← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وبعد انتهاء حفلات العيد عقد لنجله المولى العباس على محلة الشاوية المذكورة ووجهه بها بقصد شد عضد العمال في استيفاء الزكوات والأعشار المترتبة في ذممهم. ثم نهض المترجم وسار إلى أن وصل المحل المعروف بالشبيكة فأوقع ببنى خيران، وذلك يوم الجمعة سابع عشر حجة ثم في يوم الجمعة رابع عشرى الشهر أوقع بالحلاليف وبنى اورا فرقة من الزيايدة. ثم في يوم الخميس فاتح محرم عام تسعة وثلاثمائة وألف أوقع بالعرب أمر نجله مولاى العباس المذكور وكبير محلة الغرب ولد أب محمد الشركى بالنزول عليهم بمحلتيهما والتنكيل بهما، ولولا أن عامل الرباط الأنصح القائد السويسى تشفع فيهم للجلالة السلطانية لقطع دابرهم من لوح الوجود. وفى يوم الثلاثاء سادس محرم المذكور حل برباط الفتح وأصدر أمره المطاع لنجله مولاى العباس بالنزول مع محلة الباشا ولد أب محمد بقصبة بوزنيقة ولمحلة الشاوية التي كانت مع نجله المذكور بالقدوم للرباط وأقام هو به تسعة عشر يوما. ثم نهض منه يوم الاثنين سادس وعشرى الشهر وسار وفى يوم الجمعة رابع عشر صفر أوقع ببرابر بنى مطير وآيت شغروشن ومزقهم كل ممزق ثم أوقع بفرقة من قبيلة زمور الشلح وقعة شنيعة انجلت عن إنابتهم. وفى يوم الثلاثاء ثامن عشر الشهر حل بالعاصمة المكناسية وأقام بها تسعة عشر يوما في يوم الاثنين ثامن ربيع الأول نهض منها قاصد فاسا فدخلها يوم الأربعاء عاشر الشهر. فكانت مدة هذه الرحلة تسعين يوما كان الظعن في أربعة وأربعين يوما منها والمقام ست وأربعون يوما.

стр. 842

وفى جمادى الأخيرة من السنة كتب وزير الخارجية ليهود مراكش كتابا نصه بعد الحمدلة والصلاة: "من عبد الله تعالى وزير الأمور البرانية بالحضرة العالية أعز الله أمرها وأبد فخرها إلى كافة يهود ملاح مراكشة أخص منهم حزانة جموعهم وأساقفتهم وتجارهم وأعيانهم. أما بعد: فقد بلغ لشريف علم حضرة سيدنا العالية بالله أعزها الله أن عاملكم القائد محمد ويدة السوسى لم يحسن السيرة معكم وعاملكم معاملة غير مليحة وشدد عليكم فلم يلق ذلك بسيدنا نصره الله ولم يعجبه لأنكم أهل ذمته وفي رعيته. فلا يحب أيده الله أن يقع لكم تضييق أو ظلم من أحد أو معاملة بمكروه، وإنما يحب أن تكونا في أمن وأمان من ذلك وعلى حالة مليحة وفى عيشة مرضية وعز به الحال دام تأييده ونصره حيث بلغه ذلك عنكم من عند الناس، ولم يبلغه من عندكم إذ كان من حقكم أن تكتبوا لأعتابه الشريفة بالإعلام بذلك كما يكتب بعض تجاركم ومقدميكم لها في الأمور. وقد أمرنى نصره الله بالكتابة لكم بان تكونوا تكتبوا لنا بما يقع لكم وذلك لنطالع به علمه الشريف، كما أمرنى أيده الله بإعلامكم بأنه أصدر أمره الشريف للعامل المذكور بأن يحسن السيرة معكم ويعاملكم بمثل ما يعامل به من إلى نظره من المسلمين من الحكم عليكم في الدعاوى المخزنية بما يقتضيه الحق فيها مثل ما يحكم به على المسلمين ويجريكم مجراهم في جميع الأمور من غير فرق، ويرد دعاويكم الشرعية لأساقفتكم وحزانتكم ويمشى مع أهل الحماية منكم على مقتضى الشروط والقوانين ومن حاد منهم عنها يطالع به شريف علم مولانا دام علاه والتمام في ٧ جمادى الثانية عام ١٣١٠".

стр. 843

ولم يزل المترجم مقيما بفاس إلى أن بارحها يوم الخميس الرابع عشر من ذى الحجة منصرم العام ووجهته بلاد صالحى سلفه تافيلالت على طريق صفرو، وذلك بعد أن أصدر أوامره لنجله البار الأسعد الشريف الذاكر المتبتل مولاى محمد بالنهوض والتوجه أمامه فبارح مراكش في عاشر ذى الحجة المذكور. ثم إن السلطان لم يزل يظعن ويقيم ويقارب ويسدد ويرتق الفتوق إلى أن أدركه موسم المولد النبوى الكريم من عام عشرة وثلاثمائة وألف بقصر الريش من دار العيد بوادى زير، ثم سار إلى أن خيم بدار على بن يحيى المرغادى كعبة العتو وركن الفساد وأوقع القبض عليه يوم الخميس ثانى ربيع الثانى ووجه به سجينا لمراكش، كما ألقى القبض قبل ذلك اليوم على متمردة آيت احديدو ثم في يوم الاثنين التاسع عشر من ربيع الثانى التقى المترجم بمحلة نجله الأسعد مولاى محمد، ومحلة الحوز التي جاءت تحت رياسته وذلك بقصر السوق من بلد آيت ازدك ثم بعد ذلك توجه صاحب الترجمة لزيارة صلحاء الصحراء ثم رجع وسرح آيت احديدو. وفى يوم الثلاثاء سابع وعشرى الشهر حل المترجم بضريح جده الأكبر فخر بنى جلدته مولاى على الشريف وأقام هنالك سبعة عشر يوما أفاض فيها سجال العطايا وأجزل المواهب، فأعطى شرفاء مدغرة عشرين ألف ريال "مائة ألف فرنك" وجهها إليهم مع ولده المحبوب مولاى عبد العزيز وأعطى شرفاء تافيلالت عشرين ألف ريال أخرى، أرسلها إليهم مع ولديه مولاى عبد العزيز المذكور ومولاى بلغيث. وقد أوضح معالم هذه الوجهة من فاس إلى سجلماسة في كتاب بعثه لباشا مكناس القائد حم بن الجيلانى ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الذى بداخل خاتمه السليمانى "الحسن بن محمد الله وليه" وبزوايا الخاتم الست اسم الجلالة ثم

стр. 844

محمد فأبو بكر نعمر فعثمان فعلى وتجاه الزوايا: وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وبدائرته بيتا البردة ومن تكن إلخ ومن يعتصم الخ: "وصيفنا الأرضى الباشا حم ابن الجيلانى وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله. وبعد: فإن من صالح الرعاية التي شرح الله صدرنا إليها، وأبرز لنا في مظاهر اختيار الكسب قدرته عليها، أن ألهمنا سبحانه لهذه الوجهة المباركة الصحراوية، لتفقد أحوال أهلها وتأسيس مصالحهم المرعية، وسنى لنا فيها سبحانه من فتوحات النصر والظفر، ما لم تزل آثاره لدينا متجددة في حالتى المقام والسفر، جريا على ما عودنا سبحانه بحمده وشكره، من إمداد عنايته وجميل بره، إذ الكل منه سبحانه وبه وإليه، ومقاليد التدبير في عالم الكون بيده ولديه، فمنذ نهضنا من محروسة فاس بجيوشنا المنصورة، ومواكبنا المظفرة بالله الموفورة، وبنودنا الخضر السافرة، وعساكرنا التي لم تزل على التعاضد متضافرة، والأحوال بحمد الله جارية على مقتضاها، ومآثر السعادة ترضى المؤمن ويرضاها، عن صدور أثلجها الله بالانشراح، ومسرات مترادفة الهناء والأفراح، والآت جهادية واستعدادات. وآثار يمن يراها ذوو البصيرة من خرق العادات، إلى أن تخللنا من بلاد آيت يوسى معاقلها، ورضنا بأزمة الاستصلاح قبائلها. فتلقوا جنابنا الشريف بتمام الخدمة وحسن الطاعة، وقاموا بالواجبات والوظائف جهد الاستطاعة، مظهرين بمواطئنا الشريفة غبطة ومحبة وانشراحا. ومعتقدين بها فوزا وتيمنا ونجاحا، زيادة على انتخاب فرض الحركة من أعيانهم لمصاحبة جيشنا السعيد، وقيامهم في ذلك بالحزم القوى والشرط الأكيد. ثم نهضنا عنهم في عناية الله المتوالية أياديها. المنبئة عن حسن الختام مباديها. إلى أن خيمنا بمعاقل قبائل بنى مجيلد تخييما تعاهدنا به أحوالهم.

стр. 845

وأكرعنا به في مناهل الصلاح شرخهم ورجالهم. فتبادروا لاغتنام السبقية بكمال الطاعة وصميم الالتزام، وقاموا بأداء الواجبات وحقوق خدمتنا الشريفة أتم قيام. وجددنا فيهم للاستقامة أساسا. ورتبنا أمورهم ترتيبا لم يبق فيها انتكاسا، ونهضوا بحركتهم لمصاحبة محلتنا المنصورة، متظاهرين في الحزم والامتثال بسيرة مشكورة. ولما كمل منهم الراد، نهضنا عنهم بحول الله في تمكين وظفر واستعداد، إلى أن ركزت مواكبنا السعيدة في بلاد آيت ازدك راياتها. وأظهرت مآثرنا الحميدة في قبائلهم آياتها، فخيمنا عليهم تخييما طبق بمحالنا الموفورة بلادهم، وتخلل بمغارسا لصلاح أغوارهم وأنجادهم، فتسارعوا للتطارح على أعتابنا الشريفة. والالتجاء لظلالنا الوريفة. معلنين بالتوبة عما فرط منهم من المآثم والجناح. وراغبين فيما جبلنا الله عليه من الحلم والعفو والسماح، وملتزمين أداء الواجبات والحقوق، ومتحملين من تمام الطاعة ما لم يبق فيه احتمال نفار ولا عقوق، جنوحا لعدم القتال وسفك الدماء والوقوع في الأرامل والصبيات، وذوى العجز من النساء والرجال الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. فأمنا عليهم إذ حققوا ذلك بالعمل. ووفوا بكل ما وظف عليهم عن فور وعجل. مع استنهاض حركتهم لمتابعة ركابنا السعيد، وانتدابهم لامتثال أمرنا الشريف فيما نريد، وصفحنا عنهم حيث صلحت منهم سريرة النجوى وأخذنا فيهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، بعدما وجهنا شرذمة من أطراف جيشنا السعيد، لاستئصال أهل طوطورماس الذين قتل في قصرهم الخديم ولد الطالب محمد اليوسى فلم يكن إلا كوقفة راكب، أو صرة حالب. حتى أخذتهم أخذا وبيلا. وكان فعلهم على انتقام الله منهم دليلا. ولما قضى في آيت ازدك بحول الله الغرض، واستوفى من جميعهم الواجب والمفترض، نهضنا عنهم محفوفين بما عودنا الله من العزة والتمكين، ومعتمدين

стр. 846

على حول ذى القوة المتين، إلى أن خيمنا على وادى زيز، مقابلين مواعد الرعاية بالتنجيز، فأقمنا به حتى قضينا حقوق مولد النبى الكريم، عليه أزكى الصلاة والتسليم، وأحيينا ليلته بما رجوناه وسيلة لرضوان الله الأكبر، وتحصنا بحماية صاحب اللواء والقضيب والمغفر، وتلاقينا هنالك بوفود القبائل الواردين للتهنية، ونالوا من بركة مشاهده الوسيمة ومواقفه الفخيمة غاية الأمنية. ثم نهضنا بحول الله آخذين بمعهود الحزم والاستعداد حتى خيمنا بسمكات على متحصن قبيلة آيت مرغاد، فلم يفدهم إلا الانخراط في سلك أهل الخدمة والإذعان والاقتداء بمن قبلهم في إظهار حسن الطاعة وأداء الواجبات وطلب الأمان، وتسارعوا للتطارح على أعتابنا الشريفة جموعا وفرادى، والتزموا القيام بالواجبات والتمسك بالصلاح رغبة وانقيادا، وتبرءوا ممن كان يثبطهم عن الامتثال حالا ومضيا. ويسول لهم ما لم يغن عنهم من الله شيئا. ومن هنالك رددنا شرذمة لفرقة من آيت ازدك باوطاط، حيث بلغ لعلمنا الشريف ما ظهر في انحرافها من الطيش والإفراط فصدمتهم صدمة وبال وحين وصيرت قصرهم معهم أثراً بعد عين وبسمكات أيضا أخذنا بخناق آيت حديدو الذين هم ملجأ آيت شخمان وإليهم يأوون عند الفزع والامتحان لكون ذلك المحل رباطا على صياصيهم ومأخذا لنواصيهم فانحل بنصر الله عقدهم وفل سناهم وحدهم وعاد عليهم بالوبال كيدهم ولم يسعهم إلا القدوم لأعتابنا الشريفة حيث استنزلناهم، والمبادرة إلى الإجابة لما أمرناهم به وألزمناهم، ولما طالبناهم باتباع قولهم بالعمل، في أداء ما وظفناه على قبيلتهم بعد ضرب الأجل، صاروا يركنون لحيز المطال ويأنسون بأمانى التسويف والإمهال. وحيث بلغت المعذرة فيهم حدها ولم يرتكبوا من الأمور جدها. أعرضنا بوجه الملاطفة عنهم. وقبضنا على أكثر من المائة رجل منهم. فلم يعتبروا فيما

стр. 847

كانوا فيه حيارى. حتى عادوا في الأغلال أسارى. ولم يتنبهوا لمسلك الإرشاد. حتى أصبحوا مقرنين في الأصفاد. لكونهم سلكوا طرائق، ما فيها رائق، وظهرت منهم خلائق، كان غيرها بهم هو اللائق. وبعد ذلك نهضنا بهم في سطوة من الله ونصر، متعرفين من أياديه ما لا يدخل تحت حصر. متخللين أعماق الشواهق من أقاصى جبال درن. حتى خرجنا منها لفسيح الصحراء خروج عِزّ قَد اتصل إسعاده بحَول الله واقترن. فخيمنا في بسيطة تداغوست بجيوشنا الجرارة، وأصبح فضاؤها بمحالنا الموفورة عمارة. وعندما ضربت هنالك أخبيتها الميمونة وقبابها. ومددت بأوتار الظفر والثبات أطنابها، تلقانا القاطنون بها من بقية آيت مرغاد المتطرفين، وتبادروا لأداء حقوق الطاعة ملتزمين ومعترفين، وتوارد علينا أهل تلك النواحى طلبة وشرفاء وكبراء وأعيانا، وشيوخا ورجالا وصبيانا، مظهرين غاية الفرح والابتهاج، وناهجين في مسالك الانحياش والالتجاء أبلغ الانتهاج، ومتسابقين لتقبيل مواطئنا التي جعل الله العز في تقبيلها، والسعد في اتباع سبيلها بعد أن أظهروا من الإذعان والخدمة ما كان لنفوسهم أمانا، ولقلوبهم سكونا واطمئنانا، إلا ما كان من ابن يحيى المرغادى. الذى كان رأس النفاق، وموئل أهل الشقاق بذلك النادى، فقد قبضنا عليه في وسط حماه. حيث أوقعه في شرك الثبور عماه. فكان كما انتضى من غمده نصله. وبكاه بدمع الثكلان أهله. ولكن رب بكاء وتصلية. خير من مكاء وتصدية، ومن أرسل نفسه مع الهوى، فقد هوى في هوى، وبعثنا به بعد قبضه لمراكش مقيدا، إراحة من شؤمه، وعقوبة على ما فرط منه وبدا. وما زالت سنة الله في مخلب المعصية أن يقص بالندامة. وفى جناح الطاعة أن يوصل بالأدامة. وانتخبنا إذ ذاك من أهل الوطن من يصلح بهم من العمال. فوليناهم عليهم ولاية صلاح تصونهم عن مسارح الإهمال، وانتدبوا لأداء ما لزمهم من الواجبات والكلف، بعد أن كانوا منها على خطر وتلف.

стр. 848

وبعد تأسيس صلاحهم وتلافيهم. وقضاء غرضنا الشريف بحول الله فيهم. نهضنا عنهم محفوفين بمواد السعادة والإقبال. ومعتمدين على القوى المتعال. إلى أن خيمنا على قبائل آيت عطة بقصر السوق. تخييم سعد تبهر مظاهره وتروق. وهنالك تلاقينا بحركتهم مع أهل الصحراء والوافدين من توات وبجيوشنا السعيدة المراكشية والقبائل السوسية وقبائل الدير والقبائل الحوزية الوافدين مع ولدنا مولاى محمد أصلحه الله من جهة سوس على نواحى تدغة وغريس. فكان الاجتماع بهم جمع تعضيد للصلاح وتأسيس. ثم نهضنا بهم من هناكم إلى وطن مدغرة المباركة فخيمنا بامسكى. في نعم متوالية تقصر الألسنة أن تصف بعضها وتحكى ومنه وجهنا ولدنا مولاى عبد العزيز أصلحه الله لملاقاة شرفاء أهل مدغرة وتوفيتهم بصلة البرور المعتادة. بعد أن ضعفنا لهم القدر الذى نصلهم به كل سنة تضعيف تنمية وزيادة. فزدناهم على المعهود خمسين ألف مثقال تكملة لمائة ألف مثقال وجب فيها بصرف بلدهم عشرون ألف ريال. ثم نهضنا للتخييم على بلاد الصباح. فانتشرت أجنادنا الوافرة ببلادهم انتشار عمود الإصباح. وجاست مواكبنا السعيدة خلال نخيلهم وأوديتهم وأثارت سنابك الخيل نقع بساتينهم وأنديتهم، فتلقوا شريف جنابنا خارج قصورهم برجالهم ونسائهم وأهل رواياهم، وأحسنوا في إظهار خدمتهم وأداء واجباتهم. ودفع هداياهم. ومنهم كان نهوضنا لتافلالت المباركة فخيمنا بمركزها المنيف، وحططنا الرحال الموفورة حول نخيلها الباسقات، وأحدقت مضاربها الغراء بتلك البساتين المتناسقات، مصحوبين بجميع تلك الجيوش التي لا يأتى الإحصاء بفضل الله عليها، ولا يكاد يضاف حصر العدد إليها، وخصوصا حركة آيت عطة المنتخبة الفرسان والأوصاف المشتملة على نحو الستة آلاف، مع من ذكر من حركة آيت مرغاد بعدد له بال، وحركة آيت ازدك الكبيرة المعتبرة الخيل والأبطال.

стр. 849

وعندما شارفنا تلك المواطن الميمونة السنية وواجهنا معالمها بخوافق البنود والألوية، تسابق أهلها لشريف لقيانا وأكبوا على ركابنا الشريف شرفاء وطلبة ورجالا ونسوانا، معلنين بضمائر المحبة والاشتياق ومظهرين من كمال الفرح ما لا يوصف حده ولا يطاق، وكذلك جميع أهل الزوايا وأصحاب الأحوال، فكل طائفة تلهج برنات السرور، وتضرب آلات الأفراح وتنشر أعلام الإجلال. حتى أسفرت أيام المسرات هناكم عن أبهج المباسم، وغدت من أيام الأعياد والولائم والمواسم، وأقمنا هنالك بقصد الاستراحة والزيارة ومشاهدة آثار أسلافنا الكرام التي لم تزل على جلالة مآثرهم أمارة. حتى عاينا معالمهم المنيرة وأصبحت العيون بفيوض بركاتهم قريرة، وتعاهدنا أملاكهم وأصولهم الأثيلة، وقضينا المتعين من حقوق المراحم الطيبة الجليلة، ووجهنا ولدينا الأرْضَيْنَ مولاى عبد العزيز ومولاى بلغيث أصلحهما الله لتوفية الشرفاء أقاربنا وأبناء عمنا بصلتهم المعهودة لهم بعد أن زدناهم عليها خمسين ألف مثقال تتمة لمائة ألف مثقال أيضا، وجب فيها بصرف بلدهم عشرون ألف ريال صلة، تحمد وترضى مراعاة لحقوق القرابة الشريفة، التي حض الله ورسوله عليها، ونص في كتابه الحكيم على نسبة التنزيه والتطهير والتعظيم إليها، وزيادة برور حيث قدمنا لتلك المواطن المباركة وحللنا لديها، وها نحن لما قضينا في سجلماسة بحول الله المرام. واجتمعت مصالحها الغائية بحلولنا الشريف جمع الأهلة بالتمام. شددنا رحال الأوبة متوجهين لمراكش الحمراء، ومتحدثين بنعمة الله سبحانه حمدا وشكرا. وعند ذلك كتبنا لكم هذا المسطور الكريم. لتعلموا ما سناه الله لنا من فتحه العميم. وتأخذوا حظكم من الفرح والسرور. وتقيموا نزهة الشكر إظهارًا لنعمة الله ويمنه الموفور. وتحمدوا الله على فتوحه الكفيلة برعاية الإسلام. التي دل حسن ابتدائها على حسن الختام، ونسأل الله تعالى أن يحفنا بدوام حفظه في المقام

стр. 850

والمسير. ويجعلها أوبة موصولة بالسلامة والغنيمة والتيسير. وأن يديم إجراءنا من جميل صنعه وخصوصياته على ما تعودناه. ويكنفنا بكنف عنايته ويوفقنا وإياكم لما يرضاه، آمين والسلام في ١٥ جمادى الأولى من عام ١٣١١". ثم نهض يوم السبت الخامس عشر من جمادى الأولى ووجهته الحضرة المراكشية وسار على طريق الفايجة يظعن ويقيم إلى أن حل العاصمة الجنوبية مراكش الحمراء يوم الثلاثاء التاسع من جمادى الثانية. فجميع أيام هذه الرحلة أعنى من تافيلالت إلى مراكش خمسة وعشرون يوما، كان السير في واحد وعشرين يوما منها قطع في سوائع سبع وثمان وعشرين دقيقة، وكانت مدة المقام أربعين يوما. وكتب لباشا مكناس القائد حم بن الجيلانى بشرح الأوبة كتابا نصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الكبير الذى بداخله "الحسن بن محمد بن عبد الرحمن الله وليه ١٢٩١": "وصيفنا الأرْضَى القائد حمّ بن الجيلالى، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله. وبعد: فقد قدمنا لكم الإعلام بما هيأه الله لنا في هذه الوجهة الميمونة من جزيل إمداداته، وسوابغ نعمه وآلائه، وباهر فتوحاته، وشنفنا مسامعكم بشرح ما أظهره الله فيها من الخوارق. ولاح من البوارق. إجراء على ما عودنا سبحانه من مواهبه وإقباله ورفده. وما النصر إلا من عنده. وأعلمناكم بأننا نهضنا من إقليم سجلماسة بعد قضاء المناسك. وتحصيل الغرض مما هنالك. ثم بعد ذلك توجهنا محفوفين من الله بجنود الحفظ والسلامة وهواتف البشرى تهتف من كل ناحية بالميامن المستزادة. فمررنا بواسط بلاد اعراب

стр. 851

الصباح. وتخللنا الروابى منها والبطاح. وأهلها مصاحبون لركابنا الشريف بحركتهم وخيولهم في انبساط وانشراح. بعد أن تاموا بمئونة المحلة السعيدة. ودفعوا ما عليهم من الواجبات وشفعوها بهدايا عديدة. ثم حللنا بقصور غريس وفركلة التي هى قاعدة آيت واحليم من آيت عطة. فأظهروا من الفرح والقيام باللوازم المتعينة ما دل على نصحهم في الخدمة والطاعة. ولم يقصروا جهد الاستطاعة. ومن هناك وجهنا حراك قبائل الغرب لحالهم مثابين، وبرضا الله وخاطرنا الشريف ظافرين، بعد أن أبلوا في طاعة الله البلاء الحسن، وسعوا فيها بكليتهم مطيرين عن مقلهم الوسن. ثم نهضنا وخيمنا ببلاد تدغا وآيت يحيا فتلقونا بسرور وابتهاج متسارعين لأداء المفروضات والميرة والهدايا، عادلين عن سبل الاعوجاج وبعدهم نزلنا بدادس، فتجلت فيه من المنا عرائس، وقام أهله باللوازم كذلك بوجوه طلقة غير عوابس. ثم دخلنا في قبائل الفائجة، فتلقانا أهلها وصدورهم بالفرح مائجة. وأول من تخللنا أرضهم منهم أهل اماسن وسكورة وآيت بودلال وورزازت، وحادى البشائر يحدو بالنصر والظفر والمسرات، ومنهم إلى اتلوان وآيت زينب ووزكيتة وآيت امنى ثم تلوات. وجميعهم قاموا بالوظائف والضيافات وأدوا النوافل والمفروضات. ثم أقبلنا على جبل درن فإذا هو في الجو شاهق متعمم بالثلوج، لا يستطاع فيه دخول ولا خروج. ولا يفهم فيه على البديهة من أين يكون الولوج يحاكى في الارتفاع سد يأجوج. تتحير الأذهان من رؤيته. وتضطرب القلوب عند نظرته. ويسبح الله لهول خلقته، وتعاظم عظمته، لا تفهم مسالكه، ولا تدرك مداركه.

стр. 852

فاستعنا بالله على عبوره، وشرعنا في صعوده ومروره. بعد أن رتبنا الجنود والعساكر ترتيبا، وجعلنا منهم للدخول فيه مقدمة وساقة فكان تكييف ذلك عجيبا، واقتحمناه في دائرة الحفظ وسرادق العناية على جناح التسهيل، والألطاف الخفية مشاهدة ممن عليه الاعتماد والتعويل. وسرنا على طريق وادى ابى المواهب والمدد المتوالى، سيدى محمد بن عبد الله ﵀ في وروده لمراكش من سجلماسة، فحصلنا والحمد لله على فائدتين: سهولة الطريق، وزيارة الولى المذكور وقضينا منها حقا متعينا، ونلنا من بركته قسطا وافرا وسرا بينا. وسرنا وبنود العز برياح الإسعاد خافقة. وألسن القلوب والجوارح بالحمدلة والشكر ناطقة. إلى حضرتنا الشريفة المراكشية. ذات الحلل البهية المزركشة الموشية. ويوم تاريخه خيمنا برأس العين من بلاد الرحامنة، ومنها وجهنا لكم هذا ومنها نخيم بزاوية سيدى عبد الله بن ساسى نفعنا الله به. وبعدها نحل حمراء مراكش بحول الله في يوم الأربعاء أو الخميس الذى بعد تاريخه بيومين حلول سلامة وظفر وتحصيل، ونرد منهلها العذب السلسبيل فلله الحمد في البداية والتمام، وله مزيد الشكر في الافتتاح والاختتام. وأعلمناكم لتكونوا على بصيرة من الواقع ومن جميع ما كان، وتعرفوا حقيقته بمزيد إيضاح وبيان، ولتفرحوا بما يسره الله من فتوحاته المزيدة ومواهبه المديدة، لأن هذه جملة خبرية عن ذلك المبتدا. وخاتمة عقد ذاك الابتدا، والله أسال أن يجعل ما ارتكبناه في ذلك كله عائدا بصلاح الأمة والرعية. جاريا من رضا الله وطاعته على الطريق المرعية. آمين والسلام في ٨ جمادى الثانية عام ١٣١١".

стр. 853

وقد ألف غير واحد من الكتاب والأدباء في هذه الرحلة الصحراوية نثرا ونظما، منهم الكاتب المجيد العلامة السيد الغالى بن سليمان أحد كتاب الحضرة السلطانية، فإنه نظم هذه الرحلة الميمونة الطالع، ورمز لأيام الظعن والإقامة وعدد السوائع التي قطعت فيها أيام الظعن وتاريخ النهوض إليها وموافقة الشمسية للقمرية، وشرح ذلك النظم شرحا بديعا لطيفا عندى طرف من مسودته بخط مؤلفه يقول في أول النظم: وللنصر فتح ظاهر في البرية ... يقابله الإقبال في كل وجهة بحركة يمن قد بدا (طى ١٩) نشرها ... بطالعها الميمون في (يد ١٤) حجة يوافقه من ينيه (ز ١٧ ى) سره ... بفتح ونصر في سلوك المحجة وآخرها سبع لشهر دجنبر ... يوافقه تسع جمادى الأخيرة وفى عدد الأيام عقد لجيدها ... مقاما ١٢٠ وسيرا في ٥٤ جنان المسرة سوائعها (يمن ١٠٠) (حليم ٨٨) لأنها ... مواهب عدل في جبين المعزة ويا سيدى مولاى يا خير مالك ... تفردت في عز ونصر وهيبة وجزت مقاما طالما كان خاملا ... فجئت له فردا بغير معية وكنت وكان الفضل والبذل والندى ... فأصبحت في عز عزيز المزية فبشرى هنيئا بالقدوم الذى به ... أضاءت على الإسلام شمس الظهيرة وبشرى لنا والحمد لله سيدى ... عليك سليما نعمة أى نعمة فيارب أيده ورده معزة ... وحقق مناه في الفروع بنظرة بجاه النبى والآل والصحب جملة ... وكل ولى عارف في البسيطة

стр. 854

وفى أثناء هذه الرحلة الصحراوية وقع شغب في الشاوية والغرب كما وقعت مناوشة بين أهل مليلة وبين المجاورين لها من أهل الريف نشأت عن بناء البرج بحدود مليلة، فلما بلغ صاحب الترجمة ذلك وجه أخاه مولاى عرفة في الحين لكلعية في شرذمة من الخيل يعظهم ويذكرهم وينذرهم ويحذرهم ويوعدهم بالعقوبة إن لم يكفوا عن ذلك ويقفوا عند حدهم ويتركوا التعرض لأهل مليلية في بناء البرج بداخل حدادتهم، ويباشر فصال ما وقع بينهم وبين أهل مليلية من القتل والجرح وفساد الأملاك على حسب ما يشير به عليه النائب الطريس، فسافر من المحلة السعيدة في السابع عشر من شهر ربيع الثانى ثم بعد ذلك وقعت مضاربة أخرى بين أهل كلعية وعسكر مليلية، أفضت إلى قتل وجرح عدد من الفريقين ومن جملة من مات فيها حاكم مليلية. وأقام المترجم بمراكش إلى أن صام رمضان، وأقام سُنة عيد الفطر، ثم صار يهيئ الحركة للناحية الغربية. لتفقد الأحوال والنظر في مصالح الرعية. ثم في يوم الخميس الثانى عشر من قعدة الحرام عام أحد عشر وثلاثمائة وألف عقد لنجله البار المولى عبد العزيز على جيش لا يستهان به ووجهه أمامه خليفة لرباط الفتح. وفى يوم الاثنين الخامس عشر من الشهر بارح المترجم العاصمة المراكشية وسار إلى أن أدركته المنية بدار ولد زيدوح على ما سنشرحه بحول الله، وهذه آخر حركة للمترجم وفيها ختمت أنفاسه النفيسة ﵀. فكانت جميع حركاته منذ جلس على أريكة ملكه إلى أن لبى داعى مولاه تسع عشر حركة: الأولى: من مراكش إلى مكناس وفاس عام تسعين ومائتين وألف.

стр. 855

الثانية: عام واحد وتسعين من فاس إلى القبائل الريفية والقبض على الفتان بوعزة الهبرى. الثالثة: عام اثنين وتسعين من فاس ومكناس إلى مراكش الحمراء. الرابعة: عام ثلاثة وتسعين من مراكش على طريق المراسى إلى مكناس وفاس الخامسة: من فاس إلى تازة ووجدة وقبائل الريف أوائل عام أربعة وتسعين. السادسة: من فاس ومكناس إلى مراكش في آخر السنة نفسها. السابعة: عام ستة وتسعين من مراكش إلى مكناس وفاس. الثامنة: عام ثمانية وتسعين من فاس إلى مكناس ثم مراكش. التاسعة: عام تسعة وتسعين من مراكش إلى السوس الأقصى. العاشرة: عام ثلاثمائة وألف من مراكش إلى مكناس وفاس. الحادية عشرة: عام اثنين وثلاثمائة وألف من فاس ومكناس إلى مراكش. الثانية عشرة: عام ثلاثة من مراكش إلى سوس الأقصى. الثالثة عشرة: عام أربعة من مراكش إلى مكناس وفاس. الرابعة عشرة: عام خمسة من مكناس لغزو بنى مجيلد. الخامسة عشرة: عام ستة من فاس للثغور المغربية والقبائل الجبلية. السادسة عشرة: عام سبعة من فاس ومكناس إلى مراكش. السابعة عشرة: من مراكش إلى مكناس وفاس وذلك أواخر عام تسع مع أوائل المتصل به.

стр. 856

الثامنة عشرة: أواخر عام عشرة وأوائل المتصل به من فاس إلى تافيلالت. التاسعة عشرة: أواخر عام أحد عشر من مراكش قاصدا مكناسة الزيتون وفاسا فحال المنون بينه وبين تمام مراده. ودوخ في هذه الحركات الأغوار والأنجاد لإصلاح أحوال الرعية. وإجرائها على الطرق المرضية. وحسم مواد الفق والأهوال. والجد والاجتهاد في استصلاح الأحوال. وبعث للعتاة السرايا والبعوث. من الأبطال والليوث. حتى وقع له التمكن بسطوة الله من نواصى الجميع. وحصلت الغلبة على القوى والوضيع. ولم يبق في إيالته قدس الله روحه من يحرك للعتو يدا. أو يعصى في أمر أبدا. وجبيت من الكل الجبايات واستوفيت حقوق وتباعات. وساد الأمن وعم. وحكمت الأقدار بالانعدام لكل ما قد تم. * * * علائقه السياسية السفارة الزبيدية للدول الأربع: - فرنسا وبلجيكا وإنكلترا وإيطاليا- غير خاف ما كانت عليه حالة السياسة الخارجية بهذه المملكة المغربية بعد حرب تطاوين وما نشأ عنها من تداخل سفراء الدول في القضايا والوقوف للمخزن في أوعر المسالك وأضيق المآزق، وتكثير الحمايات وتطاول المحميين على الحكام المخزنيين بأدنى علقة توصلهم لذلك، وتفاحش الأمر إلى أن وصلت الحالة إلى درجة كاد أن يتعذر معها تنفيذ أوامر المخزن في الرعية لعدم إمكان تعميمها بسبب الامتيازات المعبر عنها بالمصالح الأجنبية المخولة لهم بمقتضى الفصل التاسع والعاشر

стр. 857

من معاهدة عم المترجم مولانا العباس المنعقدة مع الإصبان، عقب الحرب المذكورة أيام والد المترجم السلطان سيدى محمد قدس الله أرواحهما. ولما جلس المترجم على أريكة الملك وكان مهتما بترقية مملكته وإدخال الإصلاحات والتنظيمات المناسبة للأحوال الوقتية، وعلم أن سياسات الامتيازات سد أمام وجهه، وعقدة لا تنحل ولا تنفتح معها أبواب مساعيه، بذل مجهوده بطريقة ودية في تحوير تلك المعاهدات، وتنقيح فصولها وخص عدد الحمايات ارتكابًا لأخف الضررين. وحيث رأى أن هذا الأمر لا يتم إلا بفتح المخابرة مع الدول ذات الأكثرية في المصالح التجارية إذ ذاك بالمغرب مثل فرنسا وإنكلترا وايطاليا وبلجيكا، وكانت هذه الدول هى التي سبقت غيرها بتوجيه سفرائها لتهنئته بالجلوس على سرير ملك أسلافه الكرام، اغتنم هذه الفرصة ووجه خديمه الأنصح السيد الحاج محمد الزبيدى سفيراً وباشا دورا لرد الزيارة لتلك الدول ورؤسائها، وأعطاه أموالا طائلة ليصيرها في وجهته، وهدايا فاخرة للعظماء الذين يلقاهم في رحلته، ووجه معه أمينا للصائر السيد بناصر غنام الرباطى، والفقيه الأديب الفلكى سيدى إدريس الجعايدى السلوى بصفة كونه كاتبا، وعددا من أعيان ووجهاء قواد الأراحى إظهارا للأبهة المخزنية، والضخامة السلطانية فتوجه أولا لدولة فرنسا. فركب من طنجة على متن باخرة حربية وجهتها الدولة المذكورة لنقله إلى مرسيليا فوصلها في سابع جمادى الأولى عام ثلاثة وتسعين ومائتين وألف، واحتفلت الحكومة المحلية هنالك باستقباله احتفالا باهراً وأكرمت وفادته، فتبرع على الجمعيات والملاجئ الخيرية هنالك بما راده اعتباراً في أعينهم وحظوة وكتب له حاكم المحل متشكرا من حسن صنيعه.

стр. 858

[صورة] بالوسط السفير الحاج محمد الزييد وعن يمينه أمين صائره السيد بناصر غنام الرياطى وعن يساره كاتبه سيدى إدريس الجعايدى السلاوى والوقوف من قواد الجيش

стр. 859

ثم كتب السفير المذكور إلى الحاجب السلطانى وقتئذ أبى عمران موسى بن أحمد، بشرح ما قوبل به في ثغر مرسيلية من الاعتبار والإجلال. فأجابه بما لفظه بعد الحمدلة والصلاة: "محبنا وخديم سيدنا الأعز الأنبه اللبيب السيد الحاج محمد الزبيدى، أمنك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا المنصور بالله. وبعد: فقد وصلنا كتابك، وعلمنا منه وصولك لمرسيلية، وما قوبلت به من الترحيب والتنويه والاعتناء في جميع الأحوال، حسبما شرحت، وأنك بصدد التوجه لباريس، وطالعنا سيدنا أعزه الله بمسطورك وصار على بال من جميع ما قررته. ونسأل الله أن يصحبك السعادة والتيسير وشددك ويلهمك الصواب في جميع الأقوال والأفعال، ولا تغيب عنا خبرًا بكل ما تجدد لديك، ومهما انتقلت من محل إلى محل آخر، أخبرنا بذلك ولابد والله يكون لنا ولك خير معين، والكتاب الشريف الذى تتوجه به لسلطانة الإنجليز ها هو يصلك على يد نائب سيدنا الخير السيد محمد بركاش، وكذلك كتاب الطليان وعلى المحبة والسلام في ٢٧ جمادى الأولى عام ١٢٩٣". ثم نهض السفير من مرسيليا وسار إلى باريز فاقتبله وزراء الدولة وكبراؤها بالمحطة هناك وأكرمت الحكومة وفادته ونزله. وفى صبيحة غد يوم حلوله بباريز قابل وزير خارجيتها وصرح له أن المقصود من سفارته هو تجديد عقود المحبة وتأكيدها مع الدولة الفخيمة ومجاراتها على الاعتناء بالجناب العالى بالله بتوجيه سفيرها المسيو "طيسو" لتهنئة جلالته

стр. 860

الكريمة بالجلوس على كرسى ملك سلفه الكريم، وتقرير ما عند مولانا نصره الله من الاعتناء بجانبهم، واعتبار حقوق المجاورة، ومسرته بما يتجدد من العلاقات التي تدل على دوام الألفة والمحبة، ثم طلب من الوزير تعيين وقت الملاقاة مع رئيس الجمهورية وهو يومئذ الماريشال مكماهون. ولما قابل الرئيس في الوقت المعين له ألقى بين يديه الخطبة التي كان متابطا لها وإليك نصها: أيها الرئيس المعظم. بعد إهداء ما تستحقه مرتبتك الفخيمة من التحية والتسليم اللائق بمقامك الفخيم، إننا قدمنا على حضرتك من سيدنا ومولانا أمير المؤمنين سلطان المغرب وجهنا نصره الله بقصد تجديد أسباب المودة وتكيد المحبة التي كانت بين أسلافه الكرام وبين دولتكم الفخيمة التي لا تزال بحول الله في ازدياد وتأكيد، ونعلمك أنه أيده الله مسرور بهذه المحبة الجديدة التي تكدت بها المحبة القديمة، وأنه لا زال يحرص على ما يزيدها ويتحافظ على ما يديمها ويراعى حق الجوار، ونجازيكم على لسانه على ما صدر منكم من الاعتناء بجانبه العالى بالله بتوجيه سفيركم المسيو "طيسو" لتهتئته بالجلوس على سرير ملك أسلافه الكرام وسبقيتكم لذلك، لأنه أدل دليل على رسوخ. محبتكم وكامل اعتنائكم وها كتابه نصره الله لكم في ذلك. وناوله الكتاب الشريف وإليك نصه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، من عبد الله المتوكل على الله المفوض أمره إلى الله أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين بالمغرب الأقصى

стр. 861

[صورة] كتاب السلطان مولاى الحسن لرئيس جمهورية فرنسا فى السفارة الزبيدية

стр. 862

وهو الحسن بن محمد بن عبد الرحمن بن هشام، الله وليه أبد الله نصره. وزين بالمحاسن عصره. إلى المحب المعظم الأمير المحترم كبير جمهورية دولة الفرنصيص الفخيمة الرئيس المعتبر "مكماهون". أما بعد: فموجبه تجديد أسباب المحبة التي لا تزال تزيد غلى مرور الأيام تأكيدا. وإحكام عقد المحبة الذى يبقى ثوبه مع الأبد جديدا. ويحلى بحسن التواصل مفرقا وجيدا. ولأجل ذلك أوفدنا إليكم حامله خديمنا الأرْضَى الحاج محمد الزبيدى سفيرًا إليكم ومبلغا ما تقتضيه أمارة المودة لديكم، وانتخبناه من أخص خدامنا وكبراء حاشيتنا لما حاز من التقدم والنصيحة في الخدمة مع مولانا الجد وسيدنا الوالد قدس الله ضريحهما العزيزين ليقرر لكم مشافهة ما عندنا من المحبة مع دولتكم التي اقتفينا فيها أثر كرام الأسلاف، وما نحرص عليه من المحافظة على العهود التي بها يدوم حسن المواصلة وجميل الائتلاف، ويجازيكم نيابة عن جانبنا العالى بالله بلسان الخير والثناء، على ما صدر منكم من البرور والمبالغة في الاعتناء، وأمارة الصدق في الوداد، التي زادتنا في جانبكم حسن الاعتقاد، بتوجيهكم سفيركم المعتبر المنسطر "طيسو" سابقا، وما شاهدناه من الرعاية في معاملتكم لاحقا، مما ملأ الصدور انشراحا، وأبدى في وجوه الأمالى نجاحا. فالمحقق عندنا إن شاء الله أن تقابلوه ومن معه بما عودتم المرة بعد المرة، من الاعتناء والقبول والمبرة، وتصدقوه فيما يذكره لكم من المصالح التي تعود بالخير على الإيالتين، وتؤدى إلى تمام الراحة بين الدولتين، وتنظروا فيها بعين الإنصاف، وتجروها على أكمل الأوصاف، حتى يرجع مقضى الأوطار مثنيا على جنابكم بحميد الإيثار. فإن المحبة تقتضى تسهيل ما بين الدولتين وتيسيره. وتؤذن بكمال التوافق وحسن السيرة. ودمتم كما تحبون ممتعين بين الأجناس بموجبات التهنئة.

стр. 863

مقابلين بما يصلح بكم في الإسرار والعلانية، وبه ختم في ٢٧ ذى القعدة الحرام عام ١٢٩٢". ثم استرسل السفير المذكور في خطبته قائلا: ونحن نشكر بلسان دولتنا المعظمة الاعتناء الذى قابلنا به أهل الدولة في طريقنا وكبراء المركب الذى أقلنا لبلادكم الزاهرة، ونرجو أن نرجع من حضرتكم بما يزيد هاتين الدولتين رسوخا، ولعلاماتها وضوحا، ونؤمل من حضرة الرئيس أن يوصى من يعينه للمفاوضة معنا في الأمور التي اقتضت المحبة الكلام فيها بما يعود بالنفع على الجانبين العظيمين بأن يعطينا وجه الاعتناء في مباشرتها، ويسهل طريق البلوغ إلى رفع الضرر الحاصل فيها. فأجاب الرئيس مكماهون على خطاب السفير بما نصه: سعادة السفير الأفخم: قد حصل لنا كمال السرور وغاية المحظوظية بمجيئكم سفيرا للسلطان الأعظم الأفخم سلطان ممالك المغرب الأقصى. فمنذ جلوس الحضرة العالية الشريفة في تخت أسلافه الكرام صدرت براهين عديدة من المودة والمؤالفة الكائنة بين الدولتين الفخيمتين، وقد انشرح صدرنا بتأمينات تشييد الروابط للمحبة. فالمرجو من سعادة السفير أن يعتبر اقتبال بلدنا وفرحها به دليلا مبينا لمحبتنا في الحضرة الشريفة، واعتبارنا لذاته العالية كما أرجو أن يكون احترامنا لذاتكم السامية وأخلاقكم الحميدة يروق لديكم، وتجعلونه أقوى دليل لتسهيل مأموريتكم بما يعود بالمنفعة على الدولتين الفخيمتين وتبلغوا اعتناء بلادنا بكم للجلالة الشريفة لتتحقق بذلك. ثم بعد ذلك دعوا للضيافة والإكرام بقصر رئيس الجمهورية وفق العادة المقررة في سائر الحفلات.

стр. 864

[صورة] كتاب من وزير خارجية فرنسا للسفير الزبيدي

стр. 865

والمقرر في الضيافات التي تقام للسفارات المغربية بسائر الممالك الأروبية غداء أو عشاء، أن تكون بالقصر الملوكى ويحضرها الملك والملكة أنفسهما، ثم يقوم احتفال بضيافة ثانية في وزارة الخارجية ثم في البلدية، وعلى هذا جرى العمل في دول أوروبا ما عدا مملكة الإنجليز، فإن المقرر عندها بعد الاحتفال بضيافة الملك ووزير الخارجية أن يقوم بالضيافة رئيس الوزراء ووزير البحرية. ثم إن دولة فرنسا بعد انتهاء ضيافاتها عينت وزير الأمور الخارجية المسيو "دوك دكاز" للمفاوضة مع السفير المذكور فتفاوضا بكل حفاوة ولطف في المسائل الهمة من السفارة وبعد الفراغ من تمهيد الطرق الموصلة للوفاق، كتب السفير لوزير أمور الخارجية بما نص المقصود منه: "حضرة الوجيه الأفخم وزير الأمور الخارجية للدولة الفرنسوية المسيو دوك دكاز، بعد إهداء ما يليق بجنابكم من التحية والتكريم، فالباعث عليه إعلام حضرتكم أننا أردنا التوجه إلى مملكة البلجيك في يوم الاثنين القابل، ومنها لمملكة اكريت بريطن لأداء ما أنا مأمور به من الحضرة الشريفة جلالة سيدنا دام عزه ونصره، وأعلمت جنابكم لتكونوا على بال على العادة في ذلك وعند رجوعنا في قريب إن شاء الله، نرجو منكم المقابلة لتتميم المذاكرة كما نرجو منكم المقابلة مع رئيس الجمهورية الأفخم للوداع، ودمتم مسرورين، وختم في ٣٠ جمادى الأولى عام ١٢٩٣ خديم المقام العالى بالله محمد الزبيدى وفقه الله". فأجابه الوزير المذكور بما نصه: "سعادة الباشدور الأفخم سفير الدولة الشريفة بالمغرب الأقصى، وخديم سدة جلالة سلطانه الأعظم السيد الحاج محمد الزبيدى، قد تشرفت بوصول كتابكم إعلاما بعزمكم على السفر لمملكة البلجيك الفخيمة ومنها لمملكة اكريت بريطن ويكون رجوعكم منها لبلادنا لتتميم الأشغال المنوطة بمأموريتكم، فليعلم جنابكم أن الدولة هيأت لكم قطارا خاصا وعربة تليق بمقامكم السامى لتسافروا

стр. 866

فيها في التاريخ المذكور ويرافقكم إلى حدود البلجيك خليفة وزير الخارجية والترجمان، وأرجو لكم سفرا سعيدا كما نرجو من جنابكم أن تعلمنا قبل نهوضكم من مملكة اكريت بريطن بثلاثة أيام بطريق السلك ليهيا لكم البابور الخاص بكم بمدينة كالى وتفضلوا بقبول مزيد الاحترام لشخصكم المعظم". ودفع السفير لفقراء باريس عشرة آلاف فرنك حسبما جاء في كتاب الشكر الذى وجهته له الحكومة على ذلك وهو: "باريس في ٢٥ جوان ١٨٧٦ سعادة السفير المحترم لقد تفضلتم سعادتكم فأبلغتمونى بواسطة الكاتب الثانى بسفارة جلالة سلطان المغرب جملة عشرة آلاف فرنك برسم توزيعها على فقراء العاصمة. وطبقا لرغبتكم بإرسال المبلغ المذكور إلى عامل مقاطعة لاسين مشيرا عليها بتوزيعه على مختلف ملاجئ الإحسان في باريس. وسأكون قد تقدمت عن إدارة مقاطعة لاسين عندما أعرب لسعادتكم عن ممنونية الحكومة مما منحتموه لديار الإحسان ولكم يا سعادة السفير كل الاحترام والاعتبار الإمضاء: ... "اليك قائمة ما تبرعت به السفارة منذ خروجها من طنجة: فلرئيس المركب الحربى المقل للسفارة من طنجة إلى مرسيليا ليفرقه على البحارة بها فرنك ٥٠٠٠ ولأصحاب الموسيقى عند النزول بمرسيليا ١٠٠٠

стр. 867

ولأصحاب حاكم مرسيليا عند زيارة السفير له ٦٠٠ لضعفاء مرسيليا ٥٠٠٠ وللخدمة بمحل النزول ١٠٠٠ وللعسكر الملازم للسفارة بمرسيليا ٥٠٠ وللموسيقى عند الوصول لباريز ١٠٠٠ ولأصحاب العربات الملازمة للسفارة من قبل الحكومة ١٠٠٠ وللمكلفين بخيل الهدية ١٠٠٠ وللخدمة بوم ضيافة السفارة بدار رئيس الجمهورية ٢٠٠٠ وللبوابة ١٠٠٠ ولضعفاء باريس ١٠٠٠٠ ولأصحاب وزير الخارجية ٢٠٠٠ ولعسة العسكر المكلفين بالسفارة بباريس ١٠٠٠ وللخدمة المقابلين للسفارة بمحل النزول ٢٠٠٠ ثم في يوم الاثنين المذكور توجهت السفارة المذكورة في المراكب الخصوصية المذكورة صحبة الرفيق في كتاب الوزير المذكور لمملكة بلجيكا. ولما وصل المركب وجد خليفة وزير الأمور الخارجية للدولة البلجيكية وعددا من الذوات وحاكم المقاطعة وفرقة من العسكر ورجال الموسيقى تحت قيادة الجنرال الحاكم العسكرى لتلك المقاطعة في انتظار السفارة هناك، وبعد وداع السفارة هناك لمشيعيها الفرنسيين نزلت من القطار فأدت العساكر البلجيكية التحية بعد ما رفع العلم المخزنى المغربى وأطلقت الطلقات المدفعية.

стр. 868

ثم تقدم الكبراء للسلام على السفير، وأظهروا من الفرح والبشاشة والترحيب ما يستدل به على ما لهم من الاعتناء بجانب مرسله إليهم سلطان المغرب الأقصى، فقابلهم السفير بما يقتضيه المقام. ثم ركبت السفارة في القطار المعد لها وتوجهت لعاصمة البلجيك (بروكسيل) وبعد مسير ساعة ونصف وصلت إليها فوجدت المحطة على أروع ما يكون من الزينة وبديع التنسيق، والأعلام المغربية والبلجيكية ترفرف وعددا وافرًا من العساكر خيالة ومشاة ووزير الخارجية والقائد العسكرى، وجما غفيرًا من وجهاء الدولة وذوى الحيثيات واقفين بها في انتظار ورود السفارة اعتبارا لشأنها وأداء لواجب تحيتها. وبعد تقديم مراسم السلام بين الجانبين ركب وزير الخارجية والسفير في عربة خصوصية وأعضاء السفارة في عربة أخرى أعدت لهم وساروا في موكب مدهش إلى محل النزول الذى كان اُد لهم، ثم ودعهم الوزير ورجع. وما استقر بهم المجلس حتى أتى إليهم رئيس التشريفات للسلام على السفير بحسب النيابة عن الملك، ثم استفهمه عن تعيين وقت رد الزيارة للوزارة الخارجية، فعين له الساعة العاشرة من يوم الأربعاء ثالث يوم وصولهم. وفى الوقت المعين وقع اقتبال وزير الخارجية للسفير بكل حفاوة وإجلال هش وبش، وأظهر من العواطف والإحساسات ما لا مزيد عليه. وفى عشية اليوم نفسه رد الوزير للسفير الزيارة وأعلمه بان اقتبال الملك والملكة له يكون على الساعة الثانية بعد الزوال من غده الذى هو يوم الخميس، وطلب منه نسخة من الخطبة التي سيلقيها أمام الملك ليهيئ جوابها طبق المتعارف في ذلك فدفعها له. ونص كتاب الإعلام بتعيين وقت الاقتبال الملوكى:

стр. 869

"وزارة الخارجية عدد ٤٤٦٩ بروكسيل ٢٩ يوليوز ١٨٧٦ سيدى السفير المحترم أتشرف بإعلامكم أن جلالة الملك وجلالة الملكة يقتبلانكم في قصر بروكسيل على الساعة الثالثة من هذا اليوم. وسيتوجه حرس القصر إلى سفارتكم بقصد مرافقتكم ومن معكم من الكتاب والضباط الملحقين بالبعثة ذهابا وإيابا. وإنى لأغتنم هذه المناسبة فأحقق لسعادتكم من جديد عبارات الاحترام. ولما كان الوقت المعين انعقدت حفلة رسمية وقابل الملك السفير بمزيد اعتبار واعتناء وإجلال ثم ألقى السفير خطبته أمام الملك وإليك نصها: أيها السلطان المعظم المحترم: بعد إهداء ما يجب لمرتبتك الفخيمة من التحية والتسليم فإننى أمرت من جلالة سلطان المغرب مولانا الحسن دام عزه ونصره بالوصول إلى حضرتك الفخيمة السامية، بقصد تجديد أسباب المحبة التي كانت بين أسلافه الكرام وبين دولتكم المعظمة التي لا تزال في ازدياد وتأكيد، وشكركم على لسانه أيده الله على ما صدر منكم من الاعتناء بتوسط نائبكم المسيو (لرنسط دولوان) في شأن المتعلمين وغيرهم، فإن ذلك أقوى دليل على رسوخ المحبة وتكيدها، ونحن نجدد لمقامكم الأفخم المجازاة ونشكر بلسان دولتنا الاعتناء الذى قابلنا به أهل دولتكم الفخيمة في طريقنا، وإنى لمسرور جدا بتبليغ كلام جلالة سلطاننا المنصور بالله لفخامتكم مشافهة وخصوصا حيث أسعدنى الحظ بأداء التحية والسلام الخصوصى لجلالة الملكة المعظمة التي افتخر بها عصرها وازدهرت بها دولتها، وأرجو من سموكم

стр. 870

[صورة] وزارة خارجية بلجيكا بتعيين وقت مقابلة الملك للسفير

стр. 871

الإذن لمن تختارونه للمخابرة معنا فيما يعود بالمصلحة على الدولتين العظيمتين اللتين نؤمل تمتين علائقهما الودادية. ثم دفع الكتاب السلطانى. ثم بعد الضيافة بالقصر الملوكى الفاخر اقتبل السفارة دوق ودوقية افلاندر من مقطعات البلجيك وإليك نص الإعلام الموجه من وزارة الخارجية بذلك: وزارة الخارجية عدد ٤٤٦٩ بروكسيل ٣٠ جوان ١٨٦٧ سيدى السفير نتشرف فنخبركم بان صاحبى السمو دوق ودوقية أبلاندر يقتبلانكم ومن بمعيتكم من كتاب السفارة والضباط التابعين للبعثة في نفس هذا اليوم على الساعة الواحدة ونصف. ولكم يا سعادة السفير أجدد عبارات الاعتبار الزائد. الكاتب العام ... ثم شرع في أشغال مأموريته مع وزير الخارجية حتى تممها على أحسن ما يرام، وقد زار في تلك المدة معامل السلاح وحقق ودقق، ثم طير الإعلام للجناب السلطانى بجميع ما شاهده واستحسنه، وطير الإعلام بذلك للحاجب السلطانى، وإليك نص ما أجيب به من حاجب الجلالة المسمى بعد الحمدلة والصلاة: "محبنا الأعز الأرْضَى. الأمين الضابط المُرْتَضَى. الباشدور النبيه الأحظى. السيد الحاج محمد الزبيدى حفظك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله. وبعد: فقد وصلتنا مكاتبك ٣ المؤرخ ثالثها بأواخر ٢٠ جمادى ٢ مخبرا فيها بمدة مقامك ببلاد البلجيك وشارحا ما قابلك به رؤساؤها من تمام الفرح

стр. 872

والضيافات، ومن حضرها وبمزيد الاعتناء والبرور، وما أطلعوك عليه من الفبريكات الهائلة التي وصفتها وأروكه من أنواع آلات الحرب وأشكالها مدافع ومكاحل على نحو ما وصفته. وعرفنا منه يوم سفرك من بلجيكة صحبة من سميت من أعيانها واصلا للوندريز، وما تلقاك به كبراء الدولة الإنجليزية من الفرح والسرور والمراعاة، وإنك تلاقيت هناك مع باشدور الطليان وألح عليك بتعجيل السفر لدولتهم لما عزم عليه عظيمهم من الخروج للصيد، وعلمنا ما دار بينك وبينه أولا وثانيا واعتذرت له وما انفصلت به معه من القدوم لإيطاليا في أول شهر غشت بعد نهوضك من اللوندريز ومرورك بباريز، وأشرت بتعجيل توجيه ما كتبت على زيادته هدية لوزير أمور البرانية ومن معه وصار بالبال جميع ما سطرته في المكاتب الثلاثة، وأطلعنا عليها سيدنا أيده الله واستوعبتها سيادته قراءة وفهما، وصار مضمنها بباله الشريف ودعا لك نصره الله بخير. وقال دامت سعادته: فهلا وجهت مكحلة من كل عينة من العينات المحدثات التي لم تصل للمغرب ولا جلبها أحد للآن لا من التي وصلت للمغرب منها كالمعمرة من وراء فلا. وعليه فإن أمكنك أن تصحب معك عينات من المعدة المعتبرة الجديدة المحدثة التي لم تصل للمغرب فافعل إن تيسر لك تدارك الإتيان بها، وببيان ثمنها وقد استحسن سيدنا أيده الله مدفع الجر الصغير الخفيف ذا العمائر والذى نبهت عليه، وقال أيده الله: لابد من بيان ثمنه أى المدفع الصغير الذى تحمله بغلة واحدة فتحقق لنا ثمنه، وبين لنا كيفية السريجة التي يحمل عليها، ولا بد حينئذ يظهر لسيادته ما يحتاج لجلبه منه. وقد كتبنا عن أمره الشريف للمحب السيد محمد بركاش ليتكلم مع نائب البلجيك في ذلك.

стр. 873

وأما المسائل التي تزاد في هدية الوزير الفرنصيصى فقد تقدم الكتب لأخينا الأرْضَى سيدى عبد الله بن أحمد بالتعجيل بتدارك توجيهها لكم هى وهدية الإنجليز، وها نحن حددنا له الكتب وأكدنا عليه في التعجيل بتوجيه ذلك عزما، هذا وقد سررنا بسلامتك وما قوبلت به من التيسير والإعانة، نطلب الله أن يقضى بكم غرض سيدنا الشريف ويصحبك الفتح والسلامة، في كل ظعن وإقامة. ويردك بخير وعافية مقضى الأغراض مبلغ المراد آمين، ولا تغيب عنا خبرا وعلى المحبة والسلام في ٢٦ من رجب الفرد عام ١٢٩٣ موسى بن أحمد لطف الله به". وفى أثناء مقامه ببروكسيل تبرع على فقرائها بخمسة آلاف فرنك ونص شكر الحكومة له على ذلك: وزارة الخارجية بروكسيل ١١ جوليت ١٨٧٦ سعادة السفير: لقد ناولنى الكاتب الثانى بالسفارة مجموع الخمسة آلاف فرنك التي تبرعتم بها على مختلف ملاجئ الإحسان بالعاصمة. وقد بادرت بإبلاغ هذا المبلغ إلى رئيس البلدية الذى أعرب لكم عن تشكراته في الرسالة الموجهة إليكم صحبة هذه. ولقد تأثر جلالة مولاى الملك وحكومته من صنيعكم المبرور ولا شك أن ذلك مما يخلد تذكار المهمة التي أديتموها في هذه الديار بغاية المقدرة والكفاءة. وبهذه المناسبة أدعو لكم يا سعادة السفير بيمن السفر وأجدد لكم عواطف الاعتبار. وزير الخارجية لدى جلالة ملك بلجيكا وإليك قائمة ما تبرع به في بلاد بلجيكا:

стр. 874

[صورة] من وزير بلجيكا للسفير الزبيدي

стр. 875

فلأصحاب الموسيقى عند الوصول ١٠٠٠ ولأصحاب العربات الملازمة للسفارة من قبل الحكومة وللخدمة يوم الضيافة بدار السلطان ١٥٠٠ وللبوابة ١٠٠٠ ولضعفاء البلجيك ٥٠٠٠ ولأصحاب وزير الخارجية ١٥٠٠٠ وللعسكر المنفذ للسفارةِ ١٠٠٠ وفى صدقة لضعفاء مدينة الياج ١٠٠٠ وياتبريس ١٠٠٠ وبمدينة اوستاند ١٠٠٠ ج وللخدمة بمحلات النزول بمدن بلجيكا ٢٠٠٠ ولرئيس البابور الذى أقل السفارة من بلجيكا إلى إنكلترا ليفرقه على خدمة المركب ٢٠٠٠ ثم قابل السفير ثانية وودعه ونهض من بلجيكا في بابور خاص ورافقه نائب وزير الخارجية والترجمان بقصد تشييعه إلى اللندريز. ولما ودعه ونزل من البحر وجد وزير الأمور الخارجية وولد باشادور طنجة حينه والجنرال حاكم الناحية والعسكر والموسيقى في اقتباله وعددا من الذوات واقتبلوا السفير أحسن مقابلة وبالغوا في الترحيب وإظهار الفرح والإجلال وبعد مبادلة السلام وواجبات التحية توجه السفير بمن بمعيته للمحل المعد لنزولهم. وبعد يومين من يوم حلولهم باللندريز عينت الملكة الإنجليزية فيكتوريا وقت الملاقاة بواسطة رئيس التشريفات الذى ناب عنها في تهنئة السفير بالقدوم عقب نزوله ونص كتاب الإعلام بذلك الذى كتبه اللورد دربى الشهير وزير الخارجية البريطانية يومئذ:

стр. 876

[صورة] الإعلام للسفير بوقت مقابلته لملكة إنجلترا

стр. 877

"يقدم اللورد دربى احتراماته إلى السيد الحاج محمد الزبدى ويخبر سعادته بأن جلالة الملكة سوف تقابله في (اوسبون) يوم الخميس المقبل يوم ٢٧ من الشهر الجارى. وقبل أن يغتنم اللورد دربى فرصة ترك سموكم فإن له الشرف بأنه سوف يخبركم بأوقات القطار الذى يترك لندن قبل وقت المقابلة المعين دائرة الأعمال الخارجية ٢٥ يوليو ١٨٧٦". ولما حظى باستقبالها بالغت في الهش والبش وإظهار العواطف الحسنة والمجاملة التامة ثم أكرمت السفارة إكراما زائدا في الأبهة والاعتناء والاعتبار. ثم كتب للورد دربى بقائمة الهدايا التي أمر بتقديمها للملكة حسبما جاء في الرد الذى بعثه له عليها ونصه: "وزارة الخارجية ٣ غشت ١٨٧٦. سيدى السفير: لى الشرف بان أعلم سموكم باستلام مذكرتكم المؤرخة ب ٢٨ من الشهر الماضى التي فيها قائمة الهدايا المقدمة من جلالة سلطان المغرب إلى جلالة الملكة وأتشرف أيضا بإخباركم بأنى لم أتمكن إلى الآن من عرض ذلك على جلالتها. أرجوكم أن تتقبلوا فائق احتراماتى يا سيدى السفير: مطيع سموكم وخادمكم المخلص: لورد دربى" وهذه نسخة من قائمة الهدايا التي أمر صاحب الترجمة بصنعها بفاس لتوجه إلى ملكة الإنجليز.

стр. 878

"أوله رسون من الحرير مطررة بالصقلى والحرير المذهب بين حمصى ٤ وأخضر ٤ وبنفسجى ٤ الجميع ١٢ وجلالات في غاية الجودة عدد ١٢ وحياك قنطرى وبلهوان حرير ٤ وكساوى من أوراق ساهل أربعة كل واحدة منها في لون وواحدة منها تكون مثقلة بالصقلى وتعرف بالصمة ٤ وتغاطى من الزردخان أربعة كل واحدة منها في لون وفى أطرافها قضيب مثل السلتة والترييش بالصقلى ٤ من الشرابل ٦ من الموبر على ألوان و ٦ من الجلد و ٦ من الطلس ١٨ ومطرز بالصقلى ١٨ ومن اسطارم ستة من الموبر وستة من الطلس وستة من الجلد والجميع ١٨ على ألوان ومطرز بالصقلى ١٨ ومن شكاير البارود على نحو عمل الريف مطروزة بالصقلى على ألوان ١٢ ومن مرافع خشب الصنوبر الجيدة تكون مخرمة ومزوقة في كاية الجودة على ثلاثة أنواع، نعم ستة منها يكون طولها من ستة أشبار، وستة منها تكون طولها من أربعة أشبار والصنعة مختلفة الجميع ١٢ ومن رشاقات خشب الصنوبر التي تحمل عليها المكاحيل اثنا عشر زوجة مخرمة ومزوقة جيدة ١٢ ومن طبالى الخشب الصنوبرى التي توضع عليها صوانى الاتاى تكون مثمنة الشكل وبالأرجل على نحو عمل اشاون ١٢

стр. 879

[صورة] كتاب من وزير خارجية إنجلترا للسفير الزبيدى

стр. 880

ومن شقق الملسة الرفيعة ستة مطروزة بالتل عمل فاس متفاوتة في الطرز إلا واحدة منها مثقلة ٦ ومن صوانى الصفر عمل فاس اثنا عشر أربعة منها نمر ١ وأربعة نمر ٢ وأربعة نمر ٣ ١٢ واثنا عشر كمية عمل سوس تكون مجبرة بالفضة على ثلاث عينات الجميع ١٢ ومثلها من السبائل عمل الريف مجبرة بالفضة على ثلاث عينات الجميع ١٢ ومن السفارى المطرورة اثنا عشر أربعة مطرورة بالصقلى وأربعة بالحرير وأربعة من الجلد ١٢ ومنه تقييد الحوائج التي بزيادتهم: سفارة ثلاثة موبر مطروزة ٣ سطارم أربعة ٤ حزوم بالصقلى ٣ حياك أربعة بالحرير ٤ مسخرات أربعة مطروزين ٤ سبانى أربعة بالصقلى ٤ الحمد لله وحده أخانا الفقيه الأعز الأرضى، سيدى موسى بن سيدى أحمد رعاك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله.
следующие страницы →