البدع" (١).
وعن ابن مسعود ﵁؛ قال: "لا يزالُ النَّاس بخيرٍ ما أتاهم العلم من أصحاب محمَّدٍ ﷺ و من أكابرهم، فإذا أتاهُم العلم من قِبَل أصاغرهم، وتفرَّقت أهواؤهُم؛ هلكوا" (٢).
٣٦ - ظُهور الكاسيات العاريات:
ومنها خروجُ النِّساء عن الآداب الشرعية، وذلك بلبس الثِّياب الّتي لا تستر عوراتهن، وإظهارهن لزينتهن وشعورهن وما يجب ستره من أبدانهن، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في آخر أمَّتي رجالٌ يركبون على سروج (٣) كأشباه الرحال (٤)؛ ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهُم كاسياتٌ
стр. 177
عاريات على رؤوسهم كأسنمة البخت العجاف (١)، العنوهُنَّ؛ فإنَّهُنَّ ملعونات، لو كانت وراءكم أمَّة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم" (٢).
رواه الإمام أحمد.
وفي رواية للحاكم (٣): "سيكون في آخر هذه الأمة رجالٌ يركبون على
стр. 178
المياثر (١)، حتّى يأتوا أبوإب مساجدهم، نساؤهم كاسياتٌ عارياتٌ".
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النّار لم أرهما: قومٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر؛ يضربون بها النَّاس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مميلاتٌ مائلاتٌ (٢) رؤوسهُنَّ كأسنمة البخت المائلة (٣)، لا يدخُلْنَ الجنَّة، ولا يَجِدْنَ ريحها، وإن ريحها ليوجد
стр. 179
من مسيرة كذا وكذا" (١).
وعن أبي هرءة ﵁؛ قال: "من أشراط السّاعة: ... أن تظهر ثيابٌ تلبسها نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ" (٢).
وهذه الأحاديث من معجزات النبوَّة، فقد وقع (٣) ما أخبر به النّبيّ ﷺ قبل عصرنا لهذا، وهو في زمننا لهذا أكثر ظهورًا.
وقد سمَّى النبيُّ ﷺ لهذا الصنف من النِّساء ب (الكاسيات العاريات)؛ لأنّهن يلبسين الثِّياب، ومع هذا فهُنَّ (عاريات)، لأنّ ثيابهُنَّ لا تؤدَّي وظيفة الستر؛ لرقَّتها وشفافيتها؛ كأكثر ملابس النِّساء في هذا العصر (٤).
وقيل: إن معنى (الكاسيات العاريات)، أي: كاسية جسدها، ولكنها تشدُّ خمارها، وتضيِّق ثيابها، حتّى تظهر تفاصيل جسمها، فتبرز صدرها وعجيزتها، أو تكشف بعض جسدها، فتعاقب على ذلك في الآخرة (٥).
وقد جمع النّبيّ ﷺ في وصف لهؤلاء النسوة بأنّهن: "كاسيات
стр. 180
عاريات " وأيضًا: "مائلات مميلات، رؤوسهنَّ كأسنمة البخت المائلة"، وهذا إخبار عن شيء مشاهد فأنّهذا العصرة كأنّه ﷺ ينظر إلى عصرنا لهذا، ويصفه لنا، فقد أصبح في عصرنا لهذا أماكن لتصفيف شعور النِّساء وتجميلها وتنويع أشكالها في محلَاّت تسمى (كوافير)، يشرف عليها غالبًا رجالٌ يتقاضَوْنَ أغلى الأجور، وليس ذلك فحسب، فكثيرٌ من النِّساء لا يكتفين بما وهبهن الله من شعر طبيعي، فيلجأن إلى شراء شعر صناعيٍّ، تصله المرأة بشعرها؛ ليبدو أكثر نعومة ولمعانًا وجمالًا؛ لتجذب إليها الرجال (١).
٣٧ - صدق رؤيا المؤمّن:
ومنها صدق رؤيا المؤمّن في آخر الزّمان، وكلما كان المرء صادقًا في إيمانه، كانت رؤياه صادقة، ففي "الصحيحين" (٢) عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اقتربَ الزَّمانُ؛ لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزءٌ من خمس وأربعين جزءًا من النبوة".
هذا لفظ مسلم.
ولفظ البخاريّ: "لم تأكد رؤيا المؤمّن تكذب ... وما كان من النبوَّة فإنّه لا يكذب".
стр. 181
قال ابن أبي جمرة: "معنى كون رؤيا المؤمّن في آخر الزّمان لا تكاد تكذب: أنّها تقع غالبًا على الوجه الّذي لا يحتاج إلى تعبير، فلا يدخلها الكذب؛ بخلاف ما قبل؛ فإنها قد يخفى تأويلها، فيعبرها العابر، فلا تقع كما قال، فيصدق دخول الكذب فيها بهذا الاعتبار".
قال: "والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزّمان أن المؤمّن في ذلك الوقت يكون غريبًا؛ كما في الحديث: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا" (١)، أخرجه مسلم، فيقل أنيس المؤمّن ومعينُه في ذلك الوقت، فيُكْرَمُ بالرؤيا الصالحة" (٢).
وقد اختلف العلماء في تحديد الزمن الّذي يقع فيه صدق رؤيا المؤمّن على أقوال (٣):
الأوّل: أن ذلك يقع إذا اقتربت السّاعة، وقُبِض أكثر العلم، ودرست معالم الشّريعة؛ بسبب الفتن وكثرة القتال، وأصبح النَّاس على مثل الفترة، فهم محتاجون إلى مجدِّد ومذكِّر لما دَرَس من الدين، كما كانت الأمم تذكِّر بالأنبجاء، لكن لما كان نبينا ﷺ آخر الأنبجاء، وتعذَّرت النبوة في هذه الأمة؛ فإنهم يعوَّضون بالمرائي الصادقة، الّتي هي جزءٌ من النبوة الآتية بالتبشير والإِنذار، ويؤيِّد لهذا القول حديث أبي هريرة: "يتقارب الزّمان، ويُقْبَض
стр. 182
العلم" (١).
ورجَّح ابن حجر هذا القول.
الثّاني: أن ذلك يقع عند قلَّة عدد المؤمنين، وغَلَبة الكفر والجهل والفسق على الموجودين، فيؤنَس المؤمّن، ويُعان بالرؤيا الصادقة؛ إكرامًا له وتسلية.
وهذا القول قريبٌ من قول ابن أبي جمرة السابق، وعلى هذين القودين لا يختصُّ صدق رؤيا المؤمّن بزمان معيَّن، بل كدما قرب فراغ الدنيا، وأخذ أمر الدين في الاضمحلال؛ تكون رؤيا المؤمّن الصادق صادقة.
الثّالث: أن ذلك خاصٌّ بزمان عيسى بن مريم ﵇، لأنّ أهل زمنه أحسن لهذه الأمة حالًا بعد الصدر الأوّل، وأصدقهم أقوالًا، فكانت رؤياهم لا تُكَذَّب. والله أعلم.
٣٨ - كثرة الكتابة وانتشارها:
جاء في حديث ابن مسعودرضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "إن بين يدي السّاعة ... ظهور القلم" (٢).
والمراد بظهور القلم - والله أعلم - ظهور الكتابة (٣) وانتشارها.
стр. 183
ووقع في رواية الطيالسي والنسائي عن عمرو بن تغلب؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن من أشراط السّاعة ... أن يكثر التجار، ويظهر العلم" (١).
ومعناه - والله أعلم - ظهور وسائل العلم، وهي كتبه.
وقد ظهرت في هذا الزمن ظهورًا باهرًا، وانتشرت في جميع أرجاء الأرض، بسبب توفر آلات الطابعة والتصوير الّتي سهَّلت انتشارها، ومع هذا؛ فقد ظهر الجهلُ في النَّاس، وقلَّ فيهم العلم النافع، وهو علم الكتاب والسُّنَّة، والعمل بهما، ولم تُغْنِ عنهم كثرة الكتب شيئًا (٢).
٣٩ - التهاون بالسنن الّتي رغَّب فيها الإسلام:
ومنها التهاون بشعائر الله تعالى؛ كما جاء في الحديث عن ابن مسعود ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ وهو يقول: "إن من أشراط السّاعة أن يمرَّ الرَّجل بالمسجد، لا يصلّي فيه ركعتين" (٣).
стр. 184
وفي رواية: "أن يجتاز الرَّجل بالمسجد، فلا يصلّي فيه" (١).
وعن ابن مسعود أيضًا، قال: "إن من أشراط السّاعة أن تُتَّخَذَ المساجد طرقًا" (٢).
وعن أنس ﵁ يرفعه إلى النّبيّ ﷺ ؛ قال: "إن من أمارات السّاعة أن تُتَّخَذَ المساجد طرقًا" (٢).
وهذا أمرٌ لا يجوز؛ فإن تعظيم المساجد من تعظيم شعائر الله (٣) تعالى، وإن ذلك علامة الإِيمان والتقوى؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحجِّ: ٣٢].
وقال ﷺ : "إذا دخل أحدُكم المسجد؛ فلا يجلس حتّى يركع ركعتين" (٤).
стр. 185
ومن أعظم البلايا أن صارت المساجد أماكن للسياحة والفرجة للكفار بعدما كانت محلًّا للذكر والعبادة، وقد حدث لهذا في هذا العصر؛ كما في بعض البلاد الإِسلامية، والبلاد الّتي تحت أيدي الكفار، فلا حول ولا قوة إِلَّا بالله العلّي العظيم.
٤٠ - انتفاخُ الأهلَّة:
عن عبد الله بن مسعودرضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتراب السّاعة انتفاخُ الأهلَّة" (١).
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتراب السّاعة انتفاخ الأهلَّة، وأن يُرى الهلال (٢) لليلةٍ، فيقال:
стр. 186
لليلتين" (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ يرفعه إلى النّبيّ ﷺ ؛ قال: "إن من أمارات السّاعة أن يُرى الهلال لليلة، فيقال: لليلتين" (٢).
فقد جاء في هاتين الروايتين تفسيرُ انتفاخ الأهلَّة بأن ذلك عبارةٌ عن كبر الهلال حين طلوعه عما هو معتادٌ في أول الشهر، فيرى وهو ابن ليلة؛ كأنّه ابن ليلتين. والله أعلم.
٤١ - كثرة الكذب وعلإم التثبُّت في نقل الأخبار:
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "سيكون في آخر أمَّتي أناس يحدِّثونَكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكُم، فإياكم وإياهم" (٣).
وفي رواية: "يكون في آخر الزّمان دجَّالون كذَّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكُم، فإياكم وإياهم، لا يضلُّونكم ولا
стр. 187
يفتنونكم" (١).
وروى مسلمٌ عن عامر بن عبدة؛ قال: قال عبد الله (٢): "إن الشيطان ليتمثَّلُ في سورة الرَّجل، فيأتي القوم، فيحدِّثُهم بالحديث من الكذب، فيتفرَّقون، فقول الرَّجل منهم: سمعتُ رجلًا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدِّثُ" (٣).
وعند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: "إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان، يوشك أن تخرُجَ، فتقرأ على النَّاس قرآنًا" (٤).
قال النووي: "معناه: تقرأ شيئًا ليس بقرآن، وتقول إنّه قران؛ لتغرَّ به عوامَّ النَّاس، فلا يغترُّون" (٥).
وما أكثر الأحاديث الغريبة في هذا الزّمان، فقد أصبح بعض النَّاس لا يتورع عن كثرة الكذب ونقل الأقوال بدون تثبُّت من صحَّتها، وفي هذا إضلالٌ للناس، وفتنةٌ لهُم، ولهذا حذَّر النّبيّ ﷺ من تصديقهم، وقد جعل
стр. 188
علماء الحديث هذه الأحاديث أصلًا في وجوب التثبُّت من نقل الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، وتصحيص الرواة؛ لمعرفة الثقة من غيره.
وبسبب كثرة كذب النَّاس في هذا الزّمان؛ صار الإِنسان لا يميِّز بين الأخبار، فلا يعرف صحيحها من سقيمها.
٤٢ - كثرة شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق:
جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قوله ﷺ : "إن بين يدي السّاعة: ... شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق" (١).
وشهادة الزُّور هي الكذب متعمِّدًا في الشَّهادة، فكما أن شهادة الزُّور سببٌ لإِبطال الحق، فكالك كتمان الشّهادة سببٌ لإِبطال الحق.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وعن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فقالِ: "ألَّا أنبِّئُكُم بأكبر الكبائر (ثلاثًا)؟ الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور - أو قول الزور -، وكان متكئًا فجلس، فما زال يكرِّرها حتّى قلنا: ليته سكت" (٢).
стр. 189
وما أكثر شهادة الزور وكتمان شهادة الحق في هذا الزمن!
ولعظم خطرها قرنها النّبيّ ﷺ بالشرك وعقوق الوالدين؛ فإن شهادة الزُور سبب للظُّلم والجور وضياع حقوق النَّاس في الأموال والأعراض، وظهورها دليلٌ على ضعف الإِيمان، وعدم الخوف من الرّحمن.
٤٣ - كثرةُ النِّساء وقلَّة الرجال:
عن أنس ﵁ قال: لأحدِّثَنَّكُمْ حديثًا لا يحدِّثُكُمْ أحدٌ بعدي، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مِن أشراط السّاعة أن يقلَّ العلم، ويظهر الجهلى، ويظهر الزِّنا، وتَكْثُرَ النِّساءُ، ويقلَّ الرجال، حتّى يكون لخمسين امرأة القيِّمُ الواحدُ" (١).
قيل: إن سبب ذلك كثرةُ الفتن، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنّهم أهل الحرب دون النِّساء (٢).
وقيل: إن سبب ذلك كثرة الفتوح، فتكثر السبايا، فيتخذ الرَّجل عدة موطوءات.
قال الحافظ ابن حجر: "فيه نظرٌ؛ لأنّه صرَّح بالقلَّة في حديث أبي
стр. 190
موسى ... فقال: "من قلَّة الرجال وكثرة النِّساء" (١)، والظاهر أنّها علامةٌ محضةٌ لا لسبب آخر، بل يقدَّر الله في آخر الزّمان أن يقلَّ مَنْ يولَدُ مِن الذُّكور، ويَكْثُرَ مَنْ يولد من الإِناث، وكون كثرة النِّساء من العلّامات مناسبة لظهور الجهل ورفع العلم" (٢).
قلت: ولا يمنعُ أن يكون ذلك بما ذكره الحافظ ابن حجر، وبغيره من الأسباب الّتي ينشأ عنها قلَّة الرجال وكثرة النِّساء؛ كوقوع الفتن الّتي تكون سببًا في القتال، فقد جاء في رواية الإمام مسلم ما يدلُّ على أن كثرة النِّساء وقلَّة الرجال يكون بسبب ذهاب الرجال وبقاء النِّساء، والذي يُذْهِب الرجال غالبًا يكون كثرة القتال، ولفظ مسلم هو قوله ﷺ : "ويذهب الرجال، وتبقى النِّساء، حتّى يكون لخمسين امرأة قيِّمٌ واحدٌ" (٣).
وليس المراد هنا حقيقة العدد (خمسين)، فقد جاء في حديث أبي موسى ﵁: "ويُرى الرَّجل يتبعه أربعون امرأة يَلُذْن به" (٤)، فيكون ذلك مجازًا عن الكثرة (٥)، والله أعلم.
٤٤ - كثرة موت الفجأة:
стр. 191
عن أنس بن مالك ﵁ يرفعه إلى النّبيّ ﷺ ؛ قال: "إن من أمارات السّاعة ... أن يظهر موتُ الفجأة" (١).
وهذا أمرٌ مشاهَدٌ في هذا الزمن، حيت أكثر في النَّاس موتُ الفجأة، فترى الرَّجل صحيحًا معانى، ثمّ يموت فجأة، وهذا ما يسميه النَّاس في الوقت الحاضرب (السكتة القلبيَّة)، فعلى العاقل أن يتنبَّهَ لنفسه، ويرجِعَ ويتوبَ إلى الله تعالى قبل مفاجأة الموت.
وكان الإمام البخاريّ ﵀ يقول:
"اغْتَنِمْ فِي الفَرَاغِ فَضْلَ رُكُوعٍ ... فَعَسى أن يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَهْ
كَمْ صَحِيحٍ رَأَيْتُ مِنْ غَيْر سُقْمٍ ... ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتَهْ"
قال ابن حجر: "وكان من العجائب أنّه هو وقع له - أي: البخاريّ - ذلك أو قريبًا منه" (٢).
стр. 192
٤٥ - وقوع التناكر بين النَّاس:
عن حُذيفة ﵁، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن السّاعة؟ فقال: "علمها عند ربي، لا يجلِّيها لوقتِها إِلًّا هُو، ولكن أخبرُكُم بمشاريطها، وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهَرْجًا". قالوا: يا رسول الله! الفتنةُ قد عرفناها، فالهرج ما هو؟ قال: "بلسان الحبشة: القتل. ويُلْقَى بين النَّاس التَّناكر، فلا يكاد أحدٌ أن يعرف أحدًا" (١).
فوقوع التناكر عند كثرة الفتن والمحن وكثرة القتال بين النَّاس، وحينما تستولي المادة على النَّاس، ويعمل كلّ منهم لحظوظ نفسه؛ غير مكترث بمصالح الآخرين، ولا بحقوقهم، فتنتشر الأنانية البغيضة، ويحيى الإِنسان في نطاق أهوائه وشهواته، فلا تكون هناك قيمٌ أخلاقيَّة يعرِف بعض النَّاس بها بعضًا، ولا يكون هناك من الأخوَّة الإِيمانية ما يجعلهم يلتقون على الحبِّ في الله، والتعاون على البرّ والتقوى.
روى الطبراني عن محمّد بن سوقة؛ قال: "أتيتُ نُعيم بن أبي هند، فأخرج إليَّ صحيفة، فإذا فيها: من أبي عُبيدة بن الجرّاح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطّاب: سلام عليك ... (فذكر الكتاب، وفيه:) وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة في آخر زمأنّها سيرجِعُ إلى أن يكونوا إخوان العلّانيّة أعداء السرية ... (ثمّ ذكر جواب عمر ﵁ لهما، وفيه:) وكتبتما تحذِّراني أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا
стр. 193
إخوان العلانيّة، أعداء السَّريرة، ولستم بأولئك، وليس هذا بزمان ذلك، وذلك زمانٌ تظهَرُ فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة بعض النَّاس إلى بعض لصلاح دنياهم" (١).
٤٦ - عود أرض العرب مروجًا وأنّهارًا:
ومنها أن تعود أرض العرب مروجًا وأنّهارًا، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم السّاعة حتّى تعود أرض العرب مروجًا (٢) وأنّهارًا" (٣).
وفي هذا الحديث دِلالة على أن أرض العرب كانت مروجًا وأنّهارًا، وأنّها ستعود كما كانت مروجًا وأنّهارًا.
стр. 194
قال النووي في معنى عود أرض العرب مروجًا وأنّهارًا: "معناه - والله أعلم - أنّهم يتركونها ويُعْرِضون عنها، فتبقى مهملة، لا تُزْرَعُ، ولا تُسْقى من مياهها، وذلك لقلَّة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب السّاعة، وقلَّة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به" (١).
والذي يظهر لي أن ما ذهب إليه النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث فيه نظر؛ فإن أرض العرب أرضٌ قاحلةٌ شحيحة المياه، قليلة النبات،. غالب مياهها من الآبار والأمطار، فإذا تُرِكَت واشتغل عنها أهلها؛ مات زرعها، ولم تَعُد مروجًا وأنّهارًا".
وظاهر الحديث يدلُّ على أن بلاد العرب ستكثر فيها المياه، حتّى تكون أنّهارًا، فتنبت بها النباتات، فتكون مروجًا وحدائق وغابات.
والذي يؤيِّد لهذا أنّه ظهر في لهذا العصر عيونٌ كثيرةٌ تفجَّرت كالأنّهار، وقامت عليها زراعاتٌ كثيرةٌ، وسيكون ما أخبر به الصادق ﷺ فقد روى معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في غزوة تبوك: "إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتّى يُضْحي النهار، فمَن جاءها منكم؛ فلا يمسَّ من مائها شيئًا حتّى آتي". فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك (٢) تبضُّ (٣) بشيء من ماء؛ قال: فسألهما رسول
стр. 195
الله ﷺ : "هل مسستما من مائها شيئًا؟ ". قالا: نعم. فسبَّهما رسول الله ﷺ ، وقال لهما ما شاء الله أن يقول. قال: ثمّ غَرَفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا، حتّى اجتمع في شيءٍ. قال: ثمّ غسل رسول الله ﷺ فيه يديه ووجهه، ثمّ أعاده فيها، فجرت العين بماء منهمر، أو قال غزير ... حتّى استقى النَّاس، ثمّ قال رسول الله ﷺ : "يوشِكُ يا معاذ إن طالت بك حياةٌ أن ترى ما هاهُنا قد مُلِئ جِنانًا" (١).
٤٧ - كثرة المطر وقلَّة النبات:
عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم السّاعة حتّى تُمْطِرَ السَّماء مطرًا لا تُكِنُّ منها بيوت المدر (٢) ولا تُكِنُّ منها إِلَّا بيوت الشعر" (٣).
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم السّاعة حتّى يُمْطَرَ النَّاس مطرًا عامًّا، ولا تُنْبِتُ الأرض شيئًا" (٤).
стр. 196
فإذا كان المطر سببًا في إنبات الأرض؛ فإن لله تعالى أن يوجِدَ ما يمنَعُ لهذا السبب من ترتُّب المسبَّب عليه، والله تعالى خالق الأسباب ومسبَّباتها، لا يعجزه شيء.
وفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ليست السَّنةُ بأن لا تُمْطَروا، ولكنَّ السَّنةَ أن تُمْطَروا وتُمْطَروا ولا تُنْبتُ الأرض شيئًا" (١).
٤٨ - حسر الفرات (٢) عن جبلٍ من ذهبٍ:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقومُ السّاعة حتّى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل النَّاس عليه، فيقتل من كلّ مئة تسعة وتسعون، ويقول كلّ رجلٍ منهم: لعلّي أكون أنا الّذي أنجو" (٣).
стр. 197
وليس المقصود بهذا الجبل من ذهب (النفط/ البترول الأسود)؛ كما يرى ذلك أبو عبية في تعليقه على "النهاية/ الفتن والملاحم" لابن كثير (١)، وذلك من وجوه:
١ - أن النص جاء فيه: "جبل من ذهب"، والبترول ليس بذهب على الحقيقة؛ فإن الذهب هو المعدن المعروف.
٢ - أن النّبيّ ﷺ أخبر أن ماء النهر ينحسر عن جبل من ذهب، فيراه النَّاس، والنفط أو (البترول) يستخرج من باطن الأرض بالآلات من مسافات بعيدة.
٣ - أن النّبيّ ﷺ خصَّ الفرات بهذا دون غيره من البحار والأنّهار، والنفط نراه يُستخرج من البحار كما يستخرج من الأرض، وفي أماكن كثيرة متعدِّدة.
٤ - أن النّبيّ ﷺ أخبر أن النَّاس سيقتتلون عند هذا الكنز، ولم يحصل أنّهم اقتتلوا عند خروج النفط من الفرات أو غيره، بل إن النّبيّ ﷺ نهى مَنْ حضر لهذا الكنز أن يأخذ منه شيئًا؛ كما في الرِّواية الأخرى عن أُبي بن كعب ﵁؛ قال: لا يزال النَّاس مختلفةٌ أعناقُهُم في طلب الدنيا ... إنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يوشِك الفراتُ أن يُحْسَرَ عَن جبلٍ مِن ذهبٍ، فمَن حَضَرَهُ؛ فلا يأخُذْ منهُ شيئًا" (٢)، ومَن حمله على
стр. 198
النفط؛ فإنّه يلزمه على قوله هذا النّهي عن الأخذ من النفط، ولم يقل به أحدٌ (١).
وقد رجَّح الحافظ ابن حجر أن سبب المنع من الأخذ من هذا الذهب لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه (٢).
٤٩ - كلام السِّباع والجمادات للإِنس:
ومن أشراط السّاعة كلام السِّباع للإِنس، وكلام الجمادات للإِنسان، وإخبارها بما حدث في غيابه، وتكلُّم بعض أجزاء الإِنسان؛ كالفخذ يخبر الرَّجل بما أحدث أهله بعده.
فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: جاء ذئبٌ إلى راعي الغنم، فأخذ منها شاةً، فطلبه الراعي حتّى انتزعها منه. قال: فصعد الذئبُ على تلٍّ، فأقعى (٣) واستذفر (٤)، فقال: عمدتَ إلى رزق رزقنيهِ الله انتزعته مني. فقال الرَّجل: تالله إن رأيتُ كاليوم ذئبًا يتكلَّم! قال الذئب: أعجبُ من هذا رجلٌ في النَّخلات بين الحَرَّتين
стр. 199
يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم - وكان الرَّجل يهوديًّا -، فجاء الرَّجل إلى النّبيّ ﷺ ، وأخبره، فصدَّقه النّبيّ ﷺ ، ثمّ قال النّبيّ ﷺ : "إنها أمارةٌ من أمارات بين يدي السّاعة، قد أوشك الرَّجل أن يخرج فلا يرجع حتّى تُحَدِّثَه نعلاه وسوطُه ما أحدث أهله بعدَه". رواه الإِمام أحمد (١).
وفي رواية له عن أبي سعيد الخدري (فذكر القصة إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ ): "صدق والذي نفسي بيده، لا تقوم السّاعة حتّى يكلِّمَ السباعُ الإِنس، ويكلِّمُ إلرجُلَ عَذَبَةُ سوطه، وشِراكُ نعله، ويخبره فخِذُهُ بما أحدث أهلُه بعده" (٢).
٥٠ - تمنِّي الموتِ من شدَّة البلاء:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يمرَّ الرَّجل بقبر الرَّجل، فيقول: يا ليتني مكانه" (٣).
стр. 200
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده؛ لا تذهبُ الدنيا حتّى يمرَّ الرَّجل على القبر، فيتمرَّغَ عليه، ويقولَ: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدَّين، إِلَّا البلاء" (١).
وتمنَي الموت يكون عند كثرة الفتن، وتغيُّر الأحوال، وتبديل رسوم الشّريعة، وهذا إن لم يكن وقع؛ فهو واقعٌ لا محالة.
قال ابن مسعود ﵁: "سيأتي عليكم زمانٌ لو وَجَدَ أحدُكُم الموت يُباع لاشتراه، وكما قيل:
وهذا العَيْشُ مَا لَا خَيْرَ فيهِ ... أَلا مَوْتٌ يُباعُ فأَشْتَريهِ" (٢)
قال الحافظ العراقي (٣): "ولا يلزم كونه في كلّ بلد، ولا كلّ زمن، ولا في جميع النَّاس، بل يصدق اتِّفاقه للبعض في بعض الأقطار في بعض الأزمان، وفي تعليق تمنِّيه بالمرور إشعار بشدَّة ما نزل بالناس من فساد الحال حالتئذ، إذ المرء قد يتمنَّى الموت من غير استحضار لهيئته، فإذا
стр. 201
شاهد الموتى، ورأى القبور؛ نشز بطبعه، ونفر بسجيَّتِهِ من تمنِّيه، فلقوّة الشدة لم يصرفه عنه ما شاهده من وحشة القبور، ولا يناقض هذا النّهي عن تمني الموت؛ لأنّ مقتضى هذا الحديث الإِخبار عما يكون، وليس فيه تعرُّض لحكم شرعيٍّ" (١).
وأخبر النّبيّ ﷺ أنّه سيأتي على النَّاس شدَّةٌ وعناءٌ، حتّى يتمَنَّوْنَ الدَّجَّال، ففي الحديث عن حُذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على النَّاس زمانٌ يتمَنوْنَ فيه الدَّجَّال". قلت: يا رسول الله! بأبي وأُمي مم ذاك؟ قال: "ممَّا يلقون من العناء والعناء" (٢).
٥١ - كثرة الروم (٣) وقتالهم للمسلمين:
قال المستورد القرشي عند عمرو بن بن العاص ﵄: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "تقوم السّاعة والروم أكثر النَّاس". فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ (٤).
وجاء في حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ ث قال: قال رسول الله ﷺ : "اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة ... (فذكر منها:) ثمّ هدنة
стр. 202
تكون بينكم وبين بني الأصفر (١)، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية (٢)، تحت كلّ غاية اثنا عشر ألفًا" (٣).
وعن جابر بن سمرة عن نافع بن عُتبة؛ قال: كنا مع رسوك الله ﷺ ... فحفظتُ منه أربع كلمات أعدُّهن في يدي؛ قال: "تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثمّ فارس فيفتحها الله، ثمّ تغزون الروم فيفتحها الله، ثمّ تغزون الدَّجَّال فيفتحه الله".
قال: فقال نافع: "يا جابر! لا نرى الدَّجَّال يخرج حتّى تفتح الروم" (٤).
وقد جاء وصفٌ للقتال الّذي يقع بين المسلمين والروم، ففي الحديث عن يسير بن جابرة قال: هاجت ريحّ حمراء بالكوفة، فجاء رجلٌ ليس له هجيري (٥) إِلَّا: يا عبد الله بن مسعود! جاءت السّاعة. قال: فقعد - وكان متَّكئًا -، فقال: إن السّاعة لا تقوم حتّى لا يُقْسَم ميراث، ولا يُفْرَحَ
стр. 203
بغنيمة. ثمّ قال بيده لهكذا، ونحاها نحو الشّام، فقال: عدوٌّ يجمعون لأهل الإِسلام، ويجمع لهم أهل الإِسلام. قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردَّة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة (١) للموت لا ترجع إِلَّا غالبة، فيقتتلون حتّى يحجز بينهم اللّيل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كلّ غير غالب، وتفنى الشرطة، ثمّ يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إِلَّا غالبة، فيقتتلون، حتّى يحجز بينهم اللّيل، فيفيء هؤلاء ولهؤلاء كلّ غير غالب، ثمّ تفنى الشرطة، ثمّ يشترط المسلمون شرطة للموت لاترجع إِلَّا غالبة، فيقتتلون حتّى يمسوا، فيفيء لهؤلاء وهؤلاء كلٌّ غير غالب، وتفنى الشرطة، فإذا كان يوم الرّابع؛ نَهَدَ (٢) إليهم بقيَّة أهل الإِسلام، فيجعل الله الدبرة (٣) عليهم، فيقتتلون مقتلة؛ إمّا قال: لا يُرى مثلها، وإما قال: لم يُر مثلها، حتّى إن الطائر ليس بجنباتهم، فما يخلفهم حتّى يخر ميتًا، فيتعادُّ بنو الأب كانوا مئة، فلا يجدونه بقي منهم إِلَّا الرَّجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح، أو أي ميراث يقاسم؟ فبينما هم كذلك؛ إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ: إن الدَّجَّال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم، ويُقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة.
стр. 204
قال رسول الله ﷺ : "إنِّي لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ" (١).
وهذا القتال يقع في الشّام في آخر الزّمان، قبل ظهور الدجال، كما دلَّت على ذلك الأحاديث، ويكون انتصار المسلمين على الروم تهيئة لفتح القسطنطينية، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم السّاعة حتّى ينزل الروم بالأعماق (٢) أو بدابق (٣)، فيخرج إليهم جيشٌ من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافُّوا؛ قالت الروم: خلوا بيننا وبين الّذي سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله لا نخلِّي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويُقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، وبفتح الثلث لا يفتنون أبدًا، فيفتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشّام؛ خرج، فبينما هم يعدون
стр. 205
للقتال، يسوُّون الصفوف، إذ أُقيمت الصّلاة، فينزل عيسى بن مريم ﷺ (١).
وعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن فسطاط (٢) المسلمين يوم الملحمة في أرضٍ بالغوطة (٣)، في مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشّام" (٤).
قال ابن المنير (٥): "أمّا قصة الروم؛ فلم تجتمع إلى الآن، ولا بلغنا أنّهم غزوا في البرّ في لهذا العدد، فهي من الأمور الّتي لم تقع بعد، وفيه بشارة ونذارة، وذلك أنّه دلَّ على أن العاقبة للمؤمنين، مع كثرة ذلك
стр. 206
الجيش، وفيه بشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه" (١).
٥٢ - فتح القسطنطينية (٢):
ومنها فتح مدينة القسطنطينية - قبل خروج الدجَّال - على يدي المسلمين، والذي تدلُّ عليه الأحاديث أن لهذا الفتح يكون بعد قتال الروم في الملحمة الكبرى، وانتصار المسلمين عليهم، فعندئذ يتوجَّهون إلى مدينة القسطنطينية، فيفتحها الله للمسلمين بدون قتال، وسلاحهم التكبير والتهليل.
ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النّبيّ ﷺ قال: "سمعتُم بمدينة جانبٌ منها في البرّ وجانبٌ منها في البحر؟ ". قالوا: نعم يا رسول الله. قال:. "لا تقوم السّاعة حتّى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم؛ قالوا: لا إله إِلَّا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها- قال ثور (٣) (أحد رواة
стр. 207
الحديث): لا أعلمه إِلَّا قال:- الّذي في البحر، ثمّ يقولوا الثّانية: لا إله إِلَّا الله والله أكبر؛ فيسقط جانبها الآخر، ثمّ يقولوا: لا إله إِلَّا الله والله أكبرة فيفرج لهم، فيدخلوها، فيغنموا، فبينما هم يقتسمون الغنائم، إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدَّجَّال قد خرج، فيتركون كلّ شيء ويرجعون" (١).
وقد أشكل قوله في هذا الحديث: "يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق"، والروم من بني إسحاق؛ لأنّهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵉ (٢)، فكيف يكون فتح القسطنطينية على أيديهم؟!
قال القاضي عياض: "كذا هو في جميع أصول"صحيح مسلم": من بني إسحاق".
ثمّ قال: "قال بعضهم: المعروف المحفوظ: "من بني إسماعيل"، وهو الّذي يدلُّ عليه الحديث وسياقه؛ لأنّه إنّما أراد العرب" (٣).
وذهب الحافظ ابن كثير إلى أن هذا الحديث "يدلُّ على أن الروم يسلِمون في آخر الزّمان، ولعلَّ فتح القسطنطينية يكون على أيدي طائفة منهم؛ كما نطق به الحديث المتقدَّم؛ أنّه يغزوها سبعون ألفًا من بني
стр. 208
إسحاق".
واستشهد على ذلك بأنّهم مدحوا في حديث المستورد القرشي، فقد قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "تقوم السّاعة والروم أكثر النَّاس". فقال له عمرو بن العاص: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعتُ من رسول الله ﷺ . قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربع: إنهم لأحلم النَّاس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأَوشَكَهُم كرَّة بعد فرَّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك (١).
قلتُ: ويدلُّ أيضًا على أن الروم يسلمون في آخر الزّمان حديث أبي هريرة السابق في قتال الروم، وفيه أن الروم يقولون للمسلمين: "خلُّوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلِّي بينكم وبين إخواننا" (٢)، فالروم يطلبون من المسلمين أن يتركوهم يقاتلون من سُبي منهم؛ لأنّهم أسلموا، فيرفض المسلمون ذلك، ويبيِّنون للروم أن من أسلم منهم فهو من إخواننا، لا نسلمه لأحد، وكون غالب جيش المسلمين ممَّن سبي من الكفار ليس بمستغرب.
قال النووي: "وهذا موجودٌ في زماننا، بل معظم عساكر الإِسلام في بلاِد الشّام ومصر سُبوا ثمّ هم اليوم بحمد الله يَسبُون الكفار، وقد سَبَوهم في زماننا مرارًا كثيرة، يسبون في المرة الواحدة من الكفار ألوفًا، ولله الحمد
стр. 209
على إظهار الإِسلام وإعزازه" (١).
ويؤِّيد كون هذا الجيش الّذي يفتح القسطنطينية من بني إسحاق أن جيش الروم يبلغ عددهم قريبًا من ألف ألف، فيقتل بعضهم، ويسلم بعضهم، ويكون مَنْ أسلم مع جيش المسلمين الّذي يفتح القسطنطينية، والله أعلم.
وفتح القسطنطينية بدون قتال لم يقع إلى الآن، وقد روى التّرمذيّ عن أنس بن مالك أنّه قال: "فتح القسطنطينية مع قيام السّاعة".
ثمّ قال التّرمذيّ: "قال محمود - أي: ابن غيلان شيخ التّرمذيّ -: لهذا حديثٌ غريبٌ، والقسطنطينية هي مدينة الروم، تُفتَح عند خروج الدَّجَّال، والقسطنطينية قد فُتِحت في زمان بعض أصحاب النّبيّ ﷺ " (٢).
والصّحيح أن القسطنطينية لم تفْتَح في عصر الصّحابة؛ فإن معاوية ﵁ بعث إليها ابنه يزيد في جيش فيهم أبو أيوب الأنصاري، ولم يتمَّ لهم فتحُها، ثمّ حاصرها مسلمةُ بن عبد الملك، ولم تُفْتَح أيضًا، ولكنَّه صالح أهلها على بناء مسجد بها (٣).
وفتح الترك أيضًا للقسطنطينية كان بقتال، ثمّ هي الآن تحت أيدي الكفار، وستفتح فتحًا أخيرًا كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ .
قال أحمد شاكر: "فتح القسطنطينية المبشَّر به في الحديث سيكون
стр. 210
في مستقبل قريبٍ أو بعيدٍ يعلمه الله ، وهو الفتح الصّحيح لها حين يعود المسلمون إلى دينهم الّذي أعرضوا عنه، وأمّا فتح الترك الّذي كان قبل عصرنا هذا؛ فإنّه كان تمهيدًا للفتح الأعظم، ثمّ هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين، منذ أعلنت حكومتهم هناك أنّها حكومة غير إسلامية وغير دينية، وعاهدت الكفار أعداء الإِسلام، وحكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة، وسيعود الفتح الإِسلامي لها إن شاء الله كما بشَّر به رسول الله ﷺ " (١).
٥٣ - خروج القحطاني:
في آخر الزّمان يخرج رجلٌ من قحطان، تدين له النَّاس بالطاعة، وتجتمع عليه، وذلك عند تغيُّر الزّمان، ولهذا ذكره الإِمام البخاريّ في باب تغير الزّمان.
روى الإِمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يخرج رجلٌ من قحطان يسوق النَّاس بعصاه" (٢).
قال القرطبي. "قوله: "يسوق النَّاس بعصاه" كنايةٌ عن استقامة
стр. 211
النَّاس، وانعقادهم إليه، واتفاقهم عليه، ولم يُرِد نفس العصا، وإنّما ضرب بها مثلًا لطاعتهم له، واستيلائه عليهم؛ إِلَّا أن في ذكرها دليلًا على خشونته عليهم، وعنفه بهم" (١).
قلت: نعم؛ سوقه النَّاس بعصاه كنايةٌ عن طاعة النَّاس له، ورضوخهم لأمره؛ إِلَّا أن ما أشار إليه القرطبي من خشونته عليهم ليس بالنسبة للجميع؛ كما يظهر من كلامه، بل إنّما يقسو على أهل المعصية منهم، فهو رجلٌ صالحٌ، يحكم بالعدل، ويؤيد ذلك ما نقله ابن حجر عن نُعيم بن حماد (٢) أنّه روى من وجه قوي عن عبد الله بن عمرو أنّه ذكر الخلفاء، ثمّ قال: "ورجلٌ من قحطان".
وأيضًا ما أخرجه بسند جيِّد عن ابن عبّاس أنّه قال فيه: "ورجلٌ من قحطان، كلهم صالح" (٣).
стр. 212
ولما حدَّث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ بأنّه سيكون ملك من قحطان؛ غضب معاوية ﵁، فقام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنّه بلغني أن رجالًا منكم يتحدَّثون بأحاديث ليست في كتاب الله، ولا تُؤثَرُ عن رسول الله ﷺ ، فأولئك جهالكم، فإياكم والأماني الّتي تُضِلُّ أهلها؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لهذا الأمر في قريش، لا يعاديهِم أحدٌ؛ إِلَّا كبَّه الله على وجهه؛ ما أقاموا الدين". رواه البخاريّ (١).
وإنّما أنكر معاوية خشية أن يظنَّ أحدٌ أن الخلافة تجوز في غير قريش، مع أن معاوية ﵁ لم ينكر خروج القحطاني؛ فإن في حديث معاوية قوله: "ما أقاموا الدين"، فإذا لم يُقيموا الدين؛ خرج الأمر من أيديهم، وقد حصل هذا؛ فإن النَّاس لم يزالوا في طاعة قريش إلى أن ضعف تمسُّكُهم بالدين، فضعف أمرهم، وتلاشى، وانتقل الملك إلى غيرهم (٢).
ولهذا القحطاني ليس هو الجهجاه (٣)؛ فإن القحطاني من الأحرار؛ لأنّه نسبه إلى قحطان الّذي تنتهي أنساب أهل اليمن من حمير وكندة وهمدان وغيرهم إليه (٤)، وأمّا الجهجاه؛ فهو من الموالي.
стр. 213
ويؤِّيد ذلك ما رواه الإِمام أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يذهب اللّيل والنهار حتّى يملك رجلٌ من الموالي؛ يقال له: جهجاه" (١).
٥٤ - قتال اليهود:
ومنها قتال المسلمين لليهود في آخر الزّمان، وذلك أن اليهود يكونون من جند الدَّجَّال، فيقاتلهم المسلمون الذين هم جند عيسى ﵇، حتّى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديّ ورائي، تعال فاقتله.
وقد قاتَل المسلمون اليهودَ من زمن النّبيّ ﷺ ، وانتصروا عليهم، وأجلوهُم من جزيرة العرب؛ أمتثالًا لقول النّبيّ ﷺ :"الأخْرِجَنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتّى لا أدع إِلَّا مسلمًا" (٢).
ولكن لهذا القتال ليس هو القتال الّذي هو من أشرأط السّاعة، وجاءت به الأحاديث الصحيحة؛ فإن النّبيّ ﷺ أخبر أن المسلمين سيقاتلونهم إذا خرج الدَّجَّال، ونزل عيسى ﵇.
روى الإِمام أحمد عن سَمُرة بن جُنْدَب ﵁ حديثًا طويلًا في خطبة النّبيّ ﷺ يوم كسفت الشّمس ... (وفيه أنّه ذكر الدَّجَّال، قال):
стр. 214
"وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالًا شديدًا، ثمّ يهلكه الله ﵎ وجنوده حتّى أن جذم الحائط - أو قال: أصل الحائط، وقال حسن الأشيب (١): وأصل الشجرة - لينادي - أو قال: يقول - يا مؤمن! - أو قال: يا مسلم- لهذا يهوديٌّ - أو قال: هذا كافرٌ - تعال فاقتله".
قال: "ولن يكون ذلك كذلك حتّى تروا أمورًا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتسألون بينكم: هل كان نبيُّكم ذكر لكم منها ذكرًا؟ " (٢).
وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتّى يختبىء اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديٌّ خلفي، فتعال، فاقتله؛ إِلَّا الغرقد (٣)؛ فإنّه من شجر اليهود" (٤).
وهذا لفظ مسلم.
стр. 215
والذي يظهر من سياق الأحاديث أن كلام الحجر والشجر ونحوه حقيقة، وذلك لأنّ حدوث تكلُّم الجمادات ثابتٌ في غير أحاديث قتال اليهود، وقد سبق أن أفردتُ لهذا مبحثًا خاصًّا به؛ لأنّه من علامات السّاعة.
وإذا كانت الجمادات تتكلَّم في ذلك الوقت؛ فلا داعي لحمل كلام الشجر والحجر على المجاز؛ كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء (١)؛ فإنّه ليس هناك دليلِّ يوجِبُ حمل اللّفظ على خلاف حقيقته، ونطق الجماد قد ورد في آياتٍ من القرآن:
منها قوله تعالى: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].
وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراءِ: ٤٤].
وجاء في الحديث عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فكان أكثر خطبته عن الدجَّال، وحذَّرَناه، فذكر خروجه، ثمّ نزول عيسى ﵇ لقتله، وفيه: "قال عيسى ﵇: افتحوا الباب، فيُفْتَحُ، ووراءه الدجَّال، معه سبعون ألف يهوديٍّ؛ كلهم ذو سيف محلًّى وساجٍ (٢)، فإذا نظر إليه الدجَّال، ذاب كما يذوب الملح في الماء،