← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وعليه فما وقع في "الروض" هنا بعد ما قدمناه عنه من قوله ويذكر أن أصل أهله يعنى جبل زرهون روم هـ لا يلتفت إليه وكأنه لذلك أشار بحكايته له بلفظ يذكر الحاكم بعدم ثبوته. وقول "الروض" كانت البلاد ديار كفر مجوس ونصارى إلخ، قلت: أما المجوس فهو في الأصل معرب منج كوش -بضم الكاف- ومعناه قصير الأذن عرف به رجل صغير الأذنين كان في قديم الزمان اخترع دين المجوسية ودعا إليه فتوبع عليه، ثم بعد زمن سيدنا إبراهيم ﵇ نشأ رجل آخر اسمه زرادشت الفارسى فجرد هذا الدين المجوسى وأظهره وزاد فيه، وعلى يده دخلت الفرس فيه لثلاثين سنة خلت من ملك ملكهم يستاسب، فتمجسوا حينئذ عن آخرهم بعد أن كانوا في الطور الأول على دين سيدنا نوح ﵇، ثم صاروا في الطور الثانى لدين الصابئة واستمروا عليه نحو ألف سنة، ثم بعد ذلك صاروا في طورهم الثالث للمجوسية بدعوة زرادشت الذى يعتقدون فيه أنه نبى مرسل، وبإعانة ملكهم يستاسب كما بينا، ومدار دين المجوسية على تعظيم النار وسائر الأنوار والقول بتركيب العالم من النور والظلمة واعتقاد القدماء الخمسة، وهى عندهم: البارئ تعالى، وإبليس لعنه الله. والهيلولى، والزمان، والمكان وغير ذلك من تفاصيل المجوسية كما بينه صاعد الأندلسى في طبقات الأمم، وقد تولى بسط. تفاصيل هذا وبيان فرق أهله الإمام الشهر ستانى في "الملل والنحل" وغيره، فمن تعلق له غرض بها فلينظرها هناك، ومن نحل أهل المجوسية تفضيل الفرس على العرب وعلى سائر الأمم كذا في "صبح الأعشى" للقلقشندى المولود سنة ست وخمسين وسبعمائة المتوفى يوم السبت عاشر جمادى الأخيرة سنة إحدى وعشرين وثمانمائة. قلت: وتفضيل المجوس للفرس على غيرهم هو تفضيل لأشراف أهل ملتهم على الغير اتباعا لحمية الجاهلية لا غير، ولعلهم بعد دخول الفرس في الإسلام لا

стр. 72

يقولون بتفضيلهم كفعل اليهود في تفضيلهم لعبد الله بن سلام قبل علمهم بإسلامه وتنقيصهم له بعده والقضية في الصحيح، وأما حديث لو كان الإيمان بالثريا لأدركه رجال من فارس يعنى الفرس كما يأتى عن زروق فهو خاص في خاص ثم هو بيان لفضلهم لا لتفضيلهم. والنصارى جمع نصران كالندامى جمع ندمان، ونصران صفة مشبهة كعطشان وسكران إلا أنه غير مستعمل، والمستعمل هو نصرانى بزيادة الياء التي للمبالغة، هذا إذا عبر به المفرد الواحد، وإذا أريد التعبير عن الأفراد المتعددة يقال نصارى، سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح ﵇، أو لأنهم كانوا معه في قرية اسمها نصران أو ناصرة فسموا باسمها، أو من اسمها وعلى هذا فالياء ياء نسبة لا زائدة للمبالغة، ثم هى نسبة للملة والدين المسيحى فكل آخذ به فهو نصرانى من أى فريق كان وفى أى بلد كان. وكذا النسبة في المجوسى فإنها دينية فكل آخذ بدين المجوس فهو مجوسى أيا كان، ولا كذلك الرومى والفرنجى وأشباههما، فإن النسبة في ذلك طينية وبلدية لا دينية. وقرية ناصرة هى بطبرية على ثلاثة عشر ميلا منها، وفى معجم ياقوت وكان فيها مولد عيسى ﵇، ومنها اشتق اسم النصارى، وكان أهلها عيروا مريم فيزعمون أنه لا يولد بها بكر إلى هذه الغاية، وأن لهم شجرة أُتْرُج (١) على هيئة النساء وللأترجة ثديان وما يشبه اليدين والرجلين وموضع الفرج مفتوح، وأن أمر هذه القرية في النساء والأترج مستفيض عندهم لا يدفعه دافع وأهل بيت المقدس يأبون ذلك ويزعمون أن المسيح إنما وُلد في بيت لحم، وإنما انتقلت به أمه إلى هذه

стр. 73

القرية، قال ياقوت: فأما نص الإنجيل فإن فيه أن عيسى ولد في بيت لحم، وخاف عليه يوسف من هاردوس ملك المجوس فأُرى في منامه أن احمله إلى مصر، فأقام بمصر إلى أن مات هاردوس فقدم به القدس، فأُرى في المنام أن انطلق به إلى الخليل، فأتاها فسكن مدينة تدعى ناصرة (١). كذا في تاج العروس. قلت: ما في نص الإنجيل من أن عيسى ﵇ ولد ببيت لحم به جاءت رواية شداد بن أوس رضى الله عنه في حديث الإسراء والحديث خرجه الطبرانى والبزار، وابن أبى حاتم وابن مردويه، والبيهقى وصححه خلافا لإنكار ابن تيمية له وإن كان تابعا في إنكاره لابن حبان وابن الجوزى في موضوعاته، وقد وافق على ذلك الذهبى في الميزان. لكن كلام هؤلاء إنما هو في إنكاره من رواية أبى هريرة ومع ذلك فقد قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" إن الموضوع في تلك الرواية شئ خاص وهو قوله ثم أتى بى إلى الصخرة فقال يا محمد، من هاهنا عرج بِكَ إلى السماء وأما باقى الحديث فقد أتى من طرق أخرى منها الصلاة في بيت لحم وردت في حديث شداد بن أوس والله أعلم ثم هذا الذى نقله في تاج العروس عن ياقوت عن الإنجيل هو في إنجيل متى إلا أن الذى نقله عنه الشيخ عبد الله الأسلمى أحد أحبار النصارى الذين أسلموا وحسن إسلامهم، وساقه بواسطته الزيانى في رحلته هو أن الخائف على عيسى هى أمه مريم، وأنها هى التي أمرها ملك في المنام بالخروج به لمصر قال وهذا الذى وقع في إنجيل متى لم يقع في بقية الأناجيل الأربعة. انظر تمامه فقد استدل بذلك مع غيره على أن متى ساق ذلك في إنجيله تبعا لبعض الكذابين لا غير.

стр. 74

فصل: قال في الروض قيل: ولم تكن مكناسة في القديم ممدنة وكانت حوائر (١) كثيرة متفرقة (٢) وهى تاورا وبنو عطوش، وبنو برنوس، وبنو شاوش، وبنو موسى، وهذه كلها على الضفة الغربية من وادى فلفل المذكور، إلا تاورا فإنها بضفتيه الغربية والشرقية، وغراساتها كلها منتظمة متصل بعضها ببعض لا فاصل بينها، قال: وفلفل يعرف الآن بأبى عمائر، وفيه يقول شيخ شيوخنا الأستاذ أبو عبد الله ابن جابر في نزهة الناظر: فلن ترى في سائر العمائر ... مثل محاسن أبى العمائر يمر النهر المذكور من قبلة إلى الجوف قريبا من سورها أصله والله أعلم من جبل فازاز. هـ من خطه ملفقا (٣). قلت: تاورا بفتح الواو والراء حسبما ضبط ذلك ابن غازى بخطه، ويعنى بكونها أى مكناسة ليست بممدنة أنها لم تكن مجتمعة الديار ولا عامة المنافع ولا منضمة الشمل بسور حافظ كما قدمه. وإلى وادى أبى العمائر المذكور ينسب باب أبى العمائر من أبواب هذه الميدنة، وإنما نسب إليه لقربه منه وعبور الداخل إليه والخارج منه من تلك الناحية عليه، والباب المذكور هو أحد أبواب المدينة وهو واقع في شمال غربى مستقبل حمرية من باب ضريح الشريف أبى الحسن على بن محمد بن على دعى بمنون أحد رجال العلوم والمعارف المرجوع إليه بالعاصمة قديما المتوفى سنة أربع وخمسين وثمانمائة. ومركز الباب المذكور الطبيعى هو في مقابلة باب دار البارود المعدة لتصفية ملحه، وهى إحدى آثار فخامة العاصمة قديما وهناك دار بارود أخرى كانت معدة

стр. 75

لصنعه وهى التي موقعها بالمحل بين الباب المحدث عنه وبين الباب الأخرى هناك للمدينة المسماة بباب المرس لوقوع المرس الإسماعيلى الهائل خارجها، وموقع هذا. الباب الثانى بالناحية الشرقية ومنه الآن يقع النزول لعيون أبى العمائر وكلتا الدارين من فخامة العاصمة، وقد صارت الدار الثانية التي ينزل من بابها للعيون المذكورة محلا الآن للأشغال العمومية الدولية كما أضيفت الأولى في العصر الحاضر للجنان العمومى المسمى موقعه في القديم بالحبول المعد فيما سلف مربضا لبقر الأهالى المتجرين في بيع اللبن الذى هو من أهم حاجيات تموين العاصمة. ومن ضروريات مستشفياتها اختار الأقدمون من أهاليها مكان الحبول المذكور لاستقرار بقرهم لما فيه من الجمع بين منفعة القرب والتحصين بسور العاصمة وبابها ودفع مضرة عفوناتها باتصاله بالباب وانفصاله عن غالب المنازل، وحيث جعلت الدولة الحامية المربض المذكور بستانا عموميا وتفرقت جموع بقره بسبب ذلك داخل العاصمة، صارت الانتقادات الطبية تتوجه إلى أرباب ذلك البقر كل حين لاتصال مضرة عفوناته بالأهالى، وقد كان استقرار البقر بالحبول حاجزا عن ذلك الاتصال. وقاضيا على مضاره بالبعد والانفصال. وباب أبى العمائر المذكور قد هدته الدولة الحامية عند حلولها بالعاصمة المكناسية ولم تبق له عينا ولا أثرًا، والقصد من ذلك إزالة الحاجز بين العاصمة القديمة والمدينة الجديدة الآتى ذكرها حتى لا تسد باب الأولى في وجه الثانية، ويتيسر سير العربات والسيارات بين المدينتين بدون أدنى حرج ولإمكان المواصلة بينهما في سائر الأوقات. ومن هذا الباب يخرج قاصد غابة الزيتون المعروفة بحمرية المحدث بها تخطيط المدينة الجديدة وبخارجه على يمين الذاهب لفاس أو للمدينة الجديدة عيون متدفقة بالزلال العذب الفرات، كانت الدولة الحامية حصنتها بالبناء وصانتها عما

стр. 76

كان معششا بها من القذرات، وحجرتها على خاصة الأهالى وعامتهم، وانتقتها لشربها ومن حصلت له رغبة من وجهاء الأهالى في الورود من موردها المعين طلب الترخيص من لدن الحكومة الأجنبية، فتنافس رؤساء الأهالى وأعيانهم في التحصيل على الترخيص في السقى منها، وذلك بعد أن لم تكن لديهم تلك العيون شيئا مذكورا في ماضى العصور بل كانت تعافها النفوس وتشمئز من الشرب منها القلوب، لأنها كانت محل غسل أوساخ الصوف والثياب الخلقة وأبوال الدواب والمواشى وأرواثها، ولكن النفوس ميالة ومجبولة على حب الجديد. ومحاكاة الطالع السعيد. وحريصة على الاتصال بما منه منعت، كما أنها حريصة على الانفصال عما إليه ألجئت. هذا والمحنكون وذوو المعرفة من قدماء الأهالى كانوا يحققون أن ماء تلك العيون هو وإن كان حسنا فهو أحط رتبة عما رشح له بالنسبة لغيره، ثم لما طال استيطان الفرنسيين بمكناسة أنتج البحث المدقق من عرفائهم أن أحسن ماء يوجد بالبلد خفة وصفاء وعذوبة هو ماء عين تاكما -بالكاف المعقودة- الكائنة شرقى المدينة على مسافة تنيف على أربعمائة متر تقريبا. فحينئذ صرفت حامية مكناسة وجهتها عن ماء عيون أبى العمائر، وأباحت ورده لمن يريده من وارد وصادر، فضعفت رغبة الأهالى في السقى من ذلك الماء بعد الحرص الشديد، ورجع لها بعض ما كان بها قبل من المستقذرات كغسل الأثواب الوسخة وأدخلت الدولة الحامية ماء عين تاكما للمدينة الجديدة وقصرته عليها واستغنت به عما سواه، ثم بعد كتبي هذا أدخل ماء عين تاجما للمدينة الأهلية أيضا لمكناسة واتخذت له سقايات عمومية بأزقتها وأبيح إدخاله للدور لمن تعلقت له به رغبة بالشراء من الإدارة البلدية، وقد كان ماء هذه العين في سالف الدهور مسوقا للمسجد الأعظم بالعاصمة في ساقية وسط حائط حذو الوادى في ناحية ضريح أبى زكرياء الصبان المعروف الآن بسيدى بوز كرى، إلى أن يجرى في

стр. 77

باب الحفاة وغيره من المسجد المذكور في الأخدود المعدلة إلى الآن هناك لتطهير أرجل الحفاة الداخلين للمسجد حفظا ونقاوة وإبعادًا لأسباب الدنس عن المسجد لما انبنى عليه الدين الحنيفى من النظافة في سائر وجهاته المقدسة المعضوض عليها بالنواجذ من رؤساء الملة الحنيفية قديما وخصوصا المؤسسين لمعابده، القائمين بتشييد محامده، ولكن لما كانت من سنة الله التي قد خلت في بلاده وعباده ولن تجد لسنة الله تبديلا إحالة الأحوال وصيرورة الكل إلى خبر كان، توفرت عوامل الإهمال، الموجبة للخراب والاضمحلال، حتى صار ذلك المجرى وما انبنى عليه نسيا منسيا، وأضيف ماء الساقية للوادى كما أضيف إليه ماء عيون أبى العمائر وغيرها مما هو بإزائه. والوادى المذكور يسمى في ماضى الزمان بفلفل وأبى العمائر، وفى حاضره بأسامى متعددة بحسب الأمكنة المار فيها، منها بوفكران، ومنها عين معروف، ومنها در دورة. وقد تحقق لدينا أن أصل منبعه من الكهف الكائن بقبة جبل بُوْزَ كُّو -بضم الباء وسكون الواو وبعدها وفتح الزاى وتشديد الكاف المعقودة مضمومة- الكائن هو أى الجبل بأقماشن من آيت بورزون فخذ من قبيلة بنى مطير، ويعرف الكهف المشار له بكهف الريح، سمى بذلك لشدة الرياح الصاعدة من جوفه، حتى إنه لا يكاد يمكن الإشراف على قعره ولا يكاد يمكن المشرف عليه أن يمسك نفسه معها عن السقوط في هوته كذا قيل. وبسفح هذا الجبل بالمحل المعروف بَمزَّعتِوالْ -بفتح الميم وتشديد الزاى المفتوحة وسكون العين المهملة وكسر التاء وفتح الواو المشبعة بعدها لام ساكنة- عيون، أصل معظمها وأكثرها ماء من الكهف المذكور بدون أدنى ريب يلحق في ذلك سكان ذلك المحل، قالوا: لأنه مهما سقط بذلك الخرق شيء خرج في بعض

стр. 78

تلك العيون، وذلك أقوى دليل وأصدق برهان على أن أصلها منه، وهذا المحل لا يعرف اليوم ببنى فازاز ولا الجبل المذكور بالنسبة إليهم، أما في غابر الأزمان وقد كان يطلق فازاز على تلك الجبال كلها حتى جبل آزرو الشهير المعروف، والمحل الذى يعرف اليوم بفازاز عند تلك القبائل البربرية بينه وبين الجبل الذى يخرج منه الماء المذكور مهامه فيحه تنيف على سبعين كيلو مترا. ومعنى مزعتوال بلسان البربر منفر البقر سمى بذلك لوجود ضريح به إذا مر البقر أمامه نفر وشرد على ما أخبرنى به غير واحد من الثقات سكان ذلك المحل، ومن أصول منبع بوفكران العظيمة عين معروف ويمتد خمسين كيلو مترا يبلغ منبعه في اليوم أربعين ألف متر مكعبا على ما حققه بعض الفرنسيين فصل: قال في "الروض" (١): إلا تاورا، فإنها بضفتيه الشرقية والغربية وغراسلتها كلها منتظمة متصل بعضها ببعض لا فاصل بينها، وتاورا أقرب الحوائر من المدينة من جهة باب البراذعيين ومن حوائرها أيضا بنو زياد وتقع غربا من الحوائر المذكورة وليست على الوادى المذكور، لكن لها جدول من نوع ساقية طويلة المسافة صعبة المجرى. قال: وببنى زياد أيضا عيون يسقون منها بعض أملاكهم، ويسقون بعضها بالساقية المخرجة من وادى فلفل المذكور، وبعضها بعل وكان العنب البعلى بها في غاية الطيب بموضع هنالك يقال له المتروئي إليه ينسب العنب المتروئي هنالك، قال الأستاذ أبو عبد الله بن جابر في "نزهة الناظر" بعد ما ذكر أصناف العنب التي بمكناسة: لكننى أقول دون سوء ... ما فاق الأعناب سوى المتروئي وهو عنب أبيض شديد الحلاوة ولا سيما الأنثى منه، ويذكر أنه من قوته لا يستحيل خمرا إلا عند اعتدال الزمان، ومن غلوهم فيه أنهم يقولون إنه يستصبح

стр. 79

بخمره، وهنالك قرية كان يقال لها قرية الأندلس كانت (١) من عمل بنى زياد سكنها على قديم الزمان قوم أندلسيون وتناسلوا بها وأقاموا دهرًا لم تتغير ألسنتهم ولا أشكالهم إلا من كان منهم كثير الامتزاج بأهل البلد (٢) فإنه تغير لسانه وكانت لهم بالقرية المذكورة كرمات بعل في أرض رملة حمراء كذا قيل، وهذه القرية والله تعالى أعلم هى المسماة في هذه الأعصر تلاجدوت، وبها جرى المثل السائر "دار الكرامة يا تلاجدوت" ومنها كان الشيخ أبو الحسن علي بن يوسف التلاجدوتى المدعو بسيدى علي بن يشو، وهو من شيوخ شيخنا الفقيه الحافظ سيدى أبى عبد الله محمد القورى، والخطيب البليغ المصقع سيدى أبى العباس أحمد بن سعيد الحباك الغفجميسى وكلامهم اليوم برطانة البربر المفرطة في العجمة من خطه. قلت: أما الساقية الصعبة المجرى فلم يبق لها أثر لهذا العهد، وأما قرية الأندلس المسماة تلاجدوت فلم يبق لها أيضا أثر ولا خبر، وكون مسمى تلاجدوت هو قرية الأندلس يخالفه ما في كتاب الاستبصار، بعجائب الأمصار، المؤلف سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فإن فيه أن من مدن مكناسة الأربعة تلاجدوت (٣) وتفسيره المحلة، قال: وهو محدث البناء، وهو مشرف على بطاح وبقاع مملوءة بياضا (٤) كثير الثمار، وأكثرها الزيتون فسميت به، وهذه المدينة عليها سور كبير وأبراج عظيمة، وهى مدينة حفيلة. هـ. وهذا الذى وصفها به لا ينطبق إلا على تاكرارت المدينة الآن، فعليه لها اسمان كل منهما فسر بالمحلة فالله أعلم. وأما الشيخ أبو الحسن التلاجدوتى والقورى والحباك فستأتى تراجمهم في محالها بحول الله فترقب.

стр. 80

فصل: قال في "الروض" وكانت حارة تاورا التي هى أقرب الحوائر إلى المدينة الآن يشقها وادى فلفل ديارها على ضفتيه شرقا وغربا، والغراسات بها وبسائر الحوائر متصلة بالديار، وبتاورا أرحاء كثيرة كان أكثرها يحتوي على أربعة أحجار، وكان من جملتها بيت واحد للزغابشة يحتوي على خمسة أحجار، وكان فيها حمامان اثنان، أحدهما منسوب للزغابشة والثانى للمختص يعرف بحمام أبى الخيار بإزائه عين كبيرة تنسب كذلك لأبي الخيار، ماؤها عذب معين صاف تُسقى به طائفة كبيرة من أملاك تاورا، ومن أملاك من تحتها، وكانت حارة تاورا تنقسم أقساما: قسم يقال له: بنو عيسى ديارهم بالضفة الغربية من الوادي يذكر أنهم أصل بني زغبوش، لكن لا تعلم صحة ذلك، غير أنهم كانوا يجدون في بعض العقود القديمة نسبتهم إلى عيسى بلفظ فلان بن فلان العيسوي، ويستدلون بذلك على أن بني زغبوش من بني عيسى، والله تعالى أعلم (١). وقسم بالضفة المذكورة قبله من بني عيسى يقال له بنو يونس ويسمى أيضا هذا القسم تاورا الفوقية، وبهذا القسم كان المسجد الجامع، وبين هذين القسمين موضع عال جدا يعرف بالجهنمية، وقسم بالضفة المذكورة يقال له: فاس الصغيرة، كأنها سميت بذلك لاختراق الماء خلالها كمدينة فاس، وبالضفة الشرقية من الوادي قسم يقال له الجنان الصغير، وقسم يسمى بني أبي نواس، وقسم يسمى حارة بنى زغبوش، وحارة الزغابشة، وثم كانت ديار بني محمد بن حماد وغيرهم، وكان ببني زياد حمام وببني مروان حمام يعمران، وكان ببني موسى حمام تعطل قبلهما والله تعالى أعلم. من خطه (٢). قلت: أما الحارة فكل محلة دنت منازلها كما في "القاموس" (٣) وهو معنى قول "المصباح" الحارة المحلة تتصل منازلها، والجمع حارات. وأما حوائر المعبر به في "الروض" فهو جمع لحائر وهو كما في شرح "القاموس" عن أبى حنيفة المكان الطمئن الوسط المرتفع الحروف، ومن ذلك سموا البستان (٤) بالحائر. هـ.

стр. 81

وهو منطبق تمام الانطباق على موقع تاورا الطبيعي، فإنها مطمئنة الوسط مرتفعة الجوانب من جهاتها الأربع كالحياض، يسبب لوسطها مسيل ماء الأمطار ضرورة كانت ذات بساتين متعددة تتصل كل دار ببستان كحالة دور سكان الأروى الإسماعيلي ونواحيه في عصرنا الحاضر. وحارة تاورا المذكورة وما عطف عليها هي الكائنة شرقا عن يمين الذاهب لزرهون الخارج من باب البراذعيين والحوائر الأخرى عن يساره غربا. وأما الخارج من باب تريمي الصغيرة أحد أبواب المدينة اليوم وقيدنا بالصغيرة احترازا عن تريمي الكبيرة القصبة الشهيرة الكثيرة السكان الكائنة داخل باب البراذعيين المحدث فيها اليوم الباب الذي أعد لدخول البقر عند إيابه من المسارح فتبقى الحوائر التاورية وما عطف عليها عن يساره. وجميع تلك الحوائر لا يعرف اليوم إلا بتاورا، إلا حارة بني موسى فإنها لازالت معروفة باسمها القديم والطريق المارة لزرهون فاصلة بين حوائر تاورا وحوائر بني موسى، وغراسات تلك الحوائر والبساتين الزيتون والتفاح وأنواع الإجاص (١) والسفرجل (٢) والرومان والخوخ وأنواع كثيرة من التين لا تكاد توجد في غيرها والمشمش والبرقوق والعنب والتوت الشهي، والليم (٣). وقد عفت تلك الحوائر ودرست الأطلال والرسوم، ولم يبق لهذا العهد بالمدينة لنسل سكان تلك الحوائر أثر غير بني حموش المعروفين في الزمن الحاضر بالحمامشة، فإنه لا زال البعض موجودا أعرف واحدا منهم يتعاطي خطة العدالة،

стр. 82

وغير زغبوش المدعوين اليوم بالزغابشة فإن بقية نسلهم موجود بالمدينة اليوم على قلة وما لغيرهما من باقي تلك الشعب والقبائل من بقية فالبقاء لله وحده وكل شيء هالك إلا وجهه، وسنأتي بعد إن شاء الله تعالى على بيان وقت تخريب هذه الحوائر ورجوع العمارة إليها ثم انقطاعها عنها بالكلية. ومن الحوائر والبساتين الشهيرة في هذه الأعصر بضفتي تاورا: البستان المعروف بعرصة النصراني ولم أدر ما وجه هذه الإضافة وابن شملاك وابن العلام والقادرية وخواش والنجار والحارة وبوخيار ولا زال جل ما ذكر يسقى من وادي أبي العمائر، وبعضها يسقى من عين أبي الخيار المارة الذكر، ولا زال ماؤها العذب المعين يتدفق، وهي إحدى المواضع التي أعدت لغسل الصوف والثياب بعد منع ذلك وإزالته من عيون أبي العمائر السالفة الذكر، كما يسقى أيضا بعض الحوائر المشار لها بماء عيني الغولة وعرصة النصراني وأيس بالكثير ماؤهما ولا يوجد بتاورا اليوم من العيون غير ما ذكر. ومن أشهر حوائر بني موسى في العصر الحاضر: جنان العريفة ومولاي زيان والظاهر، وبهذه البساتن عيون منهمرة بالعذب الزلال مبنية عليها الصهاريج المهمة تسقي منها غراساتها كما تسقي كغيرها من الساقية المرعوفة بقشمارة -بفتح القاف وسكون الشين المعجمة وفتح الميم المشبعة وتشديد الراء مفتوحة بعدها هاء وماء هذه الساقية يخرج من ماء أودية المدينة المضاف ويسقي أيضا بعض تلك الأجنة بماء عيون حربل -بفتح الحاء المهملة وسكون الراء- النابعة أسفل قصبة تولال خارج باب سيدي سعيد أحد أبواب المدينة كما سيمر بك بحول الله. تنبيه: قد سبق ابن غازي إلى وصف هذه الحوائر الإدريسي في "نزهة المشتاق" فقال: مكناسة مدائن عدة وهي في طريق سلا ومدينة مكناسة هي المسماة

стр. 83

تاقررت (١) وهي الآن باقية على حالها لم يدركها كبير تغيير، وهي مدينة حسنة مرتفعة على الأرض يجري في (٢) شرقيها نهر صغير له أرحاء وتتصل بها عمارات وجنات وزروع، وأرضها طيبة، ولها مكاسب وأموال طائلة، ومكناسة سميت باسم مكناس البربري لما نزلها مع بنيه عند حلولهم المغرب، وأقطع (٣) لكل ابن من بنيه بقعة يعمرها مع ولده، وكل هذه المواضع التي أحلهم بها تتقارب وتتجاور أمكنتها، وبلاد مكناسة منها التي تعرف ببني زياد وهي مدينة عامرة لها أسواق عامرة وحمامات وديار حسنة والمياه تخترق أزقتها، ولم يكن في أيام الملثم بعد تاقررت أعمر قطرا من بني زياد، وبينهما نحو من ربع ميل، ومنها إلى بني تاورا وتاقررت نحو ذلك وكانت مدينة تاورا (٤) متحضرة جامعة غامرة وأسواقها كثيرة والصناعات بها نافقة، والنعم والفواكه لا تقضى بها حاجة -أي لكثرتها ورخصتها- والماء يأتيها من جنوبها من نهر كبير فينقسم في أعلاها ويمر ما انقسم هناك من المياه فيخترق جميع أزقتها وشوارعها وأكثر دورها (٥). وبين تاورا وبني زياد مدينتان صغيرتان إحداهما القصر وهي مدينة صغيرة في الطريق من تاقررت إلى السوق القديمة على رميتي سهم، وهذه المدينة بناها أمير من أمراء الملثمين وجعل لها سورا حصينا وبني بها قصرا حصينا ولم تكن بها أسواق كثيرة، ولا طائل تجارات، وإنما كان ذلك الأمير يسكنها مع جلة بني عمه والمدينة الأخرى في شرقي هذه تعرف ببني عطوش، وهي ديار متصلة وعمارات في بساتين لهم هناك، ولهم أشجار وغلات وزيتون كثير وشجر تين وأعناب وفواكه جمة وكل ذلك بها رخيص (٦).

стр. 84

وأسفل هذه المنازل على مجرى الماء الذي يأتي من بني عطوش قبيلة بني برنوس من مكناسة، وهي في منازل وديار ومزارع وكروم وعمارات وزيتون كثير وفواكه تباع بالثمن اليسير، وفي شمال قصر أبي موسى سوق يقصد إليها في كل يوم خميس يجتمع إليه جميع قبائل بني مكناس وتسمى السوق القديمة، ومن قبائل بني مكناس المجاورة لهذه البلاد بنو سعيد وبنو موسى ويسكنها من غير قبائل مكناسة، بنو يسيل، ومغيلة، وبنو مصمود، وبنو على، وورياغل، ودمرو، وأَوْرَبَة (١)، وسبغاوة (٢). فقوله مدائن عدة قد سمى منها بعد تاقررت وبني زياد وتاورا والقصر أي المعنون عنه سابقا بالحصن وبني عطوش، وقد بين تقارب بعضها من بعض بأن بين واحدة والأخرى نحو ربع ميل، وبعد أن وصف بني زياد وتاورا بذلك بين أن مدينتي الحصن وبني عطوش واقعتان بينهما، فيكون تباعد هذين المدينتين فيما بينهما وفيما بين ما هما واقعتان بينه أقل من ذلك بكثير، وأنت تراه قد وصف العامر والغامر من هذه المدن ولم يعد منها مدينة وَلِيلَي، مع كونها لو كانت من مكناسة عنده لكانت أولى بالتوصيف من جميع ما ذكر لما تقدم من قدمها، وأنها مدينة أزلية، وأنها حاضرة البلاد، فدل ذلك على أنه لا يراها منها ولا أن موقعها من بلاد مكناسة. وقوله وهي في طريق سلا، يعني للقاصد لها من فاس وأحوازه، وقد صرح في كلامه الذي اختصرنا ذكره بأن بين فاس ومكناسة أربعين ميلا، وكل ذلك منه

стр. 85

تعيين لموقع مكناسة بالجهة والمسافة، حتى يعلم أن ما بعد عن طريق سلا وعن المسافة المذكورة ليس من مكناسة، وقد تضمن وصفه لبعد ما بين مدنها الإشارة لقدر مساحته أيضا حتى لا يقع في وهم أحد اشتباه شمول موقعها بموقع غيرها مما خرج عنها. وقوله: ومدينة مكناسة يعني أعظم مدنها عمارة وحضارة كما يؤخذ من قوله ولم يكن في أيام الملثم بعد تاقررت ... إلى آخره، أو مراده المدينة القائمة المرعوفة بذلك في وقته. وقوله: الآن، يشير به لتاريخ تأليفه لكتابه المنقول منه، وذلك أواسط القرن السادس من الهجرة كما بينه ابن خلدون في مقدمته وغيره. وقوله سميت باسم مكناس البربري لما نزلها مع بنيه (١) ... إلخ، صريح في أن جد القبيلة نفسه نزل بها، فيستفاد من ذلك وجه كونها تسمى تارة مكناس، وتارة مكناسة، وهو أن الأول ملحوظ فيه اسم أكبر الحالين بها، وهو جد القبيلة، والثاني ملحوظ فيه اسم القبيلة. وقوله ولم يكن في أيام الملثم (٢) ... إلخ، الذي ينصرف إليه هذا الوصف عند الإطلاق هو يوسف بن تاشفين فرد تلك الدولة الكامل أعظم أمراء المرابطين، وإنما قيل له الملثم لكونه كان يستعمل اللثام في وجهه على عادة قومه، وعلى ذلك جرى أمراء بنيه وقومه من بعده، وأيامه كانت في النصف الأخير من القرن الخامس كما علم من تاريخ وفاته الذى قدمناه، وحينئذ يكون هذا مقتضيا لكون تاقررت كانت موجودة زمن يوسف بن تاشفين، وذلك موافق لما قدمناه عن ياقوت الحموي من أن يوسف هو المختط لمكناس الحادثة أي تاقررت، ولكن قدمنا تصريح ابن غازي من أئمة مكناسة بأن تاقررت إنما اختطت بعد ظهور الموحدين، وذلك إنما كان بعد موت يوسف بسنين، وعليه فيحمل الملثم في عبارته على من اختطت تاقررت في أيامه من أمراء بنيه.

стр. 86

وقوله: أعمر قطرا من بني زياد، قد قدم أن بني زياد مدينة محصورة، وذلك يدل على أن مراده بقطرها موقعها ومساحتها لا غير. وقوله: في الطريق من تاقررت إلى السوق القديمة على رمتي سهم (١) ... إلخ، يعني أن مدينة القصر التي هي حصن عامل مكناسة واقعة في طريق السوق القديم، وبينهما وبين تاقررت القدر المذكور وهو رميتا سهم بالتثنية. وقد تحصل من كلامه هذا وما ذكره قبله أن موقع هذا الحصن يعتبر بين كل من تاورا وبني زياد ومن تاقررت والسوق القديم. وقوله وفي شمال قصر أبي موسى إلى قوله السوق القديمة كذا هو في نسختين اثنتين من نزهة المشتاق قصر بالصاد المهملة وأبي موسى بلفظ الكنية ولا أتحقق الآن المراد بهما، وقد تقدم البحث عن موقع السوق القديمة فارجع إليه. وقوله ومن قبائل بني مكناسة المجاورة لهذه البلاد (٢) إلى قوله وأَوْرَبَة (٣) ... إلخ صريح في أن هؤلاء خارجون عق موقع مكناسة وإن جاورها، وفي أن من جملتهم أوربة الذين هم أهل زرهون كما تقدم، والله أعلم وأحكم. فصل قال في الروض: وكانت هذه المواضع كلها في غاية من الخصب وكثرة المياه والأشجار، وكان أهلها آمنين مطمئنين في عيش رغد ونعمة تامة منذ ملك أمراء المسلمين بنو تاشفين بلاد المغرب وأخمد (٤) الله تعالى بسيوفهم نار الفتنة البربرية فانقطعت مطامع رءوس النفاق من بربر المغرب (٥). من خطه. قلت: قال بعضهم يشير والله أعلم إلى فتنة جور مغرواة في دولتهم عند انشغالهم بنهب أموال الرعية والفسق وتمزيق الأعراض وما لا يحل سماعه.

стр. 87

والبربر: اختلف فيهم اختلافا كثيرا فقيل إنهم من ولد فارق بن بيص بن حام، والبربر يزعمون أنهم من ولد إفريقش بن صيفى الحميري، وزناتة منهم تزعم أنهم من لخم، والأصح عند أهل التحقيق أنهم من ولد كنعان، وأنه لما قتل ملكهم جالوت الفلسطيني وتفرقت بنو كنعان قصدت منهم طائفة بلاد المغرب وسكنوا تلك البلاد وهم البربر. وقبائل البربر كثيرة جدا، منهم كتامة وبلادهم بالجبال من المغرب الأوسط وكتامة هم الذين أقاموا دولة الفاطميين مع أبي عبد الله الشيعي، ومنهم صنهاجة ومن صنهاجة ملوك إفريقية بنو بلكين بن زيري، ومن قبائل البربر زناتة وكان منهم ملوك فاس وتلمسان وسجلماسة ولهم الفروسية والشجاعة المشهورة، ومن البربر المصامدة وسكناهم في جبال درن، وهم الذين قاموا بنصر المهدي بن تومرت وبهم ملك عبد المؤمن وبنوه بلاد المغرب وانفرد من المصامدة قبيلة هنتاته -بنون فتاء ثم تاء بعد الألف فهاء السكت- وملك منهم إفريقية والمغرب الأوسط أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص، ثم خطب لولده أبي عبد الله محمد بن يحيى بالخلافة واستمر الحال على ذلك إلى سنة اثنتين وخمسين وستمائة، ومن قبائل البربر المشهورة برغواطة ومنازلهم في تامسنا على البحر المحيط، وقيل إن برغواطة منسوبون إلى برغاطي وهو صالح بن طريف اليهودي نسب إلى الموضع الذي نشأ به وهو برغاطة موضع بفحص شريش من بلاد الأندلس، فعربت العرب هذا الاسم، وقالوا برغواط، وقد كانت هذه الفرقة على غير الإسلام وفيهم من تنبأ كذبا وزورا وقد قطع الله دابرهم فلم تبق لهم من باقية. والبربر مثل العرب في سكنى الصحاري ولهم لسان غير العرب قال ابن سعيد: ولغاتهم ترجع إلى أصول متحدة وتختلف فروعها حتى لا تفهم إلا بترجمان كذا في تاريخ أبي الفداء مع زيادة من غيره.

стр. 88

ودرن بالتحريك جبل عظيم من جبال البربر بالمغرب فيه عدة قبائل وبلدان وقرى، وهو المعروف في كتب المسالك والجغرافيا بالأطلس، ويعرف في كل محل باسم فيعرف في بلاد المصامدة بالكلاوي وهو المطل على مراكش ويعرف بداخلية بلاد البربر بجبل العياشي. قال ابن سعيد: وهو جبل شاهق مشهور لا يزال عليه الثلج أوله عند البحر المحيط الغربي في المغرب وآخره في جهة الشرق على ثلاثة مراحل من إسكندرية من الديار المصرية ويسمى طرفه الشرق المذكور رأس أوتان فكون امتداده نحو خمسين درجة. قال ابن خلدون ويسكن هذا الجبل من البربر أمم لا يحصيهم إلا خالقهم ثم قال: إن جبل درن هذا من جهة غربيه مطل على بلاد المغرب الأقصى وهي في جوفه ففي الناحية الجنوبية منها بلاد مراكش وأغمات وتادلا، وعلى البحر المحيط منها بلاد آسفى ومدينة سلا، وفي الجوف عن بلاد مراكش بلاد فاس ومكناسة وتازا وقصر كتامة وهذه هي التي تسمى المغرب الأقصى في عرف أهلها، وعلى ساحل البحر المحيط بلدان أصيلا والعرائش، وقد سميت هذه البلاد شرقا بلاد المغرب الأوسط وقاعدتها تلمسان. وسيأتي عن ابن سعيد وغيره ما يخالف ما قاله ابن خلدون هنا في تفسير المغرب الأقصى، وفي القاموس وشرحه والبربر جيل من الناس لا تكاد قبائله تنحصر. قال أبو عبد الله الحميري المتوفى سنة تسعمائة في الروض المعطار في أخبار الأقطار: إنهم والحبشة من ولد حام وقيل إنهم من بقية نسل يوشع بن نون من العماليق الحميرية وهم رهط السمياع وأنه سمع لفظهم فقال ما أكثر بربرتكم وقيل غير ذلك الجمع البرابرة زادوا الهاء فيه إما للعجمة وإما للنسب وهو الصحيح.

стр. 89

قال الجوهري: وإن شئت حذفتها، وهم أي أكثر قبائلهم بالمغرب في الجبال من سرس وغيرها متفرقة في أطرافها وهم زناتة وهوارة، وصنهاجة، ونفزة، وكتامة، ولواته، ومديونه، وشباته، وكانوا كلهم بفلسطين مع جالوت فلما قتل تفرقوا كذا في الدرر الكامنة للحافظ ابن حجر. وقال البلاذري: حدثني بكر بن الهيثم، قال: سألت عبد الله بن صالح عن البربر فقال: هم يزعمون أنهم من ولد قيس بن عيلان وما جعل الله لقيس من ولد اسمه بر. وقال أبو المنذر: هم من ولد فاران بن عمليق بن يلمع بن عابر بن شليخ بن لوذ بن سام بن نوح، والأكثر الأشهر أنهم من بقية قوم جالوت وكانت منازلهم فلسطين، فلما قتل جالوت تفرقوا إلى المغرب، أو هم بطنان من حمير صنهاجة وكتامة صاروا إلى البربر أيام فتح والدهم إفريقش الملك بن قيس بن صيفي بن سبأ الأصغر، كانوا معه لما قدم المغرب وبني إفريقية، فلما رجع إلى بلاده تخلفوا عنه عمالا له على تلك البلاد فتقووا إلى الآن وتناسلوا، انتهى. وما أنكره عبد الله بن صالح في نسب البربر هو الذي اقتصر عليه ابن أبي زرع في أنيسة في خصوص زناتة ومنهم بنو مرين، وبين في رفع نسبهم لقيس أن جالوت من حملة أجدادهم، وعلى مثل ذلك اقتصر أيضا ابن الخطيب في الحلل الموشية لكن قال ابن خلدون: إدخال جالوت في نسب البربر خطأ والحق أن جالوت من بني فلسطين أحد شعوب حام وهم إخوة القبط والبربر والحبشة والنوبة كما ذكرنا في نسب أبناء حام، وقد دثرت أمة فلسطين وكنعان وشعوبهما لهذا العهد ولم يبق إلا البربر، واختص اسم فلسطين بالوطن الذي كان لهم. والتحقيق الذي لا ينبغي التعويل على غيره أن البربر من ولد كنعان انظر أوائل الجزء السابع من تاريخه فقط بسط فيه رد ما يخالف ذلك معتمدا على ما

стр. 90

حرره إماما الفن حافظا الأندلس أبو محمد ابن حزم وأبو عمر ابن عبد البر قائلا فهم ولد كنعان بن حام بن نوح واسم أبيهم مازيغ، انتهى. وقد جزم الحافظ ابن حجر في الفتح بأن بني مرين من البربر. ومما يستملح إيراده هنا في مناسبة ذكر هذا الاسم أعنى اسم أبيهم ما ساقه في الاستقصا من كتاب الجمان إذ قال: لما كانت خلافة عمر بن الخطاب ﵁ واستفتحت مدينة مصر وكان عليها عمرو بن العاص، قدم عليه ستة نفر من البربر محلقين الرءوس واللحي، فقال لهم عمرو ما أنتم وما الذي جاء بكم؟ قالوا: رغبنا في الإسلام فجئنا له لأن جدودنا قد أوصونا بذلك، فوجههم عمرو إلى عمر ﵄ وكتب إليه بخبرهم، فلما قدموا عليه وهم لا يعرفون لسان العرب كلمهم الترجمان على لسان عمر، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن بنو مازيغ، فقال عمر لجلسائه: هل سمعتم قط بهؤلاء؟ فقال شيخ من قريش: يا أمير المؤمنين هؤلاء البربر من ذرية بر بن قيس بن عيلان، خرج مغاضبا لأبيه وإخواته فقالوا بربر أي أخذ البرية، فقال لهم عمر ﵁: ما علامتكم في بلادكم؟ قالوا نكرم الخيل ونهِين النساء، فقال لهم عمر: ألكم مدائن؟ قالوا: لا، قال: ألكم أعلام تهتدون بها؟ قالوا: لا، قال عمر: والله لقد كنت مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته فنظرت إلى قلة الجيش وبكيت فقال لي رسول الله ﷺ : يا عمر لا تحزن فإن الله سيعز هذا الدين بقوم من المغرب ليس لهم مدائن ولا حصون ولا أسواق ولا علامات يهتدون بها في الطرق، ثم قال عمر: فالحمد لله الذي منّ عليّ برؤيتهم ثم أكرمهم ووصلهم وقدمهم على من سواهم من الجيوش القادمة عليه، وكتب إلى عمرو بن العاص أن يحملهم على مقدمة المسلمين وكانوا من أفخاذ شتى (١)، انتهى. قلت: وهذه الحكاية غريبة جدا فهي في عهدة صاحب الجمان، في أخبار الزمان، وهو العلامة المؤرخ الأجل المشهور بالشُّطَيْبِى.

стр. 91

وقد استفيد مما تقدم أن أكثر سكان المغرب من قبائل البربر، وعليه فلا ريب أنهم ممن ينسحب عليه ذيل القوم الذين وجدهم ذو القرنين عند مغرب الشمس الذين ذكرهم الله ﵎ في محكم ذكره لكل ما يعاملون به من الخير وضده كما قال جلت قدرته: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾ [سورة الكهف آية ٨٦، ٨٥]. قال الشيخ زروق في القواعد: لكل بلاد ما يغلب عليها من الحق والباطل، فإذا أردت أن تعرف صالح بلد أي أن تقف على الحقيقة فيما ينسب إليه من الخير والدين فانظر لباطل أهلها، أي الذي غلب على أهلها من الأوصاف المذمومة شرعا هل هو بريء منه أو لا؟ فإن كان بريئا منه فهو ذاك، أى فهو صالح كما يقال عنه، وإلا بأن كان غير سالم من تلك الأوصاف الرذيلة القبيحة في عين الشرع فلا عبرة به، أي لأن مشاركته لهم في باطلهم هي عنوان مساواته لهم في ضلالهم، فلم يتميز حينئذ عنهم بصلاح حال ولا بزكي من الأفعال، فمن أين يكون صالحا فيهم، وبحسب هذا فاعتبر في أهل المغرب الأقصى من الأوصاف المحمودة شرعا السخاء وحسن الخلق، أي لأن الباطل الغالب على أهله هو الشح وسوء الخلق، فإن وجدته أي فيمن ينسب لصلاح منهم فاعلم أنه كما يقولون، وإلا فدع أي لكونه من جملة أهل ذلك الباطل الذين تطلب أنت ضدهم، وفي أهل الأندلس كذلك، وفي أهل المشرق الغيرة لله وسلامة الصدر، لأن الباطل الذي غلب عليهم هو الأضغان والأحقاد وعدم الغيرة الدينية إلى غير ذلك، وقد أشار رسول الله ﷺ لهذا الأصل أي ما غلب على أهل البلاد من خير أو شر فذكر أوصاف البلاد. وعوارضها كقوله في المشرق: الفتنة ها هنا. وكذا نجد، وفي الفرس: لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من فارس، وفي أهل اليمن: إنهم ذوو أفئدة. وفي أهل المدينة: إنهم خير الناس مع ما وصفهم الله به من قوله: يحبون من هاجر إليهم.

стр. 92

وقال ﵊: السكينة والوقار في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الخيل، والغلظة والجفاء في الفدادين، تبع أذناب الإبل والبقر. وقال عمر ﵁ في إفريقية: بلاد مكر وخديعة. وقال مولانا جلت قدرته لذي القرنين في أهل المغرب الأقصى ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ فدل على استحقاقهم لكل ما يعاملون به من خير أو شر وأنهم لذلك أهل والله أعلم، انتهى. من القواعد بزيادة شرح وإيضاح. ولا ريب أن البربر من أهل الغنم والخيل، وأنهم من تباع أذناب الإبل والبقر كما هو مشاهد، وعليه فقد توفرت فيهم دواعي الخير والشر كما علم مما تقدم. ثم إن أشار إليه الشيخ زورق من حمل الآية على التخبير عليه اقتصر أكثر المفسرين. ومنهم من حمل (إِمَّا) فيها على التنويع والتقسيم، ثم الذاهبون إلى الأول اختلفوا في تصويره -وفي طريق تحريره- ففي أبي السعود إما أن تعذب بالقتل من أول الأمر وإما أن تتخذ فيهم حسنا بالدعوة إلى الإسلام والإرشاد إلى الشرائع. ثم قال وخير بين القتل والأسر والجواب من باب أسلوب الحكيم، لأن الظاهر التخبير بينهما وهم كفار، ثم قال: ويجوز بأن تكون (إما)، (وإما) للتنويع دون التخيير أي وليكن شأنك إما التعذيب وإما الإحسان فالأول لمن بقي على حاله والثاني لمن تاب، انتهى. وفي الخازن إما أن تعذب بقتل من لم يدخل في الإسلام، وإما أن تتخذ فيهم حسنا، يعني تعفو وتصفح، وقيل: تأسرهم فتعلمهم الهدى خيره الله بين الأمرين، انتهى. وفي النسفي خير بين أن يعذبهم بالقتل إن أصروا على أمرهم، وإما أن تتخذ فيهم حسنا بإكرامهم وتعليم الشرائع إن آمنوا والتعذيب القتل، واتخاذ الحسنى الأسر، انتهى.

стр. 93

وفي النيسابوري: خيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسنا وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد، انتهى. وفي روح البيان أنت مخير في أمرهم بالدعوة إلى الإسلام، إما تعذيبك بالقتل أن أبوا وإما إحسانك بالعفو والأسر، وسماهما إحسانا في مقابلة القتل ويجوز أن يكون إما وإما للتنويع إلى آخر ما سبق عن أبي السعود، انتهى. وفي البيضاوي فخبره الله بين أن يعذبهم أو يدعوهم إلى الإيمان كما حكى بقوله قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب -أي بالقتل على كفرهم، وإما أن تتخذ فيهم حسنا- بالإرشاد وتعليم الشرائع. وقيل خيره الله بين القتل والأسر وسماه إحسانا في مقابلة القتل ويؤيد الأول قوله: (أما من ظلم) إلى (نكرا) أي فاختار الدعوة وقال أما من دعوته فظلم نفسه بالأسرار. ثم قال: ويجوز أن تكون (إما)، (وإما) للتقسيم دون التخيير، انتهى. وفى البحر، وقوله: إما أن تعذب بالقتل على الكفر، وإما أن تتخذ فيهم حسنا بالحمل على الإيمان والهدى إما أن يكفروا فتعذب وإما أن يؤمنوا فتحسن فعبر في التخيير بالمسبب عن السبب. قال الطبري: إيجاد الحسنى هو أسرهم مع كفرهم، يعني أنه خيره مع كفرهم بين قتلهم وبين أسرهم وتفصيل ذي القرنين أما من ظلم ... إلخ يدفع هذا القول، انتهى. وفي ابن جرير يقول: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإقرار بتوحيد الله ويذعنوا لذلك بما تدعوهم إليه من طاعة ربهم، وإما أن تتخذ فيهم حسنا، يقول: وإما أن تأسرهم فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد، انتهى. وفي الفخر: خير الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب لهم إن أقاموا على كفرهم، وبين المن والعفو عنهم، وهذا التخيير على معني الاجتهاد في أصلح الأمرين، كما خير ﵇ بين المن على المشركين وبين قتلهم.

стр. 94

وقال الأكثرون هذا التعذيب هو القتل وأما اتخاذ الحسنى فيهم فهو تركهم أحياء. قلت: والتخيير في الآية في أهل المغرب الأقصى على أحد القولين بين التعذيب والإحسان اللذين شرحتهما التفاسير سابقا هو بالنظر لحالهم الكفري وقتئذ أما من صار منهم بعد مسلما فليس إلا الإحسان في حقه باحترام نفسه وماله كما قال ﵊ في حديث الصحيح، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها الحديث. وأما ما يتبادر من قول زورق سابقا، فدل على استحقاقهم لكل ما يعاملون به من خير أو شر وإنهم لكذلك، انتهى. من كونهم يستحقون ذلك حتى في زمنه الذي هم فيه على الإسلام فيتعين أن يكون محله ما يستحقونه بالذنوب التي يرتكبونها وقتئذ وإلا فالإسلام عاصم للدم والمال قطعا كما رأيت نص صاحب الشرع عليه فلا تغتر بالظواهر المقطوع بتعطيلها وعدم الوقوف معها، على أن الآية إنما هي خبر عما قيل لذي القرنين في قوم معينين فلا مساس لها بما فهمه الشيخ زورق. وقد أشار في "صبح الأعشى" تبعا لابن سعيد إلى ما أومأ إليه الشيخ زروق من كون أهل المغرب الأقصى بعد كون الإسلام وصفهم فيهم أوصاف خيرية تقتضي الإحسان وأوصاف شرية تقتضي عدمه بقوله: قد تقدم أن معظم هذه المملكة في الإقليم الثالث أي في بعضه، قال ابن سعيد: الأقليم الثالث هو صاحب سفك الماء والحسد والقتل والغل وما يتبع ذلك قال وللمغرب الأقصى من ذلك الحظ الأوفر سيما في جهة السوس وجبال درن، فإن قتل الإنسان عندهم على كلمة وهم بالقتل يفاخرون، ثم قال: إن الغالب على أهل المغرب الأقصى كثرة التنافس المفرط والحماقة وقلة التغاضي والتهور والمفاتنة، أما البخل فإنما هو

стр. 95

في أراذلهم بخلاف الأغنياء، فإن في كثير منهم السماحة المفرطة والمفاخرة بإطعام الطعام والاعتناء، بالفاضل والمفضول (١). قلت: وما وسم به أهل جبال درن هو الشائع عنهم لحد الآن، وخصوصًا عن جبابرة رؤسائهم، وأما التهور والمفاتنة فقد كان ذلك ديدنا شائعًا في نواحي المغرب الأقصى وخصوصًا عند أهالي البدو من بربره إلى أن أخمدت جل ذلك جيوش الحماية، وهذه السمات وأمثالها هي التي تأهلوا بها بعد الإسلام للدخول تحت قوله تعالى: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾، ولكنهم قد اتصفوا مع ذلك بسمات حسنة التي منها السماحة المتقدمة في كلام ابن سعيد وإن خالفه ما تقدم عن زروق، ويمكن الجمع بينهما بحمل كلام كل واحد منهما على جهة من المغرب الأقصى مخصوصة، وإن أطلق كل واحد منهما في العبارة، ولكن الجمع يتعين عند الإمكان ومنها غير ذلك من الفضائل والفواضل التي امتاز بها المغرب على غيره وحفظها التاريخ، وبمثل ذلك تأهلوا بعد إسلامهم أيضًا للدخول تحت قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾، فإن قلت مقتضي التخيير استواء الطرفين مع أن المسلم إذا أتى أحد الأمور الداخلة تحت قول الحديث السابق إلا بحقها من كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل معصوم، فقد ارتهن في موجب حد، وقد تقرر أن الحدود لا يسوغ شرعًا التساهل فيها، فأين التخيير حينئذ؟ قلت: التخيير الحقيقي الموافق لظاهر الآية هو فيما عدا ما يوجب حدًا من حقوق الإسلام، وأما التخيير فيما يوجب حدًا فهو بالنظر إلى قتل النفس حقيقي أيضًا، لأن الولي له العفو فهو مخير، وأما حد الكفر، فإنما يتعين إن لم يتب، وأما إن تاب وراجع الإسلام فلا، وهذا أيضًا تخيير بالنظر إلى مرتكب ذلك بين الرجوع عما صدر منه فيخلي سبيله وبين الاستمرار عليه فيقام عليه الحد فهو تخيير في الجملة.

стр. 96

وكذا الزاني بعد إحصان، فإنه إن ثبت عليه ذلك بإقرار، له الرجوع عنه، فهو في التخيير على وتيرة الذي قبله يليه، وإن لم يكن تخييرًا بالنسبة للحاكم الذي هو مقتضى الآية، ثم إنك إذا أعطيت النظر فيما سبق حقه تجد سائر الأقطار الإسلامية أهلها بهذا الصدد فيهم الخير والشر والفاضل والمفضول، وإنما تمايزت الأقطار والجهات بكون الخير أو الشر الذي في جهة غير ما يكثر منها في جهة أخرى، وهذا هو الذي سبق مشروحًا في كلام زروق. وبهذا البيان يلوح لك أن آية تخيير ذي القرنين في أهل المغرب حالة كفرهم هي من أعظم مناقب المغرب وأهله، بحيث كانوا بوصف قاض عليهم بالتعذيب لا غير، ومع ذلك نصت الآية على أن العدول عنه لاتخاذ الحسنى فيهم هو أمر لا تأباه قوالبهم، ولا تقصر عن استحقاقه عواملهم، فالشر الحالي وقتئذ وبعدئذ فيهم عارض، والخير هو العرق الأصلي النابض، وكذلك كان ويكون فإنهم لا يدلون دلالة ثقة عارف ماهر على خير إلا وقصدوه، ولا يحملون حمل مجد راسخ على صلاح حال إلا وتشبثوا به وألفوه. ولهذا جاء في بعض روايات حديث الطائفة التي لا تزال ظاهرة على الحق أنها بالمغرب، وعضدت ذلك رواية لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة، واللفظ محمول على حقيقته حتى تدل قرينة على أن المراد خلافه أو يؤدي ظاهره إلى محال، فعند ذلك يتعين صرفه عن الظاهر، على أن الحديث شامل لأهل المغرب حتى على صرفه عن ظاهره في بعض تأويلاته. هذا ولكون ياقوت الحموي شرقيًا ضدا للمغرب وأهله أساء في معجمه حيث تكلم على البربر الذين هم معظم سكانه فأورد آثارا في ذمهم لا توجد في الأصول المعول عليها، ولا تكاد تصح عند ذوي الأنظار السليمة لمضادتها للأصول المقطوع بها، ولم يكترث بما ورد في إثم من كذب على النبي ﷺ وكثر سواد ذلك

стр. 97

بكلمات أضافها لابن حوقل التاجر تنبيء عن سفه القائل والناقل، من حيث إن لكل ساقطة لاقطة ونطق الأراذل العوراء من يعن بالمجد لم ينطق بما سفه ... ولم يحد عن سبيل المجد والكرم والعيان مكذب لتلك التقولات، ومنزه للملموزين بها عن سفسافها، والنادر إن وجد لا حكم له، إذ لا يحسب الخلق السيئ على الأمة إلا إذا كان فاشيًا عند أفرادها مألوفًا عند جميعهم، يفعله فاعله منهم من غير أن يحاذر نكيرا أو يخشى لومة لائم، لا يخالفه أحد منهم إلا مستترا، ويخاف المذمة إن ظهر بالمخالفة أمام الجمهور. فإن كان الخلق السيئ يتصف به فرد أو جماعة يستترون به أو يعلنونه مع اشمئزاز الجمهور منهم، كانت المذمة قاصرة على الفاعلين لا تعدوهم إلى الأمة بأسرها، وحينئذ يكون من الخطأ الفاحش ما ألصقه ياقوت بجنب الأمم البربرية ونبهنا على ذلك هنا لئلا يغتر به الجهول ومن في قلبه مرض ويقع في مهواة مرتعه الوخيم، وقديما حذر الناصحون من الاغترار بكل ما في بطون التواريخ حسبما مر بك فيما أسلفناه من التنبيه على ذلك في المقدمة فلا تغفل. وقد وقع لصاعد الأندلسي وهو من أهل القرن الخامس في كتاب "طبقات الأمم" (١) أن البربر خصهم الله بالجهل والطغيان ومراده جهل العلم الفلسفي الذي هو موضوع مدحه وأن البربر لم يستنبطوا شيئًا منه بعقولهم قديمًا ولا عرفوا بالمهارة فيه. وأقول: العلم الفلسفي لم ينفرد البربر بالخلو عنه بل قد شاركهم في الخلو عنه قديمًا أمم كثيرة، منهم العرب الذين هم أشرف الأمم حسبما تظاهرت على

стр. 98

ذلك الأدلة، وخلو العرب من العلم الفلسفي هو بشهادة صاعد نفسه، إذ قال (١): فهذا ما كان العرب من المعرفة، وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله شيئًا منه، ولا هيأ طباعهم للعناية به ... إلخ. وحينئذ فالفلسفة إن كانت شرفًا فالمصيبة إذا عمت هانت وإن لم تكن كذلك وهو دليل خلو شرف الأمم عنها فقد طهرهم الله منها، ولذلك لما فتح الصحابة - رضوان الله عليهم - بلاد فارس زمن ثاني الخلفاء الراشدين الفاروق رضى الله عنه ووجدوا الكثير من كتب الفلسفة بها، وكتب إليه أمير الجيش سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه يستشيره فيما يفعل بها؟ أجابه بقوله: اطرحوها في ماء يمحوها فإن يكن فيها خير فقد أغنانا الله بأهدى منه، وإن يكن شرًا كفانا الله إياه، انتهى. فامتثلوا ما أشار به من إعدامها بغرق أو حرق نقله ابن خلدون وغيره. وأما تفرقة صاعد بين العرب والبربر بأن العرب كانت عارفة بفنون لغتها فهي مردودة بأن كل أمة ذات لغة كذلك، وشفوف لغة العرب تابع لشفوف أهلها وتأكد بورود الكتاب والسنة موافقين لها، فإِذَنْ إنما فزع صاعد لإظهار تلك التفرقة بين العرب وغيرها من الأمم الخالية عن الفلسفة قديمًا ليدفع الشناعة اللازمة بأن ما ذم به البربر واقع في العرب أيضًا، فكأنه يقول العرب وإن خلت عن ذلك فلها علم في الجملة وليس ذلك بدافع لها عنه، لأنه إنما يمدح بما شرف بنفسه عنده وهو الفلسفة لا بما شرف بغيره، ولأن البربر لما علموا من الشرع شفوف فنون لغة العرب سارع علماؤهم إليها حتى حصلوا على ما أدركته العرب منها، وقبل الشرع لم يتقرر شفوف لغة على أخرى، وكل الأمم كانت على علم من فنون لغتها، فلا وجه حينئذ لتلك التفرقة على أنه وإن تستر بتلك التفرقة أَوَّلاً فقد وقع في الشناعة التي فر منها ثانيًا بقوله فلم يمنحهم الله ... إلخ، فصار ذا ما بذلك للفريقين وكفاه بذلك قبحًا.

стр. 99

وأيضًا شرف الفلسفة إنما هو في الدنيا لا غير، وقد ذم الله تعالى علما هذه صفته بقوله: يعلمون ظاهرا عن الحياة الدنيا وهم عن الآخرة ... إلخ. وكل شرف لا نتيجة له في المآل. فهو في الحقيقة وبال. على أن ابن خلدون قد عقد في الفصل السادس من مقدمته ترجمتين اثنتين بين فيهما بطلان علمي الفلسفة والتنجيم كما أومأ إلى المفاسد التي دخلت على أهل الدين من الفلسفة، وحينئذ فالشفوف الحقيقي، إنما هو لمن شرفه علمه في الحال والمآل، ولعلماء البربر من ذلك الحظ الوافر والحمد لله. وناهيك مهم في القرن الثالث وأوائل الرابع بأبي جعفر أحمد بن نصر بن زياد البربري أحد العلماء الراسخين، ومن بهم في حفظ المذهب المالكي يضرب المثل، وبابن القوطية من أئمة العربية وهو من أهل القرن الرابع، وبأبي الحسن الجزيري من أئمة علم الوثائق وهو من أهل القرن السادس، وبشهاب الدين القرافي من أئمة المعقول والمنقول وهو من أهل القرن السابع، وبأبي محمد عبد الله بن أبي بكر الصَّودي بفتح الصاد من أئمة الحساب والفرائض وهو أيضًا من أهل القرن السابع، وبأبي محمد صالح الفاسي، وأبي محمد التادلي وهما من أئمة الفقه المضروب بهما المثل في حفظه وإتقانه علما وعملا، وهما أيضًا من أهل القرن السابع، ومثلهما في ذلك وفي الفرائض الحافظ السطي الأوربي نسبة إلى أوْربة -بفتح الهمزة والراء المهملة والباء الموحدة- بطن من البرانس كذا في سبائك الذهب، وهو من أهل القرن الثامن، وبابني الإمام أبي زيد وأبي موسى التلمسانيين من أئمة المعقول والمنقول، وهما من أهل النصف الأول من القرن الثامن، وبالإمامين العارفين سيدي إبراهيم التازي، وسيدي إبراهيم المصمودي وهما ممن حار طرفا من القرن التاسع الى غير هؤلاء ممن حفظ التاريخ شرفهم العلمي. وقد حقق كونهم من البربر أهل الخبرة بالأنساب، العارفون بالقواعد في هذا

стр. 100

الباب، وأما من تأخر منهم واشتهرت معارفه في الآفاق كأبي على اليوسي، وأبي سالم العياشي فهم كثيرون والحمد لله وقد عقد البكري في المسالك والممالك، ترجمة أتى فيها بنبذة من تدقيق البربر في السياسة وحسن التلطف في استخراج الحقوق ممن غمصها والوصول إلى تحصيل المصالح بعد درء المفاسد. وبذلك كله يتبين لك أن القول الفصل في هذا البساط هو ما نبه عليه صاحب "الاستقصا" إذ قال: البربر من أعظم الأجيال وأعزها ولهم الفخر الذي لا يجهل، والذكر الذي لا يمهل. وقد تعددت فيهم الملوك العظام. وكان لهم القدم الراسخ في الإسلام. واليد البيضاء في إعلاء كلمة الله، ومنهم أئمة وعلماء وأولياء وشعراء وأهل المزايا والفضائل (١)، انتهى. وبعد أن كتبت ما تقدم وجدت الباقعة أبا زيد ابن خلدون سبق إلى تحرير ذلك فقال: قد ذكرنا من أمر البربر وأخباره ما يشهد بأنه عزيز على الأيام، وأنهم قوم مرهوب جانبهم، كثير جمعهم، مظاهرون لأمم العالم وأجياله من العرب والفرس واليونان والروم، وأما تخلقهم بالفضائل الإنسانية وتنافسهم في الخلل الحميدة وما جبلوا عليه من الخلق الكريم ومرقاة الشرف والرفعة بين الأمم، ومراعاة المدح والثناء من الخلق من عز الجوار، وحماية النزيل، ورعي الوسائل، والوفاء بالقول والعهد، والصبر على المكاره، والثبات في الشدائد، وحسن الملكة والإغضاء عن العيوب، والتجافي عن الانتقام، ورحمة المسكين، وبر الكبير، وتوقير أهل العلم، وحمل الكل وكسب المعدوم، وقرى الضيف، والإعانة على النوائب، وعلو الهمة، وإباية الضيم ومشاقة الدول، ومقارعة الخطوب، وغلبة الملك، بيع النفوس من الله في نصر دينه فلهم في ذلك آثار نقلها الخلف عن السلف، وحسبك ما اكتسبوه من حميدها واتصفوا به من شريفها، أَنْ قَادَتْهُم إلى

стр. 101

مراقي العز وأريت (١) بهم على ثنايا الملك، حتى علت على الأيدي أيديهم ومضت في الخلق بالقبض والبسط أحكامهم، وأما إقامتهم لرسوم الشريعة، وأخذهم بأحكام الملة ونصرهم لدين الله، فقد نقل عنهم منه ما كان ملاكا لعزهم ومقادا إلى سلطانهم، وقد كان للمبرزين من ملوكهم كيوسف بن تاشفين، وعبد المؤمن ويعقوب المريني من الاهتمام بالعلم والجهاد وتشييد المدارس، واختطاط الزوايا وسد الثغور وبذل النفوس في ذات الله، وإنفاق الأموال في سبيل الخير، ومجالسة أهل العلم، وترفيع مكانهم، والوقوف عند حد إشاراتهم، والتعرض لشكوى المتظلمين، وإنصاف الرعايا من العامل والضرب على يد أهل الجور ما شهد لهم بها آثارها الباقية بعدهم، وأما وقوع الخوارق فيهم، وظهور الكاملين في النوع الإنساني من أشخاصهم، فقد كان فيهم من الأولياء المحدثين أهل النفوس القدسية، والعلوم الوهبية، ومن حملة العلم عن التابعين ومن بعدهم من الأئمة كسعيد بن واسول جد بني مدرار ملوك سجلماسة، أدرك التابعين وأخذ عن عكرمة، وكأبي زيد مخلد ابن كيداد (٢) اليفرني الخارج على الشيعة سنة ثنتين وثلاثمائة، وكمنذر بن سعيد قاضي الجماعة بقرطبة المتوفي عام ثلاثة وثمانين وثلاثمائة، وكأبي محمد بن أبي زيد أحد أعلام المغرب، وككبير علماء أنساب البربر سابق بن سليمان وغيرهم من علماء الفنون (٣) هذا ملخص الغرض من كلام ابن خلدون وناهيك به في هذا الباب. تنبيه: ما سبق عن زروق عن سيدنا عمر في إفريقية لا يعارضه ما أورده غير واحد كالبكري في "المسالك والممالك" وابن الدباغ في "معالم الإيمان" من الأحاديث في فضل إفريقية، لأن تلك الأحاديث لم تصح.

стр. 102

بل قال ابن ناجي في ذيل "معالم الإيمان" بعد ايرادها سمعت شيخنا أبا القاسم البْرزُلي يقول عن شيخه وشيخنا أبي عبد الله ابن عرفة يغلب على الظن أنها موضوعة. فصل: وحيث أتينا بشرح ما يتعلق بمن بهم سميت بلدتنا هذه مكناسة فلنرجع لتتميم ذلك بذكر من انضاف إليهم في حلولها وقت تخطيطها فنقول: قال في "الروض": وورْزِيِغَة يذكر أن أصل أهلها روم (١)، انتهى. قلت: ورزيغة -بفتح الواو وسكون الراء وكسر الزاي وسكون الياء وفتح الغين المعجمة بعدها هاء تأنيث. والروم بالضم ويقال لهم بنو الأصفر جيل معروف يجمع فرقًا شَتَّى، واختلفوا في نسبتهم، فقيل: هم من ولد الروم بن عيصو بن إسحاق ﵇ سموا باسم جدهم، وقيل: سموا روما، لأنهم كانوا سبعة رَامُوا فتح دمشق ففتحوها وقتلوا أهلها، وكان سكانها سَكَرة -بفتحات- للعازر بن نمروذ بن كبوش بن حام بن نوح ﵇ والسكرة الفعلة ثم جعلوا يتقدمون حتى انتهوا إلى أَنْطَاكِيَة، ثم جاءت بنو العيص فأجلوهم عما افتتحوا وسكنوه حتى انتهوا إلى القسطَنطينية فسكنوها فسموا الروم بما رَامُوا من فتح هذه الكور، وقيل في وجه تسميتهم غير هذا. وقد حكى المسعودي في "مروجه" أقاويل ترجع كلها إلى أنهم من ذرية عيصو، لكن قال ابن خلدون قد أنكر ذلك المحققون، والصحيح نسبهم إلى يافث. وقد خطَّأ ابنُ حزم قول من نسبهم ليعصو قال: وإنما وقع هذا الغلط لأن موضع بني عيصو الذي يقال له يسعون يسمي أروم فظنوا أن الروم من ذلك الموضع وليس كذلك، لأن الروم إنما نسبوا إلى رُوملُس (٢) باني رومة (٣)، انتهى.

стр. 103

قال ابن خلدون: ثم المحققون ينسبون الروم جميعًا إلى يونان الإغريقيين منهم واللطينيين ويونان معدود في التوراة من ولد يافث لصلبه، انتهى. واقتصر في روح البيان على أن الروم الأولى من ولد يافث والأخيرة من ولد عيصو بن إسحاق ... إلخ. قلت: وهذا الذي اقتصر عليه قد نسبه السهيلي قبله لغير واحد فقال في روضه: وليس كل الروم من ولد بني الأصفر فإن الروم الأولى فيما زعموا هم من ولد يونان بن يافث بن نوح والله أعلم بحقائق هذه الأشياء وصحتها، انتهى. فإن صح هذا القول المفصل أمكن الجمع به بين ما نقله ابن خلدون وما نقله غيره ولم يحتج إلى تخطئة ما نقله غير ابن خلدون على كثرتهم. قال ابن خلدون وأما الإفرنج فنسبهم هروشيوش (١) مؤرخ الروم إلى غطرما ابن عومر بن يافث. وقال ابن سعيد فيما نقل عن البيهقي وغيره: أن يونان هو ابن علجان بن يافث ولذلك يقال لهم العلوج، ويشاركهم في هذا النسب سائر أهل الشمال من غير الترك، فالإغريقيون من ولد إغريقش بن يونان، والروم من ولد رومي بن يونان، واللطينيون من ولد لطين بن يونان، فالشعوب الثلاثة من ولد (٢) يونان. قال: وأعظم من أخذ بدين النصرانية الإفرنج، وقاعدة بلادهم فرنجة ويقولون فرنسة بالسين، وملكهم الفرنسيس وهؤلاء فرنسة أعظم ملوك الفرنجة ومن الفرنجة البنادقة والجلالقة، انتهى كلام ابن خلدون ملخصًا. وحاصل ما نقله عن ابن سعيد أن اليونان يجمع الروم بفرقهم والإفرنج يفرقهم لأن الإفرنج من جملة أهل الشمال. وقد حكى المسعودي في مروجه الاتفاق على أن الإفرنج من ولد يافث بن

стр. 104

نوح إلا أنه لم يعين الواسطة التي يدلون بها إليه وقد سبق بيان واسطتهم في نقل ابن خلدون عن مؤرخ الروم وعن ابن سعيد، وذلك مصرح بأن الروم غير الإفرنج الذين من جملتهم الإفرنسيس. لكن يشكل على ذلك ظاهر قول الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أنبأني غير واحد عن القاضي نور الدين ابن الصائغ الدمشقي، قال حدثني سيف الدين فليح المنصوري، قال أرسلني الملك المنصور قلاوون إلى ملك المغرب بهدية فأرسلني ملك المغرب إلى ملك الإفرنج في شفاعة فقبلها وعرض على الإقامة عنده فامتنعت، وقال لي لأتحفنك بتحفة سنية، فأخرج لي صندوقًا مصفحًا بذهب فأخرج منه مقلمة ذهب فأخرج مها كتابا قد زالت أكثر حروفه وقد التصقت عليه خرقة حرير فقال: هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر ما زلنا نتوارثه ... إلخ. ونحوه في عمدة القاري للعيني من غير ذكر سنده فانظر قوله ملك الإفرنج مع قوله هذا كتاب نبيكم إلى جدي ... إلخ، فإنه ظاهر في كون هذا الملك من جنس رعيته الفرنج وخصوصا الفرنسيس منهم لما تقدم عن ابن خلدون من أن فرنسة أعظم ملوك الإفرنجة، انتهى. فتكون الأفرنجة وخصوصا فرنسا منهم من الروم، إذ لا خلاف أن قيصر الذي قال فيه ملك فرنجة في هذه القضية -إنه جده- من عظماء الروم. وعلى هذا فما وقع في كتاب سيدنا الجد الأكبر المولى إسماعيل لسلطان فرنسا في حينه وهو لويز الرابع عشر من قوله: أنت من سلالة عظيم الروم الذي كتب له جدنا وسيدنا ... إلخ. وكذا ما وقع له في كتابه لسلطان إنكلترا حيث غاضبه قومه وفر إلى سلطان الفرنسيس من قوله له فيه كما خاطب أي النبي ﷺ قيصر ملك الروم جد هذا الملك الذي لجأت إليه، وأنت مقيم لديه ... إلخ. كلاهما صحيح.

стр. 105

وفي ذلك كله حجة لما كلف قرره بعض محققي مشايخنا في درسه على البخاري من أن هرقل الذي كتب له ﷺ هو جد للدولة الحامية، انتهى. والحاصل أن الاعتماد على هذا أولى من الاعتماد على ما نقله ابن خلدون في نسب الإفرنج عن مؤرخ الروم، ويعضد ذلك ما جزم به الشيخ فريد وجدي في "دائرة معارفه" من أن فرنسا أصلها من اللاتينيين، انتهى. واللاتينيون هم اللاطينيون وقد سبق أنهم من الروم، ويعضده أيضًا قول ابن أبي زرع في أنيسه أن ملك الفرنسيس الرومي نزل على تونس ليلة خمس وعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وستين وستمائة قال: وكانت الروم في أربعين ألف فارس ومائة ألف رام. ومائة ألف راجل، انتهى. فأنت تراه جعل ملك الفرنسيس روميا وجعل جنده وقومه روما، وإن كان ابن خلدون أشار للجواب عن مثل هذا بقوله وما يسمع في كتب الفتح من ذكر الروم في فتح إفريقية فمن باب التغليب، لأن العرب يومئذ لم يكونوا يعرفون الفرنج وما قاتلوا في الشام إلا الروم فظنوا أنهم هم الغالبون على أمم النصرانية، فإن هرقل هو ملك النصرانية كلها فغلبوا اسم الروم على جميع النصرانية ونقلته الأخبار عن العرب كما هي، فجرجير المقتول عند الفتح من الفرنج وليس من الروم، وكذا الأمة الذين كانوا بإفريقية غالبين على البربر ونازلين بمدنها وحصونها إنما كانوا من الإفرنجة، انتهى. ولا يتأتى جوابه هذا فيما ذكره ابن أبي زرع لأنه ليس نقلا عن العرب وقد قبل في الاستقصاء ما اعتمده ابن خلدون فالله أعلم. قال في "الروض": وتقع ورزيغة شرقا من نهر فلفل وبينهما مسافة، وفى ولِوَرْزيغة حارتان قريبتان منها: بنو مروان وبنو غفجوم، وبنو مروان أقرب إليها، وماؤها من وادي ويسلن من أودية مكناسة وبها عيون (١)، انتهى. من خطه.

стр. 106

قلت: أما غفجوم -فبفتح الغين المعجمة وسكون الفاء وضم الجيم بعدها واو ساكنة فميم- وأما وَيْسَلَنْ -فبفتح الواو وسكون الياء بعدها سين مهملة فلام مفتوحة فنون ساكنة- كما تقدم ولا يعرف في الوقت الحاضر محل بورزيغة يطلق عليه اسم من الأسماء المارة غير زنقة بني مروان بالمحل المعروف في زماننا بحَجَر الذئب -بفتح الحاء المهملة والجيم- وهو اسم للنهج المار بين البساتين لوادي ويسلن المذكور. ومن حوائر ورزيغة الشهيرة في الوقت الحاضر السلاوي وبو عشرين ولا يوحد بها في هذا الزمان من العيون غير العين المعروفة بعين الكبير وجميع غراسات حوائرها تسقي من وادي ويسلن المار الذكر، وويسلن هذا هو على طريق المار من العاصمة المكانسية لفاس على سبعة كيلو مترات من العاصمة وماء هذا الوادي لا يدخل منه للمدينة شيء. قال في "الروض" وكانت ورزيغة مخصوصة بالأمن يسكن أهلها الخيمات بالجنات فلا يلحق أحدهم خوف ولا يتوقعه إلا من جهة الأسد خاصة (١)، اهـ. من خطه. قلت: ولم يبق لهذا العهد أثر للأسد بها ولو بنواحيها القريبة، نعم يوجد بقبيلة حروان المجاورة للمدينة بالمحل المعروف بأَشَمّاس -بفتح الهمزة والشين وتشديد الميم المشبعة وسكون السين المهملة- كما يوجد أيضًا بالمحل المسمى لديهم ببُوعْشوش -بضم الباء الموحدة وسكون الواو والعين المهملة وضم الشين المعجمة مشبعة وسكون الشين المعجمة أيضًا- في الغابة ثم على بضع آلاف من الأمتار من المدينة، وسيأتي نص بعض مؤرخي الأورباويين وبين على كثرة وجوده قرب قصر فرعون أيضًا، وحينئذ فلا التفات لمن يزعم منهم عدم وجوده، ويجزم بأنه لم يبق له اليوم ولا قبله بكثير أثر بهذه الديار المغربية ولا بنواحيها، ويعلل ذلك بضعف

стр. 107

حرارة القطر في هذه الأعصر الأخيرة على ما كانت عليه في الأعصر الغابرة، وبأنه لو بقي له أثر لوجد جلده وتداول بين مجاوري ساحة استقراره وغير ذلك من العلل الواهية. هذا والأسد ويقال له الليث والضرغام في أسام كثيرة هو من أعظم الحيوانات المفترسة يصطاد عادة بالليل وهو في إفريقيا أكثر وأكبر جسما منه في آسيا ولا يوجد في أمريكا ولا في الجهة التي تحل فيها الأسلحة النارية. وكأن حدوث هذه الأسلحة بهذه النواحي هو الذي أبعده منها للمحل الذي ذكرنا. قال في "حياة الحيوان": قالوا وللأسد من الصبر على الجوع وقلة الحاجة إلى الماء ما ليس لغيره من السباع، ومن شرف نفسه أنه لا يأكل من فريسة غيره فإذا شبع من فريسته تركها ولم يعد إليها وإذا جاع ساءت أخلاقه، وإذا امتلأ من الطعام ارتاض ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب، وقد أشار إلى ذلك الشاعر بقوله: وأترك حبها من غير بغض ... وذاك لكثرة الشركاء فيه إذا وقع الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب ولغن فيه (١) انتهى. وقد تعقب الفاضل الشيخ محمد فريد وجدي كلام صاحب حياة الحيوان بما لفظه: نقول يستبعد العقل امتناع الأسد عن ماء ولغ فيه كلب، أوّلاً لأن الأسد والكلب لا يجتمعان على ماء واحد حتى يرى أحدهما الآخر، وليس للأسد من خصيصة تطلعه على الغيب فتدله على أن كلبًا ولغ في هذا الماء أو ذاك، ويظهر لنا أن السبب في هذا القول هو ذلك الشعر، فإن الشاعر لما ذكر ترفع نفسه شبه نفسه ومعشره بالأسود ونظراءهم بالكلاب، وقرر أن الأسود لا ترد ماء ورد فيه الكلاب،

стр. 108

فجاء الباحث عن طباع الحيوانات فنقل ذلك نقلا وجعله من صفات الأسود الحقيقية وهو خيال، انتهى. وأقول إن ذلك الانتقاد، الذي لا سند له عند ذلك الفاضل المنتقد سوى ما تخيله من الاستبعاد. لا مسلك له في سبيل السداد: أما أولا: فإن المنتقد لم يزد على الميل للنفي من غير جزم والناقل لذلك قد أثبته جازما به فله بذلك مزيد علم، فكان إثباته مقدما لا محالة على ميل المنتقد للنفي. وأما ثانيًا فقوله: وليس للأسد من خصيصة ... إلخ هو أيضًا نفي بمجرد التَّوهُّم والتخيل، فإن الأسد ذكر أهل هذا الفن له خصائص جمة، منها أنه لا يتعرض للمرأة الحائض مع أن الحيض هو أمر باطني في المرأة، وعدم تعرضه للمتصفة به لا يكون إلا بخصيصة توجب للأسد إدراك ذلك كتمييز المتصفة به برائحة أو نحوها، وإذا جورنا هذا بالنسبة للأسد في حق الحائض لزم أن نجوز ذلك في حقه أيضًا في غيرها كالماء الذي ولغه كلب، على أن مثل هذا موجود حتى في الكلب الذي هو الغاية في الخساسة، فقد جاء فيه أنه لا يلغ في دم مسلم كما في "الشفا", ومن البديهي أن تفرقة الكلب بين دم المسلم وغيره لا بد لها من خصيصة تؤدي الكلب إليها، وإذا جاز اتصاف الكلب بمثل هذه الخصيصة فلأن يجور في أعظم السباع بالأحرى. وأما ثالثًا: فإن من جملة ما وجه به أهل العلم عدم دخول ملائكة الرحمة لبيت فيه كلب قبح رائحته، انتهى. ولا مانع من أن توجد بقية هذه الرائحة الشديدة القبح في الماء الذي ورده وولغ فيه، وكفى فيها دليلا للأسد الذي يعافه على كونه ورد ذلك الماء قبله حتى يتجنبه.

стр. 109

وأما رابعًا: فقد قال في "حياة الحيوان" (١) في الكلب من اقتفاء الأثر وشم الرائحة ما ليس لغيره من الحيوانات، انتهى. أي ولذلك ترى كلب الصيد لا يزال يتشمم ويقتفي الأثر حتى يخرج الصيد دلالة عليه بأنفاس بدنه وبخار جوفه كما في "عجائب المخلوقات" (٢). ولا شك أن الأسد هو أعظم الكلاب كما دلت عليه قصة دعائه ﷺ على عتبة بن أبي لهب بقوله: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، فكانت الإجابة بتسليط أسد على المدعو عليه فافترس رأسه. وأما خامسًا: فقول المنتقد ويظهر لنا أن السبب في هذا القول هو ذلك الشعر ... إلخ، يرده ما قدمناه عنهم في الحائض وعدم ولوغ الكلب في دم مسلم، فإنا ما رأيناهم ذكروا شعرا في ذلك يدعى استنادهم إليه، مع أن الخاصية المطلعة على ذلك الغيب ثابتة فيهما كما شرحناه، وإذا ثبت للأسد والكلب فيما ذكر فما المانع من ثبوت مثلهما لهما أو لأحدهما في غير ذلك، وبهذا كله يتبين لك أن استبعاد ذلك الفاضل المنتقد ممنوع، وأن دعوى أن مثبت ما استبعده، إنما استند لذلك الشعر مدفوعة، على أنا لو فرضنا أن المستند هو ذلك الشعر لا غير لم يجز تكذيب الشاعر فيه ولا صرف كلامه فيه عن ظاهره إلا ببرهان، لا بمجرد التخمين العاري عن الحجة والبيان، ولو ساغ ذلك لكان كلام الفاضل المنتقد بذلك أولى والله تعالى أعلم. وتسمى البربر الأسد إزم -بكسر الهمزة وفتح الزاي وسكون الميم- ومن طبعه أنه لا يؤذي الإنسان في حال تمام ميزه وإدراكه غالبًا، والغالب على الإنسان فقد الشعور وتمام الذهول عند رؤية الأسد.

стр. 110

وكما يوجد السبع بالمحلين المذكورين بجروان، يوجد النمر والفهد بهما أيضا وكلاهما ضرب من السباع. الأول يشبه الأسد غير أنه أصغر منه وأخبث أخلاقا وأشجع قلبا منقط جلده بنقط سود يقال له بلسان البربر أَغَلْياس -بفتح الهمزة والغين المعجمة وتسكين اللام بعدها مثناة تحتية- وهو لا يعدو على الإنسان غالبا وإنما يفتك بالمواشي ولا يتخذ محلا لسكناه غير رءوس الشجر. والثاني ضيق الخلق شديد الغضب طويل النوم يضرب بكثرة نومه المثل فيقال أنوم من فهد، ويسمى بالبربرية ووغل -بواوين أولاهما مفتوحة وثانيتهما ساكنة بعدها غين معجمة مفتوحة- ولا يؤذي من الإنسان إلا من هجم عليه بمحله، ويعدو بكثرة على ما سواه، ويوجد الكل بكثرة بقبيلتي زيان وبني مجيلد النازلتين وراء قبيلة جروان. فصل: قال في "الروض" قيل: ولم يكن لهذه الحوائر قديما مدينة مسورة وكان واليها يسكن قصرًا أدركه القدماء خرابا يعرف بقصر ترزحين، ولعل جيمه معقودة، وهو على ربوة من الأرض شرقا من بني زياد، وغربًا من وادي فلفل وجوفا من المدينة الآن. فلما ظهر أمر الموحدين أحدث المرابطون على الوادي المذكور غربا منه حصنا سموه تاجرارت بالجيم المعقودة وكذلك بقي اسمه، وتفسير هذا اللفظ المحلة أو المجتمع بلسان البربر هكذا قيل (١)، انتهى. من خطه. قلت: أما ترزجين -فبتاء مضمومة بلسان بعدها راء مضمومة فزاي ساكنة فجيم مكسورة فياء ساكنة فنون- وكأن هذا القصر هو الحصن الذي عناه صاحب معجم البلدان فيما قدمناه عنه من قوله بينهما حصن، انتهى. كما تقدم. والبينة ظاهرة مما وصفه ابن غازي هنا كما فيما سبق أيضًا على أن ما حكاه ابن غازي هنا من أن مكناسة القديمة وهي التي عبر عنها بالحوائر لم تكن فيها مدينة مسورة، دليل على أن مدينة وَلِيلَي ليست داخلة عنده في مسمى مكناسة
следующие страницы →