"الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ أن النّبيّ ﷺ قال لجبريل عندما سأله عن وقت قيام السّاعة: "ولكن سأحدِّثُكَ عن أشراطها ... (فذكر منها:) و إذا تطاول رِعاءُ البهائم (١) في البُنيان؛ فذاك من أشراطها" (٢).
وفي رواية لمسلم: "وأن ترى الحُفاة العُراة العالة رِعاء الشاءِ يتطاولون في البُنيان" (٣).
وجاء في رواية للإِمام أحمد عن ابن عبّاس؛ قال: يا رسول الله! ومَن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: "العرب" (٤).
وروى البخاريّ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 142
"لا تقوم السّاعة ... حتّى يتطاول النَّاس في البنيان" (١).
قال الحاففط ابن حجر: "ومعنى التطاول في البنيان أن كلًا مِمَّن كان يبني بيتًا يُريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، ويحتمل أن يكون المراد المباهاة به في الزينة والزَّخرفة، أو أعمُّ من ذلك، وقد وُجِدَ الكثير من ذلك، وهو في ازدياد" (٢).
وقد ظهر هذا جليًّا في هذا العصر، فتطاول النَّاس في البنيان، وتفاخروا في طولها وعرضها وزخرفتها، بل وصل بهم الأمر إلى أن بَنَوا ما يشبه ناطحات السحاب المشهورة في (أمريكا) وغيرها من بلدان العالم.
٢١ - ولادة الأمةِ لربَّتِها (٣):
جاء في حديث جبريل الطويل قوله للنبي ﷺ : "وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدتِ الأمة ربَّتَها" (٤).
متَّفق عليه.
стр. 143
وفي رواية لمسلم: "إذا ولدتِ الأمة ربَّها" (١).
وقد اختلف العلماء في معنى هذه العلّامة على عدة أقوال، ذكر الحافظ ابن حجر منها أربعه أقوال:
١ - قال الخطَّابي: "معناه اتِّساع الإِسلام، واستيلاء أهله على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية، وأستولدها؛ كان الولد منها بمنزلة ربَّها؛ لأنّه ولد سيدها" (٢).
وذكر النووي أن لهذا القول قول الأكثرين من العلماء (٣).
قال ابن حجر: "لكن في كونه المراد نظر (٤)؛ لأنّ استيلاد الإِماء كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتِّخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإِسلام، وسياق الكلام يقتضي الإِشارة إلى وقوع ما لم يقع ممّا سيقع قرب قيام السّاعة" (٥).
٢ - أن تبيع السادة أمَّهات أولادهم، ويكثر ذلك، فيتداول الملاك المستولَدَة حتّى يشتريها أولادُها ولا يشعر بذلك.
٣ - أن تلد الأمة حرًّا من غير سيِّدها بوطء شبهة، أو رقيقًا بنكاح أو
стр. 144
زنا، ثمّ تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي، حتّى يشتريها ابنها أو ابنتها، ولهذا من نمط القول الّذي قبله.
٤ - أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السَّيِّد أمَّته؛ من الإِهانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا، أو المراد بالرب: المرِّبي حقيقة.
ثمّ قال ابن حجر: "وهذا أوجه الأوجه عندي؛ لعمومه، ولأن المقام يدلُّ على أن المراد حالة تكون- مع كونها تدلُّ على فساد الأحوال - مستغرَبة، ومحصَّلهُ الإِشارة إلى أن السّاعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير المربى مربيًا، والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلّامة الأخرى: أن تفسير الحفاة ملوك الأرض" (١).
٥ - وهناك قولٌ خامسٌ للحافظ ابن كثير ﵀، وهو: "أن الإِماء تكون في آخر الزّمان هنَّ المشار إليهنَّ بالحشمة، فتكون الأمة تحت الرَّجل الكبير دون غيرها من الحرائر، ولهذا قرن ذلك بقوله: "وأن ترى الحفاة العراة العالة يتطاولون في البنيان" (٢).
٢٢ - كَثرةُ القَتْل:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يكثر الهَرْجُ". قالوا: وما الهَرْجُ يا رسول الله؟ قال: "القتلُ، القتلُ".
стр. 145
رواه مسلمٌ (١).
وفي رواية للبخاري عن عبد الله بن مسعود: "بين يدي السّاعة أيَّامُ الهَرْجِ؛ يَزول فيها العلم، ويظهر فيها الجَهْل". قال أبو موسى: والهرج: القتل؛ بلسان الحبشة (٢).
وعن أبي موسى ﵁ عن النّبيّ كما قال: "إن بين يدي السّاعة الهَرْجُ". قالوا: وما الهرج؟ قال: "القتل". قالوا: أكثر ممّا نقتل؛ إنا نقتل في العام الواحد أكثر من سبعين ألفًا. قال: "إنّه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضًا". قالوا: ومعنا عقولُنا يومئذ. قال: إنّه لَيُنْزَع عقول أكثر أهل ذلك الزّمان، ويخلف له هباء من النَّاس؛ يحسب أكثرهم أنّه على شيء، وليسوا على شيء" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا تذهبُ الدُّنيا حتّى يأتي على النَّاس يومٌ لا يَدْري القاتلُ فيمَ قَتَلَ، ولا المقتولُ فيم قُتِلَ؟ ". فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: "الهَرْجُ،
стр. 146
القاتل والمقتول في النّار" (١).
وما أخبر به ﷺ في هذه الأحاديث قد وقع بعضٌ منه، فحدث القتال بين المسلمين في عهد الصّحابة ﵃ بعد مقتل عثمان ﵁، ثمّ صارت الحروب تكثر في بعض الأماكن دون بعض، وفي بعض الأزمان دون بعض، ودون أن تعرف أسباب أكثر تلك الحروب.
وإنَّ ما حصل في القرون الأخيرة من الحروب المدمِّرة بين الأمم، والتي ذهب ضحيَّتها الألوف، وانتشرت الفتن بين النَّاس بسبب ذلك، حتّى صار الواحد يقتل الآخر، ولا يعرف الباعث له على ذلك.
وكذلك، فإن انتشار الأسلحة الفتَّاكة الّتي تدمِّر الشعوب والأمم له دورٌ كبيرٌ في كثرة القتل، حتّى صار الإِنسان لا قيمة له؛ يُذْبَحُ كما تُذْبَحُ الشاة، وذلك بسبب الانحلال، وطيش العقول، فعند وقوع الفتن يقتل القاتل، ولا يدري لماذا قُتِل، وفيم قُتِل، بل إننا نرى بعض النَّاس يقتل غيره لأسباب تافهة، وذلك عند اضطراب النَّاس، ويصدق على ذلك قوله ﷺ : "إنّه لينزع عقول أكثر أهل ذلك الزّمان"، نسأل الله العافية، ونعوذ به من الفتن؛ ماظهرمنها وما بطن.
وقد جاء أن لهذه الأمة أمة مرحومةٌ، ليس عليها عذابٌ في الآخرة، وأن الله تعالى جعل عذابها في الدُّنيا الفتن والزلازل والقتل، ففي الحديث عن صدقة بن المثنَّى: حدّثنا رباح بن الحارث عن أبي بُردة؛ قال: بيَّنَّا أنا
стр. 147
واقفٌ في السوق في إمارة زياد إذ ضربتُ بإحدى يدي على الأخرى تعجُّبًا، فقال رجل من الأنصار قد كانت لوالده صحبة مع رسول الله ﷺ : ممّا تعجبُ يا أبا بُردة؟ قلتُ: أعجب من قومٍ دينُهم واحدٌ، ونبيُهم واحدٌ، ودعوتُهم واحدٌ؛، وحجُّهم واحدٌ، وغزوهم واحدٌ؛ يستحلُّ بعضهم قتل بعض. قال: فلا تعجب! فإني سمعتُ والدي أخبرني أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن أُمَّتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذابٌ، إنّما عذابها في القتل والزلازل والفتن" (١).
وفي رواية عن أبي موسى: "إن أُمَّتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة عذابٌ، إنّما عذابُها في الدُّنيا: القتل، والبلابل، والزلازل" (٢).
٢٣ - تقارُب الزَّمان:
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقومُ السّاعة حتّى ... يتقارب الزّمان" (٣).
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقومُ السّاعة حتّى يتقاربَ الزّمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون
стр. 148
الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون السّاعة كاحتراق السَّعَفة" (١).
وللعلّماء أقوالٌ في المراد بتقارب الزّمان؛ منها:
١ - أن المراد بذلك قلة البركة في الزّمان (٢).
قال ابن حجر: "قد وُجِدَ في زماننا هذا، فإننا نجد من سرعة مرِّ الأيَّام ما لم نكن نجده في العصر الّذي قبل عصرِنا هذا" (٣).
٢ - أن المراد بذلك هو ما يكون في زمان المهدي وعيسى ﵇؛ من استلذاذ النَّاس للعيش، وتوفُّر الأمن، وغلبة العدل، وذلك أن الناسَ يستقصرون أيّام الرخاء وان طالت، وتطول عليهم مدَّة الشدَّة وإن قَصُرَت (٤).
стр. 149
٣ - أن المراد تقارُب أحوال أهله في قلة الدين، حتّى لا يكون منهم مَنْ يأمر بمعروفٍ، وينهى عن منكرٍ؛ لغلبة الفسق، وظهور أهله، وذلك عند ترك طلب العلم خاصّة، والرضى بالجهل، وذلك لأنّ النَّاس لا يتساوون في العلم، فدرجات العلم تتفاوت؛ كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١) [يوسف: ٧٦]، وإنّما يتساوون إذا كانوا جُهّالًا.
٤ - أن المراد تقارب أهل الزّمان بسبب توفُّر وسائل الاتصالات والمراكب الأرضية والجوية السريعة الّتي قَرّبَتِ البعيد (٢).
٥ - أن المراد بلل لك هو قصر الزّمان، وسرعتُه سرعة حقيقية، وذلك في آخر الزّمان.
ولهذا لم يقع إلى الآن، ويؤيد ذلك ما جاء أن أيّام الدجال تطول حتّى يكون اليوم كالسنة، وكالشهر، وكالجمعة في الطول، فكما أن الأيَّام تطول؛ فإنها تَقْصر (٣)، وذلك لاختلال نظام العالم، وقُرب زوال الدُّنيا.
قال ابن أبي جمرة (٤): "يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزّمان:
стр. 150
قصره؛ على ما وقع في حديث: "لا تقوم السّاعة حتّى تكون السنة كالشهر"، وعلى لهذاة فالقصر يحتمل أن يكون حسيًّا ويحتمل أن يكون معنويًّا:
أمّا الحسي؛ فلم يظهر بعدُ، ولعلّه من الأمور الّتي تكون قُرب قيام السّاعة
وأمّا المعنوي؛ فله مدة منذ ظهر؛ يعرف ذلك أهل العلم الديني ومَن له فطنة من أهل السبب الدُّنيوي؛ فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويشكون ذلك، ولا يدرون العلَّة فيه، ولعلّ ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإِيمان؛ لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشدّ ذلك الأقوات، ففيها من الحرام المحض ومن الشُّبه ما لا يخفى، حتّى إن كثيرًا من النَّاس لا يتوقَّف في شيء، ومهما قدر على تحصيل شيء؛ هجم عليه ولا يبالي.
والواقع أن البركة في الزّمان وفي الرزق وفي النبت إنّما تكون من طريق قوة الإِيمان، واتِّباع الأمر، واجتناب النّهي، والشّاهد لدل لك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] (١).
стр. 151
٢٤ - تقارُب الأسواق:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم السّاعة حتّى تظهَرَ الفتنُ، ويكثُرَ الكذب، وتتقارب الأسواق" (١).
قال الشّيخ حمود التويجري (٢): "وأمّا تقارب الأسواق؛ فقد جاء تفسيره في حديث ضعيف بأنّه كسادُها، وقفَة أرباحها، والظاهر- والله أعلم- أن ذلك إشارة إلى ما وقع في زماننا من تقارُب أهل الأرض؛ بسبب المراكب الجوية والأرضية والآلات الكهربائية الّتي تنقل الأصوات؛ كالإِذاعات والتلفونات الهوائية الّتي صارت أسواق الأرض متقارِبة بسببها، فلا يكون تغيير في الأسعار في قطر من الأقطار إِلَّا ويعلم به التجَّار - أو غالبهم - في جميع أرجاء الأرض، فيزيدون في السعر إن زاد، وينقصون إن نقص، ويذهب التاجر في السيارات إلى أسواق المدائن الّتي تبعد عنه مسيرة أيّام، فيقضي حاجته منها، ثمّ يرجِع في يوم أو بعض يوم، ويذهب في الطائرات إلى أسواق المدائن الّتي تبعد عنه مسيرة شهر فأكثر، فيقضي حاجته منها، ويرجع في يوم أو بعض يوم.
стр. 152
فقد تقاربت الأسواق من ثلاثة أوجه:
الأوّل: سرعة العلم بما يكون فيها من زيادة السعر ونقصانه.
الثّاني: سرعة السير من سوق إلى سوق، ولو كانت مسافة الطريق بعيدة جدًّا.
الثالث: مقارَبة بعضها بعضًا في الأسعار، واقتداء بعض أهلها ببعض في الزيادة والنقصان، والله أعلم" (١).
٢٥ - ظهور الشرك في هذه الأمة:
هذا من العلّامات الّتي ظهرت، وهي في ازدياد، فقد وقع الشرك في هذه الأمة، ولحقت قبائل منها بالمشركين، وعبدوا الأوثان، وبنوا المشاهد على القبور، وعبدوها من دون الله، وقصدوها للتبرُّك والتَقبيل والتعظيم، وقدَّموا لها النُّذور، وأقاموا لها الأعياد، وكثيرٌ منها بمنزلة اللات والعزَّى ومناة أو أعظم شركًا.
روى أبو داود والترمذي عيب ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وُضِعَ السيف في أُمَتي، لم يُرْفَع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم السّاعة حتّى تلحق قبائل من أُمَّتي بالمشركين، وحتى تعبدَ قبائلُ من أمتي الأوثان" (٢).
стр. 153
وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقومُ السّاعة حتّى تضطرِبَ ألياتُ (١) نساء دَوْس حول ذي الخَلَصة" (٢).
стр. 154
و (ذو الخلصة): طاغية دَوْس الّتي كانوا يعبدون في الجاهليَّة (١).
وقد وقع ما أخبر به النبيُّ ﷺ في هذا الحديث، فإن قبيلة دوسٍ وما حولها من العرب قد افتتنوا بذي الخَلَصة عندما عاد الجهل إلى تلك البلاد، فأعادوا سيرتها الأولى، وعبدوها من دون الله، حتّى قام الشّيخ محمّد بن عبد الوهاب ﵀ بالدعوة إلى التّوحيد، وجدَّد ما اندرس من الدين، وعاد الإِسلام إلى جزيرة العرب، فقام الإِمام عبد العزيز بن محمّد بن سعود ﵀، وبعث جماعة من الدُّعاة إلى ذي الخَلَصة، فخربوها، وهدَّموا بعض بنائها، ولما انتهى حكم آل سعود على الحجاز في تلك الفترة، عاد الجهال إلى عبادتها مرّة أخرى، ثمّ لما استولى الملك عبد العزيز بن عبد الرّحمن آل سعود ﵀ على الحجاز؛ أمر عامله عليها، فأرسل جماعةً من جيشه، فهدموها، وأزالوا أثرها، ولله الحمد والمنة (٢).
ولا يزال هناك صورٌ من الشرك في بعض البلدان، وصدق الرسول ﷺ
стр. 155
إذ يقول: "لا يذهَبُ اللّيلُ والنهار حتّى تُعْبَدَ اللاتُ والعُزَّى". فقالت عائشة: يا رسول الله! إن كنتُ لأظنُّ حين أنزلَ الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١) أن ذلك تامًّا، قال: "إنّه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثمّ يبعث الله ريحًا طيِّبة، فتُوفي كلَّ مَنْ في قلبه مثقال حبة خردلٍ من إيمانٍ، فيبقى مَنْ لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم" (٢).
ومظاهر الشركِ كثيرةٌ، فليست محصورةً في عبادة الأحجار والأشجار والقبور، بل تتعدَّى ذلك إلى اتِّخاذ الطواغيت أندادًا مع الله تعالى، يَشْرَعون للناس من عند أنفسهم، ويلزمون النَّاس بالتحاكم إلى شريعتهم، وترك شريعة الله، فينصبون أنفسهم آلهة مع الله تعالى وتقدَّسَ؛ كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]؛ أي: جعلوا علماءهم وعبادهم آلهة يشرعون لهم؛ فإنهم اتَّبعوهم فيما حلَّلوا وحرَّموا (٣).
وإذا كان لهذا في التَّحليل والتَّحريم؛ فكيف بمن نبذوا الإِسلام وراءهم ظِهْريًّا، واعتنقوا المذاهب الإِلحادية؛ من علمانية، وشيوعية، واشتراكية، وقوميَّة، ثمّ يزعمون أنّهم مسلمون.
* * * * *
стр. 156
٢٦ - ظهور الفحش (١) وقطيعة الرّحم وسوء الجوار:
روى الإِمام أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تقومُ السّاعة حتّى يظهَرَ الفحشُ، والتفاحُشُ، وقطيعةُ الرّحم، وسوء المجاوَرَة" (٢).
وروى الطبرانيُّ في "الأوسط" عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أشراط السّاعة الفحشُ والتفحُّش وقطيعة الرّحم" (٣).
وللإِمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "إن بين يدي السّاعة ... قطع الأرحام" (٤).
وقد وقع ما أخبر به النّبيّ ﷺ ، فانتشر الفحش بين كثير من النَّاس؛ غير مبالين بالتحدُّث بما يرتكبون من معاصي، وما يترتَّب عليه من عقاب
стр. 157
شديد، وقطعت الأرحام، فالقريب لا يصل قريبه، بل حصل بينهم التقاطع والتَّدابر، فتمر الشهور والسنون وهم في بلد واحد، فلا يتزاورون، ولا يتواصلون، وهذا لا شكَّ أنّه من ضعف الإِيمان، فإن الرسول ﷺ حثَّ على صلة الرّحم، وحذَّر من قطيعتها.
وقال: "إن الله خَلَقَ الخلق، حتّى إذا فرغ منهم؛ قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم؛ أمّا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك لك".
ثمّ قال رسول الله ﷺ : "اقرؤوا إن شئتُم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (١) [محمّد: ٢٢ - ٢٤]
وقال ﵊: "لا يدخلُ الجنَّة قاطع رحم" (٢).
وأمّا سوء الجوارة فحدِّث عنه ولا حرج، فكم من جارٍ لا يعرف نجاره، ولا يتفقَّد أحواله؛ ليمدَّ يد العون إليه إن احتاج! بل ولا يَكُفُّ شرَّه عنه.
وقد نهى النّبيّ ﷺ عن أذى الجار، فقال: "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يؤذي جارَه" (٣).
стр. 158
وأمر بالإِحسان إلى الجار، فقال: "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليُحْسِن إلى جاره" (١).
وقال ﵊: "ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتّى ظننتُ أنّه سيورِّثه" (٢)
٢٧ - تشبُّب المشيخة:
عن ابن عبّاس رضي الله عنهماة قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون قومٌ يخضِبون في آخر الزّمان بالسواد؛ كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنَّة" (٣).
стр. 159
ما جاء في لمذا الحديث واقعٌ في هذا الزمن؛ فإنّه انتشر بين الرجال صبغُ لحاهم ورؤوسهم بالسواد.
والذي يظهر لي- والله أعلم- أن قوله ﷺ : "كحواصل الحمام" تشبيهٌ لحال بعض المسلمين في هذا العصر، فتجدهم يصنعون بلحاهم كهيئة حواصل الحمام، يحلقون عوارضهم، ويدعون ما على أذقانهم من الشعر، ثمّ يصبغونه بالسواد، فيغدو كحواصل الحمام.
قال ابن الجوزي (١): "يحتمل أن يكون المعنى لا يريحون رائحة الجنَّة؛ لفعلٍ يصدُرُ منهم، أو اعتقاد، لا لعلَّة الخضاب، ويكون الخضاب سيماهُم؛ كما قال في الخوارج سيماهم التحليق، وإن كان
стр. 160
تَحليق الشعر ليس بحرام" (١).
قلتُ: قد نهى النّبيّ ﷺ عن صبغ شعر الرّأس واللحية بالسواد، ففي "الصّحيح" عن جابر بن عبد الله ﵁؛ قال: أُتَيَ بأبىِ قُحافة يوم فتح مكّة ورأسه ولحيته كالثغامة (٢) بياضًا، فقال رسول الله ﷺ : "غيِّروا هذا بشيءٍ، واجتنبوا السواد" (٣).
стр. 161
٢٨ - كثرة الشُّحِّ (١):
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: "من أشراط السّاعة أن يظهر الشحُّ" (٢).
وعنه ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "يتقارب الزّمان، وينقص العمل، ويلقى الشحُّ" (٣).
وعن معاوية ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يزداد الأمر إِلَّا شدَّة، ولا يزداد النَّاس إِلَّا شحًّا" (٤).
والشحُّ خُلُقٌ مذمومٌ، نهى عنه الإسلام، وبيَّن أنَّ مَنْ وُقِيَ شحَّ نفسه؛ فقد فاز وأفلح؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩ والتغابن:١٦].
وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اتَّقوا الظُّلم، فإن الظُّلم ظُلُماتٌ يوم القيامة، واتَّقوا الشُّحَّ؛ فإن الشحَّ أهلك مَنْ
стр. 162
كان قبلَكُم؛ حملهم على أن سفكوا دماءَهُم، واستحلُّوا محارِمَهُم" (١).
قال القإضي عياضٌ: "يحتمل أن هذا الهلاك هو الهلاك الّذي أخبر عنهم به في الدُّنيا؛ بأنّهم سفكوا دماءهم، ويحتمل أنّه هلاك الآخرة، وهذا الثّاني أظهر، ويحتمل أنّه أهلكهم في الدُّنيا والآخرة" (٢).
٢٩ - كثرة التجارة:
ومنها كثرةُ التجارة، وفشوُّها بين النَّاس، حتّى تشارك النِّساء فيها الرجال.
روى الإِمام أحمد والحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "بين يدي السّاعة تسليمُ الخاصَّة، وفشوُّ التجارة، حتّى تشارِك المرأة زوجها في التجارة" (٣).
وروى النسائي عن عمرو بن تغلب؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أشراط السّاعة أن يفشو المال ويكثر، وتفشو التجارة" (٤).
стр. 163
وقد وقع لهذا، فكثُرَتِ التجارة، وشاركت فيها النِّساء، وافتتن النَّاس بجمع المال، وتنافسوا فيه.
وقد أخبر النّبيّ ﷺ أنّه لا يخشى على لهذه الأمة الفقر، وإنّما يخشى عليها أن تُبْسَطَ عليهم الدُّنيا، فيقع بينهم التَّنافس، ففي الحديث أنّه قال ﵊: "والله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى عليكم أن تُبْسَطَ الدُّنيا عليكم كما بُسِطَت على مَنْ كان قبلَكُم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلكُكُم كما أهلكَتْهُم" (١).
متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: "وتلهيكم كما ألهتهم" (٢).
وقال ﷺ : "إذا فُتِحَت عليكم فارس والروم؛ أيُّ قومٍ أنتم؟ ". قال عبد الرّحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله. قال رسول الله ﷺ : "أو غير ذلك: تتنافسون، ثمّ تتحاسدون، ثمّ تتدابرون، ثمّ تتباغضون" أو نحو ذلك (٣).
فالمنافسة على الدُّنيا تجرُّ إلى ضعف الدين، وهلاك الأمة، وتفرُّق كلمتها؛ كما وقع فيما مضى، وكما هو واقعٌ الآن.
стр. 164
٣٠ - كثرةُ الزَّلازل:
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقومُ السّاعة حتّى تكثرَ الزلازل" (١).
وعن سلمة بن نفيل السكوني؛ قال: كنا جُلوسًا عند رسول الله ﷺ ... (فذكر الحديث، وفيه): "وبين يدي السّاعة مَوتانٌ شديد، وبعده سنوات الزَّلازل" (٢).
قال ابن حجر: "قد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثيرٌ من الزلازل، ولكنَّ الّذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها" (٣).
ويؤيد ذلك ما روي عن عبد الله بن حوالة ﵁؛ قال: وضع رسول الله ﷺ يدي على رأسي - أو على هامتي -، فقال: "يا ابن حوالة! إذا رأيتَ الخلافة قد نزلت الأرض المقدَّسة، فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى النَّاس من يدي هذه من رأسك" (٤).
стр. 165
٣١ - ظهور الخسف والمسخ والقذف:
عن عائشة ﵂: قالت: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ". قالت: قلتُ: يا رسول الله! أنّهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا ظَهَرَ الخَبَثُ" (١).
وعن ابن مسعودٍ ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "بين يدي السّاعة مسخٌ وخسفٌ وقذفٌ" (٢).
وقد جاء الخبر أن الزِّنادقة والاقدرِيَّةَ يقع عليهم المسخ والقذف.
روى الإِمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنّه سيكون في أُمَّتي مسخٌ وقذفٌ، وهو في الزندقية والقدرية" (٣).
وفي رواية المترمذي: "في هذه الأمة - أو في أمَّتي - خسفٌ أو مسخٌ
стр. 166
أو قذف في أهل القدر" (١).
وعن عبد الرّحمن بن صحار العبدي عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقومُ السّاعة حتّى يُخْسَفَ بقبائل، فيقال: مَنْ بقي من بني فلان؟ ". قال: فعرفتُ حين قال: "قبائل" أنّها العرب؛ لأنّ المعجم تُنْسَب إلى قُراها (٢).
وعن محمّد بن إبراهيم التَّيمي؛ قال: سمعتُ بقيره امرأة القعقاع بن أبي حدرد تقول: سمعتُ رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: "إذا سمعتُم بجيشي قدخُسِفَ به قريبًا؛ فقد أظلَّتِ السّاعة" (٣).
والخسف قد وُجِد في مواضع في الشرق والغرب (٤) قبل عصرنا هذا، ووقع فى هذا الزمن كثيرٌ من الخُسوفات في أماكن متفرِّقة من الأرض، وهي نذيرٌ بين يدي عذابٍ شديد، وتخويفٌ من الله لعباده، وعقوبةٌ لأهل البدع والمعاصي؛ كي يعتبر النَّاس، ويرجِعوا إلى ربِّهم، ويعلموا أن السّاعة قد
стр. 167
أزفت، وأنّه لا ملجأ من الله إِلَّا إليه.
وقد جاء الوعيد للعُصاة من أهل المعازف وشاربي الخمور بالخسف والمسخ والقذف.
روى التّرمذيّ عن عمران بن حُصَيْن ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "في هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ". فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله! ومتى ذلك؟ قال: "إذا ظهَرَتِ القِيانُ والمعازف، وشرِبت الخمور" (١).
وروى ابن ماجه عن أبي مالكٍ الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليشربنَّ ناسٌ مِن أُمَّتي الخّمْرِ يسمُّونها بغير اسمها، يُعْزَفُ على رؤوسهم بالمعازف، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير" (٢).
والمسخ يكون حقيقيًّا، ويكون معنويًّا:
فقد فسَّر الحافظ ابن كثير ﵀ (المسخ) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئينَ﴾ [البقرة: ٦٥] بأنّه مسخٌ حقيقيٌّ، وليس مسخًا معنويًّا فقط، ولهذا القول هو الراجح، وهو ما ذهب إليه ابن عبّاس وغيره من أئمة التفسير.
стр. 168
وذهب مجاهدٌ وأبو العالية وقتادة إلى أن المسخ كان معنويًّا، وأنّه كان لقلوبهم، ولم يُمْسَخوا قردةً (١).
ونقل ابن حجر عن ابن العربي القولين، ورجَّح الأوّل (٢).
ورجَّح رشيد رضا في "تفسيره" (٣) القولَ الثّاني، وهو أنّه كان مسخًا في أخلاقهم.
واستبعد ابن كثير ما روي عن مجاهد، وقال: "إنّه قولٌ غريبٌ، خلف الظّاهر من السياق فأنّهذا المقام وغيره" (٤).
ثمّ قال - بعد سياقه لطائفة من كلام العلماء -: "الغرض من لهذا السياق عن لهؤلاء الأئمة بيان خلف ما ذهب إليه مجاهد- ﵀ من أنَّ مسخَهُم إنّما كان معنويًّا لا صوريًّا، بل الصّحيح أنّه معنويٌّ صوريٌّ، والله أعلم" (٥).
وإذا كان المسخ يحتمل أن يكون معنويًّا؛ فإن كثيرًا من المستحلِّين للمعاصي قد مُسِخَتْ قلوبُهم، فأصبحوا لا يفرِّقون بين الحلال والحرام، ولا بين المعروف والمنكر: مثلهم في ذلك كمثل القردة والخنازير، نسأل الله العافية والسلامة، وسيقع ما أخبر به ﷺ من المسخ، سواء أكان معنويًّا أو صوريًّا.
стр. 169
٣٢ - ذهاب الصالحين:
ومن أشراطها: ذهاب الصالحين، وقلة الأخيار، وكثرة الأشرار، حتّى لا يبقى إِلَّا شرار النَّاس، وهم الذين تقوم عليهم السّاعة.
ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ :"لا تقوم السّاعة حتّى يأخذ الله شريطتَه (١) من أهل الأرض، فيبقى فيها عجاجة (٢)؛ لا يعرفون معروفًا، ولا يُنْكِرون منكرًا" (٣).
أي: يأخذ الله أهل الخير والدين، ويبقى غوغاء النَّاس وأراذلهم ومن لا خير فيهم، وهذا عند قبض العلم واتِّخاذ النَّاس رؤوسًا جُهّالًا يُفتون بغير علم.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "يأتي على النَّاس زمانٌ يُغَرْبَلون فيه غربلةً، يبقى منهم حُثالة (٤) قد مَرِجت (٥)
стр. 170
عهودهم وأماناتهم، واختلفوا، فكانوا هكذا (وشبك بين أصابعه) " (١).
وذهاب الصالحين يكون عند كثرة المعاصي، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرة فإن الصالحين إذا رأوا المنكر ولم يغيِّروه وكَثُر الفساد؛ عَمَّهُم العذاب مع غيرهم إذا نزل؛ كما جاء في الحديث لما قيل للنبي ﷺ : أنّهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كَثُرَ الخَبَثُ".
رواه البخاريّ (٢).
٣٣ - ارتفاع الأسافل:
ومن أشراطها ارتقاع أسافل النَّاس عن خيارهم، واستئثارهم بالأمور دونهم، فيكون أمر النَّاس بيد سفهائهم وأراذلهم ومَن لا خير فيهم، وهذا من انعكاس الحقائق، وتغيُّر الأحوال، وهذا أمرٌ مشاهَدٌ في هذا الزمن، فترى أن كثيرًا من رؤوس النَّاس وأهل العقد والحل هم أقلُّ النَّاس صلاحًا وعلمًا، مع أن الواجب أن يكون أهل الدين والتقى هم المقدَّمون على غيرهم في تولِّي أمور النَّاس؛ لأنّ أفضل النَّاس وأكرمهم هم أهل الدين والتقوى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
ولذلك لم يكن النّبيّ ﷺ يولي الولايات وأمور النَّاس إِلَّا مَنْ هم
стр. 171
أصلح النَّاس وأعلمهم، وكذلك خلفاؤه من بعده، والأمثلة على ذلك كثيرةٌ؛ منها ما رواه البخاريّ عن حُذيفة ﵁ أن النّبيّ ﷺ قال لأهل نجران: "لأبعَثَنَّ إليكم رجلًا أمينًا حَقَّ أمين"، فاستشرف لها أصحاب النّبيّ ﷺ ، فبعث أبا عبيدة" (١).
وهذه بعض الأحاديث الدالَّة على ارتفاع أسافل النَّاس، وأن ذلك من أمارات السّاعة:
فمنها ما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ قال رسول الله ﷺ : "إنها ستأتي على النَّاس سنون خدَّاعة؛ يُصَدَّق فيها الكاذب، ويُكَذَّب فيها الصادق، ويؤتَمَنُ فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّوَيْبِضَة". قيل: وما الرُّوَيْبِضَة (٢)؟ قال: "السفيه يتكلَّم في أمر العامَّة" (٣).
وفي حديث جبريل الطويل قوله: "ولكنْ سأحَدِّثُكَ عن أشراطها ...
стр. 172
وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس النَّاس؛ فذاك من أشراطها" (١).
وعن عمر بن الخطَّاب ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "مِن أشراط السّاعة: أن يغلب على الدنيا لُكع ابن لكع، فخيرُ النَّاس يومئذ مؤمن بين كريمين" (٢).
وفي "الصّحيح": "إذا أُسْنِد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر السّاعة" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "من أشراط السّاعة: ... أن يعلو التُّحوتُ الوعول"، أكذل لك يا عبد الله بن مسعود سمعتَه من حِبي؟ قال: نعم؛ ورب الكعبة. قلنا: وما التُّحوت؟ قال: فسول الرجال، وأهل البيوت الغامضة يُرْفَعون فوق صالحيهم. والوعول: أهل البيوت الصالحة (٤).
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 173
"لا تذهبُ الدُّنيا حتّى تفسير للكع (١) ابن لكع" (٢).
أي: حتّى يصير نعيمُها وملاذُها والوجاهة فيها له (٣).
وفي رواية للإِمام أحمد عن حُذيفة بن اليمان ﵁ أن النّبيّ
ﷺ قال: "لأ تقوم السّاعة حتّى يكون أسعدُ النَّاس بالدنيا لكع ابن لكع" (٤).
وفي "الصحيحين" عن حذيفة ﵁ فيما رواه عن النّبيّ ﷺ في قبض الأمانة: "حتّى يُقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما
стр. 174
في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان" (١).
وهذا هو الواقع بين المسلمين في هذا العصر؛ يقولون للرجل: ما أعقله! ما أحسن خلقه! ويصفونه بأبلغ الأوصاف الحسنة، وهو من أفسق النَّاس، وأقلِّهم دينًا وأمانة، وقد يكون عدوًّا للمسلمين، ويعمل على هدم الإسلام، فلا حول ولا قوة إِلَّا بالله العلّي العظيم.
٣٤ - أن تكون التحيَّة للمعرفة:
ومن أشراطها أن الرَّجل لا يلقي السّلام إِلَّا على مَنْ يعرفه، ففي الحديث عن ابن مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أشراط السّاعة أن يسلَّم الرَّجل على الرَّجل، لا يسلَّم عليه إِلَّا للمعرفة".
رواه أحمد (٢).
وفي رواية له: "إن بين يدي السّاعة تسليمَ الخاصة" (٣).
ولهذا أمرٌ مشاهَدٌ في هذا الزمن، فكثيرٌ من النَّاس لا يسلِّمون إِلَّا على مَنْ يعرِفون، وهذا خلف السنة؛ فإن النّبيّ ﷺ حثَّ على إفشاء
стр. 175
السّلام على مَنْ عرفتَ ومَن لم تعرف، وأن ذلك سبب في انتشار المحبَّة بين المسلمين الّتي هي سبب للإِيمان الّذي به يكون دخول الجنَّة؛ كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَدْخُلوا الجَنَّة حَتَّى تؤمِنُوا، ولا تُؤمنوا حتّى تحابُّوا، أولا أدلُّكُم على شيءٍ إذا فعلتموهُ تحاببتُم؟ أفشوا السّلام بينَكم".
رواه مسلم (١).
٣٥ - التماسُ العلم عند الأصاغر:
روى الإمام عبد الله بن المبارك بسنده عن أبي أُميَّة الجُمَحِي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال؛ "إن من أشراط السّاعة ثلاثًا: إحداهُنَّ: أن يُلْتَمَسَ العلم عند الأصاغر ... " (٢).
وسُئِل الإمام عبد الله بن المبارك عن الأصاغر؟ فقال: "الذين يقولون برأيهم، فأمّا صغيرٌ يروي عنه كبيرٌ، فليس بصغير".
وقال في ذلك أيضًا: "أتاهم العلم من قبل أصاغرهم؛ يعني: أهل
стр. 176
البدع" (١).
وعن ابن مسعود ﵁؛ قال: "لا يزالُ النَّاس بخيرٍ ما أتاهم العلم من أصحاب محمَّدٍ ﷺ و من أكابرهم، فإذا أتاهُم العلم من قِبَل أصاغرهم، وتفرَّقت أهواؤهُم؛ هلكوا" (٢).
٣٦ - ظُهور الكاسيات العاريات:
ومنها خروجُ النِّساء عن الآداب الشرعية، وذلك بلبس الثِّياب الّتي لا تستر عوراتهن، وإظهارهن لزينتهن وشعورهن وما يجب ستره من أبدانهن، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في آخر أمَّتي رجالٌ يركبون على سروج (٣) كأشباه الرحال (٤)؛ ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهُم كاسياتٌ
стр. 177
عاريات على رؤوسهم كأسنمة البخت العجاف (١)، العنوهُنَّ؛ فإنَّهُنَّ ملعونات، لو كانت وراءكم أمَّة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم" (٢).
رواه الإمام أحمد.
وفي رواية للحاكم (٣): "سيكون في آخر هذه الأمة رجالٌ يركبون على
стр. 178
المياثر (١)، حتّى يأتوا أبوإب مساجدهم، نساؤهم كاسياتٌ عارياتٌ".
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النّار لم أرهما: قومٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر؛ يضربون بها النَّاس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مميلاتٌ مائلاتٌ (٢) رؤوسهُنَّ كأسنمة البخت المائلة (٣)، لا يدخُلْنَ الجنَّة، ولا يَجِدْنَ ريحها، وإن ريحها ليوجد
стр. 179
من مسيرة كذا وكذا" (١).
وعن أبي هرءة ﵁؛ قال: "من أشراط السّاعة: ... أن تظهر ثيابٌ تلبسها نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ" (٢).
وهذه الأحاديث من معجزات النبوَّة، فقد وقع (٣) ما أخبر به النّبيّ ﷺ قبل عصرنا لهذا، وهو في زمننا لهذا أكثر ظهورًا.
وقد سمَّى النبيُّ ﷺ لهذا الصنف من النِّساء ب (الكاسيات العاريات)؛ لأنّهن يلبسين الثِّياب، ومع هذا فهُنَّ (عاريات)، لأنّ ثيابهُنَّ لا تؤدَّي وظيفة الستر؛ لرقَّتها وشفافيتها؛ كأكثر ملابس النِّساء في هذا العصر (٤).
وقيل: إن معنى (الكاسيات العاريات)، أي: كاسية جسدها، ولكنها تشدُّ خمارها، وتضيِّق ثيابها، حتّى تظهر تفاصيل جسمها، فتبرز صدرها وعجيزتها، أو تكشف بعض جسدها، فتعاقب على ذلك في الآخرة (٥).
وقد جمع النّبيّ ﷺ في وصف لهؤلاء النسوة بأنّهن: "كاسيات
стр. 180
عاريات " وأيضًا: "مائلات مميلات، رؤوسهنَّ كأسنمة البخت المائلة"، وهذا إخبار عن شيء مشاهد فأنّهذا العصرة كأنّه ﷺ ينظر إلى عصرنا لهذا، ويصفه لنا، فقد أصبح في عصرنا لهذا أماكن لتصفيف شعور النِّساء وتجميلها وتنويع أشكالها في محلَاّت تسمى (كوافير)، يشرف عليها غالبًا رجالٌ يتقاضَوْنَ أغلى الأجور، وليس ذلك فحسب، فكثيرٌ من النِّساء لا يكتفين بما وهبهن الله من شعر طبيعي، فيلجأن إلى شراء شعر صناعيٍّ، تصله المرأة بشعرها؛ ليبدو أكثر نعومة ولمعانًا وجمالًا؛ لتجذب إليها الرجال (١).
٣٧ - صدق رؤيا المؤمّن:
ومنها صدق رؤيا المؤمّن في آخر الزّمان، وكلما كان المرء صادقًا في إيمانه، كانت رؤياه صادقة، ففي "الصحيحين" (٢) عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اقتربَ الزَّمانُ؛ لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزءٌ من خمس وأربعين جزءًا من النبوة".
هذا لفظ مسلم.
ولفظ البخاريّ: "لم تأكد رؤيا المؤمّن تكذب ... وما كان من النبوَّة فإنّه لا يكذب".