← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18318

الكلام على مسألة السماع

ابن القيم

Полный текст (508 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

جهدَه في نصيحته وعاداه، وجعل أغلاطَ من لم تُضمَنْ له العصمةُ في أفعاله وأقواله إمامَه وقدوتَه التي بها هُداه، فهو في سجن نفسه وإرادته محبوس، وقلبه لما علاه من رَيْن كَسْبِه المُبْعِد له عن ربه أسودُ منكوس، فالطريق الموصل له إلى الله عنه مسدود، وقلبه عن النفوذ إليه محجوب ومصدود. قد أسَامَ نفسَه مع الأنعام راعيًا مع الهَمَلِ، واستطابَ لُقيماتِ الراحة والبطالة، واستلان فِراشَ العجز والكسل، واستوعرَ طريقَ الصادقين، واستسهلَ (١) طريقَ المبطلين، فذاك الذي يُنادَى من مكان بعيد، وإذا بالغتَ معه في النصيحة فإنما تَضْرِب في باردِ الحديد، قد اتخذ بَطَرَ الحق وغَمْطَ (٢) أهلِه سُلَّمًا إلى ما يحبه من الباطل ويرضاه، فلا يَعرف من المعروف ولا يُنكر من المنكر إلّا ما وافق [١٦ ب] إرادته أو خالفَ هواه، يستطيل على ورثة الرسول وحزبه بقلبه ولسانه، ويتحيّز إلى المبطلين البطَّالين (٣)، فهم أخصُّ شيعتِه وأعوانِه، قد ارتوى من مشربهم وتَضَلَّعَ (٤)، واستشرف إلى منازل أولياء الله المقربين وتطلَّع، فهو يَركُض في ميدان جهله مع الجاهلين، وكلَّما برَّزَ عليهم في ذلك الميدان ظنَّ أنه من السابقين. فهذا وأمثاله إنما يُطمَع في خطابهم لإقامة الحجة، لا للاستجابةِ

стр. 72

والانقياد، كيف وأحدهم (١) ﴿إذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. وإذا تُلِيَتْ عليهم آياتُ الله، وقُرِئت عليهم (٢) سنّة رسوله وكلامُ أصحابه وأئمة الإسلام، قالوا: لكم الشريعة ولنا الحقيقة، إنكم في وادٍ ونحن في وادٍ! نعم في وادي الويل والثُّبور، وحقيقة الأماني الكاذبة والغرور، وتالله (٣) ليعلمنَّ المبطلون إذا بُعثِرَ ما في القبور، وحُصِّلَ (٤) ما في الصدور، حقيقةَ ما كانوا عليه، وسوءَ (٥) عاقبة ما صاروا إليه، فعن قريبٍ ينكشفُ (٦) الغِطاء، وينجلي الغبار، ويعلم كلُّ أحد أَفَرسٌ تحتَه أم حمار (٧). فصل والكلام في هذه المسائل المسؤول عنها في فصلين:

стр. 73

الفصل الأول: في بيان حكمها في الشريعة، وهل هو التحريم أو الكراهة أو الإباحة، أو ما تقوَّله (١) المفترون الكاذبون من الاستحباب والفضيلة. الفصل الثاني: أن تَعاطِيَها على وجه اللعب واللهو والمجون (٢) والخلاعة شيء، وتعاطيها على ما يقوله الكاذبون المفترون [١٧ أ] من أنها قربة وطاعة وطريق تُقرِّبهم إلى الله وتُوصِلهم إليه وتجمع قلوبهم عليه شيء. ونحن نتكلم بعون الله وتوفيقه وإمداده (٣) على كل واحد من الفصلين بما يُيسِّره (٤) الله ويفتح به، فإنه الفتّاح العليم. فأمّا الفصل الأول: فقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقد أجمع الناس على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته (٥)، وإلى

стр. 74

سنته بعد مماته. فأمر سبحانه عباده المؤمنين أن يردُّوا ما تنازعوا فيه إليه وإلى رسوله، وخاطبهم أولًا بلفظ الإيمان، ثم جعل آخرًا الإيمان شرطًا في هذا الرد، فالإيمان يوجب عليهم هذا الرد، وينتفي عند انتفائه، فمَن لم يردَّ ما تنازع فيه هو وغيره إلى الله ورسوله لم يكن مؤمنًا. وتأمل قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ كيف أعاد الفعل وهو طاعة الرسول، ليدل أنه (١) يُطاع استقلالًا، وإن أمر بما ليس في القرآن الأمرُ به، ونهى عما ليس في القرآن النهيُ عنه، فإنه أوتي الكتابَ ومثلَه معه، ولم يُعِد الفعلَ في طاعة أولي الأمر، بل جعلها ضمنًا وتبعًا لطاعة الرسول، فإنهم إنما يُطاعون تبعًا لطاعة الرسول إذا أمروا بما أمر به، ونهوا عما نهى عنه، لا تجب طاعتهم استقلالًا (٢) في كل ما يأمرون [١٧ ب] به وينهون عنه. ثمّ قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ولم يقل "وإلى الرسول" إعلامًا بأن ما رُدَّ إلى الله فقد رُدَّ إلى رسوله، وما رُدّ إلى رسوله فقد رُدّ إليه سبحانه، وأن ما حكم به فقد حكم به رسوله، وما حكم به رسوله فهو حكمه (٣) سبحانه. وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾، وهذا يعمُّ دقيقَ ما تنازع فيه المسلمون

стр. 75

وجليلَه، لا يخصُّ شيئًا دون شيء، فمن ظن أن هذا في شرائع الإسلام دون حقائق الإيمان، وفي أعمال (١) الجوارح دون أعمال القلوب وأذواقها ومواجيدها، أو في فروع الدين دون أصولِه وبابِ الأسماء والصفات والتوحيد= فقد خرج عن موجب الآية علمًا وعملًا وإيمانًا. بل كما أن رسالته ﷺ عامة إلى كل مكلف في كل وقت، فهي عامة في كل حكم من أحكام الدين: أصوله وفروعه، حقائقه (٢) وشرائعه، فمَن أخرج حكمًا من أحكام الدين عن عموم رسالته، فهو كمَن أخرج محكومًا عليه من المكلفين عن عموم رسالته، فهذا في البطلان كهذا. وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦]، فجعل رحمته لهم معلقةً بطاعة رسوله (٣)، كما جعل الفلاح والفوز معلقًا بها في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]. وأخبر سبحانه أن أهل طاعته وطاعة رسوله هم المنعَم عليهم، وهذا يقتضي أن غيرهم هم أهل الغضب والضلال، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ [١٨ أ] أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ

стр. 76

وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]، فأخبر أن مرافقة (١) المنعم عليهم لا تحصُل إلّا لمن أطاعه وأطاع رسوله، وأن ذلك هو الفضل منه سبحانه (٢)، وهو عليم أين يجعله وعند مَن يضعه ويخصُّه به. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. وكل ما الناسُ فيه فإمّا طاعةٌ للرسول (٣)، وإما هوًى للنفوس (٤)، لا يخرج عن الأمرين، و كل ما ليس بطاعة للرسول فهو هوى للأنفُس ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]. وبهذا يُعلم أن هؤلاء القوم مِن أَتْبعِ الناس لأهوائهم، لأن ما هم فيه ليس طاعة للرسول، فهو مجرد هوى متَّبَع، وقد روي عنه ﷺ أنه قال: "ثلاثٌ مُنجِياتٌ وثلاثٌ مُهلِكاتٌ، فالمنجيات: تقوى الله في

стр. 77

السر والعلانية، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، والمهلكات: شُحٌّ مُطاع، وهوًى مُتَّبَع، وإعجابُ كلِّ ذي رأيٍ برأيه" (١). وقد أغنى الله رسولَه وعبادَه المؤمنين باتّباع هداه الذي (٢) هداهم به عن أهواء الذين لا يعلمون، ونهى عن اتباع أهوائهم، وأخبر أنهم لا يُغْنُون (٣) عن مَن اتبعهم من الله شيئًا، وقطعَ الموالاةَ [١٨ ب] بينه وبينهم، وأخبر أنه وليُّ مَن اتقاه واتبع هداه، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩]. وأمر سبحانه رسولَه وأتباعَه أن يدعوا إليه على بصيرة، فقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. وهؤلاء

стр. 78

المبتدعون ليسوا من الدعاة إلى الله، وليسوا على بصيرة، بل هم من الدعاة إلى الشيطان، وهم من جنده وحزبه، يدعون إلى ما يُسخِط (١) الله ورسوله، ويُباعِد من رضاه ويُقرِّب من سخطه، فلهم نصيب من قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]. فصل وما دعا إليه الرسول ﷺ هو حياة القلوب، ونجاة النفوس، ونور البصائر، وما يدعو (٢) إليه مخالفوه فهو موت القلوب، وهلاك النفوس، وعَمَى البصائر. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وتأمل كيف أخبر عن حيلولته (٣) بين المرء وقلبه (٤) بعد أمرِه بالاستجابة له ولرسوله، كيف تجد في ضمن هذا الأمر والخبر أن مَن ترك الاستجابة له ولرسوله (٥) حالَ بينه وبين قلبه، عقوبةً له على ترك الاستجابة، فإنه سبحانه يُعاقِب القلوب بإزاغتها عن هداها ثانيًا، كما

стр. 79

زاغت هي عنه أولًا. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. وقال: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]. فصرف قلوبهم [١٩ أ] عن الهدى ثانيًا، لما انصرفوا عنه بعد إذ جاءهم أولًا. وقد حذَّر سبحانه مَن خالفَ أمرَ رسوله بإصابة الفتنة في قلبه وعقله ودينه، وإصابة العذاب الأليم له، إمَّا في الآخرة (١) أو في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. قال سفيان وغيره من السلف (٢): "وأي فتنة (٣)؟ إنما هي (٤) الكفر". وأخبر سبحانه أن مَن تولى عن طاعة رسوله، فإنه لابدّ أن يُصِيبه بمصيبةٍ (٥) وقارعةٍ (٦) بقدر تولِّيه عن طاعته، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩].

стр. 80

وقد أمر تعالى باتباع صراطه الذي نصَبَه لأوليائه (١)، وجعله مُوصِلًا إليه وإلى جنته، ونهى عن اتّباع ما سواه من السبل، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. قال عبد الله بن مسعود ﵁: خطَّ لنا رسول الله ﷺ خطًّا وقال: "هذا سبيل الله"، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن يساره ثم قال: "هذه سُبُلٌ، على كل سبيلٍ منها شيطان يدعو إليه". ثم قرأ قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية (٢). وأخبر رسول الله ﷺ أن كل عمل ليس عليه أمره فهو [١٩ ب] مردود على فاعله، مضروبٌ به (٣) وجهُه، ولا يزيده من الله إلا بعدًا، كما ثبت في صحيح مسلم (٤) عنه ﷺ أنه قال: "مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ"، وفي لفظ آخر: "كل عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" (٥).

стр. 81

وقد أخبر ﷺ أن الله سبحانه جعل الذلة والصَّغار على مَن خالف أمره، ففي مسند الإمام أحمد (١) وصحيحي (٢) الحاكم وابن حبان من حديث عبد الله بن عمر (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "بُعِثْتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبَد الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظلِّ رُمْحي، وجُعِل الذلَّةُ والصَّغار على مَن خالف أمري، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم". وفي جامع الترمذي ومسند الإمام أحمد وغيرهما (٤)، عن العرباض بن سارية قال: وعظَنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغة (٥)، ذَرَفتْ

стр. 82

منها العيون، ووجِلتْ منها القلوبُ، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظةُ مودِّع، فماذا تَعهَد إلينا، قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، فإنه مَن يَعِشْ منكم بعدي (١) فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالة" (٢). فصل إذا عُرف هذا، فالكلام في هذه المسألة المسؤول عنها من وجهين: مفصل ومجمل. أما المجمل فهو أنَّ هذا السماع [٢٠ أ] على هذا الوجه حرام قبيح (٣)، لا يُبيحه أحدٌ من المسلمين، ولا يستحسنه إلّا من خلعَ جِلبابَ الحياء والدين عن وجهه، وجاهرَ (٤) الله ورسولَه ودينَه وعبادَه بالقبيح (٥)، وسماعٌ مشتمل على مثل هذه الأمور قُبحه مستقرٌّ في فِطَر الناس، حتى إنَّ الكفار ليُعيِّرون (٦) به المسلمين ودينهم.

стр. 83

نعم خواصُّ المسلمين ودين الإسلام براء من هذا السماع، الذي كم حَصَل به من مفسدةٍ في العقل والدين والحريم والصبيان، فكم أفسدَ من دين، وأمات من سنة، وأحيا من فجور وبدعة، وكم هُدِمَ به من (١) مرضاة الله ورسوله، وبُنِي به من مساخطه ومساخط رسوله، ولا إله إلا الله كم جَلَبَ من شركٍ، وأخفَى من توحيد، وكم فيه من فتحٍ لطرق الشيطان، وصَدٍّ عن سبيل الله وعن الإيمان، وكم أنبتَ (٢) في القلب من نفاقٍ، وغرَسَ فيه من عداوةٍ لدين الله وشقاق، وكم رُفِع به (٣) من رُقيةٍ للزنا والحرام، وتُسُهِّلَ (٤) به من طريقٍ إلى ما كرهه الله من المعاصي والآثام، وكم قرَّتْ به للشيطان وحزبه من عيون، وتقرَّحتْ به لأولياء الله وحزبه من جُفون، وكم مالتْ به الطباعُ إلى ما حرَّمه الله ورسوله عليها، وكم سَكِرَتْ به النفوسُ فعَربدتْ بالمحارم، وانقادتْ قَسْرًا (٥) إليها. وأربابُ الخبرة من أهله يعلمون أن سُكْر السماع للأرواح، أعظمُ من سُكْر الأبدان والنفوس بشرب الرّاح، وأن سُكر الشراب يَستفيق (٦) صاحبُه عن قريب، وسُكر السماع إذا تمكَّن من الروح لم يَبقَ لها في

стр. 84

الإفاقة نصيب (١). فلو سألتَ [٢٠ ب] الطباعَ ما الذي خنَّثَها، وذكورةَ (٢) الرجال ما الذي أنَّثَها، لقالتْ: سَلِ السماعَ فإنَّه رُقية الزنا وحادِيه، والداعي إلى ذلك ومُناديه. هذا، ولو (٣) لم يكن فيه من المفاسد إلَّا ثِقلُ استماعِ القرآن على قلوب أهلِه، واستطالتُه إذا قُرئ بين يَدَيْ سماعِهم، ومرورُهم (٤) على آياته صُمًّا وعميانًا، لم يَحصُل لهم منه ذوقٌ ولا وَجْدٌ (٥) ولا حلاوةٌ، بل ولا يُصغِي أكثر الحاضرين أو كثيرٌ منهم إليه، ولا يعرفون (٦) معانيه، ولا يَغضُّون أصواتهم عند تلاوته. فإذا جاء السماع الشيطاني خَشَعَتْ منهم (٧) الأصوات، وهَدأت الحركات، ودارتْ عليهم كؤوسُ الطرب والوجد، وحَدا حينئذٍ حادي الأرواح إلى محلِّ السرور والأفراح. فلغيرِ الله لا لله كم من عيونٍ تَسْكُبُ غَرْبَ مدامعَ، لم تَفِضْ (٨) بقطرةٍ منها على سماع القرآن. وكم من زَفَراتٍ متردّدة وأنفاسٍ متصاعدة

стр. 85

لم يتصاعد منها (١) نفسٌ عند تلاوة كلام الرحمن، وكم من شوقٍ ووجْدٍ ولهيبِ أحشاءٍ لا يُوجد منه شيء عند ذكر رب العالمين، ولا يثور ويتحرك إلّا عند سماع المُبطِلين (٢): تُلِي الكتابُ فأطرقُوا لا خِيْفةً ... لكنه إطراقُ ساهٍ لاهِي وأتَى الغناءُ فكالدِّبابِ (٣) تَراقصُوا ... واللهِ ما رَقصُوا لأجلِ (٤) الله دفٌّ ومِزمارٌ ونَغْمةُ شاهدٍ ... فمتى رأيتَ عبادةً بملاهي ثَقُلَ الكتابُ عليهمُ لمَّا رأوا ... تقييدَه بأوامرٍ ونواهي والرقصُ خَفَّ عليهمُ بعد الغِنا ... يا باطلًا قد لاقَ بالأشباه يا أمةً ما خانَ دينَ محمدٍ ... وجَنَى عليه ومَلَّهُ إلا هِي (٥) وبالجملة فمفاسدُ هذا السماع في القلوب والنفوس [٢١ أ] والأديان، أكثرُ من أن يُحِيط بها العدُّ. والمصيبة العظمى والداهية الكبرى: نسبةُ ذلك إلى دين الرسول

стр. 86

- ﷺ وشرعِه، وأنَّه أذِنَ في ذلك لأمته، وأباحَه لهم وأطلقَه، ورفعَ الحرج عن فاعله، مع اشتماله على هذه المفاسد المضادَّة لشرعه ودينه. وأعظم من هذه البلية وأشدُّ: اعتقادُ (١) أنَّه قُربةٌ (٢) يُتقرَّب به إلى الله، ودينٌ يُدانُ الله به، وأنَّ فيه من (٣) صلاح القلوب وعمارتها بالأحوال العلية والصفاتِ الزكية ما يجعله أفضلَ من كثير من النوافل، كقيام الليل وقراءة القرآن، وطلب ما يُقرِّب إلى الله من العلم النافع والعمل الصالح. وأعظم من هذا كلِّه بليةً ومصيبةً: اعتقادُ أن تأثُّر القلوب به أسرعُ وأقوى من تأثرها بالقرآن، وأنَّه (٤) قد يكون أنفعَ للعبد (٥) من سماع القرآن، وأن فتحَه أعجلُ وأقوى (٦) من فَتْح القرآن من وجوه متعددة. ولا ريبَ أنَّ هذا من النفاق الذي أنبتَه الغناءُ في القلب ، فإنَّه كما قال عبد الله بن مسعود: "الغناء يُنبِتُ النفاقَ في القلب كما يُنْبِت الماءُ (٧) البقلَ" (٨)، وأيُّ (٩) نفاقٌ فوقَ هذا النفاق؟

стр. 87

ولا ريبَ أنَّ ارتكاب المحرمات مع العلم بتحريمها أسهلُ وأسلمُ عاقبةً من ارتكابها على هذا الوجه، فإنَّ هذا قَلْبٌ للدين، ومشاقَّةٌ (١) لرسول رب العالمين، واتباعٌ لغير سبيل المؤمنين، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. فصل قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فقد أكمل الله لنا الدينَ فيما أمرنا به من فريضةٍ وفضيلةٍ وندبٍ (٢)، وكلِّ سببٍ يُنال به صلاحُ القلب والدين، وفيما نهانا عنه من كل مكروه [٢١ ب] ومحرم، وكلِّ سببٍ يُؤثِّر فسادًا في القلب (٣) والدين. فإذا قال القائل: هذا السماع المصطلح عليه المحدَث هو من

стр. 88

الدين الذي تَصْلُح عليه القلوب، وتَلطُف (١) وتَرِقُّ، ويَثُور منها وَجْدُها وحبُّها= لزِمَه أحدُ الأمرين، لابدَّ له من أحدهما: إما أن يكون الله شرعَه لرسوله حيث أكمل له دينه، ففعله الرسول، وحضَّ عليه، وندَبَ إليه (٢) أمته ودعاهم إليه، فإنَّه لم يترك سببًا (٣) يُقرِّبهم إلى الله ويُنال به صلاحُ قلوبهم وأديانهم إلَّا شرَعَه، وأمر به ودعا إليه. وقائل هذا ومعتقِدُه مجاهرٌ (٤) بالكذب على الله ورسوله، مُنادٍ (٥) على وَقاحتِه وجُرأته على الله وعلى (٦) رسوله وعلى دينه، فإنَّ رسول الله ﷺ ودينه بريءٌ من هذا السماع الذي فيه من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله، وكذلك أصحابه والتابعون لهم بإحسان، فنسبتُه إليهم بَهْتٌ وكذبٌ وافتراءٌ عليهم، يُنفِّق به المبطلون باطلَهم، يتترَّسُون به من سهام حزب الرسول وأنصار دينه. وإما أن يقول: إنَّ الله لم يشرعه ولا رسوله، ومع هذا فهو من الدين وحقائقه الذي يُنال به صلاح القلوب، ويجمعها على الله، فيلزمه حينئذٍ

стр. 89

أن يكون الدين ناقصًا لم يكمله الله حتى كمَّلَه هؤلاء السماعية (١)، وأنهم خُصُّوا بخير (٢) لم يسبقهم إليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. ولا بدّ لهؤلاء من أحد هذين الأمرين المنافيينِ لدين الإسلام أو الاعتراف (٣) بالحق، وهو أنَّ هذا أحسن أحواله وما (٤) يقال فيه: إنه من الباطل [٢٢ أ] واللعب واللهو الذي من (٥) اتخذه دينًا فله نصيب وافر من قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠] ونصيب من قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، فالمكاء الصفير، والتصدية التصفيق. فمن اتخذ الصفير بالشبابة والتصفيق بالأكفِّ دينًا، فقد زاحم هؤلاء. وقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٦ - ٧].

стр. 90

وقد فسر غير واحد من السلف (١) لَهْوَ الحديثِ بأنَّه الغناء، وروي في ذلك حديث مرفوع من حديث عائشة أم المؤمنين: "إن الله حرَّم القينَة (٢)، وبيعَها وثمنَها وتعليمَها والاستماعَ إليها"، ثمّ قرأ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية (٣). ورواه الترمذي (٤) من حديث أبي أمامة، ولفظه أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا القَيْناتِ، ولا تشتروهن ولا تُعلِّموهن، ولا خيرَ في تجارةٍ فيهن، وثمنهن حرام"، وفي هذا أنزِلت (٥) هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، ورواه الإمام أحمد، وعبد الله بن الزبير الحميدي في مسنديهما (٦).

стр. 91

وثبت تفسير ذلك بالغناء عن الصحابة (١) والتابعين، وهم أعلم الناس بالقرآن وتفسيره، فقال أبو الصهباء: سألت عبد الله بن مسعود عن هذه الآية فقال: "هو الغناء والاستماع إليه" (٢). وهو القائل (٣): "الغناء يُنبت النفاق في القلب كما يُنبِت الماء البقل" (٤). [٢٢ ب] وقال إبراهيم النخعي والحسن البصري في هذه الآية: "إنه الغناء" (٥). وقال عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩ - ٦١]: إنَّ السمود هو الغناء. يقال: سَمَدَ فلان إذا غنَّى (٦). وقد فُسّر السمود باللهو، وفسّر بالإعراض، وفسّر بالغفلة، وفسّر بالأشر والبطر (٧)، ولا ينافي تفسيره

стр. 92

بالغناء، فإن الغناء ثمرة ذلك كله، فإن الحامل عليه اللهو والغفلة والإعراض والأشر والبطر، وذلك كله منافٍ للعبودية. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] قال مجاهد: هو الغناء والمزامير (١). وقد سماه النبي ﷺ : "صوتًا أحمَق فاجرًا"، ولو كان مباحًا لما كان فاجرًا، فروى الترمذي في "جامعه" (٢) من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: "دخلت على النبي ﷺ وفي حِجْره إبراهيم يعني ابن رسول الله ﷺ ، وهو يجود بنفسه، وعيناه تَذْرِفان، فقلت: يا رسول الله! أوَ تبكي؟ أوَلم تَنْهَ عن البكاء؟ فقال: "إنما نَهيتُ عن صوتين أحمقين فاجرين: رنَّة عند مصيبة وشقّ جيوب وخَمْش وجوه، ورنَّة شيطان وصوتٍ عند نعمةٍ ولهو ولعب".

стр. 93

أراد بالصوت الأول: ما يُحدِثه الحزن والمصيبة من النياحة والدعاء بالويل وتوابع ذلك. وبالصوت الثاني: ما يُحدِثه الطرب واللذة من الغناء وتوابعه، فإن في النفس (١) قوة الطرب وقوة الحزن والأسف، فإذا وردَ عليها وارد أثار منها ذلك، وأثَّر فيها هذا الصوت وتوابعه، وهذا الصوت وتوابعه بحسب قوة الوارد وضعف النفس، فاستفزَّها الشيطان حينئذٍ، ونال منها مراده بمعصية (٢) الله والخروج عن أمره في هذه الحال وهذه الحال (٣). ولهذا شرع الله سبحانه لعباده عند هذين الواردين [٢٣ أ] ما (٤) يحفظ به العبد قلبه وإيمانه ودينه أن يستلبه (٥) الشيطان ويستفزَّه، فشرع لهم عند المصيبة الصبر والاسترجاع، وعند النعمة سجود الشكر، والتواضع لله، وحمده وشكره، فبذلك تدوم النعمة، كما أن بالصبر والاسترجاع تندفع المصيبة عن القلب أو تَخِفُّ، فعارضَ الشيطانُ وحزبه أمرَ الله، وشرعوا عند المصيبة والنعمة الصوتين الأحمقين الفاجرين: صوت الندب والنياحة والدعاء بالويل والعويل وتوابع ذلك، وصوت الغناء والمزامير وآلات اللهو وتوابع ذلك. وبذلك يتبين لمَن له قلب حي، وبصيرة منورة بنور الإيمان، أن

стр. 94

الغناء والسماع الشيطاني وآلات اللهو إنما نصبَها الشيطان مضادةً (١) لأمر الله ومعارضةً لما شرعه لعباده، وجعله سببَ صلاح قلوبهم وأديانهم، واستخفَّ الشيطان حزبَه وحسَّن لهم ذلك، فأطاعوه، وزيَّنه لهم فاتبعوه، ولما فعلوا ذلك واستجاب لهم من قّل نصيبه من العلم والإيمان، صاح بهم جندُ الله وحزبه من كل قطر وناحية، وحذَّروا منهم، ونهوا عن مشابهتهم والاقتداء بهم من سائر طوائف أهل العلم، فصاحَ بهم أئمة الحديث، وأئمة الفقه، وأئمة التفسير، وأئمة الزهد والسلوك إلى الله، وحذَّروا منهم كل الحذر، فقد ذكرنا كلام (٢) ابن مسعود، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي (٣). وأمَّا أبو حنيفة وأصحابه فمن أشدِّ الناس فيه (٤)، وأسهلُ (٥) ما عندهم فيه أنه من الذنوب والمعاصي، [٢٣ ب] وهذا مذهب سائر أهل بلده، قدَّس الله روحَه، مثل سفيان الثوري وحماد بن أبي سليمان، وقبله الشعبي وإبراهيم. لا خلاف بينهم في ذلك (٦).

стр. 95

وكذلك علماء أهل (١) البصرة لا خلافَ بينهم في المنع منه (٢)، إلا ما يُروى عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسًا، لكن ليس على هذه الصفة (٣) التي يفعلها الفساق، فإن هذا لا يُجيزه أحد من أهل العلم. قال زكريا بن يحيى الساجي: وكذلك مذهب جميع أهل المدينة، إلا إبراهيم بن سعد وحده، فإنه كان لا يرى به بأسًا. قال القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري (٤): فقد أجمع علماء الأمصار على كراهته والمنع منه، والوصف لعواره وتأثيره في القلوب، قال: وإنما فارقَ الجماعةَ هذانِ الرجلان إبراهيم وعبيد الله، وقد قال رسول الله ﷺ : "من فارق الجماعة ماتَ ميتةً جاهلية" (٥). فالمصير إلى قول الجماعة أولى، لا سيما من أحب أن يستبرئ لدينه ويحتاط لنفسه (٦). قال (٧): فإن قال قائلٌ مِن هذه الطائفة المفتونة بسماع الغناء: نحن لا نَدعُ سماع الغناء إذا كان قول بعض أهل العلم (٨) موافقًا لما نقوله

стр. 96

ونعتقده إلا بدليل من كتاب الله. فالجواب أن اعتقاد هذه الطائفة مخالف لإجماع المسلمين، فإنه ليس في المسلمين من جعله طاعة ودينًا، ولا رأى إعلانه في المساجد، ولا حيث كان من البقاع الكريمة والجوامع الشريفة، فكان مذهب هذه الطائفة مخالفًا لما أجمعت (١) عليه العلماء، ونعوذ بالله من الخذلان. وقد قال الشافعي [٢٤ أ] في كتاب أدب القضاء (٢): إن الغناء لهوٌ (٣) مكروه يُشبِه الباطل، ومَن استكثر منه فهو سفيه تُردُّ شهادته. قال الشافعي: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه تُردّ شهادته. وقال: هو دياثة، وأخاف أن يكون ديُّوثًا. قال أبو الطيب (٤): وإنما جعل صاحبها سفيهًا لأنه دعا الناسَ إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيهًا فاسقًا. وقال الشافعي: "خرجتُ من بغداد وخلَّفتُ بها شيئًا أحدثته الزنادقة ويسمونه التغبير، يصدُّون الناسَ به (٥) عن القرآن". هذا والتغبير ضربٌ بقضيب على جلدٍ

стр. 97

أو مخدَّة (١)، يخرج له صوت، وينشدون معه أشعارًا مرقِّقة مزهِّدة. فإذا كان هذا قول الشافعي ــ قدَّس الله روحه ــ فيه (٢)، فما قوله في سماع الأشعار والأغاني التي تتضمن ذكر المعشوق، وحسن ملقاه، وعذوبةَ عتابه (٣)، وبثَّ شكواه، وعزَّةَ (٤) المليح، وذُلَّ من يهواه (٥)، وحلاوةَ العطف والوصال والإقبال والتلاق، ومرارة الصدّ والهجران والإعراض والفراق، ووصفَ محاسن المليح والمليحة من اعتدال أغصان القدود، وتفتُّح وَرْدِ الخدود، وحسن استدارة رُمَّانِ النُّهود، وفتور الطَّرْفِ السَّاجِ، وفلق صُبح الجبين في سواد شعر الليل الداج، ولِيْنِ المعاطفِ واعتدالها، وبهجةِ تلك المحاسنِ وجمالها (٦). هذا مع كونه من أمردَ يَرُوقُ العيونَ منظرُه، ويدعو إلى غير العفاف تَثنِّيهِ وتكسُّرُه، لا يَستُر وجهَه بنقاب، ولا معاطفَه بجلباب، أو امرأةٍ حسناءَ قد أخذتْ محاسنُها (٧) بمجامع القلوب والعيون، فصوتها وجمالها فتنةٌ لكل مفتون، هذا إلى ما يقترن [٢٤ ب] بذلك من الدفوف المجلْجِلات، والشبابات المُطرِبات، والمواصِيل المهيِّجات.

стр. 98

فحاشا الشافعي وغيره من أئمة المسلمين، بل ومن له نصيبٌ من العلم والدين، أن ينسبوا إباحةَ مثل هذا إلى شريعة رب العالمين، وسنة رسوله الأمين، الذي فرقتْ رسالتُه بين الهدى والضلال (١)، والغيِّ والرشاد، والشكِّ واليقين. ومن أبطل الباطل وأبينِ المحال (٢): الاستدلالُ على حِلِّ هذه العظائم بغناء جُويريتينِ دون البلوغ من جواري الأنصار في يوم عيد، بأبيات من أشعار العرب في وصف الحرب والشجاعة والبأس ونحو ذلك، غناءً مجردًا عن جميع ما عليه سماع الفساق المبطلين مما ذكرناه وغيره. قال جعفر بن محمد: قلت لأبي عبد الله ــ يعني أحمد بن حنبل ــ: حديث الزهري عن عروة عن عائشة، وهشام عن أبيه عن عائشة عن جَوارٍ يُغنِّين، أَيْشٍ هذا الغناء؟ قال: غناء الراكب، أتيناكم أتيناكم (٣). قال الخلال (٤): أنا أحمد بن الفرج الحمصي، قال: ثنا يحيى بن

стр. 99

سعيد، حدثنا أبو عَقيل عن بُهيَّة عن عائشة قالت: كانت عندنا يتيمةٌ من الأنصار، فزوَّجناها رجلًا من الأنصار، فكنت فيمن أهداها إلى زوجها، فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشةُ! إن الأنصار ناس فيهم غزل، فما قلتِ؟ "، قالت: دعونا بالبركة ثم انصرفوا، قال: "أفلا قلتم: أتيناكم أتيناكم ... فحيُّونا نُحيِّيكم ولولا الذهبُ الأحمـ ... ـرُ ما حلت بَواديكم ولولا الحبَّة السمرا ... ءُ لم تَسمَنْ عَذارِيكم" فهذا وأمثاله الذي أذن فيه رسول الله ﷺ ، لم يأذن في تلك المصائب والدواهي، ومن كذَب عليه متعمدًا فليتبوأ مقعدَه (١) من النار. والاستدلال بهذه القصة وأمثالها على حلِّ هذه [٢٥ أ] العظائم المعلوم قبحُها بالفطَرِ السليمة والعقولِ الصحيحة، يُشبِه الاستدلالَ على حل الخمر والمسكر بأكل قبضةٍ من تمر أو زبيب، ويشرب فوقها شربة من ماء، فإذا ضمّ أحدهما إلى الآخر في الإناء حتى أسكر ثم شربه، كان كضمِّه هذا إلى هذا في بطنه! وعقولٌ هذا (٢) مبلغها من العلم والمعرفة، حقيقٌ بمن (٣) نصح نفسَه، وخاف مقام ربه، وتزود ليوم معاده، وعلم أنه موقوفٌ بين يدي الله ومسؤول، أن لا يَعبأَ بها شيئًا (٤) وأن لا يَغترَّ بها وبأهلها.

стр. 100

وقد قيل: إن التغبير في لسان السلف هو الغناء، قال الحافظ أبو موسى المديني: قيل إنه الغناء، لأنه يحمل الناس على الرقص، فيغبِّرون الأرضَ بالدقّ (١) والفحْصِ وحَثْيِ الترابِ. قال أبو موسى: قال الشافعي: بالعراق زنادقة وضعوا التغبير، وفي رواية: أحدثوا القصائد، ليشغلوا الناس عن القرآن (٢). قال: وسئل أحمد بن حنبل عن التغبير، فقال: بدعة، إذا رأيت إنسانًا منهم في طريقٍ فخذْ في طريق أخرى (٣). وقال أبو الحسن بن القصار إمام المالكية بالعراق (٤): سئل مالك عن السماع، فقال: لا يجوز. قيل: فإن بالمدينة قومًا يسمعون ذلك. قال: إنما يسمع ذلك عندنا الفسَّاق. قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] أهو حق؟ فقال السائل: لا (٥). وفي جامع الخلال (٦) عن يزيد بن هارون إمام الإسلام في وقته، أنه قال: ما يُغبِّر إلا فاسق، ومتى كان التغبير؟ وفي مسائل عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن الغناء،

стр. 101

فقال: "الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يُعجِبني" (١). قال عبد الله: وحدثني أبي قال حدثني [٢٥ ب] إسحاق بن عيسى الطباع قال: سألت مالك بن أنس عما يترخص (٢) فيه أهل المدينة من الغناء، فقال: "إنما يفعله عندنا الفساق" (٣). هذا، وقد برَّأ الله غناءهم عن غناء الفساق اليوم. وقال الخلال (٤): أخبرني العباس بن محمد الدوري قال: سمعتُ (٥) إبراهيم بن المنذر وسئل فقيل له: أنتم ترخِّصون في الغناء؟ فقال: "معاذَ الله، ما يفعل هذا عندنا إلا الفسّاق". وذكر الخلال (٦) عن مكحول قال: من (٧) مات وعنده مغنية لم يُصلَّ (٨) عليه. وقد أنكر السلف من السماع ما هو دون هذا بكثير، ولو شاهدوا هذا لاشتد إنكارهم له وعظم جدًّا، ورأيت لأبي عبد الله بن بطَّة جوابًا

стр. 102

عن سماع الغناء، أنا أذكره بنصه (١). قال: سألني سائل عن استماع هذا الذي يسمونه القول، وهو الغناء، والإصغاء إليه ومجالسة أهله، فنهيته عن ذلك، وأنكَرْتُه عليه، وأعلمتُه أن ذلك مما حظره الكتاب، وحرَّمته السنة، وأنكَرَتْهُ العلماء، وتجافاه العقلاء (٢)، واستحسنه السفهاء والسخفاء. وزعم السائل أنه لقي جماعةً من الشيوخ ممن (٣) يتحلَّى بالعلم ويُنسَب إليه، في جماعة سواهم ممن يُظهِر النسك والتقشف ويدعون إلى الزهد والتعبد، يحضرونه ويستمعون له (٤) ويستحسنونه، ويحتجون في ذلك بتحريف القول، ويدعون إليه من أطاعهم، ويستجهلون من خالف جماعتهم. وإني قد (٥) تدبرتُ ما حكاه، وعرفت من أشار إليه، ومن يفعل (٦) ذلك ويهواه، فتلك طائفة تسمى في الحقيقة الجبرية (٧) لا الصوفية، أهل

стр. 103

هِمَمٍ دنيئة (١)، وأخلاق رديئة، وشرائع بدعية، يُظهرون الزهد والتقشف، وهم أهل جهالة وغفلة، وكل أسبابهم ظلمة ووحشة، يدَّعون الشوق [٢٦ أ] والمحبة بإسقاط الخوف والرجاء، يحضرون الغناء ويسمعونه (٢) من الأحداث والنساء، يَطرَبون عند استماعهم لذلك ويرقصون، ويتغاشَون ويتماوتون، ويزعمون أن ذلك من شدة حبهم لربهم تعالى، ومن شوقهم إليه، وأنهم يرونه ويشاهدونه، تعالى عما يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا. وكل هؤلاء فقد كذَّبهم (٣) الكتاب والسنة والصحابة والتابعون وصالحو هذه الأمة. فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]، قيل: هو الغناء والاستماع إليه، صحت بذلك الأخبار، وقال بذلك العلماء والأخيار، لا يُنكِره إلا السفهاء والفجار. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قيل: الغناء. وعن مجاهد قال: ينادي مُنادٍ يومَ القيامة أين الذين كانوا يُنزِّهون أسماعَهم عن اللهو؟ فيُحِلُّهم (٤) الله في

стр. 104

رياض الجنة (١). وعن الشعبي أنه دُعي إلى وليمة، فسمع صوت لهو، فقال: إما أن نُخرِجهم (٢) وإما أن نخرج. وعن ابن مسعود أنه دعي إلى وليمة، فسمع صوت لهو فرجع، فلقيه الذي دعاه، فقال: مالكَ رجعتَ؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كثَّر سوادَ قوم فهو منهم، ومن رضي عملَ قوم فهو شريكُ مَن عمله" (٣). وقال يزيد بن هارون: التغبير بدعة وضلالة. وقال الشافعي: التغبير (٤) أحدثته الزنادقة يصدُّون الناس به (٥) عن القرآن. وقال الإمام أحمد: هو بدعة ومُحدَث، ونهى عن استماعه. وقال مالك: إنما يفعله عندنا الفساق. هذا آخر (٦) جواب ابن بطة. فصل وأما إنكار مشايخ الطريق العارفين بآفاته وسوء تأثيره في القلوب فكثير جدًّا، وكثير [٢٦ ب] ممن حضره منهم تاب منه توبته من الكبائر.

стр. 105

وذكر أبو موسى المديني (١) أنَّ أبا القاسم النصر ابادي دخل على إسماعيل بن نُجَيد، فقال ابن نجيد: يا أبا القاسم! سمعتُ أنك مُولَع بالسماع، فقال: نعم أيها الشيخ، السماع خير من أن نقعد ونغتاب، فقال له: هيهات! زلَّة تَزِلُّ في السماع أعظم من كذا وكذا سنةً تغتاب. قال أبو موسى: وذكر نصر بن علي قال: سمعت أبا محمد جعفر ابن محمد الزاهد، يقول: سمعت شيخي يقول: اجتمعتُ ليلةً مع أصحابنا، فابتدأ القوَّال (٢) فقاموا ورقصوا وكنت معهم، فنُودِيتُ في سِرِّي: يا هذا ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٥]، فهربتُ وقلت: إنَّ السماع مخاطرة. قال أبو موسى: وأبنا عبد الكريم بن عبد الرزاق، أبنا أحمد بن الفضل حدثنا أبو العباس النسوي (٣)، قال: سمعت علي بن مفلح، يقول: سمعت فارسًا (٤) البغدادي يقول: قال جنيد (٥): خرجتُ ليلةً فلقيني إبليس، فقال: أتعبني واللّهِ أصحابك، قلت: كيف؟ قال: إن عرضتُ عليهم أذكار الدنيا اشتغلوا بأذكار الآخرة، وإن عرضتُ عليهم أذكار

стр. 106

الآخرة اشتغلوا بالذكر لله، إلا أني أستحسنُ منهم خُطَّتين (١): السماع والنظر إلى الأحداث. قال أبو موسى: ثنا الإمام أبو بكر القزاز، حدثنا الخطيب (٢)، أخبرني عبد الصمد (٣) بن محمد، قال: سمعت الحسن بن الحسين، يقول: سمعت أبا الفرج الرستمي الصوفي، يقول: سمعت المحترق البصري، يقول: رأيت إبليس في النوم، فقلت له: كيف رأيتَنا؟ عزفْنا عن الدنيا ولذاتها وأموالها، فليس لك إلينا طريق، فقال: كيف رأيت ما اشتملت به قلوبكم باستماع السماع ومعاشرة الأحداث! قال أبو موسى: وأنا أبو طاهر [٢٧ أ] محمد بن عبد الغفار الهمذاني قال: سمعت والدي يقول: سمعت أحمد بن الحسن، وهو شيخ الصوفية من المتأخرين، يقول: من قال: إنَّ الاستماع إلى المناهي ــ أو قال (٤): الملاهي ــ مباحٌ له فهو إلى مذهب الإباحة أقرب، ولو بلغ العارف إلى (٥) ما بلغ من سَنِيِّ أحوالِه، لم يُرخَّص له (٦) الالتفات إلى

стр. 107

المناهي والملاهي. قال أبو موسى: قال بعض المشايخ: فإن احتجَّت المباحية بما رُوي عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ في أيام التشريق، وعندي جاريتان لعبد الله بن سلام تضربان بالدفّ وتغنيان (١). قلنا لهم: إنَّ رسول الله ﷺ جوَّز ذلك للجاريتين لصغرهما في أيام العيد خاصة، ولهذا قال: "يا أبا بكر! إنَّ لكل قوم عيدًا، وهذه أيام عيدنا". فإن قيل: أليس قد جوَّزه الشرع في النكاح والختان؟ قلنا: جوّز ذلك لإعلان النكاح، كما روى أبو شعيب الحراني، حدثنا سُريج (٢) بن يونس، حدثنا هشيم عن خالد، عن ابن سيرين، أن عمر بن الخطاب كان إذا سمع صوت الدف سأل عنه، فإن قالوا: عُرس أو ختان، سكت (٣). فدل على أنَّ ذلك مرخص في بعض الأحوال دون بعض، وكانت الدفوف في ذلك الوقت كالغرابيل، أما سمعتَ ما روتْ عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "أَعلِنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالغربال" (٤).

стр. 108

ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الذين كانوا (١) يُنزِّهون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان، أسكِنوهم رياضَ المسك، ثمّ يقول الله لملائكته: أَسمِعوهم حمدي وثنائي، وأعلِموهم أنْ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (٢). فإن قال [٢٧ ب] قائل: فهذا السماع قد حضره جماعة من الأولياء وممن لا يُشَكُّ في علوّ منزلته عند الله، مثل الجنيد وأصحابه، والشبلي وأمثاله، مثل يوسف بن الحسين الرازي، ومن قبله مثل ذي النون المصري وغيرهم، فكيف يسوغ لكم تخطئتُهم والإنكار عليهم؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن هذا السماع المسؤول عنه على هذا الوجه، قد برَّأ الله منه (٣) أولياءه وأعاذهم منه، وحاشاهم أن يكون أحد منهم حضره أو رضيه أو أباحه، وإنما السماع الذي حضره مَن حضره منهم، أن جماعة

стр. 109

كانوا يجتمعون يذكرون الله والدار الآخرة، وأعمالَ القلوب وآفاتِها، ومصححاتِ الأعمال والأحكام والفروق (١) والوجد والإرادة، فإذا رقَّت قلوبهم، وتحركت هِمَمُهم، واشتاقت نفوسهم إلى السير، قام حادٍ يحدو أرواحَهم وقلوبهم (٢)، ليطيب لها السير إلى الله والدار الآخرة، ويُذكِّرها منازلَها الأولى، كما قيل: وحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنها ... منازلُك الأولى وفيها المخيَّمُ ولكننا سَبْيُ العدوِّ فهل تُرى ... نعودُ إلى أوطانِنا ونُسلِّم (٣) وكما قال الآخر (٤): نَقِّلْ فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ كم منزلٍ في الأرضِ يَألفُه الفتى ... وحنينُه أبدًا لأول منزل وقال (٥) الآخر (٦):

стр. 110

أبتْ غَلَباتُ الشوقِ إلا تقرُّبا ... إليك وذاك العذلُ إلا تجنُّبا وما كان صدّي عنك صدَّ ملالةٍ (١) ... ولا ذلك الإعراضُ إلا تحبُّبا وقال (٢) الآخر (٣): حبيبٌ تركتُ الناسَ لما عرفتُه ... كأنهمُ ما جفّ (٤) من زادِ قادمِ [٢٨ أ] وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركِه في عمريَ المتقادم وقال (٥) الآخر (٦): لقد كان يَسبِي القلبَ في كل ليلةٍ ... ثمانون أو تسعون نفسًا وأرجحُ يَهِيمُ بهذا ثم يألَفُ غيرَه ... ويَسلوهمُ من فورهِ حين يُصبِحُ وكان فؤادي خاليًا قبل حبِّكم ... وكان بذكر الخلقِ يلهو ويَمرَحُ (٧) فلمّا دعا قلبي هواك أجابه ... فلستُ أراه عن جنابِك يَبرحُ فإن شئتَ واصِلْني وإن شئتَ لاتَصِلْ ... فلستُ أرى قلبي لغيرِك يَصلُحُ
следующие страницы →