وفدت رسائلك الجليلة طيها ... نشر المودة في خلال سطورها
فكأنما الصهباء رق مزاجها ... وكأنما الديباج في تحبيرها
وتنكبت عن منزلى إذ خيمت ... ما عرجت بسلامها وسفيرها
وفاته: توفى بمكناسة الزيتون عام سبعة بموحدة ومائة وألف، ودفن بها وفيه يقول صاحب حدائق الأزهار الندية:
فمنهم البكاء من قد أقبلا ... لطاعة الإله جل وعلا
وترك الفانى لنيل الباقى ... ومص كاس الحب قبل الساقى
الطيب الأخلاق طبعا كاسمه ... وكاشف الدعوى بنيل شمسه
ذاق الحمام بعد كأس الحب ... فاستوجب الرضا وعز القرب
١٤٩ - الطيب بن عبد الرحمن بن أبي القاسم بن القاضي .
المكناسى الأصل، الفاسى النشأة والدار والوفاة، وهو ممن شملهم قول ابن غازى عند تعرضه لعلماء مكناسة بلده وبنو العافية والمترجم منهم.
حاله: شيخ صالح، فقيه أستاذ فالح، علامة نبيل، مدرس متقن جليل، كان معتنيا بتقييد مهمات المسائل متبعا لآثار الصالحين، سالكًا سبيل أهل الخير والدين.
مشيخته: أخذ عن والده شيخ الجماعة في عصره، وكان من أصحاب سيدى أحمد اليمنى، وسيدى أحمد بن عبد الله معن الأندلسى، وظهرت عليه بركتهما.
وفاته: توفى في رمضان عام أربعة وعشرين ومائة وألف، ترجمه في السلوة والنشر والتقاط الدرر.
стр. 1262
١٥٠ - الطيب بن محمد بصرى المكناسى قاضيها .
حاله: فقيه وجيه، علامة نزيه، مدرس فاضل، قدوة كامل، عدل رضى مبرز، تولى خطة العدالة مدة، وقفت على رسم بشهادته بتاريخ أحد عشر شوال عام اثنين وتسعين ومائة وألف، ثم رشح لقضاء الجماعة بالحضرة المكناسية، والإمامة بمحراب مسجدها الأعظم، وقفت على خطابه على رسم مسجل عليه بتاريخ عاشر رمضان عام ثلاثة وتسعين ومائة وألف، وآخر بتاريخ خمسة وتسعين وآخر بستة وتسعين وآخر بتسعة وتسعين، وآخر بمنتصف شعبان عام مائتين وألف.
وكذا وقفت على تسجيل عليه بإثبات رسوم واستقلالها حلى فيه بالعلم والتدريس وإمامة المسجد الأعظم بهذه الحضرة، تاريخه ثامن رجب عام واحد ومائتين وألف، وآخر بتاريخ اثنين ومائتين وألف، وآخر بتاريخ ثلاثة ومائتين وألف على فيه بالفقيه العالم المدرس الأفضل، القدوة البركة الأحفل، قاضى الجماعة بمكناسة أحد عدوله مولاى أحمد بن على العلوى الَّذي تولى القضاء بها بعد، وقد مرت ترجمته.
١٥١ - الطيب بصرى المكناسى الدار والقرار .
حاله: فقيه مبين، علامة ناسك، خير دين فاضل، صوام قوام، ذاكر، معتزل عن خلطة الناس، لا يأوى إلا للفقراء، ذو مائدة مبسوطة، كثير الزيارة للصالحين الأحياء والأموات، حسن الاعتقاد في أهل الله، ولى خطبة جامع الزيتونة.
مشيخته: أخذ عن الشيخ أبي العباس السوسى دفين مراكش المتوفى عام ثلاثين ومائة وألف، ولقى ولده أحمد العباس.
وفاته: توفى سنة تسع وستين ومائة وألف كما في سلوك الطرق الوارية.
стр. 1263
١٥٢ - الطيب بن الشريف النقيب مولاى على الشريف القادرى .
حاله: محترم وجيه، فاضل ألمعى نزيه، كان من الملازمين للسلطان الأعظمى أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن فخر الملوك وجد السلاطين مولانا إسماعيل، لا يفارقه لا في ظعن ولا في إقامة، وكان متوليا النقابة على سائر الزوايا القادرية بالمغرب الأقصى، أسند إليه ذلك بعد وفاة والده مولاى على بن أحمد بظهير للسلطان أبي محمد بن عبد الله بتاريخ أواسط ربيع الثانى عام ثلاثة وخمسين ومائة وألف، ثم جدد له ذلك بظهير محمدى نصه بعد سطر الافتتاح والطابع:
"كتابنا هذا أيد الله أوامره العلية، وخلد في صفحات الدهر مئاثره السنية، يستقر بيد حامله الشريف الأرضى، الوجيه المحترم المرتضى، سيدنا مولاى الطيب ابن على سليل الولى الصالح، والكوكب الضئضئى اللائح، سلطان الأولياء وقطب الصالحين، والمتبرك به في كل وقت وحين محط رحال الأمانى ذى الكرامات الشهيرة، سيدى عبد القادر الجيلانى أفاض الله علينا من بحر فضله، وجعلنا من المستظلين بوريف ظله.
يعلم منه أننا بسطنا يده على جميع الزوايا المنسوبة للشيخ سيدى عبد القادر نفعنا الله ببركاته حيث كانت بهذه الإيالة المباركة، وجعلنا زمامها بيده وقصرنا الكلام في كل ما يرجع إليها عليه، وأسندنا له النظر في جميع أوقافها المحبسة عليها، منه إليها، وأحللناه في ذلك كله محل والده قبله وأنزلناه منزلته من غير معارض يعارضه، ولا مناقض يناقضه، وأسدلنا عليه وعلى جميع السادات إخوانه أردية التوقير والحرمة والأثيلة، ونزهنا جانبهم المصون من كل ما تسام به العوام، وجعلنا لهم مزيد التعظيم والإكرام، وحررنا لهم كل من يحسب على جانبهم من
стр. 1264
الأصحاب والأتباع والخدام، بحيث لا يندرجون في وظيف. ولا تشملهم قطعة تكليف.
كما حررنا لمولاى الطيب المذكور أصحابه الحراثين من الخلط وهم أحمد بن الطاهر الصالحى وإخوانه، وابن دح البيجرى، وإخوانه، وابن منصور الرياحى وإخوانه، والمعلم محمد بن دير وإخوانه، ومحمد بن العسرى وإخوانه فلا يطلبون بوظيف، لا قوى ولا ضعيف، رعيا لنسبتهم الطاهرة.
ومن خرق على أحد من أصحابهم جلباب التوقير. أو طالبهم بجليل أو حقير. يخاف على نفسه وحسب الواقف عليه من خدامنا بالحواضر والبوادى أن يعملوا به، ولا يحيدوا عن كريم مذهبه، والسلام وفى ثالث عشر شوال المبارك من عام اثنين وسبعين ومائة وألفًا" هـ من أصله مباشرة.
ويوجد ظهير آخر يتضمن إقرارهم على ما لهم من التوقير والاحترام على مقتضى ما عندهم من الظهائر الشريفة الموجبة لهم ذلك ولمن انتمى إليهم وانتسب، وأن راويتهم التي بسلا محترمة فمن دخلها كان آمنا وحرمها من دار سيدى عبد الرازق ممتد إلى باب شعفة تاريخه ١٨ صفر عام ١١٧٢، وهذه الظهائر موجودة بيد أحفاده بسلا، ولولا الإطالة لجلبنا نصوصها ولكن ما لا يمكن كله لا يترك كله، وأتينا بهذا ليعلم الواقف عليه ما لسلفنا الصالح من الاعتناء والمحبة في جانب أهل الفضل والدين والصلاح.
وفاته: توفى بمكناسة الزيتون بعد الثمانين ومائة وألف، ودفن بزاويتهم المباركة منها.
стр. 1265
١٥٣ - الطيب بن إبراهيم بسير -بسين مهملة مشددة- الأندلسى الأصل الرباطى الدار والإقبار قاضيها .
حاله: فقيه علامة مشارك، متضلع نقاد ورع ناسك، له يد طولى في جميع الفنون عقليها ونقليها، أديب ماهر، ناظم ناثر، مناظر ظريف المنزع، مفاكه منبسط، مليح العشرة، جيد الخط، له نظم رائق، ونثر فائق، لو جمع ماله من المنظوم والنثور لجاء في مجلد، وقد رويت له في مجموعتى في الأمداح النبوية من سهل النظم الممتنع ما يسحر الألباب. وينشط أولى الألباب.
تصدر للإفتاء والتدريس، وتولى عدالة مرسى الرباط وإمامة جامع السويقة به أيضًا كما نص على ذلك الضعيف، ورشح لقضاء بلده رباط الفتح عام تسعة عشر ومائتين وألف، ثم عزله عامل الرباط الغازى السكيرى، وذلك في رجب عام عشرين ومائتين وألف ثم أعد لقضاء الرباط أيضًا على سبيل النيابة، ثم استقل في حدود الأربعين، ثم نقل بعد عام تسعة وثلاثين من قضاء الرباط لقضاء مكناسة الزيتون، وكان يتداول قضاء الرباط ومكناسة الزيتون مع القاضي الحكمى نحو ستة أشهر أو العام، لكل واحد وذلك في الدولة السليمانية.
وبالجملة فقد كانت تعد مزاولة المترجم لخطة القضاء بنحو الخمسين سنة، وقفت على عدة من خطاباته والتسجيل عليه على فيها بقاضى الجماعة بالحضرة الإمامية وخطيب جامع قصبتها السعيدة، العالم العلامة الأمثل. المدرس النفاع الأكمل، من ذلك عقد بتاريخ ثانى عشر جمادى الثانية عام اثنين وأربعين ومائتين وألف، وآخر بعام ثلاثة وأربعين.
ولا زال له عند أهل بلده ذكر طيب، حيث قام بوظيفه أحسن قيام إلى أن أعفى من الخطة لكبر سنة أواسط عام ستة وستين ومائتين وألف، ثم رحل لوزان وأقام لدى سيدى على بن أحمد مدة هـ.
стр. 1266
كذا قيل، والصواب أن إقامته بوزان كانت في حال بدايته، وفى مدة إقامته بها كانت قراءته على الشيخ الرهونى، وذلك قبل ولايته القضاء بأزمان هـ من خط حفيده الثبت علامة الرباط وبركته سيدى المكي بن محمد بن على البطاورى حفظه الله.
وقد ترجمه مؤرخ سلا السيد محمد بن على الدكالى في نظمه المسمى إتحاف الملا ببعض أخبار الرباط وسلا. بما لفظه:
ومنهم القاضي أبو المسك التقى ... محمد الطيب نعم المرتقى
وهو ابن إبراهيم بسير الَّذي ... يعرف بالشيخ الأديب الأحوذى
نادرة العصر وفرد وقته ... وحامل الآداب قل في نعته
كان فقيها عالمًا مدرسا ... أخا بلاغة خطيبا ندسا (١)
قاضى رباط الفتح قل وعينها (٢) ... ركن فحرها وحائز الدها
له أياد في المعالى والعلا ... وجمع العرفان طرا فاعتلى
وكان ذا فكاهة وبسط ... ونخوة تزيل كل قنط
كان ينوب في القضا ... قديما ... ثم استقل حائزا تكريما
في عام (يط) بعد عزل الحكمى ... ودام خير ماجد محكم
ولى دولة القضاء مرتين ... إحداهما بعيد خمسين تبين
له النوادر التي تستملح ... ولم يحاك مثلها ممازح (٣)
стр. 1267
عجبا ولطفا وغريب منزع ... وغور أصل وجميل موقع
فكم موشح يزيل حزنا ... وكم مربع يقر الأعينا
وكم نسيب يستفز الأريحى ... وكم غزال يصطفى بالفرح
وسل عيون الشعر عن مقاله ... تعرف جمالا بَان في أقواله
فهو الأديب الشاعر المعتبر ... أو البليغ في النظام الناثر (١)
وكان في الفقه نسيج وحده ... وفى المعالى حكما في جنده
وكم ترسل يحل العقدا ... وكم ضراعة تنيل مددا
وكم مديح للرسول المجتبى ... أقر بالقصور عنه النجبا
وكان في الفتاوى لا يجارى ... وفى القضا والحكم لا يمارى
وكان يختم القوافى بالملح ... مما يثير ضحكا للانشراح (٢)
كبيتى الطيب الَّذي يشم ... سلبا وإيجابا وذاك يسمو
وغيرها وهو كثير تعرف ... من شأنه وهو بها متصف
مثل ندائه كذى السكربوو ... وبألا لدامجئ مارجوا
ضمن ذا الأشعار والتوشيحا ... فجاء في انبساطه مليحا،
وقد اعتراه جذب في آخر عمره وقيل افتعل ذلك للانسلاخ من وظيف القضاء، وقد شوهدت له في ذلك الإبان مكاشفات، من ذلك ما أخبرنى به بلديه قاضى الرباط الحالى العلامة السيد محمد بن عبد السلام الرندة أنَّه أخبره الأشيب
стр. 1268
الحاج محمد فتحا الرجراجى الرباطى، أنَّه أخبره المسن المنتسب سيدى بنعاشر الحداد الرباطى، أنَّه كان جالسا بدكان مع بعض بسوق السبيطريين برباط الفتح، فرأيا المترجم وقد اعتراه الجذب وهو برأس باب الخزازين فتذاكرا فيما حصل له بعد ما كان في رتبة القضاء، فقال أحدهما للآخر: إنه يقال إنه في رتبة سيدى أبي العباس السبتى، ثم خاضا في حديثهما الأول ونسيا حديثهما الاستطرادى في شأنه، والحال أن بينهما وبينه مسافة بعيدة يستحيل عادة سماعه كلاهما، ثم بعد مدة طويلة وصل إليهما وحياهما، وأعقب التحية بقوله: ومن هو أبو العباس السبتى؟ يبول ويتغوط كالناس، قال الرجراجى: قال الحداد: فتيقنا أنَّه كاشفنا فيما قلنا عنه هـ.
وقول ذلك القائل: إنه في رتبة سيدى أبي العباس السبتى، لعل سبب هذا القيل ما كان يشاهد منه في حال جذبه من كثرة بذل الدراهم للمساكين وللصبيان، فكان يحمل العدد من الدراهم في وعاء ويمر في طريق الرباط، فإذا رأى جماعة من صبيان المكاتب يبدد لهم ذلك فيتخاطفون على ذلك وهو ينظر إليهم ويتبسم، وحال أبي العباس السبتى في مثل ذلك شهير، وترجمته في نفح الطيب وغيره وقد أفردت بالتأليف.
مشيخته: أخذ عن الشيخ الرهونى، وهو من أحذق تلامذته وأعلمهم، وهو أحد من قرض حاشيته على الزرقانى والشيخ بنانى، كما قرضها بلديه ابن التهامى ابن عمرو، وكما أخذ أيضًا عن العلامة الغربى الرباطى، والقاضى ابن العروسى، وعن السيد أحمد الحكمى قاضى العدوتين وغيرهم.
الآخذون عنه: أخذ عنه العلامة الخطيب السيد المكي بوجندار، والعلامة السيد الطاهر بريطل وغيرهما.
стр. 1269
شعره: من ذلك قوله من موشح سمعته من حفيده العلامة النقاد بقية
السلف في الخلف أبي حامد المكي البطاورى قاضى الرباط سابقا وحامل لواء
التحقيق به أطال الله بقاءه ومن خطه نقلت:
ما أحسن اللين في القدود ... والسحر في العين والفتور
وأعذب الوصل عن صدود ... ورشفة الخمر في الثغور
في ذاك يحلو الغرام جهرا ... وعاذل الصب ما عدل
لو ذقت كاس الرحيق عذرا ... مشمولة والدجى نسدل
أبديت للشاربين عذرا .... ولمت من مال للعذل
فارتح لراح براح غيد ... حور قصرن على القصور
يبسمن عن لؤلؤ نضيد ... غنين عن جوهر النحور
إن مسن يوما هززن رمحا ... فوقه شمس على كثيب
يسدلن من شعرهن جنحا ... يكاد أن يستر الكثيب
وإن رنا لحظهن لمحا ... أتين بالسحر العجيب
يا طالب العز والسعود ... مبتغيا ربة الخدود
اجمع على الشرب نقر عود ... واسدل على سرك الستور
وقوله:
سلا بسلا قلبى فشد ارتباطه ... ولولا سلاما جاء قلبى رباطه
على التزامات الرباط بثغره ... ولو شق عن قلب المشوق نياطه
стр. 1270
وقوله:
محياك شمس الضحى المشرقة ... به حدقات الورى محدقه
وأسهم لحظك ترمى الحشما ... تخالها شهب السما المحرقه
وقوله:
يا من إذا الصبح أقبل ... حكى ضياء جبينه
ومن إذا الليل أسبل ... حكى سواد جفونه
وقوله:
ليت شعرى بعد بعد ونوى ... هل ترى يجمعنا ذاك الوطن
فنقضى من سليمى مأربا ... ونرى من وسط قلبى قد سكن
وقوله:
حرك الوجد في هواكم سكونى ... وعليكم عواذلى عنفونى
خلفونى في الحى ميتا طريحا ... وعلى النوم بعدهم حلفونى
إن أنا مت في هواهم شهيدا ... بدموعى بحقكم غسلونى
ولروض العشاق سيروا بنعشى ... فهم جيرتى بهم أنعشونى
ثم نادوا الصلاة هذا محب ... مات ما بين لوعة وشجون
واشرحوا للورى قضية حال ... علهم عند ذكرها يرحمونى
وقوله:
لله در إمام مفرد علم ... أتى بنظم بديع مظهر الحكم
يهدى ويرشد من ضلت مذاهبه ... كأنه البدر في داج من الظلم
стр. 1271
إن شئت تحصيل ما ترجموه مغتنما ... بمجلس المرتضى اللحلاح فالتزم
شيخ الأساتيذ والقراء فاعن بما ... يسدى إليك من العلوم واغتنم
يا حاملى الذكر أهل الله عبدكم ... بباب فضلكم مستمطر الكرم
قد أثقلت ظهره الزلات وارتكمت ... فهل شفاء يداويه من الألم
وقوله:
ولما بدا الورد الجنى كأنه خدود ... عذارى قد حمتها السوالف
أتى باسما ثغر الأقاح مقاوما ... فقالت خدود الورد هل لك سالف
فلم يحيى إلا أن تناثر عقده ... يقبل ساق الورد والعقد تالف
وقوله:
كأنما الزهر إذ بدت محاسنه ... لعين ناظره في ناضر القضب
أنامل صاغها الرحمن من درر ... تضم كفاعلى كاس من الذهب
وقوله في الأحماض والفكاهة:
أتانى أتانى بحمل أتاى ... شربته صيفى وردت شتاى
قوالب سكره عظمت ... إذا ما رأيتها قلت: الاى
وقوله وقد مر بعطار يخلط أنواعا من الطيب:
مررت بعطار يدق قرنفلا ... ومسكا وكافورا فقلت له:
(وأشار بأنفه مستنشقا)
فقال لى العطار رد قرنفلى ... ومسكى وكافورى فقلت له:
(وأشار بأنفه مستنثرا)
стр. 1272
وفاته: توفى عام واحد وسبعين بتقديم السين ومائتين وألف برباط الفتح ﵀ رحمة واسعة، دمالى وفاته أشار السيد محمد بن على المذكور "في نظمه المتقدم بقوله:
قضى بواحد وسبعين وألف ... مع مائتين والى الله انصرف
١٥٤ - الطيب أبو محمد بن الفقيه العدل السيد أحمد غازى المكناسى .
حاله: فقيه عدل رضى من جلة عدول الحضرة المكناسية المبرزين المتصدرين لتلقى الشهادة بسماط عدولها.
وقفت على رسم بشهادته بتاريخ أوائل رجب الفرد عام سبعة بموحدة وخمسين ومائة وألف: وجيه نزيه مبجل، علامة مدرس نفاع، كانت له رياسة وزارة الأوقاف المغربية، في سائر الإِيالة العلوية، والنظر التام، والتصرف العام، في جميع الأحباس على عهد السلطان مولانا عبد الله بن الجد الأعظم، السلطان الأفحم، مولانا إسماعيل قدس الله ثرى الجميع بمنه.
وقفت على عقد محاسبة أوقعها مع ناظر أوقاف الجامع الأعظم بالحضرة الهاشمية الإمامية المكناسية على ما تحصل بيده من أوقاف الجامع المذكور مشاهرة ومسانهة ومدركا في بدة من خمسة عشر شهرم، أولها المحرم فاتح عام ثمانية وأربعين ومائة وألف وآخرها ربيع الأول من عام تسعة وأربعين على فيه بما لفظه:
من له النظر التام، والتصرف العام، في جميع الأحباس بالإِيالة السعيدة بالله تعالى الفقيه الأرضى العدل المرتضى، السيد محمد الطيب بن المرحوم بمنة الله تعالى الفقيه العدل السيد أحمد غازى، فانظر ما كان لسلفنا الصلح من الاهتمام والاعتناء بشأن الدين في القديم والحديث.
стр. 1273
[صورة]
محاسبة السيد الطيب بن أحمد غازى الناظر العام لأحباس المغرب مع ناظر مكناس السيد الطيب بن عبد الواحد المسطاسى عما بيده حيث أحباسا مسجدها الأعظم من فاتح ١١٤٨ إلى ١١٤٩ وبعده الشهادة على اطلاع القاضي بذلك.
محاسبه السيد على بن سعيد العميرى للناظر المسطاسى عام ١١٥٠
стр. 1274
واعلم أن هذا الوظيف، أعنى وزارة عموم الأوقاف ليس مما أحدث، بل كان مؤسسا منذ أعصر خَوَالٍ وغايته أن متوليها لم يكن يطلق عليه لفظ وزير وإن كانت وظيفة الوزارة قديمة من قبل الطوفان، وكانت للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلم يكن أحد يلقب بالوزير ولا يخاطب بوصف الوزارة في ذلك العهد.
قال ابن فضل الله في المسالك: لم تكن للوزارة رُتْبة تعرف مدة بنى أمية وصدرًا من دولة السفاح، بل كان كل من أعان الخلفاء على أمر يقال له فلان وزير فلان بمعنى أنَّه مؤازر له، لا أنَّه متولى رتبة خاصة يجرى لها قوانين وتنتظم بها دواوين. هـ (١).
فائدة: أول من لقب بالوزير في الإسلام أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال وزير الخليفة السفاح أول خلفاء بنى العباس، وأول وزير منع أصحاب الدواوين من الوصول إلى الخليفة أبو أحمد العباس بن الحسن بن أحمد بن أيوب وزير المعتضد كما أفاده السيوطي في حسن المحاضرة (٢).
هذا وسيمر بك في حرف العين بحول الله أن متولى رياسة هذه الخطة الحبسية كانت تسجل عليه العقود، وبالاستقراء يعلم أنَّه إنما كان يرشح لها أهل العلم والدين، وقال في الدر المنتخب: كتب بعضهم هنا ما نصه: ولاية أهل النظر في الحبس، كانت من أشرف ما تطمح إليه الأنفس، ولا يرضى لها إلا شديد الشكيمة في الدين، مؤيدا بدلائل العلم في مدافعة المعتدين، لا يبالى بالخلق، في مضايق الحق، يعدل في القسمة، ولا يمنع أحدًا سهمه، يخص بالصدقة من كان مصرفها، ويمنع من كان في البلاد مترفها، ويقوم للرباع بالحزم في الإصلاح،
стр. 1275
بقدر مقتضيات الأحوال في مراعاة الصلاح، حتَّى ربما تولاها القضاة بأنفسهم، وإلا أطلقوها في يد من رأوه من أهل العلم والعمل من أنفسهم فكم من شيخ عظيم، قام لها في القديم، كأبى شامة بن إبراهيم المَشَنْزَائى (١)، وأبى عبد الله القصار القيسي.
وكانوا ينظرون في الأوقات المعينة. فلا يصرفونها إلا لمن كانت له مبينة، من إمام أو مؤذن أو غيرهما ولا يصرفون المعين في غيره، لأن لفظ المحبس كلفظ الشارع كما نص غير واحد من الأئمة على ذكره، انظر بقية كلامه.
رجع: وقد وقفت على نظم المترجم في سلك زمام العلماء المدرسين بالمسجد الأعظم بالحضرة المكناسية أصحاب المرتب العلمي.
وفاته: توفى في حدود الخمسين ومائة وألف.
١٥٥ - الطبب البيجرى .
لم أقف له على ترجمة غير أنَّه في تقييد زمام العلماء المدرسين أصحاب المرتب العلمي.
١٥٦ - الطيب الزكارى .
لم أقف له على ترجمة أيضًا، غير أنَّه كالذى قبله ممن عاصر المترجم قبلهما، إذ أنهما ممن شملهما زمام العلماء أهل المرتب الذين شملتهم المحاسبة المشار إليها وغالب الظن أن وفاة الثلاثة في عام واحد، لأن محاسبة فاتح الخميس أوقعها أبو الحسن بن سعيد العميرى كما سيمر بك، ولم يذكر فيها واحد منهما.
١٥٧ - الطيب الفيلالى .
هو مثل اللذين قبله من أعيان علماء الحضرة المكناسية المدرسين بمسجدها الأعظم حسبما بمحاسبات ناظر الوقت على عهدهم المؤرخة بتاريخ تسعة وأربعين
стр. 1276
وفاتح الخمسين، لغاية أوائل المحرم فاتح عام واحد وخمسين، وكان الناظر إذ ذاك أبا القاسم بن عبد الواحد المسطاسى رحم الله الجميع بفضله.
١٥٨ - الطيب ابن الفقيه الكاتب السيد عبد الرحمن كدران -بالقاف المعقودة- المكناسى .
تعرض لذكره صاحب جمهرة التيجان في جملة الآخذين عن الأمير الأعدل مولانا سليمان إذ قال:
والطيب الأخلاق نجل كدران ... لنبله سعى إليه الحرمان
ولم أقف له على ترجمة غير ما رثاه به حامل لواء الأدب في زمانه بالثغر الرباطى العلامة السيد محمد بن التهامى بن عمرو المتوفى عام ثلاثة وأربعين ومائتين وألف ولفظه:
عز الكتابة في لسان قلامها (١) ... وابك المصاب به بوبل صيب
واعلم بأن الدهر لم يسلب اسى ... مكناسة الزيتون مثل الطيب
مشيخته: أخذ عن السلطان مولانا سليمان وغيره.
١٥٩ - الطيب الحناش .
ذكره أبو القاسم الزيانى في خاتمة البستان من جملة أهل الطبقة الرابعة من كتاب الدولة المحمدية.
١٦٠ - الطيب بن عبد السلام الواسترى .
حاله: فقيه أديب، عدل رضى مبرز كاتب، ناظم ناثر نزيه، ذو حظ بارع نسخ بخطه عدة كتب، وكانت له وجاهة عند السلطان مولانا عبد الرحمن بن هشام، وكان ينظم الأزجال الملحونة، وله يد طولى في جيد النظم.
стр. 1277
أصله من تادلا، كان سكنى سلفه بجبل الدقيق المعروف اليوم بقفص، وبه مدفنهم، واستوطن بعضهم مكناسة، من عقب ذلك البعض المترجم.
شعره: من ذلك ما هو مرقوم بأعلى باب ضريح الولى الشهير السيد عبد الله بن حمد آتى الترجمة:
روضة قد أصبحت منها لنا ... جنة الفردوس في باب البلد
إن تزرها راغبا في حاجة ... قل أعبد الله جد يابن حمد
وقوله مادحا ومهنئا سيدنا الجد السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام بما حصل له من الظفر والفتح لزاوية المهدى الشرادى ومؤرخًا لذلك:
فتوح لا يماثلها فتوح بها ... للغرب توبته النصوح
تواترت البشائر فاستمعها ... فها سند الحديث بها صحيح
رواة حديثها سعد وبشر ... وممليها ومقرئها فصيح
تخبر بالتهانى سامعيها ... فيطرب عندها جسد وروح
وحيا اليمن من كل النواحى ... به يغدو لنا وبه يروح
وكاسات المسرة مترعات ... وطاب بها اغتباق والصبوح
وللنفس انبساط وانشراح ... به لذا لتهتك والشطوح
رأينا الحق أكرمنا وأعطى ... عطايا لا توضحها شروح
حبا السلطان تأييدا ونصرا ... على من ظن تحميه الصروح
وجيش للشقاق عظيم جند ... يضيق بها لكثرتها الفسيح
وحصن بالمدافع والعوالى ... حصونا في دواخلها [شلوح]
стр. 1278
(زرارة) والذي يقفو هواهم ... فأمسوا ما لهم إلا الضريح
أتاهم سيد مالك همام ... بجند لا يقيل ولا يريح
بأبطال كماة كل شهم ... له سيف ومركبه سبوح
فشرد جمعهم في كل وجه ... ومكن من رقابهم الصفيح
فهاهم بعد رفعتهم بخفض ... أسير أو قتيل أو جريح
فأين هداية (المهدى) فيهم ... وزعمه أنَّه هو المسيح
وأنه في الكهانة أعلى شيخ ... وعنه يروى شق أو سطيح
ألم يخبره شيطان وسحر ... بأنه في مصارعه الذبيح
وأن إمامنا المنصور يحوى ... ذخائره وحصنه يستبيح
ويتركه يبابا بعد أنس ... فبان بأنه الغر الوقيح
فمن يهدى الإله فلا مضل ... ومن يضلل فلا هاد يزيح
فلو جنح البغاة إلى إمام ... له للفضل والعليا جنوح
لألفوا سيدا ملكا حليما ... أما يدرونه وهو الصفوح
تعطف في الشبيبة بالمعالى ... وليس لغير علياء يشيح
فكيف وقد أتاه الله ملكا ... عظيما عنده المجد الصريح
سرى من سراة بنى على ... لهم والخالق النسب الصحيح
سرت أسرار خير الخلق فيهم ... مشارق نوره منهم تلوح
أُفديهم وأَفديهم بروحى ... وما لى عن ودادهم نزوح
أدين بحبهم رب البرايا ... وفيهم دائما يحلو المديح
стр. 1279
جعلت مدائحى فيمن تسامى ... وبدره في السعود له وضوح
أمير المؤمنين وخير من قد ... زال به عن الدين الكلوح
إليك (أعابد الرحمن) أهدى ... مديحا عرف مدحته يفوح
تشرف نظمه لما تحلى ... بوصف كمالكم فهو الفصيح
بقيت الدهر ترفل في المعالى ... تغاديك المسرة والفتوح
بعام (مرشد) أعطيت فتحا ... وما من بعدها إلا فتوح
١٢٤٤
وقد أثبت له هذه القصيدة على علاتها لفائدتها التاريخية.
وفاته: توفى أواسط القرن المنصرم بهذه الحضرة المكناسية.
١٦١ - الطيب أبو الإجلال ابن العدل الثقة أبي زيد عبد الرحمن بن محمد ابن أحمد بن العباس بن أحمد بن أبي محمد عبد القادر آل الولى الأشهر سيدى عبد المغيث زغبوش القرشي المكناسى النشأة والدار.
حاله: فقيه جليل، نبيه نبيل، ماجد أثيل، فاضل أصيل، عدل رَضِىٌّ، تقى نَقِىٌّ، ثقة ثبت من بيت مجد وحسب وديانة، وصيانة ونزاهة، عنصر المجد اللباب، ومن له بسلفه علو الشأن، كان ﵀ من أماثل أهل زمانه ديانة وجلالة ونبلا وشرف نفس وطهارة عرض، مقتفيا سنن سلفه الأماجد السراة.
وفاته: توفى عام أحد عشر ومائتين وألف حسبما بزمام تركته.
стр. 1280
١٦٢ - الطيب بن العلامة السيد محمد -فتحا- بن العلامة السيد الطيب بصرى الولهاصى .
حاله؛ كان من أعيان عدول هذه الحضرة وفقهائها، تولى نيابة القضاء عن السيد العباس بن كيران، وعن السيد المهدى بن سودة من بعده، وخطبة مسجد القصبة المولوية الأعظم مدة نيابته، ولم يزل نائبا إلى أن توفى.
وكان ذا نباهة وذكاء، مثنى عليه لدى أهل زمانه، حدثني حفيده العدل السيد محمد، أنَّه سمع من الثقات أن مولانا الجد السلطان مولاى عبد الرحمن بن هشام لما عين لقضاء مكناس العلامة المشاور السيد المهدى بن سودة بعد وفاة السيد العباس بن كيران، قال مخاطبا لأهل مكناس: إنى انتخبت لكم عالم المشرق والمغرب بقصد أن تنتفعوا بعلومه، وأما القضاء ففي الطيب بصرى كفاية، وحدثني بعض العدول أن المترجم كان يروم شراء دار جدته للأم السيدة عائشة قدارة، ولم يأل جهدًا في اتخاذ الأسباب التي توصله لتحصيل منيته وزوج المرأة المذكورة يأبى ذلك كل الإباية، حتَّى إنه قال لزوجته المذكورة: إن بعته الدار فأنت طالق ثلاثًا.
والمترجم مع هذا كله يحتال حتَّى حصلت المرأة قى شبكته فابتاع منها الدار، وأحضر لها العدول وأوقع عليها الإشهاد، ثم لما فطنت المرأة وتذكرت مما علق زوجها بتاتها عليه، ذهبت للولى الصالح مولانا عبد القادر العلمي آتى الترجمة وقصت عليه القصص، فوجه من حينه على المشترى وعرفه بما تورطت فيه المرأة وطلب منه إقالتها لله فامتنع كل الامتناع، وقال له: يا سيدى لو طلبت منى عينى لقلعتها وقدمتها إليك، وأما الدار فلا، فقال له السيد: اذهب لله الأمر، فذهب وقال للمرأة قومى اجعلى وكيلا يرفعه لمجلس الشرع فإن دارك لابد من رجوعها إليك، وأنه لا محالة يفقد عينه لأنه كاذب في قوله، فقالت المرأة: ليس لى من وكيل غير أخي فلان الطراز حرفة وهو لا معرفة له بالتداعى، فقال لها قومى
стр. 1281
فانصبيه فإنه ينصر عليه وعلى يده ترد لك دارك، فامتثلت الأمر، ووكلت أخاها من حينها.
وكان من عجيب الاتفاق أنَّه لما رفع المشترى لمجلس الشرع وجد عدلين من أعيان العدول المبرزين بمجلس القاضي بقصد الأداء على شهادة لهما، فكانا أول من تقدم للأداء ليتفرغ القاضي لفصل الخصوم، فلما جلسا بين يديه أخبراه أن تلك المرأة لا تحسن معرفة بيع خبزة فضلا عن الدار، فطلب منهما الإشهاد بذلك فشهدا في مجلسه وأديا شهادتهما قبل أداء العقد الَّذي أتيا لأجله، فحكم من حينه بفسخ البيع، وقام المشترى بخفى حنين، وبأثر ذلك مرضت عينا المترجم مدة، ثم برئت إحداهما، وتمادى بل ازداد مرض الأخرى، فأتى بمتطبب فكانت باكورة نتيجة علاجه إخراج عينه من محلها حتَّى وقعت في كف صاحبها، نسأل الله السلامة والعافية، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، إن البلاء موكل بالمنطق.
مشيخته: أخذ عن والده العلامة السيد محمد حامل لواء التدريس في وقته وعن غيره.
وفاته: توفى عام سبعة وسبعين بالحضرة المكناسية ودفن بضريح سيدى الحارثي آل الشيخ الكامل من حومة براكة.
١٦٣ - الطيب بن اليمانى بن أحمد بوعشرين الأنصاري الخزرجى .
على ما صرح به غير واحد، وجزم به سيدى محمد بن عبد القادر الفاسى في تقييده في مشاهر أهل فاس في القديم.
حاله: فقيه أستاذ علامة مفوه، مشارك نقاد، سياسى محنك، ذو خط بارع وإنشاء بديع. قال اللجائى في دوحة المجد والتمكين: نشأ حرس الله علاه،
стр. 1282
وحفظ عليه ما أولاه، بمكناسة الزيتون صدر صدورها، وواسطة شذورها، ووالده ﵀ قطب مدارها، ومقام حجها واعتمارها فقرأ في صباه القرآن، وتغذى بحفظه بأعذب لبان، ثم قرأ على والده جملة من المتون، في غير واحد من الفنون، ثم أخذ عن جماعة من الأعيان من كابر مشايخ هذا الشان، واعتكف على طلب العلم، فنبغ فيه بالحفظ والفهم، واستمر على نعته المذكور إلى أن صار يتيمة عقد أولى الصدور. هـ.
وبالجملة فقد تربى في حجر العفاف والصيانة والسعادة، وتغذى بلبان النباهة والسيادة بين أولى المجادة، انتقاه مولانا الجد السلطان مولاى عبد الرحمن بن هشام لتأديب أولاده الكرام، الجلة الفخام، فكان لهم خير مرشد وإمام.
ولما قدم نجله السلطان من بعده سيدى محمد من سجلماسة مراهقا أضافه إلى تربيته ونظره، فكان له خدنا موافقا، وخصه بكفالته لما تيقنه من كفاءته، فلم يأل جهده في تأديبه وتربيته وتهذيبه حتَّى جمع عليه القرآن العظيم حفظا ورسما، وأدرك غاية الكمال مسمى واسما.
وقرأ مقدمات العلوم وأمهاتها وأحاط بصورة النجابة من جميع جهاتها، فلازمه بعد ذلك حتَّى تجلت شمس الخلافة عن والده في مشرقه، ولاح بدر السعود على مفرقه، فعند ذلك استقل لديه بالحجابة، واختص بقصب السبق بين أولى النجابة وذلك عام خمسة وخمسين ومائتين وألف.
ولما عقد الخليفة سيدى محمد على جبينه للإمامة العظمى فاتح سنة ست وسبعين بتقدم السين على الموحدة ومائتين وألف استوزر شيخه المترجم، فكان قطب دولته ومرجع آرائه وإصداراته إلى محاسن جليلة، وأخلاق كاملة جميلة.
وقد ترجمه في الجيش وأطال. فيما له من أوصاف الكمال، والامتياز بين سراة الرجال، وما كان من الجاه والوجاهة، والمكانة القعساء في الدهاء والنباهة.
стр. 1283
وقد وقفت على تقييد بخط يد المترجم موقع عليه بخط السلطان سيدى محمد ولفظه:
"الحمد لله خدمت أعتاب سيدنا أول وقت الشباب وأفنيت عمرى في الخدمة إلى أن صرت معدودا من الشياب، وقد ظهر على هذا العبد من فضل الله تعالى ثم من فضل المقام الأنفع، والجناب الأرفع، من الخبر الدنيوى والأخروى ما هو أظهر من شمس الظهيرة حتَّى ملك بوجودكم ما لم يملكه أبوه ولا جده، وتزوج وتسرى وولد أولادًا في أيامكم السعيدة فقرءوا ونجبوا، وبلغوا في النباهة مبلغا استحقوا به الجلوس على منصة التدريس من فضل الله ولا فضل إلا فضل الله ثم فضلكم، وقد عرف جنابكم العزيز بمراعاة من خدم سنة أو شهرا، فكيف بمن خدم دهرا، فإن لى الآن في الخدمة أربعا وأربعين سنة ما قصرت فيها في الخدمة، بل قمت ولا زالت قائمًا بما أقدرنى الله عليه مما أرجو أن ينيلنى الله به أرفع الدرجات، والصفح عن الزلات، وأن يسدل سيدى على أولادى رداء التوقير والاحترام، فإنه لا عز لهم إلا بالله ثم بسيادتكم ومطلوبى أن يظهر عليهم أثر العناية بكتب ظهير يكون متضمنا لتوقيرهم رعيا لما سلف من خدمة والدهم ووالده ومن قبلهم من أسلافه الذين كانوا شيعة لأول سلاطين هذه الدولة العلوية، السلطان مولاى محمد، قدس الله روحه، فإنى رأيته أيده الله علامته بخط يده الشريفة الَّذي كتب لهم ونوه بهم، وما أظن سيدنا أيده الله إلا عقل عليها يكون الظهير الشريف، عزًّا لأولادى من بعدى وينبه سيدنا فيه على إقرار من أسكنته منهم بمراكش على السكنى، خشية العين باجتماعهم بمكناسة، لأن فيهم من لا يعرف أصلا ولكونهم نشئوا بمراكش وما رأوا الغرب رأسا، وعلى من داوم على السكنى منهم بفاس، لأنى أهلت بعضهم للسكنى بفاس وأسكنته بها ليبقى متعاطيا للعلم تعلما بها وتعليما، وحاصله أردت ظهيرًا يعم الساكنين من أولادى بمكناسة
стр. 1284
وفاس ومراكش بوجود سيدنا أيده الله" هـ من خطه بلفظه وبعده التوقيع الشريف بقلم أزرق ونصه: "اكتب الظهير على نحو ما ذكرت ويطبع".
ووقفت على ظهير السلطان المقدس مولانا الحسن بإقرار أولاده على محل سكناهم حيثما كانوا ولفظه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الشريف:
"يعلم من كتابنا هذا الطالعة في سماء الهداية أقماره، المتوالية بتوالى المدى أنواره، أننا بحول الله وقوته، وعناية توفيقه ومنته، أقررنا حملته المنحاشين لشريف أعتابنا، الصادقة محبتهم في على جنابنا، وهم أولاد كاتب شريف أوامر مولانا المقدس بالله الطالب الطيب بن اليمانى بوعشرين ﵀ حيثما كانوا، ساكنين مجتمعين أو متفرقين على ما ألفوه من جانبنا العالى بالله، وجانب أسلافنا الكرام، قدسهم الله من التوقير والاحترام، والرعى الجميل المستدام، بحيث لا يسامون بمكروه، ولا تنتهك لهم حرمة بوجه من الوجوه، ولا يعطل ما أصدره سيدنا الوالد في فردهم وجمعهم من البرور والاستيصاء بهم وإخراجهم من غمار العامة حتَّى لا يسامون بوظيف، ولا يكلفون أدنى تكليف، وزكواتهم وأعشارهم يدفعونها للضعفاء من أقاربهم، فإن المقصود فيمن نكسبه عزنا إظهار الملاحظة ومزيد الاعتناء، ومن عكس فيهم قصدنا الحميد، فقد تعرض لعقوبة الله وعقوبتنا بالنكال الشديد، فنأمر عمالنا وولاة أمرنا أن يعلموا بحكم فحواه، ويجروهم على سواء سنن هداه، فلا سبيل لمن يخرق عليهم عادة، أو يحدث في أمرهم نقصا أو زيادة، تقريرا تام الرسم، نافذ الحكم، المرضى العزم، يعلمه الواقف عليه ولا يحيد عن كريم مذهبه صدر به أمرنا المعتز بالله في خامس عشر رجب عام عشرة وثلاثمائة وألف".
وإلى الحين الحالى لا زال عقب أولاده بمحال استقرار آبائهم.
стр. 1285
مشيخته: أخذ عن والده وغيره ممن يشار إليه بالرسوخ في العلم والإتقان.
الآخذون عنه: أخذ عنه السلطان بن السلطان سيدى محمد بن عبد الرحمن ابن هشام، وحاجبه، ووزيره السيد موسى بن أحمد وغيرهما.
وفاته: توفى فجأة بمراكش الحمراء عشية يوم الخميس الرابع عشر من شعبان عام ستة وثمانين ومائتين وألف، ودفن من غده بعد صلاة الجمعة والصلاة عليه في مسجد المواسين بضريح مولاى عبد الله الغزوانى المعروف بمولى القصور.
١٦٤ - الطيب بن إدريس بن الفضيل بن محمد دعى حم بن هاشم بن حم آل سيدى على منون .
حاله: فقيه أستاذ مقرئ له معرفة كافية، ومهارة تامة وافية، بالتوقيت، ومشاركة في غيره من الفنون، ومعرفة زائدة بعلم الأوفاق، تولى نظارة أحباس الولى الشهير سيدى عمرو بوعوادة وسيدى الحسن بن مبارك، وسيدى بربار واستكتبه أحد القواد وهو محمد الشاذلى نحو العامين.
مشيخته: أخذ القراءات السبع عن السيد اليزيد شيخ الجماعة في وقته، والتوقيت والتعديل ومتعلقاتهما عن السيد الجيلانى الرحالى، والجيلانى بن حم، وعن ابن عمه مولاى محمد -فتحا- بن محمد الموقت.
ولادته: ولد عام أربعة وثلاثين ومائتين وألف.
وفاته: توفى في قجدة الحرام عام تسعة وتسعين ومائتين وألف ودفن بروضة سيدى عمرو بوعوادة.
١٦٥ - قاضيها: الطالب بن العلامة القاضي السيد عبد الواحد بن العلامة المحدث الشهير محمد -فتحا- البوعنانى الفاسى ثم المكناسى .
حاله: شريف إدريسى من فرية داود بن إدريس.
стр. 1286
فقيه جليل، علامة نبيل، مدرس نفاع، له في كل فن طويل باع، حافظ لافظ خطيب مصقع بليغ، تولى خطة القضاء بمكناسة الزيتون، والخطبة بجامعها الأعظم المولوى.
وقفت على عدة عقود بخطابه والتسجيل عليه من ذلك عقد بتاريخ حادى عشر جمادى الأولى عام ستة وثلاثين ومائة وألف على فيه بما لفظه: الفقيه الأجل، العلامة الأفضل، الشريف الأحفل، المدرس البركة الحافظ الحجة قاضى الجماعة بالحضرة السلطانية وخطيب جامعها الأعظم وإمامه.
وتولى قبل ذلك قضاء الثغر الرباطى وذلك بعد العشرين من القرن الثانى عشر على ما قاله مؤرخ الرباط صديقنا الأديب أبو عبد الله بوجندار، وقد كان عزله السلطان مولاى على بن إسماعيل عن قضاء مكناسة وذلك يوم الجمعة مهل جمادى الثانية إثر فراغه من الخطبة، وولى مكانه أبا القاسم العميرى، وذلك عام سبعة بتقديم السين وأربعين ومائة وألف، وفى صفر عام تسعة وأربعين ولاه مولاه عبد الله قضاء مكناسة، وعزل العميرى، وفى أواخر جمادى الثانية من العام عزله سيدى محمد ولد عريبة، وولى السيد أبا القاسم العميرى كما في الدر المنتخب.
هذا وبيت صاحب الترجمة من البيوتات العريقة المجد والشرف، والفضل والدين سلفا عن خلف، تولوا المناصب العالية، وتصدروا في الخطب الشرعية الغالية، وتداولوا القضاء، وأحسنوا الاقتضاء، وتصدروا للإفتاء والتدريس، واستبعدوا بحسن سيرتهم كل مرءوس ورئيس.
استوطنوا أولا مدينة تلمسان ونواحيها، وانتقل البعض منهم لقبيلة دكالة، ومنها لمدينة فاس ونالوا في صدر هذه الدولة العلوية رياسة ووجاهة، نوه بهم السلطان مولانا الرشيد الحسنى أول من بايعته فاس وغيرها من قبائل المغرب من
стр. 1287
هذه الدولة العلوية، وبقوا على ذلك في دولة أخيه السلطان الأعظم سيدنا الجد الأكبر مولانا إسماعيل وولاهم القضاء في مدن المغرب كافة.
وفاته: توفى بثغر تطوان أواسط المائة الثانية بعد الألف، وكانت بينهم وبين أبي القاسم العميرى منافسة وشحناء بسطها أبو القاسم في فهرسته.
١٦٦ - الطاهر بن عثمان المكناسى .
ناظر أحباسها الكبرى.
حاله: فقيه ذو جاه ووجاهة، فاضل نبيه، تولى نظارة الأحباس الكبرى بالحضرة المكناسية على عهد السلطان مولاى عبد الرحمن بن هشام، وكان لديه شفوف ومكانة، وكان بقيد الحياة عام ستة وسبعين ومائتين وألف.
١٦٧ - الطاهر بن محمد بن المكي بن حساين المكناسى .
حاله: فقيه أديب مطالع مطلع، له مشاركة لا بأس بها، ذو فكاهة وظرف وسرعة جواب، محاضر لطيف، رقيق الطبع، بارع الخط، له إشراف تام على أخبار الماضين، مستحضرًا لأمثال العرب وحكمها ووقائعها وظرف أخبارها، واعية راوية لأشعارها، فاق أقرانه في ذلك وتبرز عليهم، وكان دينا عفيفا مبتلى بوجع الصدر يمنعه في غالب أحيانه من تتابع الكلام، وكان ناصرى الطريقة، وقد أخنى به الزمان حتَّى صار يقبض المكس بفندق الجلد وغيره بعد ما كان كاتبا عند بعض أمنائه بفندق رحبة الزرع القديمة ومن أجره يتعيش، وكان يأنف من تعاطى خطة الشهادة، ويقول ارتزاقى من هذا المحل أحب إلى من تعاطى الشهادة، وفى آخر عمره تجرد عن سائر الأسباب وحببت إليه العزلة، ولزم الخلوة وأقبل على عبادة ربه حتَّى أتاه اليقين.
مشيخته: أخذ عن العلامة السيد الهادى بادوا، وشيخ الجماعة السيد مبارك ابن عبد الله الفيضى وغيرهما من أعيان شيوخ عصره.
стр. 1288
وفاته: توفى في العشرة الأولى من هذا القرن بالحضرة المكناسية ﵀.
١٦٨ - الطاهر بن الحاج الهادي بن العناية بن محمد بن أحمد بن الحاج أبو العناية بن عبدو بفتح العين وسكون الباء بعدها دال مضمومة مشبعة ابن الولى الأشهر سيدى عبد الله الجزار دفين مكناسة الزيتون.
قال أبو العباس الناصرى: وأولاد بوحدو أصلهم من سلا، ثم انتقلوا لفاس ومكناسة.
حاله: علامة لدقائق العلوم، إنسان عين، دراكة يسقى الأرواح المتعطشة من معين أروق عين، أودعته التحقيقات ذخائرها، وأبرزت له الغوامض ضمائرها، وملكته البراءة رسنها، وأولته البراعة أحسنها، وخاطبته البلاغة فأجابها، وخطبته الفصاحة فأدخلته حجابها.
ورث الأدب بالتعصيب والفرض، وأخذ بحجز المعقول في طول الأرض والعرض، مجالس دروسه بإبراز المعقول محسوسا حافلة، إلا أن شموس بدائع النكت فيها بازغة غير آفلة، فكم بفرائد الفوائد قرط الآذان، وبحسن الإلقاء والتعبير فتق رتق الأذهان، علوم العرب لولاه درست رسومها، وأفلت من أفق مكناسة نجومها، له اقتدار زائد، على التحصيل وقنص الشوارد، تبرز بذلك على الأقران، فلم يسع معاصريه إلا الإقرار والأذعان.
وقد كان ذا طبع أرق من عليل النسيم، ولطف أحلى وأشهى من التسنيم، يصبو لكل وصف محمود، ويهوى الطرب ويحسن نقر العود.
تعاطى في أول أمره خطة الإشهاد، ثم أُخر عنها لغير ريبة توجب الإبعاد، وإنما السبب الوحيد حسد بعض الأوغاد، الذين بجهلهم سعوا في الأرض الفساد، وأعانه على ذلك قوم آخرون، وما الله بغافل عما يعمل الظالمون.
стр. 1289
وذلك أن بعض أهل الاعتداء، الذين سلبهم الله نور الاهتداء، من تجار السوء، الذين ما منهم إلا من بالخزى يبوء، وَشَى ببعض العدول للسلطان أمير المؤمنين سيدى محمد بن عبد الرحمن، وأظهر من الضجر، ما هو شأن من ظلم وفجر، حتى قال: إننا أصبحنا على النفس والمال غير آمنين، فأذن لنا بالرحيل قبل أن نغدو من الهالكين، فصدق السلطان ما اختلقوه من الافتراء، وأمرهم بأن يختاروا لأنفسهم من يرضون من الشهداء.
فكان ممن لم يقع عليهم الاختيار، صاحب الترجمة كغيره من الأخيار، فانتقل لمراكش ومكث بها نحو عشرة أعوام، ملحوظا معظما بين فضلائها الجلة الأعلام، وابتهجت به تلك البلاد، ونفق فيها سوق العلم والأدب بعد الكساد.
ثم بعد أن قطع الله دابر أولئك المبطلين، وكفى الله شرهم المؤمنين، آب لبلده ورجع إلى خطة العدالة، ثم رغب عنها وصار يراها أعدى له، وكان كثيرا ما يقول: كل الناس عدول إلا العدول.
وهو من بؤس المعيشة في شدة، ليس له على نوائب الدهر من عدة، راض من العيش واللباس بما خشن، معرض عن زهرة الدنيا وكل ما لبنيها فيها حسن، مقبل على الله في الخلوات والجلوات، يختم في كل يوم ختمة من دلائل الخيرات، طريقته عيساوية جزولية، سالك فيها ما وافق الحنيفية، يبغض بالطبع ما أحدثه من البدع رعاع الأتباع، وشوهوا به وجهها في سائر البقاع.
مشيخته: منهم السيد الحاج المهدى ابن سودة، والسيد العباس ابن كيران، وكان قارئ مجلسه، وأبو حامد سيد العربي بن السائح الشرقى آتى الترجمة، وشيخ الجماعة في وقته السيد مبارك بن عبد الله الفيضى، والعلامة المتبحر في علم المعقول السيد العربي بصرى المدعو قطيطة، وغيرهم من نقاد الأعلام.
стр. 1290
الآخذون عنه: منهم السيد الهاشمى المدعو بوعبولة المراكشى، والفقيه ابن دانى المدعو مخوخ، ووالدنا المقدس، وعمنا مولاى عبد القادر، وشيخنا سيدى محمد العرايشى، وسيدى محمد بن إدريس الشبيهى، وسيدى عبد القادر العرايشى، وابن عمنا مولاى الطيب بن عبد الله الإسماعيلى، والسيد الغالى السنتيسى وجماعة.
شعره: من ذلك قوله مَادِحًا آل البيت الأطهار من قصيدة:
في شكو حب للحبيب حبيبا ... من بينها بشرى الوصال قريبا
ياليت موعد وصله وافى به ... مستنجزا بسلامة مصحوبا
تختال في أزهار أخلاق زرت ... بأزاهر فيه تضوع طيبا
ليت انتظام الشمل حال لازم ... لو لم يكن حال الرضا المطلوبا
كل الذى يأتى قريب فالهنا ... بالوعد فهو الصدق لا تكذيبا
ما وعد عرقوب له مثلا ولا ... مالا فلا مترقب عرقوبا
فالرأس صدق وعده والوعد من ... أخبار عرقوب حوى التكذيبا
وإذا بدا منه توان في تدا ... ن فالتماس العذر لا تأنيبا
إلى أن قال:
يا آل أحمد كل فضل لم يزل ... لجناب ساحة عزكم منسوبا
أولاكم الرحمن ما أعلاكم ... قدرا به أعلى مقام هيبا
ولقد ألنتم جانبا للناس من ... شكر فأسكنتم بذاك قلوبا
وندى سحائب جودكم ما انفك من ... جذب القلوب لحصنها مرقوبا
стр. 1291
لأصولها تنمى الفروع وتقتضى ... فيها بألطف حكمة ترتيبا
لله ما أزكى الفروع مباركا ... فيها وأذكاها شمائل طيبا
المثمر الميمون أقربها إلى ... قطف الجنى من الرطيب رطيبا
وقوله مجيبا صديقه العلامة الأديب المجيد أبا العباس أحمد بن قاسم جسوس الرباطى:
وفتنى ذات الخال تختال من سعد ... بحالى فوفت للغريم بلا وعد
مهفهفة تحكى النسيم لطافة ... شمائلها كرم بمنشئها الفرد
تبدت كشمس في الظهيرة أشرقت ... وليست تكل الطرف في القرب والبعد
تميس بقد البان قد دق خصره ... وقد قدمنى البال أفديه من قد
تتيه دلالا في الحلى بجلالها ... بأوج العلا في ذروة العز والمجد
فأحيا بوصل فضلها الصب بعدما ... أماتت بفصل حيث حيت وبالصد
زهت إذ زرت بالعفو في القفر وازدهت ... فخد به الأخدود للدمع في الخد
فشمت به وردا ولما شممته ... تأرج عرف منه أذكى من الورد
وقبلت منه جوهر الثغر باسما ... فكان (رباطى) كى أرى جنة الخلد
وأسكرنى منه رحيق زلاله ... فصرت حريق القلب من صرفه الشهد
وغنت بألحان تريح الشجى من ... شجاه ورنت إذ رنت بغنا الرصد
بأفصح لفظ بالغ من بلاغة ... إلى حد إعجاز تنزه عن حد
كريمة بكر بنت فكر على منى ... لآلئ المعاني غاص في لجج تردى
سلالة شهم فاق إن هو في الوغى ... يفوق سهما صاب كالأسد الورد
стр. 1292
فتى جامع أفراد زين ومانع ... لأفراد شين حد بالعكس والطرد
أديب أريب فائق ذو نباهة ... حسيب نسيب ما له الوقت من ند
عليم حكيم رائق متفق ... كريم السجايا الغر من ضئضئى المجد
فخذ يا أبا العباس ما عن لامرئ ... يحبك قدما خالصا في صفا الورد
وسامحه في التقصير في العفو عنه في ... جواب وإن لم يستجد غاية القصد
ودم مبرزا في مذهب اللفظ لؤلؤ الـ ... ـمعانى مبرزا على كل ما فرد
هـ من خط المجاب بواسطة.
وقوله يمدح شيخه أبا حامد العربى بن السائح بعد استيطانه الرباط وهو من غرر قصائده:
إذا ما دليل من ودود يقام ... على وده (١) فكيف عنه يقام
وإن يف في وفائه شبه شبهة ... نفته وفاها بالدليل انحسام
بلى لجناب فاق تاق وعنده ... لفرط هواه لوعة وغرام
جناب أدام الله عز وجوده ... وإن عز منه بالودود انتظام
رجا من زمان كالح للمغيب أن ... يشاهد منه للشهود ابتسام
وقد ألقيت أتراحه بلقائه ... وأفراحه مدامها مستدام
ومن بحره الطامى اعترافا بفضله ... اغترافا لفضل حسبه منه جام
له وهو من تموج زهوه ... بأمواج عذب الواردات التطام
وفاض على وإن وناء مواهبا ... وما غاض بل له بفيض دوام
стр. 1293
يمير ولا خمص ويروى ولا ظما ... فمنه شراب طيب وطعام
فلو أن حالى تستقيم لكان لى ... ولا حائل عن ذاك منه قوام
وذلك في الدنيا مرامى وبغيتى ... وحقك مالى دون ذاك مرام
وما البحر هو الحبر ليس بنقله ... ولا نقده غمز ولمز يلام
هو الفرد في ذى الأمة اليوم والذى ... لهم قدوة وأمة وإمام
بلى هو طود في الوقار وفى الندى ... خضم وفى العزم الصميم حسام
وروض أريض طاب من زهر شيم ... بأكمامها شيم له واشتمام
على دوحها من فرط وجد ترنمت ... بأسرار حسنه البديع حمام
ثنيت زمام العزم نحو ثنائه ... فصادفنى عند الزحام زحام
وما عد وصاف وقد جد بعض ما ... له بنثار يقتفيه نظام
وأسهمهم أجل ود جماله ... فكلهم من أجله مستهام
ولكننى قد زدت فيه صبابة ... ومنى له في كل يوم أوام
وفى خاطرى لا زال معناه خاطرا ... أما هو مغناه وفيه يرام
وإنى فنيت فيه حتى كأنه ... أنا وإنى من لحمة الالتحام
وأنى لنفسى أن تخاطب نفسها ... ومنها لغيرها الخطاب كلام
فلا عجب من عجمة مدة فإن ... لك الرق في رق لذاك ارتسام
فأقسم بالبر الأبر أننى ... لبر به ما لى عليك انبرام
ولا استحسنت عيني بوجه وسامة ... بوجه سواك واستحال الوسام
وإن كلاما منه لى في كماله ... وإعجابه لفى الفؤاد كلام
أدرت على كاس نفثتك التي ... أفادت سرورا لم تفده مدام
стр. 1294
وما زالت عنى دافعا نافعا بما ... يسر وانى يافع وغلام
وطول به منت يمينك طائل ... وكفران صنعه على حرام
فمنك رياشى ثم معك هواى هب ... زيارتك الفضلى لدى لمام
إلى أن قال:
وظن طغام إذ طغى أنني به ... بغيت بديلا واستطال الطغام
وما هم بسوء الظن فينا إذاية ... على ضغن الأرعاع وهى هوام
فأضرع في إغضائه كرما وعن ... جرائر أهل الود تغضى الكرام
ولى ذمة وهو الوفي بذمة ... وما يستفز ذا الذمام ذمام
وليس يرام المستجير به لما ... له جر يوما جائرا أو يضام
بأسلافه الغر ائتساء له ومن ... وسيم سماتهم عليه اتسام
بدوا في الدجى نورا على علم بهم ... لمن ضل في المسرى اهتدا وائتمام
وهم غرر في أوجه الدهر إن ثوى ... كريم تسنى من كريم قيام
إذا نام جحجاح أشم بهمة ... سمت قام جحجاح أشم همام
فروع أمير المؤمنين وبابهم ... أبى حفص القوى له والقوام
ونخبتهم في وقته العربى من ... لعزته دانت رقاب جسام
ومنى يضوع في علائه عاطرا ... على غاية من الخضوع السلام
وفاحت تحيات بحيك بعده ... وقد لاح مختوما بمسك ختام
وعذرا على بنت لفكر مشتت ... بصر هموم ما لهن انعدام
اخل انعجام من تمام مرادها ... لعي بها واختل فيها انسجام
стр. 1295
وقد أقبلت تبغى القبول وقبلت ... ثرى قدميك قد عراها احتشام
وقوله معزيا قاضى مكناسة العلامة المسند أبا العباس ابن سودة المرى في ابنه وراثيا له:
عظم الله أجر سيدنا القاضى ... معوضا وجده بالسرور
في ابنه البر قرة العين برد الـ ... ـمكبد الحرة الزكى الطهور
ذى الكرامات والفتوحات واليمن ... والأمن والمرتقى والنور
شب في عزة وعز كشبل ... في البراز شاكى السلاح هصور
واستلانت أطرافه اللدن خلقا ... فاستبانت من لينها كالحرير
آه من لوعة عليه وإن لم ... يجد آه على مصاب خطير
لا رعى الله من نعى راعنا في ... نعيه ويحه بقصم الظهور
رشح البر للتأهل بالذى ... وشح اليوم من معالى الأمور
عله ينجلى عروسا مع الاتراب ... مثل الهلال بين البدور
ثم لم يرض بالتأهل إلا ... أن ينال تأهلا بالحور
فمآل الدنيا خراب ومن فيـ ... ـها ذهاب عن عاجل للقبور
إذ درى أن ليست لمثله دارا ... دار عن شرها إلى خير دور
ضل من يصطفى لديها سرورا ... وهو ضمنها يصطلى بالشرور
قد أعد السراب منها شرابا ... فتعدى وذاك محض غرور
بارك الله في علاك على ما ... ترتضيه حالا ممر الدهور
وكذا في المبارك العابد اللـ ... ـه بإخلاصه الولى الكبير
стр. 1296
وقوله مادحًا القاضى المذكور:
كل يوم وساعة لك عيد ... مستعاد وموسم مستفاد
وتولى على علاك بمن ... في التهانى والإقبال والإسعاد
إنما العيد أنت للناس فلنهـ ... ـنأ بمرآك نحن والأعياد
فمتى أورد الفتى من كلام ... في كمال للعيد أنت المراد
كم أعيد بالفتح ذلكم العيـ ... ـد علينا وبالنجاح يعاد
لا يراد الجدا على الجد إلا ... من نداك الأندى ومنه يفاد
حبر علم وبحر حلم وتقوى ... ليس تقوى بمجده الأمجاد
خص بالمكرمات طردا وعكسا ... فله بأفرادها أفراد
وله من مستطرف في قديم ... وحديث طرائف وتلاد
ساد من سودة وقد ساد من قد ... ينتمى لأجلة قدما سادوا
أحمد الأحمد العواقب قاضى الـ ... ـفصل والفضل يقتفيه سداد
كيف ينبغى البليغ حصر خصال ... فيه جف عن حصرهن المداد
دم معافى من الزمان مكافى ... فالأمانى إلى حماك تقاد
وقوله:
أى شئ إن تذق قلبا له ... صار حتفا وهى من أسنى منال
وقوله:
قد أتى سائلا بحسن اتئاد: ... أى شئ يكون معنى الدلال
قلت تيه الحبيب تيها يضاهى ... في فؤاد المحب ضرب النصال
стр. 1297
فهو كالشهد للمحب وإن كا ... ن به الحتف يا مليح السؤال
وقوله:
من بعذل لفقد العدل منه رمى ... سكان مكناسة إذا رام تدوينا
فليس عدل يحيق باشعيرى من ... جميعهم بل ولا من بعضهم حينا
إن بايعوا ملكا وفوا ببيعتهم ... ولا يخونوا إذا في بيعة خينا
جل الوفاء بهم لجارهم فلما ... لم يرتدوا بالوفاء منهم دينا
رميتهم أنهم صاموا بعلمهم ... في العيد مع أنه رمى به مينا
سيما العلا حللا ساموا فسمتهم ... صاموا بعيد فقد سلبتهم مينا
بنيت إثمهم والغير معك على ... حديثه وهو موضوع معانينا
مؤنبا لهم لعلة بجفا ... وكان علتك الغائبة اللينا
بالنثر والشعر لكن غير متزن ... والشعر لابد أن يكون موزونا
إن تقصد الكل في نداك أهل وذا ... هو المبين من فحواه تبيينا
فقد ضللت بدون مرية ودنى ... بك المراء لأقصى مدية مينا
كلا أتى خير بالعدل قاضينا ... في يومه فغدا بالفطر يقضينا
ثم اقتفاه جميع الناس مستندا ... للشرع إذ خبر الآحاد يكفينا
بالله قل لى ألم يبلغكم ذاك أم ... تجاهلا تنسبون للملا الهونا
وإن ترد بعضهم أين القرينة في ... إطلاق كل عن بعض فتهدينا
وقوله جامعا معانى حجا العشرة:
حجوت إلى أن حجوت العلوما ... فلم أحجها إذ حجوت العليما
стр. 1298
وما إن حجا ذو حجا سائلا ... وعنه حجا فحجا مستديما
وإن أحجه معنتا أحجه ... عنيفا وأحجو عفيفا كريما
وقوله ناظما لاثنى عشر فعلا جاءت عن العرب مثلثة العين عند قراءته للامية الأفعال وتعرض بحراق شارحها لسرد الأفعال المشار لها:
وقد أتى الفعل الثلاثى على ... ثلاثة في العين فيما نقلا
كمرؤ الطعام ثم كدرا ... ماء وبالمرء الزمان عثرا
وخمص البطن وكان نضرا ... وجه وغصن والحليب خثرا
وعقمت زوجته فزهدا ... فيها وما رفث في القول اهندا
بنفسه رفق ما إن قنطا ... وسفل الإنسان رام شططا
وقوله جامعا للفعل المضعف مفتوح عين المضارع الآتى ماضيه من فعل مكسور العين وكذا المضعف من باب فعل بضمها:
وذاك حكم مضاعف يلى فعلا ... وافتح لآت من الآتى على فعلا
من ذاك بر وقر هش وبش ومص ... غص بح ولذ مله مللا
وود عض ومسه وشم وبح ... ضن وظل وشل عضوه شللا
وامتاز ذو الفتح عن ذى الكسر منه إذا ... بتا الضمير ونونه قد اتصلا
هناك تحذف عين مع تحركها ... أو التحرك نحو فائه نقلا
ولم يرد فعل المضموم عندهم ... مضاعفا غير ما عنهم لنا وصلا
شررت ثم ذممت أو فككت به ... لببت فلتعين هذه المثلا
стр. 1299
قوله وذاك حكم مضاعف إلخ الإشارة في قوله وذاك راجعة إلى ما ذكره المصنف من الفرق بين المضعف اللازم فتكسر عين مضارعه والمضعف المعدى فتضم إلا ما شذ منهما، وقوله وافتح لآت أى لمستقبل وهو المضارع، وقوله وامتاز إلخ يعنى أن الفعل المضعف إذا اتصل به تاء الضمير أو نونه يفك إدغامه ويرجع إلى أصله من كسر عينه أو فتحها، وقوله هناك تحذف عين أى عند اتصال الضمير بالفعل المضعف المكسور العين تحذف عينه مع حركتها أو تنقل حركة العين إلى الفاء وأشار بذلك إلى قول ابن مالك في الخلاصة: ظلت وظلت في ظللت استعملا إلخ.
وقوله أيضًا جامعا الأفعال التي جاءت حروفها من نوع واحد:
ولم يلف فعل من ثلاثة أحرف ... قد اتحدت جنسا سوى ما يقيد
وذلك قق صص هه ودد قد ... أضيف إليها بب زز فتفرد
وقوله ذاكرا ما يعرف به عجمة الاسم ليمنع من الصرف مع العملية:
إذا من أحرف الذلاقة خلا ... سوى الثلاثى فعجمة جلا
ورمزوا لها بـ"مر بنفل" ... والراء بعد النون بدء القول
كذا إذا الجيم أتى مع قاف ... أو مع صاد مهمل أو كاف
والزاي بعد الدال ثم ما نقل ... عن الثقات أعجميا فعقل
وقولى مخاطبا جماعة من أفاضل سلا منهم علامتها الفذ أبو العباس الناصرى صاحب كتاب الاستقصا وذلك عند ورود المترجم على سلا سنة اثنين وثمانين ومائتين وألف ومقامه بها أياما ثم عبوره للرباط ونزوله على العلامة الشيخ البركة سيدى العربي بن السايح الشرقاوى:
يا سمى السمى يا طاهر الوسم ... ـم والاسم لطاهر الأعراق
стр. 1300
إننى وعلاك قدرا على ما ... تعهدن من المحبة باق
فاعذرني بما جنيت بجهلى ... دون إذنك سيدى بفراق
وكذا جلساؤك الغير إذ أثـ ... ـقلهم ظهرنا من الأرزاق
منكم القلب قَدَّدِنَى هب نأ الـ ... ـقلب فالقلب مغرم بالتلاق
والسلام الأتم يغدو عليكم ... ويروح شذاه من مشتاق
وخصوصا على الذي برز الأقـ ... ـران في الميادين عند السباق
من إذا حاول الأديب بلوغا ... حد وصفه باء بالإخفاق
أحمد الأحمدين في العصر أفعا ... لا وأبلغهم على الإطلاق
وابن طاهر المحيل عقولا ... عند لحن الخطاب في الأذواق
وأبى عبد الله خير أديب ... الرفيع العلا الفتى الوراق
واغفروا من عبيدكم هدرا لا ... ينبغى أن يبث في الأوراق
نظم الله عقد جمعكم الوا ... فر نظم قلائد الأعناق
فأجابه أبو العباس المذكور بقطعة على بحره ورويه لفظها:
يا أديبا غدا بحسن اتفاق ... ينفث السحر في المعانى الرقاق
قد أتتنا حدائق من سناكم ... جددت أرسما لعهد التلاق
وعلمنا منها بأنك لا زلت ... بها ذا صبابة واشتياق
لست أدرى أهى قلائد در ... أو نجوم محت دياجى الفراق
توجهت مفرق الزمان على فترة ... شعرى من الورى وانمحاق
ولقد ساءنى الذى قلت من جهـ ... ـل وأنت الفتى الكريم الوفاق