← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ونعهد إلى عمالنا ولاة أمرنا أن يلزموا أنفسهم وأهليهم طاعة الله، ويدلوا رعيتهم عليها ويعملوا بسنة رسول الله ﷺ ويحضوهم عليها قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ... (٦)﴾ [التحريم: ٦]، وأن يلزموا كل قرية ومدشر ودوار مشارطة طالب علم يعلم أولادهم ويفقههم في دينهم، ويقيم لهم الصلوات الخمس في أوقاتها، ويحضهم على الأذان الدال على إيمان الدار، وهو للمؤمنين شعار، وأن ينبهوا على رد البال للطريق ليلاً ونهاراً، وتعاهد أماكن الخوف منها رواحاً وابتكاراً، وينصبوا لأهل العيث الأرصاد، ويمكنوا لهم بكلِّ واد، حتَّى تفسير الدماء بذلك محقونة، والفتن محسومة، والأموال مصونة. فإن قَطع الطَّريق وإخافة المسافرين من أقبح السيئات. كما أن إماطة الأذى عن الطَّريق من أحسن الصالحات، ففي الحديث الكريم: "عرضت على أعمال أمتى حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطَّريق". وأن يتفقدوا أحوال الفقراء الذين قتِّرَت عليهم موارد الأرزاق (١). وألبسهم التعفف ثوب الغني وهم في ضيق من الإملاق. بصدقة التطوع التي هي للحسنات كلام المولود، فهى التي تتيقظ لحراسة صاحبها والنّاس رقود، وبها تستنزل الأرزاق وتسبغ الآلاء. وتطفئ الغضب ولا يتخطاها البلاء، اختص الله بها بعض عباده لمزية أفضالها. وجعلها سبباً للتعويض بعشر أمثالها. ففي الحديث عنه ﷺ : "من تصدق بصدقة منْ كَسْبٍ طيب ولا يقبل الله إلَّا الطَّيِّب فكأنه إنَّما يضعها في كف الرحمن يربيها له كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله حتَّى تكون مثل الجبل" وفيه: "ما من رجل يتصدق في يوم أو ليلة إلَّا حفظ من أن يموت من لدغة أو هدمة أو موت بغتة" وفيه "إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النَّار" وفيه: "اتقوا النَّار ولو بشق تمرة" وفيه: "أعطوا السائل ولو جاء على فرس" أى لا تردوه ولو جاء على حالة تدل على غناه.

стр. 807

وورد: "استنزلوا الرزق بالصدقة وحصنوا أموالكم بالزكاة". وليعاقبوا الفرقة التي تراخت في الدين. وخلفت سنة سيد المرسلين ولم يتعلموا ما يقيمون به قواعد إسلامهم، ولا سلكوا سبيل رسول الله ﷺ ولا سبيل أئمة الدين، وأعلامهم، ففي الحديث: "إنَّما العلم بالتعلم" وهو واجب، إذ لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على أمر حتَّى يعلم حكم الله فيه، وقد قال : ﴿... فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ... (٣٦)﴾ [الإسراء]. ولما أخذ الله العهد على العامة أن يتعلموا أخذ العهد على أهل العلم أن يعلموا فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ... (١٨٧)﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]. وقال ﷺ : "من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار" فتعلموا وعلموا فإن من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، قال سبحانه: ﴿... وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ... (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وفى الحديث: "اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل"، ﴿... وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ... (٢٠)﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿... فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. وقال ﷺ في وصية لبعض أصحابه رضى الله عنهم: "كن في الدُّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل واعدد نفسك في الموتى وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح".

стр. 808

وقال: "يابنى احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة". وقال في وصيته لمعاذ بن جبل: "يا معاذ اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق النَّاس بخلق حسن قال قلت يا رسول الله زدنى قال: كف عنك هذا وأشار إلى لسانه قلت أو إنا لمؤاخذون به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب النَّاس في النَّار على مناخرهم -أو قال على وجوههم- إلَّا حصائد ألسنتهم". وفيه: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". وفيه: "أحب الأعمال إلى الله حفظ اللسان". وفيه: "رحم الله امرءاً تكلم فغنم أو سكت فسلم". وفيه: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالاً يرفعه الله بها درجات. وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالاً يهوى بها في جهنم". وفيه: "أكثر خطايا الإنسان من لسانه". وفيه "من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له الجنة. "فليبلغ الشاهد الغائب ألهمنا الله وإياكم الأعمال الصالحات. وأرشدنا لمناهل الخيرات وجعلنا من الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون". وفيها أمر بتأليف لجنة من بعض فقهاء فاس للنظر فيما أراد اليهود إحداثه بملاحهم بفاس، ونص الظهير الذي أصدره في ذلك لنائب قاضى فاس بعد الحمدلة والصلاة والطابع:

стр. 809

"الفقيه النائب في القضاء بفاس الأرضى، السيد محمد بن عبد الرحمن سددك الله وسلام عليك ورحمة الله. وبعد: فقد بلغنا أن أعيان يهود ملاح فاس العليا اجتمعوا واتفقوا على إحداث أمر بملاحهم مخالف لعاداتهم وهو نصب حزان وتاجرين من تجارهم في ملاحهم للحكم فيما يعرض بين إخوانهم من الوقائع كالسرقة وسائر الدعاوى وعلى إبدالهم في رأس كل شهر بآخرين، وصار هؤلاء الحكام يقبضون على من أرادوا من خصوم إخوانهم ويوجهونهم للسجن على يد عاملهم ويسرحونهم منه على يده وحيث لم تجر لهم عادة بنصب ما ذكر، وكانوا معاهدين والأمور التي بينهم وبين المسلمين كلها مبنية على قواعد الشرع رددنا قضيتهم للشرع، وعليه فنأمرك أن تجتمع أنت والفقهاء المسمون يمنته وتتنزلوا لهذه القضية وتعطوها حقها من النظر والتأمل والبحث ومراجعة عقد ذمتهم، هل هم معاهدون في ذلك أم لا؟ وما اقتضاه الشرع في النازلة من تسويغ ذلك لهم أو منعهم منه وردهم لعادتهم، طالعوا به علمنا الشريف وأعلموا به خالنا القائد العربي ولداب محمد لينفذه فقد أمرناه بتنفيذه والسلام في ٦ ربيع الثَّاني عام ١٣٠٠". والفقهاء المشار لهم في الظهير هم على التَّرتيب الفقيه السيد الحاج محمد جنون، والفقيه السيد جعفر الكتانى، والفقيه السيد أحمد بن الحاج، والفقيه السيد الحميد بنانى، والفقيه السيد عبد الله الودغيرى. وقد كان جواب هؤلاء الفقهاء أن يمنع اليهود ممَّا أحدثوه من نصب حزان وتاجرين يبدلون كل شهر بغيرهم، وجعل عاملهم المسلم منفذاً لأمرهم، يسجن وشرح من غير أن يعرف لذلك وجها، واستند الفقهاء في ذلك لعهد لعمر مع نصارى الشام وقفت على نص ذلك بخطوطهم ما عدا جنون مؤرخاً بعشرين جمادى الأولى من السنة.

стр. 810

ولم يزل مقيماً بعاصمة جده الأكبر يدبر أمر الرعية وينظر فيما يؤيد سعادة الناحية الغربية إلى أواخر عام واحد وثلاثمائة وألف. وفيها تم تنفيذ إصلاح وادى فاس الذي أمر صاحب الترجمة لإجرائه رفعاً للضر الحاصل لسكانها من قلة الماء بالمساجد والدور والحمامات والأرحية والأجنة والأسجان. وكان ابتداء البحث قد تقدم قبل هذا؛ لأنَّه لما ظهر النقص في المياه وتفاحش وجه أوامره الشريفة لقاضى فاس مولاى محمد بن عبد الرحمن العلوى بأن يعين العدول وأرباب البصر ليتوجهوا مع الأمين الحاج عبد السَّلام بن محمد المقرى لماء وادى فاس الداخل للحضرة الإدريسية للبحث في شأنه، ومعرفة الموجب لقلة وصوله لما ذكر مع النظر فيما أحدث من البناءات بالدوح والزيات، وكثرة رفع السدود بصواغة والبناء بالأودية، وهل كان ذالك سبباً فيما ذكر؟. فتوجه الأمين المذكور مع جماعة وافرة عينها الشرع الكريم من أهل النَّاس القرويين واللمطيين وعدوة الأندلس، وهم من أهل المعرفة والخبرة والبصر وأصحاب الرأى والنظر من الفلاحين والبنائين والفخارين والتجار والرحويين والقنويين والنظار والعارفين بأحوال الوادى المذكور وما يعرض له من النقص والزيادة في جميع الأمور، ومصاريف الوادى وتقاسيمه على الجمهور، ووقفوا على ذلك وشهدوا بما ألفوا. وبعد فراغهم من الوقوف على قسمة ماء أندلس القرويين والتطوف عليها والإشهاد بما وقع فيها من الضرر والحدوث على أرباب مائها، توجهوا للوقوف على قسمة ماء اللمطيين لينظروا ما حصل فيها من الضرر والفساد، فلما فرغوا منها توجهوا للوقوف على ماء عدوة الأندلس مع من زاده الشرع من أهل العدوة زيادة على من ذكر أولاً حسبما ذلك مسطر بشهادة عدلية ثابتة مؤرخة بمحرم

стр. 811

١٢٩٩ - وتقدم ابتداء الوقوف في أواخر حجة ٩٨ - مبين فيها الضرر في كل موضع، وما لاحظه الواقفون أثناء طوافهم مع تسمية كل واحد منهم، واستثناء من لم يشهد في بعض الأمور من الشهادة بما شهد به غيره. ثم لما كان الباشا عبد الله بن أحمد بمكناسة الزيتون وكان بها صاحب الترجمة يومئذٍ كتب لولده وخليفته على عمالة فاس السيد محمد أن يعين أفراداً للتوجه مع من عينهم الجناب الشريف للوقوف على ماء وادى فاس، حتَّى يتحققوا صحة ما كان قد وقع الإشهاد به من قلة الماء بالمساجد والدور والحمامات والأرحية فعينهم، وتوجهوا مع مولاى أحمد الصويرى والقائد البشير بن القائد بريك الحبشى، والقائد محمد الشرادى الذين وجههم الجناب الشريف لذلك، وشهدوا بما ألفوا من أحداث ما لم يكن من قبل وافتقار لإصلاح وغير ذلك ممَّا هو مبين في شهادتهم الثابتة المؤرخة بسابع ربيعء الثَّاني من هذه السنة ١٣٠١، وكان ابتداء الوقوف في متم ربيع الأول منه. ومن الكتب الرسمية التي جرت في ذلك ما كتبه الباشا عبد الله لولده ونصه بعد الحمدلة والصلاة: "ولدنا الأعز البار الفقيه الخليفة سيدى محمد بن عبد الله رعاك الله، وسلام عليك ورحمة الله بوجود مولانا أيده الله. وبعد: فقد أبلغنا مولانا الإمام بأنه كان وجه وصيفه القائد البشير الحبشى للوقوف مع القائد العربي بن أبي محمد على رد السدود الحادثة التي ضعف بها ماء فاس خارج المدينة، وأخبر المكلفان بأنهما تتبعاً ذلك حتَّى أبطلا جميع المجارى الحادثة ورد الماء لمحله، وصار جريانه خارج المدينة على ما ينبغي، ولما دخل الماء للمدينة بلغ العلم الشريف أن النَّاس لا زالوا يتضررون بقلة الماء وضياعه داخل المدينة، وقد وجه أيده الله الشريف مولاى أحمد الصويرى والقائد البشير الحبشى

стр. 812

وصاحب سيدنا لمراجعة ما بلغ علمه الشريف من إبطال المجارى الحادثة ورد الماء لمحله وللوقوف على عين مجارى الماء داخل المدينة واستيعاب ذلك مع المعينين من قبلنا، وهم: الخليفة الحاج أحمد الرايس، والأمين الحاج عبد السَّلام المقرى، وتاجران عارفان، وأربعة من الحذاق الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم والقنويون والعدول والصاحب الوارد عليك من هنا حمان الرايس، فإذا ورد عليك من توجه من قبل مولانا بقصد ما ذكر فاعلم المذكورين بالتَّهَيُّؤ للملاقاة بالمحل والوقت الذي توافقت معهما عليه ليتطوفوا مع الجميع بمجارى الماء كلها، وكذا المحل الذي ينتهي له الماء عند من كان وتعين ولو كان عندى، وليقيد العدول ما عاينوا من صلاحها أو فسادها ووجه لنا الرسم بذلك والله يصلحك والسلام في ٢٤ ربيع لعام ١٣٠١ عبد الله. ومنه: فزد من قبلنا رجلين اثنين من أهل العدوة ومن الأندلس كذلك، ومن اللمطيين كذلك للوقوف على قضية الماء المشار إليها أعلاه ونظار الأحباس ومن تحتاجون إليه من المعلمين الرحويين". ونص ظهير شريف للباشا المذكور بعد الحمدلة والصلاة والطابع: "وصيفنا الارشد الطالب عبد الله بن أحمد وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله. وبعد: وصل جوابك في شأن مجارى ماء فاس الذي وجهنا من يتعاهدها وأمرناك بتعيين من يقف من قبلك مع من تعين: بأنك كتبت لنائبك وعينت له من يقف معهم وفق ما أمرت، وأجابك بأن الأمر استوفى على التمام وقيد العدول ما عوين منبها كما بالموجب الواصل على الكتاب، فقد طالعنا الموجب فألفينا غاية ما فيه أن الموجهين تطوفوا على مظان الضر. بطواف أرباب البصر. من غير حصول على نتيجة التوجيه التي هي رد الماء لأصله والضرب على يد المتعدى فيه. على أنَّه

стр. 813

مهما كان الغرض يدرك. فلا يلغى الكد لأجله حتَّى يحصل ويترك، وعليه فنأمرك برفع حادث الضرر بمحضر المذكورين في الرسم لرفعه. حتَّى يرجع الشيء لأصله. وليحضر معهم من عيناه للوقوف على رفعه وهما مولاى أحمد الصويرى، ووصيفنا البشير الحبشى ومن عداهما فيه أخبر تقله. ولذلك نتخير في المهمات من يحسن في إقامة الغرض قيامه. ويزيل بصدقه عن طريق الحق إبهامه. لأنَّ النَّاس اليوم غلبهم هواهم. ووافق سجاياهم فلا خير في كثير من نجواهم. سيما أهل التعدى فآمالهم كلها لدينا مرفوضة. وقضايا تدابيرهم منقوصة. وجموع تكسيرهم مفضوضة. فلا ترفع السوط حتَّى يرتفع الضرر عن المساجد والحرمات والشكاة من غير ريب بصائب رأيك. وبمعونة تعزيز شريف أمرنا لك ومن بين يديك ومن خلفك، بحيث يرجع الشيء لأصله القديم ونهجه القويم، ولو أدى ذلك إلى هدم ما بنى على غير وجهه بتعدى صاحبه، أو أبدل مشرب من محله، أو زيد فيه برأى مرتكبه، إذ الحق أحق أن يتبع. وإليه في كل المذاهب يرجع. والإغضاء على المتعدى يفضى إلى المنازعة. وكثرة المراجعة. وقد شاع أمر هذا الماء وذاع. في جميع البلدان والبقاع. فقم على ساق مع من عيناه لذلك حتَّى يتوصل كل من له حق بحقه، ويجرى كل قسط منه بمستحقه، والتعدى بالماء أهلك الله به أمة، وأرسل عليهم طامة ملمة، قال تعالى: ﴿... أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾ [القمر: ٢٨] فأزل هذا الداء العياء بكيه، بإيصالك منه كل واحد لشيه، وعامل كل متعد بنقيض قصده، وأجلسه عند حده، والسلام. في ٢٧ ربيع الثَّاني عام ١٣٠١". ونص ما كتبه الوزير الأكبر يومئذٍ وهو أبو عبد الله محمد بن العربي الجامعى للباشا المذكور بترتيب مؤنة الوفد الموجه لإصلاح الماء:

стр. 814

"الحمد لله محبنا الأرضى الباشا الأسعد الفقيه السيد عبد الله بن أحمد، رعاك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله. وبعد: فإن سيدنا أيده الله وجه وصيفه القائد البشير الحبشى، ومولاى أحمد الصويرى، ومحمد بوهيمة الدليمى لرد ماء فاس لمجاريه الأصلية ويأمرك أيده الله أن ترتب لهم مؤنتهم اليومية مدة مقامهم ثمَّ وعلى المحبة والسلام في ٢٧ ربيع الثَّاني عام ٣٠١ محمد بن العربي خار الله له". ونص ما كتبه الوزير المذكور جواباً عن استشكاله بعض ما في الظهير الشريف بعد الحمدلة: "محبنا الأعز الأرضى، الباشا الأسعد المرتضى، الفقيه سيدى عبد الله بن أحمد رعاك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله. وبعد: وصلتنا بطاقتك باستشكالك الجملة التي بينت من الظهير الشريف الموجهة لك في شأن رفع الضرر والحيف الواقع في ماء فاس، وطلبت التصريح لك بالمراد في ذلك لئلا تقع مع من ذكرت في محذور، وأطلعنا بذلك علم مولانا فأجاب نصره الله بأن المراد هو رفع الضرر الحادث والقديم الواقع في ذلك الماء ورد مجاريه لهيئتها وكيفيتها القديمة والتسوية في رفع ذلك الضرر بين القوى والضعيف، والمشروف والشريف، وبأن من توقعت منهم ما ذكرته هم الذين تشكوا بذلك الضرر ورغبوا في رفعه هم وغيرهم من كبراء فاس وأعيانها كافة، والنبيه مثلك لا ينبه وعلى المحبة والسلام في ٢٨ ربيع الثَّاني عام ١٣٠١ محمد بن العربي خار الله له". ثم توجه الوفد العالى والخليفة الرايس، والأمين المقرى، والناظر الشامي، وشيخا البصر، والقنويين والرحويين وغيرهم للوقوف على إجراء الإصلاح المنشود

стр. 815

حتَّى وقفوا على الماء الذي يسيل من سد باب جبالة، فاقتضى نظرهم حصره ببناء حائط من طابيه، وحينئذ أحضرت الإقامة وشرع في بنائه وعلى الجزيرة التي برأس رحى الجبل المشهود بضرر بقاء السمر النابت بها حتَّى أزيل جميعه، وخملت الجزيرة المذكورة وما زالوا كذلك في تنفيذ الإصلاح من تعيين أوقات السقى وتجديد المغاليق وإصلاح القواديس وبيان أنواعها وما تناسبه وغير ذلك، حتَّى أتموا مهمتىم حسبما ذلك بشهادة عدلية ثابتة بتاريخ رجب الفرد من السنة ١٣٠١. ثم ظعن إلى فاس فأقام لتدبير الشئون فيها إلى أن دخلت سنة اثنتين وثلاثمائة وألف، فرجع إلى العاصمة المكناسية وأصدر الأوامر لعاملها إذ ذاك الباشا حم بن الجيلانى بانتخاب عشرة من أعيان نجباء طلحة الجيش البُخاريّ لقراءة فن التوقيت والحساب، ورشح لتعليمهم موقت الحضرة المكناسية الشَّهير الجيلانى الرحالي. وقد كان للمترجم اعتناء وشغف بهذه الفنون الرياضية، فكان يوجه في طلب آلاتها من سائر الجهات، وقد وقفت على بطاقة من عامل الرباط السيد محمد بن محمد السويسى للشريف العلامة سيدى محمد بن الحسنى عم صديقنا الحميم سيدى المدني بن الحسنى نصها بعد الحَمْدَلَة: "محبنا الأرضى الفقيه الأجل الشريف سيدى محمد بن الحسنى السَّلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله. وبعد: فقد أمرنى مولانا أعزه الله نوجه لحضرته الشريفة ستة ربعات وستة أسطرلابات التوقيت من هنا، وبحثنا فتحقق لنا عندكم اثنين ربعات وأسطرلاب وعليه أحبك توجه لنا بهم وتعلمنا بثمنهم أو يقدر لهم ولا بد وعلى المحبة والسلام في ٧ شوال عام ١٣٠٨ محمد السويسى لطف الله به".

стр. 816

ثم نهض من مكناس قاصداً عاصمة الجنوب فسار على طريق زمور الشلح ثم رياط الفتح وبه أقام سُنَّة عيد الفطر، ثم نهض على طريق زعير وتادلا، وبينهما قضى سُنَّة عيد النحر، ثم من زعير لايت بوريد فآيت اعتاب، ولما وصل إلى قبيلة. نتيفة أوقع بها جزاء على ما أجرمت من شقهم عصا الطباعة على عاملهم الطالب عبد الله النتيفى ووثوبهم عليه وهدهم لداره، ولولا أنَّه خلص بنفسه نجيا لحضرة السلطان لمثلوا به. وكذلك أوقع بأهل راوية تنغملت، ثم سار على فم الجمعة، ثم قبائل السراغنة والرحامنة، ثم مراكش الحمراء فأقام بها مدة يتأهب لعود الحركة للقطر السوسى لتفقد أحواله وتسكين اضطرابه، وإعادة النظر في ترتيب شئونه، ويدبر أمور الظعن إليه، وكيفية المرور على قبائله وتمهيدها وبمراكش أقام حفلة العيد النبوى والمولد الكريم المصطفوى. ولما حضر بشريف أعتابه أعيان القطر السوسى كأبي عبد الله محمد بن الحسين أو هاشم، والقائد دحمان بن بيرك التكنى، والحاج مسعود الراشدى، والقائد أحمد العبوبى السرغينى والعمال الذين يتصارفون معهم من آيت باعمران وباعقيلة وتيزفيت وغيرهم كالقائد على الخصاصى، والقائد إبراهيم بوفوس لأداء واجب التهنئة ومشاهدة هذه الحفلات المولوية العيدية وفق المقرر المألوف في ذلك أمر وزيره أبا عبد الله محمد بن العربي الجامعى بإحضارهم بشريف الأعتاب ومفاوضتهم فيما صمم عليه جنابه العالى من الوجهة لناحيتهم. فأحضرهم وعرض عليهم القصد المولوى فأجابوا بالترحيب والبشر، وسردت عليهم مراحل السفرة الأولى فوافقوا على بقاء البعض منها على الأصل، وأشاروا بتبديل البعض. قال الخصاصى وبوفوس: إن المسلك السهل المتواصل العمارة والماء إلى كلميم إنَّما هو على بلاد الاخصاص لقربه واتصال الماء والعمارة، فذكروا أن من بونعمان لاندجه نحو الخمس ساعات لكون محطة الظهر الفارقة بينهما ليس فيها إلَّا المطافى، ومن اندجه لاكيسل نحو الساعتين ومنه لكلميم

стр. 817

كذلك، كما ذكروا أن لبلدهم طريقاً آخر بيانه أن من عين أولاد جرار إلى محل الماء القريب من تمرغت بنحو نصف ساعة نحو الساعتين، ومن ذلك المحل إلى اندجه نحو الساعتين ونصف، ومنه إلى كيسل كذلك ومنه إلى كلميم كذلك وهنالك مراحل آخر: المرحلة الأولى: من ماسة إلى تيزنيت سوائع ٣ وأقسام ٨ واسم العامل محمد احسون التيزنيتى وفيها الماء كثير. المرحلة الثَّانية: من تيزنيت لأولاد جرار سوائع ٣ والعامل محمد -فتحا- ابن عبد الرحمن الجرارى وفيها الماء كثير. المرحلة الثالثة: من أولاد جرار لبونعمان سوائع ٣ وأقسام ٣ والعامل القائد يَحْيَى البريمى وفيها الماء الكثير. المرحلة الرابعة: من بونعمان لايسك سوائع ٤ وأقسام ٦ والعامل إبراهيم بن سعيد وفيها الماء كثير. المرحلة الخامسة: من ايسك لبير تانكارفة والخميس بآيت بوبكر سوائع ٢ والعامل أحمد البوبكرى وفيها الماء كثير جداً. المرحلة السادسة: من بغير تانكارفة والخميس لتانكارفة سوائع ٢ والعامل باكريم وفيها الماء كثير جار. المرحلة السابعة: من تانكارفة لفم تيكتن سوائع ٤ والعامل باكريم والماء عيون دائرة بالمحلة. المرحلة الثامنة: من فم تيكتن لكيسل ساعتان والعامل باكريم أيضاً وفيها الماء كثير. المرحلة التاسعة: من كيسل لكلميم ساعتان والعامل ولد بيروك وفيها الماء كثير جداً.

стр. 818

كما وقع الكلام معهم في شأن اكتيال الشعير فأشاروا بأن يكون أمين يكتال لكل مرحلتين وما اكتاله ينزلونه بالمحل الذي تنزل به المحلة. وكانت هذه المفاوضة في العشرين من ربيع النبوى عام ثلاثة وثلاثمائة وألف حسبما وقفت على ذلك في كناشة المهندس الطالب أحمد بن الشاذلى البُخاريّ، وقد كان المتقدم أمام المترجم لضبط المراحل بالسوائع والدقائق وبيان السهل والوعر وما به ماء وما لا ماء به فإذا أحاط علماً بالطريق المراد سلوكها فصل ذلك في تقييد بغاية الضبط والإتقان، وقدمه للمترجم ليكون على بصيرة ممَّا يقدم عليه وعلى هذا كان العمل في سائر الحركات. ولما عزم المترجم على النهوض عقد لنجله مولاى محمد على جيوش جرارة وقدمه أمامه لاستخلاص الواجبات الشرعيّة من زكوات وأعشار المترتبة بذمم تلك القبائل السوسية، وأمره بالتخييم بقبيلة هوارة إلى أن يلحق به أو يرد عليه ما يكون عليه عمله بعد، وأصيب الوزير ابن العربي بداء الفالج واستنيب عنه الفقيه الصنهاجى. ثم في يوم الخميس الثَّاني عشر من جمادى الثَّانية عام ثلاثة وثلاثمائة وألف بارح المترجم مراكش في جيوشه المتلاطمة الأمواج ووجهته القطر السوسى وكان مخيمه بوادى السمار، ومدة السير ساعتان ونصف، ثم منه لزاوية الشرادى ومدة السير ثلاث ساعات ونصف، ثم لوادى الحلوف ومدة السير ثلاث ساعات، ومنه للمغسلة والسير ثلاث ساعات، ثم لزيمة بقبيلة حمير والسير ثلاث ساعات ونصف. وأقام المترجم بجيوشه هنالك يوماً واحداً للاستراحة ولحوق المتخلفين بالجيوش المظفرة، ثم لسوق الأحد والسير ساعتان ونصف، ثم لقلعة ابن التمار بعبدة، والمسير أربع ساعات وربع، ثم لغدران الخيل والسير ثلاث ساعات، ثم

стр. 819

[صورة]

стр. 820

لثغر مدينة آسفى والسير ثلاث ساعات، ثم للملح بعبدة والسير ثلاث ساعات ونصف، ثم لزاوية الرثنانة من بلاد الشياظمة والسير ثلاث ساعات ونصف ومن ثم لسيدى عبد الله مولى الحمراء والسير أربع ساعات، ثم إلى عين الحجر والسير أربع ساعات، ثم لثغر الصويرة والسير خمس ساعات وربع، وكانت الإقامة هنالك أربعة أيَّام، ثم كان النهوض منها للمحل المعروف بالرياض والسير ساعتان ونصف ومنه لسميمو بحاحة والسير ثلاث سوائع ونصف، ثم منه لدى وسارن والسير ساعتان ونصف ومنه لتفنى والسير ثلاث ساعات، ومنه لتبصريت والسير ثلاث ساعات، وأقام هنالك الأمير بجنوده يوماً واحداً، ومنه الوادى آيت بامريم والسير أربع ساعات، ثم لاقروض والسير ثلاث ساعات ونصف، ثم لتامزاغت ما بين حاحة واذاوتنان والسير ثلاث ساعات ونصف ومن ثم لابن شركا وهو أول سوس وكانت مدة السير ثلاث ساعات والمقام هنالك سبعة أيَّام، ثم سار إلى أن خيم بآزرو من قبيلة كسيمة والسير ساعتان ونصف، ومن ثم لسيدى بيبى حيث المدرسة والسوق الآن والسير ساعتان ونصف، ثم إلى تابوحنكت بقبيلة آيت أبو الطَّيِّب بهشتوكة والسير ثلاث ساعات عدا ربع، ومنه لدوار سيدى على المجاور لوادى النَّاس بقبيلة المعدر من جبل رسموكة والسير خمس ساعات عدا ربع، والمقام ستة أيَّام ومن تيزنيت نهض لأولاد جرار والسير ثلاث ساعات، ومن ثم إلى راوية أبو نعمان مدرسة العلم ثم آيت ابريم وهم الجبليون والسهليون والسير ساعتان، ومن ثم لايسك حيث يكون الموسم على شاطئ البحر وبه مدرسة آيت باعمران قرب سيدى إبراهيم والسير أربع ساعات، ومنه آثلمون بعد سوق الخميس بآيت بوبكر والسير ساعتان والمقام أربعة أيَّام ومنه لأربعاء انمستتن والمقام ثلاث ساعات وثلث، ومن ثم لثلاثاء اصبويا وهي قبيلة عظيمة أهلها ذوو كرم وشجاعة وعلم وفضل ونزاهة والسير ثلاث ساعات ونصف والمقام يوم، ومنه إلى تبجلكت

стр. 821

والسير ثلاث ساعات وعشرة دقائق ومن ثم لزاوية تيلوين والسير ساعتان ونصف، ومنها لرق أولاد أبي السباع والسير ساعة واحدة ونصف، ومنه لمدشر اكلميم موسى على شاطئ البحر والسير ساعة وربع، والمقام أحد عشر يوماً وبهذا المحل لحق به وزيره ابن العربي لما خف ألمه. فكان عدد مراحل الذهاب من مراكش إلى كليميم تسعاً وثلاثين مرحلة قطعت في مائة واثنين وعشرين ساعة وخمسة عشر دقيقة، وعدد أيَّام المقام سبع وثلاثون، فعدد الأيَّام في الذهاب وفى الظعن والإقامة ستة وسبعون يوماً. ولما خيم بكليميم وجه وزيره وشيخه أبا الحسن على السمفيوى وخديمه القائد مبارك بن الشليح الشرادى الدليمى وكاتبه الطالب أبا عبد الله محمد -فتحا- الجباص لمرسى البيضة -بالتصغير- المتصلة بطرفاية للوقوف على عينها والكشف له عن حقيقتها. ومن آيت باعمران كتب لباشا مكناس مخبرا بوصول الركاب السعيد ودونك نص الكتاب بعد الحمدلة والصلاة والطابع الذي بداخله الحسن بن محمد بن عبد الرحمن الله وليه ١٢٩١: "وصيفنا الأرضى القائد حم بن الجيلانى وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله. وبعد: فإنا بحول الله الملك القوى المعين. الفاتح لما أُغلق كما يشاء في الحين أو بعد حين. المؤيد بعنايته عبده في كل مصدر ومورد وتحريك وتسكين. كتبنا لك هذا يوم حلولنا وسط خدامنا قبائل آيت بوعمران بحبوبة مجامع قبائل سوس الأقصى ومناخ الأعيان. نعلمكم بما واجهنا المولى سبحانه في هذه الحركة المباركة من تعاقب المنن والأيادى وابتسام ثغر الزمان، بما أملناه من العلى المنان،

стр. 822

في هذا النادى لتعلموا أن الله على كل شيء قدير. وبيده مقاليد السماوات والأرض وهو الولى والنصير، والسميع والبصير. فكان من أمر هذه القبائل السوسية والقساملة الساحلية أن تلقوا ركابنا السعيدة أفواجاً أفواجاً. ناشرين أعلام الفرح تجاه جيوش الله المظفرة ضحى وإدلاجاً، حاشدين حروكهم مصحوبة بأعيانهم ومن يعتد به من فقهائهم وشرفائهم ومرابطيهم، من غير أن يكون جمعهم خداجاً مستنتجين للفوز بخاطرنا الشريف مقدمات الامتثال والسمع والطاعة لله ورسوله استنتاجاً، مقدمين بين يديهم هداياهم، متترسين بإخوانهم وسراياهم، مادين أعناق الامتثال. عاضين بالنواجذ على الخدمة وصالح الأعمال. فأتوا بمئونتهم على قدر الاستطاعة، ومهدوا لسلوك الملة السعيدة ما صعب من طرقهم حتَّى صارت مسلوكة مشاعة. ونحن في كل ذلك نعاملهم بالبروز، ونبسط البشر إليهم ونقابلهم بما ارتسم فيهم من السرور، وها نحن بحول الله جادون في الخلوص إلى المقصد الذي لأجله نقلنا هذه الخطوات. واستعملنا فيه الفكر وأسهرنا أحداق الاعتبارات. من صرف النظر لفتح مرسى آصكى مركز سواحل وادى نون. ومجمع القبائل الأعرابية والبربرية ومنتهى ذلك المسكون. ولا سيما من جاءت بينهما كالام والعنصر وهما كالتوءمين لها يستمدان منها ويرضعان خلاصة لبن ثديها وهما القبيلتان البوعمرانية والتكنية ومن تراكم عليهما وارتدف. من قبائل البربر والأعراب أو كان على حكمهما فيما ارتضع وارتشف. هذا إن كانت تصلح لذلك وتعود منفعتها على المسلمين والإسلام بعد الاستخارة مراراً. في اختطاطها وفتحها ونتحقق بصلاحيتها كشفاً واستبصاراً. ونتوخى في الإقدام على ذلك بحول الله الأسد من الأنظار، والمنهاج القويم الجارى على أعراف هاتيك الأقطار. ثم إن كانت موافقة للأصلح أقدمنا، وإن لم يظهر وجه المصلحة أعرضنا عنها إلى غيرها قال الله العظيم: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ

стр. 823

مِثْلِهَا ... (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦]، وما آل إليه الأمر نعلمكم به ونشنف آذانكم بما سنح من سره، فإنَّه لكل عمل نتيجة بعد العنوان، والله الولى المستعان، والهادى إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والسلام في ٨ شعبان المبارك عام ١٣٠٣". وبعد قضاء الوطر من هذه الرحلة نهض من كليميم يوم الأربعاء تاسع عشرى شعبان العام ووجهته عاصمة الجنوب وكان مخيمه بالمطفية المتقدمة الذكر، ولم يزل يظعن ويقيم إلى أن طوى مراحل الإياب في أربعة وثلاثين مرحلة فكانت مدة السير فيها مائة ساعة وأربعة سوائع ونصف، ومدة المقام ست وأربعون يوماً، فجملة أيَّام الإياب ثلاثاً وسبعين مرحلة قطعت في مائتى ساعة وسبع وعشرين ساعة عدا ربع ساعة. وعليه فجميع أيَّام السَّفر من يوم الخروج من مراكش وهو الخميس الثَّاني عشر من جمادى الثَّانية إلى يوم الحلول بها وهو السبت موفى عشرى قعدة ظعنا وإقامة مائة وستة وخمسون يوماً عنها خمسة أشهر وستة أيَّام لنقص شهرى شوال وذى القعدة. وفى إيابه من هذه الوجهة أوقع القبض على عتاة هشتوكة وهوارة وذلك يوم الثلاثاء تاسع عشر رمضان وفى يوم الخميس ثامن عشرى رمضان استولى على أمتعة وذخائر أهل البغى والعناد من هوارة. ثم في يوم السبت متم رمضان حل بتارودانت وبها أقام سنة عيد الفطر، ومكث بها أحد عشر يوماً وفى يوم الثلاثاء سابع عشر شوال أوقع باذاوتنان. وفى يوم السبت موفى عشرين من ذى القعدة حل بحضرة مراكش عاصمة الجنوب فأقام بها يتفقد الأحوال وينظر في المصالح إلى يوم الاثنين ثامن شعبان عام ١٣٠٤ فنهض منها قاصدًا عاصمة سلفه مكناسة الزيتون وأوقع في طريقه بقبيلة

стр. 824

نتيفة حيث رفضوا طاعة عاملهم عبد الله الزناكى، وأقام سُنَّة عيد الفطر بالزيدانية من أعمال تادلا، ولم يزل يظعن ويقيم إلى أن حل بثغر الرباط يوم الاثنين سابع عشر قعدة، وأقام بها إلى يوم الخميس سابع عشرى الشهر المذكور ولم يزل يطوى المراحل إلى أن دخل العاصمة المكناسية يوم الأربعاء رابع حجة متم عام ١٣٠٤. وفى يوم الأحد خامس عشر رمضان ١٣٠٥ نهض من مكناس قاصداً القبائل البربرية بنى مجيلد وريان وغيرهم لتفقد الأحوال وإخماد نيران الأهوال التي أضرمها بنو مجيلد الذين سعوا في الأرض الفساد، وأهلكوا ضعفاء العباد، ولم تنلهم الأحكام السلطانية منذ وقعتهم الشنعاء مع السلطان العادل مولاى سليمان عام أربعة وثلاثين ومائتين وألف على ما سنوضحه بعد بحول الله الشهيرة عند الخاصة والعامة بوقعة سرور. فمن ذلك العهد خلعوا ربقة الطباعة من أعناقهم، وتجردوا للسلب والنهب، وظنوا أن عصبيتهم لا تغلب، وتمنعهم بأوعار الجبال الشاهقة حام لهم من تحكيم سيوف العدل في رقابهم، فصار التوحش والهمجية خلقاً لهم به يفتخرون، واستحكم ذلك فيهم لا ينظرون إلَّا لما فيه مصلحتهم الشخصية وإن كان فيه خراب العالم، فإن احتاجوا لحجر لأثافى (١) قدورهم نقلوه من أضخم المبانى وأعتقها وأفخرها ولا عليهم في خرابها لأجل ذلك الغرض الخسيس، ويرون أن رزقهم تحت ظل مكاحلهم إذا تركوا السلب والنهب يموتون جوعاً، ووراء كل رأى من آرائهم الفاسدة عصبية وحمية جاهلية. ولما تفاحش عيثهم واشتد أذاهم ولم ينفع فيهم تحذير ولا إنذار بل لا يزيدهم ذلك إلَّا عتوا ونفوراً وعصيانًا، سنح للمترجم كسر شوكة تمردهم وضلالهم وإرغامهم على الرضوخ للطاعة، والدخول فيما دخلت فيه الجماعة،

стр. 825

فبعث إليهم باشا مكناس القائد حم بن الجيلانى في جيش عظيم متنظم من العسكر والقبائل البربرية كبنى مطير وجروان، ثم نهض المترجم من العاصمة المكناسية في التاريخ المتقدم بجنود لا قبل لهم بها. ولما حل بجنوده بالمحل المعروف بسيدى بورمان وجد في استقباله هنالك القائد محمد أحمد الزيانى فيما يزيد على الألف فارس من إخوانه، ولما شرفت الجلالة السلطانية عليهم. وأشرقت أنوار محياه بحيهم. ترحل القائد المذكور وأدى التحية المخزنية كما يجب، وقبل الركاب كبقية إخوانه وأعلنوا بالسمع والطاعة والتمسوا صالح الأدعية وخامرهم من الفرح والارتياح ما لم يكن في حسبان، وأحدقوا بالموكب الشريف يتمسحون ويتعلقون بالأذيال حتَّى حالوا بين السلطان وبين جل الخاصة من حاشيته والسلطان يهش في وجوههم ويبش، ويظهر من الانشراح والتنازل ما زادهم إغراء وإغراقاً في التهتك في حبه والميل بالقلب والقالب إليه، ثم بعد قضاء وطرهم من التبرك واستجلاب صالح الأدعية امتطوا ظهور خيلهم وتقدموا أمام المحال السلطانية إلى أن حلوا بالمحل المعروف بكر كرة فخيم السلطان هنالك إلى أن أقام سُنَّةَ عيد الفطر. وبعد انتهاء حفلة أيَّام العيد في غاية الأبهة والضخامة نهض السلطان في جنوده المجندة إلى أن حل بالمحل المعروف بيمين خنيك فوجد هنالك باشا مكناس القائد حم بن الجيلانى في محاله، إذ كان المترجم وجهه مقدمة أمامه قد وقعت بينه وبين بعض العتاة مناوشة بالبارود انجلت عن قتلى وجرحى من الفريقين، ولولا أن المترجم أمدهم بأبطال فرسان محلته سعيدة الطالع لكانت الهزيمة على المحال الباشوية، ولبقى هو أسيراً بأيديهم إذ قد ضربوا فرسه، ولما بقى راجلاً أحدقوا به فأدركته خيل المحلة وشتت جموع البغاة، ولما مثل الباشا المذكور أمام السلطان وبخه وقبح فعله إذ كان مراده أن لا يخرج بارود من المحال المخزنية ولو

стр. 826

ابتدأهم أهل الزيغ بالضرب حتَّى يحيط بهم محاله الوافرة العدة والعدد إحاطة السوار بالمعصم. ثم لما كان الغد نهض السلطان ونظم الجيوش أبدع نظام، ودخل شعبة كبيرة شديدة الوعر وسط غابة عظيمة وجعل العسكر عن يمينه وشماله بأعلى تلك الشعبة بحيث لا يغيب عنه كمين ولا آت، وأدخل المال والذخائر مع رايات عبيد البُخاريّ، وأحدقت بالجميع خيول الجيش من مسخرين وشراردة ووداياً، وقدم أمام الكل قبته وأخبيته مع فرسان ورماة القبائل التي كانت في معيته كزيان وجروان، وجعل وراء الجميع في الذنب رئيس عساكره خاله أبا عبد الله محمد الصَّغير مع العساكر التي إلى نظره من خيل ورماة وعدد عديد من المدافع. ثم سار السلطان في تلك الشعبة الطويلة العريضة حتَّى اقتطعها، وخرج في فسيح متسع الأكناف كثير الخصب والزرع، فأمر بالتخييم هنالك فنزل النَّاس وضربوا الأخبية واستراحوا، ونزل السلطان تحت جدار قصبة هنالك لبعض الأشراف ريثما يتم ضرب أخبيته وفساطيطه. فبينما هو ثم إذ ورد عليه فارس من قبل رئيس العساكر المذكور يخبره بنشوب البارود بين العساكر وبين عتاة المفسدين، فأمر بإسراج خيول المحلة المسومة وتوجيهها لإعانتهم ثم بمجرد دخول المترجم لأخبيته هجم العسكر الذي بالمحلة السلطانية على قصبة أولئك الأشراف ومدت فيهم أيدى النهب والسلب ووقع الضرب بالبارود ظنًّا منه أنهم من أهل العصيان، فخرج المترجم مسرعاً وأمر بكف العسكر وسب وجدع وجبر كسر المبغوتين بإفاضة سجال العطايا التي غمرتهم، وصيرت الشرور في العين لديهم سرور. أما الخيل التي وجهت لإعانة كبير العساكر فإنها ما سارت غير قليل حتَّى وجدت العساكر مولية وجهتها للمحال السلطانية ظافرة منصورة بعد أن طمع فيهم

стр. 827

البغاة المتمردون، وحسبوا أن ذلك الذنب كله طعمة لهم باردة، فعند مبارحة السلطان بما كان معه العساكر والخيول والرماة طبق ما وصفنا عن الشعبة المذكورة أشرف المفسدون على ذنب الجيش من قنن تلك الجبال. ثم إن رئيس العساكر لما عاينهم أمر من معه من العسكر بسلوك تلك الشعاب. ولما رأى البغاة العسكر ينزل من الأعالى ظنوا أنَّه ذاهب لحال سبيله، فصاروا ينزلون إليه من صياصى الجبال كأنهم جراد منتشر، فهجموا عليهم ووقع القتال بين الفريقين وصار العسكر يتأخر كأنهم منهزمون، فازداد طمع العدو فيهم، فلم يشعروا حتَّى قطع العسكر من خلف، وصار كور المدافع ينصب على البغاة ودهمتهم خيول العسكر فروا فوجدوا رماة العسكر قد عمروا سائر المسالك فأثخنوا طعناً بالرماح وضرباً بالسيوف وتشتتوا شذر مذر، فسر المترجم بذلك سروراً ليس عليه من مزيد، وحمد الله وشكره على ما منح من الفتح والظفر، بمن حاد الله ورسوله وطغى وفجر، وكتب بذلك الظفر إلى سائر أقطار رعيته، وإليك نص ما كتب به لباشا مكناس بعد الحمدلة والصلاة والتحلية: "حم بن الجيلانى وبعد فإننا بحول من بيده الفتح والنصر والظفر والتمكين، والحول والقوة والطول المكين، لما نهضنا من بعض المرحلات التي بغضون جبال فساد بنى مجيلد وخرجت المحلة سالمة من شغب بعض غاباتهم الصعبة زاغ من أراد الله هلاكه منهم في هاتيك الشعبة، فناوشوا بعض من بقى مع أثقال المحلة بقتال فاشل مأخوذ، علماً منهم بأنهم لا قبل لهم بالجيوش المنصورة بالله، ولذا بقى زعيمهم في ميدان الاقتناص منبوذاً، وكان الذي جرأهم على ذلك وغيرهم ما كان صدر منهم قبل في الدار الأخرى، وحيث عرفوا المقصود من التوجه لأعز أماكنهم وقصورهم التي هي بملوية التي هي مستوء أموالهم وخيلهم وأسلحتهم

стр. 828

وزروعهم المرعية قاسوا على ذلك بأخريات الأثقال ما حاولوه، واجترءوا على ما تناولوه، فرددنا عليهم من يعتد به من قبائل الإعراب وآيت يوسى وبنى حسن وبنى مطير وجروان والعساكر المنصورة بالله من أبطال الرماة والفرسان فشنوا عليهم الغارات، وجعلوهم أغراضاً للإشارات، واقتنصوهم اقتناص العقبان للعصافير، ونفذ الوعيد في طائفة منهم بعد أن تركوا قصورهم وأعز أماكنهم بلقعا ليس فيها عيس ولا يعافير، فقطعت منهم رءوس، واستؤصلت منهم أعز نفوس، وكان بؤس ذلك عليهم أشد بؤس، وأسام من وقعة البسوس، فلم يفلت من لم تصبه سهام الله إلَّا الفرار، للبرارى والقفار، وتركوا جيفهم صرعى صادين عنهم إلى ساحات النفار. ولم تلتفت المحلة إلى حز ما بقى من رءوسهم شغلا بالسعاية. وحرصا على الجباية. قالا فلو احتزت منهم تلك الرءوس لكانت تملأها أحمال. ولعبت بها الجمال. وما تحصل من الرءوس ممَّا فيه الكفاية. وجهناه لفاس إيذاناً بعنوان البداية. ثم لا نبرح عنهم بحول الله. إلَّا إذا استأصلتهم سطوة الله. وأذيقوا مرارة الوبال. وأليم النكال. بمعونة الله. ولم تغنهم من الله حصون بحول الله. ولا ما اتخذوه وزراً وفيئاً، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً، والمحلة بحول الله مشتدة مصونة صائلة، في أرغد عيش وأطيبه بائتة وقائلة. تتربص بالفساد الدوائر. وتذيقهم كل يوم المرائر. وأعلمناكم لتأخذوا بحظكم من الفرح، وتعلموا أن الله سبحانه يتولانا في الطغاة بمنه وفضله ومعونته وفق المقترح. إنه مفضال غنى كريم. ناصر الحق عزيز حكيم. والسلام في ١٥ شوال عام ١٣٠٥". ثم نهض المترجم في جنوده وسار إلى أن وصل للمحل المعروف ببولعجول مدشر كبير محصن غاية التحصين أمامه عدة مداشر متفرقة، في بسائط ذات خصب وعيون دافقة وحراثة متسعة، وهنالك أوقع بتلك القبيلة الشاردة عن الطباعة

стр. 829

المشوشة للراحة العامة المعدمة الأمْن في السبل بضرب رقابهم وأسر رجالهم وحز رءوسهم وحصد زروعهم وهد حصونهم المنيعة، وأذاقهم أليم النكال وحرق مداشرهم وشدد عليهم الحصار حتَّى ضاق بهم المتسع، وأذعنوا للطباعة رغم أنوفهم، وجاءوا تائبين منيبين مذعنين فعفا عنهم عفو قادر، وألزمهم إعطاء عدد وافر من البقر والغنم وغير ذلك ذعيرة لهم فأدوا جميع ذلك من غير أدنى تمنع ولا مماطلة وولى عليهم العمال وكتب لعواصمة مبشراً بهذا الفتح الباهر ومحققاً للواقع. وإليك نص ما كتب به لصنوه وخليفته بفاس بعد الحمدلة والصلاة والافتتاح: "مولاى إسماعيل وبعد فإنا لما خيمنا بحول الله وقوته بملوية بالدار بالمرحلة الثالثة منها تخييم يمن وأمان وعرجنا على قصور الصلحاء من بنى مجيلد عمدت المحلة إلى أكلها ظنًّا منهم أنها من قصور الفساد وأنها المقصود بذلك الناد، فوجهنا من جيشنا السعيد من كلهم عن ذلك حتَّى صيرناهم في ظلال الأمن نائمين. وفى قصورهم مطمئنين. وفى أثناء ذلك توجهت الطوبجية أمام فساد بنى مجيلد فوصلوا إلى قصر من قواهر قصورهم سمى اغرم منى بمحل من ملوية يقال له بوعجول، وبه نزلت المحلة السعيدة وبالقصر المذكور مدخراتهم وأموالهم وأمتعتهم فناوشوهم بالمضاربة. وأعلنوا بالمحاربة. فتضاربوا معهم من ذلك القصر، ولما بلغنا ذلك وجهنا لهم المدد من العساكر المنصورة. وجيوش الله الموفورة. فأذاقوهم المرائر وأرهقوهم بالقسر وقطعوا منهم رءوساً. واستأصلوا منهم نفوساً. وقبضوا على مساجين وأذاقوهم مرارة الحين في الحين. وصاروا يأتون بالرءوس والمساجين إلى أن جن الليل فأمرناهم بالرجوع إلى الصباح، ليرتب أمر ضربهم على مقتضى الكفاح فإذا بمن بقى في مكامن القصر ذر منه وتركه بلقعاً، ولم يبقوا منه فرداً ولا جمعاً.

стр. 830

فأمرنا بهدمه فهدم حتَّى صار دكاً، ولم يترك له صورة ولا تركيباً مرتكباً، وأبقيناه عبرة لمن اعتبر، ولكل من له عقل مزدجر، في كل ورد وصدر. وذلك بعد أن أخرجت ذخائره. واغتنمت أوائله وأواخره فكان بحمد اللهْ فتحاً مبيناً. وظفراً وتمكيناً. هذا ولم يكن لنا غرض في قتالهم في ذلك اليوم لولا ابتداؤهم به ولكن الله خذلهم ومزقهم وبددهم ونحن على نيَّة استئصالهم بحول الله بعد فإن القبائل التي أمرنا باجتماعهم عليهم وهم خدامنا زيان وشقيرن وآيت يَحْيَى وآيت يحمد وآيت يزدك وآيت حديدو أجلناهم بذلك أجلاً كاد إلى الانصرام وحيث تجتمع تكون النهضة إليهم دفعة، والجلبة عليهم متحدة لتكون عليهم شر وقعة، والمرجو منه سبحانه أن يمكن منهم حتَّى لا تبقى لهم قائمة ويمحو من دواوين القبائل أسماءهم ويصير رسومهم دارسة، ومع هذا فإنا لا نعتمد إلَّا على خالق القوى والقدر المؤيد لعبده، الناصر لجنده، إذ لم يعودنا سبحانه إلَّا الجميل، ولم نعترف من فضله إلَّا الظفر الذي هو به كفيل والله سبحانه يتولى أمورنا وأمور المسلمين، ويمكن من القوم الظالمين، فإنَّه سبحانه بعباده بصير، وهو نعم المولى ونعم النصير. وحيث كانت السبقية لكم بإعلامكم بباكورة الفتح الذي امتن الله به عنوان وجهنا في هذا الفتح الثَّاني لمكناس ستة عشر رأساً من رءوس الفساد الذين اقتحم هذا القصر عليهم والسلام في ١٨ شوال عام ١٣٠٥". وبهذا التاريخ وبنفس الألفاظ والمعانى كتب لخليفة القائد حم بن الجيلانى باشا مكناس إلَّا أحرفاً قلائل. ثم نهض المترجم من بولعجول وسار إلى أن خيم بعين سرور التي كانت بها واقعة السلطان مولاى سليمان المشار لها فتقدمت له من قبيلة شقيرن فرقة يقال لها آيت شخمان، وطلبت منه أن يرسل معها شرذمة من الخيل لتستوفى منهم ما

стр. 831

بذممهم من الواجب الشرعي، وقد أظهروا من الطباعة ما لا مزيد عليه، وهم على دخل مصممون على الغدر والأخذ بالثأر لإخوانهم بنى مجيلد، فأسعف المترجم رغبتهم وعقد لابن عمه البركة المفضال مولاى سرور بن إدريس بن سليمان السلطان المذكور سابقاً والمترجم فيما يأتى بحول الله ووجهه معهم. ثم نهض المترجم وسار إلى أن حل بالمحل المعروف باغبال تسردنت، وهنالك وجد المهراس الصينى الكبير الذي كان بقى ثم من عهد السلطان أبي الرَّبيع سليمان في الوقعة المنبه عليها آنفاً، فأمر المترجم بحمله لمكناس، ثم نهض وسار إلى أن خيم بالمحل المعروف بجنو، وهنالك بلغته واقعة مولاى سرور، وذلك أن مولاى سرور لما ذهب مع آيت شخمان في تلك الشرذمة من الجيش ووصل لحلتهم، أظهر الشخمانيون له من الفرح والابتهاج والرضوخ للطاعة ما دلوه به ومن معه من الجيش بغرور، ففرق تلك الجيوش على حللهم مظهرين غاية الاعتناء بهم وأنهم يريدون ضيافتهم، ولم يتركوا مع الشريف المذكور غير نفر قليل، ولما جن الليل قتل كل من عنده، وأوقع البارود وقتلوا الشريف حسبما يأتى تفصيل ذلك في ترجمته. ثم لما بلغ ذلك الخبر المحزن للسلطان اشتد غيظه وأنهض الجيوش للإيقاع بهم والإتيان بهم ناكصين على الأعقاب، فلم يجدوا لهم أثراً حيث إنهم لما فعلوا فعلتهم الشنيعة هربوا ودخلوا الكهوف والأوعار، فهدمت أبنيتهم واستؤصلت أمتعتهم، وحصدت زروعهم، وغض الطرف عن اقتفاء أثرهم وهو يتربص بهم الدوائر حيث إنه في وسط أرضهم، وجل من معه منهم لا تؤمن غائلته. ولما شاع أمر ما أجرموه وذاع، وملأ الأفواه والأسماع. كتب المترجم لصنوه خليفته بفاس مولاى إسماعيل بما لفظه بعد الحمدلة والصلاة والتحلية:

стр. 832

"مولاى إسماعيل، وبعد: فبعد ما أعلمناكم بأن مرورنا على طريق زيان، فنهضنا وسرنا في عز وظفر وسكينة، وكانت قبيلة آيت شخمان ممن ورد على حضرتنا الشريفة، وأعطوا يد الانقياد، وولينا عليهم عاملين وتلاقوا وأهدوا ووظفنا عليهم ما وظفنا على غيرهم من قبائل البربر، واقتضى نظرنا الشريف توجيه طائفة من الخيل والعسكر بقصد إزعاجهم لتنضيد ما وظفنا عليهم حذراً من التطويل، إذ كان مقصودنا إدراك عيد الأضحى بالمدينة، ثم إنهم أى آيت شمخان دخل فيهم شيطانهم المهاوشى ونفث في روعهم غدر من وجهناه إليهم فاحتالوا لذلك وفرقوا الخيل على الدواوين والمداشر، بقصد الإتيان بالموظف. وكنا وجهنا مع الخيل المذكورة ابن عمنا مولاى سرور فبقى مع طائفة من الخيل، ثم لما ناموا غدروهم فضربوهم بالبارود. ونقضوا العهود. وخانوا الله ورسوله والمؤمنين، فكان من قضاء الله وقدره موت ابن عمنا المذكور، وحيث بلغنا ذلك وجهنا لهم العسكر والمدافع والقبائل وأمرناهم باستئصالهم، فلم يجدوا منهم أحداً. فحرقوا قصورهم ولم يتركوا لهم فيها سبدا ولا لبدا. ثم كتبنا سائر عمال البربر جوارهم من ناحية الصحراء وأمرناهم بالإحداق بهم وسد الفرج التي منها يفرون، وأكدنا عليهم في ذلك، وعما قريب يقضي فيهم الغرض بحول الله ولا نبرح عنهم بعون الله إلَّا إذا أرهقهم الله بسطوته وتناولهم أيدى الجيوش والقبائل، وأبقيناهم عبرة للمعتبرين. وإن الله لا يهدى كيد الخائنين. والسلام في ٢٠ قعدة عام ١٣٠٥". ثم بعد ذلك كتب المترجم لصنوه خليفته بفاس أيضاً بما لفظه بعد الحمدلة والصلاة والتحلية: "مولاى إسماعيل ويعد فما كُنَّا أعلمناكم به من غدر آيت شخمان ومدهم يد الطغيان. بعدما أعطوا يد الانقياد. وكنا وعدناكم بأننا لا نبرح عنهم إلَّا إذا

стр. 833

استأصلتهم سيوف الله في ذلك الناد. وجهنا الطلب في أثرهم حيث فروا للصحراء. ودوخنا بلادهم سهلاً ووعراً. فلم يقفوا وتاهوا في البيداء، وتلونا قول الله سبحانه: ... أَيْنَمَا ثُقِفُوا ... (٦١)﴾ [الآية ٦١ من سورة الأحزاب] فلم يكن إلَّا هدم قصورهم. وإعفاء آثار رسومهم. حتَّى صارت دكاً. بعد استخراج خباياهم وزرعهم وأسلحتهم وأمتعتهم وصارت للجيوش ملكاً. وكتبنا سائر جوارهم من قبائل الصحراء. بضربهم وقتلهم أينما وجدوهم حتَّى لا تظلهم سماء، ولا تقلهم أرض ولا يجدون جرعة ماء. ثم إن طائفة من شقيرن يقال لهم آيت يعقوب اعيسى، بلغنا أنهم حلفاء آيت شخمان، وأنهم آووا طائفة منهم بأموالهم ومواشيهم وبعض من الأعيان. كأنهم منهم على قاعدة المستجير الولهان. وكنا ولينا عليهم أيضاً عاملين وأعطوا يد الانقياد ظاهراً. وأنهم لم يبق منهم إلَّا من كان للصلاح مسامراً. وحيث تحقق لدينا أن ذلك عن غش وخذلان. ومرض قلب لا عن صفاء طوية واطمئنان، حيث آووا فسدة آيت شخمان. رعياً لما بينهم من الإخاء القديم على الفساد والطغيان. وجهنا إليهم عدداً من قبائل البربر. وأحدقوا بهم إحداق من أطاع الله وبئر، وأتبعناهم بالعساكر المنصورة، والجيوش الموفورة، فلم يكن إلَّا كلمح البصر أو هو أقرب حتَّى قطعوا منهم رءوساً، واستأصلوا من أعيانهم نفوساً. وقبض على نحو ثلاثمائة من المساجين وكانت وقعة شفينا بها الغليل، وتداوى بها العليل، فإنَّه سبحانه لم يعودنا إلَّا الجميل وهو الفاعل المختار. الذي بيده النواصى والمقاليد في الإيراد والإصدار، وها الرءوس توافيكم وعددها اثنان وعشرون، فتعلق ثلاث ثم توجه لمكناس للخليفة هنالك والسلام فاتح حجة عام ١٣٠٥". هذا كله والمترجم مخيم كما تقدم بالمحل المعروف بـ "جنو" ثم نهض وخيم بالاعريض وبه أوقع بآيت يعقوب وعيسى بإغراء من القائد محمد احم الزيانى.

стр. 834

ولا شك أن هؤلاء العتاة البغاة محاربون يجب قتالهم ويقدم على قتال الروم يتبع منهزمهم ويقتلون مقبلين ومدبرين ومنهزمين، وليس هربهم توبة تدرأ عنهم القتل على قول سحنون خلافًا لابن قاسم، انظر المواق، وإذا أخذوا قبل التوبة لزمهم الحد، وهو ما نص الله تعالى عليه في محكم وحيه بقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ... (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣]. ولا يسقط حق الحرابة على من ثبتت حرابته إلَّا التوبة قبل القدرة عليه، ثم لا يسقط بعد حق الآدميين، ولا خلاف يعتبر في أن المحارب هو القاطع للطريق المخيف للسبيل الشاهر للسلاح طالباً للمال، فإن أعطيه وإلا قاتل عليه. انظر منتقى الباجيّ. وقد قال ابن المواز: لم يختلف قول مالك وأصحابه في إجازة قتال المحاربين وأن من قتلوه فهو خير قتيل، ومن قتل منهم فهو شر قتيل. وقال مالك وابن القاسم: غزوهم غزو. وقال عنه أشهب: من أفضل الغزو وأعظمه أجراً. وقال مالك في أعراب قطعوا الطَّريق: غزوهم أحب إلى من غزو الروم. وقال ابن القاسم: وإذا قتل الواحد منهم قتيلاً فقد استوجب جميعهم القتل ولو كانوا مائة ألف إذا كانوا ردءاً له وأعواناً، وقد صرح ابن الحاجب وغيره بالاتفاق على قتالهم ووجوبه على من قدر عليه. ومن كان معاوناً للمحاربين كالكمين والطليعة فحكمه حكمهم ويدخل في قوله ﷺ : "لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدُّنيا وما فيها" والغدوة لقتال المحاربين.

стр. 835

وقال ابن عرفة: لا ينبغي لمسلم مخالفة في قتال المنتصبين لقطع الطَّريق وسفك دماء المسلمين وأكل أموالهم، وكذلك استباحة أموالهم واتباعهم في هروبهم والإجهار عليهم، لا يشك في ذلك إلَّا مغرق في الجهل ومعاند للحق، قال: وذلك عندى كفر لأنَّه منكر لما علم من الدين ضرورة إن كان يعلم وصفهم المذكور. هذا ولما استوفى المترجم غرضه من إقماع المعتدين وتبديد جموعهم وكسر شوكة عصبيتهم طبق ما اقتضته السياسة إذ ذاك، نهض إلى أن وصل إلى دار القائد محمد احم المذكور بادخسان، وهنالك أقام سُنَّة عيد الأضحى، ثم بعد انتهاء حفلات أيَّام العيد نهض في جيوشه الجرارة ولم يزل يوالى السير إلى أن حل بالعاصمة المكناسية صبيحة يوم الاثنين تاسع عشر حجة متم عام ١٣٠٥. فكانت جميع أيَّام هذه الحركة ثلاثاً وتسعين يوماً ثلاثون يوماً منها ظعن، وثلاث وستون يوماً إقامة، أولها يوم الأحد خامس عشر رمضان وآخرها يوم الاثنين التاسع من ذى الحجة قطعت أيَّام السَّفر منها في اثنين وسبعين ساعة وخمسين دقيقة: ولما حل المترجم بمكناس أقام به اثنين وأربعين يوماً ثم نهض لفاس ووفدت عليه الوفود لتهنئته بمقفله من حركة بنى مكيلد في ضمنهم الوفد الرباطى ومعهم قصيدة العلامة الشَّهير شيخ الجماعة بذلك الثغر أبي حامد سيدى المكيِّ البطاورى في التهنئة وهي: سعادة الملك مسعد بها الوطن ... وعزة النصر موصول بها الزمن ومن يكون إله العرش ناصره ... ألقت إليه القياد الشم والقنن والله يحفظ مولانا ويحرسه ... حتَّى يغص عداه أينما قطنوا

стр. 836

ألية بالصفا والمأزمين لقد ... خص بعز الورى سيدنا الحسن أعز ذا الغرب ملكاً بل أعز ملو ... ك المسلمين جميعاً أينما وطنوا في كل قطر من الدُّنيا اسمه علم ... منوه الذكر تستعلى به اللسن لنا الهناء فهذا الفخر من عظم ... ما ناله أحد ما حازه وطن أيامه الغر أعياد الورى انسجمت ... بها المكارم وانهلت بها المزن ما زال منذ ولى والله يكلؤه ... يقظان عزم إلى أن نامت الفتن وشيد المغرب الأقصى وزينه ... بالأمن فاتصلت بقطره الهدن ومهد الملك تمهيداً وصيره ... روضا أريضا بكلِّ نبعة فنن وعمت الخلق أنعم مواصلة ... وأعدم العدم والأكدار والمحن فالدين في سعة والكفر في ضعة ... والنّاس في دعة أمن ولا دخن والعصر مبتهج والحقُّ منتهج ... والملك بالنصر والتأييد مقترن تدبير شهم له في كل معضلة ... رأى سديد إذا ما حارت الفطن مجدد العصر محيى الدين شمس هدى ... سيره حكم أفعاله سنن معتضد بالتقى بالله معتصم ... مظفر الجيش منصور اللوا يقن محبب في قلوب الخلق كيف ولا ... أحد إلَّا وفى نعماه مرتهن كل يفديه بالأرواح مجتهداً ... لأنَّه للورى روح وهم بدن من ذا يباريه في مجد وفى كرم ... وهل يبارى الذي إنعامه الهتن العفو سيرته والصفح شيمته ... والجود والبذل والإنعام والمنن بر جواد شجاع سيد نزه ... سمح حليم عفيف كيس فطن

стр. 837

فراسة صدقت في كل نازلة ... قد استوى عنده الإسرار والعلن وهيبة جلل الآفاق موقعها ... فالأسد في غيلها من خوفه تهن وسطوة بهرت والنصر يصحبها ... وعين حزم وعزم ما بها وسن ساس الرعية من سوس وبربرها ... وزال عن درن بوطئه الدرن ذلت مكيلد بل عزت بطاعته ... لما غدت في عدادا لجند تحتجن خوفهم بعصا الشرع المطاع فمذ ... تابوا وأموا على حضرته أمنوا ظنوا حصونهم والوعر يمنعهم ... هيهات لا وزر يَحْمى ولا حصن أنى يقل مكان من أناط به ... همته أو تقيه البيض والجنن كيف وهمته بالله نافذة ... لو مدها نحو دهر قاده رسن ولو أراد مسير العاديات على ... متن العباب بها ما احتيجت السفن ولو رمى بسديد سهم همته ... ديار كفر بها لم يعبد الوثن الله أولاك ملكاً شامخاً بهجاً ... عنت لسطوته الأقيال والعتن هذى السعادة عين الله تكلؤها ... بغير أنبائها تشنف الأذن من معشر بالتقى والعلم قد عرفوا ... وبالندى والحيا والمجد قد زكنوا هم أهل بيت رسول الله بهجتهم ... ما فاز قط بها شام ولا يمن هم الملوك أدام الله دولتهم ... فكأنها للورى عز ومؤتمن دامت سعادة مولانا وعزته ... ونصر رايته ما اتصل الزمن وأقام بفاس إلى يوم الاثنين السابع عشر من شوال عام ستة وثلاثمائة وألف. فخرج منها وخيم على قنطرة وادى سبو من بلاد الحياينة، ومنها لقبيلة

стр. 838

رغيوة فصنهاجة فمتيوة فمزيات فبنى زروال فالعين الباردة فحولان من بنى مسارة، وهنالك أقام سنة عيد الأضحى، ثم نهض لقبيلة بنى أحمد فغزاوة فالأخماس فباب تازا فمدينة شفشاون فبنى حسَّان، ثم زار تربة الولى الصالح أبي محمد عبد السَّلام بن مشيش فكسا ووصل وواسى، ثم سار على بنى حزمار إلى أن دخل مدينة تطاون يوم الأربعاء ثامن المحرم فاتح سنة سبع وثلاثمائة وألف، وأقام بها نحو الخمسة عشر يوماً، قابل فيها وجهاء وجوهها وتفقد أحوالها وزار صلحاءها وأنعم على أهلها بعشرة آلاف ريال لبناء قنطرة واديهم، وبكل أسى وأسف لم يقع اعتناء بإتقان بنائها فاضمحلت في أقرب وقت، وذهبت العدة التي صيرت عليها أدراج الرياح، كما أنَّه أنعم على جسده وعساكره بالكسوة. ثم بارح تطاوين ووجهته طنجة فدخلها يوم الأحد سادس عشرى محرم المذكور، وأقام بها تسعة عشر أو عشرين يوماً، وكان يوم دخوله إليها يوماً مشهوداً، ومن أعظم المواسم والأعياد معدوداً، واستقبله سكانها على اختلاف طبقاتهم بغاية الفرح والإجلال والإكبار، فتفقد أبراجها وصقائلها وأتت لتحيته فيها قطع من الأسطول الإنجليزى المرابط بجبل طارق. ولما قضى وطره منها نهض متوجهاً على الغربية فثغر آصيلا وكان حلوله به يوم السبت السادس عشر من صفر العام، وأقام بها يوماً طاف فيه على الصقائل والأبراج، ثم سار على طريق الساحل ومر بقبيلة الخلط، وبعد صلاة العصر عبر وادى لكس من مشرع النجمة وذلك يوم الثلاثاء التاسع عشر من صفر المذكور، وبمجرد عبوره مع بعض الخاصة من حاشيته امتلأ الوادى وتعذر على المحلة عبوره فبات المترجم بعدوة وبقيت المحلة بالعدوة الأخرى، ومن صبيحة الغد عبر باقى المحلة ولحق بالمترجم وتوجه لمدينة القصر الكبير بقصد زيارتها، ثم رجع من يومه للمحلة، ثم توجه لثغر العرائش ودخله دخول عز وإجلال يوم الخميس الحادى

стр. 839

[صورة] السلطان مولاي الحسن في موكبه في صلاة الجمعة

стр. 840

والعشرين من صفر المذكور، فتفقد الأحوال والصقائل والأبراج، ثم بارحها يوم الثلاثاء سادس عشرى الشهر المذكور، ولم يزل يوالى السير إلى أن حل بالعاصمة المكناسية يوم الأحد فاتح ربيع النبوى من العام. فكانت مدة هذه الرحلة مائة وسبعاً وثلاثين يومًا، منها أربعون يومًا ظعناً قطعت في مائة وثلاثين ساعة وخمس وثلاثين دقيقة وإقامة تسع وثلاثين يومًا. وفى يوم الأربعاء رابع ربيع المذكور بارح مكناسة ووجهته فاس فدخلها من غده الذي هو الخميس خامس ربيع وأقام بها اثنين وثلاثين يومًا، ثم بارحها يوم الاثنين الثالث عشر من شوال ودخل مكناسة يوم الأربعاء الخامس عشر منه، ونهض منها يوم الاثنين الثالث عشر من ذى القعدة، وخيم بالمحل المعروف بدار أم السلطان، ومن ثم لعين عرمة فاربعاء وادى بهت فولجة العكارى فضاية رومى فتفلت فسيدى علال البحراوى فالعرجات فقرميم، ثم رباط الفتح فغبولة فسيدى يَحْيَى من بلاد زعير ففدان الناموس فبزار فأبو الضراضر فعويد الماء فالكيسان فصخرة الدجاجة من بلاد ورديغة فبيار امزوى فسيدى محمد البصير من بلاد بنى زمور. ولم يزل يظعن ويقيم إلى أن دخل عاصمة الجنوب مراكش الحمراء يوم الأحد رابع ربيع النبوى عام ثمانية وثلاثمائة وألف. فكانت جميع أيَّام هذه الحركة مائة وأربعين يومًا الظعن فيها ست وثلاثون يومًا قطعت في مائة وثمانية عشر ساعة والمقام مائة ساعة وأربع سوائع وعشر دقائق. وأقام بمراكش إلى أن بارحها صبيحة يوم الاثنين ثامن قعدة ووجهته مكناسة ولم يزل يظعن ويقيم حتَّى أدركه عيد الأضحى بصخرة الدجاجة فأقام بها سنته وهنالك لحقت به محلة الشاوية.

стр. 841

وبعد انتهاء حفلات العيد عقد لنجله المولى العباس على محلة الشاوية المذكورة ووجهه بها بقصد شد عضد العمال في استيفاء الزكوات والأعشار المترتبة في ذممهم. ثم نهض المترجم وسار إلى أن وصل المحل المعروف بالشبيكة فأوقع ببنى خيران، وذلك يوم الجمعة سابع عشر حجة ثم في يوم الجمعة رابع عشرى الشهر أوقع بالحلاليف وبنى اورا فرقة من الزيايدة. ثم في يوم الخميس فاتح محرم عام تسعة وثلاثمائة وألف أوقع بالعرب أمر نجله مولاى العباس المذكور وكبير محلة الغرب ولد أب محمد الشركى بالنزول عليهم بمحلتيهما والتنكيل بهما، ولولا أن عامل الرباط الأنصح القائد السويسى تشفع فيهم للجلالة السلطانية لقطع دابرهم من لوح الوجود. وفى يوم الثلاثاء سادس محرم المذكور حل برباط الفتح وأصدر أمره المطاع لنجله مولاى العباس بالنزول مع محلة الباشا ولد أب محمد بقصبة بوزنيقة ولمحلة الشاوية التي كانت مع نجله المذكور بالقدوم للرباط وأقام هو به تسعة عشر يوما. ثم نهض منه يوم الاثنين سادس وعشرى الشهر وسار وفى يوم الجمعة رابع عشر صفر أوقع ببرابر بنى مطير وآيت شغروشن ومزقهم كل ممزق ثم أوقع بفرقة من قبيلة زمور الشلح وقعة شنيعة انجلت عن إنابتهم. وفى يوم الثلاثاء ثامن عشر الشهر حل بالعاصمة المكناسية وأقام بها تسعة عشر يوما في يوم الاثنين ثامن ربيع الأول نهض منها قاصد فاسا فدخلها يوم الأربعاء عاشر الشهر. فكانت مدة هذه الرحلة تسعين يوما كان الظعن في أربعة وأربعين يوما منها والمقام ست وأربعون يوما.

стр. 842

وفى جمادى الأخيرة من السنة كتب وزير الخارجية ليهود مراكش كتابا نصه بعد الحمدلة والصلاة: "من عبد الله تعالى وزير الأمور البرانية بالحضرة العالية أعز الله أمرها وأبد فخرها إلى كافة يهود ملاح مراكشة أخص منهم حزانة جموعهم وأساقفتهم وتجارهم وأعيانهم. أما بعد: فقد بلغ لشريف علم حضرة سيدنا العالية بالله أعزها الله أن عاملكم القائد محمد ويدة السوسى لم يحسن السيرة معكم وعاملكم معاملة غير مليحة وشدد عليكم فلم يلق ذلك بسيدنا نصره الله ولم يعجبه لأنكم أهل ذمته وفي رعيته. فلا يحب أيده الله أن يقع لكم تضييق أو ظلم من أحد أو معاملة بمكروه، وإنما يحب أن تكونا في أمن وأمان من ذلك وعلى حالة مليحة وفى عيشة مرضية وعز به الحال دام تأييده ونصره حيث بلغه ذلك عنكم من عند الناس، ولم يبلغه من عندكم إذ كان من حقكم أن تكتبوا لأعتابه الشريفة بالإعلام بذلك كما يكتب بعض تجاركم ومقدميكم لها في الأمور. وقد أمرنى نصره الله بالكتابة لكم بان تكونوا تكتبوا لنا بما يقع لكم وذلك لنطالع به علمه الشريف، كما أمرنى أيده الله بإعلامكم بأنه أصدر أمره الشريف للعامل المذكور بأن يحسن السيرة معكم ويعاملكم بمثل ما يعامل به من إلى نظره من المسلمين من الحكم عليكم في الدعاوى المخزنية بما يقتضيه الحق فيها مثل ما يحكم به على المسلمين ويجريكم مجراهم في جميع الأمور من غير فرق، ويرد دعاويكم الشرعية لأساقفتكم وحزانتكم ويمشى مع أهل الحماية منكم على مقتضى الشروط والقوانين ومن حاد منهم عنها يطالع به شريف علم مولانا دام علاه والتمام في ٧ جمادى الثانية عام ١٣١٠".

стр. 843

ولم يزل المترجم مقيما بفاس إلى أن بارحها يوم الخميس الرابع عشر من ذى الحجة منصرم العام ووجهته بلاد صالحى سلفه تافيلالت على طريق صفرو، وذلك بعد أن أصدر أوامره لنجله البار الأسعد الشريف الذاكر المتبتل مولاى محمد بالنهوض والتوجه أمامه فبارح مراكش في عاشر ذى الحجة المذكور. ثم إن السلطان لم يزل يظعن ويقيم ويقارب ويسدد ويرتق الفتوق إلى أن أدركه موسم المولد النبوى الكريم من عام عشرة وثلاثمائة وألف بقصر الريش من دار العيد بوادى زير، ثم سار إلى أن خيم بدار على بن يحيى المرغادى كعبة العتو وركن الفساد وأوقع القبض عليه يوم الخميس ثانى ربيع الثانى ووجه به سجينا لمراكش، كما ألقى القبض قبل ذلك اليوم على متمردة آيت احديدو ثم في يوم الاثنين التاسع عشر من ربيع الثانى التقى المترجم بمحلة نجله الأسعد مولاى محمد، ومحلة الحوز التي جاءت تحت رياسته وذلك بقصر السوق من بلد آيت ازدك ثم بعد ذلك توجه صاحب الترجمة لزيارة صلحاء الصحراء ثم رجع وسرح آيت احديدو. وفى يوم الثلاثاء سابع وعشرى الشهر حل المترجم بضريح جده الأكبر فخر بنى جلدته مولاى على الشريف وأقام هنالك سبعة عشر يوما أفاض فيها سجال العطايا وأجزل المواهب، فأعطى شرفاء مدغرة عشرين ألف ريال "مائة ألف فرنك" وجهها إليهم مع ولده المحبوب مولاى عبد العزيز وأعطى شرفاء تافيلالت عشرين ألف ريال أخرى، أرسلها إليهم مع ولديه مولاى عبد العزيز المذكور ومولاى بلغيث. وقد أوضح معالم هذه الوجهة من فاس إلى سجلماسة في كتاب بعثه لباشا مكناس القائد حم بن الجيلانى ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع الذى بداخل خاتمه السليمانى "الحسن بن محمد الله وليه" وبزوايا الخاتم الست اسم الجلالة ثم

стр. 844

محمد فأبو بكر نعمر فعثمان فعلى وتجاه الزوايا: وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وبدائرته بيتا البردة ومن تكن إلخ ومن يعتصم الخ: "وصيفنا الأرضى الباشا حم ابن الجيلانى وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله. وبعد: فإن من صالح الرعاية التي شرح الله صدرنا إليها، وأبرز لنا في مظاهر اختيار الكسب قدرته عليها، أن ألهمنا سبحانه لهذه الوجهة المباركة الصحراوية، لتفقد أحوال أهلها وتأسيس مصالحهم المرعية، وسنى لنا فيها سبحانه من فتوحات النصر والظفر، ما لم تزل آثاره لدينا متجددة في حالتى المقام والسفر، جريا على ما عودنا سبحانه بحمده وشكره، من إمداد عنايته وجميل بره، إذ الكل منه سبحانه وبه وإليه، ومقاليد التدبير في عالم الكون بيده ولديه، فمنذ نهضنا من محروسة فاس بجيوشنا المنصورة، ومواكبنا المظفرة بالله الموفورة، وبنودنا الخضر السافرة، وعساكرنا التي لم تزل على التعاضد متضافرة، والأحوال بحمد الله جارية على مقتضاها، ومآثر السعادة ترضى المؤمن ويرضاها، عن صدور أثلجها الله بالانشراح، ومسرات مترادفة الهناء والأفراح، والآت جهادية واستعدادات. وآثار يمن يراها ذوو البصيرة من خرق العادات، إلى أن تخللنا من بلاد آيت يوسى معاقلها، ورضنا بأزمة الاستصلاح قبائلها. فتلقوا جنابنا الشريف بتمام الخدمة وحسن الطاعة، وقاموا بالواجبات والوظائف جهد الاستطاعة، مظهرين بمواطئنا الشريفة غبطة ومحبة وانشراحا. ومعتقدين بها فوزا وتيمنا ونجاحا، زيادة على انتخاب فرض الحركة من أعيانهم لمصاحبة جيشنا السعيد، وقيامهم في ذلك بالحزم القوى والشرط الأكيد. ثم نهضنا عنهم في عناية الله المتوالية أياديها. المنبئة عن حسن الختام مباديها. إلى أن خيمنا بمعاقل قبائل بنى مجيلد تخييما تعاهدنا به أحوالهم.

стр. 845

وأكرعنا به في مناهل الصلاح شرخهم ورجالهم. فتبادروا لاغتنام السبقية بكمال الطاعة وصميم الالتزام، وقاموا بأداء الواجبات وحقوق خدمتنا الشريفة أتم قيام. وجددنا فيهم للاستقامة أساسا. ورتبنا أمورهم ترتيبا لم يبق فيها انتكاسا، ونهضوا بحركتهم لمصاحبة محلتنا المنصورة، متظاهرين في الحزم والامتثال بسيرة مشكورة. ولما كمل منهم الراد، نهضنا عنهم بحول الله في تمكين وظفر واستعداد، إلى أن ركزت مواكبنا السعيدة في بلاد آيت ازدك راياتها. وأظهرت مآثرنا الحميدة في قبائلهم آياتها، فخيمنا عليهم تخييما طبق بمحالنا الموفورة بلادهم، وتخلل بمغارسا لصلاح أغوارهم وأنجادهم، فتسارعوا للتطارح على أعتابنا الشريفة. والالتجاء لظلالنا الوريفة. معلنين بالتوبة عما فرط منهم من المآثم والجناح. وراغبين فيما جبلنا الله عليه من الحلم والعفو والسماح، وملتزمين أداء الواجبات والحقوق، ومتحملين من تمام الطاعة ما لم يبق فيه احتمال نفار ولا عقوق، جنوحا لعدم القتال وسفك الدماء والوقوع في الأرامل والصبيات، وذوى العجز من النساء والرجال الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. فأمنا عليهم إذ حققوا ذلك بالعمل. ووفوا بكل ما وظف عليهم عن فور وعجل. مع استنهاض حركتهم لمتابعة ركابنا السعيد، وانتدابهم لامتثال أمرنا الشريف فيما نريد، وصفحنا عنهم حيث صلحت منهم سريرة النجوى وأخذنا فيهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، بعدما وجهنا شرذمة من أطراف جيشنا السعيد، لاستئصال أهل طوطورماس الذين قتل في قصرهم الخديم ولد الطالب محمد اليوسى فلم يكن إلا كوقفة راكب، أو صرة حالب. حتى أخذتهم أخذا وبيلا. وكان فعلهم على انتقام الله منهم دليلا. ولما قضى في آيت ازدك بحول الله الغرض، واستوفى من جميعهم الواجب والمفترض، نهضنا عنهم محفوفين بما عودنا الله من العزة والتمكين، ومعتمدين
следующие страницы →