← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18318

الكلام على مسألة السماع

ابن القيم

Полный текст (508 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الآخرة اشتغلوا بالذكر لله، إلا أني أستحسنُ منهم خُطَّتين (١): السماع والنظر إلى الأحداث. قال أبو موسى: ثنا الإمام أبو بكر القزاز، حدثنا الخطيب (٢)، أخبرني عبد الصمد (٣) بن محمد، قال: سمعت الحسن بن الحسين، يقول: سمعت أبا الفرج الرستمي الصوفي، يقول: سمعت المحترق البصري، يقول: رأيت إبليس في النوم، فقلت له: كيف رأيتَنا؟ عزفْنا عن الدنيا ولذاتها وأموالها، فليس لك إلينا طريق، فقال: كيف رأيت ما اشتملت به قلوبكم باستماع السماع ومعاشرة الأحداث! قال أبو موسى: وأنا أبو طاهر [٢٧ أ] محمد بن عبد الغفار الهمذاني قال: سمعت والدي يقول: سمعت أحمد بن الحسن، وهو شيخ الصوفية من المتأخرين، يقول: من قال: إنَّ الاستماع إلى المناهي ــ أو قال (٤): الملاهي ــ مباحٌ له فهو إلى مذهب الإباحة أقرب، ولو بلغ العارف إلى (٥) ما بلغ من سَنِيِّ أحوالِه، لم يُرخَّص له (٦) الالتفات إلى

стр. 107

المناهي والملاهي. قال أبو موسى: قال بعض المشايخ: فإن احتجَّت المباحية بما رُوي عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ في أيام التشريق، وعندي جاريتان لعبد الله بن سلام تضربان بالدفّ وتغنيان (١). قلنا لهم: إنَّ رسول الله ﷺ جوَّز ذلك للجاريتين لصغرهما في أيام العيد خاصة، ولهذا قال: "يا أبا بكر! إنَّ لكل قوم عيدًا، وهذه أيام عيدنا". فإن قيل: أليس قد جوَّزه الشرع في النكاح والختان؟ قلنا: جوّز ذلك لإعلان النكاح، كما روى أبو شعيب الحراني، حدثنا سُريج (٢) بن يونس، حدثنا هشيم عن خالد، عن ابن سيرين، أن عمر بن الخطاب كان إذا سمع صوت الدف سأل عنه، فإن قالوا: عُرس أو ختان، سكت (٣). فدل على أنَّ ذلك مرخص في بعض الأحوال دون بعض، وكانت الدفوف في ذلك الوقت كالغرابيل، أما سمعتَ ما روتْ عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "أَعلِنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالغربال" (٤).

стр. 108

ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الذين كانوا (١) يُنزِّهون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان، أسكِنوهم رياضَ المسك، ثمّ يقول الله لملائكته: أَسمِعوهم حمدي وثنائي، وأعلِموهم أنْ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (٢). فإن قال [٢٧ ب] قائل: فهذا السماع قد حضره جماعة من الأولياء وممن لا يُشَكُّ في علوّ منزلته عند الله، مثل الجنيد وأصحابه، والشبلي وأمثاله، مثل يوسف بن الحسين الرازي، ومن قبله مثل ذي النون المصري وغيرهم، فكيف يسوغ لكم تخطئتُهم والإنكار عليهم؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن هذا السماع المسؤول عنه على هذا الوجه، قد برَّأ الله منه (٣) أولياءه وأعاذهم منه، وحاشاهم أن يكون أحد منهم حضره أو رضيه أو أباحه، وإنما السماع الذي حضره مَن حضره منهم، أن جماعة

стр. 109

كانوا يجتمعون يذكرون الله والدار الآخرة، وأعمالَ القلوب وآفاتِها، ومصححاتِ الأعمال والأحكام والفروق (١) والوجد والإرادة، فإذا رقَّت قلوبهم، وتحركت هِمَمُهم، واشتاقت نفوسهم إلى السير، قام حادٍ يحدو أرواحَهم وقلوبهم (٢)، ليطيب لها السير إلى الله والدار الآخرة، ويُذكِّرها منازلَها الأولى، كما قيل: وحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنها ... منازلُك الأولى وفيها المخيَّمُ ولكننا سَبْيُ العدوِّ فهل تُرى ... نعودُ إلى أوطانِنا ونُسلِّم (٣) وكما قال الآخر (٤): نَقِّلْ فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ كم منزلٍ في الأرضِ يَألفُه الفتى ... وحنينُه أبدًا لأول منزل وقال (٥) الآخر (٦):

стр. 110

أبتْ غَلَباتُ الشوقِ إلا تقرُّبا ... إليك وذاك العذلُ إلا تجنُّبا وما كان صدّي عنك صدَّ ملالةٍ (١) ... ولا ذلك الإعراضُ إلا تحبُّبا وقال (٢) الآخر (٣): حبيبٌ تركتُ الناسَ لما عرفتُه ... كأنهمُ ما جفّ (٤) من زادِ قادمِ [٢٨ أ] وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركِه في عمريَ المتقادم وقال (٥) الآخر (٦): لقد كان يَسبِي القلبَ في كل ليلةٍ ... ثمانون أو تسعون نفسًا وأرجحُ يَهِيمُ بهذا ثم يألَفُ غيرَه ... ويَسلوهمُ من فورهِ حين يُصبِحُ وكان فؤادي خاليًا قبل حبِّكم ... وكان بذكر الخلقِ يلهو ويَمرَحُ (٧) فلمّا دعا قلبي هواك أجابه ... فلستُ أراه عن جنابِك يَبرحُ فإن شئتَ واصِلْني وإن شئتَ لاتَصِلْ ... فلستُ أرى قلبي لغيرِك يَصلُحُ

стр. 111

حُرِمْتُ مُنايَ منك إن كنتُ كاذبًا ... وإن كنتُ في الدنيا بغيرك أفرَحُ وإن كان شيء في البلاد بأسْرِها ... إذا غبتَ عن عينيْ لعينيَ يَملُحُ وقول الآخر (١): قالوا غَد العيدِ ماذا أنتَ لابسُه ... فقلتُ خلعةَ ساقٍ حبّه جُرَعَا فقرٌ وصبرٌ هما ثوبانِ تحتهما ... قلبٌ يرى إلفَه الأعيادَ والجُمعَا والدهرُ لي مأتمٌ إن غِبتَ يا أملي ... والعيدُ ما دمتَ لي مرأًى ومُستمَعا وقول الآخر (٢): أُحِبُّك حُبَّينِ حبُّ الهوى ... وحبٌّ (٣) لأنك أهلٌ لذاكا فأمّا الذي هو حبُّ الهوى ... فشيءٌ شُغِلْتُ به عن سواكا وأمّا الذي أنتَ أهلٌ له ... فكَشْفُك (٤) للحُجْبِ حتى أراكا وما الحمدُ في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا وقول الآخر (٥):

стр. 112

تموتُ النفوسُ بأَوصَابها ... وتَكْتُم عُوّادَها ما بها وما أنصفَتْ مُهجةٌ تشتكي ... جَواها إلى غير أحبابِها وقول الآخر (١): وركبٍ سَرَوْا والليلُ مُرْخٍ سُدُولَه ... على كل مُغْبَرِّ المطالعِ قاتمِ حَدَوا عَزماتٍ ضاعت الأرضُ بينها ... تُرِيهم نجومُ الليل ما يطلبونه ... فصار سُرَاهم (٢) في ظُهور العَزائمِ على عاتق الشِّعْرَى وهَامِ النَّعَائِم وقال (٣) الآخر (٤): قومٌ همومهمُ باللهِ قد عَلِقَتْ ... فما لهم هِمَمٌ (٥) تَسمُو إلى أحدِ فمطلبُ القوم مولاهم وسيدُهم ... يا حُسنَ مطلبِهم للواحدِ الصمدِ ما إن (٦) تُنازِعهم دنيا ولا شرفٌ ... من المطاعم واللذاتِ والولد وقول الآخر (٧):

стр. 113

إذا غبتَ عن عيني تملَّا بك الفِكْرُ ... وإن لم يَزُرني الطيفُ (١) طافَ بك السِّرُّ فكُلِّي (٢) لسانٌ عن هواك مخبِّرٌ ... وكُلِّيَ (٣) قلبٌ أنتَ في طَيِّهِ نَشْرُ وقول الآخر (٤): مَن كان في ظُلَمِ الليالي ساريًا ... رَصَدَ النُّجومَ وأوقدَ المصباحا حتى إذا ما البدر أرشد نورهُ ... تركَ النجومَ وراقبَ الإصباحا حتى إذا انجاب الظلامُ بأسْرِه ... ورأى الصباح بأسْرِهِ قد لاحا ترك المسارجَ والكواكبَ كلَّها ... والبدرَ وارتقبَ السَّنا الوضَّاحا وقول الآخر (٥): وبدا له من بعدِ ما اندملَ الهوى ... بَرْقٌ تألَّق مَوهِنًا لَمَعانُهُ يبدو كحاشيةِ الرداءِ ودونه ... صَعْبُ الذُّرى متمنعًا أركانُه فبدا لينظرَ كيف لاحَ فلم يُطِقْ ... نظرًا إليه وصدّه سجَّانُه (٦)

стр. 114

فالنار ما اشتملتْ عليه ضلوعُه ... والماء ما سمحَتْ (١) به أجفانُه [٢٩ أ] وقول الآخر (٢): يا غاديًا في غفلة ورائحا ... إلى متى تَستحْسنُ القبائحا وكمْ إلى كمْ لا تخافُ مَوقفًا ... يَستنطِقُ الله به الجوارحا واعجبًا منك وأنت مُبصِرٌ ... كيف تجنَّبتَ الطريقَ الواضحا وإلى مثل هذا أشار الإمام أحمد في الإباحة، قال أبو حامد (٣) الخلقاني: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله! هذه القصائد الرقاق التي (٤) في ذكر الجنة والنار، أي شيء تقول فيها؟ فقال: مثل أي شيء؟ قلتُ: يقولون: إذا ما قال لي ربي ... أما استحييتَ تعصيني وتُخفِي الذنبَ من خَلْقِي ... وبالعصيان تَأتيني فقال: أعِدْ عليَّ، فأعدتُ عليه، فقام ودخل بيته وردَّ الباب، فسمعت نحيبَه من داخلٍ، وهو يردِّدُ البيتين (٥). وأمثال هذه الأشعار التي تتضمن إثارةً (٦) في القلب من الحب

стр. 115

والخوف والرجاء والطلب والأنس والشوق والقرب وتوابعها، فصادف سماع هذه الأشعار من قلوبهم حبًّا وطلبًا، فأثاره إثارةً ممتزجة بحظ النفس، وهو نصيبها من اللذة والطرب الذي يُحدِثه السماع، فيظن تلك اللذة والطرب زيادةً في صلاح القلب وإيمانه وحاله الذي يُقرِّبه إلى الله، وهو محضُ حظِّ (١) النفس. فهذا منشأ الغلط الذي عرضَ للقوم، كما سيأتي تقريره (٢) وبسطُه إن شاء الله، وهذا هو الذي أنكره العارفون من القوم، وتاب منه مَن تاب منهم (٣)، وحذَّروا منه، وقالوا: إن مضرته للقلب أكثر من نفعه، وإفساده له أكثر من صلاحه. وسيأتي [٢٩ ب] عن قربٍ (٤) إن شاء الله تقريرُ هذا بحكم (٥) الذوق والوجد. الوجه الثاني من الجواب: أن هذا السماع وإن كان قد حضره وفعله مَن لا (٦) نشك في دينه وصدقه وصلاحه، فقد أنكره مَن هو أفضل منهم عند الأمة، وأعلى شأنًا، وأصدق حالًا، وأعرف بالله وبأمره، فإن كان قد

стр. 116

حضره وفعله مائةُ وليٍّ لله (١) فقد أنكره عليهم أكثر من ألف ولي لله، وإن كان قد حضره أبو بكر (٢) الشبلي فقد غاب عنه أبو بكر الصديق، وإن كان قد حضره يوسف بن الحسين الرازي فلم يحضره الفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل عمر بن الخطاب، وإن كان قد حضره النوري (٣) فقد غاب عنه ذو النورين عثمان بن عفان، وإن كان قد شهده ذو النون المصري فلم يشهده علي بن أبي طالب الهاشمي، وإن كان قد حضره سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد فقد صح عنه أنه تاب عنه وتركه قبل وفاته. وإن كان قد فعله أضعافُ أضعافِ هؤلاء، فقد غاب عنه المهاجرون والأنصار كلهم، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وجميع أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين (٤) لهم بإحسان، وجميع أئمة الفقه والإفتاء، وجميع أئمة الحديث والسنة، وجميع أئمة التفسير، وجميع أئمة القراءة، وجميع أئمة الجرح والتعديل الذابِّين عن رسول الله ﷺ ودينه، فمَنِ الناسُ إلا أولئك؟ فأيُّ فريقَيْنَا أحقُّ بأَمْنِهِ ... إذا بعثَ (٥) الله العبادَ ويَجمَعُ (٦)

стр. 117

فإن احتججتم بالرجال كاثرناكم بالواحد ألوفًا مؤلفة، وإن استدللتم بالقرآن، فهذا كتاب الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل [٣٠ أ] من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وإن استندتم إلى الإسناد (١) والحديث فسنذكر لكم منه ما يَشفِي صدرَ كل مُحِقّ، وإن لجأتم إلى الذوق (٢) والوجد حاكمناكم إليه، وبينّا أنَّا أسعدُ به منكم، وأن الذوق السليم والوجد الصحيح يحكم بأن فيه منفعةً للنفس، ومضرةً للقلب، ومضرته أكثر من نفعه كما سنبيّنه بالدليل الواضح، الذي لا مدفع له إن شاء الله. الوجه الثالث من الجواب: أنه لو اتفق (٣) عليه جميع الطائفة، وحضروه من أولهم إلى آخرهم، لما كان لكم في ذلك حجةٌ أصلًا، فإنهم بعض المسلمين، واتفاقهم لا يكون حجةً على مَن سواهم من طوائف أهل العلم الذين سميناهم. فمَن قال من أهل الإسلام: إن اتفاق السماعاتية حجة شرعية يجب اتباعها؟ أو اتفاق الفقراء أو اتفاق الصوفية حجة؟ فهذا لم يقله أحد من المسلمين، ومَن قاله فقد خرقَ إجماع المسلمين، فإن الحجة كتاب الله، وسنة رسوله وأقوال أصحابه، وإجماع الأمة.

стр. 118

الوجه الرابع من الجواب (١): أن الصوفية والمشايخ لم تُجمِعْ على ذلك، بل كثير منهم أو أكثرهم أنكره وعابه وأمر باجتنابه. قال أبو الحسن علي بن عبد الله بن جهضم في كتاب "بهجة الأسرار" (٢): حدثني أبو عبد الله المقرئ، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: قال لي الجنيد: "إذا رأيت المريد يسمع السماع، فاعلم أنَّ فيه بقايا من اللعب. وقال أبو عبد الله بن باكُوَيه في كتاب حكايات الصوفية: سمعت أحمد بن محمد البردعي (٣)، يقول: سمعت المرتعش، يقول: سمعت أبا الحسين النوري يقول لبعض أصحابنا: إذا رأيتَ المريد يسمع القصائد ويميل إلى الرفاهية فلا ترجُ خيره. قال الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي (٤): هذا قول مشايخ القوم [٣٠ ب] وإنما ترخص المتأخرون فيه حبًّا للهو، فتعدى شرهم من وجهين: أحدهما: سوء ظن العوام بقدمائهم، لأنَّهم يظنون أنَّ الكلَّ (٥)

стр. 119

كانوا هكذا. الثاني: أنهم (١) جرَّأوا العوام، فليس للعامي حجة إلَّا أن يقول: فلانٌ يفعل كذا فلانٌ يفعل كذا (٢). قال (٣): وقد تشبَّث (٤) حب السماع بقلوب خلق منهم فآثروه على قراءة القرآن، ورقَّت قلوبهم عنده ما لا تَرِقُّ عند القرآن، وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن، وغلبة طبع، وهم يظنون غير هذا. ثمّ ساق من تاريخ الخطيب (٥) بإسناده إلى أبي نصر (٦) السراج، قال: حكى لي بعض إخواني عن أبي الحسين الدراج، قال: قصدتُ يوسف بن الحسين الرازي من بغداد، فلما دخلتُ الريّ سألت عن منزله، فكل من أسأله عنه يقول: أَيشٍ تفعل بذلك الزنديق؟ فضيَّقوا صدري حتى عزمتُ على الانصراف، فبِتُّ تلك الليلةَ في مسجد، ثمّ قلت: جئت هذا البلد فلا أقلَّ من زيارته، فلم أزلْ أسأل عنه حتى دفعتُ

стр. 120

إلى مسجده (١) وهو (٢) قاعد في المحراب، وبين يديه رحلٌ عليه (٣) مصحف، وهو يقرأ، فسلمت عليه فردَّ عليّ السلام، وقال: من أين؟ قلت: من بغداد، قصدت زيارة الشيخ، فقال: تُحِسن أن تقول شيئًا؟ فقلت: نعم، فقلت: رأيتُك تَبنِي دائبًا في قطيعتي ... ولو كنتَ ذا حزمٍ لهدَّمتَ ما تَبني (٤) فأطبقَ المصحف، ولم يزل يبكي حتى ابتلَّتْ لحيته وثوبه، حتى رحمتُه من كثرة بكائه، ثمّ قال: يا بُنيَّ (٥)! تلوم أهل الري على قولهم: يوسف بن الحسين زنديق؟ ومن وقت الصلاة هو ذا أقرأ القرآن، لم يقطر من عيني قطرة، وقد قامت عليَّ القيامةُ بهذا البيت. الوجه الخامس: أنَّه ما من أحد بعد رسول الله ﷺ إلا ومأخوذ من قوله ومتروك، ولا يُقتدى بأحد في أقواله وأفعاله وأحواله [٣١ أ] كلها إلا رسول الله ﷺ ، فمن نزَّل غيرَه في هذه المنزلة فقد شرح بالضلالة والبدعة صدرًا، ولا يُغني عنه ذلك الغير من الله شيئًا، بل يتبرأ منه أحوج

стр. 121

ما يكون إليه، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧]. فكل من بعد رسول الله ﷺ يجب عرضُ أقواله وأفعاله وأحواله على ما جاء به الرسول، فإن كانت مقبولة لديه قُبِلَتْ، وإلا رُدَّتْ. فأبى (١) الظالمون المفتونون إلَّا عَرْضَ (٢) ما جاء به الرسول ﷺ (٣) على (٤) أقوال الشيوخ وطريقتهم وأصولهم (٥)، فعمَّ بذلك المصاب، وعظمت المحنة، واشتدت الرزية، واشتدت غربة الدين وأهله، وظن بهم الجاهلون أنَّهم هم أهل البدع، وأصحاب الطرائق (٦) والآراء هم أهل السنة، ويأبى الله إلَّا أن يُقيم دينه، ويُتِمَّ نوره، ويُعلِي كلماته وكلمات رسوله، وينصر حزبه ولو كره المبطلون. الوجه السادس: أن من نقل عنه أنَّه حضر السماع من القوم، فليس

стр. 122

فيهم رجل واحد يسوغ تقليده في الدين، فإنَّه ليس (١) فيهم إمام من أئمة التقوى (٢) والعلم الذين يسوغ تقليدهم في الجملة. وأعلى من حضره قوم لهم صدق وزهد وأحوال مع الله، ولكنهم ليسوا بمعصومين، ولا لهم قول يحكى مع أقوال العلماء الذين دارت الفتوى والحكم على أقوالهم. وغاية أحدهم أن يكون حضوره له من السعي المغفور، الذي يغفره الله له لصدقه (٣) وكثرة حسناته وحسن نيته، فأما أن يتخذ قُدوة وإمامًا فهذا باطل قطعًا، إذ ليس من أهل الاجتهاد ومن له قول بين أهل العلم. الوجه [٣١ ب] السابع: أنَّه لو فرض أنَّه من أهل الاجتهاد، وممن يسوغ العمل بقوله، فقد خالفه من هو مثله أو أجلُّ منه، والحاكم بين المتنازعين كتاب الله وسنة رسوله، وما كان هو عليه (٤) وأصحابه. فأما أن يُحكَّم ذوقُ أحدٍ (٥) وحالُه ووجده، ويُجعلَ إمامًا وقدوة بلا برهان من الله ورسوله، فهذا منشأ الضلال وهو من أكبر أسباب البعد

стр. 123

من الله ومَقْته، فإنَّ الله لا يُتقرب إليه إلَّا بما يحبه ويرضاه، لا بما يذوقه كل أحد ويستحسنه ويهواه، وكيف يليق بمن يدعي محبة الله وإرادته، أن يتقرب إليه بما لم يشرعه على لسان حبيبه، وبما لا يحبه ويرضاه من القول والعمل والهدى؟ وهل هذا إلَّا عين البعد منه؟ وقد قال غير واحد من السلف (١): ادَّعى قومٌ محبةَ الله تعالى، فأنزل الله تعالى (٢): ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، فلم يقل: فارقصوا وغنُّوا واطربوا على صوت المزامير والشبابات، والألحان المطربات، بالتوقيعات والنغمات، فمن أضلُّ سبيلًا ممن يدَّعي محبة الله، ويزعم أنَّه يتقرب إليه بهذا السماع الشيطاني، الذي هو حظُّ النفس والشيطان. (٣) فهل سمعتم قطُّ في سنةٍ ... صحَّت عن المختار أو في كتابْ أنَّ الغنا والرقص دينٌ كذا ... صوتُ يَراعٍ أو أخيهِ الرَّبابْ هذا كتاب الله ما بيننا ... منزَّهٌ عن باطل وارتيابْ وهذه السنةُ قد بيَّنتْ ... مرادَه حتى استبان الكتابْ إن أنتمُ أعفيتُموها (٤) من (م) ... التحريفِ أبصرتم طريقَ الصواب

стр. 124

وهذه أصحابُ خيرِ الورى ... (م) ... وهَدْيهم أفضلُ هدْيِ الصحابْ [٣٢ أ] وهذه أتباعهم (١) بعدهم ... مَضَوا على نَهْجهمُ المستطابْ وتابِعوهم بعدهم هكذا ... من كل قرنٍ هديُهم لا يُعابْ وأول القوم وساداتُهم ... من كل مَن دعوتُه تُستجابْ وكل من أعطاه ربُّ الورى ... لسانَ صدقٍ وثَنَا مُستطابْ هل فيهمُ من عابدٍ ربَّه ... بالرقص والزَّفْنِ وخَلْعِ الثيابْ يشتاق بالأوتار (٢) والدفِّ ... والنَّاي إلى الجنة دار الثوابْ يَهُزُّه الشوق لطيبِ الغنا ... حتى يمرَّ القلب مرَّ السحاب ويَزعَقَ الزَّعْقَاتِ من قلبه ... لقوة الوارد عند الشراب (٣) والشوق قد أضرمَ نيرانَه ... في القلب لولا الدمعُ يجري لَذابْ ويثقُلُ الوحيُ على قلبه ... كالصخر فوق الصخر لا كالتراب قلنا نعم هذا الغنا قربةٌ ... تُدني من الفوز وحسنِ المآب فالبعد في القرآن حتى لقد ... هجرتموه لن تخافوا العقابْ (٤) من هاهنا قيل بأنَّ (٥) الغنا ... يُنبِت في القلب النفاقَ العُجاب يا قوم لو أنَّ الغنا قربة ... لجاء مَعْ كل نبيٍّ رَبابْ

стр. 125

أو كانَ هذا الرقص دينًا لنا ... لكانت الجنة مأوى الدِّبابْ (١) الوجه الثامن: أنا نناشدكم الله، هل تدخلون في السماع بالشروط التي شرطها من أباحه ممن قلدتموه؟ فإنهم شرطوا فيه شروطًا مذكورة في كتب القوم. منها: أن لا يتكلفوا السماع، وقالوا: من تكلفه فُتِن به، ومن صادفه استراح به. فأخبروا أنَّه فتنة لمن اختاره وقصده، وراحة لمن صادفه اتفاقًا، وهذا من أبين شيء على أنَّه [٣٢ ب] ليس بقربة ولا طاعة، لأنَّ قصد الطاعات والقُرَب وإرادتها (٢) لا يكون فتنةً، بل لا تصح إلا بذلك. ومنها: أن يدخله بقلب مملوء بربه، فارغ من شهواته وحظوظه، ذِكرُ الله فيه في محل الخطرات والوساوس، وقد ملك عليه ذكرُ ربه وساوسَه وخطراتِه. ومنها: أن يقعد بوابًا على باب قلبه، يحرسه من السماع للنفس (٣) والشيطان، بل يكون سماعه (٤) مجردًا لله ولعبوديته. ومنها: أن يحفظ قلبه في السماع من طوارق الغفلة عن الله والتفاته إلى سواه.

стр. 126

ومنها: أن يتلقى ما يَرِد عليه من إشارة السماع، بمطالبة نفسه بحقوق العبودية، من تجريد التوحيد والإنابة إلى الله، وتعليق الهمِّ كله به، ولوم النفس في إيثارها بحظِّها (١) على مرضاته ومحابِّه. ومنها: أن يكون في سماعه هذا لله وبالله ومع الله، ليكون له نصيب وافر من قوله: "فبي يسمع" (٢). ومنها: أن يخلو السماع ممن لا تُؤمن الفتنةُ به، ممن لا يحل سماع صوته والتلذذ بالنظر إليه. فبهذه الشروط أباح السماعَ من أباحه من القوم وحضره، ثمَّ قال عارف القوم وسيدهم بلا مدافع، الشيخ عبد القادر الكيلاني بعد ذكره آداب السماع: "ولو صدق القوم في قصدهم وتجردهم وتصوفهم، لما انزعجوا في قلوبهم وجوارحهم بغير سماع كتاب الله ، إذ هو كلام محبوبهم وصفته، وفيه ذكره وذكرهم، وذكر الأولين والآخرين، والماضين والغابرين، والمحب والمحبوب، والمريد والمراد، وعتاب المدَّعين لمحبته ولومهم وغير ذلك. فلما اختلَّ قصدهم وصدقهم، وظهرت دعواهم من غير بينة، وزُورُهم وقيامهم [٣٣ أ] مع الرسم

стр. 127

والعادة، من غير غريزة باطنة وصدق السريرة، والمعرفة والمكاشفة والعلوم الغريبة، والاطلاع على الأسرار، والقرب والأنس، والوصول إلى المحبوب، والسماع الحقيقي وهو القرآن والحديث والكلام الذي هو سنّة الله (١) مع العلماء به، والخُلَّص من الأولياء والأبدال والأعيان، وخلَتْ بواطنهم من ذلك كله= وقفوا (٢) مع القوَّال (٣) والأبيات والأشعار التي تثير الطباع، وتُهيِّج ثائرةَ العشق بالطباع لا بالقلوب والأرواح" (٤). فهذا كلام من قد (٥) خَبَر السماع، وعلم ما فيه من الآفات. وأما من أخذ في إباحته واستحبابه، ومدحه من غير تعرض لآفاته، فإنَّه محجوب عن صلاح قلبه ومعرفة مفسداته، والفرق بين حظ النفس والشيطان وحق الرب، وهو ممن (٦) يعبد الله على ما تهواه نفسه وتحبه، لا على ما يحبه الله ويرضاه، وليس الشأن في أنك (٧) تريد الله، بل تريد ما يريد الله.

стр. 128

وأصحاب الإرادة ثلاثة أنواع: المريدون لله، والمريدون من الله، المريدون لما (١) يريد الله، وهؤلاء هم أولياء الله المقربون، وهم أهل الإرادة الصحيحة، فإنهم واقفون مع مراد الله الديني الذي يحبه ويرضاه منهم. والمريدون من الله واقفون مع حظوظهم وإراداتهم بحسب تفاوتهم فيها، وبحسب هممهم. والمريدون لله إن لم يتقربوا إليه بمراضيه وما يحبه منهم، وما شرعه لهم على لسان رسوله، وأعلمهم أنهم لا يصلون إليه إلا من طريقه (٢)، وإلا فهم ممقوتون عنده، مطرودون عن بابه، مُبعَدون (٣) عن قربه، ولو كان في قلوبهم من المحبة والشوق والإرادة أمثالُ الجبال [٣٣ ب] لم ينفعهم شيئًا حتى يقفوا (٤) مع مراده منهم. ومن ههنا غَلِطَ القومُ في مسألة السماع، فإنهم رأوا السماع يُثير ساكنَ الحب والوجد من قلوبهم، ويُهيِّج القلب في سفره إلى المحبوب، ويُزعِجه إزعاجًا لا يستقر معه، فيرتاح القلب إلى المقامات العالية، وينافس في القرب من محبوبه، فيُحْدِث فيه أحوالًا عجيبة، ومواجيدَ

стр. 129

وأذواقًا لا يمكنهم دفعها عن قلوبهم، ولم يروها تُستجلَب بمثل السماع، فلو لامَهم فيه كل لائم لم يُصْغُوا إلى ملامه، وقالوا لمن لامهم: أقول لِلَّائمِ المُهدِي ملامتَه ... ذُقِ الهوى وإنِ اسْطَعْتَ (١) الملامَ لُمِ (٢) فهم يعذرون اللُوّام إذ هم محجوبون عما فيه القوم من تلك الأحوال، ولا يلتفتون إلى ملامهم، بل قد يستلذ أحدهم الملامة كما قيل: أجدُ الملامةَ في هواك لذيذةً ... حبًّا لذكرك فليَلُمْني اللُّوَّمُ (٣) ولا ريب أنهم معذورون، إذ لم يجدوا مَن يخاطبهم بأذواقهم، ويكلمهم على مقتضى أحوالهم، ويشاركهم في وجدهم وشأنهم، فيُناديهم من مكان قريب، وإنما يُبتلَون بجافٍ جلفٍ أبعد شيءٍ عن (٤) معاملات القلوب وأحوالها ومنازلاتها، كثيف الطباع، موكل بإنكار ما لم يُحِطْ بعلمه، غليظ الحجاب عن شأن القوم، وما تعلقت به (٥) هممهم، فينكر عليهم إنكار مَن لم يذق ما ذاقوه ولا باشر ما باشروه، ولا ذاق من الشراب الذي شربوه، فأعمال القلوب عنده (٦) كأنها شريعة

стр. 130

منسوخة، أو كأنها لم تُشرَع قط، فتولدت المحنة بين قسوة هؤلاء وجمودهم، ومَيعانِ هؤلاء وانحلالهم، فإذا جمعهما مجلس كانا كما قيل: سارتْ مشرِّقةً وسِرتُ مغرِّبًا ... شتَّانَ بين مُشرِّقٍ (١) ومُغرِّبِ (٢) فكل من الطائفتين تنادي الأخرى من مكان بعيد، وصاحب الذوق المحمدي والوجد الإبراهيمي يحكم على الطائفتين، ويوالي من معه حق من الفريقين، وينكر ما يجب إنكاره من الطريقين (٣)، ويسير إلى الله سبحانه بين حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، ويعلم أن الحقيقة بلا شريعة خيال باطل وسراب، والشريعة بلا حقيقة قِشْر قد جُرِّد (٤) من اللباب، وأن الأمر إنما قام بالحقيقة الباطنة وعليها الثواب والعقاب، وبالشريعة الظاهرة وهي مظهر الأمر والنهي والحكم والأسباب، وهي بمنزلة البدن، والحقيقة الإيمانية بمنزلة الروح، والروح لا قِوامَ لها بدون البدن، وبدنٌ لا روحَ فيه من جملة الأموات. والدين ينتظم (٥) الأمرين انتظامًا واحدًا، وله جسد وروح وقلب، فجسده الإسلام، وروحه الإيمان، وقلبه الإحسان، فالإسلام: الشرائع

стр. 131

الظاهرة العاصمة للدم والمال، والإيمان: الحقائق الباطنة المُنجِية من النار، والإحسان: المقامات العالية التي ينال (١) بها الدرجاتِ العلى، والقربَ من الله سبحانه، والدخولَ في زمرة المقربين من عباده. ولا ريب أن المحبين رُفِع لهم لواءٌ فشمَّروا إليه، وخفي ذلك اللواء عمن أعرض عن هذا الشأن واشتغل بغيره، ولكن سلك كثير منهم إليه على غير دَرْبِ (٢) الإيمان والإحسان، فبعُدوا من مطلوبهم على قدر انحرافهم، فالصادقون من أرباب السماع شمَّروا إلى علم المحبة، ورأوا أن السماع من الأسباب التي يُتوصَّل بها إلى ظهور الكوامن الباطنة من محبة الله، والشوق إليه، والارتياح إلى قربه ولقائه، وتوابع ذلك من الحزن على التقصير والتفريط في طاعته في (٣) الأيام الخالية، والندمِ والأسفِ على ما فَرَطَ من العبد من أسباب عَتْبِ الله عليه، وإبعادِه إيَّاه، والخوف [٣٤ ب] من طرده عن بابه، ووقوع الحجاب بينه وبين ربه، ورأوا (٤) حاديًا يحدو بالأرواح إلى بلاد الأفراح، فيطيب لها السيرُ، فإذا حدا لها الحادي جدَّتْ في السير على ظهور عَزَمَاتها، لا تَلْوِي على أهل ولا مال، كما قيل (٥):

стр. 132

لها أحاديثُ من ذِكراك تَشْغَلها ... عن الشرابِ وتُلْهِيها عن الزادِ لها بوجهكَ نورٌ تَستضيءُ به ... ومن حديثك في أعقابها حَادِي إذا شَكَتْ (١) من كَلالِ السير أوعدَها ... روحَ القدومِ فتَحْيا عند ميعاد وكما قيل (٢): إذا نحن أدلجنا وأنت إمامُنا ... كفَى بالمطايا طِيبُ ذكراك حاديَا وإن نحن أضللنا الطريقَ ولم نجدْ ... دليلًا كفانا نورُ وجهك هاديَا وإذا كان حُداء الإبل يطيب لها السير، ويهون عليها حمل المشاقّ على غلظ أكبادها وكثافة طباعها، فما الظن بمَن أذابت نارُ المحبة قسوةَ قلبه، ولطفت طباعه إذا حدا له الحادي بما يناسب حاله. ولا ريب أن السماع لا يُورِد على القلب حالًا ليست فيه، ولا يُحدث فيه إرادة ومحبة لم تكن، وإنما يثير ما كَمَن فيه، فهو بمنزلة الصَّوَّانِ (٣) يَقدح من (٤) الزناد ما هو كامنٌ فيه من النار، لا أن (٥) الصَّوّان

стр. 133

أحدثَ النارَ في الزناد. فإذا سمعه مَن في قلبه حب كامن (١)، أو خوف أو رجاء أو اشتياق إلى أي مطلوب كان، هاج من قلبه ذلك الكامنُ، فأثَّر فيه السماع بحسب استعداده. وسرُّ ذلك أن النغمات اللذيذة، ولطافة الألحان وحلاوتها وطيبها، يناسب لطافةَ ما كَمَن واستتر في قلب المحب من شواهد محبوبه، فيذكّره إيّاها، فيَهِيج لذلك وجدُه، ويتحرك حبه، وتلتهب [٣٥ أ] نار الشوق في قلبه، وذلك كان مستورًا قبل السماع، ومتواريًا محجوبًا بالأمور الشاغلة عنه، فلمّا ورد عليه السماع أخلى باطنه عن تلك الشواغل، فخَمَدتْ وتوارتْ، فتحرك القلب بمقتضى ما سكن فيه من المحبة والشوق والوجد، وتوابع ذلك من الأنس والقرب أو الحزن والأسف على فوت حظه من محبوبه وبعده عنه، إلى غير ذلك من الأحوال التي يثيرها السماع، بالألحان المطربة والنغمات اللذيذة، [و] بالأشعار الرقيقة المناسبة للحال، المشتملة على وصف الملاحة والحسن، وطيب الوصال وعذوبته، وألم الهجران وعذابه، فتتفق مناسبة (٢) أوزان الشعر، ولطافة المعاني، وحسن الصوت، وتناسب

стр. 134

حركات التصفيق، والإيقاعات، وخصوصية ذلك اللحن (١)، لما في قلب هذا المحب المشتاق، فحيث وجد المناسبة اضطرب وتحرك، وهاجت من قلبه لواعجُه، فتنضاف قوة المناسبة (٢) واعتدالها وتلك الهيئة الاجتماعية إلى ما عنده من القبول والاستعداد، فتسير الروح، ويطير القلب، وتنبعث الجوارح. فهذه النكتة التي أوجبتْ للقوم حضورَ السماع، ولم يأخذهم فيه لومة لائم، ولم يصادفوا من حَلَّها ولا مَن (٣) شَفَى بكلامه (٤) فيها، بل صادفوا: هذا بدعة، وهذا حرام، وهذا لا يجوز، ومَن فعل ذلك فهو سفيه، ونحو هذا من القول الذي لم يصلْ به قائله إلى باطن الداء (٥)، ولم يضع فيه الدواء على ما يناسبه من الداء، بل داوى الداء بغير دوائه، فلم يزد المرض إلَّا قوة. فنقول: وبالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إنما تنحلُّ (٦) هذه الشبهة بذكر قواعد أربعة (٧)، إذا تبيّنت انحلَّتْ شبهة السماع (٨).

стр. 135

القاعدة الأولى (١): أن ينظر إلى ما في هذا السماع من المصلحة والمفسدة، فإن كانت [٣٥ ب] مصلحته أرجح من مفسدته لم يكن حرامًا، وإن كانت مفسدته أرجح من مصلحته كان حرامًا، ولا تقتضي الشريعة غير هذا. ومعلوم قطعًا أن السماع المصطلح عليه المتعارف اليوم بين الناس (٢) مصلحته في مفسدته كتَفْلَةٍ في بحر، فإن كان فيه جزء (٣) من المصالح ففيه ثلاثة وعشرون جزءًا من المفاسد، فهو أشبه الأشياء بالخمر والميسر اللذين قال الله تعالى فيهما: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. ونحن لا ننكر أن في (٤) السماع لذةً وراحة ومنفعة، بل وفي الخمر والزنا وعامة المحرمات، لكن الشأن في تلك المنفعة هل هي راجحة على المضرة، أو المضرة راجحة عليها؟ فمَن احتج على حل السماع بما فيه من اللذة والراحة، فهو في غاية البعد عن الشرع، وعن معرفة أحوال القلوب وصلاحها وما يفسدها، ولولا سطوة الشرع ومظهره لكان هذا القائل ربما يحتج على حل الخمر والزنا بما فيهما من اللذة والمنفعة والراحة، ولكن

стр. 136

القوم ليسوا بأصحاب حجج، وغالبهم واقف مع ذوقه. فاعلم أن السماع يُهيِّج من القلب الحبَّ المشترك، فيشترك فيه محب الرحمن، ومحب الأوثان، ومحب الصلبان (١)، ومحب الأوطان، ومحب النسوان، ومحب المردان، كل له نصيب وشِرْبٌ وذوق على حسب محبته، فإذا سمعه من هو مفتون بمحبة وثنه أو صليبه أو وطنه أو امرأة أو صبي، أثار من قلبه كامنَه، وأزعجَ منه قاطنَه، وهيَّجه (٢) وهيَّج (٣) منه ما يناسب حاله مع محبوبه. وتهييجُ السماع لهذا الحب الفاسد القاطع عن الله المبعد عنه، أعظم من تهييجه للحب الصحيح الموصل إليه، من وجوه عديدة. أحدها: أن وضع الأشعار المسموعة المطربة فيه، إنَّما قيلت في الصور [٣٦ أ] المعشوقة، من ذكر أو أنثى، فصورتها ومعناها ومضمونها إنما يناسب مَن قيلت فيه ومَن هو مثله، وكلّما كانت المناسبة أقوى كان التأثير والتأثر أتمَّ. وقد علم أرباب الخبرة من السماعاتية أن سماعًا (٤) لا يكاد يخلو من عشق صورة البتة، إمّا حلالًا وإمّا حرامًا، وغالب عشاق الصور إنما يتعلق (٥) عشقُهم الصورَ المحرمة، وهم أركان السماع وأهل الذوق فيه.

стр. 137

وقد ركب الله سبحانه الطباع على شهوة الصور المستحسنة، وامتحن العباد بمجاهدة أنفسهم على الصبر وإيثار ما عنده، وشرع لهم من أوراد العبادات في ليلهم ونهارهم ما يستعينون به على محاربة داعي النفس والشيطان، من الصلوات الخمس وتوابعها من الصيام والحج والجهاد الظاهر والباطن، ومع هذا فغلبات الطباع ودواعي الهوى تأبى أن تترك (١) العبد سليمًا. وأعظم محرِّكات (٢) الهوى ودواعيه ثلاثة أشياء تُسْكِر (٣) الروح: النظر واستماع الغناء وشرب الخمر، فهذه الثلاثة هي أقوى أسباب العشق والفجور، والنفس الأمَّارة محبة لها مؤثرة لها، فجاء الشيطان إلى النفوس ودعاها من هذه الأبواب الثلاثة. فلما جاء إلى نفوس أهل الإرادة والسالكين إلى الله، لم يمكنه أن يدعوهم من باب النظر والخمر، فدعاهم من باب السماع، فلما دخلوا منه بَرْطَلَ نفوسهم، بأن خلَّى بينها وبين حركة الحب، وقطع عنها الوساوس وخطرات المعاصي والفجور، وجمعها على السماع أتمَّ جمع، ولم يشوّش عليها بوسواس ولا خطرات. فوجدت بذلك النفوس راحةً من وساوسها وخطراتها، وقوةً عظيمة بجمعيتها، حتى إنَّ أحدهم

стр. 138

يجد من الحال في السماع ما لا يجده في الصلاة ولا عند قراءة (١) القرآن، وكل هذا من براطيل النفس [٣٦ ب] والشيطان ليتم لهما مرادهما (٢)، فلما ذاقت النفوس في السماع هذا الذوق، ووجدت فيه هذا الوجد، تمكن حبُّه منها، وبلغ كلَّ مبلغ، فأسرَها وملكَها. فشيطان السماع كامنٌ لها، يجمع قوته للوثوب، فلما عرف أنَّ السماع قد تمكن منها، وتغلغل في أجزائها، وثب عليها وثبةَ الأسد على فريسته، واصطادها فيه أتم صيد، فوالله لو كُشِف الغطاء لبصيرة عبدٍ منورةٍ بنور الإيمان، لرأى أهله بين قتيل وصريع، وجريح وأسير، وهذه أحوالهم وشطحاتهم وكلماتهم تُنبِئك عما حلَّ بهم، فصادقُهم يبكي (٣) على صوت الشبابة والدفّ والشعر الذي لعله (٤) قيل (٥) في محرم، يُسخِط الله طول ليله، ويَرِقّ ويتواجد ويهيم، وتُقرأ عليه الختمة من أولها إلى آخرها، والقلب من هذه الأحوال مُجدِب، والعين من البكاء قحطة. فيا للعقول! أي دليلٍ أبين من هذا؟ أو أي برهان أظهر منه على أن اكتساب القلب للنفاق من هذا السماع أقرب من اكتسابه لحقائق (٦)

стр. 139

الإيمان؟ ومن ههنا يُعرف مقادير السلف، وفضل معرفتهم، وأنهم في أوج الحقائق الإيمانية، وهؤلاء في حضيضها، إذ يقول عبد الله بن مسعود ﵁: "الغناء يُنبِت النفاقَ في القلب كما يُنبِت الماء البقلَ" (١). صح ذلك عنه. فأين هذا الكلام من كلام من يقول: سماع الغناء أنفع للمريد من سماع القرآن من ستة أوجه أو سبعة؟ ولا ريب أنَّ هذا القائل أخبر عن ذوقه وذوق هذا المريد، وأنَّه من سماع الغناء لا من سماع القرآن. فإذا كانت هذه مفسدة هذا السماع الخاص الذي يحضره الخواص، فما الظن بسماع العوام؟ نعم سماعهم خير من هذا، وأسلمُ عاقبةً، وأخفُّ ذنبًا، فإنَّهم يَعدُّون (٢) [٣٧ أ] أنفسهم فيه عصاة لاعبين، ويعترفون بأنَّه ذنب تنبغي التوبة منه، كما قيل: ويَشربها ويَزعُمها حلالًا ... وأشربُها وأزعمُها حرامَا (٣)

стр. 140

فيا عجبًا أي إيمان يثمر من سماع أبيات طالما عُصي الله بها في الأرض؟ والأغلب من حال قائلها أنَّه قالها وتغزل بها في محرم، كما هو حال أكثر الشعراء الذين يتغنى بأشعارهم، لا سيَّما (١) وقد غلب على سماع الناس التغزلُ بالذكور، وذكر محاسنهم، وما يدعو إلى ما لعن الله عليه فاعله وغضب عليه، وكان غناء الناس قديمًا كله في الإناث، ثمّ خسفَ الله بعقول المتأخرين وقلوبهم، فصار غناؤهم في الذكور، ووصف محاسنهم وقدودهم وشعورهم وخصورهم. فيا عجبًا! أي إيمان وأي حال صحيح يحدث عند سماع قول المغني المليح الصورة أو المليحة بين تلك المواصيل والدفوف والألحان؟ (٢). تبَّت يَدَا عاذلي فيه ووَجنتُه ... حَمَّالة الوردِ لا حَمَّالة الحطَبِ (٣) وقوله (٤): ذهبيُّ اللونِ تحسبُ من ... وجنتيهِ النارُ تقتدحُ (٥) خوَّفوني من فضيحتهِ ... ليتَه وافَى وأَفتضِحُ

стр. 141

وقوله (١): يا ذا الذي زارَ وما زارَا ... كأنه مقتبِسٌ نارَا مرَّ بباب الدار مستعجلًا ... ما ضرَّه لو دخل الدارَا فيتواجد عليها المريد، ويبكي وينوح، ويزعم أنَّه أخذ منها إشارة. نعم أخذ إشارةً (٢) من أبيات يُغضِب الله ما قيلت فيه وما أريد بها، ولم يأخذ الإشارة من كلامه، [٣٧ ب] فلولا داء كامن في القلب أثاره السماع، لكان الأمر بالعكس. وكذلك قول الآخر (٣): ألا ما للمليحةِ لم تَزُرْني ... أبخلٌ بالمليحة أم صُدودُ مرِضتُ فعادني عُوَّادُ قومي ... فمالكِ لم تُرَيْ (٤) فيمن يعود وقول الآخر (٥): ذي طَلْعةٍ سبحانَ فالقِ صُبْحِه ... ومعاطفٍ جَلَّت يمينُ الغارسِ مرّتْ بأرجاءِ الخيال طيوفه ... فبكت على رسم السلو الدارس

стр. 142

وقول الآخر (١): وماذا عسى الواشونَ أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا إنني لك عاشقُ نعم صدقَ الواشونَ أنتِ حبيبةٌ ... إليَّ وإن لم تَصْفُ منك الخلائقُ أفَترى الواشين (٢) كانوا يَشُون بأنَّه يحب امرأته وجاريته؟ وإنما تلك الأغاني في حريم الناس وأبنائهم، ومدح ما حرَّم (٣) الله من الخمر، وتحسين ما قبَّحه من الفجور ودواعيه (٤)، فتنزيل هذا على محبة الله والشوق إليه، أعظم من تنزيله على من (٥) قيل فيه أولًا، وأقرب إلى البعد (٦) من سخط الله ومَقْته، ويا لله العجب! أي إيمان يحصل للقلب أو صلاح أو قرب من الله عند قول المغني؟ (٧): بكرتْ (٨) تُذكِّرني لجاجَ العُذَّلِ ... فيها وتَلحَظُني بطَرْفٍ مُخْجلِ وتَمِيْسُ كالغصن الرطيب ودونها ... كَفَلٌ كدِعْصِ الرمل ضخمٌ ممتلي يا هذه حتَّامَ هجرُكِ والقِلَى ... جُودي على دَنِفٍ بحبك قد بُلِي

стр. 143

وقال الآخر (١): أُعانقها والنفس بعدُ مشوقةٌ ... إليها وهل بعد العِناقِ تَدانِ [٣٨ أ] وألْثِمُ فاها كي تزولَ صَبابتي ... فيشتدُّ ما ألقَى من الهَيمان فإن قال المغني "أعانقه" كان طربُ الحاضرين أكثر، فهل يحل لمن يرجو لله وقارًا، ويعلم أنَّ الله سائلهُ غدًا عما (٢) قال وفعل، أن يفتي بأنَّ السماع حلال مطلقًا، وهو يعلم أنَّ هذه البلايا وأضعاف أضعافها فيه؟ هل يطيب السماع عند القوم إلَّا بمدح ما حرَّم الله ورسوله، وذِكْر محاسن المردان والنسوان، والأشعار التي قيلت في حريم المسلمين وأبنائهم؟ فوالله إنَّ بلية الإسلام بهؤلاء من أعظم البلايا، وفي غير (٣) سبيل الله كم أُفسِد بالسماع من قلب، وكم سُلِب من نعمة، وكم جُلِب من نقمة، وكم رُكِب به من فرج حرام، وكم استُحِلَّ به من المحارم والآثام، وكم صَدَّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وكم قطع على السالكين طريق (٤) النجاة، وكم تهافتتْ (٥) به فَراشُ العقول والأحلام في الجحيم، وكم فاتها به من (٦) حظها من الله وجنات النعيم؟ تاللهِ ما نصبَ صياد بني آدم مثل هذا

стр. 144

الشَّرَك لصيد النفوس، ولا أدار على الندامى بعد كؤوس الخمر مثل هذه الكؤوس، وما عَلِقَتْ حبائل هذا الشَّرك بقلبٍ إلا وعزَّ استنقاذُه على الناصحين، ولا أسرَ به من أسيرٍ إلَّا وتعذر فكاكُه على المخلصين (١). بَرِئنا إلى الله من معشرٍ ... بهم مرضٌ من سماعِ الغنا وكم قلتُ يا قومِ أنتم على ... شفا جُرُفٍ فاسْتَهانوا بنا ولما استمرُّوا على غيِّهم ... رجعنا إلى الله في رُشْدنا فعِشنا على ملة المصطفى ... وماتوا على تَاتِنا تَنْتَنا فصل ومن مفاسده: أنَّه يُثقِل على القلوب الفكرَ في معاني القرآن وحقائق الإيمان، فبحسب انصرافه إلى السماع يكون انصرافه عن ذلك، فمستقِلٌّ ومستكثر، وكذلك يُثقِل على اللسان ذكرَ الله، وإن خف الذكر على لسانه كان ذكرًا مجردًا عن مواطأة القلب للسان (٢)، وهذا أمر يعلمه السماعي الصادق من نفسه، ولا يمكنه جحده بقلبه، فما اجتمع السماع والذكر والقرآن في موطن إلا وطردَ أحدهما الآخر، فلا يجتمعان إلا حربًا، لا يجتمعان سلمًا قط.

стр. 145

فصل ومن مفاسده: أنَّه يميل بسامعه إلى اللذات العاجلة، ويدعو إلى استيفائها من جميع الشهوات بحسب الإمكان، ولا يَردعُ (١) سامعَه عن (٢) استيفائها إلا عصمة عجز، أو فقر (٣) جائحة، أو خوف عقوبة عاجلة، أو فقر، أو فضيحة تُذهِب الرئاسة والمروءة، أو خوف عقاب الله في الدار الآخرة، إن (٤) قوي وارد الإيمان على وارد السماع، وإلا قالت النفس لا أبيع حاضرًا بغائب ولا نقدًا بنسيئة. خذ ما تراه ودَعْ شيئًا سمعتَ به (٥) وهذا كامن فيها، لو ناطقتَها لنطَقَتْ لك به، ومعظم هذه (٦) اللذات التي يدعو إليها السماع لذة المنكح، وليست تمام لذته إلا في المتجددات، وإن كانت القديمات أجمل منهن، ولا سبيل إلى كثرة المتجددات من الحلّ غالبًا، فيتقاضى السماع [٣٩ أ] والطباعُ اجتلابَها من المحرمات.
следующие страницы →