← Акыда

Акыда · id 182

أشراط الساعة - الوابل

يوسف الوابل

Полный текст (432 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣]. ١٦ - الطَّامَّة الكبرى: قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ [النازعات: ٣٤]. ١٧ - الصَّاخَّة: قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)﴾ [عبس: ٣٣]. ١٨ - الآزفة: قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾ [النجم: ٥٧]. ١٩ - القارعة: قال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ (١) [القارعة: ١ - ٣]. * * * * *

стр. 37

المبحث الثّالث: حجِّيَّة خبر الآحاد في العقائد لهذا المبحث صلة وثيقة بموضوع أشراط السّاعة، ذلك أن أكثر الأشراط جاء ذكرها في أحاديث آحاد (١)، وقد ذهب بعض أهل الكلام (٢)

стр. 38

والأصوليين (١) إلى أن خبر الآحاد لا تثبت به عقيدة، وإنّما تثبت بالدَّليل القطعي؛ آية أو حديثًا عن رسول الله ﷺ . وهذا القولُ مردودٌ؛ فإن الحديث إذا ثبتت صحَّته برواية الثقات، ووصل إلينا بطريق صحيح؛ فإنّه يجب الإِيمان به، وتصديقه، سواء كان خبرًا متواترًا، أو آحادًا، وإنه يوجب العلم اليقيني، وهذا هو مذهب علماء سلفنا الصالح؛ انطلاقًا من أمر الله تعالى للمؤمنين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢]: قال ابن حجر ﵀: "قَدْ شاعَ فاشِيًا عملُ الصَّحابة والتَّابعين بخبر الواحد؛ مِن غير نكيرٍ، فاقتضى الاتَّفاق منهم على القَبول" (٢). وقالَ ابن أبي العز: "خبر الواحد إذا تلقَّته الأمة بالقبول، عملًا به، وتصديقًا له؛ يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمَّة، وهو أحد قسمي المتواتر، ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع" (٣).

стр. 39

وسأل رجلٌ الإمام الشّافعيّ عن مسألة؟ فقال: "قضى فيها رسول الله ﷺ كذا وكذا". فقال رجلٌ للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال: "سبحان الله! أتراني في بيعة؟! تراني على وسطي زنَّار؟! أقول لك: قضى رسول الله ﷺ ، وأنت تقول: ما تقول أنت؟! " (١). وقال الشّافعيُّ أيضًا: "متى رويتُ عن رسول الله ﷺ حديثًا صحيحًا فلم آخذ به؛ فأُشْهِدُكُم أن عقلي قد ذهب" (٢). فلم يفرَّق بين خبر الواحد والخبر المتواتر، ولم يفرِّق بين ما كان إخبارًا بعقيدة وما كان إخبارًا بأمر عمليٍّ، وإنّما المدار كله على صحة الحديث. وقال الإمام أحمد: "كلّ ما جاء عن النّبيّ ﷺ بإسناد جيِّد؛ أقررنا به، وإذا لم نقرَّ بما جاء به الرسول، ودفعناه، ورددناهُ؛ رددنا على الله أمره؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (٧)﴾ [الحشر: ٧] (٣).

стр. 40

فلم يشترط الإمام أحمد إِلَّا صحَّة الخبر. وقال ابن تيمية: "السنة إذا ثبتت؛ فإن المسلمين كلهم متَّفقون على وجوب اتِّباعها" (١). وقال ابن القيم في ردَّه على من ينكر حجِّية خبر الواحد: "ومن هذا إخبار الصّحابة بعضهم بعضًا؛ فإنهم كانوا يجزمون بما يحدِّث به أحدُهم عن رسول الله ﷺ ، ولم يقل أحدٌ منهم لمَن حدَّثه عن رسول الله ﷺ : خبرُك خبرُ واحدٍ لا يفيد العلم حتّى يتواتر ... وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثًا عن رسول الله ﷺ في الصفات؛ تلقَّاه بالقبول، واعتقد تلك الصِّفَة به على القطع واليقين؛ كما اعتقد رؤية الرب، وتكليمه، ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الّذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كلّ ليلة، وضحكه، وفرحه، وإمساك السماوات على إصبع من أصابع يده، وإثبات القدم له؛ مَنْ سمع هذه الأحاديث ممَّن حدَّث بها عن رسول الله ﷺ ، أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرَّد سماعها من العدل الصادق، ولم يَرْتَب فيها. حتّى إنهم ربَّما تثبتوا في بعض أحاديث الأحكام ... ولم يطلب احد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات ألبتة، بل كانوا أعظم مبادرةً إلى قبولها، وتصديقها، والجزم بمقتضاها، وإثبات الصفات بها؛ مِن المخبر لهم بها عن رسول الله ﷺ ، ومَن له أدنى إلمامٌ بالسُّنَّة والتفات إليها؛ يعلم

стр. 41

ذلك، ولولا وضوح الأمر في ذلك؛ لذكرنا أكثر من مئة موضع. فهذا الذيَ اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله ﷺ خرقوا به إجماع الصّحابة المعلوم بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام، ووافقوا به المعتزلة، والجهمية، والرافضة، والخوارج، الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء. وإلا؛ فلا يُعْرَف لهم سلفٌ من الأئمة بذلك، بل صرَّح الأئمَّة بخلاف قولهم؛ ممَّن نصّ على أن خبر الواحد يفيد العلم- مالك، والشّافعيّ، وأصحاب أبي حنيفة، وداود بن علي، وأصحابه؛ كأبي محمّد بن حزم" (١). وأمّا ما عَرَض للمنكرين لحجَيَّة خبر الواحد من شبهة (٢)، وهي أن خبر الآحاد يفيد الظن، ويعنون به الظنَّ الراجح لجواز خطإ الواحد، أو غفلته، أو نسيانه، والظن الراجح يجب العمل به في الأحكام اتِّفاقًا، ولا يجوز الأخذ به عندهم في المسائل الاعتقادية. ويستدلُّون على ذلك ببعض الآيات الّتي تنهى عن اتِّباع الظنِّ؛ كَقوله تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨]. فالجواب عن هذه الشبهة أن احتجاجهم بهذه الآية وأمثالها مردودٌ؛

стр. 42

لأنّ الظنَّ هنا ليس هو الظن الغالب الّذي عنوه، وإنّما هو الشك والكذب والخرص والتخمين؛ فقد جاء في "النهاية" و"اللسان" وغيرهما من كتب اللُّغة: "الظنُّ: الشكُّ يعرض لك في شيء، فتحقَّقهُ، وتحكم به" (١). قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨]؛ أي: ليس لهم علمٌ صحيح يصدِّق ما قالوه، بل هو كذبٌ وزورٌ وافتراءٌ وكفرٌ شنيعٌ، ﴿لْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم:٢٨]؛ أي: لا يُجدي شيئًا، وَلا يقوم أبدًا مقام الحق. وقد ثبت في الصّحيح أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث) (٢) " (٣). فالشك والكذب هو الظنُّ الّذي ذمَّه الله تعالى، ونعاه على المشركين، ويؤيَّد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام: ١١٦]، فوصفهم بالظنَ والخرص الّذي هو مجرَّد الحزر والتَّخمين، وإذا كان الخرص والتَّخمين هو الظن؛ فإنّه لا يجوز الأخذ به في الأحكام (٤)؛ لأنّ الأحكام لا تُبنى على الشك والتخمين. وأمّا ما قيل من احتمال غفلة الراوي ونسيانه؛ فهو مدفوعٌ بما يُشترط في خبر الواحد؛ من كون كلّ من الرواة ثقةً ضابطًا، فمع صحة الحديث

стр. 43

لا مجال لتوهُّم خطإ الراوي، ومع ما جرت به العادة من أن الثقة الضابط لا يغفل ولا يكذب لا مجال لردِّ خبره لمجرَّد احتمال عقليٍّ تنفيه العادة. * الأدلَّة على قبول خبر الواحد: وإذ تبيَّنَ زيف ما بُنِيَ عليه عدم الأخذ بخبر الواحد في العقائد؛ فالأدلَّة الّتي توجِب الأخذ به كثيرةٌ، جاءت في الكتاب والسُّنَّة، ومنها: أمّا الأدلَّة من الكتاب، فهي كثيرة، أذكر منها: ١ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]. فهذه الآية تحثُّ المؤمنين على التفقه في الدين، والطائفة تُطلق على الواحد فما فوق. قال الإمام البخاريّ: "ويسمَّى الرَّجل طائفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا (٩)﴾ [الحجرات: ٩]، فلو اقتتل رجلان؛ دخلا في معنى الآية" (١). فإذا كان الرَّجل يُؤخذ بما يخبر به من أمور دينية؛ كان هذا دليلًا على أن خبره حجةٌ، والتفقه في الدين يشمل العقائد والأحكام، بل إن التفَقُّه في العقيدة أهم من التفقُّه في الأحكام (٢).

стр. 44

٢ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (٦)﴾ [الحجرات: ٦]، وفي قراءة: (فتثبَّتُوا)؛ من التثبُّت (١). ولهذا يدلُّ على الجزم والقطع بقبول خبر الواحد الثقة، وأنّه لا يحتاج إلى التثبُّت، لعدم دخوله في الفاسق، ولو كان خبره لا يفيد العلم؛ لأمر بالتثبُّت مطلقًا حتّى يحصل العلم (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (٥٩)﴾ [النِّساء: ٥٩]. قال ابن القيم: "وأجمع المسلمون أن الردَّ إلى الرسول هو الرجوع إليه في حياته، والرجوع إلى سنته بعد مماته، واتَّفقوا على أن فرضَ هذا الردِّ لم يسقط بموته، فإن كان متواتر أخباره وآحادها لا تفيد علمًا ولا يقينًا؛ لم يكن للردِّ إليه وجهٌ" (٣). وأمّا الأدلَّة من السنة؛ فهي كثيرة جدًّا، أقتصر على بعضٍ منها: ١ - كان النبيُّ ﷺ يبعث رسله إلى الملوك واحدًا بعد واحدٍ، وكذلك أمراءه على البلدان، فيرجع النَّاس إليهم في جميع الأحكام العمليَّة والاعتقاديَّة، فبعث أبا عُبيدة عامر بن الجرَّاح ﵁ إلى أهل

стр. 45

نجران (١)، وبعث معاذ بن جبل ﵁ إلى أهل اليمن (٢)، وبعث دِحْيَة الكلبي ﵁ بكتاب إلى عظيم بُصرى (٣) ... وغيرهم من الصّحابة ﵃. ٢ - وروى البخاريُّ عن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: "بيَّنَّا النَّاس بقُباء في صلاة الصُّبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله ﷺ قد أُنْزِلَ عليه اللَّيلة قرآن، وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة؛ فاستَقْبلوها، وكانت وجوههم إلى الشّام، فاستداروا إلى الكعبة" (٤). ولا يُقال: إن هذا في حكم عمليٍّ؛ لأنّ العمل بهذا الحكم مبنيٌّ على اعتقاد صحة الخبر. ٣ - وعن عمر ﵁؛ قال: "وكان رجلٌ من الأنصار إذا غاب عن رسول الله ﷺ وشهِدْتُهُ؛ أتيتُه بما يكون من رسول الله ﷺ ، وإذا غِبْتُ عن رسول الله ﷺ وشهد؛ أتاني بما يكون من رسول الله ﷺ " (٥).

стр. 46

فهذا واقع الصّحابة ﵃ يرينا أن الواحد منهم كان يكتفي بخبر الواحد في أُمور دينه؛ سواء ما كان منها اعتقاديًّا، أو عمليًّا. ٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "نضَّرَ اللهُ امرءًا سَمِعَ منَّا حديثًا، فحفظهُ حتَّى يُبَلِّغَهُ، فربَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع" (١). وهذا أيضًا لا يقتصر على أحاديث الأعمال دون غيرها، بل هو عامٌّ متناولٌ لأحاديث الأعمال والأحكام الاعتقادية، فلو لم يكن الإِيمان بما يثبت عنه ﷺ من عقائد بأخبار الآحاد واجبًا؛ لما كان لهذا الأمر من النّبيّ ﷺ بتبليغ حديثه مطلقًا معنى، بل لبيَّنَ الرسول ﷺ أن ذلك مقصورٌ على أحاديث الأعمال دون غيرها. هذا؛ والقول بأن أحاديث اللآحاد لا تثبت بها عقيدة قولٌ مبتَدَعٌ محدَثٌ لا أصلَ له في الدين، ولم يقلْ به واحدٌ من السَّلف الصالح رضوان الله تعالى عليهِم، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم، بل ولا خطَرَ لهُم على بالٍ، ولو وُجِدَ دليلٌ قطعيٌّ يدلُّ على أن أحاديث اللآحاد لا تثبُتُ بها عقيدةٌ؛ لعلّمه الصّحابة، وصرَّحوا به، وكذلك مَنْ بعدَهم من السَّلَف الصالح. ثمّ إن هذا القول المبتَدَعَ يتضمَّن عقيدةً تستلزمُ ردَّ مئات الأحاديث

стр. 47

الصَّحيحة الثابتة عن النّبيّ ﷺ (١). فالذين لا يأخذون بخبر الواحد في العقيدة يلزمهم أن يردُّوا كثيرًا من العقائد الّتي ثبتت بأحاديث اللآحاد، ومنها: ١ - أفضلية نبيِّنا محمَّدٍ على جميع الأنبياء والمرسلين. ٢ - شفاعتُه العظمى في المحشر. ٣ - شفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمَّته. ٤ - معجزاته كلها ما عدا القرآن. ٥ - كيفيَّة بدء الخلق، وصفة الملائكة والجن، وصفة الجنَّة والنار؛ ممّا لم يذكر في القرآن الكريم. ٦ - سؤال منكَر ونكير في القبر. ٧ - ضغطة القبر للميِّت. ٨ - الصراط، والحوض، والميزان ذو الكفتين. ٩ - الإِيمان بأن الله تعالى كتب على كلّ إنسان سعادته أو شقاوته، ورزقه وأجله وهو في بطن أمه. ١٠ - خصوصياته ﷺ الّتي جمعها السيوطيّ في كتاب "الخصائص الكبرى"، مثل دخوله في حياته الجنَّة، ورؤيته لأهلها، وما أُعِدَّ للمتَّقين فيها، وإسلام قرينه من الجن.

стр. 48

١١ - القطع بأن العشرة المبشَّرين بالجنة من أهل الجنَّة. ١٢ - عدم تخليد أهل الكبائر في النّار. ١٣ - الإِيمان بكل ما صحَّ في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر ممَّا لم يردّ في القرآن الكريم. ١٤ - الإِيمان بمجموع أشراط السّاعة؛ كخروج المهدي، ونزول عيسى ﵇، وخروج الدجَّال، وخروج النّار، وطلوع الشّمس من مغربها، والدَّابة، وغير ذلك. ثمّ إنّه ليست أدلَّة جميع هذه العقائد الّتي قالوا هي ثابتة بخبر الآحاد، ليست أدلَّتها أحاديث آحاد، بل منها ما دليله أحاديث متواترة، ولكن قلة علم هؤلاء المنكرين لحجَّيَّة خبر الآحاد؛ جعلهم يردُّون كلّ هذه العقائد، وغيرها من العقائد، الّتي جاءت بها الأحاديث الصحيحة (١). * * * * *

стр. 49

المبحث الرّابع: إخبار النّبيّ عن الغُيوب المستقبلة لقد أخبر النّبيّ ﷺ بما يكون إلى قيام السّاعة، وذلك ممّا أطلعه الله عليه من الغُيوب المستقْبَلَة، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا، حتّى بلغت حد التواتر المعنوي (١). فمنها ما رواه حذيفة ﵁؛ قال: "لقد خطبنا النّبيّ ﷺ خطبة ما ترك فيها شيئًا إلى قيام السّاعة إِلَّا ذكره؛ علمه مَنْ علمه، وجهله مَنْ جهله، إن كنتُ لأرى الشيءَ قد نسيتُه، فأعرفُهُ كما يعرِفُ الرَّجلُ الرجلَ إذا غاب عنه فرآه فعرفه" (٢). وقال ﵁: "أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن

стр. 50

تقوم السّاعة، فما منه شيءٌ إِلَّا قد سألته، إِلَّا أنّه لم أسأله: ما يُخْرِج أهلَ المدينة من المدينة؟ " (١). ولم يكن ذلك خاصًّا بحذيفة ﵁، بل لقد خطب النّبيّ ﷺ يومًا كاملًا؛ ليبَّين للصحابة ﵃ ما كان وما سيكون إلى قيام السّاعة فقد روى أبو زيد عمرو بن أخطب الأنصاري ﵁؛ قال: "صلّى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر، فخطَبَنا حتّى حضرتِ الظهر، فنزل، فصلّى، ثمّ صعد المنبر، فخطبنا حتّى حضرت العصر، ثمّ نزل، فصلّى، ثمّ صعد، فخطبنا حتّى غربت الشّمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا". رواه مسلم (٢). وقال حذيفة بن اليمان ﵁: "واللهِ إنني لأعلم النَّاس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين السّاعة، وما بي إِلَّا أن يكون رسول ﷺ أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يُحَدِّثْهُ غيري، ولكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدَّث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله ﷺ وهو يعدُّ الفتن: (منهنَّ ثلاثٌ لا يَكَدْنَ يذَرْنَ شيئًا، ومنهنَّ فتنٌ كرياح الصيف؛ منها صغار، ومنهاكبارٌ) ".

стр. 51

قال حذيفة: "فذهب أولئك الرهط كلهم غيري" (١). فهذه أدلَّة صحيحة على أن النبيَّ ﷺ قد أخبر أمَّته بكل ما هو كائنٌ إلى قيام السّاعة ممَّا يخصُّهم. ولا شك أن أشراط السّاعة قد نالت من الإِخبار بالغيب النصيب الأوفر، ولهذا جاءت أحاديث أشراط السّاعة كثيرةً جدًّا، ورُوِيَت بألفاظ مختلفة؛ لكثرة مَنْ نقلها من الصّحابة ﵃. * * * * *

стр. 52

المبحث الخامس: علم السّاعة علم السّاعة غيبٌ لا يعلَمُه إِلَّا الله تعالى؛ كما دلَّت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبويَّة؛ فإنَّ علم السّاعة ممّا استأثر الله به، فلم يُطْلع عليه مَلكًا مقرَّبًا ولا نبيًّا مرسلًا (١)، فلا يعلم أحدٌ متى تقوم السّاعة؛ إِلَّا الله تعالى. وكان النّبيّ ﷺ يكثِر من ذكر السّاعة وأهوالها، فكان النَّاس يسألونه عن وقت قيام السّاعة، فكان يخبرهم أن ذلك غيبٌ لا يعلمه إِلَّا الله، وكانت الآيات القرآنية تتنزَّل مبيَّنةً أن علم السّاعة ممّا اختصّ الله تعالى به نفسه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ

стр. 53

النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: ١٨٧]. فالله تعالى يأمر نبيه محمدًا ﷺ أن يخبر النَّاس أن علم السّاعة عند الله وحده، فهو الّذي يعلم جَلِيَّةَ أمرها، ومتى يكون قيامها؛ لا يعلم ذلك أحدٌ من أهل السماوات والأرض: كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣]. وكما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤]. فمنتهى علم السّاعة إلى الله وحده. ولهذا لما سأل جبريل ﵇ رسول الله ﷺ عن وقت السّاعة - كما في حديث جبريل الطويل-؛ قال النّبيّ ﷺ : "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (١). فجبريل لا يعلم متى تقوم السّاعة، وكذلك محمَّدٌ ﷺ وأيضًا؛ فإن عيسى ﵇ لا يعلم متى تقوم السّاعة، مع أنّه ينزل قرب قيامها، وهو من علامات السّاعة الكبرى؛ كما سيأتي. روى الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم؛ عن عبدالله بن مسعود ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "لقيتُ ليلة أُسْري بي إبراهيم وموسى وعيسى".

стр. 54

قال: "فتذاكروا أمر السّاعة، فردُّوا أمرَهم إلى إبراهيم، فقال: لا علمَ لي بها. فردُّوا الأمر إلى موسى، فقال: لا علم لي بها. فردُّوا الأمر إلى عيسى، فقال: أمّا وَجْبَتُها؛ فلا يعلمها أحدٌ إِلَّا الله ذلك، وفيما عَهِدَ إليَّ ربي أن الدَّجَّال خارجٌ. قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني؛ ذاب كما يذوب الرصاص. قال: فيهلكه الله" (١). فهؤلاء أولو العزم من الرسل لا يعلمون متى تقوم السّاعة. وروى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول قبلَ أن يموتَ بشهر: "تسألوني عن السّاعة؟ وإنّما علمها عند الله، وأقسِمُ بالله ما على الأرض من نفسٍ منفوسةٍ تأتي عليها مئة سنة" (٢). فهذا الحديث ينفي احتمال أن يكون عَلِمَها النّبيّ ﷺ بعد سؤال جبريل عنها. قال ابن كثير: "فهذا النبيُّ الأميُّ، سيِّد الرّسل، وخاتمهم، صلوات

стр. 55

الله عليه وسلامه، نبي الرّحمة، ونبي التوبة، ونبي الملحمة، والعاقب، والمقفِّي، والحاشر، الّذي تحشر النَّاس على قدميه، مع قوله فيما ثبت عنه في "الصّحيح" من حديث أنس وسهل بن سعد ﵄: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين" (١)، وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله قد أمره الله تعالى أن يَرُدَّ علم وقت السّاعة إليه إذا سُئِلَ عنها، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: ١٨٧] " (٢). ومن زعم أن النّبيّ ﷺ يعلم متى تقوم السّاعة، فهو جاهلٌ، لأنّ الآيات القرآنية والأحاديث النبويَّه السابقة ترد عليه. قال ابن القيم: "وقد جاهر بالكذب بعض مَنْ يدَّعي في زماننا العلم، وهو يتشبَّع بما لم يعطَ، أن رسول الله ﷺ كان يعلم متى تقوم السّاعة. قيل له: فقد قال في حديث جبريل: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"! فحرفه عن موضعه، وقال: معناه: أنا وأنت نعلمها. وهذا من أعظم الجهل، وأقبح التحريف، والنبيُّ ﷺ أعلم بالله من أن يقول لمن كان يظنُّه أعرابيًّا: أنا وأنت نعلم السّاعة؛ إِلَّا أن يقول هذا الجاهل: إنّه كان يعرف أنّه جبريل، ورسول الله ﷺ هو الصادق في قوله: "والذي نفسي بيده؛ ما جاءني في سورة إِلَّا عرفته؛ غير هذه الصورة" (٣)،

стр. 56

وفي اللّفظ الآخر: "ما شُبِّه عليَّ غير هذه المرة"، وفي اللّفظ الآخر: "ردُّوا عليَّ الأعرابي، فذهبوا فالتمسوا، فلم يجدوا شيئًا". و إنّما علم النّبيّ ﷺ أنّه جبريل بعد مدة؛ كما قال عمر: فلبثتُ مليًّا، ثمّ قال النّبيّ ﷺ : "يا عمر! أتدري مَنْ السائل؟ " (١)، والمحرِّف يقول: علم وقت السؤال أنّه جبريل، ولم يخبر الصّحابة بذلك إِلَّا بعد مدَّة! ثمّ قوله في الحديث: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" يعمُّ كلَّ سائل ومسؤولٍ، فكلُّ سائلٍ ومسؤولٍ عن هذه السّاعة شأنُهُما كذلك" (٢). وأيضًا؛ لا معنى لذكر أشراطها وإخبار السائل بها ما دام يعلمها، ولا سيما أنّه لم يسأل عن أشراطها. وأعجب من هذا ما جاء في كلام السيوطيّ في "الحاوي" بعد أن ذكر الجواب عن السؤال عن الحديث المشتهر على ألسنة النَّاس: أن النّبيّ ﷺ

стр. 57

لا يمكث في قبره ألف سنة؟ قال: "وأنا أُجيب بأنّه باطل، لا أصل له". وذكر أنّه ألَّف في ذلك مؤلَّفًا سمَّاه "الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف"؛ قال فيه: أوَّلًا: الّذي دلَّت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد عن ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها خمس مئة سنة؛ لأنّه ورد من طرق أن مدَّة الدُّنيا سبعة آلاف سنة، وأن النّبيّ ﷺ بُعِثَ في أواخر الألف السّادسة (١). ثمّ ذكر حساباتٍ خَلَص منها إلى أنّه لا يمكن أن تكون المدة ألفًا وخمس مئة أصلًا، ثمّ ذكر الأحاديث والآثار الّتي اعتمد عليها في ذلك: ومنها ما رواه الطبراني في "الكبير" عن الضَّحَّاك بن زمل الجهني؛ قال: رأيتُ رؤيا، فقصصتُها على رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه: إذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة. فقال ﷺ : "أمّا المنبر الّذي رأيتَ فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة. فالدنيا سبعة آلاف سنة، وأنا في آخرها ألفًا" (٢). وذكر أنّه أخرجه البيهقي في "الدلائل"، وأن السُّهيلي ذكر أن الحديث ضعيف (٣) الإِسناد، ولكنه رُوِيَ موقوفًا على ابن عبّاس رضي الله

стр. 58

عنهما من طرق صحاح، وأن الطّبريّ (١) صحَّح هذا الأصل، وعضده بآثار. ثمّ بيَّن السيوطيّ أن معنى قوله ﷺ : "وأنا في آخرها ألفًا"؛ أي: معظم الملة في الألف السابعة؛ ليطابق ما سيأتي أنّه بُعِثَ في أواخر الألف السّادسة، ولو كان بُعِثَ في أول الألف السابعة؛ كانت الأشراط الكبرى كالدجَّال ونزول عيسى ﵇ وطلوع الشّمس من مغربها؛ وجدت قبل اليوم بأكثر من مئة سنة، لتقوم السّاعة عند تمام الألف، ولم يوجد شيء من ذلك، فدلَّ على أن الباقي من الألف السابعة أكثر من ثلاث مئة سنة (٢). هذا هو ملخص كلام السيوطيّ ﵀، وهو مصادمٌ لصريح القرآن، وللأحاديث الصحيحة؛ من أن مدَّة الدُّنيا لا يعلمها أحدٌ إِلَّا الله تعالى، فإنَّنا لو عرفنا مدَّة الدُّنيا، لَعَلِمنا متى تقوم السّاعة، وقد علمتَ فيما سبق من الآيات القرآنية والأحاديث النبويَّة أن السّاعة لا يعلم وقت قيامها إِلَّا الله تعالى. وأيضًا؛ فإن الواقع يردُّ ذلك؛ فإننا في بداية القرن الخامس عشر الهجري، ولم يخرج الدجَّال، ولم ينزل عيسى ﵇، فإن السيوطيّ ذكر أنّه ورد أن الدَّجَّال يخرج على رأس مئة، وينزل عيسى ﵇، فيقتله، ثمّ يمكث في الأرض أربعين سنة، وأن النَّاس يمكثون بعد طلوع الشّمس من مغربها مئة وعشرين سنة، وأن بين النفختين أربعين سنة، فهذه

стр. 59

مئتا سنة لا بد منها (١)، فعلى كلامه لو خرج الدَّجَّال الآن؛ لا بد من مئتي سنة، فيكون قيام السّاعة بعد ألف وست مئة سنة. وبهذا يتبين بطلان كلّ حديث ورد في تحديد مدَّة الدُّنيا. وقد ذكر ابن القيم في كتابه "المنار المنيف" أمورًا كلِّيَّة يُعْرَف بها كون الحديث موضوعًا، فقال: "منها مخالفة الحديث صريح القرآن؛ كحديث مقدار الدنيا، وأنّها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة، وهذا من أبين الكذب؛ لأنّه لوكان صحيحًا؛ لكان كلّ أحدٍ عالمًا أنّه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وأحد وخمسون سنة" (٢). فإن ابن القيم عاش في القرن الثّامن الهجري، فقال هذا الكلام، وقد مرَّ على كلامه هذا أكثر من ست مئة واثنين وخمسين سنة، ولم تنقض الدنيا. وقال ابن كثير: "والذي في كتب الإِسرائيليين وأهل الكتاب من تحديد ما سلف بألوف ومئتين من السنين، قد نصَّ غير واحد من العلماء على تخطئتِهم فيه، وتغليطهم، وهم جَديرون بذلك، حقيقون به، وقد ورد في حديث: "الدنيا جمعة من جمع الآخرة"، ولا يصح إسناده أيضًا، وكذا كلّ حديث ورد فيه تحديد لوقت يوم القيامة على التعيين لا يثبت إسناده" (٣).

стр. 60

وكما أنّه لا يَعْلَمُ أحدٌ متى تقوم السّاعة؛ فكذلك لا يعلم أحدٌ متى تظهر أشراط السّاعة، وما ورد أنّه في سنة كذا يكون كذا، وفي سنة كذا يحصل كذا؛ فهو ليس بصحيح؛ فإن التاريخ لم يوضع في عهد النّبيّ ﷺ ، وإنّما وضعه عمر بن الخطّاب ﵁؛ اجتهادًا منه، وجعل بدايته هجرة النّبيّ ﷺ إلى المدينة. قال القرطبي: "إن ما أخبر به النّبيّ ﷺ من الفتن والكوائن أن ذلك يكون، وتعبين الزّمان في ذلك من سنة كذا، يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر، وإنّما ذلك كوقت قيام السّاعة، فلا يعلم أحدٌ أي سنة هي، ولا أي شهر، أمّا أنّها تكون في يوم الجمعة في آخر ساعة منه، وهي السّاعة الّتي خلق الله فيها آدم ﵇، ولكن أي جمعة؛ لا يعلم تعبين ذلك اليوم إِلَّا الله وحده لا شريك له، وكذلك ما يكون من الأشراط تعيين الزّمان لها لا يُعْلَم، والله أعلم" (١). * * * * *

стр. 61

المبحث السّادس: قُرْب قِيام السَّاعة تدلُّ الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الصحيحة على قرب السّاعة ودنوِّها؛ فإن ظهور أكثر أشراط السّاعة دليلٌ على قُربها وعلى أننا في آخر أيّام الدُّنيا: قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء: ١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧]. وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]. ... إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالَّة على قرب نهاية هذا العالم الدنيوي، والانتقال إلى دار أخرى، ينالُ فيها كلّ عاملٍ عملَه، إن خيرًا؛ فخير، وإن شرًّا؛ فشرّ. قال ﷺ : "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"، ويشير بأصبعيه،

стр. 62

فيمدهما" (١). وقال ﷺ : "بُعِثْتُ في نسم السّاعة" (٢). وقال ﵊: "إنّما أجلكم - في أجل مَنْ خلا من الأمم - ما بين صلاة العصر ومغرب الشّمس" (٣). وعن ابن عمر ﵄؛ قال: كنا جُلوسًا عند النّبيّ ﷺ ، والشمس على قعيقعان (٤) بعد العصر، فقال: "ما أعماركم في أعمار مَنْ

стр. 63

مضى إِلَّا كما بقي من النهار وفيما مضى منه" (١). وهذا يدلُّ على أن "ما بقي بالنسبة إلى ما مضى شيءٌ يسير، لكن لا يعلم مقدار ما مضى إِلَّا الله تعالى، ولم يجىء فيه تحديدٌ يصحُّ سنده عن المعصوم حتّى يصارَ إليه، ويُعْلَم نسبة ما بقي بالنسبة إليه، ولكنه قليلٌ جدَّا بالنسبة إلى الماضي" (٢). وليس هناك أبلغ من قوله ﷺ في تقريب السّاعة: "بُعِثْتُ أنا والساعة جميعًا، إن كادت لتسبقني" (٣). فهذا إشارة إلى شدَّة قُربها من بعثته ﷺ ، حتّى خشي سبقها له لعظم القرب. * * * * *

стр. 64

الباب الأوّل: أَشْراط السَّاعَة - الفصل الأوّل: تعريف أشراط السّاعة. - الفصل الثّاني: أقسام أشراط السّاعة. - الفصل الثّالث: أشراط السّاعة الصغرى.

стр. 65

الفصل الأوّل: تعريف أشراط السّاعة معنى الشرط: الشَّرَط - بالتحريك -: هو العلّامة، جمعه أشراط، وأشراط الشيء: أوائله، ومنه: شُرَط السلطان، وهم نُخْبَة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده، ومنه: الاشتراط الّذي يشترطه النَّاس بعضهم على بعض، فالشرط علامةٌ على المشروط (١). معنى السّاعة في اللُّغة: هي جزءٌ من أجزاء اللّيل والنهار، جمعها: ساعات وساع، واللّيل والنهار معًا أربع وعشرون ساعة. معنى السّاعة في الاصلاح الشرعي: والمراد بالساعة في الاصطلاح الشرعي: الوقت الّذي تقوم فيه القيامة، وسُمِّيت بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنّها تفجأ النَّاس في

стр. 66

ساعة، فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة (١). فأشراط السّاعة: هي علامات القيامة الّتي تسبقها وتدل على قربها. وقيل: هي ما تُنْكِرُه النَّاس من صغار أمورها قبل أن تقوم السّاعة. وقيل: هي أسبابها الّتي هي دون معظمها وقيامها (٢). والساعة تُطْلَق على ثلاثة معان: أ - السّاعة الصغرى: وهي موت الإِنسان، فمَن مات، فقد قامت قيامته؛ لدخوله في عالم الآخرة. ب - والساعة الوسطى: وهي موت أهل القرن الواحد، ويؤيِّد ذلك ما روته عائشة ﵂؛ قالت: كان الإعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ ؛ سألوه عن السّاعة: متى السّاعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم، فقال: "إن يعش هذا لم يدركه الهرم؛ قامت عليكم ساعتكم" (٣)؛ أي: موتهم، وأن المراد ساعة المخاطبين (٤).

стр. 67

ج - والساعة الكبرى: وهي بعث النَّاس من قبورهم للحساب والجزاء. وإذا أطلقت السّاعة في القرآن؛ فالمراد بها القيامة الكبرى: قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣]؛ أي: عن القيامة. وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]؛ أي: اقتربت القيامة. وقد ذكر الله تعالى القيامتين الصغرى والكبرى في القرآن الكريم، فتجده يذكر القيامتين في السورة الواحدة؛ كما في سورة الواقعة: فإنّه ذكر في أولها القيامة الكبرى: فقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ١ - ٧]. ثمّ في آخرها ذكر القيامة الصغرى، وهي الموت، فقال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥]. وذكر القيامتين أيضًا في سورة القيامة، فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١]، وهذه القيامة الكبرى. ثمّ ذكر الموت، فقال: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ [القيامة: ٢٦]، وهو القيامة الصغرى.

стр. 68

وغير ذلك كثير في سور القرآن الكريم، ممَّا يضيق المقام عن ذكره. والقيامة الكبرى هي الّتي نحن بصدد بيان أشراطها الّتي جاءت في الكتاب والسُّنَّة (١). * * * * *

стр. 69

الفصل الثّاني: أقسام أشراط السّاعة تنقسم أشراط السّاعة إلى قسمين: ١ - أشراط صغرى: وهي الّتي تتقدَّم السّاعة بأزمان متطاولة، وتكون من نوع المعتاد؛ كقبض العلم، وظهور الجهل، وشرب الخّمْرِ، والتطاول في البنيان ... ونحوها، وقد يظهر بعضها مصاحبًا للأشراط الكبرى، أو بعدها. ٢ - أشراط كبرى: وهي الأمور العظام الّتي تظهر قرب قيام السّاعة، وتكون غير معتادة الوقوع؛ كظهور الدجَّال، ونزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشّمس من مغربها (١).

стр. 70

وقسم بعض العلماء أشراط السّاعة من حيث ظهورها إلى ثلاث أقسام (١): ١ - قسم ظهر وانقضى. ٢ - قسم ظهر ولا زال يتتابع ويكثر. ٣ - قسم لم يظهر إلى الآن. فأمّا القسمان الأولان؛ فهما من أشراط السّاعة الصغرى، وأمّا القسم الثّالث؛ فيشترك فيه الأشراط الكبرى وبعض الأشراط الصغرى. * * * * *

стр. 71

الفصل الثّالث: أشراط السّاعة الصغرى أشراط السّاعة الصغرى الّتي ذكرها العلماء كثيرة جدًّا، وقد ذكرتُ هنا منها ما ثبت بالسُّنَّة أنّه من أشراط السّاعة الصغرى، وتركتُ ما لم يثبت - في حدود علمي القاصر-، وذلك بعد النظر في هذه الأحاديث، ومعرفة كلام العلماء عليها، من حيث الصِّحَّة والضعف، أو قد يكون هناك من الأشراط ما هو ثابتٌ، ولم أطلع على حديثٍ ثابتٍ فيه. وقد سردتُ هذه الأشراط بدون ترتيب؛ لأنَّني لم أطَّلع على حديث أو أحاديث تنصُّ على ترتيبها، فذكرتُ أوَّلًا ما نصَّ العلماء علي أنّه ظهر وانتهى، ثمّ تحريتُ في ذكري لباقي الأشراط بتقديم ما تقتضي الحوادث تقديمه على غيره، فمثلًا، ظهور الفتن مقدَّم على قبض العلم؛ لأنّ الفتن ظهرت في عصر الصّحابة، وقدَّمت قتال الروم على فتح القسطنطينية؛ لأنّ الخبر جاء بذلك، وجعلتُ فتح القسطنطينية مقدَّمًا على قتال اليهود في زمن عيسى ﵇؛ لأنّ فتحها قبل ظهور الدَّجَّال، ونزول عيسى ﵇ يكون بعد ظهور الدجَّال، وهكذا ... وبعض الأشراط يقتضي ذكره في الأخير؛ لأنّه لا يظهر إِلَّا بعد الأشراط الكبرى؛ مثل هدم الكعبة

стр. 72

على يدي الحبشة، وظهور الريح الّتي تقبض أرواح المؤمنين. ومما ينبغي أن يُعْلَمَ أَنَّ كثيرًا من أشراط الساعه قد ظهرت مباديها من عهد الصّحابة ﵃، وهي في ازدياد، ثمّ صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يعقبه قيام السّاعة هو استحكام ذلك، فيكون مثلًا قبض العلم لا يقابله إِلَّا الجهل الصّرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم؛ لأنّهم يكونون حينئذ مغمورين في أهل الجهل، وقس عليه غيره من أشراط السّاعة (١). وممَّا ينبغي التنبيه عليه أيضًا أن بعض النَّاس يفهم من كونِ الشيء من أشراط السّاعة أنّه محذورٌ وممنوعٌ، وهذه القاعدةُ غير مسلَّمة، فإنّه ليس كلُّ ما أخبر ﷺ بكونه من علامات السّاعة يكون محرَّمًا أو مذمومًا، فإن تطاوُلَ الرعاء في البنيان، وفشوَّ المال، وكون خمسين امرأة لهنَّ قيَمٌ واحد ليس بحرام بلا شك، وإنّما هذه علامات، والعلّامة لا يشترط فيها شيء من ذلك، بل تكون بالخير والشر، والمباح، والمحرَّم، والواجب، وغيره، والله أعلم (٢). والآن حان الشروع في ذكر أشراط السّاعة الصغرى، وهي كما يلي: ١ - بعثة النّبيّ ﷺ -: أخبر ﷺ أن بعثتَهُ دليلٌ على قرب قيام السّاعة، وأنّه نبيُّ السّاعة:

стр. 73

ففي الحديث عن سهل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"، ويشير بإصبعيه فيمدّهُما (١). وعن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين". قال: وضمَّ السبابة والوسطى (٢). وعن قيس بن أبي حازم عن أبي جُبيرة مرفوعًا: "بُعِثْتُ في نسم (٣) السّاعة" (٤) فأول أشراط السّاعة بعثة المصطفى ﷺ ، فهو النبيُّ الأخير، فلا يليه نبىٌّ آخر، وإنّما تليه القيامة كما يلي السبابة والوسطى، وليسس بينهما إصبع

стр. 74

أخرى، أو كما يفضل إحداهما الأخرى (١)، ويدلُّ على ذلك رواية التّرمذيّ: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين - وأشار أبو داود بالسبابة والوسطى - فما فضل إحداهما على الأخرى" (٢)، وفي رواية مسلم: "قال شعبةُ: وسمعتُ قتادة يقول في قصصه: كفضل إحداهما على الأخرى. فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة" (٣). قال القرطبي: "أولها النّبيّ ﷺ ؛ لأنّه نبي آخر الزّمان، وقد بُعِثَ وليس بينه وبين القيامة نبىٌّ" (٤). قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]. ٢ - موت النّبيّ ﷺ -: من أشراط السّاعة موتُ النّبيّ ﷺ ، ففي الحديث عن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: موتي ... " (٥) الحديث.

стр. 75

فقد كان موت النّبيّ ﷺ من أعظم المصائب الّتي وقعت على المسلمين، فقد أظلمتِ الدُّنيا في عيون الصّحابة ﵃ عندما مات ﵊. قال أنس بن مالك ﵁: "لما كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة؛ أضاء منها كلّ شيء، فلما كان اليوم الّذي مات فيه؛ أظلمَ منها كلّ شيء، وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي - وإنا لَفي دَفْنِه - حتّى أنكرنا قلوبَنا" (١). قال ابن حجر: "يريد أنّهم وجدوها تغيَّرت عمّا عهدوه في حياته من الألفة، والصفاء، والرقة؛ لفقدان مَا كان يمدُّهم به من التعليم والتأديب" (٢). فبموته ﷺ انقطع الوحي من السَّماء؛ كما في جواب أم أيمن لأبي بكر وعمر ﵃ عندما زاراها بعد موت النّبيّ ﷺ ، فلم"نتهيا إليها؛ بكت، فقالا لها: "ما يُبكيكِ؟ ما عند الله خير لرسوله. فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أنَّ ما عند الله خيرٌ لرسوله ﷺ ، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السَّماء. فهيَّجَتْهُما على البكاء، فجعلا يبكيان
следующие страницы →