيدان أبو محمد سيدنا الجد ابن فخر الملوك العظام، مولاة إسماعيل ابن الشريف بن على الحسنى السجلماسى . حاله: بطل شجاع مقدام قوى الجنان أعرف بنى أبيه بالكر والفر، وأمهرهم فروسة، ذو نجدة وجد وحزم وعزم وهمة أبية، ونفس علية، وأخلاق حميدة

стр. 1257

مرضية، وشفقة وحنان، وميل لجانب الله، محب في الصالحين، موال لهم، منحاش لأهل الفضل والدين، صلب في دينه، مؤتمر بأوامر والده. ولما بلغ أشده وظهرت نجابته استخلفه والده على مكناس كما في الترجمان المعرب، وقيل: إنه استخلفه بفاس، والأول أصح وذلك عام اثنين ومائة وألف، وعقد له على جيش أهل فاس، ووجهه إلى الترك حيث بلغه أنهم تعدوا الحدود وأضروا بالمجاورين لهم من إيالته المغربية، ثم بدا لوالده اللحوق به فلحق بأطراف المغرب الأوسط، وأبرم الصلح مع الأتراك ورجع لحضرته السلطانية. وقيل: إن الَّذي تولى عقد الصلح مع الأتراك هو أبو عبد الله محمد بن الطيب الفاسى اختاره السلطان المولى إسماعيل لقضاء هذه المهمة لعلمه وحذقه ونباهته، وفى ربيع سنة ست ومائة وألف خرج المترجم في عسكر جرار تتلاطم أموجه إلى ناحية تلمسان، بعد أن قتل النائب بفاس أبا العباس أحمد السلاوى، فقاتل الترك ونال منهم، ورجع وفى سنة إحدى عشرة ومائة وألف نقل من ولاية مكناسة كما في الترجمان. وولى على بلاد الشرك، فكان يغير على بلاد الترك إلى أن شردهم عن نواحى تلمسان أخذًا بالثأر منهم، وانتهى في بعض أيام غاراته إلى مدينة معسكر فاقتحمها واستولى على دار أميرها عثمان باى وأخذ جميع ما فيها من الذخائر والأمتعة، وعثمان إذ ذاك غائب فلم يرض ذلك والده للصلح الَّذي كان أبرمه مع السلطان مصطفى العثمانى، ولذلك عزله عن البلاد الشركية، وولى مكانه أخاه المولى حفيد. وفى سنة ثلاث عشرة ومائة وألف عين من قبل والده خليفة على فاس، وبعث معه حمدون الروسى عاملا عليها.

стр. 1258

وفى سنة أربع عشرة ومائة وألف وجهه والده لقتال أخيه الولى محمد العالم الَّذي ثار بالبلاد السوسية ودعا لنفسه واقتحم مراكش ودخلها عنوة، فسار في عساكر ذات بال، ولما وصل مراكش وجد المولى محمدًا بارحها وعاد لتارودانت، فاقتفى أثره إلى أن خيم على تارودانت وشبت الحرب بينهما ودامت وتسعرت نيرانها إلى أن كان الظفر للمترجم، فاستولى على تارودانت وقبض على أخيه المولى محمد ووجهه لوالده ومكث خليفة بتارودانت إلى أن وافته منيته فيها. شعره: من ذلك قوله حسبما نسبه له العلامة الثبت مولاى عبد السلام بن سليمان بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل السلطان الجليل ومن خطه نقلت: لم أنس يوما زارنى قمرى ... فكمل الأنس به إذ جلس قبلت منه الخد مختلسا ... وإنما العيش الشهى خلس وملت للثغر على غرة منه ... فما أطيب ذاك اللعس فجادلى بالريق حيث درى ... أنى عليل لا أطيق النفس وبت نشوانا بعافية ... أغتنم الفرصة عند الغلس وقوله: أتتك على رغم الرقيب حمائلى ... وهي بأسباب الوصال وسائلى فدونك فاختر ما يزينك لونه ... وزرنى ولا يشغلك عذل العواذل على أن سيف اللحظ أمضى من الَّذي ... أتاك فكن يا منيتى خير واصل وفاته: توفى بتارودانت عام تسعة عشر ومائة وألف، وحمل في تابوت إلى مكناسة فدفن ليلا إلى جنب أخيه المولى محمد العالم، هكذا قال الزيانى ومن تبعه، وعندى أن ذلك وهم لا يكاد يصح إذ في سنة سبع وثلاثين كان لازال حيا يرزق قطعا في منتصف رمضان منه.

стр. 1259

إذ في التاريخ المذكور أوقع والده السلطان مولانا إسماعيل محالفة بين المترجم وبين أخيه مولاى أحمد الذهبي، وعقد المحالفة والمؤاخاه عندى شهد عليه على إشهاد والدهما، وهو بكرسى ملكه، وعلى أبي العباس الذهبي المذكور بما فيه عنه العدول والفقهاء والقضاة فمنهم عبد الله تعالى الشريف بن أحمد بن محمد ابن عمر الحسنى، وأبو العباس أحمد بن سعيد العميرى، وأبو عبد الله محمد بن ذكرى وأبو القاسم بن سعيد العميرى، وأبو الحسن على بن سعيد العميرى، ومحمد بن الشرقى في آخرين. * * *

стр. 1260

حرف الطاء * * * ١٤٨ - الطيب بن الشيخ سيدى الشاذلى بن العارف سيدى محمد - فتحا - ابن العارف سيدى أبي بكر بن محمد الدلائى. حاله: قال في البدور الضاوية: هو الفقيه الإمام العالم الهمام الولى الصالح العارف الناصح المشارك الأجل المحب لله وفى الله . ولد ﵁ بالزاوية الدلائية، وبها نشأ وقرأ، وكان ﵁ آية من آيات الله في الحفظ والتحصيل، صاحب تحرير وتدقيق، ودراية وتحقيق أخذ من كل علم بنصيب، وله في التدريس والتقرير اليد الطولى والباع الرحيب، متفننا في الفقه والأصول والعربية والأدب، ذا حظ وافر من الدين المتين والصلاح العظيم، واتباع السلف الصالح، حسن الأخلاق في الشدة والرخاء. صحب جماعة من الأشياخ وتخلق بأخلاقهم، وكان زاهدا عابدا ورعا تقيا، كثير الخشوع دائم التضرع إلى الله تعالى ثم خرج من الزاوية مع من خرج عند الحادثة العظمى، واستوطن مدينة فاس، وتصدر للتدريس والفتيا، ثم دخل مكناسة الزيتون واستوطن بها، وتولى الإمامة والخطابة بمسجدها الأعظم إلى أن توفى رحمه الله تعالى ورضى عنه بها. مشيخته: أخذ عن والده وجماعة من المشايخ أقاربه وعنه خلق. شعره: من ذلك قوله حيتك نافحة الشذا بعبيرها ... وسقتك مغدقة الحيا بنميرها ودعاك منصبك العلى مملكا ... وغدوت في الدنيا أجل أميرها

стр. 1261

وفدت رسائلك الجليلة طيها ... نشر المودة في خلال سطورها فكأنما الصهباء رق مزاجها ... وكأنما الديباج في تحبيرها وتنكبت عن منزلى إذ خيمت ... ما عرجت بسلامها وسفيرها وفاته: توفى بمكناسة الزيتون عام سبعة بموحدة ومائة وألف، ودفن بها وفيه يقول صاحب حدائق الأزهار الندية: فمنهم البكاء من قد أقبلا ... لطاعة الإله جل وعلا وترك الفانى لنيل الباقى ... ومص كاس الحب قبل الساقى الطيب الأخلاق طبعا كاسمه ... وكاشف الدعوى بنيل شمسه ذاق الحمام بعد كأس الحب ... فاستوجب الرضا وعز القرب ١٤٩ - الطيب بن عبد الرحمن بن أبي القاسم بن القاضي . المكناسى الأصل، الفاسى النشأة والدار والوفاة، وهو ممن شملهم قول ابن غازى عند تعرضه لعلماء مكناسة بلده وبنو العافية والمترجم منهم. حاله: شيخ صالح، فقيه أستاذ فالح، علامة نبيل، مدرس متقن جليل، كان معتنيا بتقييد مهمات المسائل متبعا لآثار الصالحين، سالكًا سبيل أهل الخير والدين. مشيخته: أخذ عن والده شيخ الجماعة في عصره، وكان من أصحاب سيدى أحمد اليمنى، وسيدى أحمد بن عبد الله معن الأندلسى، وظهرت عليه بركتهما. وفاته: توفى في رمضان عام أربعة وعشرين ومائة وألف، ترجمه في السلوة والنشر والتقاط الدرر.

стр. 1262

١٥٠ - الطيب بن محمد بصرى المكناسى قاضيها . حاله: فقيه وجيه، علامة نزيه، مدرس فاضل، قدوة كامل، عدل رضى مبرز، تولى خطة العدالة مدة، وقفت على رسم بشهادته بتاريخ أحد عشر شوال عام اثنين وتسعين ومائة وألف، ثم رشح لقضاء الجماعة بالحضرة المكناسية، والإمامة بمحراب مسجدها الأعظم، وقفت على خطابه على رسم مسجل عليه بتاريخ عاشر رمضان عام ثلاثة وتسعين ومائة وألف، وآخر بتاريخ خمسة وتسعين وآخر بستة وتسعين وآخر بتسعة وتسعين، وآخر بمنتصف شعبان عام مائتين وألف. وكذا وقفت على تسجيل عليه بإثبات رسوم واستقلالها حلى فيه بالعلم والتدريس وإمامة المسجد الأعظم بهذه الحضرة، تاريخه ثامن رجب عام واحد ومائتين وألف، وآخر بتاريخ اثنين ومائتين وألف، وآخر بتاريخ ثلاثة ومائتين وألف على فيه بالفقيه العالم المدرس الأفضل، القدوة البركة الأحفل، قاضى الجماعة بمكناسة أحد عدوله مولاى أحمد بن على العلوى الَّذي تولى القضاء بها بعد، وقد مرت ترجمته. ١٥١ - الطيب بصرى المكناسى الدار والقرار . حاله: فقيه مبين، علامة ناسك، خير دين فاضل، صوام قوام، ذاكر، معتزل عن خلطة الناس، لا يأوى إلا للفقراء، ذو مائدة مبسوطة، كثير الزيارة للصالحين الأحياء والأموات، حسن الاعتقاد في أهل الله، ولى خطبة جامع الزيتونة. مشيخته: أخذ عن الشيخ أبي العباس السوسى دفين مراكش المتوفى عام ثلاثين ومائة وألف، ولقى ولده أحمد العباس. وفاته: توفى سنة تسع وستين ومائة وألف كما في سلوك الطرق الوارية.

стр. 1263

١٥٢ - الطيب بن الشريف النقيب مولاى على الشريف القادرى . حاله: محترم وجيه، فاضل ألمعى نزيه، كان من الملازمين للسلطان الأعظمى أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن فخر الملوك وجد السلاطين مولانا إسماعيل، لا يفارقه لا في ظعن ولا في إقامة، وكان متوليا النقابة على سائر الزوايا القادرية بالمغرب الأقصى، أسند إليه ذلك بعد وفاة والده مولاى على بن أحمد بظهير للسلطان أبي محمد بن عبد الله بتاريخ أواسط ربيع الثانى عام ثلاثة وخمسين ومائة وألف، ثم جدد له ذلك بظهير محمدى نصه بعد سطر الافتتاح والطابع: "كتابنا هذا أيد الله أوامره العلية، وخلد في صفحات الدهر مئاثره السنية، يستقر بيد حامله الشريف الأرضى، الوجيه المحترم المرتضى، سيدنا مولاى الطيب ابن على سليل الولى الصالح، والكوكب الضئضئى اللائح، سلطان الأولياء وقطب الصالحين، والمتبرك به في كل وقت وحين محط رحال الأمانى ذى الكرامات الشهيرة، سيدى عبد القادر الجيلانى أفاض الله علينا من بحر فضله، وجعلنا من المستظلين بوريف ظله. يعلم منه أننا بسطنا يده على جميع الزوايا المنسوبة للشيخ سيدى عبد القادر نفعنا الله ببركاته حيث كانت بهذه الإيالة المباركة، وجعلنا زمامها بيده وقصرنا الكلام في كل ما يرجع إليها عليه، وأسندنا له النظر في جميع أوقافها المحبسة عليها، منه إليها، وأحللناه في ذلك كله محل والده قبله وأنزلناه منزلته من غير معارض يعارضه، ولا مناقض يناقضه، وأسدلنا عليه وعلى جميع السادات إخوانه أردية التوقير والحرمة والأثيلة، ونزهنا جانبهم المصون من كل ما تسام به العوام، وجعلنا لهم مزيد التعظيم والإكرام، وحررنا لهم كل من يحسب على جانبهم من

стр. 1264

الأصحاب والأتباع والخدام، بحيث لا يندرجون في وظيف. ولا تشملهم قطعة تكليف. كما حررنا لمولاى الطيب المذكور أصحابه الحراثين من الخلط وهم أحمد بن الطاهر الصالحى وإخوانه، وابن دح البيجرى، وإخوانه، وابن منصور الرياحى وإخوانه، والمعلم محمد بن دير وإخوانه، ومحمد بن العسرى وإخوانه فلا يطلبون بوظيف، لا قوى ولا ضعيف، رعيا لنسبتهم الطاهرة. ومن خرق على أحد من أصحابهم جلباب التوقير. أو طالبهم بجليل أو حقير. يخاف على نفسه وحسب الواقف عليه من خدامنا بالحواضر والبوادى أن يعملوا به، ولا يحيدوا عن كريم مذهبه، والسلام وفى ثالث عشر شوال المبارك من عام اثنين وسبعين ومائة وألفًا" هـ من أصله مباشرة. ويوجد ظهير آخر يتضمن إقرارهم على ما لهم من التوقير والاحترام على مقتضى ما عندهم من الظهائر الشريفة الموجبة لهم ذلك ولمن انتمى إليهم وانتسب، وأن راويتهم التي بسلا محترمة فمن دخلها كان آمنا وحرمها من دار سيدى عبد الرازق ممتد إلى باب شعفة تاريخه ١٨ صفر عام ١١٧٢، وهذه الظهائر موجودة بيد أحفاده بسلا، ولولا الإطالة لجلبنا نصوصها ولكن ما لا يمكن كله لا يترك كله، وأتينا بهذا ليعلم الواقف عليه ما لسلفنا الصالح من الاعتناء والمحبة في جانب أهل الفضل والدين والصلاح. وفاته: توفى بمكناسة الزيتون بعد الثمانين ومائة وألف، ودفن بزاويتهم المباركة منها.

стр. 1265

١٥٣ - الطيب بن إبراهيم بسير -بسين مهملة مشددة- الأندلسى الأصل الرباطى الدار والإقبار قاضيها . حاله: فقيه علامة مشارك، متضلع نقاد ورع ناسك، له يد طولى في جميع الفنون عقليها ونقليها، أديب ماهر، ناظم ناثر، مناظر ظريف المنزع، مفاكه منبسط، مليح العشرة، جيد الخط، له نظم رائق، ونثر فائق، لو جمع ماله من المنظوم والنثور لجاء في مجلد، وقد رويت له في مجموعتى في الأمداح النبوية من سهل النظم الممتنع ما يسحر الألباب. وينشط أولى الألباب. تصدر للإفتاء والتدريس، وتولى عدالة مرسى الرباط وإمامة جامع السويقة به أيضًا كما نص على ذلك الضعيف، ورشح لقضاء بلده رباط الفتح عام تسعة عشر ومائتين وألف، ثم عزله عامل الرباط الغازى السكيرى، وذلك في رجب عام عشرين ومائتين وألف ثم أعد لقضاء الرباط أيضًا على سبيل النيابة، ثم استقل في حدود الأربعين، ثم نقل بعد عام تسعة وثلاثين من قضاء الرباط لقضاء مكناسة الزيتون، وكان يتداول قضاء الرباط ومكناسة الزيتون مع القاضي الحكمى نحو ستة أشهر أو العام، لكل واحد وذلك في الدولة السليمانية. وبالجملة فقد كانت تعد مزاولة المترجم لخطة القضاء بنحو الخمسين سنة، وقفت على عدة من خطاباته والتسجيل عليه على فيها بقاضى الجماعة بالحضرة الإمامية وخطيب جامع قصبتها السعيدة، العالم العلامة الأمثل. المدرس النفاع الأكمل، من ذلك عقد بتاريخ ثانى عشر جمادى الثانية عام اثنين وأربعين ومائتين وألف، وآخر بعام ثلاثة وأربعين. ولا زال له عند أهل بلده ذكر طيب، حيث قام بوظيفه أحسن قيام إلى أن أعفى من الخطة لكبر سنة أواسط عام ستة وستين ومائتين وألف، ثم رحل لوزان وأقام لدى سيدى على بن أحمد مدة هـ.
следующие страницы →