← Акыда

Акыда · id 182

أشراط الساعة - الوابل

يوسف الوابل

Полный текст (432 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفصل الثّالث: أشراط السّاعة الصغرى أشراط السّاعة الصغرى الّتي ذكرها العلماء كثيرة جدًّا، وقد ذكرتُ هنا منها ما ثبت بالسُّنَّة أنّه من أشراط السّاعة الصغرى، وتركتُ ما لم يثبت - في حدود علمي القاصر-، وذلك بعد النظر في هذه الأحاديث، ومعرفة كلام العلماء عليها، من حيث الصِّحَّة والضعف، أو قد يكون هناك من الأشراط ما هو ثابتٌ، ولم أطلع على حديثٍ ثابتٍ فيه. وقد سردتُ هذه الأشراط بدون ترتيب؛ لأنَّني لم أطَّلع على حديث أو أحاديث تنصُّ على ترتيبها، فذكرتُ أوَّلًا ما نصَّ العلماء علي أنّه ظهر وانتهى، ثمّ تحريتُ في ذكري لباقي الأشراط بتقديم ما تقتضي الحوادث تقديمه على غيره، فمثلًا، ظهور الفتن مقدَّم على قبض العلم؛ لأنّ الفتن ظهرت في عصر الصّحابة، وقدَّمت قتال الروم على فتح القسطنطينية؛ لأنّ الخبر جاء بذلك، وجعلتُ فتح القسطنطينية مقدَّمًا على قتال اليهود في زمن عيسى ﵇؛ لأنّ فتحها قبل ظهور الدَّجَّال، ونزول عيسى ﵇ يكون بعد ظهور الدجَّال، وهكذا ... وبعض الأشراط يقتضي ذكره في الأخير؛ لأنّه لا يظهر إِلَّا بعد الأشراط الكبرى؛ مثل هدم الكعبة

стр. 72

على يدي الحبشة، وظهور الريح الّتي تقبض أرواح المؤمنين. ومما ينبغي أن يُعْلَمَ أَنَّ كثيرًا من أشراط الساعه قد ظهرت مباديها من عهد الصّحابة ﵃، وهي في ازدياد، ثمّ صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يعقبه قيام السّاعة هو استحكام ذلك، فيكون مثلًا قبض العلم لا يقابله إِلَّا الجهل الصّرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم؛ لأنّهم يكونون حينئذ مغمورين في أهل الجهل، وقس عليه غيره من أشراط السّاعة (١). وممَّا ينبغي التنبيه عليه أيضًا أن بعض النَّاس يفهم من كونِ الشيء من أشراط السّاعة أنّه محذورٌ وممنوعٌ، وهذه القاعدةُ غير مسلَّمة، فإنّه ليس كلُّ ما أخبر ﷺ بكونه من علامات السّاعة يكون محرَّمًا أو مذمومًا، فإن تطاوُلَ الرعاء في البنيان، وفشوَّ المال، وكون خمسين امرأة لهنَّ قيَمٌ واحد ليس بحرام بلا شك، وإنّما هذه علامات، والعلّامة لا يشترط فيها شيء من ذلك، بل تكون بالخير والشر، والمباح، والمحرَّم، والواجب، وغيره، والله أعلم (٢). والآن حان الشروع في ذكر أشراط السّاعة الصغرى، وهي كما يلي: ١ - بعثة النّبيّ ﷺ -: أخبر ﷺ أن بعثتَهُ دليلٌ على قرب قيام السّاعة، وأنّه نبيُّ السّاعة:

стр. 73

ففي الحديث عن سهل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"، ويشير بإصبعيه فيمدّهُما (١). وعن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين". قال: وضمَّ السبابة والوسطى (٢). وعن قيس بن أبي حازم عن أبي جُبيرة مرفوعًا: "بُعِثْتُ في نسم (٣) السّاعة" (٤) فأول أشراط السّاعة بعثة المصطفى ﷺ ، فهو النبيُّ الأخير، فلا يليه نبىٌّ آخر، وإنّما تليه القيامة كما يلي السبابة والوسطى، وليسس بينهما إصبع

стр. 74

أخرى، أو كما يفضل إحداهما الأخرى (١)، ويدلُّ على ذلك رواية التّرمذيّ: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين - وأشار أبو داود بالسبابة والوسطى - فما فضل إحداهما على الأخرى" (٢)، وفي رواية مسلم: "قال شعبةُ: وسمعتُ قتادة يقول في قصصه: كفضل إحداهما على الأخرى. فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة" (٣). قال القرطبي: "أولها النّبيّ ﷺ ؛ لأنّه نبي آخر الزّمان، وقد بُعِثَ وليس بينه وبين القيامة نبىٌّ" (٤). قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]. ٢ - موت النّبيّ ﷺ -: من أشراط السّاعة موتُ النّبيّ ﷺ ، ففي الحديث عن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: موتي ... " (٥) الحديث.

стр. 75

فقد كان موت النّبيّ ﷺ من أعظم المصائب الّتي وقعت على المسلمين، فقد أظلمتِ الدُّنيا في عيون الصّحابة ﵃ عندما مات ﵊. قال أنس بن مالك ﵁: "لما كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة؛ أضاء منها كلّ شيء، فلما كان اليوم الّذي مات فيه؛ أظلمَ منها كلّ شيء، وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي - وإنا لَفي دَفْنِه - حتّى أنكرنا قلوبَنا" (١). قال ابن حجر: "يريد أنّهم وجدوها تغيَّرت عمّا عهدوه في حياته من الألفة، والصفاء، والرقة؛ لفقدان مَا كان يمدُّهم به من التعليم والتأديب" (٢). فبموته ﷺ انقطع الوحي من السَّماء؛ كما في جواب أم أيمن لأبي بكر وعمر ﵃ عندما زاراها بعد موت النّبيّ ﷺ ، فلم"نتهيا إليها؛ بكت، فقالا لها: "ما يُبكيكِ؟ ما عند الله خير لرسوله. فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أنَّ ما عند الله خيرٌ لرسوله ﷺ ، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السَّماء. فهيَّجَتْهُما على البكاء، فجعلا يبكيان

стр. 76

معها" (١). فقد مات ﵊ كما يموت النَّاس؛ لأنّ الله تعالى لم يكتب الخلود في هذه الحياة الدُّنيا لأحد من الخلق،. بل هي دار ممرٍّ لا دار مقرٍّ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥]. إلى غير ذلك من الآيات الّتي تبيِّن أن الموت حقٌ، وأن كلّ نفس ذائقة الموت، حتّى ولو كان سيد الخلق وامام المتَّقين محمَّد ﷺ . وكان موته كما قال القرطبي: "أول أمرٍ دَهَمَ الإِسلامَ ... ثمَّ بعده موتُ عمر، فبموت النّبيّ ﷺ انقطع الوحي، وماتت النبوَّة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب، وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير، وأول نقصانه. قال أبو بكر الصديق ﵁: فَلَتَحْدُثَنَّ حَوَادِثٌ مِنْ بَعْدِهِ ... تُعْنَى بِهِنَّ جَوانِحٌ وصُدُورُ وقالت صفيَّة بنت عبد المطَّلب ﵂: لَعَمْرُكَ مَا أَبْكِي النَّبِىَّ لِفَقْدِهِ ... ولكِنَ مَا أَخْشَى مِنَ الهَرْجِ (٢) آتِيا" (٣)

стр. 77

٣ - فتح بيت المقدس: ومن أشراط السّاعة فتح بيت المقدس، فقد جاء في حديث عوف بن مالك ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : "اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: ... (فذكر منها:) فتح بيت المقدس" (١). ففي عهد عمر بن الخطّاب ﵁ تَمَّ فتح بيت المقدس سنة ست عشرة من الهجرة؛ كما ذهب إلى ذلك أئمَّة السِّيَر، فقد ذهب عمر ﵁ بنفسه، وصالح أهلها، وفتحها، وطهَّرها من اليهود والنصارى، وبنى بها مسجدًا في قبلة بيت المقدس (٢). وروى الإمام أحمدُ من طريق عُبيد بن آدم؛ قال: "سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول لكعب الأحبار (٣): أين ترى أن أصلّي؟ فقال: إن أخذتَ عني؛ صلّيتَ خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر: ضاهيت اليهوديَّة، لا، ولكن أصلّي حيث صلّى رسول الله ﷺ ، فتقدَّم إلى القبلة، فصلَّى، ثمّ جاء، فبسطَ رداءَه، فكنس الكناسة في ردائه، وكنس النَّاس" (٤).

стр. 78

٤ - طاعون عمواس (١): جاء في حديث عوف بن مالك السابق قوله ﷺ : "اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: ... (فذكر منها:) ثمّ مَوَتان (٢) يأخذ فيكم كقُعاصِ (٣) الغنم" (٤). قال ابن حجر: "يُقال: إن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر، وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس" (٥). ففي سنة ثمان عشرة للهجرة على المشهور الّذي عليه الجمهور (٦) وقع طاعون في كورة عمواس، ثمّ انتشر في أرض الشّام، فمات فيه خلق كثير من الصّحابة ﵃ ومن غيرهم؛ قيل: بلغ عدد مَنْ مات فيه خمسةٌ وعشرونَ ألفًا من المسلمين، ومات فيه من المشهورين: أبو عُبيدة عامر بن الجرَّاح، أمين هذه الأمة، ﵁ (٧).

стр. 79

٥ - استفاضة المال والاستغناء عن الصَّدقة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقومُ السّاعة حتّى يكثر فيكم المال، فيفيض، حتّى يُهِمَّ رَبَّ المالِ مَنْ يقبله منه صدقة، ويُدعى إليه الرَّجل، فيقول: لا أرب لي فيه" (١). وعن أبي موسى ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "ليأتِيَنَّ على الناسِ زمانٌ يطوف الرَّجلُ فيه بالصدقة من الذهب، ثمّ لا يجد أحدًا يأخذها منه" (٢). وأخبر ﷺ أن الله تعالى سيعطي هذه الأمة، ويفتح عليها من كنوز الأرض، وأن ملك أمته سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها، ففي الحديث عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى (٣) لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمَّتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها، وأُعطيتُ الكنزينِ الأحمر والأبيض" (٤). وقال ﷺ : "وإني قد أُعطيتُ مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح

стр. 80

الأرض" (١). وعن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: بينما أنا عند النّبيّ ﷺ ، إذ أتاه رجلٌ، فشكا إليه الفاقة، ثمّ أتاه آخر، فشكا إليه قطع السبيل، فقال: "يا عدي! هل رأيت الحيرة؟ ". قلتُ: لم أرها، وقد أُنبئتُ عنها. قال: "فإن طالت بك حياةٌ لَتَرَيَنَّ الظعينة ترتحل من الحيرة حتىَ تطوفَ بالكعبة لا تخاف أحدًا إِلَّا الله". قلتُ فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّار (٢) طيىء الذين قد سعروا البلاد؟! "ولئن طالت بك حياةٌ لَتُفْتَحَنَ كنوزُ كسرى". قلتُ: كسرى بن هرمز؟! قال: "كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترينَّ الرَّجل يُخْرِجُ ملءَ كفَّه من ذهب أوفضة؛ يطلب مَنْ يقبله منه؛ فلا يجد أحدًا يقبله منه ... ". قال عدي: فرأيتُ الظعينة ترتحل من الحيرة حتّى تطوف بالكعبة، لا تخاف إِلَّا الله، وكنتُ فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النّبيّ أبو القاسم ﷺ ، يخرج ملء كفه (٣). فقد تحقَّق كثيرٌ ممَّا أخبرنا به الصادق ﷺ ، فكثُر المال في عهد الصّحابة ﵃ بسبب ما وقع من الفتوح، واقتسموا أموال الفرس

стр. 81

والروم، ثمّ فاض المال في عهد عمر بن عبد العزيز ﵀، فكان الرَّجل يَعْرِض المال للصدقة، فلا يجد مَنْ يقبله. وسيكثر المال في آخر الزّمان، حتّى يعرض الرَّجل ماله، فيقول الّذي يعرضه عليه: لا أرب لي به. وهذا - والله أعلم - إشارةٌ إلى ما سيقع في زمن المهدي وعيسى ﵇ (١)؛ من كثرة الأموال، وإخراج الأرض لبركتها وكنوزها. ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة". قال: "فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قَتَلْتُ. ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعتُ رحمي. ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعتُ يدي. ثمّ يَدَعونه فلا يأخذون منه شيئًا" (٢). وذكر ابن حجر أنّه يحتمل أن يكون استغناء النَّاس عن المال وتركهم له وقت خروج النّار واشتغال النَّاس بأمر الحشر، فلا يلتفتُ أحدٌ حينئذ إلى المال، بل يقصد أن يتخفَّف ما استطاع. وما ذكره ابن حجر من استغناء النَّاس عن المال لاشتغالهم بأمر الحشر لا يُنافي أن يكون لاستغنائهم سببٌ آخر، وهو كثرة المال؛ كما يحصل في زمن المهدي وعيسى ﵇، وبذلك يكون الاستغناء يقع في زمنين - وإن تباعدا - بسببين مختلفين، والله أعلم.

стр. 82

٦ - ظُهور الفتن: الفتن: جمع فتنة، وهي الابتلاء والامتحان والاختبار، ثمّ كثُرَ استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثمّ أُطلِقت على كلّ مكروهٍ أو آيِلٍ إليه؛ كالإِثم، والكفر، والقتل، والتَّحريق، وغير ذلك من الأمور المكروهة (١). وقد أخبر النّبيّ ﷺ أن من أشراط السّاعة ظهور الفتن العظيمة الّتي يلتبس فيها الحق بالباطل، فتزلزل الإِيمان، حتّى يصبح الرَّجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، كلما ظهرت فتنةٌ؛ قال المؤمّن: هذه مُهْلِكَتي. ثمّ تنكشف، ويظهر غيرها، فيقول: هذه، هذه. ولا تزال الفتن تظهرُ في النَّاس إلى أن تقوم السّاعة. ففي الحديث عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بين يدي السّاعة فتنًا كقطع اللّيل المظلم، يصبح الرَّجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساير، فكسِّروا قسِّيكُم، وقطِّعوا أوتارَكُم، واضْرِبوا بسيوفِكُمُ الحِجارَةَ؛ فإن دُخِل على أحدِكُم؛ فليَكُنْ كخيرِ ابني آدم". رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم في "المستدرك" (٢).

стр. 83

وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "بادِروا بالأعمال فتنًا كقطع اللّيل المظلم؛ يصبح الرَّجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يُمْسي مؤمنًا ويُصبحُ كافرًا، يبيع دينَه بعَرَضٍ مِن الدُّنيا" (١). وعن أم سلمة زوجِ النبيِّ ﷺ ﵂، قالت: استيقظ رسول الله ﷺ ليلةً فَزِعًا؛ يقول: "سبحان الله! ما أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل الله من الفتن؟ مَنْ يوقظ صواحب الحجرات - يريد أزواجه - لكي يُصلّين؟ ربَّ كاسية في الدُّنيا عارية في الآخرة". رواه البخاريّ (٢). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: نادى منادي رسول الله ﷺ : الصّلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "إنّه لم يكن نبيٌّ قبلي إِلَّا كان حقًّا عليه أن يدلُّ أمَّتَهُ على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم، وإن أمَّتَكُم هذه جُعِل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأُمورٌ تُنْكِرونها، وتجيء الفتنة، فيرقَّق بعضها

стр. 84

بعضًا، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمّن: هذه، هذه ... فمَن أحبَّ أن يُزَحْزح عن النّار ويدخل الجنَّة؛ فلتأته منيَّتُه، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر". رواه مسلم (١). وأحاديث الفتن كثيرة جدًّا، فقد حذَّر النّبيّ ﷺ أمَّته من الفتن، وأمر بالتعوُّذ منها، وأخبر أن آخر هذه الأمة سيصيبها بلاءٌ وفِتَنٌ عظيمة، وليس هنالك عاصمٌ منها، إِلَّا الإِيمان بالله واليوم الآخر، ولزوم جماعة المسلمين، وهم أهل السنة - وإن قلُّوا -، والابتعاد عن الفتن، والتعوُّذ منها، فقد قال ﵊: "تعوَّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن". رواه مسلم (٢) عن زيد بن ثابت ﵁. أ - ظهور الفتن من المشرق: أكثر الفتن الّتي ظهرت في المسلمين كان منبعها من المشرق، من حيث يطلُعُ قرنُ الشيطان، وهذا مطابِقٌ لما أخبر به نبيُّ الرّحمة ﷺ . فقد جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ أنّه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: "ألَّا إن الفتنةَ هاهُنا، ألَّا إن الفتنة ها هُنا، من جيث يطلُعُ قرنُ الشيطان" (٣).

стр. 85

رواه الشيخان (١). وفي رواية لمسلم أنّه قال: "رأس الكفر من هاهُنا، من حيث يطلُعُ قرنُ الشيطان"؛ يعني: المشرق (٢). وعن ابن عبّاس ﵄؛ قال: دعا النبيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ بارِك لنا في صاعِنا ومُدِّنا، وبارك لنا في شامِنا ويمنِنا". فقال رجلٌ من القوم: يا نبي الله! وفي عراقنا. قال: "إن بها قَرن الشيطان، وتهيج الفتن، وإن الجفاء بالمشرق" (٣). قال ابن حجر: "وأول الفتن كان منبعها من قِبَلِ المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك ممّا يحبُّه الشيطان ويفرحُ به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة" (٤). فمن العراق ظهر الخوارج، والشيعة، والروافض، والباطنية،

стр. 86

والقَدَرية، والجهميَّة، والمعتزلة، وأكثر مقالات الكفر كان منشؤها من المشرق؛ من جهة الفرس المجوس؛ كالزردشتية (١)، والمانويّة (٢)، والمزدكية (٣)، والهندوسية (٤)، والبوذيَّة (٥)، وأخيرًا وليس آخرًا: القاديانية (٦)،

стр. 87

والبهائية (١) ... إلى غير ذلك من المذاهب الهدَّامة. وأيضًا؛ فإن ظهور التتار في القرن السابع الهجري كان من المشرق، وقد حدث على أيديهم من الدَّمار والقتل والشرِّ العظيم ما هو مدوَّنٌ في كتب التاريخ. وإلى اليوم لا يزال المشرق منبعًا للفتن والشرور والبدع والخرافات والإِلحاد، فالشيوعية الملحدة مركزها روسيا والصين الشيوعية، وهما في المشرق، وسيكون ظهور الدجَّال ويأجوج ومأجوج من جهة المشرق، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. ولا بدَّ لي هنا من أن أنبَّه على أن بعض الفتن هو من أشراط السّاعة

стр. 88

الّتي نصَّ عليها رسول الله ﷺ ؛ كموقعة صفين، وظهور الخوارج، وسأتكلم بإيجاز عن بعض الفتن العظيمة الّتي كانت سببًا في تفريق المسلمين، وظهور الشرَّ العظيم. ب - مقتل عثمان بن عفان ﵁: لقد كان ظهور الفتن في عهد الصّحابة ﵃ بعد مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁؛ فإنّه كان بابًا مغلقًا دون الفتن، فلما قُتِلَ ﵁، ظهرت الفتن العظيمة، وظهر دُعاتُها ممَّن لم يتمكَّن الإِيمان من قلبه، وممَّن كان من المنافقين الذين يُظْهِرون للناس الخير، ويُبْطِنون الشر والكيد لهذا الدين. ففي "الصحيحين" عن حُذيفة ﵁ أن عمر بن الخطّاب ﵁؛ قال: أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ كما قال. قال: هاتِ؛ إنك لجريء. قال رسول الله ﷺ : "فتنةُ الرَّجل في أهله وماله وجاره تكفِّرها الصّلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". قال: ليست هذه، ولكن الّتي تموجُ كموجِ البحر. قال: يا أمير المؤمنين! لا بأس عليك منها، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: يُفتح الباب أو يُكْسر؟ قال: لا، بل يُكْسَر. قال: ذلك أحرى أن لا يغلق. قلنا: عُلِمَ الباب؟ قال: نعم؛ كما أن دون غَدٍ اللَّيلة، إنِّي حدثتُه حديثًا ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأله، وأمرنا مسروقًا، فسأله، فقال: مَنْ الباب؟ قال: عمر (١).

стр. 89

وكان ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ ، فقد قُتِلَ عمر، وكُسِرَ الباب، وظهرتِ الفتن، ووقع البلاء، فكان أول فتنة ظهرت هي قتل الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفَّان على يد طائفة من دُعاة الشر، الذين تألَّبوا عليه من العراق ومصر، ودخَلُوا المدينة، وقتلوه وهو في داره ﵁ (١). وقد ذكر النّبيّ ﷺ لعثمان ﵁ أنّه سيصيبه بلاءٌ، ولهذا صبر ونهى الصّحابة عن قتال الخارجين عليه؛ كي لا يُراقَ دَمٌ مِن أجله ﵁ (٢). ففي الحديت عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرج النّبيّ ﷺ إلى حائطٍ مِن حوائطِ المدينة ... (فذكر الحديث إلى أن قال: (فجاء عثمان، فقلت: كما أنت، حتّى أستأذن لك. فقال النّبيّ ﷺ : "ائذن له، وبشِّره بالجنة معها بلاءٌ يُصيبُهُ" (٣). "وخصَّ النبيُّ ﷺ عثمان بذكر البلاء مع أن عمر قتل أيضًا؛ لكون عمر لم يمْتَحَنْ بمثلِ ما امْتُحِنَ به عثمان؛ من تسلُّط القوم الذين أرادوا منه أن ينخلع من الإِمامة بسبب ما نسبوه إليه من الجور والظلم؛ بعد إقناعه

стр. 90

لهم، وردِّه عليهم" (١). وبمقتل عثمان ﵁ انقسم المسلمون، ووقع القتال بين الصّحابة، وانتشرت الفتن والأهواء، وكَثُر الاختلاف، وتشعَّبت الآراء، ودارت المعارك الطاحنة في عهد الصّحابة ﵃، وكان النّبيّ ﷺ يعلم ما سيقع من الفتن في زمنهم؛ فإنّه أشرف على أطم (٢) من آطام المدينة، فقال: "هل ترونَ ما أرى؟ قالوا: لا. قال: فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكُم كوقع القطر" (٣). قال النووي: "والتشبيه بمواقع القطر في الكثرة والعموم؛ أي: أنّها كثير، تعمُّ النَّاس، لا تختصُّ بها طائفةٌ، وهذا إشارةٌ إلى الحروب الجارية بينهم؛ كوقعة الجمل، وصفِّين، والحرَّة، ومقتل عثمان والحسين ﵄ ... وغير ذلك، وفيه معجزة ظاهرة له ﷺ " (٤). ج - موقعة الجمل: ومن الفتن الّتي وقعت بعد قتل عثمان ﵁ ما وقع في معركة الجمل المشهورة بين علي ﵁ وعائشة وطلحة والزُّبير ﵃؛ فإنّه لما قُتِل عثمان؛ أتى النَّاس عليًّا وهو في المدينة، فقالوا له:

стр. 91

ابْسُطْ يَدَكَ نُبايِعْكَ. فقالَ: حتّى يتشاوَرَ النَّاس. فقال بعضهم: لئن رجع النَّاس إلى أمصارِهم بقتل عثمان، ولم يقم بعده قائمٌ؛ لم يؤمَن الاختلاف وفساد الأمة. فألحُّوا على عليٍّ ﵁ في قبول البيعة، فبايعوه، وكان ممَّن بايعه طلحة والزُّبير ﵄، ثمّ ذهبا إلى مكَّة للعمرة، فلقيتهم عائشة ﵂، وبعد حديثٍ جرى بينهم في مقتل عثمان توجَّهوا إلى البصرة، وطلبوا من عليٍّ أن يسلِّم لهم قتلة عثمان (١)، فلم يجبهم؛ لأنّه كان ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه، فإذا ثبت على أحدٍ بعينِه أنَّه ممَّن قتل عثمان؛ اقتصَّ منه، فاختلفوا بسبب ذلك، وخشي مَنْ نُسِب إليهم القتل - وهم الخارجون على عثمان - أن يصطلحوا على قتلهم، فأنشبوا الحرب بين الطائفتين (٢). وقد أخبر النبيُّ ﷺ أنّه سيكونُ بينه وبين عائشة أمرٌ، ففي الحديث عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ قال لعلّيِّ بن أبي طالب: "إنّه سيكون بينَكَ وبينَ عائشة أمرٌ". قال: أنا يا رسول الله! قال: "نعم". قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله. قال: "لا؛ ولكِن إذا كان ذلك؛ فاردُدْها إلى مأمَنِها" (٣).

стр. 92

ومما يدلُّ على أن عائشة وطلحة والزبير لم يخرجوا للقتال، وإنّما للصُّلح بين المسلمين ما رواه الحاكم من طريق قيس بن أبي حازم؛ قال: لما بلغت عائشة ﵂ بعض ديار بني عامر؛ نبحت عليها الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب (١). قالت: ما أظنُّني إِلَّا راجعة. فقال لها الزبير: لا بعدُ، تقدَّمي، فيراك النَّاس، فيصلح الله ذات بينِهم. فقالت: ما أظنُّني إِلَّا راجعة؛ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كيفَ بإحداكُنَّ إذا نبحَتْها كلاب الحوأب" (٢). وفي رواية للبزار عن ابن عبّاس أن رسول الله ﷺ قال لنسائه: "أيتكنَّ صاحبة الجمل الأدبب (٣)، تخرجُ حتّى تنبحها كلاب الحوأب،

стр. 93

يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة، وتَنْجو من بعد ما كادت" (١). قال ابن تيمية: "إن عائشة لم تخرج للقتال، وإنّما خرجت بقصد الإِصلاح بين المسلمين، وظنَّت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثمّ تبيَّن لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرتْ خُروجها؛ تبكي حتّى تَبُلَّ خِمارَها، وهكذا عامَّة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعليٌّ ﵃ أجمعين. ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصدٌ في القتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم؛ فإنّه لما تراسل عليٌّ وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنّهم إذا تمكَّنوا؛ طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة، وكان علىٌّ غير راضٍ بقتل عثمان، ولا معينًا عليه؛ كما كان يحلف، فيقول: والله ما قتلتُ عثمان ولا مالأتُ على قتله. وهو الصادق البار في يمينه، فخشي

стр. 94

القتلة أن يتَّفِقَ عليٌّ معهم على إمساك القتلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظنَّ طلحةُ والزُّبير أن عليًّا حمل عليهم، فحملوا دفعًا عن أنفسهم، فظنَّ عليٌّ أنّهم حملوا عليه، فحمل دفعًا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم، وعائشة راكبةٌ؛ لا قاتلت، ولا أمرت بالقتال، وهكذا ذكره غير واحدٍ من أهل المعرفة بالأخبار" (١). د- موقعة صفِّين: ومن الفتن الّتي وقعت بين الصّحابة ﵃ غير حرب الجمل ما أشار إليه النّبيّ ﷺ بقوله: "لا تقوم السّاعة حتّى تقتتلَ فئتانِ عظيمتان، يكون بينهما مقتلةٌ عظيمةٌ، دعواهما واحدة". رواه البخاريّ ومسلم (٢). فالفئتان هما طائفة عليٍّ ومَن معه، وطائفة معاوية ومَن معه، على ما ذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٣). أخرج البزَّار بسند جيِّد عن زيد بن وَهْب؛ قال: كنا عند حذيفة، فقال: كيف أنتم وقد خرج أهل دينكم يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف؟ قالوا: فما تأمرنا؟ قال: انظروا الفرقة الّتي تدعو إلى أمر علي؛ فالزموها؛ فإنها على الحق (٤).

стр. 95

وقد وقعت الحرب بين الطائفتين في الموقعة المشهور بـ (صفِّين) (١) في ذي الحجة سنة ست وثلاثين من الهجرة، وكان بين الفريقين أكثر من سبعين زحفًا، قُتِل فيها نحو سبعين ألفًا من الفريقين (٢). وما حصل من قتال بين عليٍّ ومُعاوية لم يكن يريده واحدٌ منهما، بل كان في الجيشين من أهل الأهواء متغلَّبون يحرِّضون على القتال، الأمر الّذي أدَّى إلى نُشوب تلك المعارك الطاحنة، وخروج الأمر من يد عليٍّ ومُعاوية ﵄. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا عليًّا ولا مُعاوية، وكان علىٌّ ومُعاوية ﵄ أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين، لكن غُلبا فيما وقع، والفتنة إذا ثارت؛ عجز الحكماء عن إطفاء نارها. وكان في العسكرين مثل الأشتر النخعي (٣)، وهاشم بن عتبة

стр. 96

المرقال (١) وعبد الرّحمن بن خالد بن الوليد (٢) وأبي الأعور السلمي (٣) ونحوهم من المحرِّضين على القتال، قومٌ ينتصرون لعثمان غاية الانتصار، وقوم ينفرون عنه، وقوم ينتصرون لعلّيٍّ، وقوم ينفرون عنه، ثمّ قتال أصحاب معاوية لم يكن لخصوص معاوية، بل كان لأسباب أخرى. وقتال الفتنة مثل قتال الجاهلية، لا تنضبط مقاصد أهله واعتقاداتهم؛ كما قال الزّهريُّ: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فأجمعوا أن كلّ دمٍ أو مال أو فرج أُصيب بتأويل القرآن؛ فإنّه هدرٌ، أنزلوهم

стр. 97

منزلة الجاهلية" (١). هـ - ظهور الخوارج: ومن الفتن الّتي وقعت ظهور الخوارج على عليٍّ ﵁، وكان بداية ظهورهم بعد انتهاء معركة (صفين)، واتفاق أهل العراق والشام على التحكيم بين الطائفتين، وفي أثناء رجوع عليٍّ ﵁ إلى الكوفة فارقه الخوارج - وقد كانوا في جيشه -، ونزلوا مكانًا يُقال له (حَروراء) (٢)، ويبلغ عددهم ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشر ألفًا، فأرسل عليٌّ إليهم ابن عبّاس ﵁، فناظرهم، ورجع معه بعضهم، ودخلوا في طاعة عليٍّ. وأشاع الخوارج أن عليًّا تاب من الحكومة، ولذلك رجع بعضهم إلى طاعته، فخطبهم عليٌّ ﵁ في مسجد الكوفة، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إِلَّا لله. وقالوا: أشركتَ وحكَّمتَ الرجال ولم تحكِّم كتاب الله. فقال لهم عليٌّ: لكم علينا ثلاث: أن لا نمنَعَكُم من المساجد، ولا من رزقكم في الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تُحْدِثوا فسادًا. ثمّ إنهم تجمَّعوا وقتلوا مَنْ اجتاز بهم من المسلمين ومرَّ بهم عبد الله

стр. 98

بن خبَّاب بن الأرت (١) ومعه زوجته، فقتلوه، وبقروا بطن زوجته عن ولدها، فلما علم بذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وسألهم مَنْ قتله؟ فقالوا: كلُّنا قتله. فتجهَّز علىٌّ للقتال، والتقى بهم في الموقعة المشهورة بـ (النهروان) (٢)، فهزمهم شرَّ هزيمة، ولم ينجُ منهم إِلَّا القليل. وقد أخبر النّبيّ ﷺ بخروج هذه الطائفة في هذه الأمة، فقد تواترت الأحاديث بذلك، ذكر منها الحافظ ابن كثير أكثر من ثلاثين حديثًا وردت في الصحاح والسنن والمسانيد (٣): منها ما رواه أبو سعيد الخُدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق". رواه مسلم (٤).

стр. 99

وعنه ﵁ أنّه لما سُئل عن الحرورية؟ قال: لا أدري ما الحرورية؟ سمعتُ النّبيّ ﷺ يقول: "يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قومٌ تحقِرون صلاتَكم مع صلاتِهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم، يمرُقون من الدين مروق السهم من الرمِيَّةِ" (١). رواه البخاريّ. وقد أمر النّبيّ ﷺ بقتال الخوارج، وبيَّن أن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم، ولهذا دليلٌ على فساد هذه الطائفة، وبعدها عن الإسلام، وضررها العظيم على الأمة؛ بما تُثيره من فتن وقلاقل. ففي "الصحيحين" عن عليٍّ ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "سيخرجُ قومٌ في آخر الزَّمان، أحداثُ الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرَّيَّة، لا يجاوز إيمانُهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّةِ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا لمَن قتلهم يوم القيامة" (٢). قال الإمام البخاريّ: "كان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين" (٣).

стр. 100

وقال الحافظ ابن حجر: "عظم البلاء بهم، وتوسَّعوا في معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإِبط، وأوجبوا الصّلاة على الحائض في حال حيضِها، وكفَّروا مَنْ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرًا، وإن لم يكن قادرًا؛ فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفُّوا عن أموال أهل الذمَّةِ وعن التعرُّض لهم مطلقًا، وفتكوا فيمن يُنْسَب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب" (١). ولا يزال الخوارج يَظْهرون حتّى يدرك آخرهم الدجَّال، ففي الحديث عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "ينشأ نشءٌ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيَهُم، كلما خرج قرنٌ؛ قُطِعَ". قال ابن عمر: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كلما خرج قرنٌ قُطع (أكثر من عشرين مرّة) حتّى يخرج في عراضهم الدجَّال" (٢). و - موقعة الحرَّة (٣): ثمّ تتابع وقوع الفتن بعد ذلك، ومن هذه الفتن موقعة الحرَّة المشهورة في عهد يزيد بن معاوية، والتي استُبيحَت فيها مدينة رسول الله ﷺ ، وقُتِل

стр. 101

فيها كثيرٌ من الصّحابة ﵃. قال سعيد بن المسيَّب: "ثارت الفتنة الأولى، فلم يبق ممَّن شهد بدرًا أحدٌ، ثمّ كانت الثّانية، فلم يبق ممَّن شهد الحديبية أحدٌ". قال: "وأظن لو كانت الثّالثة؛ لم ترتفع وفي النَّاس طباخ" (١). قال البغوي: "أراد بالفتنة الأولى مقتل عثمان، وبالثّانية: الحرة" (٢). ز- فتنة القول بخلق القرآن: ثمّ ظهر بعد ذلك في عهد العباسيِّين فتنة القول بخلق القرآن، وقد تزعم هذه المقالة الخليفة العباسي المأمون، وناصَرَها، وتَبِعَ في ذلك الجهميَّة والمعتزلة الذين روَّجوها عنده، حتّى امتُحِنَ بسببها علماء الإسلام، ووقع على المسلمين بذلك بلاءٌ عظيمٌ، فقد شغلتهم ردحًا طويلًا من الزَّمن، وأدخل بسببها في عقيدة المسلمين ما ليس منها. هذا؛ والفتن الّتي وقعت كثيرة لا حصر لها، ولا تزال الفتن تظهر وتتابع وتزداد. وبسبب هذه الفتن وغيرها من الفتن افترق المسلمون إلى فرقٍ

стр. 102

كثيرةٍ، كلّ فرقةٍ تدعو إلى نفسها، وتدَّعي أنّها على الحق، وأن غيرَها على الباطل. وقد أخبر الهادي البشيرُ ﵊ بافتراق هذه الأمة كما افترقت الأمم قبلها. ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "افترقتِ اليهود على إحدى أو اثنتينِ وسبعين فرقةً، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتينِ وسبعين فرقة، وتفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة": رواه أصحاب "السنن"؛ إِلَّا النسائي (١). وعن أبي عامر عبد الله بن لحي؛ قال: حَجَجْنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكَّة؛ قام حين صلَّى صلاة الظهر، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينِهم على اثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّةً - يعني: الأهواء -؛ كلها في النّار إِلَّا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمَّتي أقوامٌ تَجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرقٌ ولا مِفْصَلٌ إِلَّا دخله". والله يا معشر العرب! لئن لم تقوموا بما جاء به نبيُّكم ﷺ ؛ لَغَيْرُكُم

стр. 103

من النَّاس أحرى أن لا يقوم به (١). ح - اتِّباع سنن الأمم الماضية: ومن الفتن العظيمة اتِّباع سنن اليهود والنصارى وتقليدهم، فقد قلَّد بعض المسلمين الكفَّار، وتشبَّهوا بهم، وتخلَّقوا بأخلاقهم، وأُعجبوا بهم، وهذا مصداق ما أخبر به النبيُّ ﷺ ، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "لا تقوم السّاعة حتّى تأخذ أمَّتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ". فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ فقال: "ومَن النَّاس إِلَّا أولئك". رواه البخاريّ (٢). وفي رواية عن أبي سعيد: قُلْنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمَن؟! ". رواه البخاريّ ومسلمٌ (٣).

стр. 104

قال ابن بطَّال (١): "أعْلَمَ ﷺ أن أمَّته ستَتَّبِع المُحدثات من الأمور والبدع والأهواء؛ كما وقع للأمم قبلَهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شرٌّ، والساعة لا تقوم إِلَّا على شرار النَّاس، وأن الدين إنّما يبقى قائمًا عند خاصَّةٍ مِن النَّاس" (٢). وقال ابن حجر: "وقد وقع معظم ما أنذر به ﷺ ، وسيقع بقيَّة ذلك" (٣). وفي هذا الزمن كثر في المسلمين مَنْ يتشبَّه بالكفارة من شرقبين وغرببين، فتشبَّه رجالنا برجالهم، ونساؤنا بنسائهم، وافتتنوا بهم، حتّى أدى الأمر ببعض النَّاس أن خرجوا عن الإسلام، واعتقدوا أنّه لا يتمُّ لهم تقدُّم وحضارة إِلَّا بنبذ كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ومَن عرف الإسلام الصّحيح؛ عرف ما وصل إليه المسلمون في القرون الأخيرة، من بُعْدٍ عن تعاليم الإسلام، وانحرافٍ عن عقيدته، فلم يبقَ عندَ بعضهم من الإسلام إِلَّا اسمه، فقد حكموا قوانين الكفار، وابتعدوا عن شريعة الله، وليس هناك أبلغ ممّا وصف به النّبيّ ﷺ المسلمين في اتِّباعهم ومحاكاتهم للكفار، فقال: "شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتّى لو دَخَلوا جًحْرَ ضبٍّ

стр. 105

تَبعْتُموهُم" (١). قال النووي: "والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدَّة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ ، فقد وقع ما أخبر به ﷺ " (٢). هذا؛ والفتن ليس لها حصرٌ، ففتنة النِّساء، وفتنة المال، وحب الشهوات، وحب السلطان والسيادة والزعامة؛ كلها فتنٌ ربما تهلك الإِنسان، وتعصف به إلى مهاوي الرَّدى، نسأل الله العافية والسلامة. ٧ - ظهور مدَّعي النبوَّة: ومن العلّامات الّتي ظهرت: خروج الكذَّابين الذين يدَّعون النيوَّة، وهم قريبٌ من ثلاثين كذَّابًا، وقد خرج بعضُهم في الزمن النبويَّ وفي عهد الصّحابة، ولا يزالون يظهرون. وليس التحديد في الأحاديث مرادًا به كلّ من ادَّعى النبوَّة مطلقًا؛ فإنهم كثيرٌ لا يُحْصَوْنَ، وإنّما المراد مَنْ قامت له شوكة، وكَثُر أتباعه، واشتُهِرَ بين النَّاس (٣). ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يبعث دجَّالون كذَّابون قريبٌ من ثلاثين؛ كلهم يزعم أنّه رسول الله" (٤).

стр. 106

وعن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم السّاعة حتّى تلحق قبائل من أمَّتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمَّتي ثلاثون كذَّابون، كلهم يزعم أنّه نبيٌّ، وأنا خاتم النبيِّين، لا نبيَّ بعدي" (١). والأحاديث في ظهور هؤلاء الدَّجاجلة كثيرة، وفي بعضها وقع أنّهم ثلاثون بالجزم؛ كما في حديث ثوبان، وفي بعضها أنّهم قريبٌ من الثلاثين؛ كما في حديث "الصحيحين"، ولعلّ رواية ثوبان على طريقة جبر الكسر (٢). وممَّن ظهر من هؤلاء الثلاثين مسيلمة الكذَّاب، فادَّعى النبوَّة في آخر زمن النّبيّ ﷺ ، وكاتَبَهُ رسول الله ﷺ ، وسماه مسيلمة الكذاب، وقد كثر أتباعه، وعَظُم شرُه على المسلمين، حتّى قضى عليه الصّحابة في عهد أبي بكر الصدِّيق ﵁، في معركة اليمامة المشهورة. وظهر كذلك الأسود العَنَسي في اليمن، وادَّعى النبوَّة، فقتله الصّحابة قبل موت النّبيّ ﷺ .

стр. 107

وظهرت سَجاح، وادَّعت النبوة، وتزوَّجها مسيلمة، ثمّ لما قُتِل؛ رجعت إلى الإسلام. وتنبأ أيضًا طليحة بن خويلد الأسدي، ثمّ تاب ورجع إلى الإسلام، وحسن إسلامه. ثمّ ظهر المختار بن أبي عُبيد الثقفي، وأظهر محبَّة أهل البيت، والمطالبة بدم الحسين، وكَثُر أتباعه، فتغلَّب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، ثمّ أغواه الشيطان، فادَّعى النبوَّة ونزول جبريل عليه (١). والذي يقَّوي أنّه من الدَّجالين ما رواه أبو داود بعد سياقه لحديث أبي هريرة الّذي في "الصحيحين" في ذكر الكذابين: "عن إبراهيم النخعي أنّه قال لعُبيدة السلماني (٢): أترى هذا منهم- يعني: المختار-؟ قال: فقال عُبيدة: أمّا إنّه من الرؤوس" (٣). ومنهم الحارث الكذَّاب، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان، فقُتِل. وخرج في خلافة بني العباس جماعةٌ (٤). وظهر في العصر الحديث ميرزا أحمد القادياني بالهند، وادَّعى

стр. 108

النبوة، وأنّه المسيح المنتظر، وأن عيسى ليس بحيٍّ في السَّماء ... إلى غير ذلك من الادعاءات الباطلة، وصار له أتباعٌ وأنصارٌ، وانبرى له كثيرٌ من العلماء، فردُّوا عليه، وبيَّنوا أنّه أحد الدَّجالين. ولا يزال خروج هؤلاء الكذابين واحدًا بعد الآخر، حتي يظهرآخرهم الأعور الدجَّال، فقد روى الإمام أحمد عن سَمُرة بن جُنْدَب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم كسفت الشّمس على عهده: "وإنه - والله- لا تقوم السّاعة حتّى يخرج ثلاثون كذَّابًا، آخرهم الأعور الكذَّاب" (١). ومن هؤلاء الكذَّابين أربع نسوة، فقد روى الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "في أمتي كذابون ودجَّالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيِّين، لا نبيَّ بعدي" (٢). ٨ - انتشار الأمن: عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقومُ الساعةُ حتّى يسيرَ الراكِبُ بينَ العراقِ ومكَّةَ، لا يخافُ إِلَّا ضَلالَ الطَّريق" (٣).

стр. 109

وهذا قد وقع في زمن الصّحابة ﵃، وذلك حينما عمَّ الإِسلامُ والعدلُ البلادَ الّتي فتحها المسلمون. ويؤِّيدُهُ ما تقدَّم في حديث عديٍّ ﵁ حين قال له النبيُّ ﷺ : "يا عَدِيُّ! هل رأيت الحيرة؟ ". قلتُ: لم أرها، وقد أُنْبِئْتُ عنها. قال: "فإن طالتْ بك حياةٌ لَتَرَيَنَّ الظعينة ترتحل من الحيرة حتّى تطوف بالكعبة؛ لا تخاف إِلَّا الله ... " (١). وسيكون ذلك في زمن المهدي وعيسى ﵇ حينما يعمُّ العدلُ مكان الجور والظلم. ٩ - ظُهورُ نارِ الحجازِ: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقومُ الساعةُ حتّى تخرجَ نارٌ من أرض الحجازة تُضيءُ أعناقَ الإِبلِ ببصرى (٢) " (٣). وقد ظهرت هذه النّار في منتصف القرن السابع الهجري في عام أربع وخمسين وست مئة، وكانت نارًا عظيمة، أفاض العلماء ممَّن عاصر ظهورها ومَن بعدَهم في وصفها.

стр. 110

قال النووي: "خرجتْ في زماننا نارٌ بالمدينة سنة أربع وخمسين وست مئة، وكانت نارًا عظيمة جدًّا، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، وتواتَرَ العلم بها عند جميع الشّام وسائر البلدان، وأخبرني مَنْ حضرها من أهل المدينة" (١). ونقل ابن كثير أن غير واحدٍ من الإعراب ممَّن كان بحاضرة بصرى شاهدوا أعناقَ الإِبل في ضوء هذه النّار الّتي ظهرت من أرض الحجاز (٢). وذكر القرطبي ظهورَ هذه النّار، وأفاض في وصفها في كتابه "التذكرة" (٣)، فذكر أنّها رُئِيت من مكّة ومن جبال بصرى. وقال ابن حجر: "والذي ظهر لي أن النّار المذكورة ... هي الّتي ظهرتْ بنواحي المدينة؛ كما فهمه القرطبي وغيرُه" (٤). وهذه النّار ليست هي النّار الّتي تخرُجُ في آخر الزّمان، تحشُرُ النَّاس إلى محشَرِهم (٥)؛ كما سيأتي في الكلام عليها في الأشراط الكبرى. ١٠ - قِتالُ التُّركِ (٦): روى مسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا
следующие страницы →