قلت: أما غفجوم -فبفتح الغين المعجمة وسكون الفاء وضم الجيم بعدها واو ساكنة فميم- وأما وَيْسَلَنْ -فبفتح الواو وسكون الياء بعدها سين مهملة فلام مفتوحة فنون ساكنة- كما تقدم ولا يعرف في الوقت الحاضر محل بورزيغة يطلق عليه اسم من الأسماء المارة غير زنقة بني مروان بالمحل المعروف في زماننا بحَجَر الذئب -بفتح الحاء المهملة والجيم- وهو اسم للنهج المار بين البساتين لوادي ويسلن المذكور.
ومن حوائر ورزيغة الشهيرة في الوقت الحاضر السلاوي وبو عشرين ولا يوحد بها في هذا الزمان من العيون غير العين المعروفة بعين الكبير وجميع غراسات حوائرها تسقي من وادي ويسلن المار الذكر، وويسلن هذا هو على طريق المار من العاصمة المكانسية لفاس على سبعة كيلو مترات من العاصمة وماء هذا الوادي لا يدخل منه للمدينة شيء.
قال في "الروض" وكانت ورزيغة مخصوصة بالأمن يسكن أهلها الخيمات بالجنات فلا يلحق أحدهم خوف ولا يتوقعه إلا من جهة الأسد خاصة (١)، اهـ. من خطه.
قلت: ولم يبق لهذا العهد أثر للأسد بها ولو بنواحيها القريبة، نعم يوجد بقبيلة حروان المجاورة للمدينة بالمحل المعروف بأَشَمّاس -بفتح الهمزة والشين وتشديد الميم المشبعة وسكون السين المهملة- كما يوجد أيضًا بالمحل المسمى لديهم ببُوعْشوش -بضم الباء الموحدة وسكون الواو والعين المهملة وضم الشين المعجمة مشبعة وسكون الشين المعجمة أيضًا- في الغابة ثم على بضع آلاف من الأمتار من المدينة، وسيأتي نص بعض مؤرخي الأورباويين وبين على كثرة وجوده قرب قصر فرعون أيضًا، وحينئذ فلا التفات لمن يزعم منهم عدم وجوده، ويجزم بأنه لم يبق له اليوم ولا قبله بكثير أثر بهذه الديار المغربية ولا بنواحيها، ويعلل ذلك بضعف
стр. 107
حرارة القطر في هذه الأعصر الأخيرة على ما كانت عليه في الأعصر الغابرة، وبأنه لو بقي له أثر لوجد جلده وتداول بين مجاوري ساحة استقراره وغير ذلك من العلل الواهية.
هذا والأسد ويقال له الليث والضرغام في أسام كثيرة هو من أعظم الحيوانات المفترسة يصطاد عادة بالليل وهو في إفريقيا أكثر وأكبر جسما منه في آسيا ولا يوجد في أمريكا ولا في الجهة التي تحل فيها الأسلحة النارية.
وكأن حدوث هذه الأسلحة بهذه النواحي هو الذي أبعده منها للمحل الذي ذكرنا.
قال في "حياة الحيوان": قالوا وللأسد من الصبر على الجوع وقلة الحاجة إلى الماء ما ليس لغيره من السباع، ومن شرف نفسه أنه لا يأكل من فريسة غيره فإذا شبع من فريسته تركها ولم يعد إليها وإذا جاع ساءت أخلاقه، وإذا امتلأ من الطعام ارتاض ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب، وقد أشار إلى ذلك الشاعر بقوله:
وأترك حبها من غير بغض ... وذاك لكثرة الشركاء فيه
إذا وقع الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب ولغن فيه (١)
انتهى.
وقد تعقب الفاضل الشيخ محمد فريد وجدي كلام صاحب حياة الحيوان بما لفظه: نقول يستبعد العقل امتناع الأسد عن ماء ولغ فيه كلب، أوّلاً لأن الأسد والكلب لا يجتمعان على ماء واحد حتى يرى أحدهما الآخر، وليس للأسد من خصيصة تطلعه على الغيب فتدله على أن كلبًا ولغ في هذا الماء أو ذاك، ويظهر لنا أن السبب في هذا القول هو ذلك الشعر، فإن الشاعر لما ذكر ترفع نفسه شبه نفسه ومعشره بالأسود ونظراءهم بالكلاب، وقرر أن الأسود لا ترد ماء ورد فيه الكلاب،
стр. 108
فجاء الباحث عن طباع الحيوانات فنقل ذلك نقلا وجعله من صفات الأسود الحقيقية وهو خيال، انتهى.
وأقول إن ذلك الانتقاد، الذي لا سند له عند ذلك الفاضل المنتقد سوى ما تخيله من الاستبعاد. لا مسلك له في سبيل السداد: أما أولا: فإن المنتقد لم يزد على الميل للنفي من غير جزم والناقل لذلك قد أثبته جازما به فله بذلك مزيد علم، فكان إثباته مقدما لا محالة على ميل المنتقد للنفي.
وأما ثانيًا فقوله: وليس للأسد من خصيصة ... إلخ هو أيضًا نفي بمجرد التَّوهُّم والتخيل، فإن الأسد ذكر أهل هذا الفن له خصائص جمة، منها أنه لا يتعرض للمرأة الحائض مع أن الحيض هو أمر باطني في المرأة، وعدم تعرضه للمتصفة به لا يكون إلا بخصيصة توجب للأسد إدراك ذلك كتمييز المتصفة به برائحة أو نحوها، وإذا جورنا هذا بالنسبة للأسد في حق الحائض لزم أن نجوز ذلك في حقه أيضًا في غيرها كالماء الذي ولغه كلب، على أن مثل هذا موجود حتى في الكلب الذي هو الغاية في الخساسة، فقد جاء فيه أنه لا يلغ في دم مسلم كما في "الشفا", ومن البديهي أن تفرقة الكلب بين دم المسلم وغيره لا بد لها من خصيصة تؤدي الكلب إليها، وإذا جاز اتصاف الكلب بمثل هذه الخصيصة فلأن يجور في أعظم السباع بالأحرى.
وأما ثالثًا: فإن من جملة ما وجه به أهل العلم عدم دخول ملائكة الرحمة لبيت فيه كلب قبح رائحته، انتهى.
ولا مانع من أن توجد بقية هذه الرائحة الشديدة القبح في الماء الذي ورده وولغ فيه، وكفى فيها دليلا للأسد الذي يعافه على كونه ورد ذلك الماء قبله حتى يتجنبه.
стр. 109
وأما رابعًا: فقد قال في "حياة الحيوان" (١) في الكلب من اقتفاء الأثر وشم الرائحة ما ليس لغيره من الحيوانات، انتهى.
أي ولذلك ترى كلب الصيد لا يزال يتشمم ويقتفي الأثر حتى يخرج الصيد دلالة عليه بأنفاس بدنه وبخار جوفه كما في "عجائب المخلوقات" (٢).
ولا شك أن الأسد هو أعظم الكلاب كما دلت عليه قصة دعائه ﷺ على عتبة بن أبي لهب بقوله: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، فكانت الإجابة بتسليط أسد على المدعو عليه فافترس رأسه.
وأما خامسًا: فقول المنتقد ويظهر لنا أن السبب في هذا القول هو ذلك الشعر ... إلخ، يرده ما قدمناه عنهم في الحائض وعدم ولوغ الكلب في دم مسلم، فإنا ما رأيناهم ذكروا شعرا في ذلك يدعى استنادهم إليه، مع أن الخاصية المطلعة على ذلك الغيب ثابتة فيهما كما شرحناه، وإذا ثبت للأسد والكلب فيما ذكر فما المانع من ثبوت مثلهما لهما أو لأحدهما في غير ذلك، وبهذا كله يتبين لك أن استبعاد ذلك الفاضل المنتقد ممنوع، وأن دعوى أن مثبت ما استبعده، إنما استند لذلك الشعر مدفوعة، على أنا لو فرضنا أن المستند هو ذلك الشعر لا غير لم يجز تكذيب الشاعر فيه ولا صرف كلامه فيه عن ظاهره إلا ببرهان، لا بمجرد التخمين العاري عن الحجة والبيان، ولو ساغ ذلك لكان كلام الفاضل المنتقد بذلك أولى والله تعالى أعلم.
وتسمى البربر الأسد إزم -بكسر الهمزة وفتح الزاي وسكون الميم- ومن طبعه أنه لا يؤذي الإنسان في حال تمام ميزه وإدراكه غالبًا، والغالب على الإنسان فقد الشعور وتمام الذهول عند رؤية الأسد.
стр. 110
وكما يوجد السبع بالمحلين المذكورين بجروان، يوجد النمر والفهد بهما أيضا وكلاهما ضرب من السباع. الأول يشبه الأسد غير أنه أصغر منه وأخبث أخلاقا وأشجع قلبا منقط جلده بنقط سود يقال له بلسان البربر أَغَلْياس -بفتح الهمزة والغين المعجمة وتسكين اللام بعدها مثناة تحتية- وهو لا يعدو على الإنسان غالبا وإنما يفتك بالمواشي ولا يتخذ محلا لسكناه غير رءوس الشجر.
والثاني ضيق الخلق شديد الغضب طويل النوم يضرب بكثرة نومه المثل فيقال أنوم من فهد، ويسمى بالبربرية ووغل -بواوين أولاهما مفتوحة وثانيتهما ساكنة بعدها غين معجمة مفتوحة- ولا يؤذي من الإنسان إلا من هجم عليه بمحله، ويعدو بكثرة على ما سواه، ويوجد الكل بكثرة بقبيلتي زيان وبني مجيلد النازلتين وراء قبيلة جروان.
فصل: قال في "الروض" قيل: ولم يكن لهذه الحوائر قديما مدينة مسورة وكان واليها يسكن قصرًا أدركه القدماء خرابا يعرف بقصر ترزحين، ولعل جيمه معقودة، وهو على ربوة من الأرض شرقا من بني زياد، وغربًا من وادي فلفل وجوفا من المدينة الآن. فلما ظهر أمر الموحدين أحدث المرابطون على الوادي المذكور غربا منه حصنا سموه تاجرارت بالجيم المعقودة وكذلك بقي اسمه، وتفسير هذا اللفظ المحلة أو المجتمع بلسان البربر هكذا قيل (١)، انتهى. من خطه.
قلت: أما ترزجين -فبتاء مضمومة بلسان بعدها راء مضمومة فزاي ساكنة فجيم مكسورة فياء ساكنة فنون- وكأن هذا القصر هو الحصن الذي عناه صاحب معجم البلدان فيما قدمناه عنه من قوله بينهما حصن، انتهى. كما تقدم.
والبينة ظاهرة مما وصفه ابن غازي هنا كما فيما سبق أيضًا على أن ما حكاه ابن غازي هنا من أن مكناسة القديمة وهي التي عبر عنها بالحوائر لم تكن فيها مدينة مسورة، دليل على أن مدينة وَلِيلَي ليست داخلة عنده في مسمى مكناسة
стр. 111
القديمة وقد مر بسط ذلك، وأما تاجرارت -فبتاء مفتوحة بعدها ألف فجيم فراء فألف فراء فتاء ساكنة- وما وصف به قصر ترزجين ينطبق تمام الانطباق على ناحية برج العريفة الشهير الكائن بحارة بني موسى قرب الجنان المنسوب للعريفة المشار لها أيضًا بالمحل.
فالظاهر أن القصر كان هنالك فخرب وأحدث بعده البرج المذكور زمن سيدنا الجد المولى إسماعيل قدس سره، وإن كان عدم تعيين ابن غازي لقصر ترزجين بكونه من ورزيغة أو بمجاورته لها وعدوله إلى التجوير بغيرها كما تراه يبعد ما قلناه كما يبعده أيضًا ما يأتي قريبًا في سوق الغبار من كونها إزاء قصر ترزجين ... . إلخ، والله أعلم.
وتفسير تاجرارت بالمحلة في لسان البربر به جزم ابن خلدون في تاجرارت التي حور تلمسان فلعل ابن غازي إليه أشار بقليل، وكذلك جزم بذلك الزياني في رحلته وهو من علماء البربر، وإن كنت قد سألت غير واحد من البربر عن تفسير تاجرارت بالمحلة فنفاه وجزم بعدم وجوده في لسانهم، وأنهم وإنما يقولون المحلة وبعضهم يقول تمحلت بزيادة مثناة فوقية قبل الميم.
كما أني بحثت عن لفظ أسكل الآتي قريبًا وإطلاقه على مفرد الاهرية المتخذة من الدوم فجزم بعدم وجود هذا اللفظ عندهم.
ثم قال في "الروض": وهذا الحصن هو المدينة الموجودة لهذا العهد، فلما أخذوا في بنائها اجتهدوا فيه وأعجلهم الأمر حتى احتاجوا على ما يحكي إلى إقامة شقة من سوره بالأهرية المتخذة من الدوم لادخار الأطعمة، وسمى واحدها بلسان البربر أسكل، وملئوها ترابا، وقاتلوا دونها حتى أكملوا البناء بعد ذلك (١).
وفي القطر الغربي من أبراج سورها برج مبني بالحجر والجيار بناء محكمًا يسمى برج ليلة، سموه بذلك، لأنه بني من ليلته فيما زعموا، ونقل الوالي بدر بن
стр. 112
ولجوط - بالجيم المعقودة إلى المدينة المذكورة وجوه الناس وأغنياءهم ولم يترك من الأقوات شيئا إلا نقله إليها، وترك جمهور الناس في مواضعهم.
فأول غارة شنها المُوَحّدون على تلك الأرض بسوق الغبار يوم الأحد، وذلك أنه لما وضعت هذه الموضوعات على الصفة المذكورة من التفرق كانت لهم سوق غبار بإزاء قصر ترزجين المتقدم الذكر، وهو الذي يسمى بالسور القديم -بالراء- أو بالسوق القديم -بالقاف- كما يجرى على ألسنة الناس اليوم.
ومسجد الحصن المذكور وصومعته لم يزالا قائمين لهذا العهد، وكان أهل القصر وأهل الحوائر يجتمعون إلى تلك السوق كل يوم أحد، فبينما هم يوم أحد قد اجتمعوا وكملوا بالسوق المذكورة وهي بأرض مرتفعة إذ أشرفوا على خيل مقبلة إليهم في زي المرابطين اللثم والغفائر القرمزية والمهاميز التاشفينية والسيوف المحلاة والعمائم ذوات الذؤابات فلما رأى القوم هذا الزي، قالوا: تقوية السلطان جاءتنا وسارعوا للقائهم فرحين بهم وهبطوا عن آخرهم، فلما خرجوا عن منع القصر والسوق حسر الفرسان اللثم، ونادوا أبابا يا المهدي! وكان ذلك شعارهم وأجالوا السيوف عليهم، ولم ينج منهم فيما ذكروا أحد وكانوا آلافا ﵏ (١).
وما زال الناس لهذا العهد يتحدثون أن المقابر التي عند باب مسجد السوق القديم هي مقابر شهداء، فلعلهم هم والله تعالى أعلم (٢).
وكان الموحدون حينئذ يسمون الناس المجسمين ويقاتلونهم قتال كفر وكان الناس يسمونهم الخوارج (٣)، ولم تزل الغارات تشن عليهم فيقتل الرجال وتسبى النساء والذرية وتستباح الأموال، والتضييق يتوالى والمكايد تدبر والحيل تدار حتى ضاق ذرع الناس بكثرة الوقائع عليهم (٤).
ومن الأخبار التي كانت مشتهرة عند أهل الوطن أنه كان بأحواز تاورا شجرة
стр. 113
كبيرة من النشم الأسود المسمى بالتغصاص بإشمام الصادين زايين، وربما يكتبه المتفاصحون، التقصاص -بقاف وصادين- فبينما الناس قد انبسطوا لتدبير أشغالهم ومعايشهم إذ فاجأتهم الخيل وأحاطت بهم فلجأوا إلى تلك النشمة وظنوا أن النجاة فيها، فتعلق بها منهم خلق كثير، وضم الموحدون الحطب لتلك الشجرة وأضرموا النيران حولها، فسقط كل من كان فيها واحترقوا عن آخرهم، واحترقت النشمة بقيت منها بقية مدة من الزمان، وكانت عند أهل الأوطان من جملة مواعظ تلك الفتنة (١)، انتهى. من خطه.
قلت: ومما يرجع للخبر الأخير ما رأيته في كتاب "أخبار المهدي ابن تومرت" لعصريه مؤرخ دولته أبي بكر الصنهاجي المدعو البيدق صحيفة ٦٥: أنه لما خرج المعصوم من فاس نزل بمغيلة عند يوسف بن محمد وعبد الرحمن بن جعفر ثم منها نحو مكناسة، فلما أشرفوا على الكدية البيضاء نظر إلى الكدية فإذا بها مملوة رجالا ونساء تحت شجرة لوز، قال فدخل المعصوم فيهم ميمنة وميسرة وبددناهم يمينا وشمالا، ثم سار إلى السوق القديم ونزلنا به بمسجد أبي تميم عند الحسن بن عشرة، انتهى. فلينظر مع ما لابن غازي.
أما الموحدون فهم دولة بني عبد المؤمن من كومة القائمين بمملكة المغرب بعد دولة المرابطين، سماهم بذلك أول قائم بدعوتهم، وهو المهدي بن تومرت لزعمه أن كل من لا يجري على مقتضى العقيدة التي جمعها هو بلسان البربر المبنية على اعتماد طريق الخلف من تأويل المتشابه ومنافرة طريق السلف من إقرار نصوص المتشابه كما جاءت، فهو كافر مجسم، وأن التوحيد منحصر في أصحابه الذين تعلموا عقيدته، وبهذا السبب أباح لأصحابه قتل من عداهم قتال كفر، وسوغ لهم سباياهم وغنائمهم وسهل على نفسه وعلى أصحابه بذلك سفك دم المسلمين من غير توقف، وارتكب بذلك داهية عمياء.
стр. 114
وقد كان المرابطون الذين اغتصب هو وأتباعه ملكهم على طريق السلف في اعتقادهم، وكانوا من متانة الدين بالمكان المكين، ومن دوام العدل ما أكسبهم مزيد التمكين، إلا أنهم كانوا على سذاجة بداوة لم تفارقهم.
ومن رشحاتها أن الإمام أبا حامد الغزالي لما صنف في أيامهم كتابه "إحياء علوم الدين" ووصلت نسخة إلى الأندلس وإلى المغرب الأقصى فرآها علماؤه على طرز جديد لم يعهد، أنتجته مهارة أبي حامد في العلوم التي من جملتها علوم الفلسفة، أنكروها وبثوا إنكارها في قلوب أمرائهم المرابطين حتى اتفقوا معهم على التقاط نسخة وجمعها وإحراقها، ونفذ الأمر بذلك بقرطبة من الأندلس، فوصل خبر ذلك إلى الإمام أبي حامد وكان ابن تومرت وقتئذ يتعلم عنده في مدرسته ببغداد فحينئذ رفع أبو حامد يده إلى السماء ودعا بتمزيق ملك المرابطين كما مزقوه، فعلم ابن تومرت أن دعوة أبي حامد في ذلك دعوة مظلوم لا ترد فقال له: يا إمام، ادع الله أن يجعل ذلك على يدي، سأل ذلك منه مرتين فأجابه الغزالي في الثانية بقوله: اخرج يا شيطان فسيجعل الله ذلك على يدك فخرج قاصدا لذلك في زي ناسك متقشف ينشر العلم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلى أن تم له بذلك الناموس الأمر مع ما سبق في علم الله الأزلي من قضاء ابن تومرت أول أمراء الموحدين على دولة المرابطين، مع ما وصفنا من متانة دينهم ومزيد عدلهم وكون أيامهم كانت أيام خصب وفتح بقطع شافة ملكهم، ومن توغل الموحدين في سفك دماء المسلمين بدون توقف هذه الوقعة التي حكاها ابن غازي التي أوقعوها على غدر وغفلة بعمار السوق القديم من أهل مكناسة الزيتون، فإن قال قائل إن ما جزمتم به من حضور ابن تومرت حين دعاء الغزالي على المرابطين بتمزيق الملك يخالفه توقف صاحب الاستقصا في ذلك حيث عبر بقوله يقال إنه كان حاضرًا ... إلخ، قلنا: إن صاحب الاستقصا حيث عدم في الجزم المناط. تحرى
стр. 115
في النقل واحتاط، وذلك شأن الفضلاء أهل الصدق والأمانة في هذا البساط، لاسيما وهو إنما كتب ما حنشه ابن خلدون بقوله: ولقي أبا حامد فيما زعموا ... إلخ، وأما الانتقاد على الجازم بالمتوقف كما فعل السائل فهو محض غلط إذ المهيع المعروف والمنهج المتبع المألوف، هو أن من حفظ حجة على من لم يحفظ لا العكس.
والذي جزمنا به هو الذي جزم به الحفاظ قبلنا وقبل صاحب الاستقصاء بأزمنة طوال، ودُهُورٍ خَوالٍ، ففي الصحيفة الثالثة والثلاثين والمائة من الجزء الأخير من النسخة المطبوعة من "معيار" الحافظ أبي العباس الونشريسي عن ابن القطان في كتابه "نظم الجمان". فيما سلف من أخبار الزمان. عن عبد الله بن عبد الرحمن العراقي شيخ مسن من سكان فاس، قال: كنت ببغداد بمدرسة أبي حامد الغزالي فجاء رجل كث اللحية على رأسه كرزى صوف فدخل المدرسة وحياها بركعتين ثم أقبل على الشيخ أبي حامد فسلم عليه فقال: ممن الرجل؟ فقال: من أهل المغرب الأقصى، قال: دخلت قرطبة، قال: نعم، قال: فما فعل فقهاؤها؟ قال: بخير، قال: هل بلغهم الإحياء؟ قال: نعم، قال: فماذا فعلوا فيه؟ فلزم الرجل الصمت حياء منه، فعزم عليه ليقولن ما طرأ فأخبره بإحراقه وبالقصة كما جرت.
قال: فتغير وجه الشيخ أبي حامد ومد يده إلى الدعاء والطلبة يؤمنون، فقال: اللهم مزق ملكهم كما مزقوه، وأذهب دولتهم كما حرقوه، فقام محمد بن تومرت السوسي الملقب بعد بالمهدي عند قيامه على المرابطين فقال له: أيها الإمام ادع الله أن يجعل ذلك على يدي فتغافل عنه أبو حامد فلما كان بعد جمعة إذا شيخ آخر مثل شكل الأول فسأله أبو حامد فأخبره بمثل الخبر المتقدم فتغير وجهه ودعا بمثل دعائه الأول فقال المهدي على يدي فقال: اخرج يا شيطان سيجعل الله ذلك على يدك فقبل دعاءه وخرج ابن تومرت من هناك إلى المغرب برسم تحريك. الفتن، وقد علم أن دعوة ذلك الشيخ لا ترد فكان من أمره ما كان، انتهى.
стр. 116
وفي كتاب "المعجب في تلخيص أخبار المغرب". ما مضمنه: وحكي أنه ذكر للغزالي ما فعل بكتبه، وابن تومرت حاضر ذلك المجلس فقال الغزالي حين بلغه ذلك: ليذهبنَّ عن قليل ملكه -يعني فاعل ذلك بكتبه- وليُقتلنَّ ولده وما أحسب المتولي لذلك إلا حاضرا مجلسنا! وكان ابن تومرت يحدث نفسه إذ ذاك بالقيام فقوي طمعه، وكَرَّ راجعا من بغداد إلى ما قدر له (١)، انتهى.
وكان تاريخ هذا الإحراق سنة سبع وخمسمائة هـ.
وعلي هذه الصورة جلبه عنه الشيخ الرهوني في الشهادات من حواشي الزرقاني له مسلما، وإن كانت النسخة المنقول عنها من المعيار وقع فيها إسقاط بعض ما هو ثابت في نقل الرهوني الذي اعتمدناه، وكذا نقل هذه القصة على الوجه المذكور ابن الخطيب في "الحلل الموشية" إلا أنه أسقط منها قول الغزالي: اخرج يا شيطان ... إلخ.
وقد كانت بيعة المهدي بخصوص جبل درن منتصف رمضان عام خمسة عشر وخمسمائة، ومن ذلك الحين ظهر أمره وصارت زحوف أتباعه تهاجم كل من انقبض عن بيعته، ومنهم أهل مكناسة كما نبه عليه ابن غازي فيما تقدم، نعم بناء حصن تاجرارت محل المدينة الآن كان سنة خمس وأربعين وخمسمائة كما جزم به. ابن أبى زرع، وفيه كان تخريب مكناسة القديمة، وفيه فتح الموحدون مكناسة بعد حصارهم إياها سبع سنين فأزيد، كذا عند أبي زرع لكن الذي صحح ابن غازي أن المدة أربع سنين وأشهر، وذلك في إمارة عبد المؤمن بن علي.
قلت: هذا كلامهم في هذا المحل ولي فيه إشكال، وهو أن حصار سبع سنين أو أربع إن كان على مكناسة القديمة التي أفصح ابن غازي بأنها كانت حوائر غير ممدنة ولا مسورة، فحصار ما كان بهذه الصفة من عدم التحصين لا يستدعي
стр. 117
تطويل المنازلة إلى هذه السنين، لا سيما والحوائر في محل ليس بمنيع، إذ لا تحول دون منازله عقبة كئود ولا جبل عال شديد، كيف وقد قتل منازلوهم منهم في أول غارة شنوها عليهم آلافا متعددة في ساعة واحدة كما سبق عن ابن غازي، زد على ذلك ما ذكره واصفو هذا الحصار من أن الموحدين خندقوا على مكناسة في حصارهم إياها خنادق متعددة، ولا خفاء أن عيش أهل مكناسة على كثرتهم طول تلك المدة مع هذا الحصار الموصوف بعيد لأن ذلك الطول يهلك الزرع، والظهر، والضرع، وسائر ضروريات العيش.
ومن المعلوم أن الثروة التي تحمي صاحبها من الهلاك مع الطول إنما توجد في كل زمان عند بعض الأفراد لا عند عموم الناس ولا عند جمهورهم، ثم لو فرضنا أن أولئك الأفراد شركوا العموم في منافع ثروتهم، فإن ذلك مع انقطاع المادة يئول عن قريب بالجميع إلى الإفلاس، فأني يتأتي والحالة هذه الخلاص لمقاومة ذلك الطول: وإن كان الحصار على المدينة الجديدة المحصنة وهي تاجرارت كما يصرح بذلك كلام ابن غازي الآتي، فقد سبق عن ابن أبي زرع أنها فتحت في العام الذي بنيت فيه، فأين كانت حينئذ مدة حصار سنة كاملة فضلا عما راد عليها؟ ثم كلام ابن غازي في هذا المحل خال عن الترتيب. بعيد عن التحرير والتهذيب، فإنه ذكر أولا بناء تاجرارت وأن القتال وقع قبل إكمال سورها، وهذا يقتضي أنها بنيت كلا أو بعضا وقت الحصار، ثم ذكر قضية السوق القديم بعدها وهي دالة على أن أهل مكناسة وقتئذ لم يكونوا على أهبة قتال ولا استعداد لحرب، وهذا لا يتأتي إلا قبل الحصار، وهو خلاف ما دل عليه ما سبق من كلامه وكذا هذا التنافر واقع بين ما ذكره في قضية النشمة وما قدمه في بناء تاجرارت ولو قدم حكاية السوق القديمة والنشمة على حكاية تاجرارت لمسلم من هذا التدافع كلامه فتأمل ذلك كله.
стр. 118
وأما برج ليلة الذي ذكره ابن غازي فقد اندثر ولم يبق له الآن رسم ولا طل، وقد قيد بعضهم على كلام ابن غازي هنا ما صورته هدم هذا البرج سنة خمس وتسعين أو أربع وتسعين وزيد موضعه في المدينة حين هدم جميع سورها وزيد ما وراءه غربا في المدينة، وبقي موضع هذا البرج إلى سنة إحدي وعشرين، وبني في موضعه الوزير أبو زكريا يحيى المعروف بالمريني سقاية نفيسة ومسجدا فوق صاباط على ممر بين الباب الجديد وباب البراذعين وصومعة، وأوقف عليه أحباسا كثيرة كما هي عادته تقبل الله منه.
وسميت هذه الزيادة التي وراء السور جناح الأمان، وكان يعرف هذا السور عند من أدركناه ببرج الانفاض، انتهى.
قلت: أفادني بعض أجلاء فضلاء العصر ممن له معرفة بخطوط الأئمة أن خط ذلك التقييد والنسخة المقيد على هوامشها هو خط الفقيه الصالح الرحال أبي على الحسن صديق الشيخ السيد صالح الشرقاوي العمري وناسخه، وعليه فلا ريب أن هدم البرج المذكور كان في دولة سيدنا الجد المولي إسماعيل لأنه هو الذي هدم سور المدينة، وزاد ما وراءه غربا في المدينة فيكون المراد بسنة خمس في عبارة التقييد المذكور سنة خمس وتسعين بعد الألف.
والمسجد الذي بناه زكريا لا زال إلى الآن قائم العين والاسم فوق الساباط المذكور ويعرف بمسجد سيدي يحيى، وقد كان فيما سلف أشرف على الاندثار، وفي هذه الأزمنة الحاضرة جدد كما جددت سقايته بعد ما تناولتها أيدي الاندثار أزمنة طوالا، بعد أن كان تعذر وصول الماء إليها، إلا أنها ليست الآن على ما وصفت به من النفاسة، ومن هذا الساباط إلى ناحية الباب الجديد يسمى الآن سويقة زعبول -بفتح الزاي المعجمة وسكون العين المهملة بعدها باء موحدة فواو ساكنة فلام- وسويقة مصغر: سوق، ومن هذا المحل إلى مسجد باب البراذعيين
стр. 119
كله يسمى بجناح الأمان وجناح الأمان هو الذي على يسار المار من باب الجديد إلى مسجد البراذعيين.
وأما ما على اليمين فإنما اكتسب تلك التسمية بالمجاورة، وأما الصومعة التي ذكر فلم يبق لها لهذا العهد رسم ولا وسم، وأما يدّر -بتشديد الدال وسكون الراء- فهو لفظ بربري، معناه بالعربية: يعيش، وولجوط لفظ بربري أيضا معناه بالعربية الشجاع، والمعنى يعيش ابن الشجاع.
وأما سوق الغبار الذي وصفه فلا يعرف له اليوم اسم ولا رسم، نعم ما وصفه ابن غازي به يكاد ينطبق على المحل المعروف بذراع اللوز الكائن خارج باب البراذعيين أحد أبواب العاصمة المكناسية الآن شمال المحل المعروف هناك ببرج العريفة يمتد عنه للغروب، وهو مشرف على حارة تاورا شمالا وعلى حارة بني موسى غربا، وبطرفه أعلى المحل المعروف بباب جَمّال -بفتح الجيم وتشديد الميم- أشجار من اللوز والزيتون، وقرب برج العريفة المذكور أثر بناء قديم يعرف الآن بالفنيدق.
وأما قبور الشهداء المشار إليها فهي التي على يمين المار من الباب المذكور لضريح الولي الشهير مولانا عبد الله بن حمد، وعلى يسار المتوجه منها لباب تزيمي أحد أبواب العاصمة أيضا الذاهب في الطريق المعروفة بقصبة الأعواد تصغير قصبة، والمقابر المذكورة تحيط بها أطلال سور قديم وليس ثم أثر صومعة، أما المسجد فلا زال أثره قائم الأطلال ممتلئ بالأزبال والقذرات، موقعه على يمين الخارج من باب البراذعيين بمقربة من قبور الشهداء، وكان به أثر سقاية وقنوات، وربما لا زالت تحت الأزبال إلى الآن، ويطلق الآن اسم السوق القديم على محل بزرهون موقعه بالموضع المعروف باب الرميلة بين الزاوية الإدريسية ومداشر موساوة وحمراوة، والأمغاصيين، إلا أن ما وصف به ابن غازي السوق القديم لا ينطبق على هذا المحل.
стр. 120
فصل: قال في "الروض": وكانت في المدينة بداوة ثم تمدنت واكتسبت حضارة، وزيد بعد [عام] الستمائة في جامعها الأكبر زيادة ظاهرة، وجلب إليها الماء على ستة أميال من عين طيبة الماء، عجيبة القدر بموضع يقال له تاجما، وأجري الماء إلى الباب [الشرقى] الجوفي من أبواب الجامع وسمي باب الحفاة، وكان متصلا بالباب الذي يسمي لهذا العهد باب الزرائعيين، وبنيت قريبا من هذا الجامع دار للوضوء حفيلة على مثال دار الوضوء بفاس، وهذا كله في أيام الموحّدين (١).
وقال إن الإمام أبا زكريا الوطاسي لما دخلها في القرن التاسع جدد بعض رسومها الدارسة وأنشأ بجامعها المجلس المسمي بالأسبوع لكون القراء يختمون فيه القرآن العزيز في كل أسبوع، وأمر بتحويل باب الحفاة إلى قرب دار الوضوء الكبرى التي تقدم ذكرها، ورأي أن ذلك أنسب من الباب الجوفي الذي كان قبل ذلك للحفاة كما تقدم، فلما حفر الصناع في الباب الموالي لدار الوضوء المذكورة ليبنوا به مجرى للماء وجدوا ذلك هنالك مبنيا بناء متقنا، ولم يكن عند أحد به علم، ولا بقي من مسني المدينة من عنده من ذلك خبر، فقضي الناس العجب من فطنة الأمير المذكور رحمه الله تعالى (٢).
قال: ويقال بلغت عمارتها إلى أن كان بها أربعمائة مسجد قال الأستاذ ابن جابر: وحول كل مسجد سقاية فالله أعلم من خطه.
قلت: أما أبو زكريا الوطاسي فإن تعبير ابن غازي عنه بالإمام مشعر بأنه كان سلطانا ولم يحفظ التاريخ ذلك فيما علمناه، وأبو زكريا يحيي بن زيان الوَطَّاسِي المريني الفاسي كان في القرن التاسع كما قال، ولكنه إنما كان وزيرًا لعبد الحق المريني وكان عادلا، توفي قتيلا غدرا سنة اثنين وخمسين وثمانمائة، أورد ذكره تقي الدين ابن فهد في لحظ الألحاظ بذيل طبقة الحفاظ (٣).
стр. 121
وكذلك ولي الوزارة لمن ذكر ولده أبو زكريا يحيي بن يحيي المذكور، ولكن هذا لم يكن له من أفعال الخير ما يذكر، بل كانت وزارته شرا على الأمة وعلى عائلته بالخصوص حتى إن وزارته لم تدم إلا سبعين يوما وأعقبها ذبحه وذبح جمهور عائلته، وذلك سنة ثلاث وستين وثمانمائة.
وهناك أبو زكريا وطاسي ثالث، وهو أبو زكريا يحيي بن أبي عبد الله الوطاسي المدعو البرتقالي، وهو أخو السلطان أحمد الوطاسي إلا أنه إنما كان أميرا من قبل أخيه على القصر، توفي فيه أسر السعديين سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة فهو متأخر عن التاريخ الذي ذكره ابن غازي.
وفي كلامه السابق تنبيه على ما كان للمتقدمين من الاعتناء بالمشروعات، فانظر إلى الحد الذي بلغه اعتناء أهل الدين بمحال تعبدهم وكل ما ينضاف إليها مما يتوقف عليه المتعبد، وناهيك بما قد بلغ من الاعتناء بماء عين تاجما المتقدمة الذكر من وقوع التحبيس على إصلاح مجاريه حتى لا يقع مانع من وصوله للمسجد الأعظم فمن ذلك دار بحَوْمَة القرسطون، إحدى حومات العاصمة، حبستها على ذلك امرأة مكناسية بتاريخ أوائل جمادى الأولى عام خمسة وعشرين ومائة وألف، وذلك في دولة السلطان مولانا إسماعيل، أما نفس العين فقد رأيت التصريح بأن إجراء مائها للمسجد المذكور كان في دولة الموحدين.
وكلام صاحب الروض في باب الحفاة أولا وثانيا صريح في أنه هو الذي أجري إليه الماء أيام الموحدين بعد الستمائة، وهو الواقع جوفي المسجد، ولا شك أن هذا الباب الجوفي هو المعروف بذلك الاسم الآن، وهو المقابل لعنزة المحراب المقابلة لمحرابه على ما في ذلك المحراب من تمام الانحراف عن القبلة.
وعليه فالتحويل الذي فعله الوَطَّاسي لم يستمر، بل رجع بعد ذلك اسم باب الحفاة إلى مسماه أيام الموحدين، واستمر على ذلك إلى الآن وإن خلا عن
стр. 122
المناسبة المعهودة في مثله من أبواب حفاة المساجد، وهي إعطاء ذلك الاسم للباب القريب من باب ديار وضوئها.
وكأن موجب ذلك سهولة وصول الماء من صحن المسجد إلى الباب الجوفي لقربه منه واتصال الصحن به، بخلاف الباب القديم فإن وصول الماء منه إليه ملزوم بطرف من محصر المسجد والمرور المذكور ملزوم لتعاهده بالإصلاح عند. موجبه، والتعاهد المذكور من لازمه تعذر التعبد في ذلك الطرف من المسجد في أزمنته المتكررة عادة، وإن شئت قلت دائما نظرا لإدمان وجود بلل أقدام الحفاة فيما حاذي الباب المذكور للمسجد الموجب لتعفين حصر المحل بذلك واتقاء المتعبدين لها، وقد تقرر أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبه اتجه لك وجه تكرر النسخ في القديم واستمرار العمل على نسخه، مع وجود مناسبة وجه التسمية فيه دون الناسخ، على أن هذه المناسبة وإن فقدت في الناسخ فقد خلفتها فيه مناسبة أخري وهي موافقته للمعهود في غالب أبواب حفاة المساجد الكبار من كونها جوفية، كبابي الحفاة في القرويين والأندلس بفاس، فإنها نافذة في الصحن وبهذا كله اتضح الحال، وانزاحت كل شبهة عن المجال.
وقول ابن غازي وكان متصلا ... إلخ، اسم كان فيه لا يرجع لهذا الباب الذي أجري إليه الماء أيام الموحدين، وإنما يرجع للمسمي باب الحفاة قبل ذلك، وهو القديم الذي وجدت آثار كونه باب الحفاة حين أمر الوطَّاسي بالتحويل إليه كما بينه بعد، أي وكان باب الحفاة قبل ذلك متصلا ... إلخ. فاهتدي إليه الوطاسي بوجود وجه التسمية فيه بعد ذهاب العلم بكونه كان هناك عن جميع أهل البلد من طول العهد بالتحول.
وهذا تسجيل من ابن غازي على أهل بلدته بأن إهمال التاريخ بلية قديمة فيهم وفيه إيماء إلى إقامة العذر لنفسه حيث اقتصروا على ذلك النزر في رَوْضِهِ هذا
стр. 123
وهو البحر علما، فيكون تقصير غيره معفوا بالأحري كما أومأنا لشئ من ذلك في ديباجة هذا الكتاب.
وبما تقدم بأن لك التئام كلام ابن غازي ومناسبة أوائله لأواخره ومطابقته للواقع الخارجي في كون باب الزرائعيين المعروفة بذلك في عهده وكذلك في عهدنا هذا، كان متصلا بباب الحفاة القديم الذي اهتدي إليه الوطَّاسي.
وزبدة الخبر أن باب حفاة هذا المسجد الجامع كان أولا هو المقابل لباب دار الوضوء وهو المتصل بباب الزرائعيين، ثم صار في أيام الموحدين هو الباب الجوفي الذي يدعي بذلك الآن، ثم رده الوطاسي إلى مسماه القديم، ثم رجع بعده في زمن غير معروف لدينا إلى الباب الجوفي، واستمر العمل على ذلك إلى الآن.
والماء الجاري لهذا الباب هو من الصهريج الصغير الواقع في صحن المسجد بمقربة من الخصة هنالك، ويعرف هذا الصهريج اليوم عند العامة بالكسيكيس بالتصغير، وماء هذا الصهريج يمر وسط المسجد في ساقية مزلجة غير مقبوة إلى أن يصل لباب الحفاة، والنهج الذي به هذا الباب يعرف في ماضي الأعصر بالشماعين، وفي حاضرها بقبة العطارين.
وأما مسمى باب الزرائعيين فهو البويب الصغير المتصل بباب الحفاة القديم الشرقي المعد هو أي البويب المذكور لدخول المؤذنين ليلا للمسجد ولا أذكر الآن وجه إضافته للزرائعيين.
وباب الكنيف المشار له قد حول منذ أعصر خوال وصار في محله، وكان للبيع والابتياع وأحدث لها باب بمنعطف الأصلي القديم، ولا زال قوس ذلك الباب ظاهرا للعيان في أعلى الدكان المذكور محدثا، كما أنه لا زال أثر قنوات باب الحفاة القديم ومحل انصباب فيض مائة للوادي المضاف الكبير المار بالشارع
стр. 124
العمومي إلى الآن، وقد كان باب الزرائعيين الماء الجاري كماجوره المتصل به، وبقربه عن يمين داخله أمام درب الفَرَسْطون -بفتح القاف والراء وسكون السين المهملة وضم الطاء بعدها واو ساكنة فنون- تنور كبير أي مجل يمتلئ من الماء الجاري في البابين المذكورين، وفي أعلى التنور ثقب نافذ لرحاب مستودع المسجد الأعظم يتناول منه الماء القيم بوظيف التوقيت والمؤذنون بحبل ودلو صونا لحرمة المسجد وأخذا بالأحوط فيما عسي أن يحدث لهم من الحدث الذي لا يبيح دخول المسجد، ولا زالت تلك الآثار المقدسة إلى حد الآن.
ومن ذخائر هذا المستودع الموجودة به إلى الحين الحالي الأسطرلاب (١) البديع الشكل المتقن الصنع مرقوم فيه بخط كوفي ما صورته: الحمد لله حبس هذا الأسطرلاب الباشا محمد بن الأشقر على منار الجامع الأعظم من محروسه مكناسة، انتهى.
وفيه بالقلم المشرقي: هذا حبس خديم المقام العالي المولى الإسماعيلي الباشا محمد الأشقر على منار الجامع الأعظم من محروسة مكناسة بتاريخ شقيح، انتهى.
وفي دائرته صنعه محمد بن أحمد البطوطي لطف الله به في سنة شقيح، انتهى.
قلت: والتاريخ المشار له بحروف لفظة شقيح (بشين معجمة فقاف فياء ومثناة تحت فحاء مهملة) هو عام ثمانية عشر ومائة وألف.
وجملة أبواب المسجد المذكور الآن أحد عشر بابا الثلاثة السالفات الذكر وباب الحجر سميت بذلك لأحجار ثلاث مسبوكات كانت مغروسة بين بابي المسجد والمدرسة المعروفة الآن بالفيلالية وفيما سلف بمدرسة القاضي ومدرسة الشهود، يمر على تلك الأحجار المتوضئ بالمدرسة المذكورة إذا رام الدخول
стр. 125
للمسجد وكان لهذه الأحجار قيّم على تنظيفها كل حين، وله على ذلك جراية شهرية من الحبس المعين لذلك.
ولم تزل تلك الأحجار قائمة والقَيّمَ على تنظيفها بالمرصاد طبق ما وصف إلى أن رصفت الدولة الحامية ذلك النهج كله بالحجر المنجور في الحين الحالي فأزيلت تلك الأحجار وانقطعت الجراية وأبطل العمل.
وباب الخضر وهو لا يفتح إلا يوم الجمعة ولا أدري ما وجه هذه التسمية ولا العلة في كونه لا يفتح إلا في يوم المذكور.
وباب تربيعة الذهب سمي بذلك لكونه في مقابلة تربيعة القيسارية المعدة الأزمنة الماضية لبيع الحلي والجواهر الثمينة النفيسة، وكانت محكمة القاضي متصلة بهذا الباب في تلك الأعصر، وهي الآن دكان تباع بها أنواع المتاجر، وهذه الأبواب الخمسة كلها في شرقي المسجد بالنهج المسمى في الماضي بسماط الشهود وفي الحاضر بزقاق ساباط السبْع -بسكون الباء.
وباب الخضارين وبجانبه متصلا به بويب صغير يدخل منه النساء لصلاة الجمعة والمؤذنون ليلا مثل باب الزرائعيين، وهذان البابان هما المقابلان لباب مدرسة الخضارين، وكان بين باب الخضارين هذا وباب المدرسة قبالته حجارات بالأرض على نحو ما كان في باب مدرسة الشهود وباب المسجد قبالتها، وباب سماط الشهود الآن، ويقابل هذا الباب المكتب الذي كان محكمة القضاة فيما سلف، ولم يزل معدًّا لذلك إلى زمان تولية شيخ بعض شيوخنا العلامة المتضلع النقاد حامل لواء المعقول والمنقول في زمانه سيدي أحمد بن سودة المري خطه القضاء بالعاصمة، وهذا المكتب لا زال إلى الآن قائم العين وسط سماط العدول المذكور، وقد كان هذا السماط فيما سلف وغَبَر، مُعَدًّا لبيع الخضر، ثم رجع سماطا لباعة الحرير يعرف بالحرارين، ثم رجع سماطا للعدول ولا زال كذلك إلى الحين الحالي.
стр. 126
وباب الكتب وإنما اكتسب هذه الإضافة لقربة من المكتبة العلمية، وهو الذي جعل بداخله شيخ الشيوخ القاضي ابن سَوْدَة المذكور المحكمة الشرعية بعد أن أهمل المكتب المعد لذلك لدي من تقدمه، ثم اقتفي أثره في اتخاذها لذلك نوابه ومن تولي بعده.
ولم تزل معدة لذلك إلى أن عينت الدولة الحامية المحكمة الشرعية أولا بدار اللب الشهيرة المعقبة على مؤذني الليل بالمسجد دون مؤذني النهار وقفت على رسم تحبيسها ولفظه: الحمد لله حضر لدي شهيديه التاجر الأوجه الخير الدين الأرضي الأبر السيد الحاج مسعود ابن المرحوم بفضل الله تعالى السيد الحاج محمد اللب الأندلسي، وأشهدهما على نفسه أنه متي حدث به حادث الموت الذي لا بد منه ولا محيد لكل مخلوق حي عنه، فجميع داره الكائنة بقبلة المسجد الأعظم من الحضرة العلية بالله مكناسة المفتوح بابها للمر الكبير الطالع للحمام الجديد المجاورة له ولزنقة المزطاري ولدار حرزوز التي هي الآن على ملك ولد عمه الأرضي الماجد المرتضى الخير الدين السيد الحاج محمد بن إبراهيم اللب النسب تكون حبسا على جميع بنات صلبه، مع زوجه معتقته الحاجة عافية، من تأيمت منهن واحتاجت للسكنى تسكن برأسها فقط من غير زوج ولا أولاد، فإن انقرضن عن آخرهن رجعت الدار المذكورة حبسا على أولاد السيد الحاج محمد بن إبراهيم اللب المذكور ذكورا وإناثا، للأنثى شطر ما للذكر في منفعة السكني وتسكن برأسها من غير أولاد ولا زوج، ثم أولاد الذكور منهم ذكورا منهم وإناثا، ثم عقب الذكور على نحو ما ذكر ووصف طبقة بعد طبقة ما تناسلوا وامتدت فروعهم، ولا يسكن الأبناء مع الآباء ولا من هو أحط رتبة من الأعلى إلا من استحق السكني لحاجة وفاقة، فيسكن مع من قبله إن حملتهم الدار، وإلا بأن كثروا فيخرج الغني للفقير ولو كان سابقا عنه، ولا يسكن من الإناث إلا من تأيمت واحتاجت للسكنى تسكن برأسها فقط كما ذكر، وجميع من ذكر من المحبس عليهم أولا وآخرا يسكن الدار
стр. 127
بنفسه، ولا يكري لأحد وإن اتسعت واحتاج لمن يسكن معه فيسكن من احتاج للسكني من الطبقة التي بعدها أو التي بعدها، ولا يكري أحد لأحد فإن انقرضوا عن آخرهم والبقاء لله وحده رجعت الدار حبسا على مؤذني الليل بمنار المسجد المذكور يشتركون في ذلك على حد السواء، ولا يدخل معهم مؤذنو العشاءين في ذلك حبسا مؤبدا ووقفا مخلدا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، ومن بدل أو غير فالله حسيبه وسائله وولي الانتقام منه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، إشهادا صحيحا طوعيا قصد به وجه الله العظيم والدار الآخرة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخيب لراجيه وقاصده أملا، شهد عليه بذلك عارفا قدره وهو بحال كماله وعرفه وفي أوائل جمادي الثانية عام خمسة وثلاثين ومائة وألف، انتهى.
عينت المحكمة الشرعية الدولة الحامية ثانيا من دور الحبس كان يسكنها في غابر الأعصر مزاور المؤذنين المكلف بالتوقيت وآلاته بالمسجد الأعظم، وآخر من سكنها من أولئك المكلفين السيد الجيلاني الرحالي وإن لم يعط وسم مزوار وبها توفي، كما سكنها قبله قاضي مكناس أبو محمد العباس بن كيران مدة، وكان بابها داخل باب الجنائز الخارجي أحد أبواب المسجد المذكور المقابل -هو أي الباب- لمسجد الحجّاج عَلَى يسار الداخل منه للمسجد، تنفتح دفة الباب على بابها رحم الله آباءنا المتقين، ما أشد اعتنائم واحتياطهم لأمور الدين، اختاروا لسكني الموقت الذي عليه المدار في معرفة أوقات الصلوات التي هي من الدين بمنزلة الرأس من الجسد هذه الدار التي كادت أن تكون من نفس المسجد تيسيرا عليه ورفقا به وجمعا له بين مصلحتي المحافظة على القيام بحق الرب المعبود وحق الأهل.
ولما عينت هذه الدار محكمة أغلق بابها الأصلي المشار وأحدث لها باب بالشارع العمومي المار وسط سماط العدول بين باب الكتب المذكور في جملة أبواب المسجد وباب الجنائز.
стр. 128
وهذه الأبواب الخمسة كلها في الجهة الغربية من المسجد الجامع وفي هذا المسجد العظيم المقدار ثريات ثلاثة من الصفر (١) مكتوب بالدائرة الأولى من كبراها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا ... إلخ السورة، وفي دائرتها الثانية بعد الاستعاذة والبسملة والصلاة عليه ﷺ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا ... إلخ السورة، وفي دائرتها السفلي صنعت هذه الثرية بمدينة فاس حرسها الله لجامع مكناسة شرفه الله بذكره، وكان الفراغ من عملها في العشرين من شهر ذي القعدة عام أربعة وستمائة.
وفيه مائة وثلاثة وأربعون قوسا، ومن الأساطين مائة أسطوانة (٢) وأربعة وثلاثة أسطوانة وهذا العدد غير شامل للأساطين الملصقات بالجدارات.
فائدة: أول من أحدث الأساطين للظلال وهي مجانب مسقفة تظل الناس وتكنهم من الشمس والمطر عبد الملك بن مروان وذلك عام ثمانين، انتهى.
وفي المسجد من الصفوف المصطفة المتباعدة الأكناف، البالغة في محاسن الأوصاف، تسعة الصف الأول منها عديم النظير في اتساع العرض، إذ عرضه ستة أمتار وأربعة وثمانون سنتيما (٣)، وهذا القدر لم أر ما يحاكيه في عرض صفوف غيره من المساجد، نعم عرض الصف الأول من جامع المنصور بمراكش يزيد عليه بواحد وأربعين سنتيما إذ عرضه سبعة أمتار وخمسة وعشرون سنتيما، وطوله خمسة وسبعون متر، أما عرض صفوف جامع بني أمية بدمشق الشام فيفوق الجميع إذ عرض كل بلاط من البلاطات الثلاث نحو التسعة أمتار.
وطول مسجدنا المكناسي من جدار المحراب إلى العنزة تسعة وثلاثون مترا وعشرون سنتيما، وعرضه من الجدار الشرقي إلى الجدار الغربي أربعون مترا
стр. 129
وخمسة وتسعون سنتيما، وطول صحنه واحد وعشرون مترا وأربعة عشر سنتيما، وعرضه سبعة عشر مترا وواحدا وأربعون سنتما، وعرض الجناح الأيمن خمسة عشر مترا واثنان وعشرون سنتيما، وعرض الجناح الأيسر أحد عشر مترا وأربعة عشر سنتيما، وعرض كل ربع من أرباع مناره خمسة أمتار وخمسون سنتيما، وسعة كل جدار منها متر واحد وسبعون سنتيما، وعدد درجها مائة درجة، وثلاث عشرة درجة علو كل درجة عشرون سنتيما.
قال في الروض: وكانت الصاعقة نزلت أيامهم يعني -بني مرين- على صومعة جامعها أي مكناسة الأعظم والناس في صلاة العصر فقتلت نحو سبعة رجال وهدت بعض أركان الصومعة ودخلت في تخوم الأرض بباب بإزاء الصومعة يعرف اليوم بباب الزرائعيين، فانتدب لبنائها شيخ الإسلام الفقيه أبو عمران موسى بن معلى المعروف بالعبدروسى، واستنجد أهل اليسار منهم فجمعوا من المال ما أصلحوا به ما انثلم من الصومعة المذكورة فيما حدثني به والدي والشيخ المعمر أبو زيد عبد الرحمن النيار موقت الجامع المذكور ومزوار (١) مؤذنيها، انتهى. من خطه (٢).
قلت: الصاعقة نار تسقط من السماء لها رعد شديد. قال في روح البيان: ولا دخان لها وتتوالد في السحاب، وهي أقوي نيران هذا العالم فقد تغوص في البحر، وتحرق الحيتان داخله، وعن ابن عباس رفعه: إن الملك الذي يسوق السحاب إذ اشتد غضبه طارت من فيه نار وهي الصاعقة. وعند الحكماء أنها أثر اصطكاك كهربائتين إحداهما صاعدة والأخرى نازلة.
وعند النيسابوري في تفسير قوله تعالى (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ... إلخ، إن القوى الفلكية إذا وقعت على العناصر بإذن الله فحركتها وخالطتها حصل من اختلاطها موجودات شتى من سحاب ومطر وطل وثلج وبرد
стр. 130
وريح ورعد وصواعق، وبعد أن بين كيفية تولد ذلك قال: فهذا القدر من الحقائق في هذا المقام لا ضير في معرفتها، بعد أن يعتقد انتهاء أسبابها إلى مدبر الكل سبحانه، انتهى. ونبه بهذا على رد ما شرحه الحكماء الفلاسفة في هذه الحقائق إلى الأصل الأصيل الديني من أنه لا فاعل إلا الله سبحانه، وأن ذلك لا ينافي إجراء الموجودات على ما تقتضيه الحكمة من قرن الأمور بأسبابها العادية.
وقد أشار لمثل ذلك الرازي أيضا عند قوله تعالى: هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا ... إلخ، وإن أنكر ذلك عليه أبو حيان قائلا: هذا الرجل غرضه جريان ما تنتحله الفلاسفة على مناهج الشريعة وذلك لا يكون أبدا، انتهى.
وبحثه هذا مع الرازي غير وجيه، لأنه لم يقصد تنزيل كلام الحكماء من حيث كونه رأيا لهم على مناهج الشرع، وهم لا يرون ذلك، ولا يقولون بالفاعل المختار وينسبون الأفعال للطبيعة، بل قصده ربط المسببات بأسبابها، وأما ما قدمناه عن النيسابوري فهو بيان لكيفية ربط هذه المسببات بأسبابها العادية التي اقتضتها. الحكمة الإلهية وأتقنت كل شئ صنعا من غير تعريج على نسبة ذلك لرأي الحكماء، بل مع التصريح بمنافيه وهو كونه فعلا ومن آثار قدرته وبديع حكمته.
وحينئذ فبحث أبي حيان مع الرازي لا يرد على النيسابوري وعلى ذلك والله أعلم حمل الشيخ زكريا والحافظ السيوطي صنيع البيضاوي في تخريجه آي التنزيل في هذه الحقائق على مثل الكيفية التي شرحها النيسابوري، ولذلك أرى كلامه في حواشيهما على تفسيره، وبه يجاب عن تعقب الإبريز بقوله: على ناصر الدين البيضاوي درك في تفسير قوله تعالى: وينزل من السماء من جبال فيها برد بطريقة الفلاسفة، والعجيب من سكوت الحافظ السيوطي في الحاشية على ذلك وكذا شيخ الإسلام زكريا في حاشيته عليه، انتهى. فليتأمل.
قيل والصاعقة تسقط عادة على أرفع شيء وخصوصا البارز كالجبال دون الأرض السهلة والحارة، وقد يؤيد ذلك نزولها هنا على خصوص الصومعة. المرتفعة
стр. 131
لكن قال في الإبريز: القول بأن الصاعقة لا تنزل في الأرض السهلة المستوية الحارة غير صحيح، فإنا شاهدناها تنزل في سلجماسة وهي أرض مستوية سهلة حارة صحراء، ولا أحصي كم شاهدناها تنزل فيها.
وقد ذكر السيد في شرح المواقف أن صبيا كان في صحراء فأصاب رجليه صاعقة فسقط ساقاه ولم يخرج منه دم، وقد ذكر المفسرون نزولها في الصحراء عند قوله تعالى: ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء، انتهى. وترجمة أبي عمران العبدوسي تأتي بعد.
وطول محراب مسجد هذه الصومعة متران اثنان وثمانون سنتيما وعرضه متر واحد وسبعون سنتيما.
وفي الجهة الغربية منه المكتبة العلمية الجامعة لمحاسن الكتب القديمة لولا اختلاس جُلّ نفائسها ومد اليد العادية في ذخائرها الثمينة وإضاعة باقيها من ولاة الأحباس بعدم التعاهد والإصلاح أولا وتعطيل منفعتها بغلق أبوابها عن القراء ثانيا، حتى آل الأمر بسبب ذلك إلى أن صار الكثير مما بقي من كتبها التي يعز أن توجد في غيرها إلى حد لا ينتفع به أصلا لتمزقه وتلاشيه ووضعه في محل الكناسة والأزبال، وذلك من المفاسد التي لا تباح.
ومن العظائم التي أوقعت في الجناح، مع كون جانب الحبس غنيا، وبتجديد ذلك ورده إلى حال شبابه مليا، وهلا أيقظ ولاة الأحباس فعل الدولة الحامية فيما شيدته من المكتبة العلمية العديمة المثال بالمدرسة العليا بعاصمة الرباط وجلبت إليها نفائس الكتب المغربية وغيرها، ونصبت بها القيمين المهرة الحازمين المتلقين للقراء في كل حين بأوجه ضاحكة، مع تسهيل مناولة مقصد القارئ منها وإعانته على نيل بغيته، مع أنك إذا نظرت في مصارف الأحباس تجد الكثير منها يخرج في مقابلة لا شئ، إنما هي أسماء لا حقيقة لمسمياتها، كما تجد العدد الوافر منها
стр. 132
يخرج فيما لا أهمية له في نظر المحبس ولا في نظر الشرع، زد على ذلك وقوع التعذير في كل حين في غير المرموق بعيون أولي الأمر من المساجد ورباعها، فإذا تهدم جانب أو منفعة من منافعه أو ربع ينتفع به فيه مما هو بعيد عن التفات من ذكر ترك نسيا منسيا، حتى تعمل في مجموعه عوامل الخراب ولا يبقي له رسم ولا طل والأمر لله من قبل ومن بعد، اللهم يا مولانا وفق ولاة أمرنا لما فيه حياة شعبنا، وصلاح ديننا وسددهم وأعنهم على ذلك.
وأما مجلس الأسبوع الذي ذكر ابن غازي أن الوطاسي أحدثه، فهو الذي في أعلى ساباط الأسبوع المحمول على الجهة العليا من الجدار الشرقي للمسجد الجامع المذكور، وعلى الجدار المقابل لذلك من جدارات مدرسة القاضي المشار لها، وباب هذا المجلس هو في الصف الأول من المسجد، وقد بين ابن غازي وجه تسميته بذلك فيما مر عنه، لكن ذلك الوجه لم يستمر بل خلفه وجه آخر وهو قراءة سبع القرآن به في المصحف الذي حبسه جدنا من قبل الأم فخر الدولة العلوية بعد جده مولانا إسماعيل سيدي محمد بن عبد الله، فمن مناقبه -قدس الله روحه- تحبيسه لمصحف عتيق بخط بارع، تراجمه وسوره وأجزاؤه بالقلم الكوفي الذي لا يوجد له مثيل، سفره من ألواح الساج البديع المرصع بالصفائح المموهة بالذهب اللطيفة الشكل، قرأت عقد تحبيسه بأول ورقة من ذلك المصحف بتاريخ الثامن عشر من رجب عام سبعة وسبعين ومائة وألف، على خزانة الجامع المذكور.
وفي هذا المصحف كانت تكون قراءة السبع الواحد من القرآن بالمجلس المذكور كل يوم، وافتتاح أولها يوم السبت، وختم آخرها عند جلوس الخطيب على المنبر يوم الجمعة، وتقسيم هذه السباع على النهج المبين في قول القائل:
فإن تشأ فقف على ما قد وقف ... عليه خير مرسل مع السلف
وذاك في العقود لا النساء ... ويونس وسورة الإسراء
والشعرا وسورة اليقطين ... وقافها والختم بالتبيين
стр. 133
ومعنى هذه الأبيات إن أردت أيها القارئ المتعبد بالتلاوة موافقة السنة وعمل سلف الأمة في تعبدك وتلاوتك، فقف وقفا ليس بالواجب عليك في يوم افتتاحك على سورة العقود، وفي ثانيه على سورة يونس، وفي ثالثه على سورة الإسراء وفي رابعه على سورة الشعراء، وفي خامسه على سورة اليقطين، وفي سادسه على سورة قاف، وفي سابعه يكون الختم ويدل لهذا ما في النوع الخامس والثلاثين من الإتقان من أن قراءة القرآن في سبع هي أوسط الأمور وأحسنها، وهو فعل الأكثرين من الصحابة وغيرهم، وما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمرو، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أجد قوة، قال: اقرأه في عشر، قلت: إني أجد قوة قال: "اقرأه في سبع ولا تزد على ذلك".
وما أخرجه أبو عبيد وغيره بن طريق واسع بن حَبَّان (١)، عن قيس بن أبي صعصعة وليس له غيره أنه قال: يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ قال: "في خمسة عشر قلت: إني أجد أقوي من ذلك، قال: اقرأه في جمعة".
وقول ابن أبي زيد في الرسالة ومن قرأ القرآن في صبع فذلك حسن، انتهى.
قال الشيخ زروق: يعني أن الختم في كل أسبوع حسن، وعلى ذلك كان السلف فمنهم من يجعلها بين الليل والنهار، ومنهم من يجعل ختمة بالليل وختمة بالنهار فيختمون الليلة ليلة الجمعة، والنهارية يوم الاثنين، ويكون ذلك أول الليل وأول النهار يستغفر له الملائكة في بقية يومه، وقد اختلفت طرقهم في التجزئة وأحسنها في اليوم الأول ثلاث سور، وفي الثاني خمس، وفي الثالث سبع، وفي الرابع تسع، وفي الخامس إحدي عشرة، وفي السادس ثلاث عشرة، وفي السابع يختم بقيته إلى أن قال: ومنهم من يجزئ بالأحزاب والآي ونحو ذلك، وكلٌّ واسع وفعل السلف أحسن.
وقال الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء: "قيل إن أحزاب القرآن سبعة،
стр. 134
الحزب الأول ثلاث سور، والحزب الثاني خمس سور، والحزب الثالث سبع سور، والحزب الرابع تسع سور، والخامس إحدى عشرة سورة، والسادس ثلاث عشرة سورة، والسابع المفصل من قاف هكذا حزبه الصحابة، وكانوا يقرءونه كذلك".
قال العراقي في حديث تحزيب القرآن سبعة أحزاب رواه أبو داود وابن ماجه من حديث أوس بن حذيفة في حديث فيه قال أوس فسألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف تحزبون القرآن؟ فقالوا ثلاثا وخمسا وسبعا وتسعا وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل.
وفي رواية للطبراني فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ كيف كان رسول الله ﷺ يحزب القرآن؟ فقالوا كان يحزبه ثلاثا فذكره مرفوعا وإسناده حسن، انتهى.
وقال أبو حامد أيضا ينبغي أن يكون الختم ما بين الشهر إلى الجمعة فيكون إذا أبطأ ختم القرآن في الشهر مرة، وإذا عجل لم ينقص من الجمعة.
ولم يزل العمل مستمرا على قراءة ذلك المصحف بالمجلس المذكور ويختم في كل أسبوع كما تقدم إلى زمن نظارة ابن عمرو على الأحباس بمكناسة، وقد كان ناظرا عليها في دولة الأمير المطاع الأمر مولانا الحسن قدس الله روحه في فراديس الجنان، وابن عَمْرو هذا، هو الحاج محمد بن عمرو الصنهاجي أصلا، المكناسي نشأة ودارا ووفاة، كان من رؤساء مكناسة وذوي الوجاهة بها والصيت الذائع والثروة ذات البال بالنسبة لأهل جلدته، تقلب في عدة وظائف مخزنية منها ولاية رياسة الأمانة على الأملاك المخزنية، ومنها الولاية على البناءات السلطانية الحسنية، ومنها الولاية على غير الرشداء من أولاد أفراد أعيان العائلة الملوكية لما كان له عند الجلالة السلطانية من المكانة، والحمل على الصدق والأمانة، ومنها ولاية النظر على عموم الأوقاف المكناسية والزرهونية مما عدا الزاوية الإدريسية فقد
стр. 135
كان لها ناظر مستقل، اتفق في نظارته أن مات القيم بالأسبوع المذكور في المجلس المشار وحين رام من له النظر في الأمور الشرعية بمكناس وقتئذ إقامة خلف للقيم المذكور وأمر الناظر أن يجرى له من الأحباس مثل ما كان لمن قبله زعم أن القيم السابق لم يكن له راتب معين في الحبس، وإنما كان متطوعا، فكان في جوابه هذا وامتناعه من دفع الإعانة إبطال ذلك المشروع الحسن، في ذلك المجلس المستحسن نعم ذلك المجلس هو وإن هجر عن المشروع المتقدم فقد تلافته بقايا السعادة بأن جعل الآن مكتبة علمية على ما سبق فيها، ونسيت المدرسة المتقدمة الذكر للقاضى لكون القاضى أبى على الحسن بن عطية (١) الونشريسى كان يدرس بها، وأضيفت للشهود لأنها كانت بأعلى سماطهم وهو محل باعة الخضر الآن ويعرف بنهج الخضارين كما تقدمت الإشارة لذلك.
ومؤسس هذه المدرسة هو أبو يوسف المرينى (٢) كما سيمر بك قريبا، وأضيف الساباط للأسبوع لارتفاع المجلس الأسبوعى السالف الذكر عليه.
وبالمدينة اليوم من المساجد ما بين صين وساقط ومتداع للسقوط نحو ثمانية وسبعين والباقى من العدد السابق عن ابن غازى، منه ما صار دورا، وبساتين وقصورا، ومنه ما اندثر ولم يبق له خبر ولا أثر.
والمعد للخطبة منها اليوم اثنا عشر مسجدا ودونك عدّها: ١ المسجد الأعظم المعروف بالجامع الكبير، و ٢ المسجد العتيق وهو المعروف بجامع النجارين، و ٣ جامع الزيتونة، و ٤ جامع باب البراذعيين، و ٥ مسجد سيدى عبد القادر العلمى، و ٦ مسجد سيدى سعيد، و ٧ مسجد القصبة السلطانية، و ٨ مسجد قصبة هدراش ويعرف بجامع لال خضراء، و ٩ مسجد الأزهر الموسوم بجامع الأروى، و ١٠ مسجد قصبة بريمة، و ١١ مسجد السيد الحاج القدوة الولى الشهير، و ١٢ مسجد بقصبة تولال.
стр. 136
وبها من الصوامع التي ينادى بها للصلاة ثمانية وعشرون: ١ صومعة العتق وهو جامع النجارين، و ٢ صومعة المسجد الأعظم، و ٣ صومعة جامع الزيتونة، و ٤ صومعة جامع باب البراذعيين، وه صومعة سيدى أحمد بن خضراء، و ٦ صومعة سيدى عبد القادر العلمى، و ٧ صومعة جامع الصباغين، و ٨ صومعة جامع التوتة، و ٩ صومعة جامع براكة، و ١٠ صومعة جامع ابن عزو، و ١١ صومعة جامع الزرقاء، و ١٢ صومعة جامع الساباط، و ١٣ صومعة سيدى اليابورى، و ١٤ صومعة جامع القصبة المعروف بلال عودة، و ١٥ صومعة الضريح الإسماعيلى، و ١٦ صومعة باب مراح، و ١٧ و ١٨ صومعتان اثنتان بدار المخزن السعيدة، و ١٩ صومعة جامع قصبة هدراش المعروف بلال خضراء، و ٢٠ صومعة. جامع الأروى، و ٢١ صومعة سيدى سعيد، و ٢٢ صومعة جامع الدار البيضاء بآجدال، و ٢٣ صومعة سيدى الحاج القدوة، و ٢٤ صومعة بريمة، و ٢٥ صومعة جامع سعدون، و ٢٦ صومعة سيدى الورزيغى، و ٢٧ منار جامع تولال، و ٢٨ منار جامعه جراوة بالجبابرة.
وبها من السقايات نحو السبعين والباقى أمسى في خبر كان والبقاء لله وحده.
فصل: قال في "الروض": وكان بهذه المدينة في أيام الموحدين ثلاث حمامات البالى والجديد والصغير، وهى باقية لهذا العهد، وكان أحدث فيها أبو زكريا يحيى بن غُنْصَالْبَهْ المهاجر المعروف بابن أخت ألفنش في العشرة الثانية من القرن السابع حماما كبيرا حفيلا محكما فجاء في غاية الإتقان، وكان أبو زكريا هذا فنشيًّا، هاجر إلى سلطان الموحدين واستوطن مكناسة مظهرًا لدين الإسلام، وكان يسكن بها في دار كبيرة بشرقى الجامع الأعظم مقابلة لأحد أبوابه تنسب لعلى بن أبى بكر أحد حفاظ الموحدين، [كان] قد ولى العمل بها، وكان أبو زكريا
стр. 137
هذا قائد فرسان يتصرف في ردع شرار البربر الرحالين، وكان في زى الموحدين فاعلا للخير محبا في أهله، وله في إِحداث هذا الحمام مناقب اشتهرت عنه من إرضائه أصحاب الديار التي اشتراها لذلك في أثمانها وغير ذلك، وعمر هذا الحمام ما شاء الله ثم خرب منذ زمان، وآثاره باقية لهذا العهد عند سوق الغزل منها، وفيه يقول الأستاذ أبو عبد الله بن جابر في رجزه المسمى بنزهة الناظر:
وإنما الحمام كان الفنش ... ذاك الذى إذ كان كان العيش
إلى أن قال وقد كان الشيخ أحمد اللحيانى الورتاجنى أيام قيامه بمكناسة أحدث بها حماما حول داره ودثر بعده، ثم عمر لهذا العهد ينسب إليه فيقال له حمام المرينى، وهو الآن رابع حماماتها، انتهى. من خطه (١).
قلت: قوله غُنْصَالبه هى -بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الصاد مشبعة بعدها لام ساكنة فباء مفتوحة فهاء سكت- هكذا ضبطه بخطه.
وسلطان الموحدين الذى كان في العشرة الثانية من القرن السابع هو المنتصر بالله بن الناصر بن يعقوب المنصور، وأما الحمام البالى فإنه لا زال قائم العين إلى الحين الحالى، إلا أنه لا يعرف اليوم بهذا الوصف، وهو المعروف بحمام مولاى عبد الله بن أحمد، ويدل لذلك تصريح بعض المقيدات الحبسية الموثوق بصحة خبرها بذلك ودونك نصها: ومنها أى من العقارات الحبسية الكوشة المتصلة بالحمام البالى المعروف بحمام مولاى عبد الله بن أحمد، انتهى.
وأما الحمام الجديد فإنه لا زال قائم العين معروف الاسم إلى الآن.
وأما الحمام الصغير فإنى لم أقف على تعيين مسماه الآن، إلا أن الغالب على الظن أنه حمام التوتة، إذ هو أصغر حمام يوجد في البلد مع ظهور قدمه.
وأما حمام أبى زكرياء الفنشى فقد قال بعض من تأخر زمانه في طرة قيدها
стр. 138
على كلام "الروض" هنا ما لفظه: أدركنا هذا الحمام وقد اتخذ معصرة للزيتون، وبقى كذلك سنين متطاولة والآن جعل محلا لعمل البارود بسويقة باب البراذعيين في قبلة ضريحى الوليين سيدى عبد الله الدراوى وسيدى أحمد بن خضراء نفع الله المسلمين ببركاتهما، وما زال الحمام على قبتين محكمتى البناء على أعمدة من الحجر المنحوت، انتهى.
قلت: هذه الأوصاف تنطبق تمام الانطباق على المعصرة القائمة العين الآن المجاورة للفرن الكائن بالسويقة المذكورة المعروفة اليوم بسويقة جبالة، ولا زالت إحدى القبتين شاخصة إلى الآن بالمعصرة المذكورة ولم يبق أثر لتلك الأعمدة الحجرية، نعم يوجد ثَمَّ بناء بالحجر المنحوت لا يبعد أن يكون هو حجر تلك الأعمدة، كما أن الذى تعطيه القرائن أن ذلك الفرن المتصل بها هو عين القبة الثانية هدمت وبنى الفرن في محلها والله أعلم.
وأمام حمام المرينى فهو الحمام المعروف اليوم بحمام السويقة ويستفاد ما يدل لذلك من بعض التقاييد الحبسية الموثوق بخبرها أيضا، إذ فيها تجوير درب الست هنو بحمام المرينى والحمام المجاور لذلك الدرب هو حمام السويقة.
وأما سوق الغزل بالمحل الذى أشار له ابن غازى فلا يعرف الآن، والذى أدركناه موضعه بمقبرة سيدى أحمد الدراوى التي كان يخرج إليها من الباب الذى كان بوسط العشابين خارج باب بريمة، وقد حول حين حلت الفتن وكثر الهرج أواخر الدولة العزيزية إلى زاوية من روايا بطحاء الهديم وأُغلقت باب المقبرة المذكورة خوف هجوم الرعاع على العاصمة منها، وكان غلق هذا الباب فاتح واحد وعشرين وثلاثمائة وألف، -ولا زال سوق الغزل يعمر بالهديم إلى الآن كل صباح.
هذا وعدد حمامات المدينة اليوم أحد عشر ودونك أسماءها: ١ حمام سيدى
стр. 139
ملوك، ٢ حمام التوتة، ٣ حمام تربيعين، ٤ حمام السويقة، ٥ حمام مولاى عبد الله بن أحمد، ٦ حمام باب البراذعيين، ٧ حمام مولاى إسماعيل، ٨ حمام لال خضراء، ٩ حمام جامع الزيتونة، ١٠ حمام الجديد، ١١ حمام الحرة ويعرف بحمام سيدى عمرو بو عوادة، ويمكن أن تكون الحرة التي أُضيف إليها هذا الحمام هى أم أيمن بنت على البطوئى (١) أم السلطان يعقوب بن عبد الحق المرينى لأنه كثيرا ما تذكر في الكتب التاريخية بالحرة والله أعلم.
والذى يعين أنه هو المضاف اليوم لبوعوادة الولى المتبرك به هو ما في "ممتع الأسماع" ولفظه: أبو حفص عمرو بن عوادة دفين حومة حمام الحرة من مكناسة، وأما الدار التي كان يسكنها الفنشى فوصف ابن غازى لها يقضى بأنها في موقع مدرسة الشهود المتقدمة الذكر، أو سوق البز المعروفة بالقيسارية.
وعدد دور المدينة الآن ثمانية آلاف دار وخمسمائة وخمس عشرة دارا.
وعدد دكاكينها أربعة آلاف تقريبا.
وعدد حوماتها تسعة وعشرون وهى حومة حمام الجديد، وزقاق القلمونة، وأروى مزيل، وجامع الزيتونة، وقعر وردة، وفرن النوالة، وسيدى أحمد بن خضراء، وعقبة الزرقاء، والتوتة، وتزيمى الكبرى، وتزيمى الصغرى، وجناح الأمان، وزنيقة الأنوار، وجامع النجارين، وظهر السجن، والصباغين، وبريمة، وقصبة هدراش، وباب مراح، وسيدى عمرو الحصينى، وسيدى النجار، والدريبة، والستينية، والدار الكبرى، والأروى، والجبابرة، وبنى محمد، والدار البيضاء، والملاح.
وأما بالنظر إلى التقسيم فمكناس كغيره من مدن الإِيالة ينقسم كما في البستان، في تخطيط البلدان، ثلاثة أقسام: القصبة المولوية، والمدينة الأصلية، والملاح، والسور محيط بالجميع.
стр. 140
وعدد أرجاء الماء بها اليوم اثنتان وأربعون، وعدد الأفران اثنان وثلاثون، وعدد الطرازات المعدة لنسج الصوف ثمان وعشرون، وعدد الإصطبلات تسع وأربعون، وعدد معامل الزليج والأوانى الخزفية وما شاكلها تسعة عشر.
وعدد سكانها من الأهالى ثمانية وعشرين ألف نسمة ومائتان وسبع على ما أنتجه الإحصاء الأخير، والذى يظهر من تساهل المكلفين بهذا الإحصاء وعدم ضبطهم أن عدد السكان يزيد على ذلك بما ينيف على العشر، وأما عدد سكانها من الإسرائليين فخمسة آلاف وسبعمائة وثلاثة وستون، وأما سكانها من الفرنسيين المدنيين فألف وتسعمائة، وأما سكانها من الأجانب غير الفرنسيين فسبعمائة وتسعة وخمسون، فجميع السكان على هذا ست وثلاثون ألفا وستمائة وتسع وعشرون، وقد أشرنا إلى أنه لا معول لمن رام التحقيق على هذا الإحصاء فقد أغفل أهله عائلات كثيرة من الأهالى والأجانب.
فصل: قال ابن غازى: وذكر ابن خلدون أن السلطان أبا يوسف المرينى لما فرغ من بناء البلد الجديد المسمى بفاس الجديد، أمر ببناء قصبة مكناسة، انتهى من خطه (١). زاد غيره وجامعها، انتهى. أى أمر ببناء جامع القصبة معها، وزاد ابن خلدون فشرع في بنائها من سنته، انتهى. يعنى سنة أربع وسبعين وستمائة كما بينه هو وابن أبى زرع وغيرهما.
والشروع في بناء فاس الجديد اتفقت كلمتهم على أنه كان في شوال من السنة المذكورة زاد في "روضة النسرين" وغيرها أن ركوب ابن يوسف من القصبة القديمة بفاس وخروجه لتأسيس فاس الجديد وحفر، أساسه كان ضحى يوم الأحد ثالث شوال عامه، وزاد ابن أبى زرع أن أمره ببناء قصبة مكناسة كان في شوال المذكور.
قلت: فعلى هذا كان الشروع في فاس الجديد والفراغ منه في ظرف نحو العشرين يوما لا غير، وهو في غاية البعد، والذى عند ابن خلدون أن كمال
стр. 141
بناء المدينة المذكورة وسكنى الأمير المذكور بها كان سنة أربع وسبعين وستمائة، انتهى.
فلم يصرح باليوم والشهر اللذين كان فيهما ذلك، فجاز أن يوافق ما صرح به ابن أبى زرع، وجار أن يخالفه وهو الظاهر، ويعضد ذلك ما في الحلل الموشية لابن الخطيب، وهذا لفظ ما في النسخة المطبوعة الآن منها، وفيها أى في سنة أربع وسبعين وستمائة ابتدئ بناء البلد الجديد بخارج مدينة فاس وهو المدينة البيضاء وتم في ذى الحجة سنة سبع وسبعين وستمائة، انتهى.
والظاهر صحة ما قاله ابن الخطيب، فإن العادة في البناء الكثير وخصوصا مدينة أن لا يتم إلا في أعوام، وسيمر بك أن مدة بناء سيدنا الجد المولى إسماعيل للقصر الكبير بمدينتنا مكناسة ثمانى سنين مع ما كان عليه من ضخامة الملك وشدة الحرص على البناء، مما لا يساويه فيه بل ولا يدانيه بانى فاس الجديد، وسيمر بك في كلام الزيانى وغيره شاهد ذلك، وفى كلامه زيادة على ما لابن خلدون بتعيين الشهر الذى وقع الفراغ من بناء فاس الجديد فيه وهو ذو الحجة، وفيه مخالفة أيضا لابن أبى زرع في وقت الشروع في قضبة مكناسة، فصريح كلام ابن أبى زرع أنه كان في شوال، ومقتضى ما لابن الخطيب أنه في ذى الحجة وهو الظاهر والله أعلم.
ثم هذه القصبة قصبة مكناسة المحدث عنها لم يتنازل أحد من المؤرخين فيما رأينا للتصريح بما يحقق تحديدها وتفاصيلها، غير أن الشواهد والقرائن التي تعطيها نصوصهم ترشد إلى أن موقعها كان فيما بين منتهى جامع القصبة المعروف بهذا الاسم قديما وحديثا وبجامع لآل عودة أيضا، وبين السور الواقع بإزائه الذى هو آخر القصبة الإسماعيلية المحيطة بالقصور الملوكية المعدة لسكنى العائلة الآن.
وأما تحقيق حدود القصبة المرينية في هذه المساحة التي أرشدت إليها قرائن
стр. 142
نصوصهم وكذلك الجزم ببقاء شئ من عينها بعد الإضافات الكثيرة والتجديدات الهائلة التي أنشأتها الهمة الإسماعيلية هناك، فهو مما لا سبيل إليه في هذه الأزمنة الحاضرة، وحسب الواقف هنا قبول هذا الخبر التاريخى من غير تطلب لمطابق له خارجا، وسنأتى بحول الله من تفاصيل تأسيسات الجد مولانا إسماعيل وهائل تخطيطاته في قصبته ما يزيح عنك البين، ويدفع عنك فيما سطرناه المين.
نعم جامع القصبة المذكور سيأتى لنا ترشيح أنه هو جامعها المرينى المأمور ببنائه معها، وإن كنا لا نجزم بأن البناء الموجود فيه الآن هو الأصلى وسننبه على ما عينه النص فيه أنه من الأعمال الإسماعيلية أو غيرها والله أعلم.
وأبو يوسف بانى القصبة المذكور، هو أمير المسلمين يعقوب بن الأمير أبى محمد عبد الحق الزناتى المرينى وهو سادس سلاطين الدولة المرينية لقبه القائم بأمر الله والمنصور بالله، مولده سنة تسع وستمائة، وبويع سنة ست وخمسين، وتوفى سنة خمس وثمانين وستمائة، فعمره خمس وسبعون سنة، ومدة ملكه تسعة وعشرون سنة وستة أشهر واثنان وعشرون يوما، كذا في "روضة النسرين".
وما ذكره في هذه ملكه يقتضى أن مبايعته كانت قبل فاتح عام ستة وخمسين بستة أشهر، وهو مخالف لما تقدم عنه من أنها سنة ست وخمسين فاعرفه.
صفته: أبيض اللون، تام القد، معتدل الجسم، حسن الوجه والصورة، واسع المنكبين، أشيب كأن لحيته قطعة ثلج من بياضها ونورها وإشراقها، وكان شجاعا حازما، من فضائله أنه لم تهزم له راية ولم يقصد عدوا قط إلا قهره، ولا جيشا إلا هزمه، ولا بلدًا إلا فتحها.
استرجع سَلاَ من يد الإصبان في ظرف أربعة عشر يوما من احتلالهم بها وذلك سنة ستمائة وثمان وخمسين، وانتصر عليهم الانتصارات الباهظة وغنم غنائم طائلة، وقد نقل بعد وفاته فدفن في روضة شالة من رباط الفتح.
стр. 143
تنبيه: قال ابن أبى زرع: ومن تابعه ومن سعادتها يعنى فاسا الجديد وسعادة طالعها أنها لا يموت فيها خليفة ولم يخرج منها لواء إلا نصر، ولا جيش إلا ظفر، انتهى.
وأقول كم لواء خرج منها فكسر. وجيش فهزم ودمر. والعيان أكبر شاهد وحسبك ما وقع أواخر الدولة العزيزية في فتنة أبى خمارة التي قضت على ما كان من بقية الرمق بالمغرب، وسيمر بك بحول الله وقوته تفصيل ذلك، نعم إن قصرت تلك المقالة على ما سلف كما هو مقتضى ظاهر لفظها فلا بحث إلا من جهة أن المقالة تقتضى أن عدم وقوع ذلك في سالفه لأجل خصوصية هناك، مع أن ذلك إنما كان اتفاقيا وإلا لدام، والله أعلم.
ثم قال في الروض: وبنى السلطان أبو يوسف أيضا بمكناسة مدرسة الشهود التي بأعلى سماطهم هنالك، ويقال لها مدرسة القاضى، لأنها كان يدرس بها القاضى أبو على الحسن بن عطية الونشريسى وسيأتى ذكره إن شاء الله تعالى، ثم نوه بها أبو الحسن المرينى المسمى بأبى الحسنات الكثير الآثار بالمغرب الأقصى والأوسط والأندلس، فبنى فيها مرافق كثيرة كزاوية القورجّة، وزاوية باب المشاوريين وغير ذلك من السقايات والقناطر في طرقاتها ونحوها، ومن أجلِّ ذلك المدرسة الجديدة، وكان قدم للنظر على بنائها قاضيه على المدينة المذكورة أبا محمد عبد الله بن أبى الغمر (١).
فحدثنى والدى (٢) ﵀ أنه كان يسمع ممن أدرك من الشيوخ أن السلطان أبا الحسن رحمه الله تعالى لما أخبر بتمام بنائها جاء إليها ليراها، فقعد على كرسى من كراسى الوضوء حول صهريجها، وجئ بالرسوم المتضمنة للتنفيذات اللازمة فيها، فغرقها في الصهريج قبل أن يطالع بما فيها وأنشد:
لا بأس بالغالى إذا قيل حسن ... ليس لما قرت به العين ثمن
стр. 144
ولما ولى بعده ولده أبو عنان نوه بها أيضا وتفقد أحوالها، وكان من جملة ذلك أن أمر بالاقتصار على عشرة من الشهود بها وعزل الباقين على كثرتهم، انتهى من خطه (١).
قلت: أما مدرسة القاضى فقد قدمنا بعض ما يتعلق بها وهى المعروفة اليوم بالمدرسة الفيلالية، وكأنها تنسب لمن كان يسكنها من طالبى العلم أهل تافيلالت، وقد نبهنا فيما سبق على أن سماط العدول حول عنها للدكاكين المسندة للجهة التي عن يمين المصلى بالمسجد الأعظم.
وأما أبو الحسن المرينى فهو السلطان أبو الحسن على بن السلطان عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المرينى لقبه المنصور بالله، مولده في صفر سنة سبع وتسعين وستمائة، وبويع يوم الجمعة الخامس والعشرين من ذى القعدة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، وتوفى بجبل هنتانة ليلة الثلاثاء السابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، ودفن بمقبرة السعديين الشهيرة بمراكش يوم الأربعاء التالى ليوم وفاته المذكور، ونقل إلى تربة أسلافه بشالة في اليوم السادس عشر من جمادى الأولى من العام المذكور حسبما هو منقوش في رخامة على القبر الذى نقل منه بالروضة المذكورة قد وقفت على ذلك بنفسى، ورأيته بعين رأسى.
قال في "روضة النسرين": فمدة ملكه عشرون سنة وثلاثة أشهر ويومان اثنان وعمره ستون سنة، انتهى.
ومما ذكره في مدة عمره مخالف لما ذكره في تاريخ ولادته ووفاته, فإن مقتضاها أن عمره خمس وخمسون سنة ونحو شهرين اثنين لا غير.
صفته: طويل القامة، عظيم الهيكل، معتدل اللحية، حسن الوجه، سالكا سبيل العدل والتقوى، محبا للصالحين، حبب إليه الطيب.
стр. 145
تنبيه: قال في "روضة النسرين" وجميع ما ولد له ما بين ذكور وإناث وسقط وغيره ألف وثمانمائة واثنان وستون، أخبرنى بذلك ثقته الشيخ المعمر علال بن آمصمود الهسكورى اهـ.
وأبو الحسن هذا هو فخر الدولة المرينية وواسطة عقدها، ومشيد منار مجدها يعرف عند العامة بالسلطان الأكحل لسمرة لونه، عهد له بالملك والده.
قال ابن خلدون: ولما هلك السلطان أبو سعيد اجتمع الخاصة من المشيخة ورجال الدولة لولى عهده الأمير أبى الحسن وعقدوا له على أنفسهم وآتوه طاعتهم وبيعتهم. قال: وتولى أخذ البيعة له يومئذ على الناس المزوار عبو بن قاسم رئيس الورعة والمتصرفين، انتهى.
وأبو الحسن هذا هو صاحب وقعة غرق الأساطيل بمرسى بجاية الشهيرة، وكان عدد تلك الأساطيل التي تراكمت عليها الأمواج من كل مكان نحو الستمائة أسطول، قال، في نفح الطيب (١): إن أساطيل السلطان أبى الحسن كانت نحو الستمائة فهلكت كلها ونجا هو على لوح وهلك كل من كان معه من أعلام المغرب وهم نحو أربعمائة عالم، منهم: أبو عبد الله محمد بن سليمان السطى شارح. الحوفى، ومنهم: أبو عبد الله محمد بن الصباغ المكناسى، وتأتى ترجمته في رجال مكناسة، ومنهم الأستاذ الزواوى أبو العباس وغير واحد.
وكان غرق الأسطول على ساحل الأندلس، وهو الذى استرد جبل الفتح من يد الإصبان وهو جبل طارق بعد أن أنفق عليه الأموال وصرف إليه الجنود والحشود ونازلته جيوشه مع ولده وخواصه وضيقوا به إلى أن استرجعوه ليد المسلمين، وذلك سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وبعد استرجاعه اهتم ببنائه وتحصينه وأنفق عليه أحمال مال في بنائه وحصنه وسوره وأبراجه وجامعه ودوره ومحاريبه، وكان