وفاته: توفى بوطنه مرشاقة من بلاد الهبط ليلة الجمعة، ووافق ليلة عيد الأضحى، وحملت جنازته بإذنه على فرسه الذى كان يركبه، ودفن خارج باب عيسى، وذلك يوم الأحد الثانى عشر من ذى الحجة عام ستة وسبعين وتسعمائة بتقديم السين فيهما، وقد صار ضريحه اليوم داخل حرم المشهد الإسماعيلى كما تقدم، والذى بنى قبته هو وارث سره أبو المحاسن سيدى يوسف الفاسى بعد أن كان لم يحضر موته، وإنما لحق حاملى جنازته أَثناء الطريق، وسار معهم حتى وقف على دفنه بمجله، وشرع في بنائها عليه إثر الفراغ من دفنه ثم في عام خمس وخمسين وألف أضيف لضريحه المسجد الذى كان حذاءه، وهو التربيعة التي صارت مقبرة الكائنة عن يمين الداخل للضريح المذكور، وتوجد صفة أسفل من ضريحه وقبل الوصول إليه يقال: إنها مدفن فرسه الحامل لجنازته كما تقدم ذلك في الكلام على الضريح الإسماعيلى.
٤١٦ - عبد الرحمن بن أحمد الوقاد المكناسى الدار، المعافرى النجار .
حسبما قال في إمضائه بعض فتاويه.
حاله: من صدور أعلام زمانه الممتازين بالتحقيق والإتقان، كان بقيد الحياة سنة أربع وثلاثين وتسعمائة، وهو من جملة الأعلام الذين حوت نصيحة المغترين فتاويهم بجواز استعمار الممنون عليهم بالإسلام من أهل الذمة بقيسرية فاس، والتنديد على المخالف في ذلك، ودحض حجته بالبراهين السمعية والأدلة القطعية، وقول المترجم في إمضائه المعافرى، هو -بفتح الميم وتخفيف العين المهملة وكسر الفاء- نسبة إلى معافر بن يعفور، أى حى باليمن، الإشْبيلى بكسر الهمزة وسكون الشين نسبة إلى إشبيلية المدينة العظيمة الشهيرة بجزيرة الأندلس.
стр. 2767
٤١٧ - عبد الرحمن بن قاسم بن محمد بن عبد الله آعراب -بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم عين مهملة ساكنة فموحدة .
حاله: ذو سمت حسن، وصلاح وورع، بارع في النحو، مشتهر به أخذه عن مشايخه، أصله من مكناسة الزيتون.
مشيخته: أخذ عن شيخ الإقراء والنحو أبى عبد الله محمد بن أحمد بن مجبر المسارى المولود سنة ثمان وتسعين بتقديم المثناة فوق وثمانمائة المتوفى في الحرم سنة خمس وثمانين وتسعمائة، وأبى العباس أحمد المنجور كما بفهرسة أبى زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسى في سنده في النحو وعن غيرهما.
الآخذون عنه: منهم أبو الحسن على بن الزبير السجلماسى.
ولادته: ولد عام اثنين وستين وتسعمائة.
وفاته: توفى سنة ثلاث وألف، ودفن خارج باب عيسى من مكناسة الزيتون، ﵀ ورضى عنه، ترجمه صاحب المطمح وغيره.
٤١٨ - عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن عزون -بالنون- المكناسى، أورده صاحب الإعلام .
حاله: فقيه علامة مشارك، هين لين، لزم داره آخر عمره على حالة مرضية وكرم نفس ودين قويم ونهج مستقيم إلى أن لبى داعى مولاه.
مشيخته: أخذ عن أبى محمد عبد القادر الفاسى، وكان له كأخيه استفاد منه كثيرا.
وفاته: توفى يوم الاثنين حادى عشر محرم سنة خمسين وسبعين وألف.
стр. 2768
٤١٩ - عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد الإدريسى المكناسى الحسنى .
نزيل مكة شهر بالمحجوب.
حاله: ولى صالح له الكشف الصريح، شفيق على عباد الله، كان تأتيه أحوال وواردات أذعن له أهل البصائر، وحج سنة ثلاث وأربعين وألف، وجاور بمكة، ثم رحل إلى اليمن، ثم رجع إلى مكة واستوطنها، وصار مرجعا لأهلها، والواردين عليها، وكان في الكرم غاية لا تدرك، وكان يعمل الولائم العظيمة للخاص والعام، وكانت الهدايا تأتيه من المغرب والهند والشام ومصر ويصرفها للفقراء، وكان مقبول الكلمة عند جميع الناس، وكان في ابتداء أمره رحل من المغرب فدخل مصر والشام وبلاد الروم ولقى السلطان مراد، ووقع له كرامات خارقة، ودخل الإسكندرية، ثم ركب البحر، ودخل القسطنطينية، فانتشر له بها صيت، وخضعت له رقاب الأمراء، ثم رجع إلى مكة فاستوطنها عام خمسين وألف، فطار صيته، وأقبل الناس على زيارته، وألحقه الأمراء بالهدايا، وحصلت له بمكة وجاهة عظيمة، ومع ذلك لا يتمسك من الدنيا بشئ، وما اقتنى ملبوسا ولا مر كوبا ولا تزوج ولا تسري، وله خدمة من الرقيق.
وكثر الازدحام عليه فصار لا يشهد ولا جمعة، واغتفر ذلك له من له خبرة بطريق القوم، وأقاموا له أعذارًا شرعية.
وقد غلبت عليه الشفقة على عباد لله في كثرة شفاعاته المقبولة عند الأمراء، وكان له في كل يوم مصروف نحو مائة قرش في أهل مكة فمنهم ذو الدرهمين إلى العشرة إلى العشرين إلى أكثر، سوى ما يكون للغرباء.
стр. 2769
وصار أكثر المنتسبين بمكة عيالا عليه، وربما يقل ما بيده فيستدين، وربما بلغ الدين الذى عليه إلى خمسين ألفا وإلى مائة ألف، فيؤدى الله ذلك عنه.
وأخبر بعض ثقات أصحابه أنه عذله مرة في كثرة ما عليه من الدين، فقال له: إن الله وعدنى أن لا أموت حتى لا يبقى على درهم واحد.
ولما علم أبناء الدنيا ذلك من حاله صاروا يبيعون عليه ما يساوى المائة بأضعافها فيربحون عليه وهو لا يبالى، وكان لا يلبس إلا ثوبا واحدا صيفا وشتاء، وقلنسوة على رأسه، ويلبس سراويل، وكان يحث من يجتمع به على ملازمة ما يناسبه من صنوف الخير من تلاوة قرآن وصلاة على النبى ﷺ وكثرة استغفار وأوراد حسان، ويحض من رأى فيه علامة خير على اعتقاد الصوفية المحقين وتصديق كلامهم وعلومهم وأحوالهم.
مشيخته: لقى بفاس سيدى يدير، وسيدى موسى دفين حومة جرنيز، وأخذ بالقصر عن سيدى محمد القجيرى، وأخبر أنه أخذ بمكة عن سيدى على الغمارى، عن عبد الرحمن الفيلالى، وعن أبى عبد الله محمد الكومى بالمغرب، وكلاهما عن أبى العباس أحمد الفيلالى، وعن السيد الغازى، وأخذ أيضا عن أبى العباس أفندى باصطنبول، وعن الصفى القشاشى وعن خلق.
الآخذون عنه: أخذ عنه أبو سالم العياشى، وترجمه في رحلته، والشيخ الكامل الفاضل مصطفى بن فتح الله، وأبو العباس أحمد النخلى، والشيخ عبد الله البصرى، فمما أخذ عنه الأخِيرَان: دلائل الخيرات، قال الشيخ الكوهن في فهرسته: وهو يرويه عن والده عن جده السيد عبد الرحمن بن أحمد عن مؤلفه وغير هؤلاء.
ولادته: قال المحبى في خلاصته: ولد بمكناسة الزيتون من أرض المغرب
стр. 2770
الأقصى في سنة ثلاث وعشرين وألف. وقال العياشى: نشأ بمكناسة، وأصلهم من تامسنا وطن زناتة، ولذلك كان يعرف كأسلافه بالزناتى.
وفاته: توفى يوم الأربعاء سابع عشر ذى القعدة سنة خمس وثمانين وألف، ودفن بزاوية الشيخ سالم شيخان اشتراها من أولاده، وأوصى أن يدفن بها رحمه الله تعالى. ترجمه أبو سالم في رحلته وبالغ في الثناء عليه، والمحبى فى خلاصته.
٤٢٠ - عبد الرحمن بن الحسن اليازغى .
الملقب الشبر، دفين حومة جناح الأمان قرب زواية مولاى التهامى الوزانى من الحضرة المكناسية.
حاله: ولى صالح كبير دال على الله، مستغرق في محبة آل بيت رسول الله، بذل نفسه وماله فيما يرضيهم، تقى نقى، من أصحاب سيدى محمد ابن مولانا عبد الله الشريف البركة الشهير، كان في ابتداء أمره كاتب القائد على بن يش الزمورى يشهد عنده على دفع أعشار القبائل بمكناسة بباب هرى سيدنا الجد السلطان الأعظم مولانا إسماعيل، ولم يزل على ذلك إلى أن لقى الشريف أبا عبد الله محمد بن الإمام مولاى عبد الله الشريف دفين وزان في حكاية طويلة شرحها صاحب الأزهار الندية، تركتها اختصارًا، فعند ذلك ترك الخدمة مع القائد المذكور وأقبل على الله واشتغل بما يقربه إليه زلفى.
ثم قدمه الشريف أبو عبد الله المذكور على أصحابه بمكناسة الزيتون، فأظهر الله على يده كرامات وخوارق عادات، واشتهر ذكره وعظم صيته، وألقى الله محبته في قلوب خلقه، فصارت تفد إليه الوفود من كل ناحية وصوب وتهاديه الولاة، ثم أنشأ زاوية لاجتماع أصحابه والوافدين عليه على ذكر الله في كل بكرة
стр. 2771
وعشى، وصارت زاويته كعبة للوفود ومرتعا للواردين، تفاض عليهم فيها الموائد والفوائد، وكان له اعتناء زائد بالضيف وموالاة الغريب ومواساته وبالأخص آل البيت النبوى الطاهر، حتى وشى به بعض الحسدة الأغمار للسلطان مولانا إسماعيل وأمر بإحضاره لديه فلما مثل بين يديه استفسره عن مراده فقال له: إن مالى ورقبتى لأهل البيت، وإنما يدى في ذلك يد نيابة عنهم ومحبة آل البيت وإكرامهم واجب عليك وعلى، فقال له السلطان: إلى من تنتسب في الطريق؟ فقال: لأهل وزان، فخلى سبيله وأقره على فعله الصالح.
ثم إن مولانا عبد الله نجل السلطان أصابه رمد فخافت أمه أن يطول به ذلك، فأرسلت للمترجم طالبة صالح دعائه وابتهاله إلى الله في أن يشافى ولدها المذكور عاجلا، فقال المترجم لأصحابه هذا الرجل شفاه الله، وأنا أدخل قبرى فعوفى المرمود من حينه ومرض المترجم إثر ذلك.
ثم قدم مكناسة مولاى الطيب الشريف اليملاحى نزيل وزان وقال لأصحابه جئت لأحضر جنازة هذا الرجل وأمنعكم من دفنه بداخل الزاوية لئلا ينبش قبره بها ويخرج منها، فتوفى المترجم من غده ودفن بدار جوار زاويته، وبنيت عليه روضة.
ثم إن مولاى على بن السلطان مولاى إسماعيل لما جلس على منصة الملك أمر بإخراجه من قبره وهو روضته محتجا بأن الدفن بين دور السكنى والبناء على القبور بدعة، ولما أخرج من قبره وجد على الحالة التي دفن عليها، لم يقع به أَدنى تغيير، ثم لما رجع الأمر لمولاى عبد الله أمر برد المترجم لقبره الأول والبناء عليه قائلا: إن عمل الناس شرقا وغربا صار على اتخاذ المقابر بين دور السكنى، والبناء على الصلحاء من أهل الفضل والدين، وسرد لهم قول الحاكم في المستدرك، فحفروا عليه وأخرجوه من ضريحه الثانى، فوجد كيوم مات لم يتسنه، ورد لقبره الأول ﵀.
стр. 2772
وقد تعرض لذكر المترجم في تحفة الإخوان، ولم يوفه حقه، غاية ما قال: الولى الصالح عريف إخواننا الفقراء وكبيرهم من قبل ساداتنا أهل وزان، وهو سيدى عبد الرحمن بن الحسن هـ.
وقال في حقه أبو عبد الله محمد بن الطيب العلمنى في أنيسه المطرب، فيمن لقيه من أدباء المغرب، عند تعرضه لوفاة شيخه أبى عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن موسى بن الحسن بن موسى بن إبراهيم بن عمر بن أحمد بن عبد الجبار بن محمد بن يملح بن مشيش بن أبى بكر بن على بن حرمة بن عيسى ابن سلام بن مزوار بن حيدرة بن محمد بن إدريس بن إدريس بن مولانا عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن على وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ما نص الغرض منه، فاتفق أن لقينى هنالك يعنى في جنازة الشيخ المذكور تلميذه التقى الأشهر، النقى الأطهر، أبو زيد عبد الرحمن بن الحسن اليازغى المعروف بالشبر رعاه الله، فأقسم على أن أُنشده قصيدة على ذلك الضريح، وأملأ الأسماع باللفظ الفصيح، والرثاء الصريح، فلم يسعنى إلا الطاعة، فأنشدت في تلك الساعة:
غاب حبى ولاشتياقى ابتداء ... فأنا اليوم ما لحرقى انقضاء
ولدمعى على الخدود انهمار ... ولقلبى على الجمار اصطلاء
هـ الغرض وعلى خشب دربوز ضريح المترجم مكتوب ما نصه:
هذا ضريح رضا جلت مفاخره ... قد عمت الصحب وانهلت ذخائره
فاضت رواخر سر الله كامنة ... منه فمن ذا الذى ترى يفاخره
أنواره مشرقات من بشاشته ... وكفه الوكف لا غيث يناظره
قد نال من آل خير الرسل مرتبة ... علياء ما مشترى فيها يسايره
ناده يا عابد الرحمن زائره ... تلقاك عزما بما تهوى بشائره
стр. 2773
ابن الرضا الحسن الشبر الذى كومت ... أخلافه وازدهت طيبا عناصره
تحية الملك المولى ورحمته ... ما سح غيث وما نارت زواهره
مشيخته: منهم أبو عبد الله الشريف الوزانى المشار له، ومولاى الطيب بن محمد الشريف الوزانى وغيرهما.
وفاته: توفى عام خمسين ومائة وألف حسبما بالأزهار الندية لأبى عبد الله محمد بن الطيب القادرى.
٤٢١ - عبد الرحمن كدران .
أحد كتاب دولة سيدى محمد بن عبد الله.
ذكره الزيانى في خاتمة البستان من جملة الكتاب أهل الطبقة الرابعة.
٤٢٢ - عبد الرحمن بن النقيب الأشهر سيدى عبد القادر بن عبد الله الشريف الإدريسي الشَّبِيهِىّ .
حاله: فقيه علامة نسابة لسن، رد على صاحب الدر السنى، وصاحب درة التيجان في مسائل وشنع عليهما، وله في ذلك أرجوزة، وقد رد عليه في ذلك الحافظ الدراكة أبو عبد الله محمد بن الطيب القادرى في أرجوزة سماها الصوارم الفتكية مشتفلة على ستمائة بيت وثلاثة وستين بيتا ذكره الشيخ الطالب ابن الحاج في الإشراف وغيره.
٤٢٣ - عبد الرحمن بن محمد الفاسى لقبا، المكناسى دارًا ومنشأ وقرارًا، الشاوى أصلا المعزاوى .
من أولاد عمارة أحد أولاد السيد يش بن حمدون.
стр. 2774
حاله: فقيه صالح ناسك، خير دين فاضل، زكى نزيه، أريحى ماجد، له يد طولى في التوقيت والتعديل وما يتبع ذلك، أسندت إليه رياسة التوقيت في العصر الإسماعيلى بالمسجد الأعظم، ورشح لذلك دون غيره حتى صار يدعى مزوار المؤذنين، وقفت على ظهير سيدنا الجد مولانا إسماعيل بترشيحه لما ذكر نصه:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما عن الأمر العلى الإمامى المؤيد المنصور الإسماعيلى أمير المؤمنين المجاهد في سبيل رب العلمين، الشريف الحسنى إسماعيل بن الشريف أيد الله تعالى أمره، وأعز بحوله وطوله نصره؛ وأطلع في سماء المعالى شمسه المنيرة وبدره، آمين. يستقر هذا الظهير الكريم، والخطاب الجسيم، والأمر المحتم الصميم، بيد حامله الرجل الصالح، الناسك المرابط الخير الدين الساعى للناس في المصالح، أبى زيد السيد عبد الرحمن ابن السيد محمد الفاسى لقبا المكناسى دارا ومنشأ وقرارا، الشاوى أصلا المعزاوى من أولاد عمارة أحد أولاد السيد يش بن حمدون، الموقت مزوار المؤذنين بالجامع الأعظم الكبير من حضرتنا العلية بالله مكناسة الزيتون حاطها الله تعالى، وجعلها محفوظة ملحوظة مقصودة، وبعين الله التي لا تنام منظورة مرصودة، آمين؛ يا رب العالمين.
يتعرف من يقف عليه أننا جددنا له حكم ما بيده من ظهائرنا الشريفة، الطاهرة المنيفة، وأقررناه على وظيفه الشريف، الغنى بشهرته عن التعريف، وبسطنا يده على أمور وظيفه وتكليفه الدينى على عادة الموقتين والمزاوير قبله، ليجتهد في شئونه غاية الاجتهاد مستغرقا في العبادة والطاعة نهاره وليله، جاريا في ذلك على قانون النقباء والمزاوير السالفين، في رعى الأوقات وإقام عمد الدين ونعهد له
стр. 2775
ونطلب أن لا يخلى أوقاته من الدعاء الصالح لنا ولذريتنا بالخير والسداد والتوفيق، والهداية إلى سواء الطريق.
وبسبب قيامه بهذا الوظيف الكريم، والمنصب العظيم، وملازمته موضعه المجبل الجسيم، ومنصبه من المسجد العظيم، وما علم من صلاحه ودينه وأمانته وخيره وثقته أسبلنا عليه وعلى أولاده أردية التوقير والاحترام، وحملناه على كاهل المبرة والإكرام، وحاشيناه عما يتطرق للغير من سائر العوام، فلا سبيل لمن يصل جنابه بوظيف، أو مغرم أو تكليف، قوى أو ضعيف، رعيا لوجه الله تعالى الذى ألهمه رشده للقيام بالوظيف المذكور، فهو موقر محترم على مر الليالى والدهور، ومن قرب جانبه بسوء أو مكروه لا يلومن إلا نفسه، ولا يضرن إلا رأسه.
ونعهد إلى خدامنا وجميع ولاتنا المتصرفين في هذه الحضرة العلية بالله عن أمرنا، أن يوقروا هذا الرجل المبارك في نفسه وأولاده، بحيث لا يناله ولا يعمه شئ مما عسى أن يعم أو ينال أهل بلاده، وأن يعملوا بمقتضاه، ولا يتعدوا ما أبرمه الأمر الشريف وأمضاه، والسلام في الثالث عشر من ذى الحجة الحرام عام ثلاثة وعشرين ومائة وألف هـ".
فالناظر بعين العبرة والادكار، المولع فكره بحل عويصات الأسرار، يلوح له بدلالة ألفاظه العذبة، ومعانيه التي يقال لكل يتيمة منها نخبة، أن لهذا الإمام الهمام، الغاية القصوى في شئون الدين وكمال المراعاة والذمام، وأن بصيرته النافذة النظر، في توجهها لحياطة المبتدأ والخبر، وأن كل من له أدنى انتساب لحرمته، قد أقامه تحت ظله ومنعته، وأنزله من مكانة الأمن والاحترام، بكهف لا يطرق إذ يرام؛ فهكذا هكذا تعرف الهمم والعزائم، والذهن السقيم من فكر اليقين الحازم، لا غرو أن الاهتبال بالمعابد ومن ألزم نفسه احترامها، صيرته العلياء أمامها
стр. 2776
وإمامها، فلذلك كانت ألويته للنصر لازمة، ولمعاندها أبدًا عهدة جازمة، إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.
فانظر لتعلية احترام المترجم وخاصته وحواشيه، وملاحظته بمقلة الكرامة مع ذويه، هل كان لغير مثابرته على حفظ وقوت الصلاة، واعتبارها بذا في سره ونجواه، لا رغبة في عمل آخر من المصالح العامة، أو الشئون التي هى في فكر الملك هامة، أدام الله عهد ضريحه منه في اعتزاز، ما تعاقب على الجمل الإطناب والإيجاز.
٤٢٤ - عبد الرحمن بن أحمد دادى الزرهونى .
حاله: شيخ عالم قدوة إمام، كثير الحفظ، متقن متفق نقاد، ذكره في عناية أولى المجد.
مشيخته: أخذ عن أبى عبد الله محمد بن عبد السلام الفاسى وغيره من الأعلام.
٤٢٥ - عبد الرحمن بن محمد فتحا بصرى المكناسى .
حاله: فقيه مدرس نزيه، علامة مشارك، ماهر معدل، موقت حيسوبى، نحوى منطقى، بيانى أصولى، إمام في كل فن بحر زخار، لا يجارى ولا يبارى.
مشيخته: أخذ عن علماء بلده مكناسة الزيتون، ارتحل لفاس، وأخذ عن مهرة جلة شيوخه كالفقيه ابن عبد الرحمن الحجرتى ومن في طبقته.
الآخذون عنه: أخذ عنه السيد فضول بن عزوز، والسيد فضول السوسى، والسيد محمد بن سميه فرموج، والسيد الطاهر الرغاى، والسيد محمد بن يشو، والسيد محمد بن عبو، والسيد الجيلالى الرحالى وغيرهم، وزاد الأربعة الأخيرون عمن قبلهم في الأخذ عنه علمى التوقيت والتعديل.
стр. 2777
وفاته: توفى أواخر ربيع النبوى عام ١٢٦٨ ثمانية وستين ومائتين وألف.
٤٢٦ - عبد الرحمن بن على بن محمد بن عبد المالك بن زيدان بن إسماعيل الأكبر .
جد العائلة العلوية المالكة صانها الله.
حاله: بقية السلف هديا وصلاحا وسمتا، أبيض مشرب طويل القامة، حسن الخلق والخق والمعاشرة، لا يمد عينيه لزخرف الدنيا وزينتها، راض بالقليل مقبل على شأنه، صلب في دينه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ورده تلاوة القرآن والتهجد بالأسحار، فقيه نزيه عدل، مبرز ذو حزم وعزم وجد واجتهاد وهيبة ووقار وتواضع، يباشر قضاء ضرورياته بنفسه، ويسعى في قضاء حوائج الخلق لدى ذوى الجاه والوجاهة، محبوب عند الخاصة والعامة، قضى نفيس أنفاسه في تأديب الصبيان وتعليمهم القرآن العظيم وحسن التلاوة ومبادئ علوم الدين، وتخرج عليه عدد عديد من حملة القرآن ومجوديه من بنى عمه الشرفاء وغيرهم، حتى كان لا يعرف إلا بالفقيه الكبير.
صاهره السلطان المولى عبد الرحمن بكريمته المصونة السيدة فخيتة شقيقة المولى العباس بن عبد الرحمن آتى الترجمة، وكان يجله ويبجله، وكان الإمام الراتب بضريح جده المولى إسماعيل، وولاه السلطان سيدى محمد النقابة بعد وفاة صنوه أبى العباس أحمد بن زيدان، فحمدت سيرته فيها.
ونص ظهير الولاية بعد الحمدلة، والصلاة والطابع الكبير:
"يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره، أننا بحول الله وقوته وشامل يمنهِ ومنتهِ، قدمنا ابن عمنا الأرضى مولاى عبد الرحمن بن على بن زيدان على أبناء عمنا الشرفاء العلويين بمكناسة الزيتون، وجعلناه نقيبا عليهم، وأسندنا له النظر في أمرهم، وفوضنا له في تنبيههم وإرشادهم إلى أحسن الأحوال. وكفهم عن قبيح الأفعال. تقديما تاما. وإسنادا عاما.
стр. 2778
فعليه بتقوى الله العظيم فيما أُسند إليه، ورعاية ما قدم عليه، وان يجرى أموره معهم على أحسن المسالك وأرضاها ويقوم أحسن قيام بهذا الوظيف، ويعتنى فيه بجانب المشروف والشريف، والقوى والضعيف، فالله يتولى توفيقه وهدايته لما فيه رضاه، والسلام في ثالث ذى القعدة الحرام عام ١٢٨٨".
ولما بلغه ظهير الولاية كتب لحاجب السلطان وهو يومئذ موسى بن أحمد لينوب عنه في إبلاغ السلطان قبوله الخطة وامتنانه من صنيعه ونص الكتاب من خطه بلفظه:
"محبنا الفقيه العارف بربه، الناصح الأمين للحضرة العالية به، السيد موسى ابن المرحوم السيد أحمد، زادك الله من الفضل الجزيل وسلام عليك ورحمة الله وبركاته عن خير أساس الشرف الباذخ وينبعه، ومناط الفضل الشامخ ومجمعه، مولانا، ونعمة الله التي أولانا، لا زالت أعلامه منصورة. وأيامه. على الأمن والأمان والعز مقصورة، هذا وقد وافانا ظهير مولانا الشريف، مختوما باسمه العفيف، بالتقديم على أبناء عمه الشرفاء العلويين بمكناسة الزيتون على يد الخديم الأرضى الباشا القائد محمد بن أحمد وفوض لنا مولانا أَعزه الله في تنبيههم وإرشادهم إلى أحسن الأحوال، وكفهم عن قبيح الأفعال، ودعا لنا في ذلك أطال الله بقاءه، بالهداية والتوفيق لما فيه رضاه، فقبلنا وقبلنا، وعلى سواد العين أوضعنا، وتبركنا بارك الله في عمره وقواه، وبلغة من خير الدارين أمنيته ومتعنا بحياته ورضاه؛ آمين وبالفضل منك النيابة بالسمع والطاعة كما يليق بقدر مقامه الشريف جعلنا الله وإياك من المتحابين فيه والمحبوبين لديه بمنه آمين، والسلام في ٧ قعدة الحرام عام ١٢٨٨.
عبد الرحمن بن علي بن زيدان لطف الله به".
стр. 2779
ولما تولى السلطان المولى الحسن بن محمد أَقره على ولايته بظهير شريف نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الحسنى الكبير:
"جددنا بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومنته، لماسكه ابن عمنا الشريف الأجل الأرضى مولاى عبد الرحمن بن على بن زيدان على ما بيده من ظهير مولانا الوالد طيب الله ثراه، وأكرم في الفردوس مستقره ومثواه، بتقديمه نقيبا على أبناء عمنا الشرفاء العلويين بمكناسة الزيتون وفرهم الله وأسندنا له النظر في أمورهم وفوضنا له في تنبيههم وإرشادهم ودلالتهم إلى سواء الطريق، وكفهم عما لا يجمل بنسبتهم الطاهرة مما لا يليق فعليه بتقوى الله العظيم فيما أُسند إليه، ورعاية ما قدم عليه، وأَن يجرى أموره معهم على أحسن المسالك وأرضاها، وأقوم الطرف وأهداها، ويقوم أحسن قيام بهذا الوظيف، ويعتنى فيه بجانب المشروف والشريف، والقوى والضعيف، والله يتولى هداه، ويوفقنا وإياه لما فيه رضاه، والسلام صدر به أمرنا الشريف المعتز بالله في ٢٤ صفر الخير عام ١٢٩١".
وبنفس التاريخ أصدر له ظهيرا آخر في الاستمرار على ما كان عليه العمل من إسقاط كل من تزوج من الأشراف العلويين بغير بنات عمه العلويات من زمام الأشراف، ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الحسنى الصغير:
"ابن عمنا الشريف الأرضى، النقيب مولاى عبد الرحمن بن على بن زيدان، أَعانك الله وسلام عليك ورحمة الله.
وبعد: فما كان كتب به مولانا المقدس بالله لأخيك النقيب مولاى أحمد ﵀ من أن الشرفاء يتركون بنات عمهم ويتزوجون بالعاميات، وأمره أن كل من تزوج منهم بعامية فليسقطه من زمام الشرفاء، نأمرك أيضا بمثله واقرأ عليهم كتابنا هذا ليكونوا من أمره على بصيرة والسلام في ٢٤ صفر الخير عام ١٢٩١" وبعده بخط بعض القضاة: استقل.
стр. 2780
وفى هذا الظهير الإشعار بعلة المنع من التزوج بالعاميات، وأنها هى بقاء الشريفات بدون تزوج، وفى ذلك من الضرر ما لا يجهله مميز لرغبة العوام ولو كانوا أكفاء عن التزوج بالشريفات لإملاقهن، أما رغبة الشرفاء في التزوج بغير بنات عمهم فلأجل ثراء العوام غالبا، ولم يتزوج قط شريف بعامية لغير العلة المذكورة، ومما يؤيد العلة المشار لها عدم إقبال العوام على التزوج بالشريفات بعد ما رفع الحجز الذى قرره الظهير، وقد تقدم لنا الكلام في هذا الموضوع والاحتجاج له من كلام الفقهاء في ترجمة السلطان المولى الرشيد.
ونص ظهير حسنى آخر للجد المترجم فيما يرجع لأمور النقابة بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
"ابن عمنا الشريف النقيب مولاى عبد الرحمن بن على بن زيدان وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد ورد على حضرتنا العالية بالله حامله الشريف مولاى الزين بن الصديق العلوى مشتكيا بحسب النيابة عن زوجه لال هنية بنت مولاى لحسن وأيتامها من زوجها قبله، كان مولاى الطاهر بن أحمد ترك دويرة في حمام الجديد فتزوج أخوه مولاى الفاطمى بعده بزوجه المذكورة، وتعدى على الدويرة ففوتها بالبيع لمولاى عب المسجون، وقبض ثمنها ثم طلقها، ولما تزوجت بالشاكى تكلم على الدويرة حتى ردها وسكن بها مع زوجه المذكورة مدة، وصار يراوده المشترى المذكور على قبض ثمنه من البائع لتنحسم مادة النزاع فيها وتخلص للمحاجير وأمهم، فأبى من قبضه فثقفت الدار وأحلته على الشكوى لحضرتنا العالية بالله، فنأمرك أن تصرف النازلة للشرع وما حكم به فيها فنفذه والسلام في ٢٤ شوال عام ١٢٩١".
стр. 2781
وفى هذا الظهير أن المسائل الشرعية الواقع فيها النزاع بين الأشراف كانت ترفع للقاضى على يد النقيب، وأن التنفيذ بعد حكم القاضى في النازلة يكون للنقيب، ولا يد للقاضى فيه ولا لغيره.
مشيخته: منهم والده العلامة المشارك أبو الحسن على المترجم فيما يأتى، وشيخ جماعة الأساتذة والمقرئين السيد اليزيد آتى الترجمة وغيرهما من جلة العلماء والمقرئين.
الآخذون عنه: منهم أولاده البررة عمنا اْبو محمد عبد القادر آتى الترجمة، ووالدنا المقدس أبو عبد الله محمد، وعمنا مولاى الطاهر، وصنوه المولى على، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الطاهر العلوى، والأستاذ المولى الحسن بن الحسن العلوى، وأبو عبد الله محمد بن الطاهر، وأبو محمد عبد القادر بن المأمون، وأبو الحسن العربى بن على بن المتوكل، والشريف المولى سليمان بن العباس وغيرهم ممن لا يعد كثرة، إذ عدد خصوص من تخرج به من الشرفاء العلويين بالخصوص يزيد على المائتين.
وفاته: توفى قدس الله روحه في أوائل محرم فاتح عام ١٢٩٢، ودفن حذاء والده بروضة أبى زيد عبد الرحمن المجذوب، خارج مبنى ضريحه وضريح الشيخ عمران الجناتى مستقبل الترجمة بأصل الجدار الشرقى من الأولى.
٤٢٧ - عبد الرحمن بن التهامى بن الفقيه العلامة سيدى يحيى بن عبد الواحد الشريف الحسنى الإدريسى الزرهونى .
إمام الضريح الإدريسي بزاوية زرهون.
حاله: فقيه أستاذ معمر ناسك، بركة فاضل جليل، من أهل الخير والدين
стр. 2782
وملازمة الضريح الإدريسي والإمامة به على سنن وهدى سلفه الصالح مشتغل بما يعنيه.
مشيخته: أخذ علم القراءات بفاس عن مولاى إدريس البكراوى، وصحب الولى الجليل القدر عبد القادر العلمى آتى الترجمة، وإليه ينتسب في طريق القوم.
وفاته: توفى ببلده زاوية زرهون عام اثنين وثلاثمائة وألف.
٤٢٨ - عبد الرحمن القرشى دفين بطحاء خارج باب بريمة، ولم أقف له على ترجمة .
٤٢٩ - عبد الرحمن التاغى دفين حومة حمام الجديد، ولم أقف له على ترجمة .
٤٣٠ - عبد الرفيع بن مسعود بن عبود المكناسى الأصل .
حاله: فقيه علامة فاضل ماجد نزيه، تولى القضاء بثغر سَلَا حسبما استفيد ذلك من رسم عليه خطابه بتاريخ ثمانين ومائة وألف، وكتب لى في شأنه صديقنا المؤرخ الأديب الواعية الأكتب سيدى محمد بن على الدكالى السلاوى، أن السلطان سيدى محمد بن عبد الله وجهه لمدينة سَلَا بصفته قاضيا نائبا عن السلطان في بيع أملاك بنى فنيش، وذلك عام ألف ومائة وثمانين، واتصل قضاؤه بالعدوتين إلى عام أربعة وثمانين ومائة وألف، وأخبر أنه رأى ببعض رسوم بسلا التعريف بشكله أنه عزل عن القضاء بعد ثمانين ومائة وألف، وعدلا الرسم رباطيان محمد بن أحمد الغربى وعبد الله بن محمد بنانى والقاضى محمد المهدى ابن محمد مرين بتاريخ جمادى الثانية عام أربعة وثمانين ومائة وألف، وأخبر أن بعض الرباطيين هجاه بقصيدة مطلعها:
стр. 2783
أَمكناسة الزيتون جرت فراقبى ... إلهًا شديد البطش ليس بغافل
رميت رباط الفتح ظلما بأشأم ... عريض القفا ناءٍ عن الرشد جاهل
كريه المحيا مائل الشدق أخرق ... عتل بحكم الشرع ليس بعامل
مزيح لأهل الفضل والدين والحجا ... مقرب نذل سيئ الأصل سافل
ومنها:
بلينا بوغد يجمع المال من رشا ... على يد أوباش لئام أراذل
أرح ربنا منه الرباط وأهله ... وفرج عليهم عاجلا غير آجل
قال وقفت عليها بخط أبى عبد الله الضعيف نسبها لبعض الرباطيين، ورأيت تحليته بالعلم والجلالة في وثائق سلوية، وذكره الزيانى من علماء مجلس السلطان سيدى محمد بن عبد الله في الفهرسة السليمانية رحم الله الجميع.
٤٣١ - عبد الكريم بن محمد بن أحمد بن عبد المالك بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الواحد أبى الغيث الحسنى العلوى .
حاله: شريف أصيل، وجيه نزيه، جليل أثيل، فقيه نبيه، باقعة زمانه وأوحده نبلا وفضلا وسياسة وجودًا وشجاعة وإقداما، استوزره إمام وقته السلطان مولاى عبد الله بن إسماعيل فأحسن السيرة في مأموريته.
وفاته: توفى بمكناس الزيتون على ما في الشجرة الزكية في حدود الخمسين زمن الوباء.
٤٣٢ - عبد الكريم بن الرضى بن محمد بن على بن أحمد اليلمحى الشريف الوزانى .
نزيل زاوية جبل زرهون، ودفين مكناس.
стр. 2784
حاله: مجذوب سالك، ذو أحوال خارقة، وكرامات باهرة ظاهرة، وسريرة منورة طاهرة، كثير الانتقال، سكن أولا وزان ثم فاس ثم مكناس ثم زرهون، وبه طاب له القرار مدة، ثم انتقل منه آخر عمره إلى مكناس وبه كانت منيته.
أخبرنى العلامة الثبت ابن عمنا سيدى محمد بن أحمد، أنه أخبره صهره الشريف الفقيه البركة منور الشيبة والوجه المنعم مولاى الفضيل بن الأمين العلوى المتوفى في عام أربعة وعشرين وثلاثمائة وألف، أن أول قدوم المترجم للزاوية من فاس كان صحبته، وأنه لما قدمها كان استقراره بأحد الأقواس التي كانت قديما بالبيبان المحل المعروف بالزاوية بين الحرم الإدريسى والسوق، وتلك الأقواس هى محل الحوانيت الآن بالمحل المذكور، وأنه ربما كان طبخ ما يأكله هناك، ومما طبخه في بعض الأيام مدة مقامه هناك بصارة الجلبان، وفيها فراخ الحمام، وأنه ذكر له عنه في ذلك قصة مضحكة غابت عنه الآن، وأنه أخبره هو أو غيره أنه بعد ذلك صار ينتقل تدريجا للاستقرار بأماكن الحرم الإدريسى إلى أن صار استقراره منه قرب الخصة الأولى الكائنة أمام المدرسة، وأنه كان ربما خرج بعض طلبة المدرسة في جوف الليل فيجده واضعا رأسه أسفل الخصة وأنبوبها يصب عليه، يستمر على ذلك برهة من الزمن، هذه كانت بداية حاله هناك، ثم بعد ذلك صار له الظهور التام، وكثر غاشيه ومعتقده وزائره، وبنى داره خارج الزاوية أعلى عين وليلى، تشتمل تلك الدار على مسجد وأماكن للأضياف والخدم، زيادة على أماكن سكنى الأهل والعيال، ولا زالت أطلالها شاخصة بالمحل المشار، عششت فيها الأفاعى والحشرات وباضت وفرخت، وكان ينزل منها للزاوية راكبا فرسا مسرجا وحوله وأمامه حشمه من العبيد وغيرهم حاملين للسلاح، ومعهم بعض الكلاب مقلدة الأعناق، هذه كانت صورة موكبه.
وكان يكثر من الذبائح على الضريح الإدريسى، وكان يدخل السوق على
стр. 2785
هذه الصورة ويقف على الحوانيت فيأخذ من أربابها من قماش ونحوه ما يحتاج إليه إما لنفسه وعياله، وإما لمن استعطاه وتعلق به، ثم تارة يدفع لرب الحانوت في ذلك ما يساوى أضعاف ثمنه، وتارة يعده بالدفع في وقت أخر، ثم قد يحصل ذاك وقد لا يحصل، فلهذا صار كثير من أرباب الدكاكين إذا أحسوا بموكبه أَغلقوها قبل وصوله، فكان إذا وجد الدكاكين مغلقة يقول سيأتى أهل فاس ويعمرونها ودور أهلها، فكان الأمر كما قال وليس الخبر كالعيان.
وقد اتفقت مسغبة في وقته، فلما اشتد أمرها بالناس اتفق رأى جماعة عامة الزاوية الزرهونية على جمع هدية وتقديمها للمترجم وطلب الشفاعة منه إلى الله تعالى ففعلوا فبينما هم أثناء الطريق لداره هاذا هو قد نزل إليهم وأمرهم برد الهدية إلى الضريح الإدريسي لينتفع بها ضعاف الأشراف، ثم سار معهم إلى أن حلت محلها ثم التفت إليهم، وقال أين فلان؟ لرجل مجذوب هناك فلم يجده معهم فأمرهم بالإتيان به، فذهب بعضهم وجاء به إليه، فلما قابله المجذوب صار يستغيث منه ويقول له: أنت فضحك الله وأردت فضيحتنا، والمترجم لا يقبل له شكاية، بل أمر الجماعة بالإتيان بقميص ونعل فأتوا بهما فأمرهم بإلباسهما لذلك المجذوب ففعلوا جبرا عليه، وبعد ذلك أمرهم بإطلاقه فذهب ذلك المجذوب من ليلته تلك ميتا.
قال مخبرى وبلغنى عن المترجم أنه أتى في بعض الليالى لبعض معتقديه من أهل الزاوية وطرق بابه بعنف، فلما خرج إليه أمره بإخراج أهله فورا، فبمجرد خروجهم لباب الدار سقطت الأماكن التي كانوا بها، قال: ولقد أدركته أنا في صغرى ولا زالت صورته وموكبه بين عينى، إذ غالب مروره كان أمام درب سكناى هـ.
وكان زائرو المترجم والمكثرون الترداد عليه لداره يجدون عبيدًا سودًا حمر
стр. 2786
الأعين ذوى هياكل مفزعة بسجونه في سلاسل وأغلال لا يكلمون ولا يكلمون، ولا يعرفون في الخارج، ثم لمادنا أجله انتقل من زرهون إلى مكناسة الزيتون، وفيها أدركته منيته، وبالجملة آثار المترجم وأحواله الخارقة وكراماته الباهرة لا تكاد تنحصر.
مشيخته: منهم ابن عمه سيدى الحاج العربى الوزانى المتوفى ليلة الأربعاء أول ليلة من المحرم عام سبعة وستين ومائتين وألف كما في بلوغ القصد والمرام تأليف البركة الصالح سيدى العربى الوزانى التهامى الرباطى.
الآخذون عنه: أخذ عنه العلامة المجتهد البركة السيد الحاج أحمد اعبابو، والمجذوب الساقط التكليف السيد محمد المدعو منصور آل السيد سعيد المَشَنْزَائى المتقدم الترجمة في المحمدين وغيرهما.
وفاته: توفى بمكناس سنة خمس وتسعين ومائتين وألف، ودفن بزاوية أسلافه من حومة باب البراذعيين قرب جناح الأمان، وضريحه ثَمَّ من أشهر المزارات.
٤٣٣ - عبد المالك بن فخر الملوك أبى النصر إسماعيل .
حاله: إمام عدل، شهم سخى، ذو ثبات وأصالة في الرأى، بهذا وصفه أبو محمد عبد السلام بن الخياط القادرى، ووصفه بعض السفراء الإنجليزيين بما ترجمته: ولهذا الإمام خلق مخالف تماما لخلق مولاى أحمد الذهبى، مقتنعا زاهدا لا يشرب إلا الماء، وكان متدينا شديد التمسك بشريعة محمد ﵁، وكان من أكثر الجنود بسالة وشجاعة، ولكن من شدة تعصبه للدين أنه كان لا يثير معركة في يوم عيد ولو كان في ذلك ما فيه من الأخطار على المملكة كلها، ويقال: إنه تحت ستار الصلاح والتقوى كان جبارا سفاكا للدماء، وكان أشياعه يرون في ذلك تنفيذا للعدل الإلهى وقد استولى على العرش لخروج أخيه عن الجادة المستقيمة وتعاطيه للخمور هـ.
стр. 2787
ووصفه الزيانى ومن تبعه بالبخل والشح، والظاهر أن المترجم لم تكن يده مغلولة إلى عنقه ولا مبسوطة كل البسط كأخيه أبى العباس أحمد الذهبى الذى أفضى به جوده إلى حد التبذير المذموم من اتصف به على لسان الشارع، وقد بلغ جيش عبيد البخارى ومن في حكمهم من الشره ما صير الاقتصاد المحمود في نظرهم شحا وبخلا، يدل لذلك ما يتلى عليك مما بذله من العطاء لوفود البيعة وغيرهم.
وقد كان عقد له والده قبل على درعة وأعمالها، وأنزله بقصبتها، ورتب معه ألف فارس، وذلك سنة إحدى عشرة ومائة وألف، ولما كانت سنة أربع عشرة حاربه صنوه أبو النصر وشرده من محل مأموريته، ففر لضريح أبى العلاء إدريس الأكبر بزرهون، واستولى أخوه أبو النصر المذكور على درعة، فبعث السلطان والده ولده المولى الشريف إلى درعة واليا عليها، ثم ولى صاحب الترجمة على سوس.
قال ابن الخياط ما ملخصه: لما قبض الله والده إليه بايعه أهل مراكش وبلاد السوس، إذ كان عاملا لوالده على تلك البلاد، وكان محل استيطانه بتارودانت، أما عبيد البخارى الذين كانوا بمكناس ومشرع الرملة فبايعوا لصنو المترجم أبا العباس أحمد المعروف بالذهبى خليفة والده المرحوم بتادلا، ثم وقع بين المترجم وصنوه المذكور قتال وحروب انجلت بظفر العبيد وانهزام صاحب الترجمة، فرجع لتارودانت، ثم بعد مدة خلع العبيد أبا العباس المذكور، وبايعوا لصاحب الترجمة ووجهوا له بيعتهم لتارودانت واستقدموه فقدم، ولما حل بمكناسة وفدت عليه وجوه فاس ببيعتهم على منبر جامع القصبة، وكانت البيعة من إنشاء الشيخ أبى مدين الفاسى وقفت عليها بخطه في مسودتها وإليك نصها:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد المصطفى الكريم، وعلى آله وصحبه أولى البر والتعظيم، أفضل الصلاة وأزكى التسليم،
стр. 2788
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا، الحمد لله الملك الفتاح، بحده في كل الأمور يحمد الاستفتاح، فتح لنا أبواب السعادة من فضله وارتضى لنا الإسلام دينا قويما، وشرع لنا منه منهاجا واضحا وسبيلا مستقيما، وأسبغ علينا بسابغة كنتم خير أمه أخرجت للناس فضلا عميما، عجزت العقول عن كنه ذاته فضلت في بيداء الأوهام، وحارت الأفكار في باهر صفاته فأصبحت طائشة السهام. وسددت الأفهام الثاقبة إلى محيط علمه فكان القصور قصارى تلك الأفهام، ووقفت توقف الانقطاع عن بلوغ ذلك المرام، لا تستطيع تأخيًرا ولا تقديما، تقدس في ربوبيته عن الشبيه والنظير، والشريك والمعين والظهير والوزير، وتنزه في وحدانيته وكبريائه عن لواحق المحدثات، وأحاط علما بالكائنات، على تباين الأنواع وتنافر الأضداد والمشابهات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض إنه كان عليما حكيما، وتبارك الله الذى خلق الخلق أطوارا، وأودعهم من حكمته لطائف وأسرارا، وأحسن خلقهم تقويما، وأودع قلوبهم من هداية العقل نورا، وألهمهم طريق النظر والاستدلال فعلموا بسواطع البراهين أن لهم صانعا قديرا، يسر لهم المآرب تيسيرا، وتمم لهم المصالح تتميما، وجبلهم على التمدن والائتلاف، ولم يجعل من سجاياهم التنافى والتباعد والاختلاف، وبوأهم من عصمة النفس والمال حرما أمينا، وأهلهم ليسلكوا من رفقه ولطفه سبيلا مبينا، وألزمتهم وظائف التكليف مفروضا ومسنوبا، ومحظورا ومحتوما.
والحمد لله الذى لا تحصى ضروب نعمه المترادفة، ولا تنفذ خزائن رحمته مع اتصال سحائبها الواكفة، ويعطى من لجأ إليه وتوكل علية فضلا جسيما، فبأى مواهبه العميمة نغرى لسان التحميد، وفى أى باب من الأبواب آلائه الكريمة تحط
стр. 2789
ركاب التمجيد، أبنعمة الخلق، أم بنعمة الرزق؛ لقد بهرت آلاء ذى العرش المجيد، خصوصا وعموما، ومن عنايته ﷻ بهذا النوع الذى فضله بالعقل على كثير من خلقه، وشرفه لما عرفه طرق القيام بحقه، وجعل له بمقتضى لطفه حدودًا يقتفى آثارها ورسوما، واصطفى منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبعث منهم رسلا لبيان تفاصيل الأحكام، وكان فضل الله عليه عظيما، وخصنا سبحانه بهذا النبى الكريم الذي تأخر بالزمان. وتقدم لديه جل وعلا بشرف الحظوة والمكان، تشريفا لنا وتكريما، وأطلع شهب هدايته المنيرة، وأحمد به نار الشرك المستطيرة، فاتسق نظم الدين به خير اتساق، واستقر الحق محوطا بأمره ونهيه من اضطراب وافتراق، حتى تكامل الدين بأقصى كمال، ومد الإسلام على البسيطة أورف ظلال، وأينعت أدواح الرشد بعد أن كانت هشيما.
نحمده تعالى حمدا نستوجب به المزيد من نعمائه، ونستجلب جزيل مواهبه وآلائه. ونستنشق من أنفاس عطاياه الجليلة نسيما، ونشكره سبحانه على أن ألهمنا شكره المستدعى المزيد من الإنعام. والمولى من الآلاء أوفى الحظوظ والأقسام. شكرا يكون بتضاعف الجود والكرم زعيما.
ونشهد أنه الله الذى لا إله إلا هو وحده لا شريك له شهادة لا يحوم حولها الالتباس، وإنما تتأرج منها رياض الصدق عاطرة الأنفاس، وتطلع وجه التحقيق لأبصار البصائر (١).
ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدًا عبده ورسوله النبى العربى القرشى الهاشمى الذى اختاره واصطفاه، ووفاه من حظوظ اختصاصه واعتنائه ما وفاه. وأزاح به عن الوجود علله وشفاه. وأثنى عليه في محكم كتابه الحكيم وكفاه فخرا
стр. 2790
عظيما، انتخبه من سلالة إبراهيم وإسماعيل، وأنزل بشارة مبعثه في التوراة والإنجيل، وكرم بولادته الذبيح والخليل، وجعله أزكى الخلائق عنصرا وأطهرهم خيما.
النور الذى تضاءلت الأنوار لطلوعه، وتفجرت ينابيع الخيرات والبركات من ينبوعه، واحتفل الشرف الغض بين أصوله الطاهرة وفروعه، حديثا وقديما، ختم الله به النبوة والرسالة، ومحا بنور الحق الذى جاء به ظلم الظلم والضلالة، وأوضح المذاهب عن الله تحليلا وتحريما، فكان مما جاء به ﷺ من دين الله وجوب نصب الإمام، لإقامة الحدود والأحكام، وليحصل الاجتماع والالتئام، على كلمة الحق وشرائع الإسلام فتظافرت الدلائل الشرعية منطوقا ومفهوما، وأشار ﷺ إلى خلافة أفضل هذه الأمة على التحقيق، وأَهله لحمل تلك الأمانة وهو الخليق بها والحقيق، صاحبه وخليفته سيدنا أبى بكر الصديق، فكان على أهل الباطل شديدا وبأهل الحق رحيما.
ونصلى ما لاحت الزواهر في أفلاكها، ونظمت الجواهر في أسلاكها، على أشرف الخلق وسيد ملوكها وأملاكها، ونسلم تسليما، ونرضى على آله وصحابته، وأوليائه وأنصاره وعصابته، المستوجبين من الله بنصرته وإجابته، مزية قوله تعالى: ﴿... وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [سورة النساء آية ٣١] مما ركضت جياد الألسن في ميادين ثنائهم، واقتدت الأمة في الأمور الدينية والدنيوية بآثار عليائهم انتفاعا وتعليما.
أما بعد: هذه الفاتحة التي فتحت من النجح كل باب، واستمسكت من الله ورسوله بوسائل وأسباب، فإن من المتقرر في القواعد السنية. أن كل ما نتعبد به فمرجعه إلى الدلائل الشرعية، وأَن العقل إذا سدد حكما من الأحكام عند تناوله قبولا وردا فحقه أن يعرض على سلطان الشرع توقيعه، ويلقى في يد ذلك المسيطر
стр. 2791
الناقد جميعه، فما كتب بإمضائه أنفذ وأعمل، وما لم يجزه طرح وأهمل، ولا خفاء أن نصب الإمام مما اقتضاه الشرع والعقل، وتعاضد فيه السمع والنقل، إذ به تحفظ رسوم مصالح الدنيا والدين، وتخفض رقاب المعتدين المتعدين، وترفع لهيبته المظالم، وتعلو بكلمته للدين مشاهد ومعالم، وتصان به الحرم والأموال، وتزول الفتن وتدفع الأهوال، وأن طاعته واجبة وجوبا محتما، وجنابه الجليل حقيق أن يكون لدى الخاص والعام محترما معظما، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... (٥٩)﴾ [سورة النساء آية ٥٩] وقد جاء في الأثر: أنه لا ينبغى لمؤمن أن يبيت ليلة وليس عليه إمام، وقال ﵇: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية، ومن خرج على أُمتى يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى مؤمنها ولا يفى لذى عهدها فليس منى ولست منه. رواه مسلم.
وقال ﵇: إذا مررت ببلدة ليس فيها سلطان فلا تدخلها إنما السلطان ظل الله ورمحه في الأرض. أخرجه البيهقى.
وقال ﵇: السلطان ظل الله في الأرض يأوى إليه الضعيف وبه ينتصر المظلوم ومن أكرم سلطان الله في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة أخرجه ابن النجار.
وقال ﵇: السلطان ظل الله في الأرض فمن غشه ضل ومن نصحه اهتدى. أخرجه البيهقى.
وقال ﵇: السلطان العدل المتواضع ظل الله ورمحه في الأرض يرفع إليه عمل سبعين صديقا. أخرجه أبو الشيخ.
стр. 2792
وقال سهل بن عبد الله رضى الله عنه: من أنكر إمامة السلطان فهو زنديق، ومن دعاه السلطان فلم يجب فهو مبتاع، ومن أتاه من غير دعوة فهو جاهل، وقال: إن لله سبحانه في كل يوم نظرتين نظرة إلى سلامة أموال الناس ونظرة إلى سلامة أبكارهم فيطلع في صحيفته فيغفر له ذنوبه.
وقال ﵇: الولاية في قريش ما أطاعوا واستقاموا. ولا شك ان أهل بيت سيد المرسلين، أعظمهم موقعا في قلوب المؤمنين، وأكرمهم منزلة عند رب العالمين، أنالهم تعالى في خلقه فضلًا كبيرًا، وكان جنابهم الكريم بالتفضيل والإكبار جديرا، ومنحهم إجلالا ورفعة وتكبيرًا، وأولاهم بين الأنام تعظيما وتوقيرا. ونور بهم العالم تنويرا، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأمر أن تعتقد حرمة شرفهم النبوى، وأن يقدر قدر منصبهم الشريف المصطفوى، وكفاهم شرفا ومجدا، أن كان أشرف خلق الله لهم جدا. أكرمهم سبحانه في سابق أزله، بأن أهَّلهم للقرب من أكرم رسله فأكرم بذلك الإكرام إكراما وبذلك القرب قربا، وأحبهم تعالى وجعل من حق نبيه أن يحبوا فقال جل ثناؤه: ﴿... قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ...﴾ [سورة الشورى: آية ٢٣] قال ابن عباس لما نزلت هذه الآية قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى، قالوا يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: على وفاطمة وولداهما أخرجه الطبرانى وغيره، ابن حجر باطل موضوع.
وقال ﵇: أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبونى لحب الله وأحبوا أهل بيتى لحبى أخرجه الترمذى.
وقال ﵇: لا يدخل قلب امرئ إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتى، أخرجه النسائى.
وقال ﵇: من أبغضنا أهل البيت فهو منافق أخرجه ابن عدى.
стр. 2793
وقال أبو بكر رضى الله عنه: ارقبوا النبى ﷺ في أهل بيته، رواه البخارى.
وقال ﵇: النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتى أمان لأمتى أخرجهُ الطبرانى.
وقال ﵇: إنى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى كتاب الله وعترتى أهل بيتى ولن يفترقا حتى يردا على الحوض.
وإن مما امتن الله به علينا من أهل هذا البيت الشريف، الذى أولاه الله أشرف التعظيم وأَعظم التشريف، من قدمه الله تعالى لسلطانه العزيز، ورفعهُ المولى جل وعلا على منصة التبريز، شريف السلاطين وسلطان الشرفاء، ومن بجده ﵇ له الاتباع والاقتفاء، الإمام الذى ألقت إليه الإمامة زمامها، وقدمتهُ الأفاضل لما اختص به من الفضائل أمامها، فأحيا الله به ما كاد أن يسلب من الأمن الأثر، وأقال به عثرة الدهر بعد ما عثر، وأقام به سوق العدل وأوضح معالمه، وأشاد مفاخر الفضل وأضحك مباسمه، وسعدت بوجوده وجوده الخلافة، واندفع عن الدين به كل آفة، عميد المجد الذى لا يتناهى فخره، ووحيد الحسب الذى تسامى قدره، فرع الدوحة المحمدية التي عم خيرها الإسلام، وغصنها الناعم الذى في روض أمنه أنام الأنام، بضعة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التحيات وأنمى البركات وأطيب التسليم، إمامنا المنصور بالله المظفر المؤيد المعتمد على الله المستعين بالله الخاضع المتواضع لله المتوكل على الله المفوض أمره إلى الله المحلى بحلية الطاعة والتقوى، المستمسك من سنة جده ﵇ بالحبل الأقوى السالك من سبل المعالى أسنى المسالك، أمير المؤمنين أبو المفاخر مولانا (عبد المالك)، ابن السلطان الأظهر، الهمام الأطهر، الملك المعظم الأفخم الأشهر، الحائز قصب السبق في ميادين التفضيل، أمير المؤمنين، المجاهد في سبيل رب العالمين، مولانا إسماعيل، ابن سيدنا شمس فلك السعادة، وينبوع الملك المنوط
стр. 2794
بمجد الشرف وشرف المجادة، الذى تدرع بدرع التقى والورع، وجمع من محاسن المعالى ما جمع، المستغنى شرفه الصريح عن الإيضاح والتعريف، ذو المواهب اللدنية، والفتوحات الربانية، مولانا الشريف، ابن مولانا على ابن مولانا محمد ابن مولانا على ابن مولانا يوسف ابن سيدنا علم الأعلام، كعبة الزائر وركن الاستلام، باب الفضائل ومفتاحها، ومشكاة البركات ومصباحها، ذى العناية السابقة والأنوار البارقة، من أصبحت تربتهُ مزورة، وكراماتهُ مشهودة ومشهورة، الإمام البركة الولى، مجاب الدعوة مولانا على، ابن مولانا الحسن ابن مولانا محمد ابن مولانا حسن ابن مولانا قاسم ابن مولانا محمد ابن مولانا أبى القاسم ابن مولانا محمد ابن مولانا الحسن ابن مولانا عبد الله ابن مولانا أبى محمد ابن مولانا عرفة ابن مولانا الحسن ابن مولانا أبى بكر ابن مولانا على ابن مولانا حسن ابن مولانا أحمد ابن مولانا إسماعيل ابن مولانا قاسم ابن مولانا محمد ابن مولانا عبد الله ابن مولانا حسن المثنى ابن مولانا الحسن السبط ابن مولانا أمير المؤمنين على بن أبى طالب ومولاتنا فاطمة بنت سيدنا ومولانا محمد ﷺ وعلى آله الأكرمين، وأصحابه الجلة المكرمين، وبجاههم نسأل الله بقاء وجود مولانا نصره الله في العز المكين، وتأييده بكمال التأييد والتمكين، وأن يديم دوام الدهر سعادة أيامه، ويجعل البسيطة في قبضة يده وطوع أحكامه، ولا برحت كواكب سعوده في السعادة زاهرة المطالع، ومواكب جنوده في ميادين الظفر ظاهرة الطلائع، وعدله سائرا في الليالى والأيام، وفضله ناشرا أعلام إحسانه على الخاص والعام.
فانعقد الإجماع على أنه خلد الله نصره المتعين لاختصاصه بهذه المزية العظيمة، لما اشتهر من استكماله شروط الإمامة المباركة الجلية الكريمة، ولطالما كانت تستشرف إليه، لتتشرف بقبوله إياها وحلولها لديه، إلى أن حظيت منه بالقبول، وفازت من مجادته ببلوغ الأمول، فلو رام غيره أن يسلك هاتيك
стр. 2795
المسالك، لقالت يأبى الله والمسلمون ذلك، ولانعقاد الإجماع على استحقاقه لها، ولكونه أحق بها وأهلها، بايعته بالحضرة الإدريسية حرسها الله بوجوده شرفاؤها وعلماؤها وصدورها وأهل الحل والعقد منها على طاعة الله وسنة رسوله ﷺ وعلى ما بويع به الخلفاء الراشدون الهديون رضى الله عنهم، وعلى السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر بيعة مباركة صحيحة قرت بها نواظرهم، وشهدت في ذلك على صفاء بواطنهم ظواهرهم، وأعطوا بها مع الإفصاح بالكلام صفقة إيمانهم، وجعلوها أُسا يبنون عليه صالح أعمال أديانهم، وتقلدوا من طاعته طوق الحمامة، معتقدين أن سلامة الأمة إنما هى باتباع هذه الإمامة، وزادوا عندها توثقا وتأكيدا، حين أشهدوا الله به على أنفسهم وكفى بالله شهيدا.
وهم في اجتلاب مرضاة الخلافة المباركة ساعون، وفى أعقاب صلواتهم وأوقات خلواتهم لها داعون، اللهم كما أسعدتنا بخلافة وليك الميمونة، واخترته لإقامة شرائع دينك المفروضة والمسنونة، وجعلت طاعته بين أيدينا وبأيماننا نورا، وشرحت لفهم آيات فضله منا صدورا، فانصره اللهم نصرا مؤزرا، واجعل نصيبه من عنايتك جزيلا موفرا، وعرفه في كل مرام فتحا مبينا وظفرا ميسرا، اللهم واصنع له خير ما صنعت، واجمع على طاعته ومحبته القلوب كما جمعت، وارفع ذكره في الأذكار، ودرجته في أئمة العدل الأبرار، فوق ما رفعت.
اللهم إنك قلت وقولك الحق هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فجازه عنا بإحسانه، واحرس أمره العلى بأكرم حفظته وأعز أعوانه، واجعله اللهم على رعيته شفيقا، وبجميعهم مدى الدوام رفيقا، وأبقه ملاذا للمؤمنين، وحصنا حصينا لجميع المسلمين، في هناء متصل شامل، وفرح وافر وسرور كامل، إنك يا مولانا على ذلك قدير، وأنت نعم المولى ونعم النصير، وصلِّ اللهم وسلم على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله وأصحابه أجمعين وسائر الأنبياء والمرسلين، وآخر دعوانا
стр. 2796
أن الحمد لله رب العالمين، وفى ثامن شعبان المبارك عام أربعين ومائة وألف" هـ من خطه.
ثم إن المترجم وصل شرفاء الوفد الذى أتى له بالبيعة بألف دينار ذهبا، كما وصل الطلبة والأعيان مثل ذلك، وأعطى الراتب للرماة، فنال كل فرد منهم سبعة مثاقيل ذهبا، ثم أصدر أوامره برد المظالم، وشدد في اجتناب المحرمات، فكبر ذلك على العبيد وأبوا أن يردوا ما اغتصبوه للناس من عقار ومال، ولما رأى المترجم ذلك صرح لهم بأنهم أحرار فليذهبوا حيث شاءوا، وأنه لا حاجة له بخدمتهم، وأعلن النداء في جميع البلاد التي دخلت تحت طاعته بأن من أراد الدخول في الجندية فليأت إليه، فوفد عليه سرعان الناس، ولما تحقق عبيد مشرع الرملة بذلك خافوا سطوته لما يعلمونه من شهامته فأجمعوا أمرهم ونهضوا يطوون المراحل فلم يشعر المترجم حتى دهموه وكانوا سبعين ألف مقاتل، فجمع أتباعه ومن كان داخل ديوان العسكر من الأحرار الوافدين عليه، وخرج لقتالهم بظاهر العاصمة المكناسية وأمر بغلق جميع أبواب المدينة ومع قلة جيشه إذ كان لم يبلغ عشرة آلاف مقاتل، ووفور جيش العبيد فقد قاتلهم قتالا لم يعهد له مثيل بالبلاد المغربية، يقال: إنه مات في هذه الواقعة ما يزيد على ثلاثين ألفا.
وكانت النصرة لصاحب الترجمة على العبيد ولكن بكل أسى وأسف أن بعض زوجات والده أمرت بفتح أبواب البلد، فامتثل أمرها، ولما فتحت الأبواب دخل العبيد القصبة المولوية وعمروها ولا علم للمترجم بذلك، ولما اتصل به الخبر فرّ إلى فاس، ولما وصل إليها أغلق الودايا الذين بفاس الجديد أبواب البلد في وجهه.
فتوجه لباب الفتوح أحد أبواب فاس الإدريسية، واستدعى أهل فاس فخرجوا إليه، ثم اختلفوا في نصرته، فأجابه قوم وامتنع آخرون، ومع ذلك دخل المدينة ونزل بدار القيطون منها.
стр. 2797
أما العبيد فإنهم لما فتحت لهم أبواب العاصمة المكناسية ودخلوها على حين غفلة من صاحب الترجمة عثوا فيها ونهبوها وما حولها، وارتكبوا كل مخجل للمروءة، وأعادوا البيعة لأبى العباس الذهبى، ونهضوا به يقتفون أثر صاحب الترجمة، وانضم إليه كل من كان على شاكلتهم من القبائل، وساروا إلى أن نزلوا على فاس في مائة ألف مقاتل على ما قاله ابن الخياط القادرى، ورموا المدينة بالأنفاض من جميع جهاتها، وجاءوا بالسلاليم للتسور عليها من الأسوار، وشددوا الحصار وكثر القتل والجرح واشتد الحال وغلت الأسعار وعدمت الأقوات والمقومات التي تأتى من خارج البلد كالحطب والفحم، فاضطر الناس للصلح بتسليم صاحب الترجمة لأعدائه الناكثين بيعته المحاربين له.
ولما شعر المترجم بذلك استجار بالضريح الإدريسى، فدخل عليه عبد النبى ابن الباشا سعود الحيانى أحد عسكر البخارى وكان باشا على ثمانية عشر ألف فارس، وسالم الدكالى البخارى وكان إلى نظرة اثنان وعشرون ألف فارس وانضم إليهما زعانف الغوغاء ومن لا خلاق لهم وأخرجوه، وذلك زوال يوم الخميس الواحد والعشرين من جمادى الأولى عام واحد وأربعين ومائة وألف، ووجهوه مع الباشا مساهل بن مسرور.
ومن الغد نهضت محال العبيد وسارت إلى مكناسة، ولما وصلوا إليها سجنوا بها صاحب الترجمة، ولما كان الغد توفى أبو العباس أحمد الذهبى، ثم أمر العبيد أخاه محمد ولد الطليقية وآخر فدخلا عليه، ومعهما زعانف الخدم والحرس وأمسكوا على جميع أطرافه وحجزه، وجعل أخواه مجدولا في عنقه من حرير وخنقاه وأعضاؤه تضطرب إلى أن مات ﵀، وفى غده جهز وصلى عليه عوام الناس وأهل الدين المتين، هذا ملخص ما في مؤلف ابن الخياط القادرى في الإمام محمد النفس الزكية وبنيه.
стр. 2798
والذى للزيانى في البستان والروضة والترجمان المعرب: أن أهل فاس لما صالحهم أحمد الذهبى على أن يسلموا له صنوه المترجم وأجابوه لذلك، كتب إليه بالتخيير بين أن يتوجه لسجلماسة وبين أن يبقى بالحرم الإدريسي، فاختار الأخير، ثم إن السلطان أحمد أصدر أوامره لأهل فاس بأن لا يكلم أحد المترجم ولا يجتمع به ولا يبايع ولا يشارى هو ولا أصحابه، ومن خالف الأمر يعاقب، فضاق الفضاء بالمترجم، ووجه ولده للعبيد يطلب منهم أن يؤمنوه، ثم لا خرج مكنوا منه صنوه أبا العباس، ولما مثل بين يديه أمر بتوجيهه لمكناسة ليسجن بها، فسجن بدار الباشا مساهل.
ولما أحس السلطان أحمد بالموت أمر بخنق المترجم، فخنق ليلا ليلة الثلاثاء أول يوم من شعبان العام، ومات الذهبى ليلة السبت الرابع من شعبان المذكور.
وتبع الزيانى أكنسوس وصاحب الاستقصاء، وزاد الأخير أنه رأى بخط جده للأم الفقيه الأستاذ أبى عبد الله محمد بن قاسم الإدريسى اليحيوى الخيارى عرف بابن زروق، وكان حيا في هذه المدة أن المولى عبد المالك بويع في الآخر من رجب سنة إحدى وأربعين ومائة وألف وهو بالسوس الأقصى بمدينة تارودانت، ثم ورد على دار المملكة بالحضرة المكناسية ليلة السابع والمعشرين من رمضان المعظم من السنة المذكورة، ثم ثار عليه أخوه المولى أحمد المخلوع في عاشر المحرم فاتح سنة اثنتين وأربعين، واقتحم عليه دار الملك من مكناسة عنوة، ووقع فساد كبير بالمدينة المذكورة، وهلك بشر كثير في الحرب، ومنهم من قتل صبرا، وفر المولى عبد الملك ناجيا بنفسه إلى فاس، ثم حاصره بها المولى أحمد نحوًا من أربعة أشهر حتى خرج إليه على الأمان، فأمر بسجنه بمكناسة، ثم قتل المولى عبد الملك صبرا مخنوقا في أواخر رجب المذكور أيضا هـ باختصار يسير.
وفى درة السلوك أن المولى عبد الملك المترجم ظل يوم قتله صائما، وأَن
стр. 2799
العبيد لما هجموا عليه ليقتلوه بعد ما أفطر وجدوا المصحف بين يديه، وأنهم بمجرد الفراغ من قتله حملوه ليلا إلى مقبرة الشيخ محمد بن عيسى فدفنوه بها ليلا، وأن خلافته دامت ستة أشهر هـ.
وقد وقفت في بعض التقاييد أن المترجم لما خنق غسل بمَيْضَأَة جامع الزيتون بالماء البارد.
اعتباره لمن يشار له بخير: وقد عثرت له على ظهير أصدره لسيدى أحمد بن الطاهر الخطاب يتضمن الإنعام عليه بما سيذكر، ونص ذلك من أصله بعد الحمدلة والصلاة والطابع نقش داخله: (عبد الملك بن أمير المؤمنين الله وليهُ ومولاه) وبدائرته: ومن تكن برسول الله البيت:
"عن أمر عبد الله المعتصم بالله، المفوض أمره إلى خالقه ومولاه، أمير المؤمنين، وناصر الدين، المجاهد في سبيل رب العالمين، الشريف الحسنى أيده الله بعزيز نصره وأمده بتوفيقه وتسديده وشمر له أسباب الفتح المبين بمنه، يستقر هذا الظهير الكريم، المتلقى بالإجلال والتعظيم، أسماه الله وأعز أمره، وخلد في الصالحات ذكره، وأشرق في سماء المعالى شمسه المنيرة وبدره، آمين بيد حامله المرابط الخير البركة الدين الولى الصالح أبى العباس سيدى أحمد ابن سيدى الطاهر الملقب بالخطاب أحد حفدة الولى الصالح والقطب الواضح سيدى عمر الخطاب، نفعنا الله به وسقانا من بحر مدده، يتعرف من يقف عليه بحول الله وقوته، وشامل يمنه وبركته، أنا أعطيناه ديار أولاد بن لمو كافة وديار أولاد بن قدمير كافة.
فأولاد بن لمو المكرم محمد وولد أخيه المكرم إبراهيم اللذان كانا بمدشر بنى مرعاز، وكذا كل من قطن واشتمل عليه مدشر خيبر وما حوله ممن هو محسوب على الولى الصالح ذى السر اللائح، وفوضنا له في هذا التفويض التام، المطلق العام، منه إليهم في زكاتهم وأعشارهم وسائر وظائفهم المخزنية والمغارم السلطانية
стр. 2800
من حيث هى سواء قلّت أو جلّت، وقد أَمرناه يولى ممن يظهر له من الفقراء هنالك ليفصل بين الناس في المنزل المذكور وعزل من يرى عزله هنالك.
وقد جعلنا مقامهم حرما من دخله كان آمنا وشفاعته عندنا لا ترد، ومكانته لدينا لا تحد، فمن احترم به وَلاَذَ بحرمه سامحناه وعاملناه، ومن لم يعظمه ولا يكون فيه على مذهبنا ويقتفى فيه آثارنا وأخرق عليه عادة، وأحدث له نقص (كذا) وزيادة، ينتقم الله منه أشد الانتقام.
والواقف عليه من خدامنا وقوادنا وعمالنا وولاة أمرنا يعمل به ولا يتعداه والسلام، عاشر شوال المبارك عام أربعين ومائة وألف وكذلك ديار أولاد بدوش كافة، وديار أولاد الشوهب كافة، وديار أولاد العربى كافة، وقرناهم له وحررناهم إليه، وزدناهم له يتصرف فيهم كيف شاء بما شاء، ويقبض زكاتهم وأعشارهم وسائر كلفهم قلّت أو جلّت فمن قربهم له أو حام حول حماهم يخاف منا على نفسه والواقف عليه يعمل به والسلام صح بعد تاريخه".
كما وقفت على ظهير آخر كتبهُ لأولاد أبى زيد بن القاضى بالتوقير والاحترام نصهُ بعد الحمدلة والصلاة والطابع بداخله: (عبد الملك بن أمير المؤمنين الله وليهُ ومولاه) وبدائرته: ومن تكن برسول الله البيت:
"كتابنا هذا أسماه الله تعالى وأعز أمره، وأَطلع في سماء المعالى شمسه المنيرة وبدره، يستقر بيد حملته أحبائنا الآجلة الأخيار أولاد محبنا الفقيه العلامة، الأستاذ الفهامة، المشارك الداركة البركة سيدى عبد الرحمن بن القاضى ﵀ ونفع به يتعرف منه بحول الله وقوته، وشامل يمنه وبركته أننا جددنا لهم بعون الله تعالى على ما بأيدهم من ظهائر مولانا الوالد قدس الله روحه، وعمنا مولاى الرشيد ﵀، ومنْ قبلهما من الملوك المتقدمة المتضمنة توقيرهم واحترامهم، وإجلالهم وإعظامهم، وزدناهم نحن بحمد الله توقيرا واحتراما وإكراما في جميع أحوالهم وجميع من هو منهم أو يحسب عليهم من خدامهم وأصحابهم، وألقينا
стр. 2801
دارهم المحفوظة بالله مزارة للصادر والوارد كما كانت وزيادة، ونحن على مذهب السلف في أثرتهما وتعظيمها وإجلال من فيها تبعا لهم ولا خير في الخلف، إن لم يتبع السلف.
ونطلب الله تعالى أن يعمرها وأن لا يخلى بركة منها تجديدا تاما مطلقا عاما، ونعهد لمن يقف عليه من الخدم والعمال أن يعرف حق هذه الدار المباركة وأن يقرها على ما أقررناها عليه، ويعرف حق من فيها من أهلها وذويها، ومن قصر في حقها فالله حسيبه وسائله، ومتولى الانتقام منه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبعبده كفيل، والسلام وفى أول ذى الحجة الحرام مكمل عام أربعين ومائة وألف".
وهذا يدلك على مبلغ اعتباره واحترامه لمن اتسم بدين أو صلاح أو أشير له بخير وفلاح.
علائقه السياسية:
وقفت له على ظهير بعثه إلى ملك فرنسا لويس الخامس عشر يخبره بأن طائفة من قومه وردوا على أعتاب أخيه المولى أحمد الذهبى، ولما وجدوه قد بويع مكانه التقوا به في مشوره على العادة، ولكنهم كانوا لا يحملون كتابا من ملكهم، وأنه قد ردهم بعد ما أنعم عليهم باثنين من الأسارى الفرنسيين، ونصه من أصله المحفوظ بوزارة خارجية فرنسا:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، عن أمر عبد الله الغالب بالله أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين، المجاهد في سبيل رب العالمين، (ثم الطابع بداخله عبد الملك ابن أمير المؤمنين الله وليه وبدائرته ومن تكن برسول الله البيت) أيده الله ونصره وظفر جنوده المباركة وعساكره، وحفظه وكان له ومعه في جميع الحركات والسكنات، آمين يارب العالمين.
стр. 2802
إلى طاغية الفرنسيس وكبير قومه وأهل جنسه الوس كنز، السلام على من اتبع الهدى.
أما بعد: فاعلم أن حملته الفرائلية من جنس الفرنصيص كانوا جاءوا لحضرتنا العلية بالله للملاقاة مع أخينا مولاى أحمد، ووجدوه وقع ما وقع من نصر الله عبده المعترف بإحسانه ونواله الطالب من المولى ﷻ ، أن يعينه على القيام بحق عباده، تلاقوا بنا في مشورنا السعيد فطالبناهم في كتابك الذى كتبته لعلى مقامنا بالله على العادة المعروفة، فلم نجد بأيديهم مكتوبا نتكلم به معهم، فما أمكننا إلا أن أنعمنا عليهم بزوج نصارى من الفرنصيص، حيث وقفوا بأبوابنا العلية بالله، ضيفناهم بهما وإن أرادوا الكلام معنا فليأتوا بكتابك على عادة السلاطين، والسلام على من اتبع الهدى وفى الثامن عشر من شوال عام أربعين ومائة وألف".
وفاته: توفى شهيدا يوم الأحد ثامن عشرى رجب عام واحد وأربعين ومائة وألف ودفن بضريح الشيخ محمد بن عيسى على الأصح وقيل بضريح أبى عثمان سعيد المشنزائى.
٤٣٤ - عبد الملك البوعصامى نزيل مكناسة .
حاله: كان قاطنا بمكناسة الزيتون، وكان شيخا مربيا ذاكرا قانتا متقشفا خاملا خاشعا خاضعا، ذا همة عالية، وتؤدة وجد هيبة وسكينة ووقار، عارفا بالله، محبا في رسول الله ﷺ ، ذا أخلاق كريمة، وأحوال ربانية تجده فيها كالأسد.
مشيخته: أخذ عن الشيخ أحمد السوسى بواسطة ولده سيدى أحمد العباس.
стр. 2803
الآخذون عنه: أخذ عنه كثير من الناس ونفع الله به أقواما.
وفاته: توفى سنة إحدى وتسعين ومائة وألف.
٤٣٥ - عبد الملك بن محمد الحسنى
قاضيها، وقفت على رسم بخطابه مثبت بالجزء الأول من حوالة الأحباس الكبرى بمكناسة صحيفة ١٩٥ ورسم ١٢٠ بتاريخ ٢٤ محرم عام ١٢١٤ م، ولم أقف على شئ من أطوار حياته زائد على ما ذكر.
٤٣٦ - عبد المالك بن عبد السلام بن السلطان محمد بن السلطان مولاى عبد الله بن السلطان الأعظم مولانا إسماعيل .
حاله: عاقل سياسى، ماهر فاضل، نبيل شجاع، ذو جاه ووجاهة، وتدبير مصيب، كان يندبه عمه السلطان مولانا سليمان لكل مهم، ويعقد له على الجيوش، ويسند إليه رياستها، وكان ولاه عمالة مرسى أكادير فأحسن السيرة، ثم سعى بالوشاية وإفساد ذات البين بينه وبين عمه السلطان المذكور بعض الحسدة من أهل الأغراض، حتى أوغر عليه صدر عمه، فهم السلطان بتوجيهه للصحراء فكلمه في شأنه والده المولى عبد السلام أخو السلطان المولى سليمان، فأخر توجيهه، ثم شمر الواشى عن ساق في إيغار صدر السلطان، ولم يأل جهدا حتى وجه أخاه المولى عبد السلام لمراكش، وأمر بترحيل عياله للصحراء، وبعد مراجعة طويلة خير المولى عبد السلام أخاه المولى سليمان بين توجيه ولده المترجم للصحراء وإبقائه بفاس، فاختار السلطان توجيهه، فوجهه بعياله وانمحى بسبب ذلك ما كان بصدره على أخيه والد المترجم، فاصطفاه وقربه إليه وجعله محل سره يستشيره في المهمات ولا يبرم أمرا إلا بعد المفاوضة معه، وخابت مساعى الواشى ورد الله كيده في نحره.
стр. 2804
وكان خروج المترجم من فاس للصحراء بعياله وعيال أبيه يوم الأحد سادس عشرى قعدة عام خمسة عشر ومائتين وألف، وبعد خروجه من فاس أقام بدار الدبيبغ ثلاثة أيام ينظم فيها أمور سفره، ولم يمكث بالصحراء غير أيام قلائل، حتى رجع في مأموريته، ثم عاد إليها ثانيا، ثم رجع منها مؤمنا طاغية آيت عطا، وكان السلطان قد هم بقتلهم جزاء لهم على سوء فعلهم، فحماهم بشفاعته إذ شفعه السلطان فيهم وعفا عنهم ثم آب للصحراء.
ثم لما تفاحش عيث بنى مطير، وكانوا أكثر القبائل البربرية مالا وماشية وخيلا وقوة وعدة وعددا، وهمّ السلطان بتأديبهم، أصدر الأمر للمترجم بالقدوم من الصحراء لما يعلم من شهامته ومعرفته بالحروب وإبلائه فيها البلاء الحسن بسيفه ورأيه، فورد عليه في تاسع عشرى حجة عام ستة وعشرين ومائتين وألف، عقد له الرياسة على الجيوش المراكشية والشاوية وعبدة ودكالة وسوس كما بتاريخ الضعيف، وقد زاده السلطان المولى عبد الرحمن حظوة على حظوته فكان يعقد له على الجيوش ويصدره للمهمات إلى أن استشهد ﵀.
وفاته: توفى قتيلا منتصف تسع وخمسين ومائتين وألف، قتله أخواله زمور الشلح غدرا عندما غزاهم السلطان المولى عبد الرحمن في السنة المذكورة، وأوقع بهم شر وقعة على ما أخبرنى به حفيده، أى المترجم الشريف النبيه مولاى الحسن ابن العربى بن الصديق بن عبد المالك المذكور، ودفن بضريح الولى الشهير أبى عثمان سعيد المَشَنْزَائى دفين خارج بأبى الخميس، ووجه العروس من الحضرة المكناسية وقبره ثَمّ ترياق مجرب للداء الذى يصيب الأطفال المعروف بالعواية (١) يطرحون المصاب عليه ويمرون مفتاح عود على عنقه فلا يقوم في الغالب إلا كمن نشط من عقال.